← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)﴾ الشرح: ﴿وَجَعَلُوا﴾ أي: كفار قريش، والعرب. ﴿بَيْنَهُ﴾ أي: بين الله. ﴿وَبَيْنَ الْجِنَّةِ﴾ أي: الملائكة، سمّوا جنة لاجتنانهم، أي: لاختفائهم عن الأبصار. ﴿نَسَباً﴾ أي: مصاهرة، وقرابة؛ حيث قالوا: إنه نكح من الجن، فولدت له الملائكة! ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ﴾ أي: الملائكة. ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: المشركين. ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: في العذاب يوم القيامة، لا يمنعهم مانع من عذاب الله. ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ:﴾ تنزه الله، وتقدس، وتعالى عما يصفه به المشركون من اتخاذ الولد من الملائكة، أو غيرهم، فهو أجل، وأعظم. هذا؛ ولا تنس الالتفات من الخطاب في الآية السابقة إلى الغيبة في هذه الآيات. هذا؛ والجنة بكسر الجيم: الملائكة، وهي أيضا الجنّ، قال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ،﴾ وقال تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ من سورة (هود) رقم [١١٩]، ومن سورة (السجدة) رقم [١٣] وعلى هذا فهما جنس واحد، ولكن من خبث من الجن، ومرد، وكان شرّا كله؛ فهو شيطان، ومن طهر منهم، ونسك، وكان خيرا كله، فهو ملك، فذكرهم الله في هذا الموضع باسم جنسهم، وإنما ذكرهم بهذا الاسم وضعا منهم، وتقصيرا بهم، وإن كانوا معظمين في أنفسهم أن يبلغوا منزلة المناسبة؛ التي أضافوها إليهم، انتهى. كشاف. وهذا مردود قطعا؛ لأن الملائكة مخلوقون من نور، والجن مخلوقون من نار، وشتان ما بين المادتين، وما قاله الزمخشري يقال في مؤمني الجن وكافريهم، فمن طهر منهم؛ فهو مؤمن، وكان خيرا كله، ومن خبث منهم؛ فهو شيطان، وكان شرّا كله، ولكن تبقى التسمية جائزة على الملائكة، والجن؛ لعدم رؤيتنا لهم بسبب اجتنانهم، أي: اختفائهم عن الأبصار. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٣] من سورة (الأحزاب)؛ إن أردت الزيادة، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وجنة بكسر الجيم أيضا: الجنون، أي: ذهاب العقل، قال تعالى في سورة (الأعراف)، رقم [١٨٤]: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ،﴾ وقال في سورة (المؤمنون) رقم [٧٠]: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ..﴾. إلخ. والجنة بفتح الجيم: البستان والحديقة، وأيضا: جنة عدن التي وعد الله عباده المؤمنين، وسميت بذلك لكثرة أشجارها التي تجن، أي: تستر، وتخفي من يدخل فيها. وجنّة بضم الجيم: وقاية وحفظ من الشر، قال الرسول ﷺ من وصيته لمعاذ بن جبل-﵁: «والصيام جنّة». وقال تعالى في الآية رقم [١٦] من سورة (المجادلة)، والآية رقم [٢] من سورة (المنافقون): ﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ ومن

стр. 5252

ذلك: الجنين الذي يكون في بطن المرأة أيام حملها، وجمعه: أجنة، قال تعالى في سورة النجم رقم [٣٢]: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾. هذا؛ و (بين) ظرف مكان بمعنى: وسط بسكون السين، لا يدخل إلا على متعدد لفظا، أو حكما، تقول: جلست بين القوم، كما تقول: جلست وسط القوم. هذا؛ والبين: الفراق، والبعاد، وهو أيضا الوصل، فهو من الأضداد، كالجون يطلق على الأسود، والأبيض، ومن استعماله بمعنى: الوصل ما قرئ به في سورة (الأنعام) رقم [٩٤]: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ حيث قرئ برفعه. ومن استعماله بمعنى: الفراق، والبعاد قول كعب بن زهير-﵁-من قصيدته؛ التي مدح بها النبي ﷺ ، وهو الشاهد رقم [٨٠٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط] وما سعاد غداة البين إذ رحلوا... إلاّ أغنّ غضيض الطّرف مكحول وانظر الأضداد في الآية رقم [٥٧] من سورة (النمل) فإنه جيد. الإعراب: ﴿وَجَعَلُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (جعلوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بَيْنَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. وقيل: متعلق بمحذوف مفعول ثان تقدم على الأول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَ:﴾ معطوف على ما قبله، و (بين) مضاف، و ﴿الْجِنَّةِ﴾ مضاف إليه. ﴿نَسَباً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَقَدْ﴾ انظر الآية رقم [١١٤] تجد الإعراب وافيا كافيا. ﴿عَلِمَتِ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿الْجِنَّةِ:﴾ فاعله، وهو معلّق عن العمل لفظا بسبب لام الابتداء، ولذا كسرت همزة (إن) قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] وكسروا من بعد فعل علّقا... باللاّم كاعلم إنّه لذو تقى ﴿إِنَّهُمْ:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، الهاء اسمها. ﴿لَمُحْضَرُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (محضرون): خبر (إنّ) مرفوع... إلخ، والجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد المفعول به، وجملة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ..﴾. إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿سُبْحانَ:﴾ مفعول مطلق، عامله محذوف، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول به محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿سُبْحانَ،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة والموصوفة والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: عن الذي، أو عن شيء يصفونه به، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن) التقدير: سبحان الله، أي: تنزه الله عن وصفهم له بما ذكر، وهذا الكلام مستأنف، لا محل له. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء،

стр. 5253

بمعنى: لكن. ﴿عِبادَ:﴾ استثناء منقطع؛ لأنّ ما قبله وعيد، وهم لم يدخلوا في هذا الوعيد، و ﴿عِبادَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْمُخْلَصِينَ:﴾ صفة: ﴿عِبادَ﴾ منصوب مثله. هذا؛ وقال أبو السعود: هذا الكلام من هنا إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ من كلام الملائكة، وعلى هذا فالاستثناء من واو الجماعة بقوله: ﴿يَصِفُونَ﴾ والمعنى يصفه هؤلاء بذلك، ولكن المخلصون برآء من أن يصفوه به. أو هو استثناء منقطع من المحضرين معناه: ولكن المخلصين ناجون من النار، و ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ اعتراض بين الاستثناء، وبين ما وقع منه. انتهى. نسفي بتصرف. وما قاله أبو السعود، أولى بالاعتبار؛ ليبقى الكلام من قوله: ﴿سُبْحانَ..﴾. إلخ من كلام الملائكة كما رأيت، وقول النسفي مأخوذ من قول الزمخشري، والبيضاوي جاراه في ذلك. ﴿فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (١٦٢) إِلاّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ الشرح: ﴿فَإِنَّكُمْ﴾ خطاب لأهل مكة. ﴿وَما تَعْبُدُونَ﴾ أي: من الأصنام، والآلهة الباطلة. ﴿ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على الله. ﴿بِفاتِنِينَ﴾ أي: بمضلين أحدا. ومعنى هذه الآية: فإنكم ومعبوديكم ما أنتم، وهم جميعا بفاتنين على الله إلا أصحاب النار؛ الذين سبق في علمه: أنهم لسوء أعمالهم يستوجبون أن يصلوها. ومعنى: يفتنونهم على الله: يفسدونهم عليه بإغوائهم، واستهزائهم، من قولك: فتن فلان على فلان امرأته، كما تقول: أفسدها عليه، وخببها عليه. «إلا من هو صالي الجحيم» أي: إلا من سبق له في علم الله تعالى الأزلي الشقاوة، وأنه سيدخل النار. هذا؛ وقرأ الحسن شاذا برفع صال، وأنا أثبت الياء في الرسم على الأصل. ولا تنس الالتفات من الغيبة في الآيات السابقة إلى الخطاب في هذه الآيات، وانظر الالتفات في الآية رقم [١٣٥]. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: في هذه الآية ردّ على القدرية. قال عمرو بن ذر: قدمنا على عمر بن عبد العزيز-رحمه الله تعالى-، فذكر عنده القدر، فقال عمر: لو أراد الله ألاّ يعصى؛ ما خلق إبليس، وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما في كتاب الله ، عرفه من عرفه، وجهله من جهله، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ إلا من كتب الله عليه أن يصلى الجحيم. وقال: فصلت هذه الآية بين الناس، وفيها من المعاني: أن الشياطين لا يصلون إلى إضلال أحد إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي؛ ولو علم الله أنه يهتدي لحال بينه وبينهم، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ رقم [٦٤] من سورة (الإسراء) أي: لست تصل منهم إلى شيء إلا إلى ما في علمي، وقال لبيد-﵁-في تثبيت القدر، فأحسن: [الرمل] إنّ تقوى ربّنا خير نفل... وبإذن الله ريثي وعجل أحمد الله فلا ندّ له... بيديه الخير ما شاء فعل

стр. 5254

من هداه سبل الخير اهتدى... ناعم البال ومن شاء أضل قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: فتنت الرجل. وأهل نجد، يقولون: أفتنته. انتهى. قرطبي. هذا؛ والقرآن جاء بلغة أهل الحجاز، وهو كثير لا يعد، ولا يحصى، قال تعالى في سورة (البروج): ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾. و (فاتنين): اسم فاعل من الثلاثي، و (صالي): اسم فاعل من: صلي فلان النار بالكسر يصلى صليّا، أي: احترق. وقال الجوهري: يقال: صليت الرجل نارا: إذا أدخلته النار، وجعلته يصلاها، فإن ألقيته فيها إلقاء، كأنك تريد الاحتراق؛ قلت: أصليته بالألف، وصلّيته تصلية. ويقال أيضا: صلي بالأمر: إذا قاسى حره، وشدته. واصطليت بالنار، وتصليت بها؛ إذا استدفأت بها، وفلان لا يصطلى بناره: إذا كان شجاعا لا يطاق. الإعراب: ﴿فَإِنَّكُمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إنكم): (إنّ): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو المعية. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول معه، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: إنكم مع الذي، أو: الذين تعبدونهم، وإن اعتبرت (ما) مصدرية، تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول معه، التقدير: فإنكم مع معبوديكم، وخبر (إنّ) محذوف لسد المفعول معه مسده، التقدير: فإنكم وآلهتكم قرناء لا تزالون تعبدونها، وعلى هذا يحسن السكوت على ﴿تَعْبُدُونَ،﴾ كما يحسن في قولك: كل رجل وضيعته، أي: مقترنان. هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) معطوفة على اسم (إنّ)، وعليه فلا يحسن الوقف على ﴿تَعْبُدُونَ،﴾ وعلى هذا فيكون من أسلوب قول الوليد بن عقبة بن أبي معيط، الفاسق بن الفاسق يحض معاوية على حرب عليّ كرم الله وجهه: [الوافر] فإنّك والكتاب إلى عليّ... كدابغة وقد حلم الأديم أي: فإنك مع كتابتك إليه كدابغة حال حلم الأديم، فلا يمكن الانتفاع به، والحلم بالتحريك: أن يفسد الإهاب في العمل، ويقع فيه دود فيتنقب، تقول منه: حلم الأديم بالكسر. ﴿ما:﴾ نافية حجازية تعمل عمل: «ليس»، أو هي مهملة تميمية. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم ﴿ما﴾. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿بِفاتِنِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة، (فاتنين): خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلا، أو هو خبر المبتدأ على إهمال ﴿ما﴾ مجرور لفظا مرفوع محلا، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها على الوجه الأول في ﴿ما،﴾ وفي محل رفع خبر (إنّ) وما عطف عليه على الوجه الثاني فيها، وهو عطفها على اسم (إنّ). ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ل: (فاتنين)، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ وإن اعتبرت المفعول محذوفا، فالموصول في محل نصب على الاستثناء، التقدير: ما أنتم عليه بفاتنين أحدا، إلا من... إلخ. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿صالِ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، و ﴿صالِ﴾ مضاف، و ﴿الْجَحِيمِ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها.

стр. 5255

﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ الشرح: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ:﴾ ذكرت لك فيما سبق: أن هذا الكلام من قول الملائكة تعظيما لله ، وإنكارا منهم عبادة من عبدهم. قال مقاتل-رحمه الله تعالى-: هذه الثلاث الآيات نزلت؛ ورسول الله ﷺ عند سدرة المنتهى، فتأخر جبريل ﵇، فقال النبي ﷺ : «أهنا تفارقني؟». فقال: ما أستطيع أن أتقدم عن مكاني. وأنزل الله تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ..﴾. إلخ الآيات. قالت عائشة-﵂-قال رسول الله ﷺ : «ما في السماء موضع قدم إلاّ عليه ملك ساجد، أو قائم». وعن أبي ذر الغفاري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّي أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطّت السّماء وحقّ لها أن تئطّ، ما فيها موضع أربع أصابع، إلاّ وملك واضع جبهته ساجدا لله! والله لو تعلمون ما أعلم؛ لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى الله! لوددت أنّي كنت شجرة تعضد». أخرجه أبو عيسى الترمذي-رحمه الله تعالى-، والجملة الأخيرة مدرجة من كلام الراوي فيما يظهر. هذا؛ والأطيط: أصوات الإبل، وحنينها من ثقل أحمالها. وقيل: أصوات الأقتاب؛ التي على الإبل من ثقل الأحمال. ومعنى الحديث: ما في السماء من الملائكة قد أثقلها، حتى أطت، وهذا مؤذن بكثرة الملائكة، وإن لم يكن ثمّ أطيط. انتهى. خازن. والحديث موجود في القرطبي بكامله. وقال قتادة: كان يصلي الرجال، والنساء جميعا حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ قال: فتقدم الرجال، وتأخر النساء، وهذا يعني: أن الآيات مدنية، وليس بشيء يعتد به. ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ:﴾ قال الكلبي: صفوفهم كصفوف أهل الدنيا في الأرض. وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة-﵁-قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، ونحن في المسجد، فقال: «ألاّ تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربّها». فقلنا: يا رسول الله! كيف تصفّ الملائكة عند ربها؟ قال: «يتمّون الصفوف الأول، ويتراصّون في الصف». وكان عمر-﵁ يقول إذا قام للصلاة: أقيموا صفوفكم، واستووا، إنما يريد الله بكم هدي الملائكة عند ربها، ويقرأ: ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ تأخر يا فلان، تقدم يا فلان، ثم يتقدم فيكبر. ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: المصلون. قاله قتادة. وقيل: أي: المنزهون الله عما أضافه إليه المشركون. والمراد: أنهم يخبرون: أنهم يعبدون الله بالتسبيح، والصلاة، وليسوا معبودين، ولا بنات الله. انتهى. قرطبي. هذا؛ ولا تنس الالتفات من الخطاب في الآيات السابقة إلى التكلم في هذه الآيات.

