Полный текст (7 463 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.
стр. 5391
دخل النور القلب انشرح، وانفسح». قلنا: يا رسول الله! فما علامات ذلك؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتّجافي عن دار الغرور، والتأهّب للموت قبل نزول الموت».
﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ أي: من ترك ذكر الله، أو من أجل ذكر الله؛ أي: إذا ذكر الله عندهم، أو آياته؛ ازدادت قلوبهم قسوة، كقوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [١٢٥] ﴿فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ فإنهم كلما تلي ذكر الله على الذين يكذبون به؛ قست قلوبهم عن الإيمان به. وقيل: إن النفس إذا كانت خبيثة الجوهر، كدرة العنصر، بعيدة عن قبول الحق؛ فإن سماعها لذكر الله لا يزيدها إلا قسوة، وكدورة، كحر الشمس يلين الشمع، ويعقد الملح، فكذلك القرآن يلين قلوب المؤمنين عند سماعه، ولا يزيد الكافرين، والملحدين، والفاجرين إلا قسوة. قال مالك بن دينار: ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب، وما غضب الله تعالى على قوم إلا نزع الرّحمة منهم. انتهى. خازن.
وعن أبي سعيد الخدري-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «قال الله تعالى: اطلبوا الحوائج من السّمحاء، فإني جعلت فيهم رحمتي، ولا تطلبوها من القاسية قلوبهم، فإني جعلت فيهم سخطي». انتهى. قرطبي. وعن عبد الله بن عمر-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإنّ كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإنّ أبعد النّاس من الله تعالى القلب القاسي». رواه الترمذي. وعن أبي هريرة-﵁-قال: سمعت الصادق المصدوق صاحب هذه الحجرة أبا القاسم ﷺ يقول: «لا تنزع الرّحمة إلاّ من شقيّ». رواه أبو داود والترمذي.
أما أسباب قسوة القلب؛ فإني أوجزها لك بما يلي: منها: أكل الحرام، فإن الشخص الذي لا يبالي من أين أكل من الحلال، أم من حرام، تخبث نفسه، ويقسو قلبه، وتفحش أعماله، وتسوء أخلاقه. ومنها: اتباع الهوى، والانقياد للشيطان الرجيم، فإن الشخص الذي يسلسل لنفسه قيادها؛ تجره إلى المهالك، والذي ينقاد إلى شيطانه؛ يأمره بكل شر، وينهاه عن كل خير.
ومنها: كثرة الشغف بالمجادلة، والمخاصمة بالباطل. فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم قرأ: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً»﴾. رواه الترمذي، وابن ماجه. وقال أنس بن مالك-﵁: المراء يقسي القلوب، ويورث الضغائن. ومنها: الغفلة عن ذكر الله تعالى، وعدم مراقبته في السر والعلن، والإعراض عن أداء واجبات الله تعالى، كالصلاة، وغيرها، فإن الشخص الذي يعرض عن الله؛ يعرض الله عنه، ويكله إلى شيطانه. مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾. ورحم الله ابن المبارك؛ إذ يقول: [المتقارب]
رأيت الذّنوب تميت القلوب... وقد يورث الذّلّ إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب... وخير لنفسك عصيانها
стр. 5392
ومنها: الانغماس في الشهوات، واللذات، والإغراق في الترف، والنعيم، وكثرة الأكل، والشراب. قال بعض العلماء: من كثر أكله؛ كثر شربه، ومن كثر شربه؛ كثر نومه، ومن كثر نومه، كثر تخمه، ومن كثر تخمه؛ قسا قلبه، ومن قسا قلبه؛ غرق في الآثام، ومن غرق في الآثام؛ فالنار أولى به! ورحم الله من يقول: [الطويل]
يميت الطعام القلب إن زاد كثرة... كزرع إذا بالماء قد زاد سقيه
وإنّ لبيبا يرتضي نقص عقله... بأكل لقيمات لقد ضلّ سعيه
خاتمه:
قيل: نزلت الآية الكريمة في أبي بكر الصديق-﵁-وأبيّ بن خلف. وقيل:
نزلت في علي، وحمزة-﵄-وفي أبي لهب، وولده. وقيل: نزلت في رسول الله ﷺ وفي أبي جهل. والأولى التعميم. قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٢٢]: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها﴾.
