← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: لعل من بقي منهم يتوبون من الكفر، ويرجعون عن غيهم، وضلالهم، وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [٣]. الإعراب: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله. والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (نذيقنهم): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل مستتر فيه وجوبا، تقديره: «نحن». ﴿مِنَ الْعَذابِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْأَدْنى:﴾ صفة ﴿الْعَذابِ﴾ مجرورة مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿دُونَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من ﴿الْأَدْنى،﴾ و ﴿دُونَ﴾ مضاف، و ﴿الْعَذابِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْأَكْبَرِ:﴾ صفة العذاب، وجملة: (لنذيقنهم...) إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه، وجملة: ﴿يَرْجِعُونَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ فيها معنى التعليل لإذاقتهم العذاب. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢)﴾ الشرح: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ..﴾. إلخ: قال الجمل: هذا بيان إجمالي لحال من قابل آيات الله تعالى بالإعراض بعد بيان حال من قابلها بالسجود، والتسبيح، وكلمة ﴿ثُمَّ﴾ لاستبعاد الإعراض عنها عقلا مع غاية وضوحها، وإرشادها إلى سعادة الدارين. انتهى. نقلا من أبي السعود. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أي: لا أحد أظلم. ﴿مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ﴾ أي: بآيات القرآن. وقيل: ذكر بدلائل وحدانيته، وإنعامه عليه، فلم يتفكر فيها، ولم ينتفع بما فيها. ﴿ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها:﴾ مستكبرا كأن في أذنيه وقرا، وثم لاستبعاد الإعراض عن مثل هذه الآيات في وضوحها، وإنارتها، وإرشادها إلى سواء السبيل، والفوز بالسعادة العظمى، بعد التذكير بها مستبعد في العقل، كما تقول لصاحبك: وجدت منك تلك الفرصة، ثم لم تنتهزها! استبعادا لتركه الانتهاز، ومثله: «ثم» في بيت الحماسة وهو لجعفر بن علبة الحارثي. [الطويل] ولا يكشف الغمّاء إلاّ ابن حرّة... يرى غمرات الموت ثمّ يزورها فإنه استبعد أن يزور غمرات الموت بعد أن رآها واستيقنها واطلع على شدتها، أي: لا يكشف الخصلة الشديدة إلا رجل كريم يرى غمرات الموت، ثم يتوسطها ولا يعدل عنها، وإنما قال: ابن حرة؛ ليثير حميته، وشجاعته، وإقدامه. ﴿إِنّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ:﴾ لم يقل: منه؛ لأنه إذا جعله أعظم من كل ظالم، ثم وعد المجرمين عامة بالانتقام منهم، فقد دل على إصابة الأظلم النصيب الأوفر من الانتقام، ولو قال بالضمير لم يفد هذه الفائدة. انتهى. نسفي.

стр. 4797

بعد هذا خذ آية الكهف رقم [٥٧] فإنها أبلغ في الزجر، وآلم في التقريع، والتوبيخ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً﴾. الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ:﴾ خبره، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِمَّنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَظْلَمُ،﴾ و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من). ﴿ذُكِّرَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى: (من)، وهو العائد، أو الرابط. ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (آيات) مضاف، و ﴿رَبِّهِ﴾ مضاف إليه. والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية: ﴿ذُكِّرَ..﴾. إلخ صلة: (من) أو صفتها، وجملة: ﴿أَعْرَضَ عَنْها﴾ معطوفة عليها. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿مِنَ الْمُجْرِمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُنْتَقِمُونَ:﴾ خبر: (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٢٣)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ:﴾ التوراة. ﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ:﴾ في ريب، وشك. ﴿مِنْ لِقائِهِ:﴾ من لقاء كتاب موسى، ومعناه: إنا آتينا موسى-﵇-مثل ما آتيناك من الكتاب، ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحي، فلا تكن في شك من أنك لقيت مثله، ولقيت نظيره، كقوله تعالى في سورة (يونس) رقم [٩٤]: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. أو المعنى: فلا تكن في شك من لقاء موسى الكتاب. أو المعنى: فلا تكن في شك من لقائك موسى، عليك يا محمد، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وهذا اللقاء كان في ليلة الإسراء والمعراج. قاله ابن عباس-﵄-فعنه-﵄-عن النبي ﷺ قال: «رأيت ليلة أسري بي موسى رجلا آدم طوالا جعدا، كأنّه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلا مربوعا، مربوع الخلق إلى الحمرة، وإلى البياض، سبط الشعر، ورأيت مالكا خازن النار، والدجّال في آيات أراهنّ الله إيّاه». متفق عليه. ﴿وَجَعَلْناهُ:﴾ في هذا الضمير وجهان، كما في سابقه: أحدهما:

стр. 4798

جعلنا الكتاب. قاله الحسن، والثاني: جعلنا موسى. قاله قتادة. هذا؛ وقيل: الضمير يعود إلى ملك الموت لتقدم ذكره. وقيل: يعود على الرجوع المفهوم من قوله: ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾. وقيل: يعود على ما يفهم من سياق الكلام مما ابتلي به موسى من البلاء، والامتحان؛ أي: لا بد أن تلقى ما لقي موسى من قومه. وهذه أقوال ضعيفة ذكرتها للتنبيه على ضعفها، وأظهرها: أن الضمير إما لموسى، وإما للكتاب. انتهى. جمل نقلا عن السمين بتصرف مني. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. هذا؛ وبعضهم يعتبر الواو عاطفة، وبعضهم يعتبرها حرف استئناف، ويعتبر: أن الجملة الآتية جوابا لقسم محذوف ولا أسلمه أبدا؛ لأنه على هذا يكون قد حذف واو القسم، والمقسم به، ويصير التقدير: وو الله أقسم، أو: وأقسم والله. اللام: واقعة في جواب القسم المحذوف، وبعضهم يقول: موطئة للقسم، والموطئة معناها: المؤذنة، وهذه اللام إنما تدخل على «إن» الشرطية لتدل على القسم المتقدم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدم على الشرط حكما، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٢] من سورة (الحشر) افهم هذا؛ واحفظه، فإنه جيد. فإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به، وبقاء حرف القسم. فالجواب: أنه قد حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السور، مثل قوله تعالى: ﴿وَالضُّحى﴾. ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ﴾ وغير ذلك فإن التقدير: ورب الضحى! ورب السماء! ... إلخ، والدليل: التصريح به في قوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ..﴾. إلخ الآية رقم [٢٣] من سورة (الذاريات)، وحذف المقسم به ظاهر في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها..﴾. إلخ الآية رقم [٧١] من سورة (مريم). وأظهر منه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ الآية رقم [٧٣] من سورة (المائدة)، فالواو في الآيتين حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف بلا ريب. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿آتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مُوسَى:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية ﴿(لَقَدْ آتَيْنا...)﴾ إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم، وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا؛ فلا... إلخ. (لا): ناهية. ﴿تَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لا)، واسمه ضمير مستتر فيه تقديره: أنت. ﴿فِي مِرْيَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿تَكُنْ﴾. ﴿مِنْ لِقائِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مِرْيَةٍ،﴾ أو بمحذوف صفة لها، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. وقيل: من إضافة المصدر

стр. 4799

لفاعله، وجملة: ﴿فَلا تَكُنْ..﴾. إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء؛ لأنها معترضة بين الجملتين المتعاطفتين. ﴿وَجَعَلْناهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (جعلناه): فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿هُدىً:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿لِبَنِي:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿هُدىً،﴾ أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و (بني) مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، وجملة: ﴿وَجَعَلْناهُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (قد آتينا...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ الشرح: ﴿وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً﴾ أي: قادة يقتدى بهم في الخيرات وأعمال الطاعات، و ﴿أَئِمَّةً:﴾ جمع: إمام، سمي بذلك؛ لأنه يؤتم به في الأفعال، فهنيئا لمن كان إماما في الخير! وويل لمن كان إماما في الشر! قال تعالى في حق فرعون، وأشياعه: ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ..﴾. إلخ الآية رقم [٤١] من سورة (القصص). هذا؛ ويقال: أئمة، وأيمّة، والثاني جائز عربية لا قراءة، وشرحه: أنّ أصله «أأممة» ولكن لما اجتمع المثلان، وهما الميمان، أدغمت الأولى في الثانية، ونقلت حركتها على الهمزة، فصار أئمة بهمزتين، فأبدل من الهمزة المكسورة ياء كراهة اجتماع الهمزتين. ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنا﴾ أي: يدعون الناس إلى التوحيد، وعبادة الإله الحميد المجيد بما أنزلنا عليهم من الوحي المتضمن للأمر، والنهي. ثم قيل: المراد: الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام. وقيل: المراد: الفقهاء، والعلماء من بني إسرائيل الذين جاءوا بعد موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ومعنى بأمرنا بتوفيقنا إياهم لما نأمرهم به. ﴿لَمّا صَبَرُوا:﴾ على طاعة الله، وعلى البلاء؛ الذي أصابهم، يقرأ بفتح اللام، وتشديد الميم، ويقرأ بكسر اللام، وتخفيف الميم. ﴿وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ:﴾ المراد بالآيات: التوراة، أو ما تضمنته من الأحكام، ومعنى ﴿يُوقِنُونَ:﴾ يؤمنون إيمانا صادقا، ويعلمون علما يقينا، لا يخالجه شك. وأخيرا: أما الصبر: فهو حبس النفس عن الجزع عند المصيبة، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش، وهو مر المذاق، يكاد لا يطاق، إلا أنه حلو العواقب، يفوز صاحبه بأسنى المطالب، كما قال القائل: [البسيط]

стр. 4800

الصّبر مثل اسمه مرّ مذاقته... لكن عواقبه أحلى من العسل وبالجملة فنفع الصبر مشهور، والحض عليه في الكتاب، والسنة مقرر مسطور، وهو على ثلاثة أنواع: صبر على الطاعة، وصبر على المعصية، وصبر على البلاء. ولا تنس: أن من أسماء الله تعالى: الصبور، وفسر بالذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه. هذا؛ وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أي: طلبا لمرضاته، وهذا هو الصبر المحمود، وهو أن يكون الإنسان صابرا لوجه الله تعالى، راضيا بما نزل به من الله، طالبا بذلك الصبر ثواب الله تعالى، محتسبا أجره على الله، فهذا هو الصبر الذي يدخل صاحبه رضوان الله، وأما إذا صبر الإنسان؛ ليقال: ما أكمل صبره! وما أشد قوته على تحمل النوائب! أو يصبر؛ لئلا يعاب على الجزع، أو يصبر؛ لئلا تشمت به الأعداء، فهذا كله مذموم، لا ينيل صاحبه الدرجات العلى، والمقام الرفيع عند الله، وقد يعرضه لشديد غضب الله، ونقمته. ثم اعلم: أن الصبر ذكر في القرآن الكريم في خمسة وتسعين موضعا، ومن أجمعها آية (البقرة) وهي قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ..﴾. إلخ الآية رقم [١٥٥] وما بعدها من سورة (البقرة)، ومن آنقها قوله تعالى في سورة (ص) في حق أيوب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿إِنّا وَجَدْناهُ صابِراً﴾ قرن هاء الصبر بنون العظمة، ومن أبهجها قوله تعالى في سورة (الرعد): ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ﴾. فائدة: قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً،﴾ وقال: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ،﴾ وقال: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾. فقالوا: الصبر الجميل هو الذي لا شكاية معه، والصفح الجميل هو الذي لا عتاب معه، والهجر الجميل هو الذي لا أذية معه، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠] من سورة (الزمر). الإعراب: ﴿وَجَعَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَئِمَّةً﴾ كان نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليه صار حالا» وقيل: الجار والمجرور مفعول به ثان تقدم على الأول، وهو غير وجيه. ﴿أَئِمَّةً:﴾ مفعول به. ﴿يَهْدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿أَئِمَّةً﴾. ﴿بِأَمْرِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له. و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لَمّا:﴾ ظرف بمعنى حين متعلق بالفعل: ﴿يَهْدُونَ،﴾ وقال الجمل: وجوابها محذوف دل عليه: ﴿وَجَعَلْنا مِنْهُمْ،﴾ أو هو نفسه الجواب، والتقدير: ولما صبروا؛ جعلنا منهم أئمة، وأرى أن لا جواب لها.