стр. 5256

الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿مِنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والمبتدأ المؤخر محذوف؛ إذ التقدير: وما منّا أحد. أو: وما منّا ملك. فحذف الموصوف، وأقيمت الصفة مقامه. هذا هو المتبادر والمفهوم من أقوال المفسرين الإجمالي، وعند التأمل يتبين لك: أن الجار والمجرور ﴿مِنّا﴾ متعلقان بمحذوف صفة المبتدأ المحذوف، التقدير: وما أحد منا، والخبر الجملة الاسمية الواقعة بعد ﴿إِلاّ﴾ ومثل هذا منقول عن السمين. ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٤٦]: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ،﴾ وقوله تعالى في سورة (مريم) رقم [٧١]: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها..﴾. إلخ، وأيضا قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٦٧]: ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ،﴾ وأيضا قوله تعالى في سورة (الجن): ﴿وَأَنّا مِنَّا الصّالِحُونَ وَمِنّا دُونَ ذلِكَ؛﴾ إذ التقدير في الآيتين: ومنا ناس دون ذلك، ومن الأبيات الشعرية قول سحيم بن وثيل الرياحي: [الوافر] أنا ابن جلا وطلاّع الثّنايا... متى أضع العمامة تعرفوني وهذا هو الشاهد رقم [٢٨٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»؛ إذ التقدير: أنا ابن رجل جلا... إلخ، وانظر أيضا الشاهد رقم [٢٩٠] منه، ومثلهما قول تميم بن عقيل: [الطويل] وما الدّهر إلاّ تارتان فمنهما... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَقامٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مَعْلُومٌ:﴾ صفة له. والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، وهذا عند البصريين، وقال الكوفيون التقدير: وما منا إلا من له مقام، ثم حذف الموصول، وأقيمت الصلة مقامه. وهو ضعيف لا يعتد به، والجملة الاسمية: ﴿وَما مِنّا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَنَحْنُ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (نحن): ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿الصَّافُّونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ). هذا؛ وإن اعتبرت الضمير فصلا، لا محل له، فخبر (إنّ) هو: ﴿الصَّافُّونَ،﴾ ودخلت اللام على ضمير الفصل؛ لأنه إذا جاز أن تدخل على الخبر، فدخولها على الفصل أولى؛ لأنه أقرب إلى المبتدأ من الخبر، وأصلها أن تدخل على المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنّا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من (نا) فلست مفندا، والرابط: الواو، والضمير. والجملة الاسمية: ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ معطوفة عليها، والإعراب بحاله لا يتغير.

стр. 5257

﴿وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)﴾ الشرح: ﴿وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ:﴾ واو الجماعة عائدة على كفار قريش، وعاد الالتفات من التكلم إلى الغيبة، فقد كانوا إذا عيّروا بالجهل قالوا: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾. أي: لو بعث إلينا نبي ببيان الشرائع، وأنزل عليه كتاب مثل موسى، وعيسى؛ لآمنا به، واتبعناه. ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: لكنا أعظم إيمانا منهم، وأكثر عبادة، وأشدّ إخلاصا لله منهم. هذا؛ وقد حكى الله عنهم في سورة (فاطر) رقم [٤٢] حلفهم الكاذب حيث قال جل ذكره: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاّ نُفُوراً،﴾ ومثله قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٠٩]: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها..﴾. إلخ. ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: جاءهم محمد ﷺ بكتاب، فكفروا به. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: فسوف يرون عاقبة كفرهم بالله، وآياته. فهو وعيد، وتهديد. وهذه الجملة تكرّر وتردّد كثيرا في الآيات القرآنية، كما أن (سوف) تصدرت جملا كثيرا مفادها الوعد بفضل الله الكثير مثل قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾. الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة مهمل، لا عمل له. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿لَيَقُولُونَ:﴾ اللام: هي الفارقة بين النفي، والإثبات. (يقولون): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، وهذا الإعراب إنما هو على مذهب البصريين، وأما الكوفيون؛ فيعتبرون: (إن) نافية، واللام بمعنى: إلاّ. واستدل الكوفيون على ذلك بقول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٤٢٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط] أمسى أبان ذليلا بعد عزّته... وما أبان لمن أعلاج سودان وصفوة القول: إن البصريين، والكوفيين متفقون على إهمال إنّ إذا خففت، ولزوم اللام بعدها، وإن اختلفوا في معناها، ومعنى اللام الواقعة بعدها، وتفسيرهما. قال ابن مالك -رحمه الله تعالى-: [الرجز] وخفّفت إنّ فقلّ العمل... وتلزم اللاّم إذا ما تهمل ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿إِنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿عِنْدَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر: ﴿إِنْ:﴾ تقدم على اسمها. ﴿ذِكْراً:﴾ اسم ﴿إِنْ﴾ المؤخر. ﴿مِنَ الْأَوَّلِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿ذِكْراً،﴾ وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛

стр. 5258

لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، و ﴿إِنْ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، تقديره: ولو حصل، أو نزل كون ذلك. وهذا الفعل شرط (لو) عند المبرد. وقال سيبويه: هو في محلّ رفع بالابتداء، والخبر محذوف، التقدير: ولو كون ذكر حاصل من الأولين عندنا، وقول المبرد هو المرجح في هذه المسألة؛ لأن ﴿لَوْ﴾ لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر، والفعل المقدر، وفاعله المؤول على قول المبرد جملة فعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَكُنّا:﴾ اللام: واقعة في جواب ﴿لَوْ﴾. (كنا): فعل ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمها. ﴿عِبادَ:﴾ خبر (كان)، و ﴿عِبادَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْمُخْلَصِينَ:﴾ صفة: ﴿عِبادَ اللهِ﴾ منصوب مثله، وجملة: ﴿لَكُنّا..﴾. إلخ جواب ﴿لَوْ،﴾ لا محل لها، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿لَيَقُولُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها من الإعراب. ﴿فَكَفَرُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (كفروا): فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، انظر تقديرها في الشرح، والكلام كله مستأنف، وقدر الجمل تبعا للخازن الكلام كما يلي: فلما أتاهم الكتاب كفروا به، وهو جيد معنى. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (سوف): حرف تسويف، واستقبال. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها أيضا. هذا؛ وعاد الجمل فاعتبر الفاء تبعا لأبي السعود الفصيحة، كما في قوله تعالى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ الآية رقم [٦٣] من سورة (الشعراء) ولكن بينات لك هناك: أن جملة: ﴿فَانْفَلَقَ﴾ معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فضرب البحر، فانفلق، ومثل آية (الشعراء) قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٦٠]: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٦٠]: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ﴾ إذ التقدير: فضرب، فانفجرت، فضرب، فانبجست. وهذا مشهور ومتعارف عليه، فلم يبق لما نقله الجمل عن أبي السعود اعتبار صحيح. تأمل، وتدبر. ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: تقدم وعدنا لعبادنا المرسلين في قديم الأزل بعلو شأنهم، ونصرهم على عدوهم، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ كما قال تعالى في

стр. 5259

الآية رقم [٢١] من سورة (المجادلة): ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي،﴾ وقال في الآية رقم [٥١] من سورة (غافر): ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾. ﴿وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ أي: لهم النصرة في العاقبة. كيف لا؛ وقد أوجبها على نفسه جلت قدرته، وتعالت حكمته حيث قال في سورة (الروم): ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهذا يفيد حتما: أن الله لا ينصر الفاسقين، الذين يحاربونه، ويحاربون تعاليمه، ويعادون هدي نبيه ﷺ . وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٧] من سورة (الروم)، وخذ ما يلي: عن عبد الله بن عمر-﵄-قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ ، فقال: «يا معشر المهاجرين! خمس خصال إذا ابتليتم بهنّ-وأعوذ بالله أن تدركوهن-: لم تظهر الفاحشة في قوم قطّ حتّى يعلنوا بها؛ إلاّ فشا فيهم الطّاعون، والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الّذين مضوا. ولم ينقصوا المكيال والميزان إلاّ أخذوا بالسّنين، وشدّة المؤونة، وجور السّلطان عليهم. ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلاّ منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا. ولم ينقضوا عهد الله، وعهد رسوله، إلاّ سلّط الله عليهم عدوّا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله تعالى، ويتخيّروا فيما أنزل الله إلاّ جعل الله بأسهم بينهم». رواه ابن ماجه، والبيهقي، والبزار. هذا؛ وقد عبر الله بقوله: ﴿كَلِمَتُنا﴾ وهي كلمات في الحقيقة؛ لأنها لما انتظمت في معنى واحد، كانت في حكم كلمة مفردة، والمراد: الوعد بعلوهم على عدوهم في مقام الحجاج، وملاحم القتال في الدنيا، وعلوهم عليهم في الآخرة. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢١١]: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾. وقال ابن عباس-﵄: إن لم ينصروا في الدنيا؛ نصروا في العقبى. والحاصل: أن قاعدة أمرهم، وأساسه، والغالب منه الظفر، والنصرة، وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء، والمحنة، كالذي وقع للمسلمين في غزوة أحد، وفي غزوة الخندق، والعبرة للغالب، وقد حقق الله وعده ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده بعد غزوة الأحزاب، وقبل وفاة النبي ﷺ ، وما تحقق من انتصارات في عهد الخلفاء الراشدين، أكبر شاهد على ذلك. تنبيه: في (كلمة) ثلاث لغات: الأولى: كلمة على وزن نبقة، وهي الفصحى ولغة أهل الحجاز، وبها نطق القرآن الكريم في آيات كثيرة، وجمعها: كلم، كنبق. والثانية: كلمة على وزن: سدرة. والثالثة: كلمة على وزن: تمرة، وهما لغتا تميم، وجمع الأولى: كلم، كسدر، وجمع الثانية: كلم، كتمر، وكذلك كل ما كان على وزن: فعل، نحو: كبد، وكتف، فإنه يجوز فيه اللغات الثلاث، فإن كان الوسط حرف حلق جاز فيه لغة رابعة، وهي إتباع الأول للثاني في الكسر، نحو فخذ، وشهد، وهي في الأصل: قول مفرد، مثل: محمد، ومحمود، وقام، وقعد،

стр. 5260

وفي، ولن، وقد تطلق على الجمل المفيدة، كما في هذه الآية؛ التي نحن بصدد شرحها، وقال النبي ﷺ : «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد»: [الطويل] ألا كلّ شيء-ما خلا الله-باطل... وكلّ نعيم-لا محالة-زائل المراد ب: «كلمة» الشطر الأول بكامله، وتقول: قال فلان كلمة. والمراد: بها كلام كثير، وهو شائع، ومستعمل عربية في القديم، والحديث. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر إعراب هذه الكلمة في الآية رقم [١١٤]. ﴿سَبَقَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿كَلِمَتُنا:﴾ فاعل، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لِعِبادِنَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (نا) في محل جر بالإضافة. ﴿الْمُرْسَلِينَ:﴾ صفة لما قبله مجرور مثله، وجملة: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ..﴾. إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الآية برقم [١٦٥] فهو مثله بلا فارق، والجملة الاسمية بدل من: ﴿كَلِمَتُنا،﴾ أو هي مفسرة لها. وأجيز اعتبارها مستأنفة، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ معطوفة عليها، والإعراب واحد لا يتغير. هذا؛ والجند: الأنصار والأعوان، والجمع: أجناد، وجنود، والواحد: جندي، فالياء للوحدة، مثل: روم، ورومي. وجمع ﴿الْغالِبُونَ﴾ على المعنى، ولو كان على اللفظ؛ لكان: هو الغالب، مثل قوله تعالى: ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ﴾ الآية رقم [١١] من سورة (ص) وقال الشيباني: جاء هاهنا على الجمع من أجل: أنه رأس آية. ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦)﴾ الشرح: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ:﴾ أعرض عنهم، والخطاب للنبي ﷺ ، أمره بالإعراض عن كفار قريش، والمعنى: اصبر على أذاهم لك، وانتظر إلى وقت مؤجل، فإنا سنجعل لك العاقبة والنصرة والظفر. ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ أي: انظرهم، وارتقب ماذا يحل بهم من العذاب والنكال بمخالفتك وتكذيبك، ولذا قال تعالى على وجه التهديد والوعيد: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: سيرون وينظرون ما يحل بهم من العذاب والمقت والنكال. قال قتادة: سوف يبصرون حين لا ينفعهم الإبصار. هذا؛ وسوف من الله للوجوب، وهي هنا للوعيد، وليس للتبعيد؛ إذ ليس المقام مقامه، كما تقول: سوف أنتقم منك وأنت متهيئ للانتقام. ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ:﴾ استفهام إنكاري للتهديد، والوعيد، والمعنى: أيستعجلون بعذاب الله؟! فكانوا كلما نزلت آيات تخوفهم العقاب الشديد، والعذاب الأليم، قالوا: «متى هذا الوعد، إن كنتم صادقين؟» بل قد حكى الله قولهم في سورة (الأنفال) رقم [٣٣]: ﴿وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾. هذا؛ ويكثر النهي

