← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

يزف زفيفا: إذا أسرع، وقد استعار الحارث بن حلزة الزفيف لسرعة الناقة بقوله في معلقته رقم [٩ و ١٠]: [الخفيف] غير أنّي قد أستعين على الهم... م إذا خفّ بالثّويّ النّجاء بزفوف كأنّها هقلة أم... م رثال دوّيّة سقفاء ﴿قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ:﴾ هذا جواب لقولهم الذي حكاه الله تعالى عنهم في سورة (الأنبياء) رقم [٦٥] ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ والمعنى: أتعبدون أصناما أنتم تنحتونها بأيديكم؟! والنحت: النجر، والبري. والمنحت: ما ينحت به. ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ:﴾ المعنى: خلقكم، وخلق الأصنام؛ التي تصنعونها بأيديكم من الخشب، ونحوه. وهذا على اعتبار (ما) موصولة، والأحسن اعتبارها مصدرية، فيكون التقدير: والله خلقكم وعملكم، وهذا مذهب أهل السنة: أن الأفعال خلق لله ، واكتساب للعباد، وفي هذا إبطال مذهب القدرية، والجبرية، ومذهب المعتزلة أيضا، فقد روى أبو هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «إن الله خالق كلّ صانع وصنعته». ذكره الثعلبي. وخرجه البيهقي من حديث حذيفة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله صنع كلّ صانع وصنعته، فهو الخالق، وهو الصانع سبحانه». انتهى. قرطبي، وللزمخشري كلام طويل في دعم مذهبه الاعتزالي. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٧] من سورة (غافر) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿فَراغَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (راغ): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم). ﴿إِلى آلِهَتِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم) أيضا، ﴿أَلا:﴾ حرف تحضيض، أو هو حرف توبيخ، وتأنيب. وقيل: الهمزة حرف استفهام، و (لا) نافية. ﴿تَأْكُلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَنْطِقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الضمير فقط، والعامل في الحال اسم الاستفهام، والجملة الاسمية: ﴿ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ﴾ في محل نصب مقول القول، وقدر بعضهم الكلام كما يلي: فلم ينطقوا، فقال: ما لكم لا تنطقون؟ ﴿فَراغَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (راغ): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم). تقديره: «هو». ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ضَرْباً:﴾ حال من الفاعل المستتر. التقدير: فراغ عليهم ضاربا. أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف.

стр. 5217

التقدير: يضرب ضربا. والجملة الفعلية هذه في محل نصب حال من فاعل: (راغ) المستتر. هذا؛ وأجاز الزمخشري اعتباره مفعولا مطلقا لفعل: (راغ). قال: كأنه قال: فضربهم ضربا؛ لأن «راغ عليهم»، بمعنى: ضربهم، وبقوله قال البيضاوي، والنسفي كعادتهما في اتباعه؛ لأن تفسيريهما مأخوذان من الكشاف بلا ريب. ﴿بِالْيَمِينِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿ضَرْباً،﴾ أو بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿فَراغَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، أو هي معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فلم يجيبوا، فراغ... إلخ. ﴿فَأَقْبَلُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (أقبلوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿يَزِفُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، وجملة: ﴿فَأَقْبَلُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فكسرها، فبلغ قومه من رآه، فأقبلوا... إلخ، والجمل كلها معطوفة على جملة: (راغ...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم). ﴿أَتَعْبُدُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي، (تعبدون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: أتعبدون الذي، أو شيئا تنحتونه بأيديكم. والمصدرية ضعيفة، وأضعف منها اعتبارها استفهامية. والجملة: ﴿أَتَعْبُدُونَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال، (الله): مبتدأ. ﴿خَلَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: (الله)، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وأجيز اعتبارها مستأنفة. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): فيها أربعة أوجه: أحدها: أنها بمعنى: الذي، أي: خلق الذي تصنعونه، فالعمل هنا التصوير، والنحت، وعليه ف: (ما) مبنية على السكون في محل نصب معطوفة على الكاف، وعليه يصح اعتبار (ما) نكرة موصوفة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو: شيئا تعبدونه. الثاني: اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب معطوف على الكاف. التقدير: خلقكم، وأعمالكم، وجعلها الأشعري دليلا على خلق الله تعالى لأفعال العباد، وهو الحق. والثالث: اعتبار (ما) استفهامية للتوبيخ، وعليه فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم، وهذا لا يؤيده المعنى، ولا المحل الإعرابي؛ لأن التقدير: وأي: شيء تعملون؟ والرابع: اعتبار (ما) نافية، التقدير: إن العمل في الحقيقة ليس لكم، فأنتم لا تعملون شيئا. وهذا كالذي قبله لا يؤيده المعنى، ولا المحل الإعرابي أيضا. والأوجه الأربعة قالها السمين، وأنا توسعت في شرحها وإعرابها، وخذ ما يلي:

стр. 5218

قال مكي بن أبي طالب القيسي-رحمه الله تعالى-: (ما): في موضع نصب ب: (خلق)، عطف على الكاف والميم في خلقكم، وهي مع الفعل مصدر، أي: والله خلقكم وعملكم، وهذا أليق بها؛ لأنه تعالى قال: ﴿مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ﴾ فأجمع القراء المشهورون وغيرهم على إضافة ﴿شَرِّ﴾ إلى ﴿ما،﴾ وذلك يدل على خلقه للشر كما خلق الخير. وقد فارق عمرو بن عبيد رئيس المعتزلة جماعة المسلمين، فقرأ: «(من شرّ ما خلق)» بالتنوين ليثبت أن مع الله خالقا يخلق الشر، تعالى الله عما قاله علوا كبيرا، وقوله إلحاد، والصحيح: أن الله جل ذكره أعلمنا: أنه خلق الشر، وأمرنا أن نتعوذ منه، وهو خالق الخير بلا اختلاف بين المسلمين، والملحدين، فدل ذلك: أن الله تعالى خلق أعمال العباد كلها، من خير وشر، فيجب أن تكون ﴿ما﴾ والفعل مصدرا، فيكون معنى الكلام إن الله عمّ جميع الأشياء أنها مخلوقة له، قال جل ذكره: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ أي: وعملكم. وقد قالت المعتزلة: إن (ما) بمعنى: الذي؛ فرارا من أن يقروا بعموم الخلق لله، فإنما أخبر على قولهم أنه خلقهم وخلق الأشياء التي نحتت منها الأصنام، وبقيت الأعمال، والحركات غير داخلة في خلق الله، تعالى الله عن ذلك، بل كل شيء خلق لله وحده، لا خالق لشيء إلا هو، وخلق الله لإبليس-الذي هو الشر كله-يدل على خلق الله لجميع الأشياء كلها، وقد قال تعالى ذكره: ﴿هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ﴾. ويجوز أن تكون (ما) استفهاما في موضع نصب ب: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ على التحقير لعملهم، والتصغير له. انتهى. بحروفه. ﴿قالُوا اِبْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)﴾ الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: قال قوم إبراهيم ﵇ متشاورين فيما بينهم لما غلبهم بالحجة حسب ما رأيت في سورة (الأنبياء). ﴿اِبْنُوا لَهُ بُنْياناً:﴾ واملؤوه حطبا، واضرموا فيه النار، ثم ألقوه فيه وهو الجحيم. قال ابن عباس-﵄: بنوا حائطا من حجارة، طوله في السماء ثلاثون ذراعا، وملؤوه نارا، ثم طرحوه فيه. قال عبد الله بن عمرو بن العاص-﵁: فلما صار في البنيان، قال: حسبي الله، ونعم الوكيل. والألف واللام في (الجحيم) بدل من الضمير العائد إلى البنيان، التقدير: فألقوه في جحيمه؛ أي: في ناره المستعرة، فكانت عليه بردا، وسلاما. ﴿فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً﴾ أي: شرا، وهو أن يحرقوه. والكيد: المكر. ﴿فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ:﴾ المقهورين المغلوبين؛ لأنه لم ينفذ فيه مكرهم، وكيدهم. وما أحراك أن تنظر ما ذكرته في سورة (الأنبياء)، فإنك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿اِبْنُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، ويقال: لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير

стр. 5219

متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿بَنَيْنا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿بَنَيْنا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، ﴿فَأَلْقُوهُ:﴾ فعل أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿فِي الْجَحِيمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب؛ التقدير: ألقوه مطروحا في الجحيم. وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَرادُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (أرادوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما؛ لأنه مصدر. ﴿كَيْداً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة بالفاء العاطفة على جملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ:﴾ فعل ماض ومفعولاه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ الشرح: ﴿وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ:﴾ لما نجاه الله من النار، وخلصه من كيد الكفار؛ هجر قومه، واعتزلهم. والمعنى: إني مهاجر من بلاد قومي إلى حيث أمرني ربي، قال مقاتل -رحمه الله تعالى-: هو أول من هاجر من الخلق مع لوط ابن أخيه، وسارة زوجته إلى الأرض المقدسة، وهي أرض الشام. وقيل: المعنى: إني ذاهب بعملي، وعبادتي، وقلبي، ونيتي. فعلى هذا ذهابه بالعمل لا بالبدن، والواقع يرد هذا قطعا؛ لأنه هاجر ببدنه محافظة على دينه وعبادته. وقيل: قال هذا قبل إلقائه في النار. ولا وجه له ألبتة، وما بعده، يرده. وقوله هذا كان بعد نجاته من النار. ومعنى ﴿سَيَهْدِينِ:﴾ سير شدني إلى ما فيه صلاحي في ديني، ويوفقني لطاعته وعبادته. والأوجه: أن السين للتأكيد دون التسويف، وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار. وقال ذلك ثقة بالله، وتنبيها لقومه على أن الهداية من الله تعالى. ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي: ارزقني ولدا من الصالحين يؤنسني في غربتي عن وطني الذي عشت فيه. قال ابن كثير: يعني: أولادا مطيعين، يكونون عوضا من قومه، وعشيرته؛ الذين فارقهم. هذا؛ ولفظ ﴿هَبْ﴾ دليل واضح على أن الولد الصالح هبة، ومنحة من الله للوالدين، فلم يقل ﵊: اعطني، وارزقني، وإنما قال: ﴿هَبْ لِي،﴾ وقال علي بن أبي طالب-كرم الله وجهه-لابن عباس-﵄-حين هنأه بولده علي

стр. 5220

أبي الأملاك: شكرت الواهب، وبورك لك في الموهوب. ولذلك وقعت التسمية بهبة الله، وبموهوب، ووهب، وموهب. وقال الشاعر الحكيم: [الكامل] نعم الإله على العباد كثيرة... وأجلّهنّ نجابة الأولاد هذا؛ فإن قيل: درجات الأنبياء أفضل من درجات الصالحين، فما السبب في أن الأنبياء يطلبون جعلهم من الصالحين، فقد تمنى إبراهيم ذلك بقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ رقم [٨٣] من سورة (الشعراء)، وتمنى ذلك سليمان بقوله: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ رقم [١٩] من سورة (النمل)، وتمنى ذلك يوسف بقوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ رقم [١٠١] من السورة المسماة باسمه؟ والجواب: أن الصالح الكامل هو الذي لا يعصي الله، ولا يفعل معصية، ولا يهم بها، وهذه درجة عالية، فإذا كلمة الصلاح ليست بالهيّن. ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ أي: فاستجبنا دعاءه، وبشرناه بغلام يكون حليما في كبره. قال أبو السعود: جمع الله له فيه بشارات ثلاث: بشارة: أنه غلام، وأنه يبلغ أوان الحلم، وأنه يكون حليما؛ لأن الصغير لا يوصف بذلك، وهذا الغلام هو إسماعيل، على نبينا، وحبيبنا وعليهم ألف صلاة، وألف سلام، فإنه أول ولد بشر به إبراهيم، ﵇، وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، بل في كتابهم أن إسماعيل ﵇ ولد ولإبراهيم ست وثمانون سنة، وولد إسحاق، وعمر إبراهيم تسع وتسعون سنة، وعندهم: أن الله ﵎ أمره أن يذبح ابنه الوحيد، وفي نسخة أخرى: بكره، فأقحموا هاهنا كذبا وافتراء إسحاق، ولا يجوز هذا؛ لأنه مخالف لنص كتابهم، وإنما أقحموا إسحاق؛ لأنه أبوهم، وإسماعيل أبو العرب. قال عبد الوهاب النجار-رحمه الله تعالى-: ودليلي على أن الذبيح هو إسماعيل من التوراة نفسها؛ إذ إن الذبيح وصف بأنه ابن إبراهيم الوحيد، الذي ليس له سواه؛ إذ سخاوة نفس إبراهيم بولده الوحيد يذبحه امتثالا لأمر ربه له في المنام أدل على امتثال الأمر ونهاية الطاعة، وهذا هو الإسلام بعينه، وإذا رجعنا إلى إسحاق لم نجده وحيدا لإبراهيم في يوم من الأيام؛ لأن إسحاق ولد وعمر إسماعيل نحو (١٤) سنة، كما هو صريح التوراة، وبقي إسماعيل إلى أن مات إبراهيم، وحضر إسماعيل وفاته، ودفنه، وأيضا فإن ذبح إسحاق يناقض الوعد الذي وعد به إبراهيم: أن إسحاق سيكون له نسل، وكذلك فإن مسألة الذبح وقعت في مكة، وإسماعيل هو الذي ذهب به أبوه إلى مكة رضيعا، لا إسحاق، والله أعلم. انتهى. هذا؛ وذكرت لك في سورة (هود) رقم [٧١] أن إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه، وعلى جميع الأنبياء، والمرسلين ألف صلاة، وألف سلام-. قد تزوج غير هاجر، وسارة، وولد له، أولاد غير إسماعيل، وإسحاق.