стр. 4801

هذا؛ وعلى قراءة كسر اللام، فاللام حرف جر، و (ما): مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر باللام، التقدير: لصبرهم، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿يَهْدُونَ،﴾ وجملة: ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَكانُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (كانوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿يُوقِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (كان)، وجملة: ﴿وَكانُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿صَبَرُوا﴾ على الاعتبارين فيها. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ..﴾. إلخ: أي يقضي، ويحكم بين المؤمنين، والكافرين، فيجازي كلا بما يستحق. وقيل: المعنى يميز الحق من الباطل بتمييز المحق من المبطل. ﴿فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: من أمر الدين، وأمر الواحد القهار، والخطاب في الآية للنبي ﷺ ، ويعم كل عاقل من بني آدم، وقول الله تعالى في الآية رقم [١٤] من سورة (الروم) ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ يوضح معنى هذه الآية، وأمثالها. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسم: ﴿إِنَّ،﴾ والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿هُوَ:﴾ فيه ثلاثة، أوجه: أحدها: كونه ضمير فصل لا محل له من الإعراب. وثانيها: كونه توكيدا لاسم: ﴿إِنَّ﴾ على المحل، وعليهما فالجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. وثالثها: كونه مبتدأ، والجملة الفعلية في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿يَفْصِلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر، تقديره: هو يعود إلى: ﴿رَبَّكَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ أو في محل رفع خبر المبتدأ، الذي هو الضمير، كما رأيت. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله أيضا، وقيل: متعلق بمحذوف حال ولا وجه له قطعا. و ﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿فِيما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿يَفْصِلُ﴾ أيضا، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب (في). ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿يَخْتَلِفُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلا ب (في).

стр. 4802

﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ (٢٦)﴾ الشرح: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ..﴾. إلخ: أي: أولم يتبين لأهل مكة خبر من أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم؛ إذا سافروا، وخرجوا في التجارة لطلب المعيشة، فيرون بلاد الأمم الماضية، والقرون الخالية خاوية من أهلها، كقوم عاد، وثمود، وقوم لوط، أفلا يخافون أن يحل بهم ما حل بالمكذبين قبلهم من الهلاك، والانتقام. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ:﴾ لدلالات واضحة، وبراهين ساطعة على قدرتنا، ووحدانيتنا. ﴿أَفَلا يَسْمَعُونَ:﴾ سماع قبول، وسماع تدبر، واتعاظ. الإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. الواو: عاطفة على محذوف، تقديره: أغفلوا، ولم يتبين لهم. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَهْدِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها. وفي الفاعل أقوال كثيرة، قال ابن هشام في مغنيه بعد أن رد قول ابن عصفور: إن ﴿كَمْ﴾ فاعل: مردود بأن ﴿كَمْ﴾ لها الصدر، فقال: وإنما الفاعل ضمير اسم الله تعالى، أو ضمير العلم، أو الهدى المدلول عليهما بالفعل، أو جملة: ﴿أَهْلَكْنا﴾ على القول بأن الفاعل يكون جملة، وجوز أبو البقاء كونه ضمير الإهلاك المفهوم من الجملة، وليس هذا من المواطن التي يعود الضمير فيها على المتأخر. انتهى. هذا؛ واعتبر الجلال الفاعل المصدر المأخوذ من: ﴿أَهْلَكْنا﴾ واعتذر عن ذلك بقوله: وما ذكر من أخذ إهلاك من فعله الخالي عن حرف مصدري لرعاية المعنى لا مانع منه. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَمْ:﴾ خبرية بمعنى: كثير مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. هذا؛ ويقرأ الفعل: (نهد) بالنون، فيكون الفاعل مستترا وجوبا تقديره: «نحن». ﴿أَهْلَكْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به للفعل ﴿يَهْدِ﴾ وقد علق عن العمل فيها لفظا بسبب ﴿كَمْ؛﴾ لأنها تعلق خلافا لأكثرهم. قاله ابن هشام في المغني. أو في محل رفع فاعل على حسب ما رأيت في الفاعل. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْقُرُونِ،﴾ وهو أولى، وأقوى. ﴿مِنَ الْقُرُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿كَمْ،﴾ و (من) بيان لما أبهم فيها. وقيل: متعلقان بمحذوف صفة تمييز ﴿كَمْ﴾ المحذوف، فإن التقدير: كم قرنا من القرون أهلكنا. ﴿يَمْشُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿الْقُرُونِ﴾ فهي حال متداخلة. ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، ومثل هذه الآية الآية رقم [١٢٨] من سورة (طه).

стр. 4803

﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء. (آيات): اسم (إن) مؤخر منصوب وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. الفاء: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿يَسْمَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾ الشرح: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أي: أولم ينظروا، ويتفكروا بدلائل قدرتنا، ووحدانيتنا من ذلك: ﴿أَنّا نَسُوقُ الْماءَ﴾ أي: بواسطة السحاب المسخر بين السماء والأرض، ثم بواسطة الرياح التي تسوق السحاب. ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ أي: الأرض اليابسة الغليظة التي لا نبات فيها، وقال الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي: حيث قالوا: التي جرز نباتها، أي: قطع، وأزيل، لا التي لا تنبت كالسباخ بدليل الجملة الآتية. هذا؛ وإذا رجعنا إلى قوله تعالى في الآية رقم [٨] من سورة (الكهف): ﴿وَإِنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً﴾ لعرفنا: أن المعنى هناك التي لا تنبت شيئا، وبالجملة: فإن المعنى: هي التي لا تنبت، أو: التي أكل نباتها، وهو ما في القاموس المحيط، وجمعها: أجراز، ويقال: سنة جرز، وسنون أجراز؛ أي: لا مطر فيها، وتكون فيها جدوبة، ويبس، وشدة، قال ذو الرمة يصف إبلا: [الطويل] طوى النّحز والأجراز ما في بطونها... فما بقيت إلاّ الضّلوع الجراشع والجروز: المرأة الأكول، قال الراجز: [الرجز] إنّ العجوز خبّة جروزا... تأكل كلّ ليلة قفيزا ويستشهد بهذا البيت على نصب «إنّ» لاسمها وخبرها. ورجل جروز: إذا كان لا يبقي شيئا إلا أكله، قال الراجز: [الرجز] خبّ جروز وإذا جاع بكى... ويأكل التمر ولا يلقي النّوى هذا؛ والجرز، والجرز، والجرز بمعنى واحد. وبالجملة فإن معنى الجروز هي: التي لا تنبت، أو التي أكل نباتها، وهو ما في «القاموس المحيط». هذا؛ وجرزه الزمان: اجتاحه، قال تبع: [الكامل] لا تسقني بيديك إن لم ألقها... جرزا كأنّ أشاءها مجروز

стр. 4804

﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً﴾ أي: بالماء. ﴿تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ﴾ أي: تأكل مواشيهم من الزرع، كالتبن، والقصل، والورق، وبعض الحبوب المخصوصة بها. ﴿وَأَنْفُسُهُمْ﴾ أي: يأكلون منه كالحبوب التي يعتادها الإنسان، وأنواع الخضار، ومختلف أنواع الفواكه، والثمار، وقدم الأنعام؛ لأن انتفاعها مقصور على النبات، ولأن أكلها منه مقدم؛ لأنها تأكله قبل أن يثمر، ويخرج سنبله، وختمت الآيات هنا بقوله: ﴿أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ لأن الزرع مرئي، وختمت الآية السابقة بقوله: ﴿أَفَلا يَسْمَعُونَ﴾ لأن ما قبله مسموع، أو ترقيا من الأدنى إلى الأعلى في الاتعاظ مبالغة في التذكير، ودفع العذر. انتهى. جمل نقلا من الشهاب. ومعنى: ﴿أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ فيستدلون به على كمال قدرته، وفضله وكرمه وجوده. الإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. الواو: حرف استئناف، أو هي حرف عطف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت ألفها دليلا عليها. ﴿نَسُوقُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْماءَ:﴾ مفعول به. ﴿إِلَى الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْجُرُزِ:﴾ صفة: ﴿الْأَرْضِ،﴾ وجملة: ﴿نَسُوقُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول الفعل قبله، وجملة: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا..﴾. إلخ مستأنفة، أو معطوفة على جملة ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ..﴾. إلخ لا محل لها على الاعتبارين. ﴿فَنُخْرِجُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (نخرج): فعل مضارع، والفاعل تقديره: «نحن». ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿زَرْعاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً﴾ معطوفة على جملة: ﴿نَسُوقُ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها. ﴿تَأْكُلُ:﴾ فعل مضارع. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنْعامُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَأَنْفُسُهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أنفسهم): معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿تَأْكُلُ..﴾. إلخ في محل نصب صفة زرعا. ﴿أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ إعرابها مثل إعراب: ﴿أَفَلا يَسْمَعُونَ﴾ إفرادا، وجملا، ومحلا. ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٨)﴾ الشرح: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي: الكفار. ﴿مَتى هذَا الْفَتْحُ﴾ أي: النصر، أو الفصل بالحكومة. وقيل: المراد به: فتح مكة. وقال مجاهد: المراد به يوم القيامة، وهو الأصح، حيث يروى: أن المؤمنين قالوا للمشركين: سيحكم الله بيننا يوم القيامة، فيثيب المحسن، ويعاقب المسيء. فقال الكفار على سبيل التهزي: متى يوم الفتح؟ وقيل: كان المسلمون يقولون: إن الله

стр. 4805

سيفتح لنا على المشركين، ويفصل بيننا وبينهم، وكان أهل مكة إذا سمعوه يقولون بطريق الاستعجال تكذيبا، واستهزاء: ﴿مَتى هذَا الْفَتْحُ﴾ أي: النصر، والفصل في الحكومة. وفي كثير من السور قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وهو قريب من معنى هذه الآية، ومعنى: ﴿صادِقِينَ﴾ أي: فيما تعدوننا به، وإنما جاء بلفظ الجمع؛ لأن كل أمة قالت لرسولها كذلك، أو المعنى: إن كنت صادقا أنت، وأتباعك يا محمد!. الإعراب: ﴿وَيَقُولُونَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يقولون): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿مَتى:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿هذَا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿الْفَتْحُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم صادقين فيما تقولون؛ فأتونا به. والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: (يقولون...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ . ﴿يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ..﴾. إلخ: أي يوم القيامة، وهو يوم الفصل بين المؤمنين، وأعدائهم، ويوم نصرهم عليهم، أو: يوم بدر، أو: يوم فتح مكة. ﴿لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. إلخ: وهذا الكلام لا ينطبق جوابا على سؤالهم ظاهرا، ولكن لما كان غرضهم في السؤال عن وقت الفتح استعجالا منهم على وجه التكذيب، والاستهزاء؛ أجيبوا على حسب ما عرف من غرضهم في سؤالهم، فقيل لهم: لا تستعجلوا به، ولا تستهزءوا، فكأني بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم، وآمنتم، فلا ينفعكم الإيمان، أو استنظرتم في إدراك العذاب، فلم تنظروا. ومن فسره بيوم الفتح، أو بيوم بدر؛ فهو يريد المقتولين منهم، فإنهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل، كما لم ينفع فرعون إيمانه عند الغرق. انتهى. نسفي. هذا؛ ولما فتحت مكة هرب قوم من بني كنانة، فلحقهم خالد بن الوليد، ﵁، فأظهروا الإسلام، فلم يقبله منهم خالد، وقتلهم، فذلك قوله تعالى: ﴿لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ﴾. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، وأجاز الفراء رفعه على الابتداء، ولا وجه له؛ لأنه لم يقرأ برفعه، ولا مسوغ

стр. 4806

لبنائه على الفتح، ولأنه لا يوجد رابط في الجملة الفعلية الآتية التي تقع خبرا عنه، و ﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿الْفَتْحِ﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَنْفَعُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِيمانُهُمْ:﴾ فاعل ﴿يَنْفَعُ،﴾ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية: ﴿يَوْمَ الْفَتْحِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿إِيمانُهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُنْظَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَاِنْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)﴾ الشرح: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ:﴾ هذا أمر للنبي ﷺ ، ومعناه: أعرض عن سفههم، ولا تجبهم، إلا بما أمرت به، ولا تبال بتكذيبهم. وقيل: إن هذا منسوخ بآية السيف بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية رقم [٥] من سورة (براءة). ﴿وَانْتَظِرْ﴾ أي: موعدي لك بالنصر عليهم. ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ أي: ينتظرون بك حوادث الزمن. هذا؛ وقرئ بفتح الظاء، فيكون معناه: أنهم أحقاء بأن ينتظر هلاكهم، أو أن الملائكة ينتظرونه، ويكثر ذكر مثل هذه الجملة في سور القرآن، مثل قوله تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [١٠٢] ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ،﴾ وفي سورة (الأنعام) رقم [١٥٨]: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ وكثير غيرها، وفي هذا المعنى، وهو كثير أيضا قوله تعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾. خاتمة: فعن جابر بن عبد الله-﵄: أن النبي ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ... ،﴾ و ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ..﴾. أخرجه الترمذي، وقال طاوس: «تفضلان عن كلّ سورة في القرآن بسبعين حسنة». أخرجه الترمذي، وعن النبي ﷺ : «من قرأ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ..﴾. في بيته؛ لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيّام». والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فَأَعْرِضْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (أعرض): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا؛ فأعرض عنهم. وهذا الكلام مستأنف،