стр. 5261

في القرآن الكريم عن العجلة، واستعجال الشيء قبل أوانه، وهذا النهي أكثر ما يوجه للكافرين، الذين طلبوا استعجال العذاب، وقد يوجه إلى بني آدم جميعا، وقد توجه إلى النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ رقم [١١٤] من سورة (طه) بينما حث الله على المسارعة إلى فعل الطاعات، فقال في (آل عمران): ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾. إلخ رقم [١٣٣]، وقال في سورة (الحديد): ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ..﴾. إلخ رقم [٢١] كما وصف أنبياءه، ورسله بأنهم كانوا يسارعون في الخيرات، وهذا لا يناقض ما روي: «العجلة من الشّيطان، والتّأنّي من الرّحمن». لأن المسارعة إلى الطاعات مستثناة من ذلك، كما أن هنالك أمورا تسن المبادرة إلى فعلها، كأداء الصلاة المكتوبة إذا دخل وقتها، وقضاء الدين بحق الموسر، وتزويج البكر البالغ إذا أتى الكفؤ لها، ودفن الميت، وإكرام الضيف إذا نزل. وخذ ما يلي: فعن علي بن أبي طالب-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ له: «يا عليّ! ثلاث لا تؤخّرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيّم إذا وجدت كفؤا». رواه الترمذي. الإعراب: ﴿فَتَوَلَّ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي الفصيحة، (تول): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية لا محل لها، سواء أكانت مستأنفة، أو جوابا لشرط مقدر ب: «إذا». ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حَتّى حِينٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور ب: (عن) و ﴿حَتّى﴾ بمعنى: «إلى» هنا. ﴿وَأَبْصِرْهُمْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (سوف): حرف تسويف، واستقبال. ﴿يُبْصِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها تعليل للأمر قبلها. ﴿أَفَبِعَذابِنا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء: حرف استئناف. (بعذابنا): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف. ﴿يَسْتَعْجِلُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها مع ما يقدر قبلها. ﴿فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩)﴾ الشرح: ﴿فَإِذا نَزَلَ﴾ أي: العذاب. ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ أي: بدارهم. والساحة: الفناء الخالي من الأبنية، وجمعها: سوح، فألفها منقلبة عن واو فتصغر على سويحة. قال أبو ذؤيب الهذلي، وهو الشاهد رقم [٩٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]

стр. 5262

وكان سيّان أن لا يسرحوا نعما... أو يسرحوه بها واغبرّت السّوح ويقال: احمرّ اللّوح، واغبرت السوح: إذا وقع الجدب. ويقال في معرض الدعاء: عمر الله تعالى بك ساحتك. ﴿فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: بئس صباح الذين أنذروا بالعذاب. وخص الصباح بالذكر؛ لأن العذاب كان يأتيهم فيه، ومنه الحديث الذي رواه أنس-﵁ قال: لما أتى رسول الله ﷺ خيبر؛ وكانوا خارجين إلى مزارعهم، ومعهم المساحي، فقالوا: محمد والخميس، ورجعوا إلى حصنهم، فقال ﷺ : «الله أكبر خربت خيبر، إنّا إذا نزلنا بساحة قوم، فساء صباح المنذرين». أخرجه البخاري، ومسلم، والمراد: بقولهم: الخميس: الجيش. هذا؛ وفي الآية الكريمة استعارة تمثيلية: مثّل للعذاب النازل بهم بجيش هجم عليهم، فأناخ بفنائهم بغتة، ونصحهم بعض النصائح، فلم يلتفتوا إلى إنذاره، ولا أخذوا أهبتهم؛ حتى اجتاحهم الجيش، فشنّ عليهم الغارة، وقطع دابرهم. وما فصحت هذه الآية، ولا كانت لها الروعة؛ التي تحس بها، ويروقك موردها، إلا لمجيئها على طريقة التمثيل، انتهى. كشاف، وغيره. وقال البيضاوي: والصباح مستعار من صباح الجيش المبيّت لوقت نزول العذاب. ولما كثر فيهم الهجوم، والغارات في الصباح؛ سموا الغارة: صباحا؛ وإن وقعت في وقت آخر. ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ..﴾. إلخ: أعاد هاتين الآيتين ليكون تسلية على تسلية، وأكيدا لوقوع الميعاد إلى تأكيد، وفيه فائدة زائدة، وهي إطلاق الفعلين معا عن التقييد بالمفعول، وأنه يبصر، وهم يبصرون ما لا يحيط به الذكر من صنوف المسرة، وأنواع المساءة. وقيل: أريد بالأول عذاب الدنيا، وبالآخر عذاب الآخرة. انتهى. كشاف. هذا ﴿وَتَوَلَّ:﴾ أعرض. والتولي، والإعراض، والإدبار عن الشيء يكون بالجسم، ويستعمل في الإعراض عن الأمور، والاعتقادات اتساعا، ومجازا. هذا؛ ويجوز في الآية الأولى أن يكون (ساء) على بابه من التصرف، والتعدي، ومفعوله محذوف، أي: ساءهم صباح المنذرين، وأن يكون جاريا مجرى بئس، فيحول إلى «فعل» بالضم، ويمتنع تصرفه، ويصير للذم، ويكون المخصوص بالذم محذوفا، كما تقرر غير مرة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [١٣]. ﴿نَزَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى العذاب المفهوم من الفعل السابق. ﴿بِساحَتِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿فَساءَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (ساء): فعل ماض جامد دال على إنشاء الذم. ﴿صَباحُ:﴾ فاعله، و ﴿صَباحُ﴾ مضاف، و ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، والمخصوص بالذم محذوف، تقديره: فساء صباح المنذرين صباحهم هذا. وقدر الجلال الكلام كما يلي: فبئس صباحا صباح المنذرين. قال سليمان الجمل-رحمه الله

стр. 5263

تعالى-: أشار بهذا إلى أن ضمير بئس يعود إلى المخصوص، وأن التمييز محذوف، وأن المذكور مخصوص، لا فاعل. انتهى. وانظر اعتباره تاما متصرفا في الشرح، وجملة: ﴿فَساءَ..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ لا حاجة إلى إعادة إعراب هاتين الجملتين. ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢)﴾ الشرح: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ..﴾. إلخ: ينزه الله ﵎ نفسه الكريمة، ويقدسها، ويبرئها عما يقول الظالمون المكذبون المعتدون، تعالى، وتنزه، وتقدس عن قولهم علوا كبيرا. ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي: من الصاحبة، والولد، وعن كل سوء، وعيب، ونقص. وسئل محمد بن سحنون عن معنى قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ:﴾ لم جاز ذلك، والعزة من صفات الذات، ولا يقال: رب القدرة، ونحوها من صفات ذاته جل وعز؟ فقال: العزة تكون صفة ذات، وصفة فعل، فصفة الذات، نحو قوله تعالى: ﴿فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾ الآية رقم [١٠] من سورة (فاطر)، وصفة الفعل نحو قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ والمعنى رب العزة التي يتعازّ بها الخلق فيما بينهم، فهي من خلق الله . وقال الماورديّ: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: مالك العزة، والثاني: رب كل شيء متعزّز من ملك، أو متجبّر. انتهى. قرطبي. ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: الذين بلغوا الرسالة، والتوحيد عن الله تعالى. وقيل: المعنى: لهم أمن من الله يوم الفزع الأكبر. وقال أنس-﵁: قال رسول الله ﷺ : «إذا سلّمتم عليّ؛ فسلّموا على المرسلين، فإنّما أنا رسول من المرسلين». أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم مرسلا، ورواه ابن أبي حاتم مسندا عن أبي طلحة-﵁. ﴿وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي: له الحمد في الأولى، والآخرة على كل حال، والحمد لله على جميع ما أنعم الله به على الخلق أجمعين. وقيل: على هلاك المشركين. دليله قوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ الآية رقم [٤٥] من سورة (الأنعام). وقيل: الحمد لله على إرسال المرسلين مبشرين ومنذرين. والكل مراد، والحمد يعم. انتهى. قرطبي. تنبيه: روى الثعلبي عن أبي سعيد الخدري-﵁: أن رسول الله ﷺ كان يقول قبل أن يسلم: «سبحان ربّك ربّ العزّة... إلخ». وعنه-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ غير مرة، ولا مرتين يقول في آخر صلاته، أو حين ينصرف: «سبحان ربّك... إلخ». وروى ابن أبي حاتم والماوردي عن الشعبي، قال: قال رسول الله ﷺ : «من سرّه أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليقل آخر مجلسه حين يريد أن يقوم: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ..﴾. إلخ». رواه الثعلبي من حديث علي-﵁.

стр. 5264

هذا؛ وقد وردت أحاديث كثيرة في كفارة المجلس مذكورة في كتاب: «الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري، أكتفي بما يلي: فعن أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من جلس مجلسا كثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلاّ أنت، أستغفرك، وأتوب إليك؛ إلاّ غفر له ما كان في مجلسه ذلك». رواه أبو داود والترمذي، والنسائي، والحاكم، وابن حبان. هذا؛ و ﴿الْعالَمِينَ﴾ جمع: عالم بفتح اللام، وجمع لاختلاف أنواعه، وهو جواب عما يقال: إنه اسم جنس يصدق على كل ما سوى الله، والجمع لا بد أن يكون له أفراد ثلاثة فأكثر، وجمع بالياء والنون تغليبا للعقلاء على غيرهم، وهو يقال لكل ما سوى الله، ويدل له قول موسى-على نبينا، وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم-لما قال له فرعون: ﴿وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾. هذا؛ والعوالم كثيرة لا تحصيها الأرقام، وهي منتشرة في هذا الكون المترامي الأطراف، في البر، والبحر؛ إذ كل جنس من المخلوقات يقال له: عالم، قال الله تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾. هذا؛ و (سلام) اسم مصدر، لا مصدر؛ لأن المصدر: تسليم؛ لأنه من سلّم، يسلّم بتشديد اللام فيهما. وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، ومثله: عطاء، وعذاب، ونبات؛ لأعطى؛ وعذّب، وأنبت. أما ﴿سُبْحانَ﴾ فهو اسم مصدر، وقيل: هو مصدر، مثل: غفران، وليس بشيء؛ لأن الفعل سبّح بتشديد الباء، والمصدر تسبيح، ولا يكاد يستعمل إلا مضافا منصوبا بإضمار فعله، مثل معاذ الله، وقد أجري علما على التسبيح، بمعنى: التنزيه على الشذوذ في قول الأعشى: [السريع] قد قلت لمّا جاءني فخره: ... سبحان من علقمة الفاخر؟ وتصدير الكلام به اعتذار عن الاستفسار، والجهل بحقيقة الحال، ولذلك جعل مفتاح التوبة فقال موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾. وقد نزه الله ذاته في كثير من الآيات بنفسه تنزيها لائقا بجلاله، وعظمته، وجملة القول فيه: هو اسم موضوع موضع المصدر، وهو غير متمكن؛ لأنه لا يجري بوجوه الإعراب، من رفع، وجر، ولا تدخل عليه الألف واللام، ولم يجئ من لفظه فعل، وذلك مثل: قعد القرفصاء. ولم ينصرف؛ لأن في آخره زائدتين: الألف، والنون، ومعناه: التنزيه والبراءة لله- -من كل نقص، فهو ذكر عظيم لله تعالى، لا يصلح لغيره. وقد روي عن طلحة الخير بن عبيد الله-أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵃ أجمعين-أنه قال للنبي ﷺ : ما معنى سبحان الله؟ فقال: «تنزيه الله من كلّ سوء». والعامل فيه على مذهب سيبويه الفعل الذي من معناه، لا من لفظه؛ إذ لم يجر له من لفظه فعل، وذلك مثل: قعد القرفصاء. فالتقدير عنده: أنزّه الله تنزيها. فوقع (سبحان الله) مكان قولك: تنزيها لله.

стр. 5265

الإعراب: ﴿سُبْحانَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، كما رأيت في الشرح، و ﴿سُبْحانَ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والفعل المقدر، والمصدر جملة فعلية مستأنفة، لا محل لها، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿رَبِّ:﴾ بدل مما قبله، ويجوز في العربية نصبه على المدح بفعل محذوف، ورفعه على إضمار مبتدأ محذوف. و ﴿رَبِّ﴾ مضاف، و ﴿الْعِزَّةِ﴾ مضاف إليه... إلخ. ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ انظر الإعراب مفصلا في الآية رقم [١٥٩]. ﴿وَسَلامٌ:﴾ الواو: حرف استئناف. (سلام): مبتدأ. ﴿عَلَى الْمُرْسَلِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالْحَمْدُ:﴾ الواو: حرف عطف. (الحمد): مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿رَبِّ:﴾ بدل من لفظ الجلالة، أو صفة له، ويجوز في العربية نصبه ورفعه مثل سابقه، و ﴿رَبِّ﴾ مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه... إلخ. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم. انتهت سورة الصافات، بحمد الله وتوفيقه شرحا وإعرابا، والحمد الله رب العالمين.