стр. 5221

وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق، وحكي ذلك عن طائفة من السلف، حتى نقل عن بعض الصحابة-﵃، وليس ذلك في كتاب، أو سنة، وما أظن ذلك تلقي إلا عن أحبار أهل الكتاب، وأخذ ذلك مسلّما من غير حجة، وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل، فإنه ذكر البشارة بغلام حليم، وذكر أنه الذبيح، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا: ﴿إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾. رقم [٥٣] من سورة (الحجر)، وقال تعالى: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ رقم [٢٨] من سورة (الذاريات)، وقال تعالى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ رقم [٧١] من سورة (هود)، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، أي: يولد في حياة إبراهيم وزوجته سارّة ولد يسمى يعقوب، فيكون من ذريته عقب، ونسل، فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذبحه صغيرا؟ وإسماعيل وصف هاهنا بالحليم؛ لأنه مناسب لهذا المقام. انتهى. مختصر ابن كثير. هذا؛ وسئل أبو سعيد الضرير عن الذبيح فأنشد: [الكامل] إنّ الذّبيح هديت إسماعيل... نطق الكتاب بذاك والتنزيل شرف به خصّ الإله نبيّنا... وأتى به التفسير والتأويل إن كنت أمّته فلا تنكر له... شرفا به قد خصّه التّفضيل وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: «أنا ابن الذبيحين» فالأول جده إسماعيل، والآخر أبوه عبد الله، فإن عبد المطلب نذر أن يذبح ولدا؛ إن سهل الله له حفر بئر زمزم، أو بلغ بنوه عشرة من الذكور، فلما تحقق له ذلك؛ همّ بذبح عبد الله، فقام في وجهه زعماء قريش، وكان ذلك بعد أن أقرع بين أولاده، وخرجت القرعة على عبد الله، ففداه بمئة من الإبل، ولذلك ثبتت الدية مئة من الإبل، وانظر تفصيل ذلك في كتب السيرة. وروى الحاكم في المستدرك عن معاوية بن أبي سفيان؛ قال: كنا عند رسول الله ﷺ ، فأتاه أعرابي، فقال: يا رسول الله! خلفت البلاد يابسة، والمال عابسا، هلك المال، وضاع العيال، فعد عليّ مما أفاء الله عليك يا بن الذبيحين! قال معاوية: فتبسم رسول الله ﷺ ، ولم ينكر عليه. وروي فيما ذكره المعافى بن زكريا: أنّ عمر بن عبد العزيز-﵁-سأل رجلا أسلم من علماء اليهود، أي ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال: يا أمير المؤمنين والله إن اليهود ليعلمون: أنه إسماعيل، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب أن يكون الذبيح أباكم، فهم يجحدون ذلك، ويزعمون: أنه إسحاق. انتهى. زيني دحلان بتصرف كبير مني. أقول: صريح قوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ رقم [١١٠]، أقوى دليل على أن الذبيح إسماعيل. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. وانظر الكلام فيما يلي. هذا؛

стр. 5222

و «غلام» يطلق على الصبي دون البلوغ، وجمعه: غلمان، وغلمة، وأغلمة، كما يطلق على العبد، والأجير؛ وإن كانا كبيرين. هذا؛ وقد يقال للأنثى: غلامة، خذ قول الشاعر: [الطويل] فلم أر عاما عوض أكثر هالكا... ووجه غلام يشترى وغلامه هذا؛ وانظر شرح البشارة في الآية رقم [١١] من سورة (يس). الإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): فعل ماض، والفاعل مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى إبراهيم. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿ذاهِبٌ:﴾ خبرها وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، وقدر الجلال قبلها جملة محذوفة كما يلي: فخرج من النار سالما، وقال... إلخ. وعليه؛ فالكلام مستأنف لا محل له. ﴿إِلى رَبِّي:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿ذاهِبٌ،﴾ والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿سَيَهْدِينِ:﴾ السين: حرف استقبال يفيد تحقق الوقوع. (يهدين): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّي،﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعوله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان ل: (إنّ). ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة، وانظر إعراب ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٢٠] من سورة (يس)، ﴿هَبْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر وجوبا، تقديره: «أنت». ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، ﴿مِنَ الصّالِحِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما أيضا، والكلام: ﴿رَبِّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، ﴿فَبَشَّرْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (قال...) إلخ لا محل لها مثلها. وقيل: معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فاستجبنا له، فبشرناه. ﴿بِغُلامٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حَلِيمٍ:﴾ صفة (غلام). ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ اِفْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ (١٠٢)﴾ الشرح: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ أي: فاستجبنا له دعاءه، ووهبنا له الغلام، فلما بلغ معه المبلغ الذي يسعى فيه مع أبيه في أمور دنياه، معينا له على أعماله، قال المفسرون: هو سن الثالثة عشرة، قاله الفراء، وغيره. ﴿قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ:﴾ رأى ذلك إبراهيم-﵇-ثلاث ليال متتابعات. أي: في المنام، وهذا من قبيل الوحي. قال محمد بن كعب القرظي-﵁:

стр. 5223

كانت الرسل يأتيهم الوحي من الله تعالى، أيقاظا، ورقودا، فإن الأنبياء لا تنام قلوبهم. وهذا ثابت في الخبر المرفوع، قال ﷺ : «إنّا معاشر الأنبياء تنام عيوننا ولا تنام قلوبنا». ورحم الله البوصيري إذ يقول: [البسيط] لا تنكر الوحي من رؤياه إنّ له... قلبا إذا نامت العينان لم ينم وقال ابن عباس-﵄: رؤيا الأنبياء وحي، واستدل بهذه الآية، ويقال: إن إبراهيم ﵇، رأى في ليلة التروية كأن قائلا يقول: إن الله يأمرك بذبح ابنك، فلما أصبح روّى في نفسه، أي: فكّر: أهذا الحلم من الله، أم من الشيطان؟ فسمّي يوم التروية، فلما كانت الليلة الثانية رأى ذلك أيضا. وقيل له: الوعد، فلما أصبح؛ عرف: أن ذلك من الله، فسمّي يوم عرفة، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة، فهمّ بنحره، فسمّي يوم النحر. وإنما ذكر بلفظ المضارع لتكرار الرؤيا. ﴿فَانْظُرْ ماذا تَرى:﴾ من الرأي، وإنما شاوره في ذلك، وهو حتم ليعلم ما عنده فيما نزل به من بلاء الله، فيثبّت قدمه إن جزع، ويأمن عليه إن سلم، وليوطن نفسه عليه، فيهون عليه، ويكتسب المثوبة، بالانقياد له قبل نزوله. هذا؛ وقرئ: ﴿تَرى﴾ بقراآت كثيرة. ﴿قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ أي: ما تؤمر به، فحذف الجار، كما حذف من قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي-﵁-وينسب لغيره: [البسيط] أمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب فوصل الفعل إلى الضمير، فصار: تؤمره، ثم حذفت الهاء، كقوله تعالى: ﴿وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ أي: اصطفاهم. وإنما أجاب إسماعيل ﵇ بهذا الجواب؛ لأنه فهم من كلام أبيه: أنّه رأى: أنه يذبحه مأمورا به. أو علم: أن رؤيا الأنبياء حق، وأن مثل ذلك لا يقدمون عليه إلا بالأمر. ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ:﴾ على الذبح، أو على قضاء الله تعالى. والمعنى: امض لما أمرك الله به من ذبحي فستجدني إن شاء الله صابرا على تنفيذ أوامر الله تعالى، وهو جواب من أوتي الحلم، والصبر، وامتثال الأمر، والرضا بقضاء الله تعالى. وقد وفى بذلك، كما بينات الآيات التالية، ولذا مدحه الله بقوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا﴾ سورة (مريم) الآية رقم [٥٤]. ﴿يا بُنَيَّ:﴾ تصغير: ابن، تصغير إشفاق، وإرفاق، لا تصغير تحقير، وإهانة، فأصل ابن: بنو، فلما صغر صار: (بنيو) فلما اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون؛ قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، ثم ألحقت به ياء المتكلم، فاجتمع ثلاث ياآت، فحذفت الثانية منهن؛ التي هي لام الكلمة، ولم تحذف الأولى؛ لأنها ياء التصغير، وقد أتي بها لغرض خاص، ولم

стр. 5224

تحذف الثالثة التي هي ياء المتكلم؛ لأنها كلمة برأسها. هذا؛ ويقرأ بإسكان الياء، وكسرها، وفتحها في هذه الآية، وغيرها. الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف، (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى: «حين» عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿بَلَغَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الغلام، الذي بشر به. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان، فإن المتبادر تعلقه بالفعل قبله، قال الزمخشري: ولا يتعلق ب: ﴿بَلَغَ﴾ لاقتضائه أنهما بلغا معا حد السعي، ولا ب: ﴿السَّعْيَ؛﴾ لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه، وإنما هي متعلقة بمحذوف على أن يكونا بيانا؛ أي: حالا، كأنه قيل: فلما بلغ الحد الذي يقدر فيه على السعي، فقيل: مع من؟ فقيل: مع أعطف الناس عليه، وهو أبوه، أي: أنه لم يستحكم قوته بحيث يسعى مع غير مشفق. انتهى. مغني اللبيب لابن هشام. ﴿السَّعْيَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا، وابتدائية لا محل لها من الإعراب، على اعتبار (لما) حرفا. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم). (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (بني): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بسكون الإدغام، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَرى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل تقديره: «أنا». ﴿فِي الْمَنامِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَذْبَحُكَ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي: ﴿أَرى؛﴾ لأنها منامية، وهي تنصب مفعولين، كما رأيت في سورة (يوسف) وسورة (الأنفال)، وجملة: ﴿أَرى..﴾. إلخ في محل رفع خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية والندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لما) لا محل لها، و (لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَانْظُرْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (انظر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿ماذا تَرى:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب ﴿ماذا تَعْبُدُونَ﴾ في الآية رقم [٨٣] بلا فارق، وهي هنا في محل نصب مفعول به للفعل: (انظر) المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وجملة: ﴿فَانْظُرْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط محذوف التقدير: وإذا كان ذلك واقعا وحاصلا فانظر، والكلام كله في محل نصب مقول القول.

стр. 5225

﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الغلام الذي بشر به. ﴿يا أَبَتِ:﴾ من المعروف: أنّ في الاسم المضاف لياء المتكلم إذا كان صحيح الآخر ومنادى ستّ لغات: أحدها: حذف الياء، والاستغناء عنها بالكسرة، مثل: يا عبد، وهذا هو الأكثر. الثاني: إثبات الياء ساكنة، نحو يا عبدي. وهذا دون الأول في الكثرة. الثالث: قلب الياء ألفا، وحذفها، والاستغناء عنها بالفتحة، نحو: يا عبد. الرابع: قلبها ألفا وإبقاؤها، وقلب الكسرة فتحة، نحو: يا عبدا. الخامس: إثبات الياء محركة بالفتحة، نحو: يا عبدي. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] واجعل منادى صحّ إن يضف ليا... كعبد عبدي عبد عبدا عبديا السادس: ضم الاسم بعد حذفها كالمفرد، اكتفاء بنية الإضافة، وإنما يكون ذلك فيما يكثر نداؤه مضافا للياء كالرب والأبوين والقوم، قرئ قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ..﴾. إلخ بضم الباء، وحكي: يا ربّ اغفر لي. هذا؛ ويضاف إلى ذلك إذا كان المنادى المضاف إلى ياء المتكلم أبا، أو أما أربع لغات: إحداها: إبدال الياء تاء مكسورة، وبها قرأ السبعة ما عدا ابن عامر في قوله تعالى: ﴿يا أَبَتِ﴾ من سورة (يوسف) وسورة (مريم)، الثانية: إبدالها تاء مفتوحة، وبها قرأ ابن عامر ما تقدم. الثالثة: «يا أبتا» بالتاء، والألف، وبها قرئ ما تقدم شاذا، وقال رؤبة بن العجاج: [الرجز] تقول بنتي: قد أنى أناكا... يا أبتا علّك، أو عساكا وهذا هو الشاهد رقم (٢٧١) من كتابنا: «فتح القريب المجيب». الرابعة: «يا أبتي» وعليه قول الشاعر: [الطويل] أيا أبتي لا زلت فينا فإنّما... لنا أمل في العيش ما دمت عائشا قال ابن هشام-رحمه الله تعالى-في قطر الندى: وهاتان اللغتان قبيحتان، والأخيرة أقبح من التي قبلها، وينبغي ألا تجوز إلا في ضرورة الشعر. وقال الخضري في حاشيته على شرح ابن عقيل: ضرورة لكن الأولى أهون؛ لذهاب صورة الياء المعوض عنها. بل قيل: لا ضرورة فيه؛ لأن هذه الألف لم تنقلب عن الياء، بل هي التي تلحق المنادى البعيد، والمندوب، والمستغاث، فتكون لغة عاشرة. والله أعلم. ﴿اِفْعَلْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿فَلَمّا:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿تُؤْمَرُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، انظر تقديره في الشرح. وجوز اعتبار ﴿فَلَمّا﴾ مصدرية، ولا وجه له ألبتة. ﴿سَتَجِدُنِي:﴾ السين: حرف استقبال.