стр. 4807

لا محل له، وجملة: ﴿وَانْتَظِرْ..﴾. معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿مُنْتَظِرُونَ:﴾ خبر: (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (السجدة)، بحمد الله وتوفيقه. والحمد لله رب العالمين

стр. 4808

سورة الأحزاب سورة الأحزاب، وهي مدنية بالاتفاق، وهي ثلاث وسبعون آية، وألف ومائتان وثمانون كلمة، وخمسة آلاف، وسبعمائة، وتسعون حرفا. انتهى. خازن، وسميت سورة الأحزاب؛ لأن المشركين تحزبوا على المؤمنين من جميع الجهات، كما ستعرفه مفصلا بعونه تعالى. نزلت السورة الكريمة بشأن غزوة الأحزاب الشهيرة بغزوة الخندق، وبيان خبث بني قريظة، الذين نقضوا عهد رسول الله ﷺ ، وبيان عقاب الله، وانتقامه منهم، وكشفت النقاب عن خبث المنافقين، وإيذائهم رسول الله ﷺ ، وطعنهم فيه وفي مناكحته. وكانت هذه السورة تعدل سورة (البقرة)، وكانت فيها آية الرجم، ولفظها: «الشّيخ والشّيخة إذا زنيا، فارجموهما البتّة نكالا من الله، والله عزيز حكيم». ذكره أبو بكر الأنباري عن أبي بن كعب-﵁-وهذا يحمله أهل العلم على أن الله تعالى رفع من هذه السورة ما يزيد على ما في أيدينا منها، وأن آية الرجم المذكورة رفع لفظها، وحكمها باق إلى يوم القيامة. فعن عروة بن الزبير عن عائشة-﵄-قالت: كانت سورة الأحزاب تعدل على عهد رسول الله ﷺ مائتي آية، فلما كتاب المصحف لم يقدر منها إلا على ما هي الآن. وقال أبو بكر بن الأنباري: فمعنى هذا من قول أم المؤمنين عائشة: أن الله رفع إليه من سورة الأحزاب ما يزيد على ما عندنا، انتهى. وهذا؛ وجه من وجوه النسخ التي ذكرتها في الآية رقم [١٠٦] من سورة (البقرة)، وهذا الوجه مما نسخ لفظه، وبقي حكمه. وروي عن زرّ بن حبيش قال: قال لي أبيّ بن كعب-﵁: كم تعدون سورة الأحزاب؟ قلت: ثلاثا وسبعين آية، قال: فو الذي يحلف به أبيّ بن كعب أن كانت لتعدل سورة (البقرة)، أو أطول، ولقد قرأنا منها آية الرجم: «الشيخ والشيخة...» إلخ أراد أبيّ: أن ذلك من جملة ما نسخ من القرآن، وأما ما يحكى من أن تلك الزيادة كانت في صحيفة في بيت عائشة، فأكلتها الداجن، فمن تأليفات الملاحدة، والروافض. هذا؛ والمراد بالشيخ: الرجل المتزوج، وبالشيخة: المرأة المتزوجة، وإن كانا في سن قبل العشرين سنة، ولقد روي: أن الفاروق-﵁-خطب على المنبر، فقال: أيها الناس إن الله بعث محمدا بالحق، وأنزل عليه كتابا هاديا للناس، بشيرا، ونذيرا، وكان فيما أنزل عليه: «الشيخ والشيخة... إلخ» فقرأناها، ووعيناها، ثم قال: إني خشيت أن يطول بالناس زمان، فيقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق لمن زنى، وقد أحصن.

стр. 4809

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اِتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ:﴾ يقرأ بالهمز: «يا أيها النبيء» ومعناه: يا أيها المخبر عنا، المأمون على أسرارنا، المبلغ خطابنا إلى أحبابنا، وإنما لم يقل: يا محمد، كما قال: يا آدم، يا نوح، يا موسى... إلخ تشريفا له، وتنويها بفضله. وتصريحه باسمه في قوله جل ذكره: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ﴾ ونحوه لتعليم الناس بأنه رسول الله. انتهى. نسفي. وينبغي أن تعلم: أن الله لم يناد نبيه ﷺ بلفظ الرسول إلا في سورة (المائدة) رقم [٤١ و ٦٧]. ﴿اِتَّقِ اللهَ:﴾ اثبت على تقوى الله، ودم عليه، وازدد منه، فهو باب لا يدرك مداه. ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ:﴾ فيما يطلبون منك، ففيه توهين للدين، وضعف لشوكة المسلمين، فإياك أن تساعدهم، أو تستجيب لهم بشيء أبدا، واحترس منهم، فإنهم أعداء الله، وأعداؤك، وأعداء المؤمنين. فقد روي: أن الآية نزلت في أبي سفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وأبي الأعور السلمي، وذلك: أنهم قدموا المدينة، فنزلوا على عبد الله بن أبيّ ابن سلول، رأس المنافقين بعد قتال أحد، وقد أعطاهم النبي ﷺ الأمان على أن يكلموه، فقام معهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وطعمة بن أبيرق، فقالوا للنبي ﷺ وعنده الفاروق-﵁: ارفض ذكر آلهتنا: اللات، والعزى، ومناة-أي: لا تذمها-وقل: إن لها شفاعة لمن عبدها، وندعك وربك. فشق ذلك على النبي ﷺ ، فقال الفاروق-﵁: يا رسول الله! ائذن لي في قتلهم، فقال النبي ﷺ : إني أعطيتهم الأمان، فقال الفاروق: اخرجوا في لعنة الله وغضبه، فأمر النبي ﷺ أن يخرجوا من المدينة، فنزلت الآية. وفي هذا دليل قاطع على أنه يجوز لعن كافر معين. هذا؛ وإن هذا النص لا يدل على وقوع الذنب من الرسول ﷺ ، وإنما هو خطاب للأمة توجه إلى القائد، والزعيم في صورة الخطاب له ﷺ ، والمراد به أمته، والدليل أن المقصود بالخطاب هو الأمة، لا شخص الرسول: أن الله ختم الآيات الكريمة بصيغة الجمع حيث قال: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً﴾ أي: بخلقه قبل أن يخلقهم، فهو يعلم مكر الماكرين، وخبث الخبيثين من الكافرين، والمنافقين. ﴿حَكِيماً:﴾ فيما دبر لهم، والحكيم: هو الذي يضع الأمور في مواضعها، فأوامر الله كلها حكم، ونواهيه وزواجره كلها حكم، وما يتذكر إلا أولو الألباب. هذا؛ و ﴿كانَ﴾ في القرآن الكريم تأتي على أوجه: تأتي بمعنى الأزل، والأبد، وبمعنى المضي المنقطع، وهو الأصل في معناها، وبمعنى الحال، وبمعنى الاستقبال، وبمعنى «صار»

стр. 4810

وبمعنى: «حضر» أو «وجد» وترد للتأكيد، وهي الزائدة، وهي هنا بمعنى الاستمرار، فليست على بابها من المضي، وإن المعنى: كان، ولم يزل كائنا إلى يوم القيامة، وإلى أبد الآبدين في الدنيا والآخرة. هذا؛ والنبي يقرأ بالهمز وبدونه كما رأيت، وهو مأخوذ من النبأ، وهو الخبر. وقيل: بل هو مأخوذ من النّبوة، وهي الارتفاع لأن رتبة النبي ارتفعت عن رتب الخلق. هذا؛ والنبي غير الرسول بدليل عطفه عليه في قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٥٢]: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ..﴾. إلخ. وقيل: هو أعم منه؛ لأن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا، أما تعريفهما فالرسول: ذكر حر من بني آدم، سليم عن منفر طبعا، أوحي إليه بشرع يعمل به، ويؤمر بتبليغه، فإن لم يؤمر بالتبليغ؛ فهو نبي، وليس رسولا، فنبينا ﷺ صار نبيا بنزول سورة اقرأ عليه، وبعد ستة أشهر من نزولها صار رسولا بنزول سورة (المدثر) عليه. هذا؛ ويروى: أن أبا ذر-﵁-سأل رسول الله ﷺ عن عدد الأنبياء، فقال: «مائة ألف، وأربعة وعشرون ألفا». قال: كم عدد الرسل منهم؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر، أولهم آدم، وآخرهم نبيكم محمد ﵇». أخرجه الإمام أحمد، وفي بعض ألفاظه اختلاف بسيط. هذا؛ وأربعة منهم من العرب: هم: هود، وصالح، وشعيب، ومحمد ﷺ . وإسماعيل مستعرب لسكناه مكة مع قبيلة جرهم، وتزوجه منهم بامرأتين. والمذكور من الرسل في القرآن بأسمائهم خمسة وعشرون، ومعرفتهم بأسمائهم واجبة على كل مسلم ومسلمة من المكلفين، وأعني بمعرفتهم: أنه لو عرض اسم رسول على مسلم، فيجب عليه أن يعرف: أهو من المرسلين أم لا؟ هذا؛ وقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ في سورة (النساء) رقم [١٦٤]: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ،﴾ وقال تعالى في سورة (غافر) رقم [٧٨]: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾. هذا؛ وقد ذكر في آيات (الأنعام) رقم [٨٣] وما بعدها ثمانية عشر رسولا بأسمائهم من غير ترتيب لا بحسب الزمان، ولا بحسب الفضل؛ لأن الواو العاطفة لا تقتضي الترتيب، وبقي سبعة لم يذكروا في سورة (الأنعام) وقد ذكروا في غيرها، وهم: إدريس، وشعيب، وصالح، وهود، وذو الكفل، وهو ابن أيوب؛ الذي ذكر في سورة (الأنبياء)، ومحمد صلّى الله عليهم جميعا وسلم، فهؤلاء الخمسة والعشرون رسولا هم الذين يجب الإيمان بهم، ومعرفتهم تفصيلا، وقد نظموا في قول بعضهم: [البسيط] حتم على كلّ ذي التّكليف معرفة... بأنبياء على التّفصيل قد علموا في تلك حجّتنا منهم ثمانية... من بعد عشر، ويبقى سبعة، وهمو إدريس هود شعيب صالح وكذا... ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا

стр. 4811

ويعني بقوله في: (تلك حجتنا) آيات الأنعام المذكورة. وينبغي أن تعلم: أن هؤلاء الرسل ليسوا بدرجة واحدة من الفضل؛ بل أرفعهم درجة، وأعلاهم منزلة، أولو العزم منهم، وهم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد. وسيد الجميع، وأفضل الخلق قاطبة محمد صلّى الله عليهم جميعا، وسلم تسليما. والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين تجوز عليهم الأعراض البشرية؛ لأنهم من البشر، فهم يأكلون، ويشربون، ويصحون، ويمرضون، وينكحون النساء، ويمشون في الأسواق، وتعتريهم الأعراض البشرية، من ضعف، وشيخوخة، وموت، إلا أنهم يمتازون بخصائص، ويتصفون بصفات عظيمة جليلة، هي بالنسبة لهم من ألزم اللوازم، وهي ما يلي: الصدق، والأمانة، والتبليغ، والفطانة، والعصمة من المعاصي قبل النبوة، وبعدها، والسلامة من العيوب المنفرة. الإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو، أو: أنادي. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب: (يا)، و (ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿النَّبِيُّ:﴾ بعضهم يعرب هذا وأمثاله نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل: أن الاسم الواقع بعد أي، وبعد اسم الإشارة إن كان مشتقا؛ فهو نعت، وإن كان جامدا؛ فهو بدل، أو عطف بيان، والمتبوع أعني «أي» منصوبا محلا، فكذا التابع، أعني ﴿النَّبِيُّ،﴾ وأمثاله، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الاتباع اللفظية، وإنما أتبعت ضمة البناء مع أنها لا تتبع؛ لأنها وإن كانت ضمة بناء؛ لكنها عارضة، فأشبهت ضمة الإعراب، فلذا جاز إتباعها. أفاده الصبان؛ لأنه قال: والمتجه وفاقا لبعضهم أن ضمة التابع إتباع، لا إعراب، ولا بناء. وقيل: إن رفع التابع المذكور إعراب، واستشكل بعدم المقتضي للرفع، وأجيب بأن العامل يقدر من لفظ عامل المتبوع مبنيا للمجهول، نحو: يدعى، وهو مع ما فيه من التكليف، يؤدي إلى قطع المتبوع. وقيل: إن رفع التابع المذكور بناء؛ لأن المنادى في الحقيقة هو المحلى بال، ولكن لما لم يمكن إدخال حرف النداء عليه توصلوا إلى ندائه بأي، أي مع قرنها بحرف التنبيه، ورده بعضهم بأن المراعى في الإعراب اللفظ، وأن الأول منادى؛ والثاني تابع له، والإعراب السائد الآن أن تقول: مرفوع تبعا للفظ. انتهى. جرجاوي. هذا؛ والأخفش يعتبر «أيا» في مثل هذه الآية موصولة، و ﴿النَّبِيُّ﴾ خبرا لمحذوف، والجملة الاسمية صلة، وعائد، التقدير: يا من هو النبي، على أنه قد حذف العائد حذفا لازما كما في قول امرئ القيس: [الطويل] ألا ربّ يوم صالح لك منهما... ولا سيّما يوم بدارة جلجل وهذا هو الشاهد، رقم [٢٤٢] من كتابنا فتح القريب المجيب، وما قاله الأخفش لا يعتد به عند جمهرة النحاة. ﴿اِتَّقِ:﴾ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها

стр. 4812

دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تُطِعِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَالْمُنافِقِينَ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (الله). ﴿عَلِيماً حَكِيماً:﴾ خبران ل: ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل للأمر والنهي مؤكدة لمضمون وجوب الامتثال، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٢)﴾ الشرح: ﴿وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: القرآن، وما فيه من الأحكام، والحث على التقوى، والثبات على الطاعة، وترك طاعة الكافرين، والمنافقين فيما يطلبون منك يا محمد!. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً:﴾ وإنما جمع الضمير؛ لأن المراد النبي ﷺ ، وأصحابه. هذا؛ ويقرأ الفعل المضارع بالياء، فيكون المراد: الكافرين، والمنافقين الذين طلبوا منه ﷺ ما ذكرته في الآية السابقة. هذا؛ وفي الآية الكريمة التفات، فعلى القراءة الأولى بالخطاب يكون الالتفات من المفرد إلى الجمع، وعلى القراءة الثانية يكون الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، التي هي بالجمع أيضا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَاتَّبِعْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اتبع): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُوحى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿ما،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل العائد إلى: ﴿ما،﴾ و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿وَاتَّبِعْ ما يُوحى..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿اِتَّقِ اللهَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى الله. ﴿بِما:﴾ متعلقان ب: ﴿خَبِيراً﴾ بعدهما، و ﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو: بشيء تعملونه، وعلى

стр. 4813

اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملكم. ﴿خَبِيراً:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها تعليل للأمر، وتأكيد لموجبه. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً (٣)﴾ الشرح: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ:﴾ أسند أمرك إلى الله، وكله إلى تدبيره، فهو الذي يمنعك من الناس، ويحفظك من إيذائهم. والخطاب للنبي ﷺ ، وأمته تبع له في كل ما تقدم، والتوكل: تفويض الرجل الأمر إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه، وضره. وقالوا: المتوكل من أن إذا دهمه أمر، لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية لله، فعلى هذا إذا وقع الإنسان في محنة، ثم سأل غيره خلاصه منها؛ لم يخرج عن حد التوكل؛ لأنه لم يحاول دفع ما نزل به عن نفسه بمعصية الله، وإنما هو من تعاطي الأسباب في دفع المحنة. ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ أي: حافظا، وراعيا، ومعتمدا عليه في المهمات، وملجأ في النوائب، والأزمات. هذا؛ والفعل: (كفى) في هذه الآية ونحوها فهو بمعنى: اكتف، فالباء زائدة في الفاعل عند الجمهور، وهو لازم لا ينصب المفعول به، ومضارعه مثله، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ الآية رقم [٥٣] من سورة (فصلت)، وأما إذا كان بمعنى: جزى، وأغنى؛ فيكون متعديا لمفعول واحد، وإذا كان بمعنى: وقى؛ فإنه يكون متعديا لمفعولين، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ رقم [٢٥] الآتية. الإعراب: ﴿وَتَوَكَّلْ:﴾ الواو: حرف عطف. (توكل): فعل أمر، وفاعله تقديره: «أنت». ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿اِتَّقِ اللهَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَكَفى:﴾ الواو: واو الحال. (كفى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿بِاللهِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (الله): فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿وَكِيلاً:﴾ تمييز. وقيل: حال، والأول أقوى، والجملة الفعلية: ﴿وَكَفى..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، وإعادة الاسم الكريم بلفظه، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)﴾ الشرح: فقد نفى الله في هذه الآية ثلاثة أمور؛ فخذها بما يلي:

стр. 4814

﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ:﴾ نزلت هذه الجملة في أبي معمر جميل بن معمر الفهري، وكان رجلا لبيبا حافظا لما يسمع، فقالت قريش: ما حفظ أبو معمر هذه الأشياء إلا وله قلبان. وكان يقول: إن لي قلبين، أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، فلما هزم الله المشركين يوم بدر؛ انهزم أبو معمر فيهم، فلقيه أبو سفيان، وإحدى نعليه في يده، والأخرى في رجله، فقال: يا أبا معمر ما حال الناس؟ فقال: انهزموا، فقال: فما بال إحدى نعليك في يدك، والأخرى في رجلك؟ فقال: ما شعرت إلا أنهما في رجلي. فعلموا يومئذ أنه لو كان له قلبان؛ لما نسي نعله في يده. وعن أبي ظبيان، قال: قلنا لابن عباس-﵄: أرأيت قول الله تعالى: ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ:﴾ ما عنى بذلك؟ فقال: قام رسول الله ﷺ يوما يصلي، فخطر خطرة، فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترون أن له قلبين، قلبا معكم، وقلبا معهم! فأنزل الله ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ..﴾. إلخ أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن. هذا؛ والخطر: الوسوسة التي تحصل للإنسان في صلاته. انتهى. خازن. هذا؛ ولا يمكن أن يكون لواحد قلبان: يحب بواحد ويبغض بآخر. بمعنى: أنه يجمع بين الضدين، ومن هذا الباب قول الشاعر: [الكامل] لو كان لي قلبان عشت بواحد... وتركت قلبا في هواك يعذّب ﴿وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ:﴾ وصورة الظهار: أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي. وقد كان هذا طلاقا في الجاهلية، وفي صدر الإسلام، وسيأتي حكمه، وكفارته وما يترتب عليه في سورة (المجادلة) إن شاء الله تعالى. ﴿وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ﴾ أي: الذين تتبنونهم أبناءكم حقيقة، وذلك: أن الرجل كان في الجاهلية يتبنى الرجل كالابن المولود، يدعوه إليه الناس، ويرث منه بعد وفاته، وقد نزلت هذه الجملة في نفي تبني النبي ﷺ زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، وكان زيد-﵁-فيما روي عن أنس بن مالك وغيره مسبيا من الشام سبته خيل من تهامة، وهو طفل صغير ابن ست سنوات، أو أكثر، وكان مع أمه في زيارة لأخواله، وأبوه وعمه سيدا قومهما، فالذي سباه باعه في مكة على أنه عبد، فابتاعه حكيم بن حزام بن خويلد لعمته خديجة-﵂-فلما تزوج النبي ﷺ خديجة، وهبته له، ثم إن أباه وعمه قد علما: أنه في مكة عند محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، فأتيا بمال كثير ليفدياه به، فقال لهما النبي ﷺ : «خيراه، فإن اختاركما؛ فهو لكما دون فداء»، وذلك قبل المبعث، فاختار الرق مع رسول الله ﷺ على حريته وقومه، فغضب أبوه وعمه، وقالا: يا زيد تختار العبودية على الحرية، وعلى أبيك، وعمك؟! قال لهم: نعم. فأراد النبي الكريم أن يطيب خاطرهما، وأن يجبر قلبهما، فقال لهما: هو حرّ. ولم يكتف بذلك؛ بل أعلن تبنيه لزيد، وقال: يا معشر قريش! أشهدكم: أنه ابني، يرثني،

стр. 4815

وأرثه، ويعقل عني، وأعقل عنه، وكان هذا على عادة الجاهلية، فرضي بذلك أبوه، وعمه، وقرّا عينا، وانصرفا. وكان أبوه لما سبي يدور الشام، ويقول: [الطويل] بكيت على زيد ولم أدر ما فعل... أحيّ فيرجى أم أتى دونه الأجل؟ فو الله لا أدري وإني لسائل... أغالك بعدي السهل أم غالك الجبل؟ فيا ليت شعري هل لك الدّهر، أوبة؟ ... فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل تذكّرنيه الشمس عند طلوعها... وتعرض ذكراه إذا غربها أفل وإن هبّت الأرياح هيّجن ذكره... فيا طول ما حزني عليه وما وجل سأعمل نصّ العيس في الأرض جاهدا... ولا أسأم التطواف، أو تسأم الإبل حياتي، أو تأتي عليّ منيتي... فكلّ امرئ فان وإن غرّه الأمل وسيأتي من ذكره، وفضله، وشرفه في الآية [٣٦] ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ و ﴿أَدْعِياءَكُمْ﴾ جمع: دعي، وهو الولد المتبنّى من أبناء الغير، قال في اللسان: والداعي: المنسوب إلى غير أبيه، قال الشاعر المسلم يفتخر بإسلامه: [الوافر] دعيّ القوم ينصر مدّعيه... ليلحقه بذي النّسب الصّميم أبي الإسلام لا أب لي سواه... إذا افتخروا بقيس، أو تميم هذا؛ وقد ادعى معاوية بن أبي سفيان زياد بن سمية أخا له، وألحقه بأبيه، قال بعض الشعراء يهجوه: [الوافر] ألا أبلغ معاوية بن حرب... مغلغلة عن الرّجل اليمان أتغضب أن يقال: أبوك عفّ... وترضى أن يقال: أبوك زان هذا؛ والخليع في الجاهلية كان بالعكس، وهو الذي خلعه أهله، وطردوه، وتبرءوا منه لخبثه، فكان الرجل يأتي بابنه في الموسم، ويقول: ألا إني قد خلعت ابني هذا، فإن جر جريرة، أي جنى جناية لم أضمن، وإن جرّ عليه، أي جني عليه لم أطلب، فلا يؤخذ بجرائره. قال امرؤ القيس في معلقته: [الطويل] وواد كجوف العير قفر قطعته... به الذّئب يعوي كالخليع المعيّل ﴿ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ﴾ أي: إن قولكم للزوجة: هي أم، وللدعي: هو ابن قول تقولونه بأفواهكم، لا حقيقة له؛ إذ الابن لا يكون إلا بالولادة، وكذا الأم لا تكون إلا بالولادة أيضا،

стр. 4816

وأيضا لا يكون للإنسان إلا قلب واحد. ﴿وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ أي: ما هو حق ظاهره، وباطنه. ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أي: يرشد، ويوفق إلى سبيل الهدى، والرشاد. ومعنى الآية الكريمة: أنه تعالى كما لم يجعل للإنسان قلبين؛ لأنه لا يخلو إما أن يفعل بأحدهما فعلا من أفعال القلوب، فأحدهما فضلة غير محتاج إليه، وإما أن يفعل بهذا غير ما يفعل بذاك، فذلك يؤدي إلى اتصاف الإنسان بكونه مريدا كارها، عالما ظانا، موقنا شاكا في حالة واحدة، لم يحكم الله، ولم يرض أيضا أن تكون المرأة الواحدة أمّا لرجل زوجا له؛ لأن الأم مخدومة، والمرأة خادمة وبينهما منافاة، كذلك لم يحكم الله أن يكون الرجل الواحد دعيّا لرجل، وابنا له؛ لأن البنوة أصالة في النسب، والدعوة إلصاق عارض بالتسمية لا غير، ولا يجتمع في الشيء الواحد أن يكون أصيلا، وغير أصيل. انتهى. نسفي بتصرف. هذا؛ والقلب قطعة صغيرة على هيئة الصّنوبرة، خلقها الله في الآدمي، وجعلها محلا للعلم، فيحصي به العبد من العلوم ما لا يسع في أسفار، يكتبه الله بالخط الإلهي، ويضبطه فيه بالحفظ الرباني، حتى يحصيه، ولا ينسى منه شيئا، وهو بين لمّتين: لمّة من الملك، ولمّة من الشيطان، كما قال النبي ﷺ . خرجه الترمذي عن عبد الله بن مسعود، ﵁، وقد مضى في الآية رقم [٢٦٧] من سورة (البقرة) وهو محل الخطرات، والوساوس، ومكان الكفر، والإيمان، وموضع الإصرار، والإنابة، وموضع الانزعاج، والطمأنينة. والمعنى في الآية: أنه لا يجتمع في القلب الكفر والإيمان، والهدى والضلال، والإنابة والإصرار، وهذا نفي لكل ما توهمه أحد في ذلك من حقيقة، أو مجاز. والله أعلم، وأجل، وأكرم. هذا؛ و ﴿أُمَّهاتِكُمْ﴾ جمع: أم، والقياس أن يكون جمعها: «أمّات» قال الزمخشري: والهاء مزيدة في: أمّات، كما زيدت في: أراق، فقيل: أهراق، وشذت زيادتها في الواحدة في قول قصي الجد الرابع للنبي ﷺ : [الرجز] أمّهتي خندف والياس أبي... عند تناديهم بهال وهب وقال ابن عصفور في الممتع: أما أمّهة، فمنهم من يجعل الهاء زائدة فيه، ومنهم من يجعلها أصلية، فالذي يجعلها زائدة، يستدل على ذلك بأنها في معنى الأم، وأورد بيت قصي، إلا أن الفرق بين أمّهة، وأم: أن أمّهة تقع في الغالب على من يعقل، وقد تستعمل فيما لا يعقل، وذلك قليل جدا، نحو قول السفاح بن بكير: [السريع] قوّال معروف وفعّاله... عقّار مثنى أمّهات الرّباع وأم يقع في الغالب على ما لا يعقل، وقد يقع على العاقل، نحو قول جرير: [الوافر] لقد ولد الأخيطل أمّ سوء... على باب استها صلب وشام

