← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إذ): معطوف على سابقه. ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْمُنافِقُونَ:﴾ فاعله مرفوع... إلخ. والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: (إذ) إليها. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع معطوف على ما قبله. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَرَضٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿وَعَدَنَا:﴾ فعل ماض، و (نا): مفعول به أول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿وَرَسُولُهُ:﴾ معطوف عليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿غُرُوراً:﴾ مفعول به ثان، وقيل: صفة مفعول مطلق محذوف وهو ضعيف معنى. وجملة: ﴿ما وَعَدَنَا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِراراً (١٣)﴾ الشرح: ﴿وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ:﴾ من المنافقين، والمراد ب: ﴿طائِفَةٌ﴾ عبد الله بن أبي وأصحابه. وقال القرطبي: هو أوس بن قيظي، والد عرابة بن أوس؛ الذي انتهى إليه الكرم في المدينة في زمن التابعين، وهو الذي يقول في الشماخ: [الوافر] إذا ما راية رفعت لمجد... تلقّاها عرابة باليمين هذا؛ والطائفة: الجماعة من الناس، لا واحد لها من لفظها، مثل: فريق، ورهط، ونفر... إلخ، وجمعها: طوائف، وقد يطلق لفظ: طائفة على الواحد، وعلى الاثنين، مثل قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٦٦]: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ﴾. ﴿يا أَهْلَ يَثْرِبَ:﴾ هي المدينة المنورة، وسماها رسول الله طيبة، وطابة. وقال أبو عبيدة: يثرب: اسم أرض، والمدينة ناحية منها. وقال السهيلي: وسميت يثرب لأن الذي نزلها من العماليق اسمه يثرب بن عميل بن مهلائيل، بن عوض بن عملاق بن لاوذ بن إرم. وبنو عميل هم الذين سكنوا الجحفة، فأجحفت بهم السيول فيها، وبها سميت الجحفة، قال امرؤ القيس: [الطويل] تنوّرتها من أذرعات، وأهلها... بيثرب أدنى دارها نظر عالي وقد نهى النبي ﷺ أن تسمى بهذا الاسم لما فيه من التثريب، وهو التقريع، والتوبيخ، كما في قوله تعالى حكاية عن قول يوسف لإخوته: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ،﴾ وقد قال المنافقون: يا أهل يثرب مخالفة لما نهى عنه النبي ﷺ . ﴿لا مُقامَ لَكُمْ:﴾ يقرأ بضم الميم وفتحها على أنه مصدر ميمي، أو اسم مكان بمعنى الإقامة، وأصله: «مقوم» فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها، ثم قل: تحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا.

стр. 4832

﴿فَارْجِعُوا﴾ أي: إلى منازلكم هاربين. وقيل المعنى: لا مقام لكم على دين محمد ﷺ فارجعوا إلى الشرك، وسلموا؛ لتسلموا، ويروى: أن يهود بني قريظة قالوا لعبد الله بن أبي ابن سلول، وأصحابه من المنافقين: ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سفيان وأصحابه، فارجعوا إلى المدينة، فإنا مع القوم، فأنتم آمنون. ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ أي: في الرجوع إلى منازلهم بالمدينة، وهم بنو حارثة بن الحارث. وقيل: هو أوس بن قيظي، وجماعة من قومه. ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أي: غير حصينة، وهي ما يلي العدو، ويخشى عليها من السراق. وقرئ: «(عورة)» بكسر الواو، يعني: قصيرة الجدران فيها خلل، تقول العرب: دار فلان عورة إذا لم تكن حصينة. وقد أعور الفارس: إذا بدا فيه خلل للضرب، والطعن. قال الشاعر: [الطويل] متى تلقهم لم تلق في البيت معورا... ولا الضيف مفجوعا ولا الجار مرملا ﴿وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ:﴾ تكذيب لهم، وردّ عليهم فيما ذكروه، وادّعوه. ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِراراً﴾ أي: ما يريدون إلا الهرب من الحرب، أو من الدين. هذا؛ وحكى النقاش: أن هذه الآية نزلت في قبيلتين من الأنصار: بني حارثة، وبني سلمة، وهموا أن يتركوا مراكزهم يوم الخندق، وفيهم أنزل الله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾. ويرده: أن هذا حصل في غزوة أحد، انظر الآية رقم [١٢٢] من سورة (آل عمران). وقال السدي: الذي استأذنه منهم رجلان من الأنصار: أوس بن قيظي، وأبو عرابة بن أوس. قال الضحاك: ورجع ثمانون رجلا بغير إذن. الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إذ): معطوف على ما قبله، وقال مكي: العامل فيه، وفي سابقه فعل مضمر، تقديره: واذكر يا محمد إذ يقول، وإذ قالت، وعليه فالظرف مفعول به، أو هو مفعول فيه لهذا المقدر، وقد مر معنا كثير مثله. ﴿قالَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿طائِفَةٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿طائِفَةٌ،﴾ وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة: (إذ) إليها. (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (أهل): منادى، وهو مضاف، و ﴿يَثْرِبَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿مُقامَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا﴾ والجملة الاسمية، والجملة الندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول. ﴿فَارْجِعُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فارجعوا. و (ارجعوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ومتعلقه محذوف، كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر، والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول. ﴿وَيَسْتَأْذِنُ:﴾ الواو: حرف عطف. (يستأذن): فعل مضارع. ﴿فَرِيقٌ:﴾ فاعل. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿فَرِيقٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿النَّبِيَّ:﴾ مفعول به، وجملة:

стр. 4833

﴿وَيَسْتَأْذِنُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة. ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿بُيُوتَنا:﴾ اسم: ﴿إِنَّ،﴾ و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿عَوْرَةٌ:﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ مفسرة للفعل: (يستأذن)، أو هي في محل نصب حال من ﴿فَرِيقٌ﴾ جوز مجيء الحال منه، وهو نكرة وصفه بالجار والمجرور، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من ﴿النَّبِيَّ﴾ فالمعنى لا يأباه، ويكون الرابط محذوفا، التقدير: قائلين له: إن بيوتنا عورة. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل ليس. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما). ﴿بِعَوْرَةٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (عورة): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية: ﴿وَما هِيَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من بيوتنا، والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِنَّ:﴾ حرف نفي بمعنى «ما». ﴿يُرِيدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِراراً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ فالمعنى لا يأباه، ويكون الرابط الضمير فقط، وتكون حالا متداخلة من وجه واحد من الأوجه التي رأيتها في محل جملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ. ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاّ يَسِيراً (١٤)﴾ الشرح: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: لو دخلت جيوش المشركين الذين هاجموا المدينة بيوت هؤلاء المنافقين، أو دخلوا شوارع المدينة. ﴿مِنْ أَقْطارِها:﴾ من نواحيها، وجوانبها. ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ أي: طلب من المنافقين الفتنة، أي الردة عن الإسلام، والرجعة إلى الكفر، ومقاتلة المسلمين. ﴿لَآتَوْها:﴾ لجاءوها، وفعلوها بسرعة. ﴿وَما تَلَبَّثُوا بِها﴾ أي: وما توقفوا عن إجابة من طلب منهم الفتنة. ﴿إِلاّ يَسِيراً﴾ أي: وقتا قليلا ريثما يكون السؤال، والجواب من غير توقف. أو المعنى: ما لبثوا في المدينة بعد ارتدادهم إلا يسيرا فإن الله يهلكهم. هذا؛ وقرئ الفعل: «(لآتوها)» بالمدّ؛ أي: لأعطوها بسرعة لمن يطلبها منهم. والمعنى: أنهم يتعللون باعورار بيوتهم؛ ليفروا عن نصرة رسول الله ﷺ ، والمؤمنين، وعن مصافة الأحزاب؛ الذين ملئوا قلوبهم رعبا، وخوفا. وهؤلاء الأحزاب كما هم لو دخلوا أرضهم، وديارهم، وعرضوا عليهم الكفر، وقالوا لهم: انقلبوا على المسلمين؛ لسارعوا إليه، وما ذلك إلا لبغضهم الإسلام، وحبهم للكفر، وذلك لما جبلوا عليهم من النفاق، والمداهنة.

стр. 4834

الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿دُخِلَتْ:﴾ ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هي» يعود إلى المدينة، أو إلى بيوتهم حسبما رأيت في الشرح. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ أَقْطارِها:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر، و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿دُخِلَتْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿سُئِلُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿الْفِتْنَةَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لَآتَوْها:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (آتوها): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، و (ها): مفعوله، والجملة الفعلية جواب (لو) لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿تَلَبَّثُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والحالية ممكنة، ويؤيدها المعنى من واو الجماعة، فيكون الرابط: الواو، والضمير. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿يَسِيراً:﴾ صفة مفعول مطلق، التقدير: إلا لبثا يسيرا، أو صفة زمان محذوف، التقدير: إلا زمنا يسيرا. ﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلاً (١٥)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل غزوة الخندق، وبعد غزوة بدر. قال قتادة: وذلك: أنهم غابوا عن بدر، ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة، والنصر، فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن. وقال يزيد بن رومان: هم بنو حارثة، همّوا يوم أحد أن يفشلوا مع بني سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله أن لا يعودوا لمثلها، فذكر الله لهم الذي أعطوه من أنفسهم. انتهى. قرطبي، ومعنى ﴿لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ:﴾ لا يعطون ظهورهم للأعداء منهزمين، والأدبار جمع: دبر، بضم الدال مع ضم الباء وسكونها، وهو الظهر، قال تعالى في سورة (القمر): ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ وهو أيضا ضد القبل، والأدبار بمعنى، أواخر الأشياء، قال تعالى في سورة (ق): ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ بمعنى أعقاب الصلاة، وأواخرها. هذا؛ والإدبار بكسر الهمزة: ضد الإقبال. ﴿وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلاً﴾ أي: إن العبد سيسأل يوم القيامة عن العهد الذي يعطيه على نفسه لله وللناس، قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٣٤]: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً﴾ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧]. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار، والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. هذا؛ وبعضهم يعتبر الواو عاطفة، وبعضهم

стр. 4835

يعتبرها حرف استئناف، ويعتبر الجملة الآتية جوابا لقسم محذوف. ولا أسلمه أبدا؛ لأنه على هذا يكون قد حذف واو القسم، والمقسم به، ويصير التقدير: والله أقسم، أو: وأقسم والله. اللام: واقعة في جواب القسم المحذوف، وبعضهم يقول: موطئة، والموطئة معناها المؤذنة، وهذه اللام، إنما تدخل على: «إن» الشرطية لتدل على القسم المتقدم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدم على الشرط حكما، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٢] من سورة (الحشر) افهم هذا؛ واحفظه، فإنه جيد. فإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به، وبقاء حرف القسم، فالجواب: أنه قد حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السور، مثل قوله تعالى: ﴿وَالضُّحى،﴾ ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ..﴾. إلخ فإن التقدير: ورب الضحى، ورب السماء... إلخ، ويدل على هذا المقدر قوله تعالى في الآية رقم [٢٧] من سورة (الذاريات): ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ..﴾. إلخ. وأوضح من ذلك قوله تعالى في الآية رقم [٧١] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا﴾ فإن التقدير: فوعزتي وجلالي ما أحد منكم إلا واردها. والله أعلم، وأجل، وأكرم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿عاهَدُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، وجملة: ﴿عاهَدُوا..﴾. إلخ في محل نصب خبر (كان). ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُوَلُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿الْأَدْبارَ:﴾ مفعول به ثان، والأول محذوف، التقدير: لا يولون العدو الأدبار، والجملة الفعلية جواب ﴿عاهَدُوا؛﴾ لأنه بمعنى القسم، وجملة: (لقد...) إلخ جواب القسم المقدر، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿عَهْدُ:﴾ اسم (كان) وهو مضاف، و ﴿اللهَ﴾ مضاف إليه. ﴿مَسْؤُلاً:﴾ خبر كان، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاّ قَلِيلاً (١٦)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ . ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ أي: من حضر أجله مات، أو قتل فلا ينفع الفرار؛ لأنه لا بد لكل إنسان من الموت، إما حتف أنفه، أو يقتل بالسيف في وقت معين سبق به القضاء، وجرى به القلم، وأيضا لا بد من الموت ولو تحصن الإنسان في القصور الشامخة، أو صعد الجبال العالية، قال تعالى: ﴿أَيْنَما تَكُونُوا﴾

стр. 4836

يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ. ﴿وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ﴾ أي: في الدنيا بعد فراركم. ﴿إِلاّ قَلِيلاً:﴾ المعنى: وإن نفعكم الفرار من الحرب، والقتال مع الرسول ﷺ ، فتأخر موتكم لم يكن ذلك التأخير، والتمتيع في الدنيا إلا قليلا، وهو مدة انقضاء آجالكم. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه، تقديره: «أنت». ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يَنْفَعَكُمُ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ،﴾ والكاف مفعول به. ﴿الْفِرارُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿فَرَرْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مِنَ الْمَوْتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَوِ:﴾ حرف عطف. ﴿الْقَتْلِ:﴾ معطوف على ما قبله، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه وهو ظاهر، والكلام في محل نصب مقول القول. ﴿وَإِذاً:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): حرف جواب وجزاء. ﴿لا تُمَتَّعُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، و ﴿لا:﴾ نافية. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿قَلِيلاً:﴾ صفة مفعول مطلق، أي تمتيعا قليلا، أو صفة زمان محذوف، أي: زمانا قليلا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. هذا؛ وقدر الجلال في الآية رقم [٧٣] من سورة (الإسراء) «لو» محذوفة، فيكون التقدير هنا: لو فعلتم الفرار؛ لا تمتعون إلا قليلا. قال الجمل معلقا على قول الجلال هناك: (إذا) حرف جواب، وجزاء يقدر: ب: «لو» الشرطية كما فعل الشارح، وعبارة السمين: (إذا) حرف جواب، وجزاء، ولهذا تقع أداة الشرط موقعها، وقوله: ﴿لاتَّخَذُوكَ﴾ أي: في سورة (الإسراء): جواب قسم محذوف، تقديره: والله لاتخذوك... إلخ. هذا؛ وقال ابن هشام في مغنيه: والأكثر أن تكون جوابا ل: «إن»، أو «لو» مقدرتين، أو ظاهرتين، فالأول كقول كثير عزة: [الطويل] لئن جاد لي عبد العزيز بمثلها... وأمكنني منها، إذا لا أقيلها وهذا هو الشاهد رقم [١٩] من كتابنا فتح القريب المجيب. وقول قريط بن أنيف: [البسيط] لو كنت من مازن لم تستبح إبلي... بنو اللّقيطة من ذهل بن شيبانا إذا لقام بنصري معشر خشن... عند الحفيظة، إن ذو لوثة لانا وهذا هو الشاهد رقم [٢٠] من الكتاب المذكور. هذا؛ وقال الفراء: حيث جاءت بعدها اللام، فقبلها «لو» مقدرة؛ إن لم تكن ظاهرة، وهذا هو القول الفصل انتهى. أقول: وهو يريد لام التوكيد، ولا النافية مثلها. هذا؛ ويبقى الكلام المقدر، والمذكور في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.