стр. 5266

سورة ص ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ويقال لها: سورة داود، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وهي مكية في قول الجميع، وهي ست. وقيل: ثمان وثمانون آية، وسبعمئة واثنتان وثلاثون كلمة، وثلاثة آلاف وسبعة وستون حرفا. انتهى. خازن. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ ﴿ص:﴾ قراءة العامة (صاد) بجزم الدال على الوقف؛ لأنه حرف من حروف الهجاء مثل: ﴿الم﴾ و ﴿الر﴾. وقرأ أبيّ بن كعب، وغيره: «(صاد)» بكسر الدال بغير تنوين، ولقراءته مذهبان: أحدهما: أنه من: صادى، يصادي: إذا عارض. والمصاداة: المعارضة، ومنه: الصّدى، وهو ما يعارض الصوت في الأماكن الخالية، فالمعنى صاد القرآن بعملك، أي: عارضه بعملك، وقابله به، فاعمل بأوامره، وانته عن نواهيه، والمذهب الثاني: أن تكون الدال مكسورة لالتقاء الساكنين. وقرأ عيسى بن عمر «(صاد)» بفتح الدال، ومثله «(قاف)» و «(نون)» بفتح آخرها، وله في ذلك ثلاثة مذاهب: أحدها: أن يكون بمعنى: أتل صاد. والثاني: أن يكون فتح لالتقاء الساكنين. واختار الفتح للإتباع، ولأنه أخف الحركات. والثالث: أن يكون منصوبا على القسم بغير حرف جر، كقولك: الله لأفعلنّ، وقرأ ابن أبي إسحاق «(صاد)» بكسر الدال، والتنوين، على أن يكون مخفوضا على حذف حرف القسم، وهذا بعيد؛ وإن كان سيبويه قد أجاز مثله. وقرأ هارون الأعور، ومحمد بن السّميقع: «(صاد)» و «(قاف)» و «(نون)» بضم آخرهن؛ لأنه المعروف بالبناء في غالب الأحوال، نحو منذ وقطّ وبعد. انتهى. قرطبي بتصرف. وقال الخازن: قيل: هو قسم. وقيل: اسم للسورة. وقيل: هو مفتاح اسمه: الصمد، وصادق الوعد، والصبور. وقيل: معناه: صدق الله. وعن ابن عباس-﵄: صدق محمد ﷺ . بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ قال الضحاك: ذي الشرف؛ أي: من آمن به كان شرفا له في الدارين، كما قال تعالى في الآية رقم [١٠] من سورة (الأنبياء): ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي: شرفكم. وأيضا:

стр. 5267

القرآن شريف في نفسه لإعجازه، واشتماله على ما لا يشتمل عليه غيره. وقيل: أي: ذي الموعظة، والذكرى، أو ذكر ما يحتاج إليه في الدين من الشرائع وغيرها، كأقاصيص الأنبياء، والوعد، والوعيد. هذا؛ والقرآن مشتق من: قريت الماء في الحوض: إذا جمعته، فكأنه قد جمع فيه الحكم، والمواعظ، والآداب، والقصص، والفروض، وجميع الأحكام، وكملت فيه جميع الفوائد الهادية إلى طرق الرشاد. هذا؛ وهو في اللغة مصدر بمعنى: الجمع، يقال: قرأت الشيء قرآنا، أي: جمعته، وبمعنى: القراءة، يقال: قرأت الكتاب قراءة، وقرآنا، ثم نقل إلى هذا المجموع، المقروء المنزل على الرسول ﷺ ، المنقول عنه بالتواتر فيما بين الدفتين، وهو المراد. ويحرم على المحدث حدثا أكبر قراءته، وحمله، ومسه، وعلى المحدث حدثا أصغر حمله، ومسه، ولا يمنع من قراءته عن ظهر قلب، قال تعالى في تقديسه وتعظيمه: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾. الإعراب: ﴿ص:﴾ فيه أوجه: أحدها أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هذه ﴿ص﴾. الثاني: أنه مفعول به لفعل محذوف. التقدير: أتل ﴿ص﴾. الثالث: أنه مقسم به، التقدير: أقسم ب: ﴿ص﴾. ﴿وَالْقُرْآنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم ب: (القرآن). ﴿ذِي:﴾ صفة: (القرآن) مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذِي﴾ مضاف، و ﴿الذِّكْرِ﴾ مضاف إليه، وجواب القسم محذوف، تقديره: إنه لمعجز، بدليل الثناء عليه بقوله: ﴿ذِي الذِّكْرِ،﴾ أو ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ بدليل قوله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ،﴾ أو: تقديره: ما الأمر كما زعموا، بدليل قوله تعالى: ﴿وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾. وقيل: مذكور، فقال الأخفش: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ وقال الفراء، وثعلب: هو ﴿ص﴾ لأن معناها صدق الله، ويرده: أن الجواب لا يتقدم، فإن أريد: أنه دليل الجواب؛ فقريب. وقيل: هو قوله تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنا﴾ وحذفت اللام للطول. انتهى. مغني اللبيب بحروفه. والمعتمد: الأول، والثاني من هذه الاعتبارات، والتقديرات. ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢)﴾ الشرح: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ﴾ أي: في تكبر، وامتناع من قبول الحق، كما قال : ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ والعزة عند العرب: الغلبة، والقهر. يقال: من عزّ بزّ، يعني: من غلب سلب، قالت الخنساء-﵂: [المتقارب] كأن لم يكونوا حمى يتّقى... إذ النّاس إذ ذاك من عزّ بزّا وهذا هو الشاهد رقم (١٣٤) من كتابنا: «فتح القريب المجيب» إعراب شواهد مغني اللبيب، والاسم: العزة، وهي: القوة، والغلبة، قال الشاعر: [الوافر]

стр. 5268

قطاة عزّها شرك فباتت... تجاذبه وقد علق الجناح وانظر الآية رقم [٢٣] الآتية. ﴿وَشِقاقٍ:﴾ أي: في إظهار خلاف، ومباينة. هذا؛ وللشقاق ثلاثة معان: أحدها: العداوة، كما في قوله تعالى حكاية عن قول شعيب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي..﴾. رقم [٨٩] من سورة (هود). والثاني: الضلال، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ رقم [٥٣] من سورة (الحج). والثالث: الخلاف، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما..﴾. إلخ رقم [٣٥] من سورة (النساء). وأرى: أن المعاني الثلاثة صحيحة في هذه الآية. هذا؛ والكفر: ستر الحق بالجحود، والإنكار، وكفر فلان النعمة، يكفرها كفرا، وكفورا، وكفرانا: إذا جحدها، وسترها، وأخفاها. وكفر الشيء: ستره، وغطاه. وسمي الكافر كافرا؛ لأنه يغطي نعم الله بجحدها، وعبادته غيره. وسمي الزارع كافرا؛ لأنه يلقي البذر في الأرض، ويغطيه، ويستره بالتراب. قال تعالى في تشبيه حال الدنيا: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾. وسمي الليل كافرا؛ لأنه يغطي، ويستر كل شيء بظلمته، قال لبيد بن ربيعة الصحابي-﵁-في معلقته رقم [٦٥]: [الكامل] حتّى إذا ألقت يدا في كافر... وأجنّ عورات الثّغور ظلامها هذا؛ وأطلق لفظ الكافر على النهر، قال المتلمس حين ألقى الصحيفة في النهر: [الطويل] وألقيتها بالثّني من جنب كافر... كذلك ألقي كلّ رأي مضلّل رضيت لها بالماء لمّا رأيتها... يجول بها التّيّار في كلّ جدول الإعراب: ﴿بَلِ:﴾ حرف عطف وإضراب. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي عِزَّةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ ﴿وَشِقاقٍ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: ما كفر به من كفر لخلل وجده فيه؛ بل الذين... إلخ، والكلام كله مستأنف لا محل له. ﴿كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (٣)﴾ الشرح: ﴿كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ:﴾ هذا تخويف لأهل مكة من سوء عاقبة أمم قبلهم كانوا مثلهم، أو أشد قوة، وأكثر أموالا، وأولادا، فأهلكهم الله بسبب إعراضهم عن الحق، ومعاداتهم لرسلهم. ﴿فَنادَوْا﴾ أي: فاستغاثوا، واستجاروا عند نزول العذاب بهم طلبا للنجاة. هذا؛ والنداء رفع الصوت، قال الشاعر أبو تمام: [الوافر]

стр. 5269

لقد أسمعت من ناديت حيّا... ولكن لا حياة لمن تنادي ومنه قول النبي ﷺ لمن رأى رؤيا الأذان: «ألقه على بلال فإنّه أندى منك صوتا». أي: أرفع صوتا منك. ﴿وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ أي: وليس الوقت وقت فرار، وهرب من العذاب؛ الذي حل بهم، أي: فلم ينفعهم نداؤهم، واستغاثتهم حين نزل العذاب بهم، قال الفراء: [الطويل] أمن ذكر ليلى إذ نأتك تنوص... فتقصر عنها خطوة وتبوص تنوص: تتأخر، وتهرب، وتبوص: تتقدم، يقال: ناص عن قرنه، ينوص نوصا، ومناصا، أي: فر، وزاغ. وقال النحاس: ويقال: ناص ينوص: إذا تقدم. فعلى هذا يكون من الأضداد. هذا؛ و ﴿وَلاتَ﴾ هي لا النافية زيدت عليها تاء التأنيث الساكنة لتقوي شبهها ب: «ليس» لأنها بتلك التاء تصير على وزنها، وهذه التاء لتأنيث اللفظ عند الجمهور، كتاء: ربّت وثمّت، وإنما حركت بالفتح للتخلص من التقاء الساكنين، وفرقا بينها وبين الداخلة على الفعل. وأما الوقف عليها ففيه مذهبان: المشهور عند العرب، وجماهير القراء السبعة بالتاء، والكسائي وحده بالهاء، والأول مذهب الخليل، وسيبويه، والزجاج، والفراء، وابن كيسان. والثاني مذهب المبرد، وأغرب أبو عبيد، فقال: الوقف على «لا» والتاء متصلة ب: ﴿حِينَ﴾. هذا؛ وخصت بلزوم دخولها على الأحيان، وحذف أحد المعمولين. وقال ابن مالك-رحمه الله تعالى- في ألفيته: [الرجز] وما للات في سوى حين عمل... وحذف ذي الرّفع فشا والعكس قل هذا؛ وقرئ بجر (حين) ومثله قول أبي زبيد الطائي، وهو الشاهد رقم (٤٥٧) من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الخفيف] طلبوا صلحنا ولات أوان... فأجبنا أن لات حين بقاء وهو على أحد توجيهين: إما؛ لأن «لات» تجر الأحيان، كما أن «لولا» تجر الضمائر، كقول عمر بن أبي ربيعة: [السريع] أومت بعينيها من الهودج... لولاك في ذا العام لم أحجج أو لأن «أوان» شبه ب: «إذ» لأنه مقطوع عن الإضافة؛ إذ أصله: أوان صلح، ثم حمل عليه (مناص) تنزيلا لمّا أضيف إليه الظرف منزلته لما بينهما من الاتحاد؛ إذ أصله حين مناصهم، ثم بني الحين لإضافته إلى غير متمكن. انتهى. بيضاوي، ويمكن التمثيل أيضا بقول المتنبي-وهو الشاهد رقم (٢٦٣) من كتابنا: «فتح رب البرية» إعراب شواهد جامع الدروس العربية-: [البسيط] لقد تصبّرت حتّى لات مصطبر... والآن أقحم حتّى لات مقتحم

стр. 5270

وما أحراك أن تنظر بحثها وشواهدها في كتابيّ: «فتح القريب المجيب» و «فتح رب البرية» وانظر شرح «قرن» في الآية رقم [٣١] من سورة (يس). أما (نادوا) فقل في إعلاله: أصله قبل دخول واو الجماعة: نادي، فتحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فلما اتصلت به واو الجماعة صار: «ناداوا» فالتقى ساكنان: ألف العلة وواو الجماعة، وحرف العلة أولى بالحذف من الضمير، فحذف حرف العلة، وبقيت الفتحة على الدال، دليلا على الألف المحذوفة. ويقال في إعلاله أيضا: ردّت الألف لأصلها، عند اتصاله بواو الجماعة، فصار: «ناديوا» فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت ألفا، فالتقى ساكنان: ألف العلة، وواو الجماعة، كما يقال أيضا: ردّت الألف لأصلها عند اتصاله بواو الجماعة، فصار: (ناديوا) فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان: ياء العلة، وواو الجماعة، فحذفت ياء العلة... إلخ. وما ذكرته يجري في إعلال كل فعل ناقص، اتصل به واو الجماعة، مثل: نجا، ورمى، وسعى، ودعا، وغزا... إلخ، تنبه لذلك واحفظه. هذا؛ وتحرك واو الجماعة بالضمة إذا التقى ساكنان، مثل قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ وإنما حركت بالضمة دون غيرها؛ ليفرق بين واو الجماعة، والواو الأصلية في نحو قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ..﴾. إلخ. وقيل: ضمت؛ لأن الضمة أخف من الكسرة؛ لأنها من جنس الواو. وقيل: حركت بحركة الياء المحذوفة، وقيل: غير ذلك. الإعراب: ﴿كَمْ:﴾ خبرية بمعنى: «كثير» مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿أَهْلَكْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿قَرْنٍ:﴾ تمييز ل: ﴿كَمْ،﴾ فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الصلة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَنادَوْا:﴾ الفاء: حرف عطف. (نادوا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَلاتَ:﴾ الواو: واو الحال. (لات): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس»، واسمها محذوف. ﴿حِينَ:﴾ خبرها، وهو مضاف، و ﴿مَناصٍ﴾ مضاف إليه. هذا؛ وعلى قراءة: ﴿حِينَ﴾ بالرفع فهو اسمها، والخبر محذوف، والتقدير على الأول: ولات الحين حين مناص لهم. وعلى الثاني: ولات حين مناص حاصلا لهم، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير؛ الذي ظهر في التقديرين.