стр. 4817

ومما يدل أيضا على زيادة الهاء في أمّهة قولهم: أم بينة الأمومة بغير هاء، ولو كانت أصلية لثبتت في المصدر، والذي يجعلها أصلية يستدل على ذلك بما حكاه صاحب العين من قولهم: تأمّهت أما، فتأمّهت تفعّلت بمنزلة: تنبهت، مع أن زيادة الهاء قليلة جدا، فمهما أمكن جعلها أصلية؛ كان ذلك أولى فيها. والصحيح: أنها زائدة؛ لأن الأمومة حكاها أئمة اللغة، وأما تأمّهت فانفرد بها صاحب العين، وكثيرا ما يأتي في كتاب العين ما لا ينبغي أن يؤخذ به لكثرة اضطرابه، وخلله. انتهى. بعد هذا فالأم تعم من ولدتك، أو ولدت من ولدك؛ وإن علت. ويقرأ: «(أمّهات)» بضم الهمزة وفتح الميم، وهي قراءة العامة، ويقرأ بكسر الهمزة وفتح الميم، وبكسرهما معا. الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعل. ﴿لِرَجُلٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿قَلْبَيْنِ:﴾ مفعول به مجرور لفظا، منصوب محلا. ﴿فِي جَوْفِهِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿جَعَلَ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف صفة: ﴿قَلْبَيْنِ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وقد اكتفى الفعل بمفعول واحد؛ لأنه بمعنى خلق، بخلاف ما بعده فإنه بمعنى: صير. وقيل: ﴿لِرَجُلٍ﴾ في محل المفعول الثاني، ولا وجه له. (ما): نافية. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿أَزْواجَكُمُ:﴾ مفعول به أول، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿اللاّئِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: ﴿أَزْواجَكُمُ﴾. ﴿تُظْهِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿مِنْهُنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أُمَّهاتِكُمْ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والكاف في محل جر بالإضافة؛ وجملة: ﴿وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ﴾ معطوفة أيضا، وإعرابها لا خفاء فيه. ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والميم علامة جمع الذكور. ﴿قَوْلُكُمْ:﴾ خبر المبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِأَفْواهِكُمْ:﴾ متعلقان بالمصدر قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿الْحَقَّ:﴾ مفعول به، أو هو صفة لمفعول مطلق محذوف، أي: يقول القول الحق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. والفاعل يعود إلى (الله). ﴿السَّبِيلَ:﴾ منصوب بنزع الخافض، أو هو مفعول به

стр. 4818

ثان، والمفعول الأول محذوف اختصارا؛ إذ التقدير: يهدي من يشاء السبيل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ في محل نصب حال من فاعل ﴿يَقُولُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥)﴾ الشرح: ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ﴾ أي: انسبوهم لآبائهم الحقيقيين. فعن عبد الله بن عمر ﵄-قال: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد، حتى نزل: ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ فرفع الله حكم التبني، ومنع من إطلاق لفظه، وأرشد بقوله إلى أن الأولى، والأعدل أن ينسب الرجل إلى أبيه نسبا. وقال النحاس: هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من التبني، وهو من نسخ السنة بالقرآن، فأمر أن يدعوا من دعوا إلى أبيه المعروف، فإن لم يكن له أب معروف؛ نسبوه إلى ولائه، فإن لم يكن له ولاء معروف؛ قال له: يا أخي. يعني: في الدين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. هذا؛ والضمير يعود إلى مصدر الفعل المتقدم، مثل قوله تعالى: ﴿اِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾. ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ﴾ أي: فإن لم تعلموا لهم آباء تنسبونهم إليهم. ﴿فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ﴾ أي: فهم إخوانكم في الدين، وأولياؤكم في الدين، فقولوا: هذا أخي، وهذا مولاي، ويا أخي ويا مولاي، يريد الأخوة في الدين، والولاية فيه. ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أي: لو نسي أحدكم فنسب إنسانا إلى أبيه من التبني، أو أخطأ في ذلك، وهو أن يسبق لسانه إلى ذلك من غير قصد؛ فلا إثم، ولا مؤاخذة. وكذلك لو دعوت رجلا إلى غير أبيه، وأنت ترى: أنه أبوه؛ فليس عليك بأس. قاله قتادة. ولا يجري هذا المجرى من غلب عليه اسم التبني كالحال في المقداد بن عمرو، فإنه كان غلب عليه نسب التبني، فلا يكاد يعرف إلا بالمقداد بن الأسود، فإن الأسود بن عبد يغوث كان قد تبناه في الجاهلية، وعرف به، فلما نزلت الآية قال المقداد-﵁: أنا ابن عمرو، ومع ذلك بقي الإطلاق عليه، ومثله كثير، وذلك بخلاف الحال في زيد بن حارثة، فإنه لا يجوز أن يقال فيه زيد بن محمد، فإن قاله أحد متعمدا؛ عصى، وإن قاله نسيانا، أو خطأ؛ فلا إثم عليه بدليل نص الآية التي نحن بصدد شرحها، ومن هذا القبيل ما يقوله الأستاذ لتلميذه، وصاحب العمل لعامله: يا بنيّ، فإن كان على سبيل التكريم، أو الرحمة والشفقة؛ فلا إثم عليه، وإن كان يقصد غير ذلك فحرام عليه أن يستعمل هذا اللفظ لمعنى من المعاني المعوجة.

стр. 4819

﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً:﴾ لما سلف منكم، وحصل قبل النهي. ﴿رَحِيماً:﴾ لا يؤاخذكم بالخطإ، ولا يقبل التوبة من المتعمد، فعن سعد بن أبي وقاص، وأبي بكرة-﵄ كلاهما يقول: سمعته أذناي، ووعاه قلبي محمدا ﷺ يقول: «من ادّعى إلى غير أبيه، وهو يعلم: أنه غير أبيه، فالجنة عليه حرام». رواه مسلم، وغيره. فمحمدا بدل من الضمير المنصوب. وفي حديث أبي ذر-﵁-أنه سمع النبي ﷺ يقول: «ليس من رجل ادّعى لغير أبيه، وهو يعلمه؛ إلاّ كفر». الإعراب: ﴿اُدْعُوهُمْ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِآبائِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿هُوَ أَقْسَطُ:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿أَقْسَطُ،﴾ و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَعْلَمُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وهو فعل الشرط، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿آباءَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَإِخْوانُكُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إخوانكم): خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فهم إخوانكم، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فِي الدِّينِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من (إخوانكم)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿هُوَ مَوْلاكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَلَيْسَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ليس): فعل ماض ناقص. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر (ليس) تقدم على اسمها. ﴿جُناحٌ:﴾ اسم (ليس) مؤخر. ﴿فِيما:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿جُناحٌ،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (في)، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلا ب: (في)، وجملة: ﴿وَلَيْسَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿فِيما:﴾ معطوفة على ما قبلها، أو هي مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: الذي تعمدته قلوبكم تؤاخذون به. ﴿تَعَمَّدَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿قُلُوبُكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة: ﴿فِيما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط

стр. 4820

محذوف، انظر تقديره، والجملة الاسمية على اعتبار ﴿فِيما﴾ مبتدأ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملة الفعلية: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ مستأنفة، لا محل لها. وقيل: في محل نصب حال، وهو ضعيف معنى. ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (٦)﴾ الشرح: ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ:﴾ في الأمور كلها، فإنه لا يأمرهم، ولا يرضى منهم إلا بما فيه صلاحهم، ونجاحهم؛ بخلافها؛ فإنها في كثير من الأحيان تأمر بالشر، وبما فيه مضرة لصاحبها ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي﴾ فلذلك أطلق، فيجب عليهم أن يكون أحبّ إليهم من أنفسهم، وأمره أنفذ فيهم من أمرها، وشفقتهم عليه أتم من شفقتهم عليها. روي: أن النبي ﷺ أراد غزوة تبوك، فأمر الناس بالخروج، فقال ناس: نستأذن آباءنا وأمهاتنا، فنزلت الآية الكريمة، وفي معنى طاعة الرسول ﷺ وشفقته على أمته جاء ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا، فجعلت الدّوابّ، والفراش يقعن فيه، وأنا آخذ بحجزكم، وأنتم تقحّمون فيه». وعن جابر مثله، وقال: «وأنتم تفلّتون فيه». أخرج الحديث مسلم، وهذا مثل لاجتهاد نبينا، وحبيبنا ﷺ في نجاتنا، وحرصه على تخلصنا من الهلكات التي بين أيدينا، فهو أولى بنا من أنفسنا، ولجهلنا بقدر ذلك، وغلبة شهواتنا علينا، وظفر عدونا اللعين بنا؛ صرنا أحقر من الفراش، وأذل من الفراش، ولا حول، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!. وقيل: معنى: ﴿أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: برعايتهم، والذود عنهم، ومساعدة ضعيفهم، ومعاونة فقيرهم. ويفسر هذا؛ ويؤيده ما رواه أبو هريرة-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «ما من مؤمن إلاّ وأنا أولى الناس به في الدّنيا والآخرة، اقرءوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فأيما مؤمن ترك مالا، فلترثه عصبته من كانوا، ومن ترك دينا، أو ضياعا؛ فليأتني، فأنا مولاه». أخرجه مسلم. ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ:﴾ شرف الله تعالى أزواج نبيه ﷺ بأن جعلهن أمهات المؤمنين؛ أي: في وجوب التعظيم، والمبرة، والإجلال، وحرمة النكاح على الرجال، وحجبهن-رضي الله تعالى عنهن-بخلاف الأمهات، وهذه الأمومة لا توجب الميراث كأمومة التبني، وجاز تزويج بناتهن، ولا يجعلن أخوات الناس. وأمّا النظر إليهن، والخلوة بهن؛ فإنه حرام في حقهن، كما في حق

стр. 4821

الأجانب، ولا يقال لبناتهن: هن أخوات المؤمنين، ولا لأخواتهن، وإخوانهن هن خالات المؤمنين، وهم أخوالهم. وهن أمهات المؤمنين بما ذكرت من وجوب التعظيم، ويجب على نساء المؤمنين إجلالهن وتعظيمهن أيضا، ولكن لا يقال: أمهات المؤمنات بدليل ما روي عن مسروق: أن امرأة قالت لعائشة: يا أمّه، فقالت: لست لك بأم، إنما أنا أم رجالكم، فبان بذلك أن معنى الأمومة إنما هو تحريم نكاحهن تعظيما لمقام النبوة، وتشريفا لصاحب الرسالة ﷺ . وانظر الآية رقم [٢٨] الآتية، وما بعدها. هذا؛ وهو تشبيه بليغ، ووجه الشبه متعدد، وهو ما ذكرته مفصلا. ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ﴾ أي: ذوو القرابات. ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ﴾ أي: في الميراث، وكانوا يتوارثون بالهجرة، والتآخي فيما بينهم، فكان الرسول ﷺ قد آخى بين المهاجرين والأنصار، فقد جعل مع كل أنصاري مهاجر، فكان الأنصاري يعطف على أخيه المهاجري عطف الأب على ابنه، والأخ على أخيه، وإذا مات أحدهما؛ ورثه الآخر دون عصبته، حتى نزلت الآية: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ﴾. وهذه الجملة مذكورة بحروفها في الآية الأخيرة من سورة (الأنفال). وقيل في معنى الآية: لا توارث بين المسلم، والكافر، ولا بين المهاجر، وغير المهاجر، وقد ذكرت ذلك في الآية رقم [٧٢] من سورة (الأنفال) وجملة القول: إن هذه الآية ناسخة للتوارث بالأخوة الإسلامية، والهجرة، وصار التوارث بآيات النساء المبينة ذلك، وقد استدل بهذه الآية على توريث ذوي الأرحام، وهو مذهب أبي حنيفة-رحمه الله تعالى-. والمراد ب: ﴿كِتابِ اللهِ:﴾ اللوح المحفوظ. وقيل: المراد: القرآن الكريم. وقيل: المراد: حكم الله، وقضاؤه. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ﴾ أي: الذين آخى رسول الله ﷺ فيما بينهم، فنسخت هذه الآية الموارثة بالمؤاخاة، والهجرة، وصارت الموارثة بينهم بالقرابة. ﴿إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ:﴾ يريد الإحسان في الحياة، والوصية عند الموت، وذلك: أن الله تعالى لما نسخ التوارث بالحلف، والإخاء، والهجرة؛ أباح أن يوصي لمن يتولاه بما أحب من ثلث ماله. وقيل: معناه: إلا أن توصوا إلى قرابتكم بشيء، وإن كانوا من غير أهل الإيمان، والهجرة. ﴿كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ﴾ أي: في اللوح المحفوظ، أو في القرآن. وقيل: في التوراة. والمراد بالإشارة ما ذكر في الآيتين. ﴿مَسْطُوراً:﴾ مكتوبا مثبتا. هذا؛ ومعنى: (أولو) أصحاب، ولا واحد له من لفظه، وإنما واحده: «ذو» المضاف إن كان مرفوعا، و «ذا» المضاف إن كان منصوبا، و «ذي» المضاف إن كان مجرورا. الإعراب: ﴿النَّبِيُّ:﴾ مبتدأ. ﴿أَوْلى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وهو أفعل تفضيل، ففاعله مستتر، تقديره: «هو». ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ:﴾ كلاهما متعلقان ب: ﴿أَوْلى،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية مستأنفة، أو