стр. 4837

﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ أمر للنبي ﷺ . ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ:﴾ يمنعكم من الله. ﴿إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً:﴾ في أنفسكم من قتل، أو غيره. ﴿أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ أي: إطالة عمر في عافية وسلامة. ﴿وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا:﴾ ينفعهم. ﴿وَلا نَصِيراً:﴾ يدفع الضر عنهم. ولا تنس الالتفات من الخطاب إلى الغيبة. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جعلت الرحمة قرينة السوء في العصمة، ولا عصمة إلا من السوء؟! قلت: معناه: أو يصيبكم بسوء، إن أراد بكم رحمة، فاختصر الكلام، وقال الشاعر: [مجزوء الكامل] ورأيت زوجك في الوغى... متقلّدا سيفا ورمحا أو: حمل الثاني على الأول لما في العصمة من معنى المنع، وانظر ما أذكره في الآية رقم [٩] من سورة (الحشر) إن شاء الله تعالى. هذا؛ والولي: هو الذي يتولى شئون غيره، والنصير: المعين، والمساعد، والفرق بينهما: أن الولي قد يضعف عن النصرة، والمعاونة، والنصير قد يكون أجنبيا عن المنصور، فبينهما عموم، وخصوص من وجه. هذا؛ والولي لله: العارف بالله تعالى على حسب ما يمكن، المواظب على الطاعات، المعرض عن الانهماك في اللذات، والشهوات. ووجهان: أحدهما: أنه فعيل بمعنى مفعول، كقتيل بمعنى مقتول، وجريح بمعنى مجروح، فعلى هذا: هو من يتولى الله رعايته، وحفظه، فلا يكله إلى غيره، ونفسه لحظة، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾. والوجه الثاني: أنه فعيل مبالغة من فاعل، كرحيم، وعليم، بمعنى راحم، وعالم، فعلى هذا: هو من يتولى عبادة الله تعالى، من غير أن يتخللها عصيان، أو فتور. وكلا المعنيين شرط في الولاية، فمن شرط الولي أن يكون محفوظا، كما أن من شرط النبي أن يكون معصوما، فكل من كان للشرع عليه اعتراض؛ فليس بولي؛ بل هو مغرور مخادع. ذكره الإمام أبو القاسم القشيري، وغيره من أئمة الطريقة-رحمهم الله تعالى-. انتهى. من شرح ألفاظ الزبد للشيخ أحمد بن حجازي الفشني-رحمه الله تعالى-. هذا؛ وربنا يقول في الحديث القدسي: «من عادى لي وليا؛ فقد آذنته بالحرب». أما الإرادة: فهي نزوع النفس، وميلها إلى الفعل بحيث يحملها عليه. ويقال للقوة؛ التي هي مبدأ النزوع، والأول مع الفعل، والثاني قبله، وكلا المعنيين غير متصور اتصاف الباري تعالى به، ولذا اختلف في معنى إرادته ، فقيل: إرادته لأفعاله: أنه غير ساه، ولا مكره، ولأفعال غيره أمره بها، فعلى هذا لم تكن المعاصي بإرادته. وقيل: علمه باشتمال

стр. 4838

الأمر على النظام الأكمل، والوجه الأصلح، وهذا الأخير هو المقبول؛ لأن الله تعالى لا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر. هذا؛ ولم يرد لفعل الإرادة، ولا لفعل المشيئة أمر فيما أعلم، فهما ناقصا التصرف، وقد كثر حذف مفعول هذين الفعلين حتى لا يكاد ينطق به إلا في الشيء المستغرب، مثل هذه الآية. وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا﴾ وقال الشاعر الخزيمي: [الطويل] فلو شئت أن أبكي دما لبكيته... عليه، ولكن ساحة الصّبر أوسع وقيد بعضهم حذف مفعول هذين الفعلين بعد «لو» وليس كذلك. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿ذَا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع خبر. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة: ﴿ذَا﴾ أو بدل منها، وجوز أن يكون: ﴿مَنْ ذَا﴾ اسما مركبا مبنيا على السكون في محل رفع مبتدأ، و ﴿الَّذِي﴾ خبره. ﴿يَعْصِمُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿أَرادَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿بِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿سُوءاً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿أَرادَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف، وجملة: ﴿أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿يَجِدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿وَلِيًّا﴾ أو ﴿نَصِيراً﴾ على التنازع، أو بمحذوف حال من أحدهما، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بما تعلق به: ﴿لَهُمْ﴾. وأجيز اعتبار ﴿لَهُمْ﴾ مفعولا ثانيا، وهو وجه ضعيف. ﴿وَلِيًّا:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿نَصِيراً:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿وَلا يَجِدُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاّ قَلِيلاً (١٨)﴾ الشرح: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ أي: المثبطين الناس عن رسول الله ﷺ ، وهم عبد الله بن أبيّ وأصحابه المنافقون. هذا؛ والتعويق: المنع، والصرف، وهو للمبالغة. ﴿وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ﴾ من ساكني المدينة. ﴿هَلُمَّ إِلَيْنا﴾ أي: ارجعوا إلينا، ودعوا محمدا ﷺ ، فلا تشهدوا

стр. 4839

معه الحرب، فإنا نخاف عليكم الهلاك، وما محمد، وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحما؛ لالتهمهم أبو سفيان، وأصحابه! دعوا الرجل؛ فإنه هالك!. والآية نزلت في المنافقين بلا ريب، وذلك: أن اليهود أرسلوا إليهم حين أقبلت قريش بحلفائها، وحاصروا المدينة المنورة، وقالوا لهم: ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سفيان، ومن معه، فإنهم إن قدروا عليكم في هذه المرة؛ لم يستبقوا منكم أحدا، وإنا نشفق عليكم، فأنتم جيراننا، وإخواننا هلموا إلينا! فأقبل عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وأصحابه على المؤمنين يعوقونهم، ويخوفونهم بأبي سفيان، ومن معه، وقالوا لهم ما تقدم، فلم يزدد المؤمنون بقول المنافقين إلا إيمانا، واحتسابا. ﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ:﴾ ولا يحضرون القتال. ﴿إِلاّ قَلِيلاً﴾ أي: إلا زمانا، أو إتيانا قليلا. وقيل: إلا رياء، ومداراة للمؤمنين. والبأس: الحرب. ﴿هَلُمَّ:﴾ اسم فعل أمر، بمعنى: احضروا. وفيه لغتان: لغة أهل الحجاز، ولغة بني تميم، فأما لغة الحجاز، وبها جاء التنزيل، فإنها بصيغة واحدة للمفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، نحو: هلمّ يا زيد، هلمّ يا زيدان، هلمّ يا زيدون، هلمّ يا هندان، هلمّ يا هندات، وهي على هذه اللغة: اسم فعل أمر لعدم تغيرها، والتزمت العرب فيها فتح الميم على هذه اللغة، وهي حركة بناء، بنيت على الفتح تخفيفا. وأما لغة بني تميم، وقد نسبها الليث إلى بني سعد، فتلحقها الضمائر، كما تلحق سائر الأفعال، فيقال: هلمّا يا زيدان، هلمّوا يا زيدون، هلمّي يا هند، هلمّنّ يا هندات. وقال الفراء: يقال هلمّين يا نسوة، وهي على هذه اللغة فعل صريح لا يتصرف. هذا قول الجمهور، وقد خالف بعضهم في فعليتها على هذه اللغة، وليس بشيء، فالتزمت العرب فيها أيضا على لغة بني تميم فتح الميم؛ إذا كانت مسندة لضمير الواحد المذكر، ولم يجيزوا فيها ما أجازوه في: ردّ، وشدّ، من الضم، والكسر. انتهى. جمل نقلا عن السمين، ومثله في قطر الندى، ولكنه أخصر. هذا؛ وأصله عند البصريين: هالمّ من: لمّ إذا قصد، حذفت الألف لتقدير السكون في اللام، فإنه الأصل، وعند الكوفيين أصله: هل أمّ، فحذفت الهمزة بإلقاء حركتها على اللام، وهو بعيد؛ لأن هل لا تدخل على الأمر، ويكون متعديا كما في آية الأنعام رقم [١٥٠]: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ..﴾. إلخ ولازما، كما في الآية التي بين أيدينا: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنا﴾ والأولى بمعنى: أحضروهم من الرباعي، وهنا بمعنى: احضروا من الثلاثي، أو بمعنى: تعالوا. وكلام الزمخشري هنا مؤذن بأنه متعد أيضا، وحذف مفعوله، فإنه قال: هلمّوا إلينا، أي: قربوا أنفسكم إلينا. وأخيرا أقول: وهو جامد على الاعتبارين، لا يأتي منه مضارع، أو اسم مضارع، ولا ماض، ولا اسمه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. الإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق هنا. ومفيد للتكثير. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الْمُعَوِّقِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر

стр. 4840

سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿الْمُعَوِّقِينَ،﴾ أو بمحذوف حال من فاعله المستتر، وجملة: ﴿قَدْ يَعْلَمُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (القائلين): معطوف على ﴿الْمُعَوِّقِينَ،﴾ وفاعله مستتر فيه أيضا. ﴿لِإِخْوانِهِمْ:﴾ متعلقان ب: (القائلين)، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿هَلُمَّ:﴾ اسم فعل أمر مبني على الفتح، والفاعل مستتر فيه، وانظر الشرح. ﴿إِلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿هَلُمَّ،﴾ وجملة: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنا﴾ في محل نصب مقول القول. ﴿وَلا:﴾ الواو: واو الحال. (لا): نافية. ﴿يَأْتُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿الْبَأْسَ:﴾ مفعول به. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿قَلِيلاً:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، أو صفة زمان محذوف، انظر الشرح، وجملة: ﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المستتر في: ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾ وما بعده، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها، والأول أقوى. ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (١٩)﴾ الشرح: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ:﴾ بخلاء عليكم بالمعاونة، والمساعدة، أو: بالنفقة في سبيل الله، أو: بالغنيمة، أي: فإنهم يطالبون بها بإلحاح، ولا يعفون عن شيء منها، و ﴿أَشِحَّةً:﴾ جمع صحيح، وهو شديد البخل، مثل رغيف، وأرغفة، ولكن نقلت حركة الحاء الأولى إلى الشين، وأدغمت في الحاء الثانية، وأصله: أشححة، وهو جمع لا ينقاس؛ إذ قياس فعيل الوصف الذي عينه، ولامه من واد واحد أن يجمع على: أفعلاء، نحو خليل، وأخلاء، وظنين، وأظناء، وضنين، وأضناء، وقد سمع أشحاء، وهو القياس. ﴿فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ﴾ أي: من قتال العدو؛ إذا أقبل، أو من النبي ﷺ ؛ إذا غلب أعداءه، فإنهم يخافون أن يبطش بهم بعد فراغه من أعدائه. ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ أي: في تلك الحالة حالة الخوف. ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ أي: في أحداقهم من شدة الخوف، وشدة الجبن، والهلع. ﴿كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ أي: تدور أعينهم كدوران عين الذي قرب من الموت، وغشيته أسبابه فإنه يذهب عقله، ويشخص بصره، فلا يطرف، وذلك من شدة سكرات الموت. ﴿فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ أي: زال الخوف عنهم، وأمنوا، وحيزت الغنائم، وقسمت. ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ:﴾ رموكم، وتناولوكم بألسنة ذربة حادة تفعل كفعل الحديد. قال ابن عباس-﵄: معناه: عضوكم، وتناولوكم بالطعن، والغيبة. وقيل: بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة، يقولون: أعطونا! أعطونا! فإنا شهدنا معكم