стр. 5226

(تجدني): فعل مضارع، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول، والفاعل تقديره: «أنت». ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، ومفعوله محذوف يدل عليه المقام، والجملة الفعلية لا محل لها، وجواب الشرط محذوف، التقدير: إن شاء الله توفيقي، ومعونتي؛ فستجدني. والجملة الشرطية معترضة بين الفعل (تجد) وبين الجار والمجرور: ﴿مِنَ الصّابِرِينَ﴾ اللذين هما متعلقان به، وهما مفعوله الثاني. هذا؛ والكلام: ﴿يا أَبَتِ افْعَلْ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَلَمّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ الشرح: ﴿فَلَمّا أَسْلَما:﴾ استسلما لأمر الله، أو سلم الذبيح نفسه، وإبراهيم سلم ابنه، وهو من: سلم هذا لفلان إذا خلص له، فإنه سلم من أن ينازع فيه. هذا؛ وقرئ: «(سلّما)» أي: فوضا أمرهما إلى الله. ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي: صرعه، وأسقطه على شقه. وقال قتادة: كبه وحول وجهه إلى القبلة. وقيل: صرعه على وجهه ليذبحه من قفاه، ولا يشاهد وجهه عند ذبحه ليكون أهون عليه. قال ابن عباس-﵄: أضجعه على جبينه على الأرض: فلما فعل ذلك، قال له ابنه: اشدد رباطي كيلا أضطرب، واكفف عني ثيابي؛ حتى لا ينتضح عليها شيء من دمي، فينقص أجري، وتراه أمي فتحزن، واستحد شفرتك، وأسرع مر السكين على حلقي، ليكون أهون عليّ، فإن الموت شديد، وإذا أتيت أمي، فاقرأ عليهاالسّلام مني، وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي؛ فافعل، فإنه عسى أن يكون أسلى لها عني. فقال إبراهيم ﵇: نعم العون أنت يا بني على أمر الله! ففعل إبراهيم ما طلبه منه ابنه، ثم أقبل عليه يقبله، وهو يبكي؛ وقد ربطه، والابن يبكي، ثم إنه وضع السكين على حلقه، فلم تقطع شيئا، ثم إنه حدها مرتين، أو ثلاثا بالحجر، كل ذلك لا يستطيع أن يقطع شيئا. فقال الابن عند ذلك: يا أبت كبّني لوجهي، فإنك إذا نظرت وجهي؛ رحمتني، وأدركتك رقة تحول بينك وبين أمر الله تعالى، وأنا لا أنظر إلى الشفرة، فأجزع منها، ففعل إبراهيم ﵊ ذلك، ثم وضع السكين، على قفاه، فانقلبت، ونودي: ﴿يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾. هذا؛ وروى كعب الأحبار، وابن إسحاق عن رجال قالوا: لما رأى إبراهيم ﵊ ذبح ابنه؛ قال الشيطان: لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم، لا أفتن منهم أحدا أبدا، فتمثل الشيطان في صورة رجل، وأتى أم الغلام، فقال لها. هل تدرين أين ذهب إبراهيم بابنك؟ قالت: ذهب به ليحتطبا من هذا الشّعب. قال: لا والله ما ذهب به إلا ليذبحه. قالت: كلا هو

стр. 5227

أرحم به، وأشد حبا له من ذلك! قال: إنه يزعم أن الله أمره بذلك. قالت: إن كان ربه أمره بذلك، فقد أحسن أن يطيع ربه. فخرج الشيطان من عندها حتى أدرك الابن، وهو يمشي على أثر أبيه، فقال: يا غلام! هل تدري أين: يذهب بك أبوك؟ قال: نحتطب لأهلنا من هذا الشعب. قال: لا والله ما يريد إلا أن يذبحك! قال: ولم؟ قال: إن ربه أمره بذلك، قال: فليفعل ما أمره به ربه، فسمعا، وطاعة. فلما امتنع الغلام منه أقبل على إبراهيم، فقال: أين تريد أيها الشيخ؟ قال: هذا الشّعب لحاجة لي فيه، قال: والله إني لأرى الشيطان في منامك، فأمرك بذبح ابنك هذا! فعرفه إبراهيم، ﵊، فقال: إليك عني يا عدو الله، فو الله لأمضين لأمر ربي! فرجع إبليس بغيظه، لم يصب من إبراهيم، وآله شيئا مما أراد، وامتنعوا منه بعون الله تعالى. انتهى. خازن بحروفه. وروي عن ابن عباس-﵄-أن إبراهيم على نبينا، وحبيبنا وعليه ألف صلاة، وألف سلام، لما أراد أن يذبح ابنه؛ عرض له الشيطان بهذا المشعر، فسابقه فسبقه إبراهيم، ثم ذهب إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات؛ حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى، فرماه بسبع حصيات؛ حتى ذهب، ثم أدركه عند الجمرة الكبرى، فرماه بسبع حصيات؛ حتى ذهب، ثم مضى إبراهيم لأمر الله ، وهو قوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ انتهى. خازن، ومثله في القرطبي. هذا؛ وفي المصباح المنير: والجبين: ناحية الجبهة من محاذاة النزعة إلى الصدغ. وهما جبينان عن يمين الجبهة، وشمالها. قاله الأزهري، وابن فارس، وغيرهما. فتكون الجبهة بين جبينين، وجمعه: جبن بضمتين، مثل: بريد، وبرد، وأجبنة، مثل: أسلحة، انتهى. جمل نقلا عنه. هذا؛ واللام الجارة بمعنى: «على». ﴿وَنادَيْناهُ﴾ أي: نودي من الجبل، وهل النداء من الله مباشرة، كما حصل ووقع النداء من الله إلى موسى من الشجرة، أو هو نداء جبريل الأمين بأمر الحكيم الخبير العليم؟ الأظهر: أنه الثاني. ﴿يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ أي: حصل المقصود من تلك الرؤيا، حيث ظهر منه كمال الطاعة، والانقياد لأمر الله تعالى منك، ومن الولد. ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: نجزيهم بالخلاص من الشدائد في الدنيا، والآخرة. ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ:﴾ الاختبار، والامتحان الواضح؛ الذي لا خفاء فيه، وأي اختبار، وامتحان أعظم من اختبار الإنسان بذبح ولده، ونحر فلذة كبده، وثمرة قلبه، وفؤاده، ولهذا مدح الله إبراهيم بقوله: ﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ هذا؛ وانفرد القرطبي بتفسير البلاء بالنعمة، وأورد قول زهير بن أبي سلمى: [الطويل] جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم... فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو

стр. 5228

﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ أي: بما يذبح بدله، فيتم الفعل، و ﴿عَظِيمٍ﴾ بمعنى: عظيم الجثة، سمين، أو عظيم القدر. وهو أولى؛ لأنه فدى الله به نبيا ابن نبي، وما خرج من نسله، وهو سيد المرسلين صلّى الله عليه، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليما. هذا؛ وقال ابن عباس ﵄: هو الكبش الذي تقرب به هابيل، وكان في الجنة يرعى حتى فدى الله به إسماعيل. وقال الحسن البصري: ما فدي إسماعيل إلا بتيس من الأروى هبط عليه من ثبير، فذبحه إبراهيم فداء عن ابنه. وهذا قول عليّ، ﵁. فلما رآه إبراهيم؛ أخذه؛ فذبحه وأعتق ابنه، وقال: يا بني اليوم وهبت لي! وقال أبو إسحاق الزجاج: قد قيل: إنه فدي بوعل، والوعل التيس. والمعتمد هو الأول. وعليه فيكون قد نزعت منه صفة الحيوانية مدة وجوده في الجنة، واتصف بصفة الملائكة الذين لا يأكلون، ولا يشربون، فلما هبط به جبريل إلى الأرض؛ نزعت منه صفة الملائكة وعادت إليه صفة الحيوانية؛ التي رفع فيها. قيل: نظر إبراهيم فإذا هو بجبريل الأمين، ومعه كبش أقرن أملح، فقال: هذا فداء ابنك، فاذبحه دونه! فكبر إبراهيم، وكبر ابنه، وكبر جبريل، وكبر الكبش، فأخذه إبراهيم، وأتى به المنحر من منى، فذبحه. هذا؛ والذّبح: بمعنى: المذبوح، وجمعه: ذبوح، كالطحن: بمعنى: المطحون، والذّبح بفتح الذال المصدر. هذا؛ وفي أبي السعود: روي: أنه لما ذبحه؛ قال جبريل ﵇: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، فقال: الذبيح: لا إله إلا الله، والله أكبر، فقال إبراهيم ﵇: الله أكبر، ولله الحمد، فبقي هذا سنة. انتهى. جمل. الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (لما): انظر الآية السابقة. ﴿أَسْلَما:﴾ فعل ماض، وألف الاثنين فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لما) إليها، أو لا محل لها حسب ما رأيت. ﴿وَتَلَّهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (تله): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم)، والهاء في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿لِلْجَبِينِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب؛ إذ التقدير: ألقاه، أو طرحه مطروحا على الجبين. ﴿وَنادَيْناهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (ناديناه): فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿أَنْ:﴾ حرف تفسير، لسبقه بجملة فيها معنى القول دون حروفه. (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (إبراهيم): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب: (يا)، والجملة الندائية لا محل لها؛ لأنها مفسرة لمعنى ما قبلها، وجواب (لما) محذوف، التقدير: فلما أسلما، وتله للجبين؛ فديناه بكبش، وجملة: ﴿وَنادَيْناهُ..﴾. إلخ معطوفة على هذا المحذوف المقدر، وهذا عند البصريين، وقال الكوفيون: الجواب جملة (ناديناه...) إلخ، والواو زائدة مقحمة، ومثله ما رأيت بقوله تعالى: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ..﴾. إلخ رقم [٩٧] من سورة (الأنبياء)، وقوله تعالى: ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا..﴾. إلخ رقم [١٥]، من سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف

стр. 5229

سلام وقال بعض الكوفيين: جواب: (لما) جملة: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ والواو زائدة فيها. هذا؛ وقال امرؤ القيس، في معلقته رقم [٣٧]: [الطويل] فلمّا أجزنا ساحة الحيّ وانتحى... بنا بطن خبت ذي قفاف عقنقل أي: انتحى، والواو زائدة، وقال آخر: [الكامل] حتّى إذا حملت بطونكم... ورأيتم أبناءكم شبّوا وقلبتم ظهر المجنّ لنا... إنّ اللئيم الفاجر الخبّ أراد: قلبتم. هذا؛ وقال النحاس: الواو من حروف المعاني، لا يجوز أن تزاد. وانظر الشاهد رقم (٦٧٨) من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿صَدَّقْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الرُّؤْيا:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (إبراهيم) والرابط: الضمير. ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٧٨] فهو مثله إفرادا، وجملا. ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ إعراب هذه الآية مثل إعراب الآية رقم [٥٨] بلا فارق بينهما، وهي هنا مبينة لما قبلها. (فديناه): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (ناديناه). ﴿بِذِبْحٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿عَظِيمٍ:﴾ صفة: (ذبح). ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (١٠٩) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١)﴾ شرح هذه الآيات وإعرابها تقدم في الآيات رقم [٧٨] و [٧٩] و [٨٠] و [٨١] على هذا الترتيب فلا حاجة إلى إعادة شيء مما ذكرته هناك، ولا إلى الزيادة عليه. هذا؛ وقد عاش سيدنا إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-مئة وخمسا وسبعين سنة على أصح الروايات، ولما انتقل إلى جوار ربه دفنه ولده في مغارة المكفيلة؛ التي دفنت فيها سارة من قبل، وهي البلدة التي تسمى الآن: الخليل، وقد ذكرت في سورة (هود) رقم [٧١] أنه تزوج غير سارة، وولد له أولاد من غيرها، وأما إسماعيل-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-فقد عاش مئة وسبعا وثلاثين سنة، ودفن بمكة قريبا من الحجر الذي بجوار البيت العتيق قرب أمه هاجر صلوات الله عليهم أجمعين. والحمد لله رب العالمين، أما إسحاق، فإنه دفن مع أبيه. هذا؛ وولد لإسماعيل اثنا عشر ولدا ذكرا، وهم كلهم رؤساء قبائل، وقد ذكرت أسماؤهم في التوراة، فيكونون بمنزلة الأسباط من أولاد يعقوب، كما ولدت له بنت زوجها لابن أخيه

стр. 5230

العيص بن إسحاق. ومن نسل إسماعيل كانت العرب المستعربة، ثم كانت خاتمة المطاف بولادة سيدنا، وحبيبنا محمد ﷺ خاتم النبيين من نسل إسماعيل. ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ (١١٢) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾ الشرح: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ:﴾ ذكرت لك أن هذه الآية دليل قاطع على أن الذبيح إنما هو إسماعيل؛ لأن هذه الجملة معطوفة على جملة: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ والعطف يقتضي المغايرة، فدل العطف على أن القصة الماضية في غير إسحاق، وأجاب القائلون بأن الذبيح هو إسحاق: بأن البشارة الأولى كانت بأصل وجوده، والثانية كانت بنبوته. وقال ابن عباس-﵄: بشر بنبوته، وذهب إلى أن البشارة كانت مرتين، فعلى هذا الذبيح هو إسحاق، بشر بنبوته جزاء على صبره، ورضاه بأمر ربه، واستسلامه له. ﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ﴾ أي: ثنينا عليهما النعمة. وقيل: كثرنا ولدهما؛ أي: باركنا على إبراهيم، وعلى أولاده، وعلى إسحاق حين أخرج أنبياء بني إسرائيل من صلبه، وقد قيل: إن الكناية في: ﴿عَلَيْهِ﴾ تعود على إسماعيل، وأنه هو الذبيح. قال المفضل: الصحيح الذي يدل عليه القرآن: أنه إسماعيل، وذلك أنه قص قصة الذبيح، فلما قال في آخر القصة: ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ثم قال: ﴿سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (١٠٩) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ وقال: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ (١١٢) وَبارَكْنا عَلَيْهِ﴾ أي: على إسماعيل، وعلى إسحاق، كنى عنه؛ لأنه قد تقدم ذكره، ثم قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما﴾ فدل على أنها ذرية إسماعيل، وإسحاق، وليس تختلف الرواة في أن إسماعيل كان أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة. انتهى. قرطبي. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ:﴾ لما ذكر الله البركة في الذرية، والكثرة؛ قال: منهم محسن، ومنهم مسيء، وأن المسيء لا تنفعه بنوة النبوة، فاليهود، والنصارى، وإن كانوا من ولد إسحاق، والعرب وإن كانوا من ولد إسماعيل، فلا بد من الفرق بين المحسن، والمسيء، والمؤمن، والكافر، وقد حكى الله عن اليهود، والنصارى قولهم: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ أي: أبناء رسل الله، فرأوا لأنفسهم فضلا، انظر الآية رقم [١٨] من سورة (المائدة). هذا؛ و (محسن) معناه لنفسه بطاعة الله، وامتثال أوامره حيث يدخلها جنات تجري من تحتها الأنهار، ومحسن للناس أيضا، يبرهم، ويساعدهم، ويحسن إليهم بالقول أيضا، يرفق بهم، ويتلطف بهم، وظالم لنفسه بالكفر، أو بتعديه حدود الشرع من إهمال الطاعات، أو من اجتراح السيئات. وفي الآية الكريمة تنبيه على أن الخبيث، والطيب، لا يجري أمرهما على العرق، والعنصر، فقد يلد الفاجر البر، والبر الفاجر، ورحم الله من يقول: [الطويل]