стр. 4822

ابتدائية، لا محل لها على الاعتبارين، والجملة الاسمية: ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، والهاء فيهما ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَأُولُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (أولو): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و (أولو) مضاف، و ﴿الْأَرْحامِ﴾ مضاف إليه. ﴿بَعْضُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْلى:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ: (أولو) وإن اعتبرت بعضهم بدلا من: (أولو) ف ﴿أَوْلى﴾ يكون خبره. ﴿بِبَعْضٍ فِي كِتابِ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَوْلى،﴾ و ﴿كِتابِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وأجيز تعليق ﴿فِي كِتابِ﴾ بمحذوف حال من الضمير في ﴿أَوْلى﴾. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان ب (أولو الأرحام)، فينتصب على التبيين، أي أعني، أو هما متعلقان ب: ﴿أَوْلى﴾. فمعنى الأول: وأولو الأرحام من المؤمنين، أولى بالميراث من الأجانب. وعلى الثاني: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ،﴾ أولى ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ﴾ الأجانب. انتهى. أبو البقاء، ومثله عن السمين. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿أَنْ تَفْعَلُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَفْعَلُوا﴾ في محل نصب على الاستثناء المنقطع؛ لأنه من غير الجنس، وهو مستثنى من معنى الكلام السابق. ﴿إِلى أَوْلِيائِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب: ﴿مَعْرُوفاً،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مَعْرُوفاً:﴾ مفعول به، والجملة الاسمية: ﴿وَأُولُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع اسم: ﴿كانَ،﴾ واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿فِي الْكِتابِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿مَسْطُوراً:﴾ خبر: ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها؛ لأنها كالخاتمة لما ذكر من الأحكام، وفيها معنى التوكيد له. ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٧)﴾ الشرح: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ أي: عهدهم على الوفاء بما حمّلوا من أداء الرسالة، وأن يبشر بعضهم ببعض، ويصدق بعضهم بعضا، وأن يسدوا النصيحة لمن أرسلوا إليهم. ﴿وَمِنْكَ:﴾ فهو من عطف الخاص على العام، والخطاب للنبي ﷺ ، وقدم على نوح وعلى من بعده؛ لأن هذا العطف لبيان فضيلة هؤلاء؛ لأنهم أولو العزم، وأصحاب الشرائع، فلما كان ﷺ أفضل هؤلاء؛ قدم عليهم، ولولا ذلك؛ لقدم من قدم زمانه. وهذا يشير إلى الحديث الشريف: «كنت أوّلهم في الخلق، وآخرهم في البعث». هذا؛ ومعنى «في الخلق»: في الذكر.

стр. 4823

﴿وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ أي: عهدا وثيقا عظيما على الوفاء بما التزموا من تبليغ الرسالة، وأن يصدق بعضهم بعضا. والميثاق: هو اليمين بالله تعالى، فالميثاق الثاني تأكيد للميثاق الأول باليمين. وقيل: الأول هو الإقرار بالله تعالى، والثاني في أمر النبوة، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي﴾ الآية رقم [٨١] من سورة (آل عمران). هذا؛ وفي الآية استعارة مكنية؛ حيث شبه الميثاق بجرم محسوس، واستعار له شيئا من صفات الأجرام، وهو الغلظ؛ للتنويه بعظم الميثاق، وشدته، ومثل الآية قول أبي ذؤيب الهذلي: [الكامل] وإذا المنية أنشبت أظفارها... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع هذا؛ والميثاق: العهد. وقيل: عهد الله إلى خلقه ثلاثة: الأول: العهد الذي أخذه على جميع ذرية آدم في قديم الأزل بأن يقروا بربوبيته، ويعترفوا بألوهيته، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ..﴾. إلخ الآية رقم [١٧٢] من سورة (الأعراف). والعهد الثاني خص به النبيين، والمرسلين بأن يبلغوا الرسالة، ويقيموا الدين، وهو المذكور في هذه الآية. والعهد الثالث: خص به العلماء من كل أمة، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ الآية رقم [١٨٧] من سورة (آل عمران)، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣] من سورة (الشورى) تجد ما يسرك. هذا؛ و ﴿مِيثاقَ﴾ أصله: موثاق، قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، ومثله قل في: ميعاد، وميزان. الإعراب: (إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو ظرف لهذا المقدر، وأجاز السمين عطفه على محل ﴿فِي الْكِتابِ﴾ فيكون متعلقا ب: ﴿مَسْطُوراً﴾ معنى، التقدير: كان هذا الحكم مسطورا في الكتاب، وقت أخذنا... ﴿أَخَذْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِيثاقَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَخَذْنا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها. (منك): جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما؛ إذ التقدير: وأخذنا منك. ﴿وَمِنْ نُوحٍ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿وَإِبْراهِيمَ:﴾ معطوف على ﴿نُوحٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿وَمُوسى وَعِيسَى:﴾ معطوفان أيضا، وعلامة الجر فيهما الكسرة المقدرة على الألف للتعذر. ﴿اِبْنِ:﴾ صفة عيسى، أو بدل منه، و ﴿اِبْنِ﴾ مضاف، و ﴿مَرْيَمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث المعنوي، وجملة: ﴿وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً:﴾ معطوفة على سابقتها، فهي في محل جر مثلها، ومؤكدة لها.

стр. 4824

﴿لِيَسْئَلَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً (٨)﴾ الشرح: ﴿لِيَسْئَلَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ:﴾ فيه أربعة، أوجه: أحدها: ليسأل الأنبياء عن تبليغهم الرسالة إلى قومهم؛ حكاه النقاش. وفي هذا تنبيه على أنه إذا كان الأنبياء يسألون، فكيف من سواهم؟! الثاني: ليسأل الأنبياء عما أجابهم به قومهم، حكاه علي بن عيسى. الثالث: ليسأل الأنبياء ﵈ عن الوفاء بالميثاق، الذي أخذه عليهم. حكاه ابن شجرة. الرابع: ليسأل الأفواه الصادقة عن القلوب المخلصة، كما في قوله تعالى في الآية رقم [٦] من سورة (الأعراف): ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾. وقيل: فائدة سؤالهم: توبيخ الكفار، كما يقول الله لعيسى ﵇: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾. انتهى. قرطبي بتصرف. الإعراب: ﴿لِيَسْئَلَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى الله، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: فعلنا ذلك؛ ليسأل الله الأنبياء يوم القيامة عما قالوه لقومهم. وقيل: متعلقان ب: ﴿أَخَذْنا،﴾ والأول أقوى. ﴿الصّادِقِينَ:﴾ مفعول به. ﴿عَنْ صِدْقِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَأَعَدَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أعد): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله) أيضا. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿عَذاباً:﴾ مفعول به. ﴿أَلِيماً:﴾ صفة، وجملة: ﴿وَأَعَدَّ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَخَذْنا..﴾. إلخ من جهة أن بعثة الرسل، وأخذ الميثاق منهم لإثابة المؤمنين، أو هي معطوفة على ما دل عليه ﴿لِيَسْئَلَ﴾ كأن قال: فأثاب المؤمنين، وأعد للكافرين. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٩)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ:﴾ وهي ما امتن الله به عليهم من خيبة المشركين من كفار قريش، وحلفائهم من قبائل غطفان، وفزارة، وقبائل اليهود الذين تحالفوا، وتعاقدوا على استئصال المسلمين في المدينة المنورة. ﴿إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ:﴾ يعني: القبائل المذكورة الذين تحزبوا على عداوة رسول الله ﷺ ، وحربه. ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً:﴾ يعني: الصّبا،

стр. 4825

وهي الآتية من الجهة الشرقية، وقد قيل فيها: الصبا ريح، فيها روح، ما هبت على محزون؛ إلا ذهب حزنه. وعن ابن عباس-﵄-عن النبي ﷺ قال: «نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدّبور». متفق عليه، والدّبور: الريح الآتية من جهة المغرب. فبعث الله على قريش في تلك الليلة ريحا باردة عاتية، فقلعت الأوتاد، وقطعت أطناب الخيم؛ التي أقاموها، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها في بعض. ﴿وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها:﴾ هم الملائكة الذين ألقوا الرعب في قلوب المشركين، وكبروا في جوانب عسكرهم، حتى كان سيد كل خباء، يقول: يا بني فلان هلمّ إليّ! فإذا اجتمعوا إليه، قال لهم: النجاء النجاء؛ لما بعث الله عليهم من الرعب، فقال طليحة بن خويلد الأسدي: أما محمد فقد بدأكم بالسحر، فالنجاء فالنجاء! فانهزموا من غير قتال، ويقرأ: ﴿لَمْ تَرَوْها﴾ بالخطاب للمسلمين المجاهدين، ويقرأ بالياء، أي لم يرها المشركون، فيكون التفاتا من الخطاب إلى الغيبة. ﴿وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً:﴾ رائيا ما تعملون من حفر الخندق، ومصابرتكم الكفار في الجهاد. ويقرأ بالياء، أي: الله بصير بما يعمل المشركون من التحزب، والكيد، والمحاربة، ويكون من جملة الالتفات، وخذ ما يلي: غزوة الخندق سميت بذلك لحفر الخندق، وتحصن المسلمين داخله، وتسمى: غزوة الأحزاب، سميت بذلك لتحزب قبائل العرب، واليهود من قريش، وتحالفهم معها على استئصال المسلمين في المدينة، ومحو الإسلام. قال موسى بن عقبة: كانت سنة أربع للهجرة، وقال ابن إسحاق: كانت سنة خمس، وبذلك جزم أهل المغازي، ومال البخاري إلى قول موسى بن عقبة، وصادفت شهر آذار سنة ٦٢٧ م. وسببها: أنه لما وقع إجلاء بني النضير من المدينة المنورة، واستولى المسلمون على دورهم، وأملاكهم-انظر مطلع سورة الحشر-ذهب جمع منهم، وعلى رأسهم حيي بن أخطب من خيبر؛ حتى قدموا مكة المكرمة، ونزلوا على قريش، وحرضوهم على حرب رسول الله ﷺ ، وقالوا: إنا نكون معكم عليه حتى نستأصله! فقال أبو سفيان: مرحبا، وأهلا، وأحب الناس إلينا من أعاننا على حرب محمد، وعداوته! ثم قال لهم أبو سفيان: يا معشر اليهود! إنكم أهل الكتاب الأول، فأخبرونا: أنحن على الحق، أم محمد؟ فقالوا: بل أنتم على الحق، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ..﴾. إلخ الآية رقم [٥٠] من سورة (النساء) وما بعدها. هذا؛ وفي موقف اليهود من قريش، وتفضيلهم وثنيتهم على محمد ﷺ ، يقول الدكتور إسرائيل ولفنسون في كتابه: «تاريخ اليهود في بلاد العرب»: كان من واجب هؤلاء اليهود أن لا يتورطوا في مثل هذا الخطأ الفاحش، وأن لا يصرحوا أمام زعماء قريش بأن عبادة الأصنام أفضل من التوحيد الإسلامي، ولو أدى بهم الأمر إلى عدم إجابة مطلبهم؛ لأن بني إسرائيل الذين