стр. 5271

﴿وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذّابٌ (٤)﴾ الشرح: ﴿وَعَجِبُوا﴾ أي: تعجب كفار قريش. ﴿أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ:﴾ تعجبوا من مجيء رسول من البشر مثلهم، أو أمي من أمثالهم. ﴿وَقالَ الْكافِرُونَ هذا﴾ أي: محمد. ﴿ساحِرٌ:﴾ فيما يظهره معجزة. ﴿كَذّابٌ:﴾ فيما يقوله على الله تعالى. وقد وضع الظاهر، وهو ﴿الْكافِرُونَ﴾ موضع الضمير غضبا عليهم، وذما لهم، ودلالة على أن هذا القول لا يقوله، ولا يجرؤ عليه إلا الكافرون المتوغلون في الكفر، المنهمكون في الغي والضلال؛ إذ لا كفر أبلغ من أن يسموا من صدقه الله كاذبا ساحرا، ويتعجبوا من التوحيد؛ وهو الحق الأبلج، ولا يتعجبوا من الشرك؛ وهو باطل لجلج، وانظر العجب في الآية رقم [١١] من سورة (الصافات). هذا؛ ويريدون ب: ﴿ساحِرٌ:﴾ يجيء بالكلام المموه الذي يخدع به الناس. الإعراب: ﴿وَعَجِبُوا:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (عجبوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿جاءَهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعوله. ﴿مُنْذِرٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُنْذِرٌ،﴾ و ﴿أَنْ﴾ والفعل (جاء) في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. انظر الشرح. هذا؛ وقال ابن هشام في مغنيه: ﴿أَنْ﴾ بمعنى: إذ، أي: هي للتعليل، وأورد قول الفرزدق: [الطويل] أتغضب أن أذنا قتيبة حزّتا... جهارا، ولم تغضب لقتل ابن خازم؟ وهذا هو الشاهد رقم (٤٧) من كتابنا: «فتح القريب المجيب». وجملة ﴿وَعَجِبُوا..﴾. إلخ، لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الواو. ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): فعل ماض. ﴿الْكافِرُونَ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿ساحِرٌ:﴾ خبر أول. ﴿كَذّابٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥)﴾ الشرح: روي: أنه لما أسلم عمر-﵁-شق على قريش إسلامه، فاجتمعوا إلى أبي طالب، وقالوا: اقض بيننا وبين ابن أخيك! فأرسل أبو طالب إلى النبي ﷺ ، فقال: يا بن أخي! إن قومك هؤلاء يسألونك السواء (أي: الحق، والإنصاف)، فلا تمل كل الميل على قومك! قال: وما يسألونني؟ قالوا: ارفضنا، وارفض ذكر آلهتنا، وندعك، وإلهك! فقال

стр. 5272

النبي ﷺ : «أتعطونني كلمة واحدة، تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم؟». فقال أبو جهل: لله أبوك! لنعطينكها، وعشر أمثالها! فقال النبي ﷺ : «قولوا: لا إله إلاّ الله». فنفروا من ذلك، وقاموا، فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً﴾ فكيف يسع الخلق كلهم إله واحد؟. هذا؛ وكان لهم ثلاثمئة وستون صنما منصوبة حول الكعبة المعظمة، فأنزل الله فيهم هذه الآيات إلى قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾. و ﴿عُجابٌ﴾ أي: بليغ في العجب، وقد فرق الخليل بين عجاب، وعجيب، فقال: العجيب: العجب، والعجاب: الذي قد تجاوز حدّ العجب، والطويل: الذي فيه طول، والطّوال: الذي قد تجاوز حد الطول. الإعراب: ﴿أَجَعَلَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (جعل): فعل ماض، والفاعل مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى النبي؛ الذي عبروا عنه ب: ﴿ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ والفعل من أفعال التحويل، وقد نصب مفعولين: ﴿الْآلِهَةَ:﴾ مفعول به أول. ﴿إِلهاً:﴾ مفعول به ثان. ﴿واحِداً:﴾ صفة. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم: ﴿إِنَّ،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿لَشَيْءٌ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ﴾. واللام هي المزحلقة. ﴿عُجابٌ:﴾ صفة (شيء). والآية بكاملها في محل نصب مقول القول. ﴿وَاِنْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ اِمْشُوا وَاِصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦)﴾ الشرح: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ أي: خرجوا من عند أبي طالب بعد أن طلب منهم الرسول ﷺ كلمة التوحيد. هذا؛ و ﴿الْمَلَأُ:﴾ الأشراف، والسادة، ولا يقال لغيرهم؛ لأنهم يملؤون العيون بكبريائهم، وعظمتهم وزينتهم، وبما يحاطون به من هيبة وعظمة، وهو اسم جمع، لا واحد له من لفظه، مثل: رهط، ونحوه. هذا؛ وكان الملأ الذين أتوا إلى أبي طالب خمسة وعشرين رجلا، أعظمهم الوليد بن المغيرة. ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ أي: انطلقوا. يقول بعضهم لبعض: اثبتوا على عبادة آلهتكم، واصبروا عليها، لا تحيدوا عنها. ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ أي: إن الذي جاء به محمد، ويدعونا إليه إنما يريد به الانقياد له؛ ليعلو علينا، ونكون له أتباعا، فيتحكم بما يريد فينا، فهذا قصده، ومراده منا. فهو تحذير لبعضهم بعضا. وقال الزمخشري: أي: يريده الله تعالى، ويحكم بإمضائه، وما أراد الله كونه؛ فلا مرد له، ولا ينفع فيه إلا الصبر. أو: إن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر، يراد بنا، فلا انفكاك لنا منه. أو: إن دينكم لشيء يراد، أي: يطلب ليؤخذ منكم، وتغلبوا عليه. والأول أقوى، وأولى بالاعتبار؛ لأنه الموافق للمقام. الإعراب: ﴿وَانْطَلَقَ:﴾ الواو: حرف عطف. (انطلق الملأ): ماض، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من:

стр. 5273

﴿الْمَلَأُ﴾. ﴿أَنِ:﴾ فيها اعتبارات: الأول: أنها صلة، والجملة بعدها مقولة الحال محذوفة؛ أي: قائلين: ﴿اِمْشُوا﴾. والثاني: أنها مفسرة لجملة محذوفة في محل نصب حال، تقديره: وانطلقوا يتحاورون أن امشوا. والثالث: أنها مصدرية معمولة لهذا المقدر. وقيل: الانطلاق هنا الاندفاع في القول والكلام، نحو: انطلق لسانه، ف: ﴿أَنِ﴾ مفسرة له من غير تضمين، ولا حذف. انتهى. جمل، وسمين بتصرف. واعتبار الصلة مني، ودليله: أنه قرئ بإسقاطها، وجملة: ﴿اِمْشُوا﴾ في محل نصب مقول القول على الاعتبار الأول، ومفسرة لا محل لها على الاعتبار الثاني، وتسبك بمصدر مع ﴿أَنِ﴾ على الاعتبار الثالث فيها. ﴿وَاصْبِرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، ويقال: لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق بين واو الجماعة، وواو العلة، هذا هو الإعراب المشهور في مثل هذا الفعل، والأصل أن تقول في مثله: فعل أمر مبني على سكون مقدر على آخره، منع من ظهوره إرادة التخلص من التقاء الساكنين، وحرك بالضمة لمناسبة واو الجماعة. وما أجدرك أن تلاحظ هذا في كل فعل أمر مسند إلى واو الجماعة، أو إلى ألف الاثنين، مثل: اصبرا، وقد حرك بالفتحة لمناسبة ألف الاثنين، أو إلى ياء المؤنثة المخاطبة، مثل: اصبري، وقد حرك بالكسرة لمناسبة ياء المخاطبة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على جميع الاعتبارات فيها. ﴿عَلى آلِهَتِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب سابقتها بلا فارق. ﴿يُرادُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب فاعله يعود إلى: (شيء)، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: (شيء). تأمل وتدبر، وربك أعلم، وأجل وأكرم.. ﴿ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اِخْتِلاقٌ (٧)﴾ الشرح: ﴿ما سَمِعْنا بِهذا﴾ أي: الذي يقوله محمد ﷺ . ﴿فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ:﴾ يريدون الملة النصرانية التي هي آخر الملل، فإن النصارى يقولون بالتثليث، لا بالتوحيد. وهو قول ابن عباس ﵄. وقال مجاهد، وقتادة: يعنون: دين قريش، أي: ليس هذا في الدين الذي أدركنا عليه آباءنا. ﴿إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ﴾ أي: الذي يقوله محمد ما هو إلا كذب، وافتراء. هذا؛ والملة: الطريقة، والديانة، والشريعة، قال تعالى في سورة (الحج) رقم [٧٨]: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ﴾. وهي بفتح الميم: الرماد الحار. هذا؛ وخلق الشيء، واختلقه: ابتدعه، وافتراه. الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿سَمِعْنا:﴾ فعل ماض مبني على السكون لاتصاله ب: (نا)، و (نا): ضمير متصل في محل رفع فاعل. وهذا هو المتعارف عليه في إعراب مثل هذا الفعل، والإعراب

стр. 5274

الحقيقي أن تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض، كراهة توالي أربع متحركات، فيما هو كالكلمة الواحدة. وهكذا قل في إعراب كل فعل ماض، اتصل به ضمير رفع متحرك، مثل: سمعت، وسمعن، وسمعنا... إلخ. ﴿بِهذا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء المقحمة حرف تنبيه، لا محل له. ﴿فِي الْمِلَّةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من اسم الإشارة؛ أي: موجودا في الملة. ﴿الْآخِرَةِ:﴾ صفة: ﴿الْمِلَّةِ﴾. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿بِهذا:﴾ مبتدأ. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿اِخْتِلاقٌ:﴾ خبر المبتدأ، والآية كلها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من مقول الكافرين. ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨)﴾ الشرح: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ:﴾ على محمد ﷺ . ﴿الذِّكْرُ:﴾ الوحي، أو القرآن؛ الذي يتلوه. ﴿مِنْ بَيْنِنا:﴾ فهم ينكرون اختصاص النبي ﷺ بالوحي من بينهم، وهو مثلهم أو أدون منهم في الشرف، والسيادة، والرياسة. وقد صرح الله بقولهم هذا في سورة (الزخرف) رقم [٣١]: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ وهذا هو صريح الحسد، والحقد، الذي يغلي في صدورهم. وقولهم هذا شبيه بقول قوم صالح على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ سورة القمر [٢٥] و [٢٦]. ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي:﴾ من وحيي، وقرآني؛ الذي أنزلته عليك يا محمد. وهذا يعني: أنهم قد علموا: أنك لم تزل صدوقا فيما بينهم، أمينا عندهم، وإنما شكّوا فيما أنزلته عليك، هل هو من عندي أم لا؟ ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ أي: لم يذوقوا عذابي بعد، وذوقهم له متوقع، فإذا ذاقوه؛ زال عنهم الشك، وصدقوا، وتصديقهم لا ينفعهم حيئذ؛ لأنهم صدقوا مضطرين، وإنما المضطر تصديقه لا ينفعه، كما لم ينفع فرعون حين أدركه الغرق، فقال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. هذا؛ وانظر استعارة ذوق العذاب في الآية رقم [٣٨] من سورة (الصافات). الإعراب: ﴿أَأُنْزِلَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (أنزل): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الذِّكْرُ:﴾ نائب فاعل. ﴿مِنْ بَيْنِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الذِّكْرُ،﴾ و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿أَأُنْزِلَ..﴾. إلخ من مقول الكافرين أيضا. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي شَكٍّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ ذِكْرِي:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿شَكٍّ،﴾ أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال

стр. 5275

المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وانتقال. ﴿لَمّا:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَذُوقُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمّا،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَذابِ:﴾ مفعول به منصوب. وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة. والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهّابِ (٩)﴾ الشرح: المعنى: بل أعندهم خزائن رحمة الله، وفي تصرفهم حتى يصيبوا بها من شاؤوا، ويصرفوها عمن شاؤوا، فيتخيروا للنبوة من شاؤوا من صناديدهم، وزعمائهم؟! لا شيء لهم من ذلك، فالله هو المتصرف في ملكه، الفعال لما يشاء، ينزل الروح من أمره على من يشاء من عباده، لا مانع لما شاء، ولما يشاء، فهو الغالب على أمره، لا يغلب، وهو الوهاب الذي له أن يهب ما يشاء لمن يشاء، وهو العلي القدير، الفعال لما يريده. ثم رشح ذلك بقوله الآتي. الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿عِنْدَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿خَزائِنُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿رَحْمَةِ﴾ مضاف إليه، و ﴿رَحْمَةِ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْعَزِيزِ:﴾ بدل من: ﴿رَبِّكَ،﴾ أو صفة له. ﴿الْوَهّابِ:﴾ بدل ثان، أو صفة ثانية، والجملة الاسمية: ﴿عِنْدَهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (١٠)﴾ الشرح: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ..﴾. إلخ: قال البيضاوي: كأنه لما أنكر عليهم التصرف في نبوته بأن ليس عندهم خزائن رحمته؛ التي لا نهاية لها؛ أردف ذلك بأنه ليس لهم مدخل في أمر هذا العالم الجسماني، الذي هو جزء يسير من خزائنه، فمن أين لهم أن يتصرفوا فيها؟ انتهى. ومن أين لهم حتى يتكلموا في الأمور الربانية، والتدابير الإلهية التي يختص بها رب العزة والكبرياء؟ انتهى. كشاف، وانظر شرح: ﴿وَما بَيْنَهُما﴾ في الآية رقم [٤] من سورة (السجدة). ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ﴾ أي: إن كان لهم شيء من ذلك؛ فليصعدوا في المراقي؛ التي توصلهم إلى السماء، وليدبروا شؤون هذا الكون! وهو تهكم بهم، واستهزاء. قال الزمخشري: تهكم بهم غاية التهكم، فقال: إن كانوا يصلحون لتدبير الخلائق، والتصرف في قسمة الرحمة،

стр. 5276

وكان عندهم من الحكمة ما يميزون بها بين من هو حقيق بالنبوة من غيره، فليصعدوا في المعارج؛ التي يتوصلون بها إلى العرش؛ حتى يستووا عليه، ويدبروا أمر العالم، وينزلوا الوحي على من يختارون!! وهو غاية التهكم بهم. انتهى. صفوة التفاسير. منقولا من الكشاف بتصرف. ولا تنس: أن الأمر للتوبيخ، والتقريع، والتعجيز. هذا؛ ويقال: رقى، يرقى، وارتقى: إذا صعد، ورقى، يرقي رقيا، مثل: رمى، يرمي رميا من الرقبة. قال الربيع بن أنس: الأسباب أرق من الشّعر، وأشد من الحديد، ولكن لا ترى، والسبب في اللغة: كل ما يتوصل به إلى المطلوب من حبل، أو غيره. وقيل: الأسباب: أبواب السموات؛ التي تنزل الملائكة منها. قاله مجاهد، وقتادة. وقال زهير بن أبي سلمى المزني في معلقته رقم [٥٠]: [الطويل] ومن هاب أسباب المنايا ينلنه... ولو رام أسباب السّماء بسلّم الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. وهي هنا بمعنى: همزة الإنكار، وقدرها البيضاوي هنا، وفي الآية السابقة ب: بل، والهمزة. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر، و ﴿مُلْكُ﴾ مضاف، و ﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه، و (الأرض): معطوف على ما قبله. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على السموات والأرض. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿فَلْيَرْتَقُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. اللام: لام الأمر. (يرتقوا): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَسْبابِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب شرط محذوف. التقدير: إن كان لهم ملك السموات... إلخ؛ ﴿فَلْيَرْتَقُوا..﴾. إلخ، وهذا الكلام مرتبط بما قبله، لا محل له مثله. ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (١١)﴾ الشرح: ﴿جُنْدٌ..﴾. إلخ: أي: هؤلاء جند، والمعنى: ما أهل مكة المعاندون لك المعرضون عن الحق الذي جئت به يا محمد إلا جند من الكفار المتحزبين على الرسل، وهم مهزومون عما قريب، فلا تبال بما يقولون، ولا تكترث لما به يهذون، فقد أخبر الله نبيه ﷺ ، وهو بمكة قبل الهجرة، أنه سيهزم جند المشركين، وهو كقوله تعالى في سورة (القمر): ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ وكلتا الآيتين من المغيبات التي أخبر بها الله قبل وقوعها، وفيهما بشارة للنبي ﷺ ، ولأصحابه-ولا سيما المستضعفون منهم-بعزهم، ونصرهم، وقوة شوكتهم، وذل