стр. 4841

القتال، فلستم بأحق بالغنيمة منا، فهم عند الغنيمة أشجع قوم! وعند الحرب أجبن قوم! وفي قوله تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ استعارة مكنية حيث شبه اللسان بالسيف، ثم حذف المشبه به، واستعار شيئا من خصائصه، وهو الضرب المعبر عنه ب: ﴿سَلَقُوكُمْ﴾. ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ أي: يشاحون المؤمنين، ويخاصمونهم عند الغنيمة، قاله يحيى بن سلام. وقيل: أشحة على المال أن ينفقوه في سبيل الله؛ قاله السدي. ﴿أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ أي: لم يؤمنوا حقيقة الإيمان، وإن نطقوه بألسنتهم، ولكنه لم يدخل سويداء قلوبهم. والإشارة إلى المنافقين الذين تتحدث الآيات السابقة عنهم. ﴿فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ:﴾ أبطل ثواب أعمالهم؛ التي كانوا يأتون بها مع المسلمين، من إنفاق بعض المال رياء، وحضور القتال خوفا من توبيخ المسلمين لهم، وتقريعهم إياهم. ﴿وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً:﴾ وكان إحباط أعمالهم على الله هينا. وقيل: كان نفاقهم على الله هينا، وسهلا. قال الزمخشري: كل شيء على الله يسير، فما معنى: ﴿وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً؟﴾ قلت: معناه: أن أعمالهم حقيقة بالإحباط، تدعو إليه الدواعي، ولا يصرف عنه صارف. هذا؛ وقد بين الله في سورة (النور) وفي سورة (الفرقان) أن أعمال الكفار الصالحة في نظرهم، إنما هي كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، وهي هباء منثور لا قيمة لها عند الله، ولا تنفع أصحابهم شيئا، والنفاق أشد كفرا، كما صرحت به الآيات الكثيرة. هذا؛ وقال أبو السعود: (أحبط أعمالهم): أظهر بطلانها؛ إذ ليس لهم أعمال صحيحة حتى تحبط، أو المراد: أبطل تصنعهم، ونفاقهم فلم يبق مستتبعا لمنفعة دنيوية أصلا. انتهى. هذا؛ وفي المصباح المنير: حبط العمل، يحبط من باب: تعب حبطا بالسكون، وحبوطا: فسد، وهدر، وحبط، يحبط من باب ضرب لغة، وقرئ بها في الشواذ، وحبط دم فلان حبطا من باب: تعب: هدر، وأحبطت العمل، والدم-بالألف-: أهدرته. وفي المختار: والحبط -بفتحتين-: أن تأكل الماشية، فتكثر حتى تنتفخ لذلك بطونها، ولا يخرج عنها ما فيها. وقيل: هو أن ينتفخ بطنها عن أكل الذرق، وهو الحندقوق. وفي الحديث: «إنّ ممّا ينبت الربيع ما يقتل حبطا، أو يلمّ». انتهى. واسم هذا الداء: حباط. والفعل: حبط لازم، ويتعدى بالهمزة، كما رأيت في الآية. الإعراب: ﴿أَشِحَّةً:﴾ حال من فاعل: ﴿يَأْتُونَ،﴾ أو من الضمير المستتر في ﴿الْمُعَوِّقِينَ،﴾ أو هو منصوب على الذم بفعل محذوف، والمعتمد الأول. هذا؛ ويقرأ بالرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم أشحة. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب، وجملة: ﴿جاءَ الْخَوْفُ﴾ في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿رَأَيْتَهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به،

стр. 4842

والجملة الفعلية جواب (إذا)، لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿يَنْظُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الضمير فقط. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿تَدُورُ:﴾ فعل مضارع. ﴿أَعْيُنُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، وهي حال متداخلة. ﴿كَالَّذِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، أي: ينظرون إليك نظرا مثل نظر الذي يغشى عليه. أو التقدير: تدور أعينهم دورانا مثل دوران عين الذي يغشى عليه. فبعد الكاف محذوفان، وهما: دوران، وعين، وعليه ابن هشام في المغني. ﴿يُغْشى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور في محل نائب فاعل. وقيل: نائب الفاعل ضمير مصدر الفعل، التقدير: ويغشى الغشيان المعهود. وعليه: فالجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وانظر الآية رقم [٥٤] من سورة (سبأ)، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنَ الْمَوْتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وتعليقهما بمحذوف حال من الضمير المجرور ب (على) غير مستبعد. ﴿فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ:﴾ إعراب هذه الكلمات مثل إعراب ما قبلها، جملة، وإفرادا. ﴿سَلَقُوكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية جواب: (إذا)، لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿بِأَلْسِنَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿حِدادٍ:﴾ صفة (ألسنة). ﴿أَشِحَّةً:﴾ حال من واو الجماعة. ﴿عَلَى الْخَيْرِ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَشِحَّةً﴾. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُؤْمِنُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة الجزم حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَحْبَطَ:﴾ الفاء: حرف عطف وسبب. (أحبط): ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿أَعْمالَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم (كان)، فهو اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿يَسِيراً:﴾ خبر (كان)، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وهو أقوى من عطفها على ما قبلها. وقيل: في محل نصب حال، وليس بشيء.

стр. 4843

﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاّ قَلِيلاً (٢٠)﴾ الشرح: ﴿يَحْسَبُونَ:﴾ يظنون. ﴿الْأَحْزابَ﴾ أي: قريشا، وغطفان، واليهود. ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ أي: لم يرجعوا خائبين بدون ظفر بالمسلمين، ولكنهم جبنوا هم، وانهزموا، ففروا إلى داخل المدينة، والمراد: المنافقون المذكورون في الآية رقم [١٢] وما بعدها. هذا؛ والأحزاب جمع: حزب، وهو في اللغة أصحاب الرجل الذين يكونون معه على مثل رأيه، وهم القوم الذين يجتمعون لأمر حزبه، يعني: أهمه، ونزل به. أما الفعل «حسب» فهو من باب: تعب في لغة جميع العرب إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضا على غير قياس. وقد قرئ المضارع بفتح السين وكسرها، والمصدر: الحسبان بكسر الحاء، وحسبت المال حسبا، من باب: قتل بمعنى: أحصيته عددا. ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ﴾ أي: يرجعوا إليهم للقتال بعد أن ولوا الأدبار. ﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ﴾ أي: تمنوا أنهم خارجون إلى البادية، ومقيمون بين الأعراب، وذلك لشدة جبنهم، وخوفهم. ﴿يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ﴾ أي: يسألون كل قادم من جهة المدينة عن أخباركم، وما جرى لكم مع أعدائكم. ﴿وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ﴾ أي: موجودين في المدينة معكم. ﴿ما قاتَلُوا إِلاّ قَلِيلاً﴾ أي: إلا قتالا قليلا، أو: إلا زمانا قليلا. ﴿الْأَعْرابِ:﴾ جمع أعرابي، وهو من يسكن البادية، وهو ما في «القاموس». وقيل: الأعراب: اسم جنس، وأعرابي نسبة إلى الأعراب. انتهى. مختار الصحاح. هذا؛ والعرب: أهل الأمصار، وهو أيضا اسم جنس، والنسبة إليهم عربي. فالأعرابي على الأول مفرد: الأعراب، ونسبة إليهم، والعربي على الثاني مفرد: العرب، ونسبة إلى العرب. الإعراب: ﴿يَحْسَبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿الْأَحْزابَ:﴾ مفعول به أول. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَذْهَبُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان، وجملة: ﴿يَحْسَبُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، ويجوز أن تكون في محل نصب حال من أحد الضمائر المتقدمة؛ إذا صح المعنى، ولو بعد العامل. أفاده أبو البقاء. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَأْتِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها. ﴿الْأَحْزابَ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يَوَدُّوا:﴾ جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف

стр. 4844

النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَوْ:﴾ حرف مصدري. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿بادُونَ:﴾ خبر: (أن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِي الْأَعْرابِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿بادُونَ،﴾ و: (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، التقدير: لو ثبت: أنهم بادون، و (لو) والفعل المقدر ب: «ثبت» في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به ل: ﴿يَوَدُّوا﴾. وجملة: ﴿يَوَدُّوا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء ولا ب «إذا» الفجائية، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿يَسْئَلُونَ:﴾ مضارع وفاعله، ومفعوله الأول محذوف، تقديره: الناس ونحوه. ﴿عَنْ أَنْبائِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَسْئَلُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة في ﴿يَوَدُّوا﴾ وأجيز اعتبارها مستأنفة، والأول أقوى. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿فِيكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: (كان)، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿قاتَلُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿قَلِيلاً:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، أو صفة زمان محذوف، انظر الشرح، وجملة: ﴿ما قاتَلُوا..﴾. إلخ جواب: (لو)، لا محل لها، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. وقيل: في محل نصب حال. ولا وجه له؛ لأن «لو» لتعليق الشرط في المستقبل، كما هو مشهور فيها. ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً (٢١)﴾ الشرح: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أي: قدوة صالحة، أي: اقتدوا به اقتداء حسنا، وهو أن تنصروا دين الله، وتؤازروا رسوله، ولا تتخلوا عنه في الحرب، وتصبروا على ما يصيبكم، كما فعل هو؛ إذ قد كسرت رباعيته، وشج وجهه، وقتل عمه في غزوة أحد، وأوذي بضروب الأذى فصبر، وواساكم مع ذلك بنفسه، فافعلوا مثله، واستنوا بسنته. ﴿لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ﴾ أي: يرجو رحمته، ومثله: ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ﴾ أي: عذابه، بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ﴾. ﴿وَالْيَوْمَ الْآخِرَ:﴾ هو آخر يوم من أيام الدنيا، فيه الحشر، والنشر، والميزان، والصراط، إلى دخول أهل الجنة الجنة، ودخول أهل النار النار. ﴿وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً﴾ أي: ذكرا كثيرا بقلبه، وبلسانه في جميع المواطن على السراء، والضراء، والشدة، والرخاء. وقرن بالرجاء

стр. 4845

كثرة الذكر المؤدية إلى ملازمة الطاعة، فإن المؤتسي بالرسول ﷺ كذلك. هذا؛ و «الرجاء» في الأصل: الأمل في الشيء، والطماعية فيه، قال الشاعر: [الوافر] أترجو أمّة قتلت حسينا... شفاعة جدّه يوم الحساب؟ وقد يأتي الرجاء بمعنى الخوف، وبه فسر قوله تعالى في سورة (العنكبوت): ﴿مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ﴾ ... إلخ وغيرها كثير، وهي لغة تهامة، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي في صفة عسال؛ أي: الذي يقطف عسل النحل: [الطويل] إذا لسعته الدّبر لم يرج لسعها... وخالفها في بيت نوب عواسل وقال بعض العلماء: لا يقع الرجاء بمعنى الخوف إلا مع الجحد؛ أي النفي، كقوله تعالى: ﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقاراً﴾. وقال بعضهم: بل يقع في كل موضع دل عليه المعنى، وهو المعتمد. الإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله، ونحوه. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِي رَسُولِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، و ﴿رَسُولِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿أُسْوَةٌ:﴾ اسم كان مؤخر. ﴿حَسَنَةٌ:﴾ صفة ﴿أُسْوَةٌ،﴾ وجملة: ﴿لَقَدْ..﴾. إلخ ابتدائية، أو هي جواب القسم المقدر، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور بدل من ﴿لَكُمْ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف صفة ﴿حَسَنَةٌ﴾ وهو المعتمد عند البصريين؛ لأنهم لا يجيزون إبدال الغائب من المخاطب، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى (من)، وهو العائد، أو الرابط. ﴿يَرْجُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾. ﴿اللهِ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿وَالْيَوْمَ:﴾ معطوف عليه. ﴿الْآخِرَ:﴾ صفة: (اليوم) وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ صلة (من)، أو صفتها، وما تقدم مذكور بحروفه في سورة (الممتحنة) رقم [٦]. (ذكر): فعل ماض، والفاعل يعود إلى: (من) أيضا. ﴿اللهِ:﴾ منصوب على التعظيم أيضا. ﴿كَثِيراً:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، وجملة: ﴿وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً﴾ معطوفة على جملة ﴿كانَ..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿وَلَمّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاّ إِيماناً وَتَسْلِيماً (٢٢)﴾ الشرح: ﴿وَلَمّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ﴾ أي: قريشا، وحلفاءها، وقد نزلوا حول المدينة، وعسكروا. ﴿قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ:﴾ يريد قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ﴾

стр. 4846

تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ... إلخ، وقول النبي ﷺ : «سيشتدّ الأمر باجتماع الأحزاب عليكم، والعاقبة لكم عليهم». وكان قد قال لهم أيضا: «إنهم سائرون إليكم بعد تسع، أو عشر». قاله قتادة. ﴿وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ:﴾ روى كثير بن عبد الله، بن عمرو المزني عن أبيه، عن جده، قال: خطب رسول الله ﷺ عام جاءت الأحزاب، فقال: «أخبرني جبريل-﵇-أن أمتي ظاهرة عليها-يعني على قصور الحيرة، ومدائن كسرى-فأبشروا بالنصر!». فاستبشر المسلمون، وقالوا: الحمد لله، موعد صادق؛ إذ وعدنا بالنصر بعد الحصر. فطلعت الأحزاب، فقال المؤمنون: ﴿هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾. وقولهم هذا في مقابلة قول المنافقين: ﴿ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً﴾. وقولهم: ﴿وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ ليس إشارة إلى ما وقع، فإنهم كانوا يعرفون صدق الله ورسوله قبل الوقوع، وإنما هو إشارة إلى البشارة في جميع ما وعد، مثل فتح مكة، وفتح بلاد الروم، وبلاد فارس. ﴿وَما زادَهُمْ﴾ أي: البلاء، أو شدة الخطب، أو الذي رأوه من مجيء الأحزاب، أو الوعد، أو الصدق. ﴿إِلاّ إِيماناً:﴾ بالله ﴿وَتَسْلِيماً:﴾ لحكمه، وإرادته. هذا؛ والفعل «زاد» ضد: نقص، يكون لازما، كقولك: زاد المال درهما، ويكون متعديا لمفعولين، كما في الآية الكريمة، وقولك: زاد الله خالدا خيرا، بمعنى جزاه الله خيرا، وأما قولك: زاد المال درهما، والبر مدا، فدرهما ومدا تمييز، ومثله قل في «نقص» فمن المتعدّي لمفعولين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً﴾. تنبيه: في إعادة الاسمين وتكريرهما التعظيم، والتكريم، ولأنه لو أعادهما مضمرين، لجمع بين اسم الله تعالى، واسم رسوله في لفظة واحدة، فكان يقول: وصدقا، والنبي ﷺ قد كره ذلك، ورد على من قاله، حيث قال: «من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما؛ فقد غوى» فقال له: «بئس خطيب القوم أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله؛ فقد غوى». قصدا إلى تعظيم الله، وعليه استشكل بعضهم قوله ﷺ : «ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله، أحبّ إليه مما سواهما... إلخ». الحديث رواه أنس بن مالك، ﵁، فقد جمع بينهما في ضمير واحد، وأجيب بأن النبي ﷺ أعرف بقدر الله منا، فليس لنا أن نقول كما يقول. انتهى. جمل نقلا عن السمين. الإعراب: ﴿وَلَمّا:﴾ الواو حرف استئناف. (لما): حرف وجود عند سيبويه. وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى حين عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿رَأَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر.