стр. 5231

إذا المرء لم يخلق سعيدا تخلّفت... ظنون مربّيه وخاب المؤمّل فموسى الّذي ربّاه جبريل كافر... وموسى الذي ربّاه فرعون مرسل وهذا مما يهدم أمر الطبائع، والعناصر، وعلى أن الظلم في أعقاب إسماعيل، وإسحاق لم يعد عليهما بعيب، ولا نقيصة، وأن الإنسان إنما يعاب بسوء فعله، ويعاقب على ما اجترحت يداه، لا على ما وجد من أصله، وفرعه. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَبَشَّرْناهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (بشرناه): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ لا محل لها مثلها. ﴿بِإِسْحاقَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿نَبِيًّا:﴾ حال من (إسحاق)، وهي حال مقدرة. ﴿مِنَ الصّالِحِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿نَبِيًّا،﴾ أو بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه، فتكون حالا متداخلة، أو بمحذوف حالا ثانية من: (إسحاق). ﴿وَبارَكْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (باركنا): فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله في المعنى. ﴿وَعَلى إِسْحاقَ:﴾ جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من ذريتهما): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿مُحْسِنٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. (ظالم): معطوف على ما قبله. وفيه وفي سابقه ضمير مستتر هو فاعلهما. ﴿لِنَفْسِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (ظالم)، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة: (ظالم). هذا؛ و ﴿مُحْسِنٌ﴾ و (ظالم) في الحقيقة صفتان لموصوفين محذوفين، التقدير: شخص محسن، وشخص ظالم لنفسه مبين، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ والحال بالنسبة للزمان على ثلاثة أقسام: حال مقارنة: وهي الغالبة، نحو قوله تعالى حكاية عن قول امرأة إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ وحال مقدرة: وهي مستقبلة، نحو قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ وما في الآية الكريمة منه، وحال محكية: وهي الماضية، نحو: جاء زيد أمس راكبا. وهناك الحال الموطئة لصفة بعدها؛ لأن المقصود الصفة، وهذا كثير في القرآن الكريم، خذ قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾. تنبيه: إعراب الجملة الاسمية السابقة المتقدم إنما هو بحسب الظاهر، والأصح أن مضمون الجار والمجرور: (من ذريتهما) مبتدأ. و ﴿مُحْسِنٌ﴾ هو الخبر؛ لأن (من) الجارة دالة على التبعيض، التقدير: وبعض ذريتهما محسن، وبعض ذريتهما ظالم لنفسه، وتثنية الضمير يؤيد ذلك، ولا استبعاد في وقوع الظرف بتأويل معناه مبتدأ، يرشدك إلى ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْهُمُ﴾

стр. 5232

الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ من الآية رقم [١١٠] من سورة (آل عمران)، فعطف (أكثرهم) على منهم يؤيد: أن معناه بعضهم، وخذ قول الحماسي: [الكامل] منهم ليوث لا ترام وبعضهم... ممّا قمشت وضمّ حبل الحاطب حيث قابل لفظ: (منهم) بما هو مبتدأ، أعني لفظة: (بعضهم) وهذا مما يدل على أن مضمون (منهم) مبتدأ. هذا؛ وليوث جمع: ليث، وهو الأسد، (لا ترام): لا تقصد. (قمشت): جمعت من هنا، وهناك، والمراد: رذالة الناس، والقمش: الردئ من كل شيء. ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وَهارُونَ:﴾ أنعمنا عليهما بالنبوة، وغيرها من المنافع الدينية، والدنيوية. ﴿وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ:﴾ وهو قهر فرعون لقوم موسى، وما كان يفعل في حقهم من الإساءة العظيمة، من قتل الأبناء، واستحياء النساء، واستعمالهم في أخس الأشياء، ثم بعد هذا كله نصرهم عليهم، وأقر أعينهم بهلاكهم، وأورثهم أرضهم، وديارهم، وأموالهم. قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾. الآية رقم [١٣٧] من سورة (عمران). ﴿وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ﴾ أي: التوراة. ﴿الْمُسْتَبِينَ:﴾ الواضح الجلي، الذي فيه تبيين الحلال، والحرام، وفيه تفصيل الأحكام، كما قال تعالى في سورة (الأنبياء) [٤٨]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ﴾. ﴿وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: دللناهما وثبتناهما على الطريق المستقيم، الذي لا اعوجاج فيه، وهو دين التوحيد الذي ابتعث به أنبياءه، ورسله، ومنه قوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله! والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿مَنَنّا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية لا محل لها جواب القسم، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له، وانظر الآية رقم [٦٢] من سورة (يس). ﴿عَلى مُوسى:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة المقدرة على الألف للتعذر. وهذه الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. (هارون): معطوف على ﴿مُوسى﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف

стр. 5233

للعلمية، والعجمة، ﴿وَنَجَّيْناهُما:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَقَوْمَهُما:﴾ معطوف على الضمير المنصوب، وأجيز اعتباره مفعولا معه، والأول أقوى. ﴿مِنَ الْكَرْبِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْعَظِيمِ:﴾ صفة: (كرب). ﴿وَنَصَرْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَكانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿نَصَرْناهُمْ:﴾ توكيد لواو الجماعة، أو هو بدل منه، أو هو ضمير فصل لا محل له. ﴿الْغالِبِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَآتَيْناهُمَا:﴾ فعل، وفاعل، ومفعوله الأول. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿الْمُسْتَبِينَ:﴾ صفة: ﴿الْكِتابَ،﴾ ﴿وَهَدَيْناهُمَا:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿الصِّراطَ:﴾ مفعول به ثان، أو هو منصوب بنزع الخافض. ﴿الْمُسْتَقِيمَ:﴾ صفة (الصراط) والجملتان الفعليتان معطوفتان على ما قبلهما، لا محل لهما أيضا. ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (١٢٠) إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)﴾ شرح هذه الآيات وإعرابها تقدم في الآيات رقم [٧٨] و [٧٩] و [٨٠] و [٨١] على هذا الترتيب، فلا حاجة إلى إعادة شيء مما ذكرته هناك، ولا إلى الزيادة عليه. ﴿وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (١٢٥) اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨)﴾ الشرح: قال محمد بن إسحاق: إلياس بن بشر، بن فنحاص، بن العيزار، بن هارون، بن عمران، وكان القيم بأمر بني إسرائيل بعد يوشع بن نون كالب بن يوقنا، ثم حزقيل، ثم لما قبض الله حزقيل النبي؛ عظمت الأحداث في بني إسرائيل، ونسوا الله، وعبدوا الأوثان من دونه، فبعث الله إليهم إلياس نبيا، وتبعه اليسع، وآمن به، فلما عتا عليه بنو إسرائيل؛ دعا ربه أن يريحه منهم، فقيل له: اخرج يوم كذا، وكذا إلى موضع كذا، وكذا، فما استقبلك من شيء فاركبه، ولا تهبه، فخرج ومعه اليسع حتى إذا كان بالموضع الذي أمر به؛ أقبل فرس من نار. وقيل: لونه كالنار حتى وقف بين يدي إلياس، فوثب عليه، فانطلق به الفرس، فناداه اليسع:

стр. 5234

يا إلياس ما تأمرني، فقذف إليه بكسائه من الجو الأعلى، فكان ذلك علامة استخلافه إياه على بني إسرائيل، وكان ذلك آخر العهد به، ورفع الله تعالى إلياس من بين أظهرهم، وقطع الله عنه لذة المطعم، والمشرب، وكساه الريش، وألبسه النور، فطار مع الملائكة، وصار إنسيا ملكيا، سماويا أرضيا. قال ابن قتيبة: وذلك: أن الله تعالى قال لإلياس: سلني أعطك، قال: ترفعني إليك، وتؤخر عني مذاقة الموت، فصار يطير مع الملائكة. وقال بعضهم: كان قد مرض، وأحس الموت، فبكى، فأوحى الله إليه لم تبك؟ حرصا على الدنيا، أو جزعا من الموت، أو خوفا من النار؟ قال: لا، ولا شيء من هذا؛ وعزتك، إنما جزعي، كيف يحمدك الحامدون بعدي، ولا أحمدك، ويذكرك الذاكرون بعدي، ولا أذكرك، ويصوم الصائمون بعدي، ولا أصوم، ويصلي المصلون بعدي، ولا أصلي. فقيل له: يا إلياس وعزتي لأؤخرنك إلى وقت لا يذكرني فيه ذاكر. يعني: قبل يوم القيامة. وقال عبد العزيز بن أبي روّاد: إن إلياس والخضر-﵉-يصومان شهر رمضان في كل عام ببيت المقدس يوافيان الموسم في كل عام. وذكر ابن أبي الدنيا: إنهما يقولان عند افتراقهما عن الموسم: ما شاء الله! ما شاء الله! لا يسوق الخير إلا الله. ما شاء الله! ما شاء الله! لا يصرف السوء إلا الله. ما شاء الله! ما شاء الله! ما يكون من نعمة فمن الله. ما شاء الله! ما شاء الله! توكلت على الله حسبنا الله، ونعم الوكيل. وقيل: إن إلياس موكل بالفيافي، والخضر موكل بالبحار. وكان الحسن البصري-رحمه الله تعالى-يقول: قد هلك إلياس، والخضر، ولا تقول كما يقول الناس: إنهما حيان. انتهى. قرطبي وخازن، ونسفي بتصرف. هذا؛ وذكر القرطبي قصة الله أعلم بصحتها، وفحواها: أن إلياس اجتمع بالنبي بفج الناقة عند الحجر، وهو راجع من غزوة تبوك، ولم أره لغيره، ونقله الجمل من الخصائص الكبرى للسيوطي. والله أعلم. هذا؛ ولم يذكر إلياس-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-في غير هذه السورة، وقد ذكر في سورة (الأنعام) رقم [٨٥] في جملة المرسلين فقط. ولم يذكره عبد الوهاب النجار في كتابه، ولم يذكر اليسع أيضا، ولكن الثعلبي قد ذكر قصتهما بإسهاب، والمعروف: أنه ينقل عن الإسرائيليات، وكثيرا ما ينقل الخازن عنه، والله أعلم. ﴿إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ أي: بني إسرائيل: ﴿أَلا تَتَّقُونَ:﴾ ألا تخافون الله ، وتخشون حسابه، وعقابه. ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً:﴾ اسم صنم لهم كانوا يعبدونه، وبذلك سميت مدينتهم بعلبك؛ التي هي موجودة في شرقيّ لبنان، وغربي شمالي دمشق. وهذا قاله ثعلب، ورواه الحكم بن أبان عن عكرمة، عن ابن عباس-﵄، ولابن عباس قول آخر؛ قال: ربّا. قال النحاس: والقولان صحيحان، والمعنى: أتدعون صنما عملتموه ربّا، ومنه سمي الزوج بعلا،

стр. 5235

قال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً..﴾. إلخ رقم [١٢٨] من سورة (النساء) وجمعه: بعول. قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ رقم [٢٢٨] من سورة (البقرة)، وقال أبو دؤاد، ونسب في الكامل لعبد الله بن الزّبعرى: [مجزوء الكامل] ورأيت بعلك في الوغى... متقلّدا سيفا ورمحا وقيل: كان من ذهب، وكان طوله عشرين ذراعا، وله أربعة أوجه، فتنوا به، وعظموه حتى أخدموه أربعمئة سادن، وجعلوهم أنبياءه، فكان الشيطان يدخل في جوف بعل، ويتكلم بشريعة الضلالة، والسدنة يحفظونها، ويعلمونها الناس، وهم أهل بعلبك من بلاد الشام، وبه سميت مدينتهم بعلبك، وكان موضعه يقال له: بكّ، فركب فصار بعلبك، والنسبة إليها، بعليّ، أو بكيّ، كما بالنسبة لعبد شمس، تقول: عبديّ، أو شمسيّ. ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ﴾ أي: أحسن من يقال له: خالق. وقيل: المعنى أحسن الصانعين؛ لأن الناس يصنعون، ولا يخلقون. فاندفع بذلك ما يتوهم من ثبوت الخلق لغيره تعالى؛ لأن أفعل التفضيل بعض ما يضاف إليه. وأجاب الشهاب بأن خلق الله بمعنى: الإيجاد، وخلق العباد كسبهم، وهو على مذهب المعتزلة ظاهر؛ لأن المراد: أحسن من يطلق عليه ذلك بأي: معنى كان، كما قاله الآمدي. انتهى. جمل نقلا عن الشهاب وهو السمين. ﴿فَكَذَّبُوهُ:﴾ فلم يؤمنوا، بل بقوا في ضلالهم يعمهون. ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: في العذاب. ﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: من قومه، فإنهم نجوا من العذاب، وفيه دلالة على أن في قومه من لم يكذبه، فلذلك استثنوا، ولم يذكر أحد نوع العذاب الذي أخذوا به في الدنيا، قال الخازن: ونبأ الله اليسع، وبعثه رسولا إلى بني إسرائيل، وأوحى إليه وأيده، فآمنت به بنو إسرائيل، وكانوا يعظمونه، وحكم الله تعالى فيهم قائم إلى أن فارقهم اليسع، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. تنبيه: قد حكى سيبويه-رحمه الله تعالى-: أن (تدعون بعلا) بمعنى: أتسمون بعلا إلها. وهذا يفيد: أن الفعل: «دعا» إذا كان بمعنى: سمى فهو ينصب مفعولين، ومنه قول الشاعر: [الطويل] دعتني أخاها أمّ عمرو ولم أكن... أخاها ولم أرضع لها بلبان دعتني أخاها بعد ما كان بيننا... من الفعل ما لا يفعل الأخوان وأيضا قول النمر بن تولب الصحابي-﵁: [الطويل] دعاني الغواني عمّهنّ وخلتني... لي اسم فلا أدعى به وهو أوّل الإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف، أو هي حرف عطف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿إِلْياسَ:﴾ اسمها. ﴿لَمِنَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (من المرسلين): جار ومجرور

стр. 5236

متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي معطوفة على ما قبلها؛ لأن الواو عطفت قصة إلياس على ما سبقها. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان، مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف. تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لهذا المحذوف. وقال السمين: هو ظرف متعلق ب: ﴿الْمُرْسَلِينَ،﴾ وقال أبو البقاء الوجهين. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿إِلْياسَ﴾. ﴿لِقَوْمِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف تحضيض. ﴿تَتَّقُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿أَتَدْعُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (تدعون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿بَعْلاً:﴾ مفعول به، والمفعول الثاني محذوف. انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، و ﴿أَحْسَنَ﴾ مضاف، و ﴿الْخالِقِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، وجوز بعضهم اعتبار الجملة الفعلية: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، ولا يصح هذا إلا على تقدير مبتدأ قبلها؛ لأن الجملة المضارعية المثبتة الواقعة حالا، لا تقترن بالواو. ﴿اللهَ:﴾ بدل من: ﴿أَحْسَنَ الْخالِقِينَ﴾ وحكى أبو عبيد: أنه على النعت، وليس بشيء؛ لأنه ما فيه معنى المشتق، وأجاز أبو البقاء نصبه ب: «أعني» محذوفا، ﴿رَبَّكُمْ:﴾ بدل من لفظ الجلالة. هذا؛ ويقرأ برفعهما على أنه خبر لمبتدأ محذوف. التقدير: هو الله، وهو قول أبي حاتم، أو هو مبتدأ، خبره: ﴿رَبَّكُمْ،﴾ وهو أوضح معنى، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. (رب): معطوف على ما قبله على القراءتين، و (رب) مضاف، و ﴿آبائِكُمُ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ صفة: ﴿آبائِكُمُ﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَكَذَّبُوهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها. ﴿فَإِنَّهُمْ:﴾ الفاء: الفصيحة. (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَمُحْضَرُونَ:﴾ خبرها مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط محذوف، التقدير: وإذا حصل هذا منهم فإنهم... إلخ. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿عِبادَ:﴾ مستثنى من واو الجماعة، فهو استثناء متصل، وقيل: مستثنى من الضمير في: (محضرون) على أنه منقطع، والأول أقوى، و ﴿عِبادَ﴾ مضاف، و ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ.