стр. 5277

الكافرين، ودحرهم، وقد حقق الله وعده، ونصر المسلمين على الكافرين في غزوة بدر الكبرى؛ لذا يروى: أن عمر بن الخطاب-﵁-أخذ يقرأ في أدبار المنهزمين يوم بدر من المشركين: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ فيا لها من بشارة، ويا لها من تسلية للنبي ﷺ ! هذا؛ وأفرد ﴿مَهْزُومٌ﴾ تبعا للفظ ﴿جُنْدٌ﴾ ولو كان على المعنى لجمعه، وقال: جند مهزومون. انظر الآية رقم [١٧٣] من سورة (الصافات) ففيها فضل بيان. هذا؛ والأحزاب، جمع: حزب، وهو في اللغة: أصحاب الرجل؛ الذين يكونون معه على مثل رأيه، وهم القوم الذين يجتمعون لأمر حزبهم (يعني: أهمهم) وكل قوم تشاكلت قلوبهم، وأعمالهم أحزاب، وإن لم يلق بعضهم بعضا، وحزب الشيطان: هم المتبعون وساوسه، وزخارفه، ودعوته إلى الشر، والفساد. وحزب الله: هم المتبعون أوامره، المنتهون عن مناهيه. قال تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [٥٣] وفي سورة (الروم) رقم [٣٢]: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. الإعراب: في إعراب هذه الآية أوجه، واختلافات كثيرة، وها أنذا أنقل لك من الجمل ما نقله عن السمين، فقال-رحمه الله تعالى-: ﴿جُنْدٌ:﴾ يجوز فيه وجهان: أحدهما وهو الظاهر: أنه خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم جند. والثاني: أنه مبتدأ، خبره ما بعده، و ﴿ما:﴾ فيها وجهان: أحدهما: أنها مزيدة. والثاني: أنها صفة ل: ﴿جُنْدٌ﴾ على سبيل التعظيم للهزء بهم، أو للتحقير، فإن «ما» إذا كانت صفة، تستعمل لهذين المعنيين. ﴿هُنالِكَ:﴾ يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون خبرا ل: ﴿جُنْدٌ،﴾ و ﴿ما:﴾ مزيدة، و ﴿مَهْزُومٌ:﴾ نعت ل: ﴿جُنْدٌ﴾ ذكره مكي. الثاني: أن تكون صفة ل: ﴿جُنْدٌ﴾. الثالث: أن يكون منصوبا ب: ﴿مَهْزُومٌ﴾. و ﴿مَهْزُومٌ﴾ يجوز فيه وجهان أيضا: أحدهما أنه خبر ثان لذلك المبتدأ المقدر. والثاني: أنه صفة ل: ﴿جُنْدٌ،﴾ إلا أن الأحسن على هذا الوجه ألا يجعل: ﴿هُنالِكَ﴾ صفة بل متعلقا به؛ لئلا يلزم تقدم الوصف غير الصريح على الوصف الصريح. انتهى. بتصرف. هذا؛ ولم يوضح إعراب: ﴿هُنالِكَ﴾ وأنا أوضحه، فخذه، وبالله التوفيق: (هنا): اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف على جميع الوجوه المعتبرة فيه، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. والجملة الاسمية: ﴿جُنْدٌ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (١٤)﴾ الشرح: ذكر الله هؤلاء الأقوام، الذين كذبوا رسلهم، فأهلكهم الله تعزية للنبي ﷺ ، وتسلية له، والمعنى: إن قومك يا محمد جند من هؤلاء الأحزاب المتقدمين؛ الذين تحزبوا على

стр. 5278

رسلهم، وقد كانوا أقوى من قومك، وأكثر أموالا، وأولادا. وانظر ما ذكرته في شرح قوم في الآية رقم [٣٠] من سورة (الصافات)، وما أحراك أن تنظر شرح أحوال تلك الأقوام في سورة (الشعراء) بالتفصيل، وكذلك في سورة (الأعراف) وسورة (هود). وأصحاب الأيكة: هم قوم شعيب المذكورون في آخر سورة (الشعراء)، وثمود: هم قوم صالح، وعاد: هم قوم هود. ﴿أُولئِكَ الْأَحْزابُ:﴾ الذين تحزبوا على رسلهم. ﴿إِنْ كُلٌّ﴾ أي: ما كل أمة. ﴿إِلاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ أي: كل أمة كذبت رسولها. وجمع ﴿الرُّسُلَ﴾ لأن في تكذيب الواحد منهم تكذيب للجميع، لاتحاد دعوتهم، وهي: طلب التوحيد، ونبذ الشرك وعبادة الأوثان، على اختلاف أنواعها، وانظر شرح الرسل مفصلا في الآية رقم [١] من سورة (الأحزاب). ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾ أي: فاستحقوا عقابي، أو: وجب عليهم عقابي لسوء أعمالهم، وخبث نياتهم. هذا؛ وقال الزمخشري في كشافه: وفي تكرير التكذيب، وإيضاحه بعد إبهامه، والتنويع في تكريره بالجملة الخبرية أولا، وبالاستثنائية ثانيا، وما في الاستثنائية من الوضع على وجه التوكيد، والتخصيص أنواع من المبالغة المسجلة عليهم باستحقاق أشد العقاب، وأبلغه. هذا؛ و ﴿ذُو الْأَوْتادِ:﴾ قال ابن عباس-﵄: ذو البناء المحكم. وقيل: ذو الملك الشديد الثابت. والعرب تقول: هو في عز ثابت الأوتاد. يريدون بذلك: أنه دائم شديد. قال الأسود بن يعفر: [الكامل] ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة... في ظلّ ملك ثابت الأوتاد وأصله من ثبات البيت المطنّب بأوتاده. قال الراقدة الأودي: [البسيط] والبيت لا يبتنى إلاّ على عمد... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد فاستعير لثبات العز، والملك، واستقامة الأمر، وهي استعارة بليغة، فقد شبه الملك بخيمة عظيمة شدت أطنابها بالأوتاد؛ لتثبت، وترسخ، ولا تقتلعها الرياح. ففيه استعارة مكنية. وذكر الأوتاد تخييل. وقيل: ذو الأوتاد: ذو القوة، والبطش. وقال الكلبي، ومقاتل: كان فرعون يعذب الناس بالأوتاد، وكان إذا غضب على أحد؛ مده مستلقيا بين أربعة أوتاد في الأرض، ويرسل عليه العقارب، والحيات؛ حتى يموت. وقيل: كان يشبح المعذب بين أربع سوار، كل طرف من أطرافه إلى سارية مضروب فيها وتد من حديد، ويتركه حتى يموت. وقيل: ذو الأوتاد، أي: ذو الجنود الكثيرة، فسميت الجنود أوتادا؛ لأنهم يقوون أمره، كما يقوي الوتد البيت. هذا؛ وذكر هذا اللفظ في سورة (الفجر) فقط. هذا؛ ومفرده: وتد، وهو ما رزّ في الأرض، أو في الحائط من خشب، وغيره، وهو بكسر التاء، وفتحها لغة قال الشاعر: [البسيط] ولا يقيم على ضيم يراد به... إلاّ الأذلاّن عير الحيّ والوتد هذا على الخسف مربوط برمّته... وذا يشجّ فلا يرثي له أحد

стр. 5279

الإعراب: ﴿كَذَّبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿قَبْلَهُمْ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿قَوْمُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿نُوحٍ﴾ مضاف إليه، والمفعول محذوف يدل عليه المقام، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿ذُو:﴾ صفة (فرعون) مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذُو﴾ مضاف، و ﴿الْأَوْتادِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ:﴾ هذه الأسماء معطوفة على: ﴿قَوْمُ نُوحٍ،﴾ ولا تنس الإضافة ل: ﴿لُوطٍ﴾ و ﴿الْأَيْكَةِ﴾. والجملة الفعلية: ﴿كَذَّبَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع، وفيه أوجه: أحدها: أنه بدل من الطوائف المذكورة. والثاني: أنه مبتدأ خبره: ﴿الْأَحْزابُ،﴾ أو الجملة الاسمية: ﴿إِنْ كُلٌّ..﴾. إلخ. والثالث: أنه خبر، والمبتدأ من قوله: ﴿وَعادٌ،﴾ أو من قوله: ﴿وَثَمُودُ،﴾ أو من قوله تعالى: ﴿وَقَوْمُ لُوطٍ﴾ انتهى. عكبري. والأول والثاني منقولان عن السمين. ﴿الْأَحْزابُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو خبر عنه، والجملة الاسمية مستأنفة، أو في محل رفع خبر، كما رأيت. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي. ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ. والمضاف إليه محذوف. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كَذَّبَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿كُلٌّ﴾. ﴿الرُّسُلَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿إِنْ كُلٌّ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ على اعتبار: ﴿الْأَحْزابُ﴾ بدلا من اسم الإشارة، أو هي مستأنفة على اعتبار: ﴿الْأَحْزابُ﴾ خبرا عنه. ﴿فَحَقَّ:﴾ الفاء: حرف عطف. (حق): فعل ماض. ﴿عِقابِ:﴾ فاعل مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، ولأنه رأس آية، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. والرابط محذوف، التقدير: فحق عقابي عليهم. ﴿وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (١٥)﴾ الشرح: ﴿وَما يَنْظُرُ﴾ أي: ما ينتظر. ﴿هؤُلاءِ﴾ أي: كفار قريش. ﴿إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً:﴾ هي صيحة إسرافيل، ﵇، وهي النفخة الأولى في الصور، فيصعقون، كما قال تعالى في سورة (يس) رقم [٤٩]: ﴿ما يَنْظُرُونَ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾. ﴿ما لَها مِنْ فَواقٍ:﴾ ما لها من رجوع، ومالها توقف، ومالها من تأخر مقدار فواق ناقة، وهو ما بين الحلبتين من الوقت؛ لأنها تحلب، ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر، ثم تحلب. يقال: ما أقام عنده إلا فواقا، وفي الحديث: «العيادة قدر فواق الناقة» أي: ينبغي أن تكون عبادة المريض قصيرة بمقدار ما بين الحلبتين من الوقت. هذا؛ و ﴿فَواقٍ﴾ يقرأ بفتح الفاء، وضمها، فقيل معناه بالفتح: الإفاقة، والاستراحة، كالجواب من: أجاب، قاله من المؤرخين: السدوسي، والفراء،

стр. 5280

ومن المفسرين: ابن زيد والسدي، وأما المضموم فاسم لا مصدر، والمشهور: أنها بمعنى: واحد كقصاص الشعر وقصاصة. انتهى. جمل نقلا من السمين. هذا؛ والفيقة بالكسر: اسم اللبن الذي يجتمع بين الحلبتين، صارت الواو ياء لكسر ما قبلها، قال الأعشى يصف بقرة: [البسيط] حتى إذا فيقة في ضرعها اجتمعت... جاءت لترضع شقّ النّفس لو رضعا والجمع: فيق، ثم: أفواق، مثل: شبر وأشبار، ثم: أفاويق، قال ابن همام السلولي: [الطويل] وذمّوا لنا الدّنيا وهم يرضعونها... أفاويق حتى ما يدرّ لها ثعل البيت في ذم علماء الدنيا، والثعل زيادة في أطباء الناقة والبقرة والشاة، وهو لا يدر، وإنما ذكره للمبالغة، والأفاويق أيضا: ما اجتمع في السحاب من ماء، فهو يمطر ساعة بعد ساعة. انتهى. قرطبي بتصرف كبير. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿يَنْظُرُ:﴾ فعل مضارع. ﴿هؤُلاءِ:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (أولاء): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع فاعل. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿صَيْحَةً:﴾ مفعول به. ﴿واحِدَةً:﴾ صفة لها. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿فَواقٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿فَواقٍ﴾ فاعلا بالجار والمجرور قبله، وهذا يعني إضمار فعل: التقدير: ما يثبت لها من ﴿فَواقٍ،﴾ وهذا يعني: أن الجملة فعلية، وسواء أكانت الجملة اسمية، أم فعلية، فهي في محل نصب صفة ثانية لصيحة، ولا يجوز اعتبارها في محل نصب حال منها بعد وصفها ب: ﴿واحِدَةً؛﴾ لأن المعنى على الاستقبال، والجملة الفعلية: ﴿وَما يَنْظُرُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦)﴾ الشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: كفار قريش. ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ أي: نصيبنا، وحظنا من العذاب، قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك: سألوا تعجيل العذاب، كما قالوا: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾. رقم [٣٢] من سورة (الأنفال). وقيل: سألوا تعجيل نصيبهم من الجنة، إن كانت موجودة، ليلقوا ذلك في الدنيا. وإنما خرج هذا منهم مخرج الاستبعاد، والتكذيب. وهذا كثير مثله في آيات القرآن الكريم، قال ابن جرير: سألوا تعجيل ما يستحقونه من الخير، أو الشر في الدنيا، وهذا الذي قاله جيد، ولما كان هذا الكلام منهم على وجه الاستهزاء، والاستبعاد، قال الله تعالى لرسوله ﷺ آمرا له بالصبر على أذاهم، ومبشرا على صبره بالعاقبة، والنصر، والظفر. انتهى. مختصر ابن كثير.