стр. 4847

﴿الْمُؤْمِنُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿الْأَحْزابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا، وابتدائية لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا. ﴿قالُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محلّ له. ﴿لَمّا:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿وَعَدَنَا:﴾ ماض، و (نا): مفعوله الأول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة: ﴿لَمّا،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط، وهو المفعول الثاني محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو: شيء وعدنا الله إياه، أو به، وجملة: ﴿وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (لما)، لا محل لها، و (لما) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿زادَهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به أول، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى «الوعد»، أو إلى «الصدق»، أو إلى «البلاء»، أو إلى «الرؤية»، وإنما ذكّر لأن تأنيثها غير حقيقي، وكل ذلك مفهوم مما قبله، وقرأ ابن أبي عبلة: «(وما زادوهم)» بضمير الجمع، ويعود للأحزاب. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿إِيماناً:﴾ مفعول به ثان. (تسليما): معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿وَما زادَهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (٢٣)﴾ الشرح: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ:﴾ من الثبات مع الرسول ﷺ ، والمقاتلة لإعلاء الدين، وهم رجال من الصحابة نذروا: أنهم إن أدركوا حربا مع رسول الله؛ ثبتوا، وقاتلوا حتى يستشهدوا، وكانوا تخلفوا عن غزوة بدر الكبرى، فعن أنس بن مالك-﵁-قال: غاب عمي أنس بن النضر-﵁-عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله! غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن أشهدني الله قتال المشركين ثانية ليرينّ الله ما أصنع! فلما كان يوم أحد، وانكشف المسلمون، قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء-يعني: أصحابه-وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء-يعني المشركين-ثم تقدم فاستقبله سعد بن مالك، فقال: يا أبا عمرو أين؟ فقال: واها لريح الجنة، أجده دون أحد! فقاتل؛ حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون ما بين ضربة، وطعنة، ورمية، فقالت عمتي الرّبيّع بنت النضر: فما عرفت أخي إلا ببنانه، ونزلت فيه وفي أشباهه من المؤمنين هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ..﴾. إلخ.

стр. 4848

﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ:﴾ وفى نذره بأن قاتل؛ حتى قتل، كحمزة، ومصعب بن عمير، وأنس بن النضر، وغيرهم، رضوان الله عليهم. والنحب: النذر، استعير للموت؛ لأنه كنذر لازم في رقبة كل حيوان، قال لبيد ﵁: [الطويل] ألا تسألان المرء ماذا يحاول... أنحب فيقضى أم ضلال وباطل؟ وقال القرطبي: النحب: النذر، والعهد، والموت، والحاجة، والمدة. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ أي: من بقي من المؤمنين ينتظر أحد الأمرين: إما الشهادة، وإما النصر على الأعداء. ﴿وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ أي: وفوا بعهودهم، ولم ينقضوها، ولم يغيروا شيئا مما عاهدوا الله، ورسوله عليه. عن خباب بن الأرت-﵁-قال: «هاجرنا مع رسول الله ﷺ نلتمس وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنّا من مات، ولم يأكل من أجره شيئا، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد، وترك نمرة، وكنا إذا غطّينا بها رأسه؛ بدت رجلاه، وإذا غطّينا بها رجليه بدا رأسه، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نغطّي رأسه ونجعل على رجليه من الإذخر. ومنا من أينعت له ثمرته، فهو يهدبها» متفق عليه. النمرة: كساء ملون من صوف، وقوله: «منا من أينعت له ثمرته»، أي: أدركت ونضجت له ثمرته، وهذه استعارة لما فتح الله عليهم من الدنيا، وقوله: يهدبها؛ أي: يجتنيها، ويقطعها. تنبيه: الشهداء على ثلاثة أنواع: شهيد الدنيا، وشهيد الآخرة، وشهيد الدنيا والآخرة، فالأول: من قاتل للسمعة، والشهرة، أو للمغنم، أو كان غير كامل الإيمان، فهذا تجري عليه أحكام الشهيد في الدنيا، فلا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه؛ بل يلف بثيابه، وبدمه، ويدفن في الأرض إن عثر على جثته، أو على شيء منها. أما شهيد الآخرة فقط، فهو ما رواه الطبراني عن عبد الله بن عباس-﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما تعدّون الشهيد فيكم؟». قلنا: يا رسول الله من قتل في سبيل الله، قال: «إنّ شهداء أمتي إذا لقليل، من قتل في سبيل الله فهو شهيد، والمتردّي شهيد، والنفساء شهيد، والغريق شهيد، والسّلّ شهيد، والحريق شهيد، والغريق شهيد». هذا؛ وورد في أحاديث كثيرة: «المبطون شهيد، والميت بالطاعون شهيد». وعن سعيد بن زيد-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد». رواه أبو داود، وغيره. أما شهيد الدنيا، والآخرة؛ فهو من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله، تجري عليه أحكام الشهادة في الدنيا، وفي الآخرة في أعلى عليين، وفي آية البقرة رقم [١٥٤]، وفي آية آل عمران رقم [١٦٩] بيّن الله مقام الشهداء المخلصين، وما أعده لهم من الأجر العظيم، والثواب العميم. الإعراب: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿رِجالٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿صَدَقُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة

стр. 4849

الفعلية في محل رفع صفة ﴿رِجالٌ﴾. ﴿ما:﴾ مصدرية، وتؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: صدقوا عهدهم مع الله. واعتبار (ما) موصولة فلا بأس به، وتكون الجملة بعدها صلتها. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَمِنْهُمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف وتفريع. (منهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿قَضى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مِنَ،﴾ وهو العائد، أو الرابط. ﴿نَحْبَهُ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة: ﴿مِنَ،﴾ أو صفتها هذا هو الإعراب الظاهر، والأصح: أن مضمون الجار والمجرور (منهم): مبتدأ، و ﴿مِنَ﴾ هي الخبر؛ لأن (من) الجارة دالة على التبعيض، أي: فبعض المؤمنين، وجمع الضمير يؤيد ذلك، ولا استبعاد في وقوع الظرف بتأويل معناه مبتدأ، يرشدك إلى ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ من الآية رقم [١١٠] من سورة (آل عمران)، فعطف (أكثرهم) على (منهم) يؤيد: أن معناه بعضهم. وخذ قول الحماسي: [الكامل] منهم ليوث لا ترام وبعضهم... ممّا قمشت وضمّ حبل الحاطب حيث قابل لفظ (منهم) بما هو مبتدأ، أعني: لفظة: «بعضهم» وهذا مما يدل على أن مضمون «منهم» مبتدأ. هذا؛ و «ليوث» جمع: ليث، وهو الأسد. «لا ترام»: لا تقصد. «قمشت»: جمعت من هنا، وهناك؛ والمراد: رذالة الناس، والقمش: الرديء من كل شيء، والجملة الاسمية: (منهم...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. وجملة: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿بَدَّلُوا:﴾ ماض والواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، التقدير: وما بدلوا العهد. ﴿تَبْدِيلاً:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٤)﴾ الشرح: ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ أي: أمر الله بالجهاد؛ ليثيب المؤمنين الصادقين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه. ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ:﴾ الذين أخلفوا الله ما وعدوه، وبما كانوا يكذبون. ﴿إِنْ شاءَ﴾ أي: إن شاء أن يعذبهم؛ أي: لم يوفقهم للتوبة، وإن لم يشأ أن يعذبهم؛ وفقهم للتوبة قبل موتهم. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً:﴾ انظر الآية رقم [١].

стр. 4850

الإعراب: ﴿لِيَجْزِيَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وقال أبو البقاء: لام العاقبة. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الصّادِقِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿بِصِدْقِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، أي: أمر الله بالجهاد ليجزي... إلخ. وقال أبو البقاء: متعلقان ب (صدق) أو ب: ﴿زادَهُمْ،﴾ أو ب (ما بدلوا)، والمعنى: على الأول أقوى. ﴿وَيُعَذِّبَ:﴾ فعل مضارع معطوف على ما قبله، منصوب مثله، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿الْمُنافِقِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والمفعول محذوف، وجواب الشرط محذوف أيضا، التقدير: إن شاء تعذيبهم؛ عذبهم. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَتُوبَ:﴾ مضارع معطوف على ما قبله منصوب مثله، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وحذف شرط آخر، لدلالة الأول عليه انظر الشرح. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [١]. والجملة الشرطية معترضة بين الفعلين المتعاطفين. ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزاً (٢٥)﴾ الشرح: ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: قريشا، وحلفاءهم. ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ أي: لم يشف صدورهم بنيل ما أرادوا من القضاء على الإسلام، والمسلمين في المدينة المنورة؛ بل رجعوا خائبين. ﴿لَمْ يَنالُوا خَيْراً:﴾ ظفرا بالمسلمين، وسماه الله خيرا بزعمهم، وقصدهم. ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ:﴾ بالملائكة، والرياح؛ التي أرسلها عليهم، كما رأيت في الآية رقم [١٠]. ﴿وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزاً﴾ أي: صنع ما يريد، وهو غالب على أمره، ولا يحول شيء دون تنفيذ مراده. تنبيه: قرئ قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٢٤]: ﴿قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ وقرئ: «(الظالمون)» قال الفراء: معنى القراءتين واحد؛ لأن ما نلته فقد نالك، وما نالك فقد نلته. خاتمة: وفي صحيحي البخاري، ومسلم: دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب، فقال: «اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، هازم الأحزاب، اللهم اهزمهم، وانصرنا عليهم، وزلزلهم». وقام ﷺ في الناس، فقال: «يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتم العدو؛ فاصبروا، واعلموا: أن الجنة تحت ظلال السيوف». أي: السبب الموصل إلى الجنة عند الضرب بالسيف في سبيل الله، ودعا ﷺ بقوله: «يا صريخ المكروبين، يا مجيب المضطرين، اكشف همي، وغمي، وكربي، فإنك ترى ما نزل بي، وبأصحابي». وقال له المسلمون: هل من

стр. 4851

شيء نقوله، فقد بلغت الروح الحناجر، قال: «نعم، قولوا: اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا». فأتاه جبريل ﵊، فبشره: أن الله يرسل عليهم ريحا، وجنودا، وأعلم ﷺ أصحابه، وصار يرفع يديه، ويقول: «شكرا شكرا، كما رحمتني، ورحمت أصحابي». وجاء: أنه ﷺ كان قد دعا يوم الإثنين والثلاثاء، ويوم الأربعاء، واستجيب له ذلك اليوم الذي هو يوم الأربعاء، بين الظهر والعصر، فعرف السرور في وجهه. ومن ثمّ كان جابر يدعو في مهماته في ذلك اليوم في ذلك الوقت، ويتحرى ذلك اليوم. وأما الأحاديث التي وردت بذم يوم الأربعاء، فمحمولة على آخر أربعاء في الشهر؛ فإنه روي: أن فرعون قد ولد في ذلك اليوم، وادعى الربوبية فيه، وأهلكه الله فيه، وهو اليوم الذي ابتلي فيه أيوب على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. انتهى. زيني دحلان بتصرف. هذا؛ ويوم الأربعاء هو اليوم الأول والآخر من الأيام الثمانية التي أرسل الله فيها الرياح على قوم عاد، وسماها الله في سورة (فصلت) رقم [١٦] أياما نحسات، وقال في سورة (القمر) عن يوم الأربعاء: ﴿يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ فإن قيل: يوم الأربعاء يوم نحس مستمر، فكيف يستجاب فيه الدعاء، والنبي ﷺ قد دعا فيه كما رأيت، واستجيب له فيه؟! والجواب والله أعلم: أنه نحس على الفجار، والمفسدين، كما كانت الأيام النحسات المذكورة في سورة (فصلت) نحسات على الكفار من قوم عاد، لا على نبيهم، والمؤمنين منهم. وإذا كان كذلك؛ لم يبعد أن يمهل الله الظالم من أول يوم الأربعاء، إلى أن تزول الشمس، فإذا أدبر النهار، ولم يحدث توبة، ورجعة؛ استجيب دعاء المظلوم عليه، فكان اليوم نحسا على الظالم، ودعاء النبي ﷺ إنما كان على الكفار. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَرَدَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (رد): فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَرَدَّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِغَيْظِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل (رد)، وهما مفعوله الثاني، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الاسم الموصول وهو أقوى، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، أو من إضافة اسم المفعول لنائب فاعله. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَنالُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿خَيْراً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة فهي حال ثانية، أو متداخلة، والرابط: الضمير فقط. ﴿وَكَفَى﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (كفى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مفعول به أول. ﴿الْقِتالَ:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿وَكَفَى..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿(رَدَّ اللهُ...)﴾