стр. 5237

﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (١٣٠) إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾ شرح هذه الآيات وإعرابها تقدم في الآيات رقم [٧٨] و [٧٩] و [٨٠] و [٨١] على هذا الترتيب فلا حاجة إلى إعادة شيء مما ذكرته هناك، ولا إلى الزيادة عليه. هذا؛ وأما (آل ياسين) بفتح الهمزة ومدها، فهو على الإضافة، ففيه وجهان: أحدهما: أن المراد: إلياس، ومن آمن معه فجمعوا معه تغليبا، كقولهم للمهلب، وقومه: المهلبون، وعليه فهو مجموع جمع السلامة بالياء والنون. والوجه الثاني: أن المراد بآل: إلياس، وبياسين: أبوه. وأما على قراءته بكسر الهمزة، والياء والنون؛ فقد جعلوه جمعا منسوبا إلى إلياسين، وإلياسين جمع إلياس، وهو جمع السلامة لكنّ الياء المشدودة في النسب حذفت منه، وأصله: الياسيّ، وتجمع فتقول: إلياسيّين، فالسلام على من نسب إلى إلياس من أمته، والسّلام في الوجه الأول على أهل ياسين، قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ في سورة (الشعراء) رقم [١٩٨] وأصله في النسب: الأعجميّين بياء مشددة، ولكن حذفت لثقلها، وثقل الجمع. هذا؛ وقال ابن كثير: أي: إلياس، والعرب تلحق النون في أسماء كثيرة، وتبدلها من غيرها، كما تقول إسماعيل وإسماعين، وإسرائيل وإسرائين، وإلياس وإلياسين. قال محمد علي الصابوني: وإنما ختم الآيات بعد ذكر كل رسول بالسلام عليه، وبهاتين الآيتين الكريمتين لبيان فضل الإحسان، والإيمان، وأن هؤلاء الرسل الكرام كانوا جميعا من المتصفين بهذه الصفات، فلذلك استحقوا التحية والسّلام، والذكر الحسن بين الأنام، صلوات الله، وسلامه عليهم أجمعين. ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلاّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ الشرح: ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ:﴾ تقدمت قصة لوط-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-مفصلة في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود) وغيرهما. ﴿إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ أي: أنجى الله لوطا-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-ومن معه من أهله، ولم يكن معه سوى ابنتيه، فلم يؤمن به أحد لقوله في سورة (هود): ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ فلم يوجد فيهم رجل رشيد يهتدي إلى الحق والصواب، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وانظر شرح (نا) برقم [٣٤] من سورة (يس).

стр. 5238

﴿إِلاّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ:﴾ وهي امرأته، فإنها كانت تسر الكفر، واسمها: واهلة كانت من الغابرين، أي: الذين بقوا في العذاب. والتذكير لتغليب الذكور على الإناث، مثل قوله تعالى في حق مريم: ﴿وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ﴾. هذا؛ والغابر: اسم فاعل من: غبر الشيء: بقي، وغبر أيضا: مضى، فهو من الأضداد، وبابه: دخل. انتهى. مختار. ولذا يمكن أن يقال: في غابر الأزمان، وحاضرها، كما يقال: في غابر الأزمان، وماضيها، وقال أبو ذؤيب الهذلي من رثاء أولاده: [الكامل] فغبرت بعدهمو بعيش ناصب... وإخال أنّي لاحق مستتبع وانظر الأضداد في الآية رقم [٥٧] من سورة (النمل) فإنه جيد. هذا؛ وعجوز: امرأة طاعنة في السن، ويقال أيضا: شهلة، وشهربة، وشهبرة، وشمطاء، وشيخة لكل امرأة طاعنة في السنّ. قال صاحب مختار الصحاح: ولا تقل: عجوزة، والعامّة تقوله، والجمع عجائز، وعجز، وفي حديث النبي ﷺ : «إنّ الجنة لا يدخلها العجز». ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ:﴾ أي: أهلكناهم، وكان الإهلاك بقلب قراهم، وجعل عاليها سافلها، ثم بإرسال حجارة من السماء عليهم. انظر ما ذكرته في سورة (الشعراء) رقم [١٧٠]، وما بعدها. ﴿وَإِنَّكُمْ:﴾ خطاب لقريش وللعرب جميعا. ﴿لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ أي: تمرون على منازلهم، وديارهم في ذهابكم، وإيابكم إلى بلاد الشام للتجارة في الليل، والنهار، والصباح، والمساء، وكنت ذكرت لك مرارا: أن قرى قوم لوط كانت في بلاد الأردن، وهي من أرض الشام. هذا؛ وفي الآيات التفات من الغيبة إلى الخطاب، وهو ظاهر، وواضح، وللالتفات فوائد كثيرة؛ منها: تطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر، والملال؛ لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد. هذه فوائده العامة، ويختص كل موضع بنكت، ولطائف باختلاف محله، كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه حث السامع، وبعثه على الاستماع؛ حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصه بالمواجهة. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي: أتشاهدون ديارهم الخربة، ومنازلهم المدمرة، ثم لا تعتبرون، ولا تخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم. هذا؛ والعقل: نور روحاني به تدرك النفس ما لا تدركه بالحواس الظاهرة، وكثيرا ما يتبجح بعض الناس، فيسأل: أين يوجد العقل؟. فهذا تبجح لا مبرر له، وانظر شرح النفس في الآية رقم [٢٨] من سورة (الروم). وسمي العقل: عقلا؛ لأنه يعقل صاحبه، أي: يمنعه من فعل الرذائل، والقبائح، لذا فإن كل شخص لا يسير على الجادة المستقيمة لا يكون عاقلا بالمعنى الصحيح، وخذ ما يلي: [البسيط] لم يبق من جلّ هذي الناس باقية... ينالها الوهم إلاّ هذه الصّور لا يدهمنّك من دهمائهم عدد... فإنّ جلّهم بل كلّهم بقر

стр. 5239

يقول: لا يدهمنك من جماعتهم الكثيرة عدد فيهم غناء، ونصرة، فإن كلهم كالأنعام، والبهائم، ولله در القائل: [المنسرح] لا يدهمنك اللّحاء والصّور... تسعة أعشار من ترى بقر في شجر السّرو منهم شبه... له رواء، وما له ثمر ورضي الله عن حسان بن ثابت إذ يقول: [البسيط] لا بأس بالقوم من طول ومن عظم... جسم الجمال وأحلام العصافير فقد ورد: أن رجلا معتوها مرّ على مجلس النبي ﷺ ، فقال الصحابة الكرام، رضوان الله عليهم: (هذا رجل مجنون) فقال سيد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق: «هذا مصاب إنّما المجنون من أصرّ على معصية الله تعالى». هذا؛ والعقل: الدية، سميت بذلك؛ لأن الإبل المؤداة دية تعقل بباب ولي القتيل. والعقال بكسر العين: الحبل الذي تربط به ركبة الجمل عند بروكه، ليمنعه من القيام، والمشي. والعقال أيضا: صدقة عام، قال شاعر يهجو عاملا على الصدقات في عهد بني أمية: [البسيط] سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟ لأصبح الناس أوبادا ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين تنبيه: الهمزة في كلمة: ﴿أَفَلا﴾ ومثلها: أولم، وأولا، ونحوهما للإنكار، وهي في نية التأخير عن الفاء، والواو؛ لأنهما حرفا عطف، وكذا تقدم على «ثم» تنبيها على أصالتها في التصدير. نحو قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ، وقوله جل شأنه: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ..﴾. إلخ، وقوله تعالت حكمته: ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ..﴾. إلخ وأخواتها تتأخر عن حروف العطف، كما هو قياس جميع أجزاء الجملة المعطوفة، نحو قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ،﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ هذا مذهب سيبويه، والجمهور، وخالف جماعة، أولهم الزمخشري، فزعموا: أن الهمزة في الآيات المتقدمة في محلها الأصلي، وأن العطف على جملة مقدرة بينهما وبين العاطف، فيقولون: التقدير في: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا..﴾. إلخ ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ..﴾. إلخ، ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ..﴾. إلخ أمكثوا فلم يسيروا في الأرض؟ أنهملكم فنضرب عنكم... إلخ؟ أتؤمنون في حياته، فإن مات... إلخ؟. ويضعفه ما فيه من التكلف، وأنه غير مطرد في جميع المواضع. انتهى. مغني اللبيب بتصرف. الإعراب: ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ:﴾ انظر الآية رقم [١٢٤]، فالإعراب مثلها لا يتغير. ﴿نَجَّيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. (أهله):

стр. 5240

معطوف على الضمير المنصوب. وقيل: مفعول معه. والأول أقوى، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ توكيد ل: (أهله) منصوب مثله، أو هو توكيد للضمير وما عطف عليه، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وساغ ذلك؛ لأن: «أهل» اسم جمع، كما قد عرفت. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿عَجُوزاً:﴾ مستثنى من: «أهله». ﴿فِي الْغابِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿عَجُوزاً﴾. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿دَمَّرْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْآخَرِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿نَجَّيْناهُ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها. ﴿وَإِنَّكُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (إنكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَتَمُرُّونَ:﴾ اللام: لام الابتداء، وتسمى المزحلقة. (تمرون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مُصْبِحِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿لَتَمُرُّونَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من: ﴿الْآخَرِينَ﴾. والرابط: الواو، والضمير المجرور محلا ب: (على). ﴿وَبِاللَّيْلِ:﴾ الواو: حرف عطف. (بالليل): جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، ومعطوفان على: ﴿مُصْبِحِينَ﴾. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي إنكاري. الفاء: حرف عطف. ﴿تَعْقِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: أتشاهدون ديارهم، ولا تتدبرون، وتعتبرون بما حصل لهم؟! والكلام كله مستأنف، لا محل له. ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ الشرح: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ:﴾ ﴿يُونُسَ﴾ هو ذو النون، وهو ابن متّى. وقالوا: «متى» هي أمه، ولم ينسب إلى أمه من الرسل غير يونس، وعيسى، على نبينا، وحبيبنا، وعلى جميع الأنبياء، والمرسلين ألف صلاة، وألف سلام. ويتصل نسبه ببنيامين أحد أولاد يعقوب، وهو أخو يوسف الصديق، أرسله الله إلى أهل نينوى من أرض الموصل في العراق، وكانوا يعبدون الأصنام، ولهم صنم ضخم يسمونه: عشتار، ثم تابوا. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٩٨] من السورة المسماة باسمه، وما ذكرته في الآية رقم [٨٧] من سورة (الأنبياء) ففيها فضل بيان يسر القلب، ويثلج الصدر. ﴿إِذْ أَبَقَ:﴾ هرب، وأصله الهرب من السيد، لكن لما كان هربه من قومه بغير إذن ربه؛ حسن إطلاقه عليه، فهو من باب المجاز المرسل من استعمال المقيد في المطلق،