стр. 5281

هذا؛ وقال القرطبي: ومعروف في اللغة أن يقال للنصيب: قطّ، وللكتاب المكتوب بالجائزة: قطّ، والجمع: القطوط، قال الأعشى: [الطويل] ولا الملك النعمان يوم لقيته... بغبطته يعطي القطوط ويأفق يعني: كتب الجوائز. ويروى: بأمته بدل بغبطته، أي: بنعمته، وحاله الجليلة، ويأفق: يصلح. هذا؛ وأصل القط: القط وهو القطع، ومنه: قطّ القلم، فالقط اسم للقطعة من الشيء، كالقسم، والقسم، فأطلق على النصيب، والكتاب، والرزق لقطعه عن غيره، إلا أنه في الكتاب أكثر استعمالا، وأقوى حقيقة، قال أمية بن أبي الصلت: [المنسرح] قوم لهم ساحة العراق وما... يجبى إليه والقطّ والقلم تنبيه: قال مكي بن أبي طالب القيسي-رحمه الله تعالى-: ونداء الرب قد كثر حذف (يا) النداء منه في القرآن الكريم، وعلة ذلك: أن في حذفها من نداء الرب، فيه معنى التعظيم له والتنزيه، وذلك: أن النداء فيه ضرب من الأمر؛ لأنك إذا قلت: يا زيد. فمعناه: تعال يا زيد، أدعوك يا زيد، فحذفت (يا) من نداء الرب ليزول معنى الأمر، وينقص؛ لأن (يا) تؤكده، وتظهر معناه، فكان في حذف (يا) التعظيم، والإجلال، والتنزيه للرب تعالى، فكثر حذفها في القرآن والكلام العربي في نداء الرب لذلك المعنى. انتهى. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣١] من سورة (الصافات) ففيها كبير فائدة. الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (قالوا): فعل ماض مبني على الضم؛ لاتصاله بواو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة الواو. ويقال اختصارا: فعل، وفاعل. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَجِّلْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قِطَّنا:﴾ مفعول به. و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿قَبْلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. و ﴿قَبْلَ:﴾ مضاف، و ﴿يَوْمِ﴾ مضاف إليه، و ﴿يَوْمِ﴾ مضاف، و ﴿الْحِسابِ﴾ مضاف إليه، والجملتان: الندائية، والفعلية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿اِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاُذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوّابٌ (١٧)﴾ الشرح: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: لما ذكر الله من أخبار الكفار، وشقاقهم، وتقريعهم، بإهلاك القرون من قبلهم؛ أمر نبيه ﷺ بالصبر على أذاهم، وسلاه بكل ما تقدم، ثم

стр. 5282

أخذ في ذكر داود وقصص الأنبياء؛ ليتسلى بصبر من صبر منهم، وليعلم: أن له في الآخرة أضعاف ما أعطيه داود، وغيره من الأنبياء. انتهى. وانظر ما ذكرته بشأنه في الآية رقم [١٠] من سورة (سبأ)، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ:﴾ انظر ﴿عِبادِنَا﴾ برقم [٨١] من سورة (الصافات). ﴿ذَا الْأَيْدِ:﴾ ذا القوة في العبادة، وهو قول ابن عباس-﵄. وقرأ ابن زيد-رحمه الله تعالى-في سورة (الذاريات): ﴿وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنّا لَمُوسِعُونَ﴾ وقد كان ﵊ يصوم يوما، ويفطر يوما، وذلك أشد الصوم، وأفضله، وكان يصلي نصف الليل، وكان لا يفر إذا لاقى العدو، وكان قويا في الدعاء إلى الله تعالى، وهذا ثابت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ قال: «أحبّ الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود، وأحبّ الصيام إلى الله صيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوما، ويفطر يوما، ولا يفرّ إذا لاقى العدوّ». أخرجه البخاري، ومسلم من حديث أبي هريرة-﵁. هذا؛ ومنه: رجل أيد، أي: قوي، وتأيّد الشيء: تقوّى. قال الشاعر: [المتقارب] إذا القوس وتّرها أيّد... رمى فأصاب الكلى والذّرا يقول: إذا وتر الله القوس التي في السحاب رمى كلى الإبل، وأسمنها بالشحم. يعني: من النبات الذي يكون من المطر. هذا؛ واليد تستعمل في الأصل للجارحة، وتطلق، ويراد بها: القوة، والقدرة، كما رأيت في هذه الآية، وكما في الآية رقم [٧٥] الآتية. وخذ قول عروة بن حزام العذري، وهو الشاهد رقم [١١٦] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل] وحمّلت زفرات الضّحى فأطقتها... ومالي بزفرات العشيّ يدان وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧١] من سورة (يس)، كما تطلق على النعمة، والمعروف، يقال: لفلان يد عندي، أي: نعمة، ومعروف، وإحسان، وتطلق على الحيلة، والتدبير، فيقال: لا يد لي في هذا الأمر، أي: لا حيلة لي فيه، ولا تدبير. وينبغي أن تعلم: أن الأيد في هذه الآية مفرد، وليس بجمع يد. ﴿إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ أي: رجاع إلى الله في جميع أموره، وشؤونه، قال الضحاك: أي: تواب. وعن غيره: أنه كان كلما ذكر ذنبه، أو خطر على باله؛ استغفر منه. ويقال: آب، يؤوب: إذا رجع، كما قال عبيد بن الأبرص من معلقته رقم [١٦]: [مخلع البسيط] وكلّ ذي غيبة يؤوب... وغائب الموت لا يؤوب تنبيه: قال الزمخشري في كشافه: فإن قلت: كيف تطابق قوله تعالى: ﴿اِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ حتى عطف أحدهما على صاحبه؟ قلت: كأنه قال لنبيه ﷺ :

стр. 5283

اصبر على ما يقولون، وعظم معصية الله في أعينهم بذكر قصة داود ﵇، وهو أنّه نبي من أنبياء الله تعالى، قد أولاه الله ما أولاه من النبوة والملك لكرامته عليه، وزلفته لديه، ثم زل زلة، فبعث الله إليه الملائكة، ووبخه عليها على طريق التمثيل، والتعريض؛ حتى فطن لما وقع فيه، فاستغفر، وأناب، ووجد منه ما يحكى من بكائه الدائم، وغمه الواصب، ونقش جنايته في بطن كفه، حتى لا يزال يجدد النظر إليها، والندم عليها، فما الظن بكم مع كفركم، ومعاصيكم؟! انتهى. الإعراب: ﴿اِصْبِرْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: اصبر على الذي، أو على شيء يقولونه. وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: ﴿عَلى﴾ التقدير: اصبر على قولهم: هو شاعر، هو ساحر... إلخ، والجملة الفعلية مستأنفة، أو مبتدأة لا محل لها من الإعراب، وجملة: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا..﴾. معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿داوُدَ:﴾ بدل، أو عطف بيان على ما قبله. ﴿ذَا:﴾ صفة: ﴿داوُدَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذَا﴾ مضاف، و ﴿الْأَيْدِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوّابٌ (١٩)﴾ الشرح: ﴿إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ:﴾ قال مقاتل: كان داود-﵇-إذا ذكر الله تعالى؛ ذكرت الجبال معه، وكان يفقه تسبيح الجبال. وانظر ما ذكرته في سورة (سبأ) رقم [١٠]. ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ﴾ أي: إن الله سخر الجبال تسبح معه عند إشراق الشمس، وآخر النهار، كما قال تعالى في سورة (سبأ) رقم [١٠]: ﴿يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾. كذلك كانت الطير تسبح بتسبيحه، وترجع بترجيعه، فكان إذا مر به الطير، وهو سابح في الهواء، فسمعه، وهو يترنم بقراءة الزبور؛ لا يستطيع الذهاب بل يقف في الهواء، ويسبح معه، وتجيبه الجبال الشامخات، ترجع معه، وتسبح تبعا له. هذا؛ ولا تنس: الطباق بين: العشي، والإشراق. هذا؛ والعشي: من قبيل العصر إلى المغرب، وقد قوبل بالإشراق هنا، وهو بياض الشمس بعد طلوعها، ويقال: شرقت الشمس: إذا طلعت، وأشرقت: إذا أضاءت، انظر ما ذكرته في الآية رقم [١٨] من سورة (الروم) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً:﴾ مجموعة إليه من كل جانب تسبح معه. ﴿كُلٌّ لَهُ:﴾ لداود ﴿أَوّابٌ﴾ أي: رجاع إلى طاعته، مطيع له، بالتسبيح معه، فعن ابن عباس-﵄-قال: كان إذا سبح؛ جاوبته الجبال بالتسبيح،

стр. 5284

واجتمعت إليه الطير، فسبحت؛ فذلك حشرها. وقيل: الضمير في: ﴿لَهُ﴾ لله، فيكون المعنى: كلّ من داود، والجبال والطير لله أواب، أي: مسبح مرجع للتسبيح. تنبيه: قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: لم اختار ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ على: مسبحات، وأيهما وقع كان حالا؟ فأجاب بأن اختيارها لمعنى، وهو الدلالة على حدوث التسبيح شيئا بعد شيء؛ وكأن السامع محاضر لها، فيسمعها تسبح، ومنه قول الأعشى: [الطويل] لعمري لقد لاحت عيون كثيرة... إلى ضوء نار في يفاع تحرّق ولو قال: محرقة لم يكن شيئا، وقوله: ﴿مَحْشُورَةً﴾ في مقابلة: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ إلا أنه لما لم يكن في الحشر ما كان في التسبيح من إرادة الدلالة على الحدوث شيئا بعد شيء؛ جيء به اسما، لا فعلا، وذلك: أنه لو قيل: وسخرنا الطير يحشرون على أن الحشر يوجد من حاشرها شيئا بعد شيء، والحاشر هو الله ؛ لكان خلفا؛ لأن حشرها جملة واحدة أدل على القدرة. انتهى. هذا؛ وفسر التسبيح في الإشراق بصلاة الضحى، فقد روى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس-﵄-في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ﴾ قال: كنت أمر بهذه الآية؛ لا أدري ما هي؟ حتى حدثتني أم هانئ بنت أبي طالب-﵂-أن رسول الله ﷺ دخل عليها، فدعا بوضوء، فتوضأ، ثم صلى الضحى، فقال: «يا أمّ هانئ هذه صلاة الإشراق». قلت: والذي في الصحيحين من حديث أم هانئ-﵂-في صلاة الضحى، قالت: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة بنته تستره بثوب، فسلمت عليه، فقال: «من هذه؟» قلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: «مرحبا يا أم هانئ!». فلما فرغ من غسله؛ قام، وصلى ثماني ركعات ملتحفا بثوب. قالت أم هانئ-﵂: وذلك ضحى. انتهى. خازن بحروفه. ومثله بل أكثر منه في الكشاف، والقرطبي. أقول: وصفوة القول: أنه وردت أحاديث صحيحة ترغب في صلاة الضحى، وهي كثيرة مذكورة في كتاب «الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري، وفي غيره، وأكتفي هنا بذكر حديثين هما: فعن أبي هريرة-﵁-قال:، أوصاني خليلي ﷺ : «بصيام ثلاثة أيّام من كلّ شهر، وركعتي الضّحى، وأن أوتر قبل أن أرقد». رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وغيرهما. وعن أبي ذر-﵁-عن النبي ﷺ قال: «يصبح على كلّ سلامى من أحدكم صدقة، فكلّ تسبيحة صدقة، وكلّ تحميدة صدقة، وكلّ تهليلة صدقة، وكلّ تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضّحى». رواه مسلم. هذا؛ وأكثر صلاة الضحى ثمان ركعات، وأقلها ركعتان، والسلامى في الأصل: عظام الأصابع، والأرجل، والأكف، ثم استعمل في سائر عظام الجسد، ومفاصله، والمعنى: كل عضو من أعضاء المسلم إذا أصبح في عافية، وصحة فعليه صدقة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

стр. 5285

الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا) اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿سَخَّرْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْجِبالَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ﴾ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل بعده، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يُسَبِّحْنَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون، ونون النسوة فاعله، والمفعول محذوف، تقديره: يسبحن الله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الْجِبالَ﴾ والرابط: نون النسوة. ﴿بِالْعَشِيِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْإِشْراقِ:﴾ معطوف على ما قبله. (الطير): معطوف على: ﴿الْجِبالَ﴾. ﴿مَحْشُورَةً:﴾ معطوف على محل ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ الواقعة حالا. هذا؛ وقال الجمل: وقعت الجملة الفعلية حالا دون اسم فاعل لتدل على التجدد والحدوث شيئا بعد شيء، وأتى بالحال اسما ﴿مَحْشُورَةً؛﴾ لأنه لم يقصد أن الفعل وقع شيئا فشيئا؛ لأن حشرها دفعة واحدة أدل على القدرة، والحاشر هو الله تعالى، وقرأ بعضهم برفع الاسمين، على أنهما مبتدأ، وخبر، وجملة مستقلة. انتهى. نقلا من السمين. وعليه فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، والحالية ضعيفة. تأمل. ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ، والإضافة فيه مقدرة. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿أَوّابٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (٢٠)﴾ الشرح: ﴿وَشَدَدْنا مُلْكَهُ:﴾ قويناه؛ حتى ثبت. قيل: بالهيبة، وإلقاء الرعب منه في القلوب. وقيل: بكثرة الجنود. وقيل: بالتأييد، والنصر. وهذا اختيار ابن العربي. فلا ينفع الجيش الكثير التفافه على غير منصور، وغير معان. وقال ابن عباس-﵄: كان داود أشد ملوك الأرض سلطانا، كان يحرس محرابه كل ليلة نيف وثلاثون ألف رجل، فإن أصبح، قيل: ارجعوا فقد رضي عنكم نبيكم. والملك عبارة عن كثرة الملك، فقد يكون للرجل ملك، ولكن لا يكون ملكا حتى يكثر ذلك، فلو ملك الرجل دارا وامرأة لم يكن ملكا؛ حتى يكون له خادم يكفيه مؤنة التصرف في المنافع التي يفتقر إليها لضرورته الآدمية. انتهى. قرطبي. ﴿وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ:﴾ بالنسبة لداود، وأمثاله من الأنبياء هي النبوة، والرسالة، والعلم، والفقه. وبالنسبة لغيرهم: كل كلمة وعظتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح فهي حكمة، قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٦٨]: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾. وقال في سورة (لقمان) رقم [١٢]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلّهِ﴾. ﴿وَفَصْلَ الْخِطابِ:﴾ فصل الخصام بتمييز الحق عن الباطل، أو هو الكلام الملخّص، الذي ينبه المخاطب على المقصود من غير التباس يراعى فيه مظان الفصل،