стр. 4852

إلخ، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿قَوِيًّا:﴾ خبر أول. ﴿عَزِيزاً:﴾ خبر ثان، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً (٢٦)﴾ الشرح: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾ أي: عاونوا قريشا، وحلفاءها من غطفان، وغيرها. ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ:﴾ وهم بنو قريظة. ﴿مِنْ صَياصِيهِمْ﴾ أي: حصونهم، واحدها: صيصة، قال عبد بني الحسحاس: [الطويل] فأصبحت الثّيران صرعى وأصبحت... نساء تميم يبتدرن الصّياصيا ومنه قيل لشوكة الحائك؛ التي يسوي بها السّداة واللّحمة: صيصة. قال دريد بن الصمة: [الطويل] فجئت إليه والرّماح تنوشه... كوقع الصّياصي في النسيج الممدّد ومنه: صيصة الديك التي في رجله. وصياصي البقر: قرونها؛ لأنها تمتنع بها، وربما كانت تركب في الرماح مكان الأسنة، ويقال: جذّ الله صئصئه؛ أي: أصله. ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ:﴾ الخوف. ﴿فَرِيقاً تَقْتُلُونَ:﴾ يعني الرجال، يقال: كانوا ستمائة. ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً:﴾ يعني: النساء، والذراري. يقال: كانوا سبعمائة وخمسين. روي أن جبريل ﵇ أتى رسول الله ﷺ صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب، ورجع المسلمون إلى المدينة، ووضعوا سلاحهم. أتى على فرسه الحيزوم، والغبار على وجه الفرس، وعلى السرج، فقال: ما هذا يا جبريل؟! قال: من متابعة قريش، فجعل رسول الله ﷺ يمسح الغبار عن وجه الفرس، وعن سرجه. فقال: يا رسول الله! إن الملائكة لم تضع السلاح، إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة، وأنا عامد إليهم، فإن الله داقّهم دقّ البيض على الصفا، وإنهم لكم طعمة. فأذّن في الناس: أن من كان سامعا مطيعا، فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة، فما صلى كثير من الناس العصر إلا بعد العشاء الآخرة، لقول الرسول ﷺ . فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة؛ حتى جهدهم الحصار، فقال لهم رسول الله ﷺ : «تنزلون على حكمي؟» فأبوا، فقال: «على حكم سعد بن معاذ؟» فرضوا به، فقال سعد ﵁: حكمت فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم ونساؤهم، فكبر النبي ﷺ وقال: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة». ثم استنزلهم، وخندق في سوق المدينة خندقا، وقدمهم،

стр. 4853

فضرب أعناقهم. انتهى. من الكشاف باختصار. هذا؛ وقد ذكرت لك في الآية رقم [٢٧] من سورة (الأنفال) قصة أبي لبابة، وهي متعلقة بقصة بني قريظة. الإعراب: ﴿وَأَنْزَلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (أنزل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله) تعالى. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿ظاهَرُوهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ أَهْلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و ﴿أَهْلِ﴾ مضاف، و ﴿الْكِتابِ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ صَياصِيهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل (أنزل)، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَأَنْزَلَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (ردّ...) إلخ لا محل لها مثلها. (قذف): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿فِي قُلُوبِهِمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الرُّعْبَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَقَذَفَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿فَرِيقاً:﴾ مفعول به مقدم. ﴿تَقْتُلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية مفسرة لقوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ بل ومقررة لها، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢٧)﴾ الشرح: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ولأصحابه. ﴿أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ:﴾ ضمير الغيبة يعود إلى بني قريظة. روي: أن النبي ﷺ جعل عقارهم للمهاجرين دون الأنصار، فقالت الأنصار في ذلك، فقال: إنكم في منازلكم. وقال عمر-﵁: أما تخمس، كما خمست يوم بدر؟ قال: «لا إنما جعلت هذه لي طعمة دون النّاس»، قال: رضينا بما صنع الله، ورسوله. ﴿وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها:﴾ عن الحسن البصري قال: هي فارس، والروم. وعن قتادة قال: كنا نتحدث أنها مكة. وعن مقاتل: هي خيبر. وعن عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة. وهذا ضعيف كما ترى، وما ذكر قبله فقد تحقق الثاني والثالث في عهد الرسول ﷺ ، وتحقق الأول في عهد الفاروق، ﵁. ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً:﴾ فيه توجيهان: أحدهما: على ما أراده بعباده من نقمة، أو عفو قدير. والثاني: على ما أراد أن يفتحه من الحصون، والقرى قدير؛ قاله النقاش. والأول قاله محمد بن إسحاق. وقدير وقادر: لا ترد قدرته، ولا يجوز عليه العجز تعالى الله عن ذلك. هذا؛ وانظر شرح (الدار) في الآية رقم [٣٧] من سورة (القصص) أما الأموال؛ فإنه جمع: مال، قال ابن الأثير: المال في الأصل يطلق على ما يملك من الذهب، والفضة، ثم أطلق على

стр. 4854

كل ما يقتنى، ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها أكثر أموالهم. وقال الجوهري: ذكر بعضهم: أن المال يؤنث، وأنشد لحسان ﵁: [البسيط] المال تذري بأقوام ذوي حسب... وقد تسوّد غير السّيّد المال وعن الفضل الضبي: المال عند العرب: الصامت، والناطق، فالصامت: الذهب، والفضة، والجواهر. والناطق: هو البعير، والبقرة، والشاة، فإذا قلت عن حضري: كثر ماله؛ فهو الصامت، وإذا قلت عن بدوي: كثر ماله؛ فالمراد الناطق، والنشب: المال الثابت، كالضياع، ونحوها، فلا يقال للمنقول من المال المذكور آنفا، قال عمرو بن معدي كرب الزبيدي، ﵁: [البسيط] أمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب هذا؛ وقد قال الرسول ﷺ : «من تواضع لغنيّ لغناه؛ فقد ذهب ثلثا دينه». وإنما كان كذلك؛ لأن الإيمان متعلق لثلاثة أشياء: المعرفة بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان، فإذا تواضع بلسانه، وأعضائه، فقد ذهب الثلثان، فلو انضم إليه القلب ذهب الكل، وإن لم ينضم؛ فهو النفاق. الإعراب: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أورثكم): ماض، والفاعل يعود إلى (الله) تقديره: «هو»، والكاف مفعول به أول. ﴿أَرْضَهُمْ:﴾ مفعول به ثان. ﴿وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، والهاء في الثلاثة ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَأَرْضاً:﴾ معطوفة أيضا. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَطَؤُها:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: (أرضا)، وجملة: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (ردّ...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿قَدِيراً﴾ بعدهما، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيراً:﴾ خبر (كان)، وجملة: ﴿وَكانَ..﴾. إلخ مستأنفة. لا محل لها من الإعراب. ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٢٨)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ أي: السعة، والتنعم، والترفه فيها. ﴿وَزِينَتَها:﴾ زخارفها، وبهجتها. ﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ:﴾ أعطيكن المتعة، وهي قدر من المال، وهذه المتعة سنة إن كان الزوج قد أعطاها جميع حقوقها، فيسن أن يزيدها هذه المتعة تطييبا لخاطر المرأة المطلقة؛ لأنها مفجوعة بالطلاق، وهذه المتعة واجبة على الزوج إن طلقها قبل الدخول بها، وبعد العقد عليها، ولم يسم لها مهرا، وهذا القدر المالي يكثر، ويقل

стр. 4855

نظرا لحال الزوج المطلق، قال تعالى في الآية رقم [٢٣٦] من سورة (البقرة): ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً﴾ أي: أطلقكن طلاقا حسنا، وذلك بأن يكون سنيا، وهو: أن يقع في طهر غير مجامع فيه، وأيضا مع إعطاء المرأة جميع حقوقها، لا كما يفعله فساق هذا الزمان الذين يؤذون المرأة، ويضارونها حتى يحملوها على التنازل عن كل حقوقها، أو بعضها. (تعالين): قال ابن هشام في قطر الندى: وأما هات، وتعال، فعدهما جماعة من النحويين في أسماء الأفعال، والصواب: أنهما فعلا أمر، بدليل أنهما دالان على الطلب، وتلحقهما ياء المخاطبة، فتقول: هاتي، وتعالي. واعلم أن آخر (هات) مكسور أبدا، إلا إذا كان لجماعة المذكرين، فإنه يضم، وأن آخر (تعال) مفتوح في جميع أحواله من غير استثناء، تقول: تعال يا زيد، وتعالي يا هند، وتعاليا يا هندان، أو يا زيدان، وتعالوا يا زيدون، وتعالين يا هندات، كل ذلك بالفتح، قال الله تعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ..﴾. إلخ، وقال تعالى: ﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ..﴾. إلخ، ومن ثمّ لحنوا أبا فراس الحمداني بقوله: [الطويل] أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا... تعالي أقاسمك الهموم تعالي وأقول: إن الفعلين «هات، وتعال» ملازمان للأمرية، فلا يأتي منهما مضارع، ولا ماض، وهما بمعنى: «أحضروا، أو احضروا» فالأول متعد، وهو من الرباعي، والثاني لازم، وهو من الثلاثي، وأما تعالى يتعالى؛ فهما بمعنى: تعاظم، يتعاظم، أو بمعنى: تنزه، يتنزه. وقل في إعلال: (تعالوا): أصله تعالووا، ثم تعاليوا، فحذفت الضمة التي على الياء للثقل، فالتقى ساكنان، فحذفت الياء، وبقيت الواو؛ لأنها ضمير، وبقيت الفتحة على اللام لتدل على الألف المحذوفة. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ انظر الآية رقم [١] ففيها الكفاية. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنت». ﴿لِأَزْواجِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُنَّ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿تُرِدْنَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون، والنون فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان). ﴿الْحَياةَ:﴾ مفعول به. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿الْحَياةَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وبعضهم يعتبره مضافا إليه، ولا وجه له البتة. ﴿وَزِينَتَها:﴾ معطوف على ما قبله، و (ها): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كُنْتُنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَتَعالَيْنَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (تعالين): فعل أمر مبني على السكون، ونون النسوة فاعله. ﴿أُمَتِّعْكُنَّ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف،

стр. 4856

والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أسرحكن): معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله، والجملتان لا محل لهما؛ لأن الأولى لم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية. هذا؛ وقرئ الفعلان بالرفع على الاستئناف. ﴿سَراحاً:﴾ مفعول مطلق، وهو اسم مصدر لأن المصدر «تسريح». ﴿جَمِيلاً:﴾ صفة: ﴿سَراحاً،﴾ وجملة: (تعالين...) إلخ في محل جزم جواب الشرط، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مبتدأة، مثل الجملة الندائية قبلها. ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (٢٩)﴾ الشرح: ففي هذه الآية وعد من العزيز القدير لنساء النبي ﷺ بأنهن إن أعرضن عن الحياة الدنيا وزينتها، وفضلن الآخرة عليها، وأردن طاعة الله، ورضين بالرسول ﷺ ، وقنعن بما يقدم لهن من طعام، وكساء، ومسكن بأن الله أعد لهن في الآخرة الأجر العظيم، والخير العميم. وتنكيره في الآية دليل على أنه لا يعرف قدره، ولا يحيط بكنهه عقل ولا سمع ولا بصر، قال تعالى في ثواب المؤمنين الصادقين: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ سورة (السجدة) رقم [١٧]. هذا؛ وسبب نزول الآيتين الكريمتين: أن نساء النبي ﷺ سألنه من عرض الدنيا شيئا، وطلبن منه زيادة في النفقة، وآذينه بغيرة بعضهن على بعض، فهجرهن النبي ﷺ ، وآلى أن لا يقربهن شهرا، ولم يخرج إلى أصحابه، فقالوا: ما شأنه؟ وكانوا يقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه، فقال عمر-﵁: لأعلمن لكم شأنه. قال: فدخلت على رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! أطلقتهن؟ قال: «لا». قلت: يا رسول الله! إني دخلت المسجد، والمسلمون يقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه، أفأنزل، فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ قال: «نعم، إن شئت». فقمت على باب المسجد، وناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه، ونزلت هذه الآية: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ الآية رقم [٨٣] من سورة (النساء)، فكنت أنا استنبطت هذا الأمر، وأنزل الله آية التخيير انتهى. خازن. ولم يذكر هذا غيره، ولم يذكر في تفسير الآية هناك. عن جابر بن عبد الله-﵄-قال: دخل أبو بكر-﵁-يستأذن على رسول الله ﷺ فوجد الناس جلوسا ببابه، لم يؤذن لأحد منهم، فأذن لأبي بكر، فدخل، ثم أقبل عمر-﵁-فاستأذن، فأذن له، فوجد رسول الله ﷺ جالسا ساكتا، وحوله نساؤه،