الإعراب: ﴿أَفَمَنْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الفاء: حرف استئناف، أو هي عاطفة على محذوف، التقدير: أكل الناس سواء، فمن... إلخ. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. خبره محذوف، انظر تقديره في الشرح، وبعضهم يعتبر (من) شرطية مبتدأ، خبرها جملة الشرط، أو الجواب، أو هما معا، كما ذكرته مرارا. ﴿شَرَحَ:﴾ فعل ماض.
﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، أو هي شرط (من) على اعتبارها شرطية.
﴿صَدْرَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لِلْإِسْلامِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: حرف عطف وتفريع. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿عَلى نُورٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿مِنْ رَبِّهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿نُورٍ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف. والثانية بالإتباع.
﴿فَوَيْلٌ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ويل): مبتدأ، ساغ الابتداء به؛ لأن فيه معنى الدعاء.
﴿لِلْقاسِيَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿قُلُوبُهُمْ:﴾ فاعل ب: (القاسية)؛ لأنه اسم الفاعل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ ذِكْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ثان، وإن اعتبرت:
﴿لِلْقاسِيَةِ﴾ متعلقين ب: (ويل)؛ ف: ﴿مِنْ ذِكْرِ﴾ هما الخبر لا غير، و ﴿ذِكْرِ﴾ مضاف، و ﴿اللهُ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة: ﴿ضَلالٍ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
стр. 5393
﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٢٣)﴾
الشرح: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ:﴾ روي: أن الصحابة رضوان الله عليهم ملّوا ملّة، فقالوا: يا رسول الله! حدثنا حديثا حسنا. فنزلت. والمعنى: أن فيه مندوحة عن سائر الأحاديث، وإنما كان القرآن أحسن الحديث لوجهين: أحدهما من جهة اللفظ، والآخر من جهة المعنى، أما الأول؛ فلأن القرآن من أفصح الكلام، وأجزله وأبلغه، وليس هو من جنس الشعر، ولا من جنس الخطب والرسائل، بل هو نوع يخالف الكل في أسلوبه، وأما الوجه الثاني، وهو كون القرآن من أحسن الحديث لأجل المعنى؛ فلأنه كتاب منزه عن التناقض والاختلاف، مشتمل على أخبار الماضين، وقصص الأولين، وعلى أخبار الغيوب الكثيرة، وعلى الوعد والوعيد والجنة والنار. انتهى. خازن.
قال أبو حيان: والابتداء باسم الله، وإسناد ﴿نَزَّلَ﴾ لضميره، فيه تفخيم للمنزل ورفع من قدره، كما تقول: الملك أكرم فلانا، فإنه أفخم من أكرم الملك فلانا، وحكمة ذلك البداءة بالأشرف. انتهى. صفوة التفاسير.
﴿كِتاباً مُتَشابِهاً﴾ أي: قرآنا متشابها، يشبه بعضه بعضا في الفصاحة والبلاغة، والتناسب بدون تعارض، ولا تناقض، وفي تركيب النظم، وصحة المعنى، والدلالة على المنافع العامة.
﴿مَثانِيَ﴾ أي: تثنى فيه وتكرر المواعظ والأحكام، والحلال والحرام، والوعد والوعيد، وتردّد فيه القصص والأخبار، والأحكام والحجج دون سأم، أو ملل، وإنما وصف الكتاب، وهو مفرد ب: ﴿مَثانِيَ﴾ وهو جمع؛ لأن الكتاب جملة ذات تفاصيل، وتفاصيل الشيء هي جملته لا غير، ألا تراك تقول: القرآن أسباع وأخماس، وسور وآيات فكذلك تقول: أقاصيص وأحكام ومواعظ مكررات. ونظيره قولك: الإنسان عروق وعظام وأعصاب، إلا أنك تركت الموصوف إلى الصفة، وأصله كتابا متشابها فصولا مثاني. قاله في الكشاف.
﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ..﴾. إلخ: اقشعرّ جلده: إذا تقبض، وتجمع من الخوف، ووقف شعره.
والمصدر: الاقشعرار، والقشعريرة أيضا، ووزن اقشعرّ: افعللّ، ووزن القشعريرة: فعلليلة، وإنما ذكرت الجلود وحدها أولا، ثم قرنت بالقلوب ثانيا؛ لأن ذكر الخشية التي محلها القلوب مستلزم لذكر القلوب، فكأنه قيل: تقشعر جلودهم، وتخشى قلوبهم في أول الأمر، فإذا ذكروا الله، وذكروا رحمته، وسعتها، استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم، وبالقشعريرة لينا في جلودهم. انتهى. جمل نقلا من كرخي.