стр. 4826

كانوا منذ عدة قرون حاملي راية التوحيد في العالم بين الأمم الوثنية باسم الآباء الأقدمين، والذين نكبوا نكبات لا تحصى: من تقتيل، واضطهاد بسبب إيمانهم بإله واحد في عصور شتى من أدوار التاريخ كان من واجبهم أن يضحوا بحياتهم، وكل عزيز لديهم في سبيل أن يخذلوا المشركين؛ هذا فضلا عن أنهم بالتجائهم إلى عبدة الأصنام، إنما كانوا يحاربون أنفسهم بأنفسهم، ويناقضون تعاليم التوراة؛ التي توصيهم بالنفور من أصحاب الأصنام، والوقوف منهم موقف الخصومة. انتهى. الدرويش. فلما قالوا ذلك لقريش؛ سرهم، ونشطوا لحرب الرسول ﷺ ، ثم خرج أولئك اليهود حتى جاءوا غطفان، وقيس بن عيلان، وندبوهم لحرب النبي ﷺ ، فأجابوهم، وخرجت قريش، وقائدهم أبو سفيان، وخرجت غطفان، وقائدهم عيينة بن حصن الفزاري، ولما تهيأ الجميع للخروج؛ ذهب ركب قبيلة خزاعة في أربع ليال حتى أخبروا الرسول ﷺ بما أجمعوا عليه، ولا يبعد أن يكون العباس-﵁-قد بعث من قبله رسولا إلى المدينة يخبر النبي بذلك. فشرع في حفر الخندق بإشارة سلمان الفارسي ﵁، فإنه قال: يا رسول الله! إنا كنا بفارس إذ حوصرنا؛ خندقنا علينا، فعمل فيه النبي ﷺ والمسلمون؛ حتى أحكموه، وكان النبي يقطع لكل عشرة رجال أربعين ذراعا، ومكثوا في حفره خمسة عشر يوما. وقيل: أربعة وعشرين. وقيل: شهرا، فلما فرغوا من حفره؛ أقبلت قريش بجموعها، وحلفائها، وجملتهم اثنا عشر ألف مقاتل، فنزلوا حول المدينة، والخندق بينهم وبين المسلمين، فلما رآه المشركون؛ قالوا: هذه مكيدة لم تكن العرب تعرفها. وأخذوا يترامون ويتراشقون مع المسلمين بالنبل، ومكثوا في ذلك الحصار خمسة عشر يوما، وقيل أربعة وعشرين يوما، واشتد الخوف على المسلمين. ثم إن نعيم بن مسعود-﵁-من غطفان جاء ليلا إلى النبي ﷺ ، وقال له: إني أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت، فقال له الرسول ﷺ : «إنما أنت رجل واحد، ابق مع قومك، وخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة». فخرج-﵁-حتى أتى بني قريظة؛ الذين نقضوا العهد مع الرسول ﷺ ، وانضموا إلى قريش وحلفائها، وكان نديما لهم في الجاهلية، فقال لهم: يا بني قريظة! قد عرفتم ودّي إياكم، ونصحي لكم! قالوا: صدقت لست عندنا بمتهم. فقال: إن قريشا، وغطفان جاءوا لحرب محمد، وقد ظاهرتموهم عليه، وإن قريشا وغطفان ليسوا كهيئتكم، البلد بلدكم، به أموالكم، وأولادكم، ونساؤكم، لا تقدرون أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا، وغطفان أموالهم، وأبناؤهم، ونساؤهم بغيره، إن رأوا نهزة، وغنيمة؛ أصابوها، وإن كان غير ذلك؛ لحقوا ببلادهم، وخلوا بينكم وبين هذا الرجل، والرجل ببلدكم، لا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم؛ حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم، يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدا؛ حتى تناجزوه! قالوا: لقد أشرت برأي، ونصح.

стр. 4827

ثم خرج حتى أتى قريشا، فقال لأبي سفيان، ومن معه من رجال قريش: قد عرفتم ودي إياكم، وفراقي محمدا، فقد بلغني أمر رأيت حقا عليّ أن أبلغكم نصحا لكم، فاكتموا عليّ! قالوا: نفعل. قال: تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا بينهم، وبين محمد، وقد أرسلوا إليه أنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك عنا أن نأخذ من قريش، وغطفان رجالا من أشرافهم، فنعطيكهم، فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم؟ فأرسل إليهم أن نعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون رهنا من رجالكم؛ فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا. ثم خرج حتى أتى غطفان، فقال: يا معشر غطفان! أنتم أهلي وعشيرتي، وأحب الناس إليّ، ولا أراكم تتهمونني، قالوا: صدقت! قال: فاكتموا عليّ! قالوا: نفعل، فقال لهم: مثل ما قال لقريش، وحذرهم مثل ما حذرهم. ثم إن أبا سفيان، ومن على شاكلته أرسلوا إلى بني قريظة يقولون لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف، والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا، ونفرغ مما بيننا، وبينه، فأرسلوا إليهم: لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا؛ حتى نناجز محمدا، فإننا نخشى إن ضرستكم الحرب، واشتد عليكم القتال أن تسيروا إلى بلادكم، وتتركونا والرجل، ولا طاقة لنا بذلك من محمد. فلما رجعت إليهم الرسل بالذي قالت بنو قريظة، قالت قريش، وغطفان: تعلمنّ والله إن الذي حدثكم به نعيم بن مسعود لحقّ! فأرسلوا إلى بني قريظة، والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا! فإن كنتم تريدون القتال؛ فاخرجوا، فقاتلوا. فقالت بنو قريظة حين انتهت إليهم الرسل بهذا: إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحقّ، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن وجدوا فرصة؛ انتهزوها، وإن كان غير ذلك؛ شمروا إلى بلادهم، وخلوا بينكم، وبين الرجل في بلدكم. فأرسلوا إلى قريش، وغطفان إنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا! فأبوا عليهم، وخذل الله بينهم. رضي الله عنك، وأرضاك يا نعيم بن مسعود! ثم بعث الله الرياح في ليلة شاتية، شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدورهم، وتطرح آنيتهم. فلما رأى أبو سفيان ما تفعل الريح، وجنود الله بهم، فقال: يا معشر قريش! إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع، والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، فارتحلوا، فإني مرتحل. ورجعوا خائبين، كما قال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً..﴾. إلخ. وانظر شرح الآيات آية آية؛ يتضح لك ذلك أكثر، فأكثر. والله الموفق، والمعين، وبه أستعين. الإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب: (يا)، و (ها): حرف تنبيه، لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدل من: (أيها)، أو عطف بيان

стр. 4828

عليه، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿اُذْكُرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿نِعْمَةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿نِعْمَةَ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿نِعْمَةَ،﴾ أو هو متعلق بالفعل ﴿اُذْكُرُوا﴾ على أنه بدل اشتمال من ﴿نِعْمَةَ،﴾ ومثله قوله تعالى: ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً﴾ في الآية رقم [١٠٣] من سورة (آل عمران). ﴿جاءَتْكُمْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والكاف مفعول به. ﴿جُنُودٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها. (أرسلنا): فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رِيحاً:﴾ مفعول به. ﴿وَجُنُوداً:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَرَوْها:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و (ها): مفعول به، والفعل بصري، فاكتفى بمفعول واحد، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: (جنودا)، وجملة: ﴿فَأَرْسَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿بَصِيراً﴾ بعدهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها، صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بصيرا بعملكم. ﴿بَصِيراً:﴾ خبر (كان)، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على ما قبلها، فتكون في محل جر أيضا. هذا؛ ويقرأ الفعل: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالياء، فيكون في الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة، وهو مما يرجح الاستئناف. ﴿إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا (١٠)﴾ الشرح: ﴿إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ:﴾ الخطاب للمسلمين الصادقين، وضمير الغيبة للمشركين: قريش، وحلفائها. والمراد بالجاءين من فوق-أي: من أعلى الوادي من جهة المشرق-: بنو غطفان، وبنو أسد، وبنو فزارة. والمراد بالجاءين من أسفل-أي: من أسفل الوادي من جهة المغرب-: قريش وجاء أبو الأعور السلمي، ومعه حيي بن أخطب اليهودي في يهود بني قريظة؛ الذين نقضوا العهد، والميثاق مع النبي ﷺ . هذا؛ والفعل: «جاء» يستعمل متعديا إذا كان بمعنى: وصل، وبلغ، كما هنا، ولازما: إذا كان بمعنى: حضر، وأقبل، كما في قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾.

стр. 4829

﴿وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ:﴾ مالت عن مستوى نظرها حيرة، وشخوصا، فلم تلتفت إلا إلى عدوها دهشا من شدة الهول. ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ﴾ أي: زالت عن أماكنها من الصدور حتى بلغت الحناجر، وهي الحلاقيم، واحدها: حنجرة، وذلك من شدة الخوف، فإن الرئة تنتفخ من شدة الروع، فترتفع إلى رأس الحنجرة، وهي منتهى الحلقوم، مدخل الطعام، والشراب. وقيل: إنه مثل يضرب من شدة الخوف ببلوغ القلوب الحناجر، وإن لم تزل عن أماكنها مع بقاء الحياة. ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا﴾ أي: الأنواع المختلفة من الظن، فظن المؤمنون الصادقون، الثبت القلوب: أن الله منجز وعده في إعلاء دينه، وظن الضعاف الإيمان، والمنافقون: أن المسلمين يستأصلون. والآيات التالية تقص علينا ما تفوهوا به من كلام، وما ظهر منهم من نفاق. الإعراب: ﴿إِذْ:﴾ بدل من ﴿إِذْ جاءَتْكُمْ..﴾. إلخ. ﴿جاؤُكُمْ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله. والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، والكاف في محل جر بالإضافة. (من أسفل): معطوفان على ما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للصفة ووزن أفعل. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَسْفَلَ﴾. ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إذ): معطوف على ما قبله. ﴿زاغَتِ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث. ﴿الْأَبْصارُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها، وجملة: ﴿وَبَلَغَتِ..﴾. إلخ معطوفة عليها، فهي في محل جر مثلها. ﴿وَتَظُنُّونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (تظنون): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الظُّنُونَا:﴾ مفعول به، أو هو مفعول مطلق على اعتباره جمع الظن، والألف للإطلاق، وجملة: ﴿وَتَظُنُّونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها، والمضارع بمعنى الماضي، كما هو ظاهر؛ ليتناسب المتعاطفان. ﴿هُنالِكَ اُبْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً (١١)﴾ الشرح: ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ:﴾ امتحنوا، واختبروا؛ ليتبين المخلص من المنافق، وكان هذا الابتلاء بالخوف، والقتال، والجوع، والبرد، والمحاصرة، والنزال. ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً﴾ أي: حركوا تحريكا عظيما. قال الزجاج: كل مصدر من المضاعف على فعلال يجوز فيه الكسر، والفتح، نحو قلقلته قلقالا وقلقالا، وزلزلوا زلزالا وزلزالا، والكسر أجود؛ لأن غير المضاعف على الكسر، نحو: دحرجته دحراجا. الإعراب: ﴿هُنالِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية، أو على المكانية-وهو أقوى-متعلق بالفعل بعده، وأجيز تعليقه ب: ﴿الظُّنُونَا،﴾ وعليه فالوقف على آخره، وعلى الأول فالوقف على ﴿الظُّنُونَا،﴾ وهو الأقوى. واللام للبعد، والكاف حرف

стр. 4830

خطاب، لا محل له. ﴿اُبْتُلِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿الْمُؤْمِنُونَ:﴾ نائب فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَزُلْزِلُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿زِلْزالاً:﴾ مفعول مطلق. ﴿شَدِيداً:﴾ صفة له. ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً (١٢)﴾ الشرح: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ:﴾ شك، وضعف اعتقاد، فهو يمرض قلوبهم، أي: يضعفها، وذلك بضعف الإيمان فيها، والمرض حقيقة فيما يعرض للبدن، فيخرجه عن الاعتدال اللائق به، ويوجب الخلل في أفعاله، وقد يؤدي إلى الموت، واستعير هنا لما في قلوبهم من الجهل، وفساد العقيدة. ﴿ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً:﴾ إلا وعدا باطلا، وذلك: أن طعمة بن أبيرق، ومعتّب بن قشير، وجماعة من المنافقين، قالوا: يعدنا محمد كنوز كسرى، وقيصر، ولا يجرؤ أحدنا أن يخرج للغائط، وإنما قالوا ذلك حينما سمعوا: أن النبي ﷺ وعدهم ذلك عند ضربه الصخرة، وتفتتها، وظهور النار منها، وكانت قد ظهرت في الخندق في الجزء الذي كان يعمل فيه سلمان الفارسي مع جماعة من الصحابة، ﵃ أجمعين-. هذا؛ والغرور الذي يغر ويخدع الإنسان مما لا يدوم؛ بل يضمحل بسرعة. و ﴿مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ كل شيء يتمتع به الإنسان في دنياه، ويتلذذ به من طعام، وشراب، ولباس، ومسكن، وولد، وزوجة... إلخ، وانظر ﴿الْغُرُورِ﴾ بفتح الغين في الآية رقم [٣٣] من سورة (لقمان). وأما ﴿الْمُنافِقُونَ﴾ فهو جمع: منافق، وسمي المنافق منافقا أخذا من نافقاء اليربوع، وهو جحره؛ الذي يقيم فيه، فإنه يجعل له بابين، يدخل من أحدهما، ويخرج من الآخر، فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا مؤمن، ويدخل مع الكفار بقوله: أنا كافر. هذا؛ وقد يتصف مؤمن بصفات المنافقين، فيكذب، ويخلف الوعد، ويخون في الأمانة، ويفجر في الخصومة، وما أكثرهم في هذا الزمن، فهذا يقال له: نفاق العمل، وأمّا الأول؛ فيقال له: نفاق العقيدة، لأنه يظهر الإسلام، ويبطن الكفر، وهو أخبث من الكفر، وعقابه أشدّ منه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ وقد حذر الرسول ﷺ من نفاق العمل والاتصاف به؛ لأنه يجر إلى نفاق العقيدة، فعن أبي هريرة-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإن صام، وصلّى، وحجّ، واعتمر، وقال: إني مسلم». أخرج بعضه البخاري، وبعضه مسلم، وأخرجه أبو يعلى من حديث أنس ﵁.