стр. 5241

أو الاستعارة التصريحية، حيث شبه خروجه بغير إذن ربه بإباق العبد من سيده. ﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ:﴾ انظر الآية رقم [٤١] من سورة (يس). ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ أي: المغلوبين المقهورين في القرعة. قال الفراء: يقال: دحضت حجته، وأدحضها الله، وأصله من الزلق، قال الشاعر: [الوافر] قتلنا المدحضين بكلّ فجّ... فقد قرّت بقتلهم العيون و (ساهم): فقارع أهل السفينة، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة، وقد كنت ذكرت لك في سورة (يونس) وسورة (الأنبياء) أن يونس-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-قد برم بقومه لطول ما ذكّرهم، فلم يذّكّروا، وأقاموا على كفرهم، وظن: أن خروجه بدون إذن من الله يسوغ حيث لم يفعله إلا غضبا لله تعالى وأنفة لدينه، وبغضا للكفر وأهله، وكان عليه أن ينتظر الإذن من الله في المهاجرة عنهم، فابتلي ببطن الحوت، فيكون المعنى: غضب على قومه من أجل كفرهم بربه، فخرج عنهم، وتركهم من غير إذن من الله، وخروجه بدون إذن من الله كان ذنبا منه. وقال ابن عباس، ووهب: كان يونس قد وعد قومه العذاب، فتأخر عنهم، فخرج كالمستور منهم، فقصد البحر، فركب السفينة، فوقفت. وقيل: تلاعبت بها الأمواج حتى أشرفت على الغرق. هذا؛ وذكر الطبري: أن يونس-﵇-لما ركب في السفينة؛ أصاب أهلها عاصف من الريح، فقالوا: هذه بخطيئة أحدكم-وكان من عادتهم: أن السفينة إذا كان فيها آبق، أو مذنب لم تسر. وكان ذلك بدجلة. انتهى. جمل نقلا عن الشهاب-فقال يونس، وقد عرف: أنه هو صاحب الذنب: هذه خطيئتي، فألقوني في البحر، فأبوا عليه؛ حتى أفاضوا بسهامهم. ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ فقال لهم: قد أخبرتكم: أن هذا الأمر بذنبي، فأبوا عليه؛ حتى أفاضوا بسهامهم الثانية، فكان من المدحضين، فأبوا أن يلقوه في البحر؛ حتى أعادوا سهامهم الثالثة، فكان من المدحضين، فلما رأى ذلك؛ ألقى نفسه في البحر، وذلك تحت الليل، فابتلعه الحوت. انتهى. قرطبي. ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ:﴾ ابتلعه الحوت. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: آت بما يلام عليه، أو مليم نفسه، يقال: ألام فلان: إذا فعل ما يلام عليه، فأوحى الله إلى الحوت: إني لم أجعله لك رزقا، ولكن جعلت بطنك له وعاء. فمكث في بطن الحوت أربعين ليلة. وقيل: ثلاث ليال. وقيل: سبع ليال، وقال مجاهد: التقمه ضحى، ولفظه عشية، وأعتمد الأول، وهو قول السدي، والكلبي، ومقاتل بن سليمان، فنادى في الظلمات: ﴿أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾. تنبيه: في شرعنا لا يجوز الاقتراع على إلقاء آدميّ في البحر، وإنما كان ذلك في يونس، وزمانه مقدمة لتحقيق برهانه، وزيادة في إيمانه، فإنه لا يجوز في شريعة محمد ﷺ لمن كان عاصيا أن يقتل، أو يرمى به في النار، أو في البحر، وإنما تجري عليه الحدود، والتعزير على مقدار جنايته، ومن فعل ذلك بنفسه؛ فقد حرم الله عليه الجنة، وأوجب له النار، وخذ ما يلي:

стр. 5242

عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من تردّى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنّم، يتردّى فيها خالدا مخلّدا فيها أبدا، ومن تحسّى سمّا، فقتل نفسه؛ فسمّه في يده يتحسّاه في نار جهنّم خالدا مخلّدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجّأ بها في نار جهنّم خالدا مخلّدا فيها أبدا». رواه البخاري ومسلم والترمذي. ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ أي: من الذاكرين الله قبل ذلك، وكان كثير الذكر. قال الحسن البصري: ما كانت له صلاة في بطن الحوت، ولكنه قدم عملا صالحا، فشكر الله تعالى له طاعته القديمة، وفي رواية عنه: ولكنه قدم عملا صالحا في حال الرخاء، فذكره الله به في حال البلاء، وإن العمل الصالح ليرفع صاحبه، وإذا عثر؛ وجد متكأ. قال بعضهم: اذكروا الله في الرخاء؛ يذكركم في الشدة، فإن يونس كان عبدا صالحا ذاكرا لله تعالى، فلما وقع في الشدة في بطن الحوت؛ شكر الله تعالى له ذلك، فقال: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾. هذا؛ وقد قال النبي ﷺ لابن عباس-﵄: «تعرّف إلى الله في الرّخاء؛ يعرفك في الشّدّة». ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ:﴾ قال قتادة: أي: لكان بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة. هذا؛ وروى الطبري من حديث أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لمّا أراد الله تعالى حبس يونس في بطن الحوت؛ أوحى الله إلى الحوت: أن خذه، ولا تخدش لحما، ولا تكسر عظما، فأخذه، ثم هوى به إلى مسكنه من البحر، فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسّا، فقال في نفسه: ما هذا؟ فأوحى الله ﵎ إليه؛ وهو في بطن الحوت: إن هذا تسبيح دوابّ البحر. قال: فسبّح، وهو في بطن الحوت، قال: فسمعت الملائكة تسبيحه، فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة، قال: ذلك عبدي يونس، عصاني، فحبسته في بطن الحوت في البحر. قالوا: العبد الصالح، الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح؟! قال: نعم، فشفعوا له عند ذلك، فأمر الحوت بقذفه في الساحل، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ وكان سقمه الذي وصفه به الله تعالى: أنه ألقاه الحوت على الساحل كالصبي المنفوس، قد نشر اللحم والعظم». انتهى. قرطبي بتصرف. وقال ابن العربي-رحمه الله تعالى-أخبرني غير واحد عن إمام الحرمين-رحمه الله تعالى- أنه سئل عن الباري: في جهة؟ فقال: لا، هو يتعالى عن ذلك، قيل له: ما الدليل عليه؟ قال: الدليل عليه قول النبي ﷺ : «لا تفضّلوني على يونس بن متّى». فقيل له: ما وجه الدليل في هذا الخبر؟ فقال: إن يونس بن متّى رمى بنفسه في البحر، فالتقمه الحوت، فصار في قعر البحر في ظلمات ثلاث، ونادى: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ كما أخبر الله تعالى عنه، ولم يكن محمد ﷺ حين جلس على الرفوف الأخضر، وارتقى به صعدا حتى انتهى به إلى موضع يسمع فيه صريف الأقلام، وناجاه ربه بما ناجاه، وأوحى إليه ما أوحى بأقرب إلى الله من يونس في بطن الحوت في ظلمة البحر. انتهى. قرطبي بتصرف.

стр. 5243

الإعراب: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ:﴾ انظر الآية رقم [١٢٤] ففيها الكفاية؛ إذ الإعراب لا يتغير. ﴿أَبَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿يُونُسَ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿إِلَى الْفُلْكِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْمَشْحُونِ:﴾ صفة: ﴿الْفُلْكِ﴾. ﴿فَساهَمَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿يُونُسَ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل جر مثلها، (كان): ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿يُونُسَ﴾ أيضا. ﴿مِنَ الْمُدْحَضِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان). والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَالْتَقَمَهُ:﴾ الفاء: حرف عطف وتعقيب. (التقمه): فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿الْحُوتُ:﴾ فاعله. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها... إلخ. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿مُلِيمٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَلَوْلا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لولا): حرف امتناع لوجود. ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿يُونُسَ﴾. ﴿مِنَ الْمُسَبِّحِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ في محل رفع خبر: (أنّ). هذا؛ وقيل بزيادة: «كان» وعليه فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر: (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ. والخبر محذوف. التقدير: فلولا تسبيحه موجود، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ﴿لَلَبِثَ:﴾ اللام: واقعة في جواب: (لولا). (لبث): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿يُونُسَ﴾ أيضا. ﴿فِي بَطْنِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: لبث مستقرا في بطنه. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلى يَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل (لبث)، أو بمحذوف صفة لمصدر محذوف، التقدير: لبثا كائنا إلى يوم. ﴿يُبْعَثُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمِ﴾ إليها، وجملة: ﴿لَلَبِثَ..﴾. إلخ جواب (لولا)، لا محل لها، و (لولا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (١٤٨)﴾ الشرح: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ:﴾ طرحناه في المكان الخالي، لا نبات فيه، ولا شجر، ولا ماء. وقال أبو عبيدة: العراء: وجه الأرض، وأنشد لرجل من خزاعة: [الكامل] ورفعت رجلا لا أخاف عثارها... ونبذت بالبلد العراء ثيابي

стр. 5244

روي: أن الحوت قذفه بساحل قرية من الموصل. قال الخازن: إنما أضاف النبذ إلى نفسه، وإن كان الحوت هو النابذ؛ لأن أفعال العباد كلها مخلوقة لله تعالى. هذا؛ والنبذ: الطرح، والرمي، والقذف. ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ:﴾ عليل مما ناله من التقام الحوت، ومكثه في بطنه المدة التي ذكرتها لك، حتى عاد بدنه كبدن الصبي حين يولد، أو كالفرخ الممعّط؛ الذي لا ريش له. هذا؛ وجمع سقيم: سقامى، وسقام، وسقمى، وسميت الأرض التي لا نبات فيها بالعراء تشبيها لها بالإنسان العاري، الذي لا ثياب عليه تستره. هذا؛ وقال تعالى في سورة ﴿ن وَالْقَلَمِ:﴾ ﴿لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ والجواب: أن الله أخبر هاهنا: أنه نبذه بالعراء، وهو غير مذموم، ولولا رحمة الله ؛ لنبذ بالعراء؛ وهو مذموم. قاله النحاس. هذا؛ وأذكر: أن مكث يونس-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-المدة التي ذكرتها في بطن الحوت؛ وقد جاب به أعماق البحار، وبقي حيا حتى نبذه الحوت إلى الأرض اليابسة، وبطن الحوت مغلق محكم الإغلاق، لا يدخله الهواء إنما هو معجزة باهرة، وعظة بالغة لقوم يتعظون؛ لأن كل واحد منا يدرك: أن كل ذي روح إذا حبس عنه الهواء لحظات يموت، وما أشبه هذه المعجزة بمعجزة موسى ﵇ الذي وضع في تابوت محكم الإغلاق، وبقي حيا حتى التقطه آل فرعون، كما هو معروف لدى كل إنسان. ﴿وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ:﴾ ﴿عَلَيْهِ﴾ بمعنى: عنده. وقيل: بمعنى: له، وسئل أبو هريرة: ما اليقطينة؟ قال: شجرة الدّبّاء. وقيل: إنما خص اليقطين بالذكر؛ لأنه لا ينزل عليه ذباب، ولأنه يجمع كبر الورق، وبرد الظل، وجودة تغذية ثمره، وأنه يؤكل نيئا، ومطبوخا لبه، وقشره أيضا. هذا؛ والدّبّاء نوع من أنواع القرع معروف. وقال الثعلبي: كانت تظله، فرأى خضرتها، فأعجبته، فيبست، فجعل يتحزن عليها، فقيل له: يا يونس أنت الذي لم تخلق، ولم تسق، ولم تنبت تحزن على شجيرة، فأنا الذي خلقت مئة ألف من الناس أو يزيدون، تريد مني أن أستأصلهم في ساعة واحدة، وقد تابوا وتبت عليهم، فأين رحمتي يا يونس؛ وأنا أرحم الراحمين. وروي عن النبي ﷺ أنه كان يأكل الثريد باللحم، والقرع، وكان يحب القرع، ويقول: «إنها شجرة أخي يونس». وقال أنس-﵁: قدّم للنبي ﷺ مرق فيه دباء، وقديد، فجعل يتبع الدّبّاء حوالي القصعة، قال أنس: فلم أزل أحب الدباء من يومئذ. أخرجه الأئمة. ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ:﴾ قال سعيد بن جبير، ووهب، وعبد الله بن مسعود، وغيرهم-﵃: إن قوم يونس ﵇ كانوا بقرية نينوى من أرض الموصل، وكانوا أهل شرك وكفر، فأرسل الله إليهم يونس-﵇ يدعوهم إلى الإيمان بالله، وترك عبادة الأصنام فدعاهم فأبوا عليه، فقيل له: أخبرهم: أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث، فأخبرهم بذلك، فقالوا: إنا لم نجرب عليه كذبا قطّ، فانظروا فإن بات فيكم الليلة، فليس بشيء، وإن لم يبت؛ فاعلموا: أن العذاب مصبحكم، فلما كان جوف

стр. 5245

الليل؛ خرج يونس ﵇ من بين أظهرهم، فلما أصبحوا؛ تغشاهم العذاب، فكان فوق رؤوسهم. قال ابن عباس-﵄: إن العذاب كان قد أهبط على قوم يونس ﵇، حتى لم يكن بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل، فلما دعوا؛ كشف الله عنهم ذلك. وقال مقاتل: قدر ميل، وقال سعيد بن جبير: غشي قوم يونس العذاب، كما يغشى الثوب القبر، وقال وهب: غامت السماء غيما أسود، هائلا يدخن دخانا شديدا، فهبط حتى غشي مدينتهم، واسودت أسطحتهم، فلما رأوا ذلك؛ أيقنوا بالهلاك، فطلبوا نبيهم يونس ﵇، فلم يجدوه، فقذف الله في قلوبهم التوبة، فخرجوا إلى الصحراء بأنفسهم، ونسائهم، وصبيانهم، ودوابّهم، ولبسوا المسوح، وأظهروا التوبة، والتوحيد، وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس، والدوابّ، فحنّ البعض إلى البعض، فحن الأولاد إلى الأمهات، والأمهات إلى الأولاد، وعلت الأصوات، وعجّوا إلى الله، وتضرعوا إليه، وقالوا: آمنا بما جاء به يونس، وتابوا إلى الله، وأخلصوا النية، فرحمهم ربهم، فاستجاب دعاءهم، وكشف عنهم ما نزل بهم من العذاب بعدما أظلهم، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء، وكان يوم الجمعة. وهذا فحوى قوله تعالى في السورة المسماة باسمه رقم [٩٨] ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾. هذا؛ وقال الخازن في سورة (يونس) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، فإن قلت: كيف كشف الله العذاب عن قوم يونس بعد ما نزل بهم، وقبل توبتهم، ولم يكشف العذاب عن فرعون حين آمن به، ولم يقبل توبته، قلت: أجاب العلماء عن هذا بأجوبة: أحدها أن ذلك كان خاصّا بقوم يونس، والله يفعل ما يشاء. الجواب الثاني: أن فرعون ما آمن إلا بعد مباشرة العذاب، وهو وقت اليأس من الحياة، وقوم يونس دنا منهم العذاب، ولم ينزل بهم، ولم يباشرهم، فكانوا كالمريض يخاف الموت، ويرجو العافية. والجواب الثالث: أن الله علم صدق نيتهم في التوبة، فقبل توبتهم، بخلاف فرعون، فإنه ما صدق في إيمانه، ولا أخلص في توبته، فلم يقبل الله منه إيمانه. انتهى. تنبيه: لقد اختلف في معنى «أو» فقال الفراء: هي بمعنى: «بل» وعليه قول جرير من قصيدة يمدح فيها هشام بن عبد الملك، وهذا هو الشاهد رقم (١٠١) من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط] ماذا ترى في عيال قد برمت بهم؟ ... لم أحص عدّتهم إلاّ بعدّاد كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية... لولا رجاؤك قد قتّلت أولادي وقال غير الفراء: ﴿أَوْ﴾ هنا بمعنى: الواو لمطلق الجمع، وعليه قول جرير من قصيدة يمدح فيها الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز ﵁ وهو الشاهد رقم [٩٦] من كتابنا المذكور: [البسيط]