стр. 4857

فقال لأبي بكر: لأقولن شيئا أضحك به النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة، فقمت إليها فوجأت عنقها، وهي زوجته، فضحك رسول الله ﷺ ، فقال: «هن حولي، كما ترى يسألنني النفقة». فقام أبو بكر-﵁-إلى عائشة، فوجأ عنقها، وقام عمر-﵁-إلى حفصة، فوجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله ﷺ ما ليس عنده! قلن: والله لا نسأل رسول الله شيئا أبدا ليس عنده. ثم اعتزلهن شهرا، أو تسعا وعشرين، حتى نزلت هاتان الآيتان: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ﴾ إلى قوله تعالى ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ قال: فبدأ بعائشة، فقال: «يا عائشة! إني أريد أن أعرض عليك أمرا، أحب ألا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك». قالت: وما هو يا رسول الله؟! فتلا عليها الآية. قالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟ بل أختار الله، ورسوله، والدار الآخرة، وأسألك ألا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت! قال: «لا تسألني امرأة منهنّ إلاّ أخبرتها، إنّ الله لم يبعثني معنّتا، ولا متعنّتا، ولكن بعثني معلّما ميسّرا». أخرجه مسلم، ولما قالت عائشة ما تقدم رؤي الفرح في وجهه ﷺ . قال العلماء: وأما أمر النبي ﷺ عائشة أن تشاور أبويها؛ لأنه كان يحبها، وكان يخاف أن يحملها فرط الشباب على أن تختار فراقه، ويعلم من أبويها: أنهما لا يشيران عليها بفراقه. هذا؛ ولما أخبر النبي ﷺ نساءه بذلك تابعن عائشة على اختيارها الله، ورسوله، والدار الآخرة. فشكر الله اختيارهن، وكافأهن على ذلك حيث قصر نبيه عليهن، وحجر عليه التزوج بغيرهن حيث قال جل ذكره: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ..﴾. إلخ الآية رقم [٥٢] الآتية. تنبيه: اختلف العلماء في هذا الخيار، هل كان ذلك تفويض الطلاق إليهن حتى يقع بنفس الاختيار، أم لا؟ فذهب الحسن، وقتادة، وأكثر أهل العلم إلى أنه لم يكن تفويض الطلاق، وإنما خيرهن على أنهن إذا اخترن الدنيا؛ فارقهن، لقوله تعالى: ﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ بدليل أنه لم يكن جوابهن على الفور، وأنه قال لعائشة ﵂: لا تعجلي؛ حتى تستشيري أبويك، وفي تفويض الطلاق يكون الجواب على الفور، وذهب قوم إلى أنه كان تفويض الطلاق، ولو اخترن أنفسهن؛ كان طلاقا. التفريع على حكم الآية: اختلف أهل العلم في حكم التخيير، فقال عمر، وابن مسعود، وابن عباس-﵃: إذا خير الرجل امرأته، فاختارت زوجها لا يقع شيء، وإن اختارت نفسها؛ يقع طلقة واحدة، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وابن أبي ليلى، وسفيان، والشافعي، وأصحاب الرأي، إلا أن أصحاب الرأي يقع عندهم طلقة بائنة؛ إذا اختارت نفسها، وعند الآخرين رجعية، وأكثر أهل العلم على أنها إذا اختارت زوجها لا يقع شيء. فعن مسروق-رحمه الله تعالى-، قال: ما أبالي خيرت امرأتي واحدة، أو مائة، أو ألفا بعد أن تختارني ولقد سألت عائشة، ﵂، فقالت: خيرنا رسول الله ﷺ ، فما كان طلاقا. وفي رواية: فاخترناه، فلم يعدّ ذلك شيئا.

стр. 4858

تنبيه: كان تحت رسول الله ﷺ يوم حصل التخيير تسع نسوة: خمس من قريش، وهن: عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، واسمها: رملة، وأم سلمة، واسمها: هند بنت أبي أمية المخزومية، وسودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس العامرية، وأربع غير قرشيات، وهن: زينب بنت جحش الأسدية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وصفية بنت حيي بن أخطب الخيبرية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، وقد نظم ذلك بعضهم فقال: [الطويل] توفّي رسول الله عن تسع نسوة... إليهنّ تعزى المكرمات وتنسب فعائشة ميمونة وصفيّة... وحفصة تتلوهنّ هند وزينب جويرية مع رملة، ثمّ سودة... ثلاث وستّ ذكرهنّ مهذّب هذا، ولا يخفى عليك تزويجه بأم المؤمنين الأولى، وهي خديجة الكبرى، ﵂. وتزوج ﷺ زينب بنت خزيمة بن الحارث من بني هلال، وكانت تسمى في الجاهلية أم المساكين لإطعامها إياهم، وقد توفيت في حياته مثل خديجة، وتزوج ريحانة بنت زيد، وكانت من سبي بني النضير، أعتقها، وتزوجها؛ وماتت في حياته، أما مارية القبطيّة ﵂ فقد كانت جارية تسرّى بها، وولدت منه إبراهيم، وبقيت بعده، وقد عقد ﷺ على كثير، ولم يدخل بهن. الإعراب: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الْآخِرَةَ﴾ انظر الآية السابقة، فالإعراب فيها شبيه بهذا. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿أَعَدَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿لِلْمُحْسِناتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْكُنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (المحسنات)، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿أَجْراً:﴾ مفعول به. ﴿عَظِيماً:﴾ صفة له، وجملة: ﴿أَعَدَّ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: (إن الله...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها، و (إن) ومدخولها معطوف على ما قبله فهو في محل نصب مقول القول مثله. ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (٣٠)﴾ الشرح: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أي: بمعصية ظاهرة. قيل: هو كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ أي: على سبيل الفرض والتقدير، لا أنّ منهن من أتت. أو تأتي بفاحشة، فإن الله تعالى قد صان أزواج الأنبياء عن فاحشة، وإن لم يصنهن عن الكفر، كالذي كان من امرأة نوح، وامرأة لوط، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. وهذا

стр. 4859

دليل واضح على أن فاحشة الزنى تنفر منها العقول السليمة، وتأباها الكرامة الإنسانية، لذا يجوز للمسلم أن يتزوج امرأة كافرة، ولا يجبرها على الإسلام، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٥] من سورة (المائدة) ولا يجوز له أن يقرّ امرأة زانية في بيته وقد سماه الرسول ﷺ الدّيّوث، وحرّم عليه دخول الجنة. فعن عبد الله بن عمر-﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثة حرّم الله ﵎ عليهم الجنّة: مدمن الخمر، والعاقّ لوالديه، والدّيّوث؛ الّذي يقرّ الخبث في أهله». رواه الإمام أحمد، والنسائي، والحاكم. وقال ابن عباس-﵄: المراد بالفاحشة: النشوز، وسوء الخلق، أي: والترفع، وعدم الخضوع لإرادة النبي ﷺ ، وهذا هو الذي أعتمده، وأنزه نساءه ﷺ عن فاحشة الزنى فحاشاهن، كيف لا؟ وقد أنزل الله قرآنا برّأ به عائشة مما رماها، وقذفها به المنافقون، انظر الآية رقم [١١] من سورة (النور) وما بعدها. ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ أي: مثلين، وسبب تضعيف العقوبة لهن لشرفهن، كتضعيف عقوبة الحرة على الأمة، وذلك؛ لأن نسبة النبي ﷺ إلى غيره من الرجال، كنسبة السادات إلى العبيد، لكونه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فكذلك أزواجه بالنسبة إلى غيرهن كنسبة الحرة إلى الأمة، وقد اكتسبن هذا الشرف، وهذا الفضل من اقترانهن بسيد الخلق قاطبة. ﴿وَكانَ ذلِكَ:﴾ أي تضعيف العذاب لهن. ﴿عَلَى اللهِ يَسِيراً:﴾ سهلا هينا. هذا؛ ويقرأ: «(يضعّف)» بتشديد العين، ويقرأ: «(نضعف)» بالنون، كما يقرأ ﴿يَأْتِ﴾ بالياء والتاء، وكلها سبعية، والمضاعفة: المكاثرة، وضعف الشيء بكسر الضاد وسكون العين: مثله، وضعفاه: مثلاه، وأضعافه: أمثاله. هذا هو الأصل في الضعف، ثم استعمل في المثل، وما زاد، وليس للزيادة حد، فيقال: هذا ضعف هذا، أي: مثله، أو مثلاه، أو ثلاثة أمثاله، وهكذا. ويقال: أضعفت الشيء، وضعفته، وضاعفته، فمعناه: ضممت إليه مثله فصاعدا. وقال بعضهم: ضاعفت أبلغ من ضعّفت، ولذا قرأ أكثرهم في هذه الآية: ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ،﴾ وفي الآية رقم [٦٩] من سورة (الفرقان) ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ،﴾ وفي الآية رقم [٣٩] من سورة (النساء): ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾. هذا؛ وللضّعف بفتح الضاد، والضّعف بكسرها، والضّعف بضمها معان نظمها بعضهم بقوله: [الرجز] في الرأي والعقل يكون الضّعف... والوهن في الجسم، فذاك الضّعف زيادة المثل كذا والضّعف... جمع ضعيف وهو شاكي الضّرّ الإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (نساء): منادى، وهو مضاف، و ﴿النَّبِيِّ﴾ مضاف إليه. ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَأْتِ:﴾ فعل

стр. 4860

مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ تقديره: «هو». ﴿مِنْكُنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر العائد إلى: ﴿مَنْ،﴾ و (من) بيان لما أبهم فيها، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿بِفاحِشَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل: (يأتي). ﴿مُبَيِّنَةٍ:﴾ صفة: (فاحشة). ﴿يُضاعَفْ:﴾ مضارع مبني للمجهول جواب الشرط مجزوم. ﴿لَهَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْعَذابُ:﴾ نائب فاعل. ﴿ضِعْفَيْنِ:﴾ مفعول مطلق منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿يُضاعَفْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء ولا ب «إذا» الفجائية، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. والجملة الاسمية: ﴿مَنْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مبتدأة مثل الجملة الندائية قبلها. ﴿وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [١٩]. ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً (٣١)﴾ الشرح: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ:﴾ يطع، ويخضع؛ إذ القنوت: الخضوع، والطاعة، وطاعة الرسول إنما هي من طاعة الله. ﴿وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ:﴾ مرة على الطاعة، ومرة على طلبهن رضا النبي ﷺ . ﴿وَأَعْتَدْنا:﴾ هيأنا. ﴿رِزْقاً كَرِيماً:﴾ واسعا، والمراد به الجنة، وما فيها من النعيم المقيم لا ينتهي عدده، ولا ينقطع مدده، صاف عن كدّ الاكتساب، وخوف الحساب، لا منة فيه، ولا عذاب. وإنما خص الله تعالى نساء النبي ﷺ بتضعيف العقوبة على الذنب، والمثوبة على الطاعة لأمرين: أما الأول: فلأنهن يشاهدن من الزواجر الرادعة عن الذنوب ما لا يشاهده غيرهن، ولأن في معصيتهن إيذاء لرسول الله ﷺ ، وذنب من آذى رسول الله ﷺ أعظم من ذنب غيره، وأما الثاني: فلأنهن أشرف من سائر النساء لقربهن من رسول الله ﷺ ، فكانت الطاعة منهن أشرف كما أن المعصية منهن أقبح. انتهى. جمل نقلا من كرخي. بعد هذا ينبغي أن تعلم: أن الأعمال يضاعف ثوابها إن كانت صالحة، ويضاعف عقابها إن كانت سيئة، بالنسبة للأشخاص العاملين، وبالنسبة للزمان، وبالنسبة للمكان، فكلما علت منزلة العبد عند ربه، وارتفعت مكانته عنده، يضاعف له ثواب عمله الصالح، ويضاعف له عقاب عمله السيئ، وما ذكر في الآيتين دليل واضح على ذلك. والعمل الصالح في شهر رمضان، وغيره من