стр. 4831

الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إذ): معطوف على سابقه. ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْمُنافِقُونَ:﴾ فاعله مرفوع... إلخ. والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: (إذ) إليها. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع معطوف على ما قبله. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَرَضٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿وَعَدَنَا:﴾ فعل ماض، و (نا): مفعول به أول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿وَرَسُولُهُ:﴾ معطوف عليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿غُرُوراً:﴾ مفعول به ثان، وقيل: صفة مفعول مطلق محذوف وهو ضعيف معنى. وجملة: ﴿ما وَعَدَنَا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِراراً (١٣)﴾ الشرح: ﴿وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ:﴾ من المنافقين، والمراد ب: ﴿طائِفَةٌ﴾ عبد الله بن أبي وأصحابه. وقال القرطبي: هو أوس بن قيظي، والد عرابة بن أوس؛ الذي انتهى إليه الكرم في المدينة في زمن التابعين، وهو الذي يقول في الشماخ: [الوافر] إذا ما راية رفعت لمجد... تلقّاها عرابة باليمين هذا؛ والطائفة: الجماعة من الناس، لا واحد لها من لفظها، مثل: فريق، ورهط، ونفر... إلخ، وجمعها: طوائف، وقد يطلق لفظ: طائفة على الواحد، وعلى الاثنين، مثل قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٦٦]: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ﴾. ﴿يا أَهْلَ يَثْرِبَ:﴾ هي المدينة المنورة، وسماها رسول الله طيبة، وطابة. وقال أبو عبيدة: يثرب: اسم أرض، والمدينة ناحية منها. وقال السهيلي: وسميت يثرب لأن الذي نزلها من العماليق اسمه يثرب بن عميل بن مهلائيل، بن عوض بن عملاق بن لاوذ بن إرم. وبنو عميل هم الذين سكنوا الجحفة، فأجحفت بهم السيول فيها، وبها سميت الجحفة، قال امرؤ القيس: [الطويل] تنوّرتها من أذرعات، وأهلها... بيثرب أدنى دارها نظر عالي وقد نهى النبي ﷺ أن تسمى بهذا الاسم لما فيه من التثريب، وهو التقريع، والتوبيخ، كما في قوله تعالى حكاية عن قول يوسف لإخوته: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ،﴾ وقد قال المنافقون: يا أهل يثرب مخالفة لما نهى عنه النبي ﷺ . ﴿لا مُقامَ لَكُمْ:﴾ يقرأ بضم الميم وفتحها على أنه مصدر ميمي، أو اسم مكان بمعنى الإقامة، وأصله: «مقوم» فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها، ثم قل: تحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا.

стр. 4832

﴿فَارْجِعُوا﴾ أي: إلى منازلكم هاربين. وقيل المعنى: لا مقام لكم على دين محمد ﷺ فارجعوا إلى الشرك، وسلموا؛ لتسلموا، ويروى: أن يهود بني قريظة قالوا لعبد الله بن أبي ابن سلول، وأصحابه من المنافقين: ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سفيان وأصحابه، فارجعوا إلى المدينة، فإنا مع القوم، فأنتم آمنون. ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ أي: في الرجوع إلى منازلهم بالمدينة، وهم بنو حارثة بن الحارث. وقيل: هو أوس بن قيظي، وجماعة من قومه. ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أي: غير حصينة، وهي ما يلي العدو، ويخشى عليها من السراق. وقرئ: «(عورة)» بكسر الواو، يعني: قصيرة الجدران فيها خلل، تقول العرب: دار فلان عورة إذا لم تكن حصينة. وقد أعور الفارس: إذا بدا فيه خلل للضرب، والطعن. قال الشاعر: [الطويل] متى تلقهم لم تلق في البيت معورا... ولا الضيف مفجوعا ولا الجار مرملا ﴿وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ:﴾ تكذيب لهم، وردّ عليهم فيما ذكروه، وادّعوه. ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِراراً﴾ أي: ما يريدون إلا الهرب من الحرب، أو من الدين. هذا؛ وحكى النقاش: أن هذه الآية نزلت في قبيلتين من الأنصار: بني حارثة، وبني سلمة، وهموا أن يتركوا مراكزهم يوم الخندق، وفيهم أنزل الله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾. ويرده: أن هذا حصل في غزوة أحد، انظر الآية رقم [١٢٢] من سورة (آل عمران). وقال السدي: الذي استأذنه منهم رجلان من الأنصار: أوس بن قيظي، وأبو عرابة بن أوس. قال الضحاك: ورجع ثمانون رجلا بغير إذن. الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إذ): معطوف على ما قبله، وقال مكي: العامل فيه، وفي سابقه فعل مضمر، تقديره: واذكر يا محمد إذ يقول، وإذ قالت، وعليه فالظرف مفعول به، أو هو مفعول فيه لهذا المقدر، وقد مر معنا كثير مثله. ﴿قالَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿طائِفَةٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿طائِفَةٌ،﴾ وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة: (إذ) إليها. (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (أهل): منادى، وهو مضاف، و ﴿يَثْرِبَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿مُقامَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا﴾ والجملة الاسمية، والجملة الندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول. ﴿فَارْجِعُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فارجعوا. و (ارجعوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ومتعلقه محذوف، كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر، والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول. ﴿وَيَسْتَأْذِنُ:﴾ الواو: حرف عطف. (يستأذن): فعل مضارع. ﴿فَرِيقٌ:﴾ فاعل. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿فَرِيقٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿النَّبِيَّ:﴾ مفعول به، وجملة:

стр. 4833

﴿وَيَسْتَأْذِنُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة. ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿بُيُوتَنا:﴾ اسم: ﴿إِنَّ،﴾ و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿عَوْرَةٌ:﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ مفسرة للفعل: (يستأذن)، أو هي في محل نصب حال من ﴿فَرِيقٌ﴾ جوز مجيء الحال منه، وهو نكرة وصفه بالجار والمجرور، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من ﴿النَّبِيَّ﴾ فالمعنى لا يأباه، ويكون الرابط محذوفا، التقدير: قائلين له: إن بيوتنا عورة. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل ليس. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما). ﴿بِعَوْرَةٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (عورة): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية: ﴿وَما هِيَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من بيوتنا، والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِنَّ:﴾ حرف نفي بمعنى «ما». ﴿يُرِيدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِراراً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ فالمعنى لا يأباه، ويكون الرابط الضمير فقط، وتكون حالا متداخلة من وجه واحد من الأوجه التي رأيتها في محل جملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ. ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاّ يَسِيراً (١٤)﴾ الشرح: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: لو دخلت جيوش المشركين الذين هاجموا المدينة بيوت هؤلاء المنافقين، أو دخلوا شوارع المدينة. ﴿مِنْ أَقْطارِها:﴾ من نواحيها، وجوانبها. ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ أي: طلب من المنافقين الفتنة، أي الردة عن الإسلام، والرجعة إلى الكفر، ومقاتلة المسلمين. ﴿لَآتَوْها:﴾ لجاءوها، وفعلوها بسرعة. ﴿وَما تَلَبَّثُوا بِها﴾ أي: وما توقفوا عن إجابة من طلب منهم الفتنة. ﴿إِلاّ يَسِيراً﴾ أي: وقتا قليلا ريثما يكون السؤال، والجواب من غير توقف. أو المعنى: ما لبثوا في المدينة بعد ارتدادهم إلا يسيرا فإن الله يهلكهم. هذا؛ وقرئ الفعل: «(لآتوها)» بالمدّ؛ أي: لأعطوها بسرعة لمن يطلبها منهم. والمعنى: أنهم يتعللون باعورار بيوتهم؛ ليفروا عن نصرة رسول الله ﷺ ، والمؤمنين، وعن مصافة الأحزاب؛ الذين ملئوا قلوبهم رعبا، وخوفا. وهؤلاء الأحزاب كما هم لو دخلوا أرضهم، وديارهم، وعرضوا عليهم الكفر، وقالوا لهم: انقلبوا على المسلمين؛ لسارعوا إليه، وما ذلك إلا لبغضهم الإسلام، وحبهم للكفر، وذلك لما جبلوا عليهم من النفاق، والمداهنة.

стр. 4834

الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿دُخِلَتْ:﴾ ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هي» يعود إلى المدينة، أو إلى بيوتهم حسبما رأيت في الشرح. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ أَقْطارِها:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر، و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿دُخِلَتْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿سُئِلُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿الْفِتْنَةَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لَآتَوْها:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (آتوها): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، و (ها): مفعوله، والجملة الفعلية جواب (لو) لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿تَلَبَّثُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والحالية ممكنة، ويؤيدها المعنى من واو الجماعة، فيكون الرابط: الواو، والضمير. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿يَسِيراً:﴾ صفة مفعول مطلق، التقدير: إلا لبثا يسيرا، أو صفة زمان محذوف، التقدير: إلا زمنا يسيرا. ﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلاً (١٥)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل غزوة الخندق، وبعد غزوة بدر. قال قتادة: وذلك: أنهم غابوا عن بدر، ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة، والنصر، فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن. وقال يزيد بن رومان: هم بنو حارثة، همّوا يوم أحد أن يفشلوا مع بني سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله أن لا يعودوا لمثلها، فذكر الله لهم الذي أعطوه من أنفسهم. انتهى. قرطبي، ومعنى ﴿لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ:﴾ لا يعطون ظهورهم للأعداء منهزمين، والأدبار جمع: دبر، بضم الدال مع ضم الباء وسكونها، وهو الظهر، قال تعالى في سورة (القمر): ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ وهو أيضا ضد القبل، والأدبار بمعنى، أواخر الأشياء، قال تعالى في سورة (ق): ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ بمعنى أعقاب الصلاة، وأواخرها. هذا؛ والإدبار بكسر الهمزة: ضد الإقبال. ﴿وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلاً﴾ أي: إن العبد سيسأل يوم القيامة عن العهد الذي يعطيه على نفسه لله وللناس، قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٣٤]: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً﴾ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧]. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار، والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. هذا؛ وبعضهم يعتبر الواو عاطفة، وبعضهم

стр. 4835

يعتبرها حرف استئناف، ويعتبر الجملة الآتية جوابا لقسم محذوف. ولا أسلمه أبدا؛ لأنه على هذا يكون قد حذف واو القسم، والمقسم به، ويصير التقدير: والله أقسم، أو: وأقسم والله. اللام: واقعة في جواب القسم المحذوف، وبعضهم يقول: موطئة، والموطئة معناها المؤذنة، وهذه اللام، إنما تدخل على: «إن» الشرطية لتدل على القسم المتقدم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدم على الشرط حكما، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٢] من سورة (الحشر) افهم هذا؛ واحفظه، فإنه جيد. فإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به، وبقاء حرف القسم، فالجواب: أنه قد حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السور، مثل قوله تعالى: ﴿وَالضُّحى،﴾ ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ..﴾. إلخ فإن التقدير: ورب الضحى، ورب السماء... إلخ، ويدل على هذا المقدر قوله تعالى في الآية رقم [٢٧] من سورة (الذاريات): ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ..﴾. إلخ. وأوضح من ذلك قوله تعالى في الآية رقم [٧١] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا﴾ فإن التقدير: فوعزتي وجلالي ما أحد منكم إلا واردها. والله أعلم، وأجل، وأكرم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿عاهَدُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، وجملة: ﴿عاهَدُوا..﴾. إلخ في محل نصب خبر (كان). ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُوَلُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿الْأَدْبارَ:﴾ مفعول به ثان، والأول محذوف، التقدير: لا يولون العدو الأدبار، والجملة الفعلية جواب ﴿عاهَدُوا؛﴾ لأنه بمعنى القسم، وجملة: (لقد...) إلخ جواب القسم المقدر، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿عَهْدُ:﴾ اسم (كان) وهو مضاف، و ﴿اللهَ﴾ مضاف إليه. ﴿مَسْؤُلاً:﴾ خبر كان، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاّ قَلِيلاً (١٦)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ . ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ أي: من حضر أجله مات، أو قتل فلا ينفع الفرار؛ لأنه لا بد لكل إنسان من الموت، إما حتف أنفه، أو يقتل بالسيف في وقت معين سبق به القضاء، وجرى به القلم، وأيضا لا بد من الموت ولو تحصن الإنسان في القصور الشامخة، أو صعد الجبال العالية، قال تعالى: ﴿أَيْنَما تَكُونُوا﴾
следующие страницы →