стр. 5246

جاء الخلافة أو كانت له قدرا... كما أتى ربّه موسى على قدر وهذا على قول الكوفيين، ولا يصح هذان القولان عند البصريين، وأنكروا كون: «أو» بمعنى: «بل»، وبمعنى: الواو؛ لأن «بل» للإضراب عن الأول، والإيجاب لما بعده، وتعالى الله عن ذلك، أو خروج من شيء إلى شيء، وليس هذا موضع ذلك، والواو معناه خلاف معنى (أو) فلو كان أحدهما بمعنى الآخر؛ لبطلت المعاني، ولو جاز ذلك؛ لكان: وأرسلناه إلى أكثر من مئتي ألف أخصر. وقال المبرد: المعنى: وأرسلناه إلى جماعة لو رأيتموهم؛ لقلتم: هم مئة ألف، أو أكثر، وإنما خوطب العباد على ما يعرفون. انتهى. قرطبي. هذا؛ وللبصريين فيها أقوال: قيل: هي للإبهام. وقيل: هي للتخيير، بمعنى: إذا رآهم الرائي تخير بين أن يقول: هم مئة ألف، أو يقول: هم أكثر. وقيل: هي للشك مصروفا إلى الرائي. وقيل: هي للإباحة، أي: فأنت مخير بأن تحزرهم، وتقدر عددهم كيف تشاء. وقيل: هي للشك بمعنى: أن الرائي يشك في عددهم، هل هم مئة أو يزيدون؟ والمبرد بصري المذهب، وانظر مبحث (أو) وشواهدها في كتابنا: «فتح القريب المجيب»؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وقد نقل الجمل عن العلماء في (أو) المذكورة هنا، وفي قوله تعالى ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ رقم [١٩] من سورة (البقرة) جواز إطلاق جميع المعاني؛ التي ذكرها ابن هشام في مغني اللبيب على (أو) في هاتين الآيتين. هذا؛ وقال ابن عباس-﵄: زادوا على مئة ألف عشرين ألفا. قال مقاتل بن حيان: زادوا سبعين ألفا على مئة ألف. هذا؛ وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: ولعله إنما لم يختم قصة يونس وقصة لوط بما ختم سائر القصص، تفرقة بينهما، وبين أصحاب الشرائع الكبراء، وأولي العزم من الرسل، أو اكتفاء بالتسليم الشامل لكل الرسل المذكورين في آخر السورة. هذا؛ والتمتع: التلذذ بالشيء، والانتفاع به، ومثله: الاستمتاع، والاسم: المتعة، فهنيئا لمن تمتع، واستمتع بالمباح الحلال، وويل، ثم ويل لمن تمتع، واستمتع بالحرام. هذا؛ والمتعة بكسر الميم وضمها: اسم للتمتيع، والزاد القليل، وما يتمتع به من الصيد، والطعام. ومتعة المرأة: ما وصلت به بعد الطلاق من نحو قميص، وزاد وملحفة، قال تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. هذا؛ وأمره للكفار في كثير من الآيات بأن يتمتعوا بدنياهم قليلا، أو بعبادتهم الأوثان، أو باتباعهم الأهواء، فإنها من قبيل الشهوات التي يتمتع بها، وفي التهديد لهم بصيغة الأمر إيذان بأنّ المهدّد عليه كالمطلوب؛ لإفضائه إلى المهدّد به. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٤] من سورة (يس).

стр. 5247

ومعنى قوله تعالى: ﴿فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ إلى منتهى آجالهم، وانظر شرح (الحين) في الآية رقم [٨٨] من سورة (ص). الإعراب: ﴿فَنَبَذْناهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (نبذناه): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (التقمه الحوت) فهي في محل جر مثلها، وعليه ف: (لولا) ومدخولها كلام معترض بين الجملتين المتعاطفتين. وقيل: الجملة معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: أمرنا الحوت بنبذه فنبذه ﴿بِالْعَراءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ:﴾ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. (أنبتنا): فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان به. ﴿شَجَرَةً:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ يَقْطِينٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿شَجَرَةً﴾. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَأَرْسَلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿إِلى مِائَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. و ﴿مِائَةِ﴾ مضاف، و ﴿أَلْفٍ﴾ مضاف إليه. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَزِيدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، وهو لازم هنا لم ينصب مفعولا، والمعنى يفيد أن له مفعولا مطلقا محذوفا، التقدير: يزيدون شيئا قليلا، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف. التقدير: أو هم يزيدون، والجملة الاسمية هذه معطوفة على الجملة الفعلية قبلها. ﴿فَآمَنُوا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (آمنوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف لدلالة المقام عليه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وهي بمنزلة جواب لسؤال مقدر، فكأن سائلا سأل ماذا فعلوا؟ فقيل: آمنوا بالله وصدقوا يونس، وجملة ﴿وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ:﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ (١٥٠) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)﴾ الشرح: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ:﴾ أي: اسأل أهل مكة، والخطاب للنبي ﷺ . ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ:﴾ قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: الكلام معطوف على مثله في أول السورة، وإن تباعدت بينهما المسافة، أمر رسوله باستفتاء قريش عن وجه إنكار البعث أولا، ثم ساق الكلام موصولا بعضه ببعض، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى؛ التي قسموها؛ حيث جعلوا لله الإناث، ولأنفسهم الذكور في قولهم: الملائكة بنات الله مع كراهتهم الشديدة لهنّ، ووأدهنّ واستنكافهم من ذكرهنّ. ولقد ارتكبوا في ذلك ثلاثة أنواع من الكفر: أحدها: التجسيم؛ لأن الولادة مختصة بالأجسام. والثاني: تفضيل أنفسهم على ربهم حين جعلوا، أوضع الجنسين له، وأرفعهما لهم،

стр. 5248

كما قال تعالى: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ الزخرف [١٧] و [١٨] والثالث: أنهم استهانوا بأكرم خلق الله عليه، وأقربهم إليه؛ حيث أنثوهم، ولو قيل لأقلهم، وأدناهم: فيك أنوثة، أو شكلك شكل النساء؛ للبس لقائله جلد النمر، ولانقلبت حماليقه، وذلك في أهاجيهم بيّن مكشوف، فكرر الله سبحانه الأنواع كلها في كتابه مرات، ودل على فظاعتها في آيات كثيرة، انتهى. هذا؛ والذين زعموا: أن الملائكة بنات الله هم قبيلة جهينة، وخزاعة، وبنو مليح، وبنو سلمة، وبنو عبد الدار. ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ﴾ أي: حاضرون لخلقنا إياهم إناثا، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ سورة الزخرف رقم [١٩] ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ:﴾ من كذبهم، وافترائهم. وانظر الآية رقم [٨٤]. ﴿لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللهُ﴾ أي: صدر منه الولد بزعمهم. ﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ:﴾ فيما يقولون ويفترون على الله. ﴿أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ أي: أي شيء يحمله على أن له البنات دون البنين، فهو كقوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٤٠]: ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾. هذا؛ والهمزة في قوله: ﴿أَصْطَفَى﴾ هي همزة الاستفهام؛ التي هي للتوبيخ، دخلت على ألف الوصل، وأصله: (أاصطفى) فحذفت الألف الثانية؛ لأنها ألف وصل. فإن قيل: فهلا أتوا بمدة بعد الألف، فقالوا: آصطفى؟ كقوله تعالى: ﴿اللهِ خَيْرٌ،﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ..﴾. إلخ قيل له: كان الأصل: (أألله) (أألذّكرين)، فأبدلوا من الألف الثانية مدة؛ ليفرقوا بين الاستفهام والخبر، وذلك لو أنهم قالوا: الله خير بلا مدّ، لالتبس الاستفهام بالخبر، ولم يحتاجوا إلى هذه المدة في قوله: (آصطفى) لأن ألف الاستفهام مفتوحة، وألف الخبر مكسورة، وذلك: أنك تقول في الاستفهام: (أطّلع، أفترى، أصطفى، أستغفرت) بفتح الألف، وتقول في الخبر: (اطّلع، افترى، اصطفى، استغفرت لهم) بالكسر، فجعلوا الفرق بالفتح، والكسر، ولم يحتاجوا إلى فرق آخر. انتهى. قرطبي. الإعراب: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (استفتهم): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿أَلِرَبِّكَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (لربك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْبَناتُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به ثان للفعل قبلهما المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مفعول به مثلها،

стр. 5249

والجملة الفعلية: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ..﴾. إلخ معطوفة على مثلها في الآية رقم [٩] وهذا قول الزمخشري، وغيره، واستبعده ابن هشام، فإنه يرى الاستئناف أقوى. والفاء هنا عاطفة تعقيبية بخلافها في المعطوف عليه فإنها الفصيحة، كما رأيت. (أم): حرف عطف. ﴿خَلَقْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْمَلائِكَةَ:﴾ مفعول به أول. ﴿إِناثاً:﴾ مفعول به ثان، وهذا على تضمين: ﴿خَلَقْنَا﴾ معنى: جعلنا. وقيل: هو حال. ولا وجه له؛ لأنه اسم جامد، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها، والجملة الاسمية: (هم شاهدون) في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا باللام، والرابط: الواو، والضمير. ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه، واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مِنْ إِفْكِهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿لَيَقُولُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (يقولون): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَدَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، ومفعوله محذوف يدل عليه المقام. ﴿وَإِنَّهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (إنهم): (إنّ): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَكاذِبُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (كاذبون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿أَصْطَفَى:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (اصطفى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الله. ﴿الْبَناتُ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿عَلَى الْبَنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿أَصْطَفَى..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: لكاذبون في قولهم: اصطفى... إلخ، وقيل: الجملة بدل من قوله: ﴿وَلَدَ اللهُ﴾ والأول أقوى، والجملة: ﴿وَلَدَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٥٧)﴾ الشرح: ﴿ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ:﴾ هذا تسفيه لهم، وتجهيل، أي: أي شيء حصل لكم حتى حكمتم بهذا الحكم الجائر؟! كيف يختار لنفسه أخس الجنسين على زعمكم؟! أي: ما لكم عقول تتدبرون بها ما تقولون؟! ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ:﴾ أفلا تتذكرون بطلان ادعائكم ببديهة العقل، فإن كل عاقل يدرك ذلك بداهة، سواء كان ذكيا، أم غبيا. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ أي: أم لكم برهان بين، وحجة

стр. 5250

واضحة على أن الله تعالى اتخذ الملائكة بنات له. ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي: فائتوا بهذا الكتاب الذي يشهد بصحة دعواكم فيما تزعمون! ولا كتاب لهم، والغرض تعجيزهم، وبيان: أنهم لا يستندون في أقوالهم الباطلة على دليل شرعي، ولا منطق عقلي، وإنما هو هراء؛ لا قيمة له، ولا اعتبار. وفيه سخرية بهم، واستهزاء؛ لأن الله يعلم بأنهم لا كتاب لهم. هذا؛ ولا تنس: الالتفات من الغيبة في الآيات السابقة إلى الخطاب في هذه الآيات. أما: (ائتوا)، فهو أمر من: أتى، يأتي، والأمر بهمزتين: همزة الوصل؛ التي يتوصل بها إلى النطق بالساكن، والثانية هي فاء الفعل، ولا يجتمع همزتان، فإذا ابتدأت الكلام قلت: إيتوا بإبدال الثانية ياء لكسر ما قبلها، فإذا وصلت الكلام زالت العلة في الجمع بين همزتين، فتحذف همزة الوصل، وتعود الهمزة الأصلية، فتقول ائت، ومثل ذلك قل في إعلال: أذن يأذن، إءذن. الإعراب: ﴿ما:﴾ اسم استفهام إنكاري توبيخي مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام وتعجب مبني على الفتح في محل نصب حال، عامله ما بعده. ﴿تَحْكُمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، لدلالة المقام عليه. هذا؛ وقال الجمل نقلا عن السمين: الجملتان استفهاميتان، ليس لإحداهما تعلق بالأخرى من حيث الإعراب، استفهم أولا عما استقر لهم، وثبت، استفهام إنكار، وثانيا استفهام تعجب من حكمهم بهذا الحكم الجائر، وهو أنهم نسبوا أخس الجنسين، وما يتطيرون به، ويتوارى أحدهم من قومه عند بشارته به إلى ربهم، وأحسن الجنسين إليهم. انتهى. ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ في الآية رقم [١٣٨]. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿سُلْطانٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة له. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. وجملة: ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ معترضة بين الجملتين المتعاطفتين. ﴿فَأْتُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة فيما أرى، ومن يجيز عطف الإنشاء على الخبر يعتبرها عاطفة، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، (ائتوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِكِتابِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الشرطية مرتبطة بما قبلها، لا محل لها مثلها.