стр. 4861

الأوقات الفاضلة يضاعف ثوابه أضعافا مضاعفة، والعمل السيئ، يضاعف عقابه أضعافا مضاعفة، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية رقم [٣٦] من سورة (التوبة) ففي قوله تعالى: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ لفت نظر إلى ما ذكرت، والمكان المفضل كذلك، فالصلاة في المسجد يضاعف ثوابها، والمعصية يضاعف عقابها فيه. فعن أبي الدرداء-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «الصّلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة بمسجدي بألف صلاة، والصّلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة». رواه الطبراني، وإذا فعل العبد معصية في أحد المساجد الثلاثة يضاعف عقابه، كما يضاعف الثواب له. افهم هذا، واحفظه فقلّ من يتعرض له، ويلفت النظر إليه، والله ولي التوفيق، والحمد له على كل حال. الإعراب: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ:﴾ انظر إعراب: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ في الآية السابقة فهو مثله بلا فارق. ﴿وَتَعْمَلْ:﴾ الواو: حرف عطف. (تعمل): معطوف على فعل الشرط: ﴿يَقْنُتْ﴾ فهو مجزوم مثله، والفاعل مستتر تقديره: «هي»، ويقرأ بالياء على معنى (من). ﴿صالِحاً:﴾ مفعول به، أو هو صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: تعمل عملا صالحا. ﴿نُؤْتِها:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، و (ها): مفعول به أول. ﴿أَجْرَها:﴾ مفعول به ثان، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿مَرَّتَيْنِ:﴾ نائب مفعول مطلق، أو هو ظرف زمان فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وخبر المبتدأ الذي هو (من)، يقال فيه ما قيل بسابقه. (أعتدنا): فعل، وفاعل. ﴿لَها:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿رِزْقاً:﴾ مفعول به. ﴿كَرِيماً:﴾ صفة له، وجملة: ﴿وَأَعْتَدْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة ﴿نُؤْتِها..﴾. إلخ لا محل لها. ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اِتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٣٢)﴾ الشرح: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ أي: في الفضل، والشرف، والمنزلة، وعلو المكانة؛ بل أنتن أرفع من غيركن بكثير، كيف لا؟ وقد اعتبركن الله أمهات للمؤمنين في الاحترام، والتكريم، والتعظيم. ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ أي: إن خفتن الله، وراقبتنّه، فإن التقوى هي المقام الأكرم، والأجل عند الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾. ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ أي: إذا كلمتن الرجال من وراء حجاب فلا تجئن بقولكنّ خاضعا، أي: لينا خنثا مثل كلام المريبات، ولا يمنع خصوص السبب التعميم؛ بل يعم كل امرأة مسلمة. هذا؛ وينبغي للمرأة

стр. 4862

المسلمة الكاملة إذا عرفت من صوتها اللّين والنعومة أن تضع في فمها إصبعها، أو غيرها ليخرج صوتها خشنا جافا. ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي: ريبة، وفجور، وفسوق. ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ أي: يوجبه الدين، والإسلام عند الحاجة إليه ببيان من غير لين، وتخنث. هذا؛ و (نساء) اسم جمع لا واحد له من لفظه لأن مفرده: امرأة، وجمعها في القلة: نسوة، وفي الكثرة: نساء، وتجمع أيضا على نسوان، ونسون، ونسنين، وهذه الجموع كلها مأخوذة من النسيان الذي رأيته في الآية رقم [١٤] من سورة (السجدة) فهي مطبوعة عليه، إما إهمالا، وإما كذبا، ويقال لكل واحد من هذه الجموع: اسم جمع، لا واحد له من لفظه. أما المرأة فهي مأخوذة من: المرء، وهو الرجل، فلذا سميت بذلك، والأم الأولى حواء سميت بذلك؛ لأنها مأخوذة من: حي، وهو آدم، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. ﴿لَسْتُنَّ:﴾ حذفت عينه لالتقاء الساكنين: الياء، والسين؛ إذ أصله: ليس بكسر الياء، ثم سكنت الياء للتخفيف، ولم تقلب ألفا على القياس؛ لأن التخفيف بالتسكين في الجامد أسهل من القلب، فلما اتصل بضمير رفع متحرك؛ سكنت العين، فالتقى ساكنان: الياء، والسين، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصار: ﴿لَسْتُنَّ،﴾ وانظر شرح (القول) في الآية رقم [٨٥] من سورة (النمل)، وشرح ﴿أَحَدٍ﴾ في الآية رقم [٢٨] من سورة (العنكبوت). ﴿اِتَّقَيْتُنَّ:﴾ ماض من: «التقوى» وهي حفظ النفس من العذاب الأخروي بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ لأن أصل المادة من الوقاية، وهي: الحفظ، والتحرز من المهالك في الدنيا والآخرة، وانظر ما وصف الله به المتقين في أول سورة (البقرة). وأصل: اتقى «اوتقى» قلبت الواو تاء، وأدغمت التاء في التاء، مثل: اتصل، أصله: «اوتصل» ... إلخ. الإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (نساء): منادى، وهو مضاف، و ﴿النَّبِيِّ﴾ مضاف إليه. ﴿لَسْتُنَّ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء ضمير متصل في محل رفع اسمها، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿كَأَحَدٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: (ليس)، وإن اعتبرت الكاف اسما، فهي الخبر، وتكون مضافة، و (أحد) مضاف إليه. ﴿مِنَ النِّساءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: (أحد)، وجملة: ﴿لَسْتُنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿إِنِ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿اِتَّقَيْتُنَّ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والنون حرف دال على جماعة الإناث، ومفعوله محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَخْضَعْنَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، التي هي فاعله، وهو في محل جزم ب (لا) الناهية. ﴿بِالْقَوْلِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط.

стр. 4863

هذا؛ وقيل: الجواب محذوف دل عليه ما قبله، وجملة: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ مستأنفة، ولا وجه له. ﴿فَيَطْمَعَ:﴾ الفاء: للسببية. (يطمع): فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة وجوبا بعد الفاء السببية. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول، مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿فِي قَلْبِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مَرَضٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين بمحذوف صلة الموصول؛ ف: ﴿مَرَضٌ﴾ يكون فاعلا بمتعلق الجار والمجرور، التقدير: الذي استقر في قلبه مرض، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: فلا يكن منكن خضوع بالقول، فطمع واقع من الذي في قلبه مرض. هذا؛ ويقرأ الفعل بكسر العين على اعتباره معطوفا بالجزم على المجزوم ب: (لا) الناهية، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَقُلْنَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قلن): فعل أمر مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة التي هي فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة جواب الشرط. ﴿قَوْلاً:﴾ مفعول مطلق. ﴿مَعْرُوفاً:﴾ صفة ﴿قَوْلاً﴾. ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (٣٣)﴾ الشرح: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ:﴾ يقرأ بكسر القاف، وفتحها، أما الأولى فتحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من الوقار، تقول: وقر، يقر، وقارا؛ أي: سكن، والأمر: قر، وللنساء: قرن، مثل: عدن. والثاني: وهو قول المبرد أن يكون من القرار، تقول: قررت بالمكان، أقرّ. والأصل: أقررن بكسر الراء الأولى، فحذفت الراء الأولى تخفيفا؛ ونقلوا حركتها إلى القاف، واستغني عن ألف الوصل لتحرك القاف. وأما على قراءة الفعل بفتح القاف، يقال: قررت في المكان: إذا أقمت فيه أقرّ من باب: حمد، يحمد، والأصل اقررن بفتح الراء الأولى، فحذفت لثقل التضعيف، وألقيت حركتها على القاف، فتقول: قرن. ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى﴾ أي: القديمة، والأصل: ولا تتبرجن، فحذفت إحدى التاءين، والتبرج: التبختر في المشي، أو إظهار الزينة، والتقدير: ولا تبرجن تبرجا مثل تبرج النساء في الجاهلية الأولى، وهي: الزمان الذي ولد فيه إبراهيم ﵇، أو ما بين آدم، ونوح ﵉، أو زمن داود، وسليمان. والجاهلية الأخرى: ما بين عيسى، ومحمد، عليهما الصلاة والسّلام. أو الجاهلية الأولى: جاهلية الكفر قبل الإسلام. والجاهلية الأخرى: جاهلية الفسوق، والفجور في الإسلام. ويعضده قول النبي ﷺ لأبي الدرداء-﵁-

стр. 4864

«إنّ فيك جاهلية!» قال: جاهلية كفر، أو إسلام؟ قال: «جاهلية كفر». ولا تنس الجاهلية السائدة في هذه الأيام بين المسلمين. ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ:﴾ خصهما الله بالذكر، والأمر، ثم عمم بجميع الطاعات تفضيلا لهما، وتنويها بعلو شأنهما، ولأن من واظب عليهما؛ جرتاه إلى كل خير، كيف لا وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾. وقال جل ذكره لنبيه ﷺ : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾. وانظر الآية رقم [٤] من سورة (لقمان) تجد ما يسرك. ﴿وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ:﴾ قرن الله طاعته بطاعة نبيه، وهو دليل صريح على أن من لم يطع الرسول؛ لم يطع الله تعالى، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ،﴾ وقال جل ذكره: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ:﴾ الذنب المدنس لعرضكم، وشرفكم، والإثم الذي نهى الله عنه. ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ:﴾ قال الزجاج: قيل: يراد به نساء النبي ﷺ . وقيل: يراد به نساؤه، وأهله الذين هم أهل بيته، وانظر الآية التالية. ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ:﴾ من المعاصي. ﴿تَطْهِيراً:﴾ مصدر مؤكد، وفيه بيان: أنه إنما نهاهن، وأمرهن، ووعظهن لئلا يقارف أهل بيت رسول الله ﷺ المآثم، وليتصونوا عنها بالتقوى، واستعار للذنوب الرجس، وللتقوى الطهر؛ لأن عرض المقترف للقبائح يتلوث بها، كما يتلوث بدنه بالأرجاس، وأما المحسنات؛ فالعرض منهن نقي، كالثوب الطاهر. وفيه تنفير لأولي الألباب عن المناهي، وترغيب لهم في الأوامر من الطاعات. انتهى. نسفي. الإعراب: ﴿وَقَرْنَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قرن): فعل أمر مبني على السكون، ونون النسوة فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَبَرَّجْنَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، التي هي فاعله، وهو في محل جزم ب (لا) الناهية، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿تَبَرُّجَ:﴾ مفعول مطلق، مبين للنوع، وهو مضاف، و ﴿الْجاهِلِيَّةِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الْأُولى:﴾ صفة ﴿الْجاهِلِيَّةِ﴾ مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. (آتين): فعل أمر مبني على السكون، ونون النسوة فاعله. ﴿الزَّكاةَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ..﴾. إلخ: قال الجمل في حاشيته عند قوله تعالى في الآية [٨] من سورة (الصف): ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا..﴾. إلخ: في هذه اللام، أوجه: أحدها أنها مزيدة في مفعول الإرادة، قال الزمخشري: أصله يريدون أن يطفئوا كما جاء في سورة (التوبة) الآية رقم [٣٢]:

стр. 4865

﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ..﴾. إلخ وكأن هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة توكيدا له لما فيها من معنى الإرادة، وقال ابن عطية: واللام في ﴿لِيُطْفِؤُا﴾ لام مؤكدة دخلت على المفعول؛ لأن التقدير: يريدون أن يطفئوا. الثاني: أنها لام العلة، والمفعول محذوف، أي: يريدون إبطال القرآن، أو رفع الإسلام، أو هلاك الرسول ليطفئوا. الثالث: أنها بمعنى «أن» الناصبة، وأنها ناصبة للفعل بنفسها. قال الفراء: العرب تجعل لام كي في موضع «أن» في أراد، وأمر، وإليه ذهب الكسائي أيضا. انتهى. جمل نقلا عن السمين. ومثل هذه الآية قوله تعالى في الآية رقم [٢٦] من سورة (النساء): ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ،﴾ والآية رقم [٧١] من سورة (الأنعام) ﴿وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ ومثل ذلك قول كثيّر عزة بصيغة التصغير: [الطويل] أريد لأنسى ذكرها فكأنّما... تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل وهو الشاهد رقم [٢٩٤] من كتابنا: فتح القريب المجيب. ﴿عَنْكُمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الرِّجْسَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿إِنَّما يُرِيدُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَهْلَ:﴾ منادى بأداة نداء محذوفة. وقال بعضهم: منصوب على الاختصاص بفعل محذوف، وهو ضعيف لوقوعه بعد ضمير الخطاب، وإنما الأكثر أن يقع الاختصاص بعد ضمير التكلم، كقول النبي ﷺ : «نحن معاشر الأنبياء لا نورث». و ﴿أَهْلَ﴾ مضاف، و ﴿الْبَيْتِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ:﴾ معطوف على: (يذهب)، والفاعل يعود إلى الله تعالى، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿تَطْهِيراً:﴾ مفعول مطلق مؤكد لعامله. ﴿وَاُذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً (٣٤)﴾ الشرح: ﴿وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ:﴾ الخطاب لنساء النبي ﷺ ، وهو تذكير لهن بما أنعم الله عليهن؛ حيث جعلهن أهل بيت النبوة، ومهبط الوحي، وما شاهدن من آثار الوحي، مما يوجب قوة الإيمان، والحرص على الطاعة، ويبعث على القيام بما كلفن به، والإعراض عما نهين عنه. ﴿مِنْ آياتِ اللهِ:﴾ آيات القرآن. ﴿وَالْحِكْمَةِ:﴾ السنة المطهرة، التي تكفلت بشرح معاني القرآن. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً:﴾ لطيفا بأهل طاعته، وأوليائه، عالما بغوامض الأشياء، وخبيرا بالتدابير الظاهرة، والباطنة، وخبيرا بحاجات العباد، وأحوالهم، ومصالحهم، وخبيرا بأعمال العباد، ونياتهم. هذا؛ وقد اختلف أهل العلم في أهل البيت من هم؟ فقال عطاء، وعكرمة، وابن عباس، وسعيد بن جبير-رضوان الله عليهم-: هم زوجاته خاصة، لا رجل معهن، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ،﴾ وذهب أبو سعيد الخدري، وجماعة من التابعين،