стр. 5286

والوصل، والعطف، والاستئناف، والإضمار، والإظهار، والحذف، والتكرار، ونحوها، وإنما سمّي به: أما بعد؛ لأنه يفصل المقصود عما سبق مقدمة له من الحمد، والصلاة على النبي ﷺ . وقيل: هو الخطاب القصد، الذي ليس فيه اختصار مخل، ولا إشباع ممل، كما جاء في صفة كلام النبي ﷺ : «فصل لا نذر ولا هذر». انتهى. بيضاوي. وعن علي بن أبي طالب ﵁-هو قوله ﵇: «البيّنة على المدّعي، واليمين على من أنكر». تنبيه: روي عن ابن عباس-﵄: أن رجلا من بني إسرائيل ادعى على رجل من عظمائهم عند داود ﵇ فقال: إن هذا غصبني بقرة، فسأله داود، فجحده، فسأله الآخر البينة، فلم يكن له بينة، فقال لهما داود: قوما حتى أنظر في أمركما، فأوحى الله إلى داود في منامه أن يقتل المدّعى عليه، فقال: هذه رؤيا، ولست أعجل عليه حتى أثبت فيها، فأوحى إليه مرة أخرى، فلم يفعل، فأوحى إليه الثالثة أن يقتله، أو تأتيه العقوبة، فقال له: إن الله أوحى إلى أن أقتلك، فقال: تقتلني بغير بينة؟! فقال: نعم والله لأنفذن أمر الله فيك، فلما عرف الرجل: أنه قاتله، قال: لا تعجل حتى أخبرك، إني والله ما أخذت بهذا الذنب، ولكني كنت اغتلت والد هذا، فبذلك أخذت، فأمر به داود فقتل، فاشتدت هيبة بني إسرائيل عند ذلك لداود، واشتد به ملكه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾. انتهى. خازن بحروفه. الإعراب: ﴿وَشَدَدْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (شددنا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿سَخَّرْنَا..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها. ﴿مُلْكَهُ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. (آتيناه): فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. ﴿الْحِكْمَةَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿وَفَصْلَ:﴾ معطوف عليه، و (فصل) مضاف، و ﴿الْخِطابِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١)﴾ الشرح: ﴿وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ ، والاستفهام ليس على حقيقته، وإنما هو للتعجب، والتشويق للسامع إلى ما يلقى إليه، كما تقول لجليسك: هل تعلم ما وقع اليوم؟ تريد تشويقه لسماع كلامك. والمعنى: هل أتاك يا محمد خبر الجماعة المتنازعين، الذين تسوروا على داود سور محرابه، ومسجده في وقت اشتغاله بالعبادة والطاعة؟ والخصم في الأصل مصدر، ولذلك أطلق على الجمع. والسور: الحائط المرتفع. والمحراب: الغرفة، أو المسجد، أو صدر المسجد، والمحراب: محل العبادة، سمي بذلك؛ لأنه محل محاربة الشيطان لأن المتعبد فيه يحاربه، وهو الآن المحل الذي يقف فيه الإمام حين أداء الصلوات المفروضة.

стр. 5287

هذا؛ والفعل: «أتى» يستعمل لازما؛ إن كان بمعنى: حضر، وأقبل، ومتعديا؛ إن كان بمعنى: وصل، وبلغ، ومنه هذه الآية، ومن الأول قوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ..﴾. إلخ، ومثله فعل: جاء بالمعنيين، فمن مجيئه لازما قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ،﴾ ومن مجيئه متعديا قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ..﴾. إلخ. أما النبأ؛ فهو الخبر وزنا، ومعنى، ويقال: النبأ أخص من الخبر؛ لأن النبأ لا يطلق إلا على كل ما له شأن، وخطر من الأنباء. وقال الراغب: النبأ: خبر ذو فائدة، يحصل به علم، أو غلبة ظن. ولا يقال للخبر في الأصل: نبأ، حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحقه أن يتعرى عن الكذب، كالمتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر الرسول ﷺ . هذا؛ والفعل منه من الأفعال التي تنصب ثلاثة مفاعيل، وقد يجيء الفعل منه غير مضمن معنى: أعلم، فيتعدى لواحد بنفسه، وللآخر بحرف الجر، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ رقم [١٤] من سورة (المائدة). تنبيه: لقد اختلف بشأن الخصمين، وكيف جمعا بواو الجماعة بالأفعال الثلاثة: (تسوروا، دخلوا، قالوا). فجمعا؛ لأن الخصم مصدر يدل على الجمع، فجمع على المعنى، وتقديره: ذوو الخصم. وأما شأنهما، فقيل: هما إنسيّان. وقيل: هما ملكان، قاله جماعة، وعيّنهما جماعة، فقالوا: إنهما جبريل، وميكائيل، عليهما الصلاة والسّلام. وقيل: هما ملكان في صورة إنسيين، بعثهما الله إليه في يوم عبادته، فمنعهما الحرس الدخول، فتسورا المحراب عليه، فما شعر وهو في الصلاة إلا وهما بين يديه جالسان. انتهى. قرطبي. الإعراب: ﴿وَهَلْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام، وتعجيب، وتشويق. ﴿أَتاكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. والكاف مفعول به. ﴿نَبَأُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، و ﴿نَبَأُ﴾ مضاف، و ﴿الْخَصْمِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بمحذوف، التقدير: هل أتاك نبأ تحاكم الخصم، أو بالخصم نفسه. واستبعدوا تعليقه بالفعل: أتى، أو ب: ﴿نَبَأُ﴾ إلا على تأويل بعيد. ﴿تَسَوَّرُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿الْمِحْرابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاِهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (٢٢)﴾ الشرح: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ:﴾ لأنهما أتياه ليلا في غير وقت دخول الخصوم. وقيل: لدخولهم عليه بغير إذنه. وقيل: لأنهم تسوروا عليه المحراب، ولم يأتوه من الباب. وكان المحراب من الامتناع بالارتفاع بحيث لا يرتقي عليه آدمي إلا بجهد شديد، وتعاون كبير بين عدد كثير من الناس. فقال: ما أدخلكما علي؟ قالا: ﴿لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾

стр. 5288

فجئناك لتقضي بيننا. ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ:﴾ ولا تجر من الشطط، وهو مجاوزة الحد، وتخطي الحق. ﴿وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ:﴾ أرشدنا إلى وسط الطريق الحق، والصواب. فإن قيل: لم فزع داود وهو نبي، وقد قويت نفسه بالنبوة، واطمأنت بالوحي، ووثقت بما آتاه الله من المنزلة، وأظهر على يديه من الآيات، وكان من الشجاعة في غاية المكانة؟ والجواب: ذلك سبيل الأنبياء قبله، لم يأمنوا القتل والإذاية، ومنهما كان يخاف، ألا ترى إلى موسى وهارون على نبينا-وعليهما ألف صلاة، وألف سلام-. كيف قالا: ﴿إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى﴾ فقال الله : ﴿لا تَخافا﴾. وقالت الرسل للوط-﵇: ﴿لا تَخَفْ﴾ ﴿إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ وكذا قال الملكان هنا: ﴿لا تَخَفْ﴾ لذا فقد خاب الكذبة الفجرة، الذي يصفون أبا بكر الصديق بالجبن ليلة الهجرة، وذلك حين خاف على النبي ﷺ ، فطمأنه صاحبه بقوله: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا﴾. هذا؛ وإنما قال هنا: ﴿خَصْمانِ﴾ بعد قوله في الآية السابقة: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ﴾ على تأويل خصمان بفريقان. وقيل: لأن الاثنين جمع. قال الخليل: كما تقول: نحن فعلنا؛ إذا كنتما اثنين. وقال الكسائي: جمع لما كان خبرا، فلما انقضى الخبر، وجاءت المخاطبة؛ خبّر الاثنان عن أنفسهما، فقالا: خصمان. وقال الزجاج: المعنى: نحن خصمان. انتهى. قرطبي. وهناك تأويلات كثيرة، فقال داود ﵇ لهما: تكلما، فقال أحدهما: إن هذا. الإعراب: ﴿إِذْ:﴾ بدل من سابقتها، أو هي متعلقة بالفعل ﴿تَسَوَّرُوا﴾. ﴿دَخَلُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿عَلى داوُدَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿فَفَزِعَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (فزع): فعل ماض، والفاعل يعود إلى داود. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿لا تَخَفْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿خَصْمانِ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: نحن خصمان، فهو مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية فيها معنى التعليل للنهي، وهي من جملة مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿بَغى:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿بَعْضُنا:﴾ فاعله، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿عَلى بَعْضٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿خَصْمانِ،﴾ أو في محل نصب حال من الضمير المستتر فيه، والرابط على الاعتبارين الضمير فقط. ﴿فَاحْكُمْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر. (احكم): فعل أمر والتماس، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿بَيْنَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله. و (نا): في

стр. 5289

محل جر بالإضافة. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر؛ أي: احكم بيننا ملتبسا بالحق. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كنا قد جئناك لتحكم بيننا؛ فاحكم... إلخ، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾ مع المتعلق المحذوف معطوفة على ما قبلها. ﴿وَاهْدِنا:﴾ فعل أمر والتماس مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل تقديره: «أنت» و (نا) مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿إِلى سَواءِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿سَواءِ﴾ مضاف، و ﴿الصِّراطِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (٢٣)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ هذا أَخِي﴾ أي: بالدّين، أو الصحبة، أو الرفقة، لا بالنسب، أو هي أخوة الشركة، والخلطة، لقول داود فيما يأتي: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ..﴾. إلخ. ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ:﴾ فقد كنى بالنعجة عن المرأة، والعرب تكني عنها بالنعجة والشاة؛ لما هي عليه من السكون، والضعف، وقد يكنى عنها بالبقرة، والحجرة، والناقة؛ لأن الكلّ مركوب، قال العجاج، وهو الشاهد رقم [٣٢٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الرجز] بيض ثلاث كنعاج جمّ... يضحكن عن كالبرد المنهم وقال عنترة، وهو الشاهد رقم [٦١٥] منه: [الكامل] يا شاة من قنص لمن حلّت له... حرمت عليّ وليتها لم تحرم كما كنى عنها الأحوص بالنخلة، وهو الشاهد رقم [٦٦٧] منه: [الوافر] ألا يا نخلة من ذات عرق... عليك ورحمة الله السّلام وكنى عنها حميد بن ثور الهلالي بالسرحة، وهي الشجرة، بالشاهد رقم (٢٣٥) منه: [الطويل] أبى الله إلاّ أنّ سرحة مالك... على كلّ أفنان العضاه تروق ﴿فَقالَ أَكْفِلْنِيها:﴾ ملكنيها، أو أعطنيها، أو تحول لي عنها، أو اجعلها كفلي ونصيبي، أو ضمها إلي حتى أكفلها، أقوال مروية عن السلف الصالح. ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ:﴾ وغلبني في مخاطبته إياي محاجة بأن جاء بحجاج لم أقدر رده. وقال الضحاك: إن تكلم؛ كان أفصح مني، وان حارب؛ كان أبطش مني. وقرئ: «(وعازني في الخطاب)» أي: غالبني. وانظر الآية رقم [٢].

стр. 5290

فائدة: قال القرطبي في غير هذه الآية: عشرون، وثلاثون، وأربعون... إلخ، كل واحد منها موضوع على صورة الجمع لهذا العدد، فإن قال قائل: لم كسر أول عشرين، وفتح، أول ثلاثين وما بعده إلى ثمانين إلا ستين؟ فالجواب عند سيبويه-رحمه الله تعالى-: أن عشرين من عشرة بمنزلة اثنين من واحد، فكسر أول عشرين كما كسر أول اثنين، والدليل على هذا قولهم: ستون، وتسعون، كما قيل: ستة، وتسعة. انتهى. احفظه فإنه جيد. والله ولي التوفيق. هذا؛ وقال صاحب مختار الصحاح: وإذا أضفته-أي: لفظ العقود-أسقطت النون. فقلت: هذه عشروك، وعشريّ. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسمها. والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿أَخِي:﴾ يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون بدلا من ﴿هذا﴾ فيكون منصوبا، والثاني أن يكون خبرا، فيكون مرفوعا، والفتحة على الأول، والضمة على الثاني كلتاهما مقدرتان على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿تِسْعٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. (تسعون): معطوف على ما قبله مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿نَعْجَةً:﴾ تمييز، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثان على اعتبار: ﴿أَخِي﴾ خبرا، وهي الخبر على اعتباره بدلا. انتهى. شذور الذهب. ﴿وَلِيَ:﴾ الواو: حرف عطف. (لي): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿نَعْجَةً:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿واحِدَةٌ:﴾ صفة. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ هذا..﴾. إلخ بينات لك في آخر شرح الآية السابقة: أنها مقولة لقول محذوف. ﴿فَقالَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿أَخِي،﴾ تقديره: «هو». ﴿أَكْفِلْنِيها:﴾ فعل أمر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول، و (ها) مفعول به ثان، ويجوز فصل ضمير الغيبة، ووصله، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] وصل أو افصل هاء سلنيه وما... أشبهه في كنته الخلف انتمى وجملة: ﴿أَكْفِلْنِيها..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة المقدرة في آخر شرح الآية السابقة. ﴿وَعَزَّنِي:﴾ الواو: حرف عطف. (عزني): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿أَخِي﴾ أيضا، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿فِي الْخِطابِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ﴾ معطوفة على جملة: (قال...) إلخ لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
следующие страницы →