стр. 5251

﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)﴾ الشرح: ﴿وَجَعَلُوا﴾ أي: كفار قريش، والعرب. ﴿بَيْنَهُ﴾ أي: بين الله. ﴿وَبَيْنَ الْجِنَّةِ﴾ أي: الملائكة، سمّوا جنة لاجتنانهم، أي: لاختفائهم عن الأبصار. ﴿نَسَباً﴾ أي: مصاهرة، وقرابة؛ حيث قالوا: إنه نكح من الجن، فولدت له الملائكة! ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ﴾ أي: الملائكة. ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: المشركين. ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: في العذاب يوم القيامة، لا يمنعهم مانع من عذاب الله. ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ:﴾ تنزه الله، وتقدس، وتعالى عما يصفه به المشركون من اتخاذ الولد من الملائكة، أو غيرهم، فهو أجل، وأعظم. هذا؛ ولا تنس الالتفات من الخطاب في الآية السابقة إلى الغيبة في هذه الآيات. هذا؛ والجنة بكسر الجيم: الملائكة، وهي أيضا الجنّ، قال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ،﴾ وقال تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ من سورة (هود) رقم [١١٩]، ومن سورة (السجدة) رقم [١٣] وعلى هذا فهما جنس واحد، ولكن من خبث من الجن، ومرد، وكان شرّا كله؛ فهو شيطان، ومن طهر منهم، ونسك، وكان خيرا كله، فهو ملك، فذكرهم الله في هذا الموضع باسم جنسهم، وإنما ذكرهم بهذا الاسم وضعا منهم، وتقصيرا بهم، وإن كانوا معظمين في أنفسهم أن يبلغوا منزلة المناسبة؛ التي أضافوها إليهم، انتهى. كشاف. وهذا مردود قطعا؛ لأن الملائكة مخلوقون من نور، والجن مخلوقون من نار، وشتان ما بين المادتين، وما قاله الزمخشري يقال في مؤمني الجن وكافريهم، فمن طهر منهم؛ فهو مؤمن، وكان خيرا كله، ومن خبث منهم؛ فهو شيطان، وكان شرّا كله، ولكن تبقى التسمية جائزة على الملائكة، والجن؛ لعدم رؤيتنا لهم بسبب اجتنانهم، أي: اختفائهم عن الأبصار. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٣] من سورة (الأحزاب)؛ إن أردت الزيادة، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وجنة بكسر الجيم أيضا: الجنون، أي: ذهاب العقل، قال تعالى في سورة (الأعراف)، رقم [١٨٤]: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ،﴾ وقال في سورة (المؤمنون) رقم [٧٠]: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ..﴾. إلخ. والجنة بفتح الجيم: البستان والحديقة، وأيضا: جنة عدن التي وعد الله عباده المؤمنين، وسميت بذلك لكثرة أشجارها التي تجن، أي: تستر، وتخفي من يدخل فيها. وجنّة بضم الجيم: وقاية وحفظ من الشر، قال الرسول ﷺ من وصيته لمعاذ بن جبل-﵁: «والصيام جنّة». وقال تعالى في الآية رقم [١٦] من سورة (المجادلة)، والآية رقم [٢] من سورة (المنافقون): ﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ ومن

стр. 5252

ذلك: الجنين الذي يكون في بطن المرأة أيام حملها، وجمعه: أجنة، قال تعالى في سورة النجم رقم [٣٢]: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾. هذا؛ و (بين) ظرف مكان بمعنى: وسط بسكون السين، لا يدخل إلا على متعدد لفظا، أو حكما، تقول: جلست بين القوم، كما تقول: جلست وسط القوم. هذا؛ والبين: الفراق، والبعاد، وهو أيضا الوصل، فهو من الأضداد، كالجون يطلق على الأسود، والأبيض، ومن استعماله بمعنى: الوصل ما قرئ به في سورة (الأنعام) رقم [٩٤]: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ حيث قرئ برفعه. ومن استعماله بمعنى: الفراق، والبعاد قول كعب بن زهير-﵁-من قصيدته؛ التي مدح بها النبي ﷺ ، وهو الشاهد رقم [٨٠٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط] وما سعاد غداة البين إذ رحلوا... إلاّ أغنّ غضيض الطّرف مكحول وانظر الأضداد في الآية رقم [٥٧] من سورة (النمل) فإنه جيد. الإعراب: ﴿وَجَعَلُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (جعلوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بَيْنَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. وقيل: متعلق بمحذوف مفعول ثان تقدم على الأول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَ:﴾ معطوف على ما قبله، و (بين) مضاف، و ﴿الْجِنَّةِ﴾ مضاف إليه. ﴿نَسَباً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَقَدْ﴾ انظر الآية رقم [١١٤] تجد الإعراب وافيا كافيا. ﴿عَلِمَتِ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿الْجِنَّةِ:﴾ فاعله، وهو معلّق عن العمل لفظا بسبب لام الابتداء، ولذا كسرت همزة (إن) قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] وكسروا من بعد فعل علّقا... باللاّم كاعلم إنّه لذو تقى ﴿إِنَّهُمْ:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، الهاء اسمها. ﴿لَمُحْضَرُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (محضرون): خبر (إنّ) مرفوع... إلخ، والجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد المفعول به، وجملة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ..﴾. إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿سُبْحانَ:﴾ مفعول مطلق، عامله محذوف، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول به محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿سُبْحانَ،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة والموصوفة والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: عن الذي، أو عن شيء يصفونه به، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن) التقدير: سبحان الله، أي: تنزه الله عن وصفهم له بما ذكر، وهذا الكلام مستأنف، لا محل له. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء،

стр. 5253

بمعنى: لكن. ﴿عِبادَ:﴾ استثناء منقطع؛ لأنّ ما قبله وعيد، وهم لم يدخلوا في هذا الوعيد، و ﴿عِبادَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْمُخْلَصِينَ:﴾ صفة: ﴿عِبادَ﴾ منصوب مثله. هذا؛ وقال أبو السعود: هذا الكلام من هنا إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ من كلام الملائكة، وعلى هذا فالاستثناء من واو الجماعة بقوله: ﴿يَصِفُونَ﴾ والمعنى يصفه هؤلاء بذلك، ولكن المخلصون برآء من أن يصفوه به. أو هو استثناء منقطع من المحضرين معناه: ولكن المخلصين ناجون من النار، و ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ اعتراض بين الاستثناء، وبين ما وقع منه. انتهى. نسفي بتصرف. وما قاله أبو السعود، أولى بالاعتبار؛ ليبقى الكلام من قوله: ﴿سُبْحانَ..﴾. إلخ من كلام الملائكة كما رأيت، وقول النسفي مأخوذ من قول الزمخشري، والبيضاوي جاراه في ذلك. ﴿فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (١٦٢) إِلاّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ الشرح: ﴿فَإِنَّكُمْ﴾ خطاب لأهل مكة. ﴿وَما تَعْبُدُونَ﴾ أي: من الأصنام، والآلهة الباطلة. ﴿ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على الله. ﴿بِفاتِنِينَ﴾ أي: بمضلين أحدا. ومعنى هذه الآية: فإنكم ومعبوديكم ما أنتم، وهم جميعا بفاتنين على الله إلا أصحاب النار؛ الذين سبق في علمه: أنهم لسوء أعمالهم يستوجبون أن يصلوها. ومعنى: يفتنونهم على الله: يفسدونهم عليه بإغوائهم، واستهزائهم، من قولك: فتن فلان على فلان امرأته، كما تقول: أفسدها عليه، وخببها عليه. «إلا من هو صالي الجحيم» أي: إلا من سبق له في علم الله تعالى الأزلي الشقاوة، وأنه سيدخل النار. هذا؛ وقرأ الحسن شاذا برفع صال، وأنا أثبت الياء في الرسم على الأصل. ولا تنس الالتفات من الغيبة في الآيات السابقة إلى الخطاب في هذه الآيات، وانظر الالتفات في الآية رقم [١٣٥]. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: في هذه الآية ردّ على القدرية. قال عمرو بن ذر: قدمنا على عمر بن عبد العزيز-رحمه الله تعالى-، فذكر عنده القدر، فقال عمر: لو أراد الله ألاّ يعصى؛ ما خلق إبليس، وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما في كتاب الله ، عرفه من عرفه، وجهله من جهله، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ إلا من كتب الله عليه أن يصلى الجحيم. وقال: فصلت هذه الآية بين الناس، وفيها من المعاني: أن الشياطين لا يصلون إلى إضلال أحد إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي؛ ولو علم الله أنه يهتدي لحال بينه وبينهم، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ رقم [٦٤] من سورة (الإسراء) أي: لست تصل منهم إلى شيء إلا إلى ما في علمي، وقال لبيد-﵁-في تثبيت القدر، فأحسن: [الرمل] إنّ تقوى ربّنا خير نفل... وبإذن الله ريثي وعجل أحمد الله فلا ندّ له... بيديه الخير ما شاء فعل

стр. 5254

من هداه سبل الخير اهتدى... ناعم البال ومن شاء أضل قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: فتنت الرجل. وأهل نجد، يقولون: أفتنته. انتهى. قرطبي. هذا؛ والقرآن جاء بلغة أهل الحجاز، وهو كثير لا يعد، ولا يحصى، قال تعالى في سورة (البروج): ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾. و (فاتنين): اسم فاعل من الثلاثي، و (صالي): اسم فاعل من: صلي فلان النار بالكسر يصلى صليّا، أي: احترق. وقال الجوهري: يقال: صليت الرجل نارا: إذا أدخلته النار، وجعلته يصلاها، فإن ألقيته فيها إلقاء، كأنك تريد الاحتراق؛ قلت: أصليته بالألف، وصلّيته تصلية. ويقال أيضا: صلي بالأمر: إذا قاسى حره، وشدته. واصطليت بالنار، وتصليت بها؛ إذا استدفأت بها، وفلان لا يصطلى بناره: إذا كان شجاعا لا يطاق. الإعراب: ﴿فَإِنَّكُمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إنكم): (إنّ): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو المعية. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول معه، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: إنكم مع الذي، أو: الذين تعبدونهم، وإن اعتبرت (ما) مصدرية، تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول معه، التقدير: فإنكم مع معبوديكم، وخبر (إنّ) محذوف لسد المفعول معه مسده، التقدير: فإنكم وآلهتكم قرناء لا تزالون تعبدونها، وعلى هذا يحسن السكوت على ﴿تَعْبُدُونَ،﴾ كما يحسن في قولك: كل رجل وضيعته، أي: مقترنان. هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) معطوفة على اسم (إنّ)، وعليه فلا يحسن الوقف على ﴿تَعْبُدُونَ،﴾ وعلى هذا فيكون من أسلوب قول الوليد بن عقبة بن أبي معيط، الفاسق بن الفاسق يحض معاوية على حرب عليّ كرم الله وجهه: [الوافر] فإنّك والكتاب إلى عليّ... كدابغة وقد حلم الأديم أي: فإنك مع كتابتك إليه كدابغة حال حلم الأديم، فلا يمكن الانتفاع به، والحلم بالتحريك: أن يفسد الإهاب في العمل، ويقع فيه دود فيتنقب، تقول منه: حلم الأديم بالكسر. ﴿ما:﴾ نافية حجازية تعمل عمل: «ليس»، أو هي مهملة تميمية. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم ﴿ما﴾. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿بِفاتِنِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة، (فاتنين): خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلا، أو هو خبر المبتدأ على إهمال ﴿ما﴾ مجرور لفظا مرفوع محلا، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها على الوجه الأول في ﴿ما،﴾ وفي محل رفع خبر (إنّ) وما عطف عليه على الوجه الثاني فيها، وهو عطفها على اسم (إنّ). ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ل: (فاتنين)، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ وإن اعتبرت المفعول محذوفا، فالموصول في محل نصب على الاستثناء، التقدير: ما أنتم عليه بفاتنين أحدا، إلا من... إلخ. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿صالِ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، و ﴿صالِ﴾ مضاف، و ﴿الْجَحِيمِ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها.

стр. 5255

﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ الشرح: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ:﴾ ذكرت لك فيما سبق: أن هذا الكلام من قول الملائكة تعظيما لله ، وإنكارا منهم عبادة من عبدهم. قال مقاتل-رحمه الله تعالى-: هذه الثلاث الآيات نزلت؛ ورسول الله ﷺ عند سدرة المنتهى، فتأخر جبريل ﵇، فقال النبي ﷺ : «أهنا تفارقني؟». فقال: ما أستطيع أن أتقدم عن مكاني. وأنزل الله تعالى حكاية عن قول الملائكة: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ..﴾. إلخ الآيات. قالت عائشة-﵂-قال رسول الله ﷺ : «ما في السماء موضع قدم إلاّ عليه ملك ساجد، أو قائم». وعن أبي ذر الغفاري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّي أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطّت السّماء وحقّ لها أن تئطّ، ما فيها موضع أربع أصابع، إلاّ وملك واضع جبهته ساجدا لله! والله لو تعلمون ما أعلم؛ لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى الله! لوددت أنّي كنت شجرة تعضد». أخرجه أبو عيسى الترمذي-رحمه الله تعالى-، والجملة الأخيرة مدرجة من كلام الراوي فيما يظهر. هذا؛ والأطيط: أصوات الإبل، وحنينها من ثقل أحمالها. وقيل: أصوات الأقتاب؛ التي على الإبل من ثقل الأحمال. ومعنى الحديث: ما في السماء من الملائكة قد أثقلها، حتى أطت، وهذا مؤذن بكثرة الملائكة، وإن لم يكن ثمّ أطيط. انتهى. خازن. والحديث موجود في القرطبي بكامله. وقال قتادة: كان يصلي الرجال، والنساء جميعا حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ قال: فتقدم الرجال، وتأخر النساء، وهذا يعني: أن الآيات مدنية، وليس بشيء يعتد به. ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ:﴾ قال الكلبي: صفوفهم كصفوف أهل الدنيا في الأرض. وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة-﵁-قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، ونحن في المسجد، فقال: «ألاّ تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربّها». فقلنا: يا رسول الله! كيف تصفّ الملائكة عند ربها؟ قال: «يتمّون الصفوف الأول، ويتراصّون في الصف». وكان عمر-﵁ يقول إذا قام للصلاة: أقيموا صفوفكم، واستووا، إنما يريد الله بكم هدي الملائكة عند ربها، ويقرأ: ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ تأخر يا فلان، تقدم يا فلان، ثم يتقدم فيكبر. ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: المصلون. قاله قتادة. وقيل: أي: المنزهون الله عما أضافه إليه المشركون. والمراد: أنهم يخبرون: أنهم يعبدون الله بالتسبيح، والصلاة، وليسوا معبودين، ولا بنات الله. انتهى. قرطبي. هذا؛ ولا تنس الالتفات من الخطاب في الآيات السابقة إلى التكلم في هذه الآيات.
следующие страницы →