стр. 4866

منهم: مجاهد، وقتادة، وغيرهم إلى أنهم: علي، وفاطمة، والحسن، والحسين-﵃ أجمعين-. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ..﴾. إلخ ولو كان للنساء خاصة لقال: «عنكنّ، ويطهركنّ» إلا أنه يحتمل أن يكون خرج على لفظ الأهل، كما يقول الرجل لصاحبه: كيف أهلك؟ أي: امرأتك، ونساؤك. فيقول: هم بخير، قال تعالى: ﴿قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾. الآية رقم [٧٣] من سورة (هود). والذي يظهر من الآية: أنها عامة في جميع أهل البيت من الأزواج، وغيرهم، وإنما قال: (يطهركم) لأن رسول الله ﷺ ، وعليا، وحسنا، وحسينا كانوا فيهم، وإذا اجتمع المذكر، والمؤنث؛ غلّب المذكر، فاقتضت الآية: أن الزوجات من أهل البيت؛ لأن الآية فيهن، والمخاطبة لهن، يدل عليه سياق الكلام. والله أعلم، وأجل، وأكرم. وخذ ما يلي: عن عائشة-﵂-قالت: خرج النبي ﷺ ذات غداة، وعليه مرط مرحّل من شعر أسود، فجلس، فأتت فاطمة، فأدخلها فيه، ثم جاء عليّ فأدخله فيه، ثم جاء الحسن، فأدخله فيه، ثم جاء الحسين، فأدخله فيه، ثم قال: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾. أخرجه مسلم. المرط: الكساء، والمرحل: بالحاء المنقوش عليه صور الرحال، وبالجيم: المنقوش عليه صور الرجال. وعن أم سلمة-﵂-قالت: إن هذه الآية نزلت في بيتي، فدعا رسول الله ﷺ عليا، وفاطمة، وحسنا، وحسينا، فدخل معهم تحت كساء خيبري، وقال: «هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا». فقالت أم سلمة-﵂: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال: «أنت على مكانك، أنت على خير، أنت من أزواج النبيّ». أخرجه الترمذي. هذا؛ وبعد وفاة أزواج النبي ﷺ ثبت لقب «أهل البيت» على أولاد فاطمة، ﵂. الإعراب: ﴿وَاذْكُرْنَ:﴾ الواو: حرف عطف. (اذكرن): فعل أمر مبني على السكون، ونون النسوة فاعله. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُتْلى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى ﴿ما،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ لا محل لها. ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿مِنْ آياتِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في ﴿ما﴾ و ﴿آياتِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْحِكْمَةِ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿وَاذْكُرْنَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمها يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿لَطِيفاً:﴾ خبر أول. ﴿خَبِيراً:﴾ خبر ثان، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.

стр. 4867

﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصّادِقِينَ وَالصّادِقاتِ وَالصّابِرِينَ وَالصّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصّائِمِينَ وَالصّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذّاكِراتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٣٥)﴾ الشرح: روي: أن أزواج النبي ﷺ قلن: يا رسول الله! ذكر الله الرجال في القرآن، ولم يذكر النساء بخير، فما فينا خير نذكر به، إنا نخاف أن لا تقبل منا طاعة! فأنزل الله هذه الآية. وروي أن أم عمارة الأنصارية-﵂-قالت: أتيت النبي ﷺ ، فقلت: ما لي أرى كل شيء إلى الرجال، وما أرى النساء يذكرن بشيء؟! فنزلت الآية أخرجه الترمذي. وروي: أنه لما نزل في نساء النبي ﷺ الآيات السابقة قال نساء المسلمين: فما نزل فينا شيء. فنزلت الآية، وهذا أولى بالاعتبار، فذكر الله لهن عشر مراتب مع الرجال، فمدحن بها معهم. الأولى: الإسلام، وهو: الاستسلام الظاهر لما أمر الله به، وحث عليه رسوله ﷺ ، وعرف من الدين بالضرورة. الثانية: الإيمان، وهو التصديق بما جاء به رسول الله ﷺ ، وعرف من الدين بالضرورة. فإن قلت: لم عطف الإيمان على الإسلام؛ مع أنهما متحدان شرعا؟ فالجواب: ليسا بمتحدين مطلقا؛ بل متحدان ما صدقا لا مفهوما، أخذا من الفرق بين الإسلام، والإيمان الشرعيين؛ إذ الإسلام الشرعي هو التلفظ بالشهادتين بشرط تصديق القلب بما جاء به النبي ﷺ ، والإيمان الشرعي عكس ذلك، ويكفي في العطف المقتضي للاختلاف اختلافهما مفهوما، وإن اتحدا ما صدقا، وفي اتحادهما يقول الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. وبعبارة، أوضح: قد يوجد إسلام، ولا يوجد إيمان. ودليل هذا: أن الإسلام هو النطق بالشهادتين والانقياد الظاهري بالجوارح، وذلك يكون بأداء الصلاة، وغيرها من أعمال الإسلام، أما الإيمان فمحله القلب، وهو الاعتقاد الجازم بوجود أمور أجاب عنها الرسول ﷺ حينما سأله جبريل الأمين-﵇-عن الإيمان، فقال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء، والقدر: خيره، وشره من الله تعالى». ولذا رد الله دعوى أقوام الإيمان بقوله: ﴿قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٤] من سورة (الحجرات)، ثم بين حقيقة الإيمان، وحقيقة المؤمنين الصادقين في الآية التالية لها رقم [١٥] بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ وجملة القول: إن بينهما عموما،

стр. 4868

وخصوصا من وجه، فقد يوجد إسلام، ولا يوجد إيمان، وأما الإيمان فلا يمكن وجوده إلا بوجود الإسلام، فالإسلام قد يوجد عند المنافقين؛ الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وأما الإيمان فلا يوجد إلا عند المسلمين المؤمنين الصادقين في إيمانهم؛ الذين قال الله فيهم: ﴿أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾. جعلنا الله منهم، ووفقنا للسير على طريقتهم. ﴿وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ:﴾ والمطيعين، والمطيعات. هذا؛ والقنوت: الطاعة، والخضوع، والدعاء، والتذلل بين يدي الله تعالى. ﴿وَالصّادِقِينَ وَالصّادِقاتِ﴾ أي: في الأقوال، والأعمال، والنيات، وقد حث النبي ﷺ على الصدق، وحذر من الكذب، فقال: «عليكم بالصّدق، فإنّ الصدق يهدي إلى البرّ، والبرّ يهدي إلى الجنّة، وما يزال الرجل يصدق، ويتحرّى الصدق؛ حتى يكتب عند الله صدّيقا، وإيّاكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرّجل يكذب، ويتحرّى الكذب؛ حتّى يكتب عند الله كذّابا». رواه البخاري، ومسلم عن عبد الله بن مسعود، ﵁. واعتبر الكذب من علامات النفاق؛ فعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». رواه البخاري، ومسلم، وزاد مسلم في رواية له: «وإن صلى، وصام، وحج، واعتمر. وقال: إني مسلم». ﴿وَالصّابِرِينَ وَالصّابِراتِ:﴾ على الطاعات، وعن المعاصي، وعلى أنواع البلاء، كما رأيت في الآية رقم [٢٤] من سورة (السجدة). ﴿وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ﴾ أي: في الصلاة، فهو لبها، وجوهرها. وقال ابن عباس-﵄-في تفسير قوله تعالى في سورة (المؤمنون): ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ أي: مخبتون أذلاء متواضعون. هذا؛ والخشوع في الصلاة يكون في القلب وفي الجوارح، أما خشوع القلب: فهو الخوف من الله، وحضوره معه حينما يقول: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وملاحظة: أنه بين يديه تعالى في جميع حركاته، وسكناته. وأما خشوع الجوارح؛ فعدم الالتفات في الصلاة، وعدم رفع البصر إلى السماء، وعدم العبث بشيء من جسده، وثيابه، فقد روي: أن النبي ﷺ أبصر رجلا يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: «لو خشع قلب هذا؛ لخشعت جوارحه». ذكره البغوي بغير سند، وانظر ما ذكرته في صدر سورة (المؤمنون) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ﴾ أي: المنافقين، والمنفقات المال فرضا، وتطوعا كلما دعاهم داع إلى بذل المال. ﴿وَالصّائِمِينَ وَالصّائِماتِ﴾ أي: شهر رمضان، وما ندب الرسول ﷺ إلى صومه، كصوم الاثنين، والخميس من كل أسبوع، والعشر الأول من ذي الحجة، وغير ذلك مما ورد الترغيب في صومه.

стр. 4869

﴿وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ:﴾ عما لا يحل، من الزنى، وغيره. ﴿وَالْحافِظاتِ:﴾ فروجهن عما لا يحل، من الزنى وغيره. ﴿وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذّاكِراتِ﴾ أي: الله كثيرا، وهذا يفيد: أن كل عبادة لها أول، ولها آخر إلا الذكر فإنه لا يقف عند حد، وخذ ما يلي: عن أبي الدرداء-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذّهب، والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟!». قالوا: بلى. قال: «ذكر الله». قال معاذ بن جبل: ما شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله. رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجة، والحاكم، والبيهقي. وعن ابن عباس-﵄-أن النبي ﷺ قال: «أربع من أعطيهنّ؛ فقد أعطي خيري الدنيا والآخرة: قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وبدنا على البلاء صابرا، وزوجة لا تبغيه حوبا في نفسها، وماله». رواه الطبراني، وهذا قليل من كثير مما ورد في فضائل الذكر. وانظر الآيتين رقم [٤١ و ٤٢] الآتيتين. ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ:﴾ فيه تغليب الذكور على الإناث، وحذف مقابلة لدلالة الأول عليه، التقدير: أعد الله لهم ولهن. ﴿مَغْفِرَةً:﴾ لما اقترفوا من الذنوب الصغائر؛ لأن ما ذكر من الصفات يكفرها، أما الكبائر؛ فلا بد لغفرانها من التوبة النصوح المقترنة بشروطها. ﴿وَأَجْراً عَظِيماً:﴾ التنكير يدل على أن هذا الأجر لا يدرك كنهه أحد، ولا يحيط به علم مخلوق. فائدة: قال عطاء بن أبي رباح-﵁: من فوض أمره إلى الله؛ فهو داخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ﴾. ومن أقر بأن الله ربه، ومحمدا رسوله، ولم يخالف قلبه لسانه؛ فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾. ومن أطاع الله في الفرض، والرسول في السنة، فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ﴾. ومن صان قوله عن الكذب؛ فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالصّادِقِينَ وَالصّادِقاتِ﴾. ومن صبر على الطاعة، وعن المعصية، وعلى الرزية، فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالصّابِرِينَ وَالصّابِراتِ﴾. ومن صلّى، فلم يعرف من على يمينه، ومن على شماله، فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ﴾. ومن تصدّق في كل أسبوع بدرهم؛ فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ﴾. ومن صام في كل شهر أيام البيض، وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالصّائِمِينَ وَالصّائِماتِ﴾. ومن حفظ فرجه عما لا يحل فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ﴾. ومن صلى الصلوات الخمس بحقوقها، فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذّاكِراتِ﴾. انتهى. خازن، ولا تنس: أن «ال» في هذه الأسماء بمعنى:

стр. 4870

«الذي» فإن التقدير: والذين يديمون التصدق، والذين يديمون الصيام، والذين يتصدقون، والذين يصومون، والذين يحافظون... إلخ. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْمُسْلِمِينَ:﴾ اسم: ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْمُسْلِماتِ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وفاعله مستتر فيه، وما بعد هذين الاسمين معطوف عليهما، والإعراب مثلهما بلا فارق، وحذف متعلق بعض هذه الأسماء لدلالة المقام عليه. ﴿فُرُوجَهُمْ:﴾ مفعول به عامله ما قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وحذف مفعول (الحافظات) لدلالة الأول عليه. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم عامله ما قبله. ﴿كَثِيراً:﴾ صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: ذكرا كثيرا، وحذف ما بعد (الذاكرات) لدلالة ما قبله عليه. ﴿أَعَدَّ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهَ:﴾ فاعله. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَغْفِرَةً﴾ مفعول به. ﴿وَأَجْراً:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿عَظِيماً:﴾ صفة له، وجملة: ﴿أَعَدَّ اللهُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً (٣٦)﴾ الشرح: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ أي: ما صح، وهذا التعبير: ﴿وَما يَنْبَغِي﴾ ونحوهما معناه: الحظر والمنع، فتجيء لحظر الشيء، والحكم بأنه لا يجوز كما في هذه الآية، وربما كان امتناع ذلك الشيء عقلا، كقوله تعالى في سورة (النّمل): ﴿ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ الآية رقم [٦٠]. وربما كان العلم بامتناعه شرعا، كقوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٧٩]: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الشورى) رقم [٥١]: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ وربما كان في المندوبات، كما تقول: ما كان لك يا فلان أن تترك صلاة الصبح، والعشاء في الجماعة، ونحو ذلك. ﴿إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً﴾ أي: قضى رسول الله ﷺ ، وذكر الله لتعظيم أمره، والإشعار بأن قضاءه قضاء الله، فهو مثل قوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ﴾. ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ:﴾ أن يختاروا من أمرهم ما شاءوا؛ بل من حقهم أن يجعلوا رأيهم تبعا لرأيه، واختيارهم تلوا لاختياره. هذا؛ والفعل ﴿يَكُونَ﴾ يقرأ بالياء، والتاء؛ لأن الخيرة مؤنث مجازي، يجوز فيه التذكير، والتأنيث، والخيرة من: التخير، كالطيرة من: التطير، يستعمل بمعنى المصدر. وهو التخير؛ وبمعنى المتخيّر، كقولهم: محمد خيرة الله من خلقه، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٨] من سورة (القصص) تجد ما
следующие страницы →