стр. 5394
وقال العارفون: إذا نظروا إلى عالم الجلال؛ طاشوا، وإن لاح لهم أثر من عالم الجمال؛ عاشوا. قال ابن كثير: هذه صفة الأبرار عند سماع كلام الجبار؛ إذا قرؤوا آيات الوعد، والوعيد، والتخويف، والتهديد؛ تقشعرّ جلودهم من الخشية والخوف، وإذا قرؤوا آيات الرحمة؛ لانت جلودهم، وقلوبهم؛ لما يرجون من رحمته، ولطفه. انتهى. وخذ ما يلي: عن العباس بن عبد المطلب-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اقشعرّ جلد العبد من خشية الله؛ تحاتّت عنه ذنوبه، كما يتحاتّ عن الشجرة اليابسة ورقها». رواه أبو الشيخ في كتاب «الثواب»، والبيهقي.
هذا؛ وقال قتادة-﵁: هذا نعت أولياء الله، الذين نعتهم الله به: أنهم تقشعر جلودهم، وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم، والغشيان عليهم، إنما ذلك في أهل البدع، وهو من الشيطان. وروي عن عبد الله بن عروة بن الزبير-﵃-قال:
قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر-﵄: كيف كان أصحاب رسول الله ﷺ يفعلون إذا قرئ عليهم القرآن؟ قالت: كما نعتهم الله- -تدمع أعينهم، وتقشعر جلودهم. قال عبد الله: فقلت لها: إن ناسا اليوم إذا قرئ عليهم القرآن خرّ أحدهم مغشيا عليه، قالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
وروي: أن عبد الله بن عمر-﵄-مرّ برجل من أهل العراق ساقط، قال:
ما بال هذا؟ قالوا: إنه إذا قرئ عليه القرآن، أو سمع ذكر الله؛ سقط، فقال: إنا لنخشى الله، وما نسقط. وقال ابن عمر: إن الشيطان يدخل في جوف أحدهم، ما كان هذا صنيع أصحاب رسول الله ﷺ ! وذكر عند ابن سيرين الذين يصرعون إذا قرئ عليهم القرآن، فقال: بيننا وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت باسطا رجليه، ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره، فإن رمى بنفسه؛ فهو صادق. وقال أبو عمران الجوني: وعظ موسى ﵇ بني إسرائيل ذات يوم، فشق رجل قميصه، فأوحى الله إلى موسى: قل لصاحب القميص: لا يشق قميصه؛ فإني لا أحب المبذرين؛ يشرح لي عن قلبه.
وعن ثابت البناني؛ قال: قال فلان: إني لأعلم متى يستجاب لي! قالوا: ومن أين تعلم ذلك؟ قال: إذا اقشعر جلدي، ووجل قلبي، وفاضت عيناي، فذلك حين يستجاب لي. وعن شهر بن حوشب عن أم الدرداء-﵂-قالت: إنما الوجل في قلب الرجل كاحتراق السعفة، أما تجد إلا قشعريرة؟ قلت: بلى! قالت: فادع الله، فإن الدعاء عند ذلك مستجاب.
قال سعد بن أبي وقاص-﵁: قال أصحاب رسول الله ﷺ : لو حدثتنا! فأنزل الله : ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ..﴾. إلخ. فقالوا: لو قصصت علينا! فأنزل ﵎: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾. فقالوا: لو ذكرتنا! فأنزل الله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ﴾. ﴿ذلِكَ﴾ أي: القرآن؛ الذي هو أحسن الحديث. ﴿هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ﴾
стр. 5395
﴿مَنْ يَشاءُ﴾ أي: من عباده، وهو من علم منهم اختيار الاهتداء في الأزل. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ أي: يجعل الله قلبه قاسيا منافيا لقبول الهداية، فما له من هاد يهديه إلى الحق، والصواب. وفي هذه الآية رد على المعتزلة القائلين: إن العبد يخلق أفعال نفسه.
هذا؛ وهاد أصله: «هادي» بضمة على الياء علامة للرفع، أو بكسرة على الياء علامة للجر، وبتنوين الصرف، لكن استثقلت الضمة، أو الكسرة على الياء بعد كسرة، فسكنت الياء، فالتقى ساكنان: الياء، والتنوين، فحذفت الياء لعلة الالتقاء، وبقيت الدال مكسورة على ما كانت عليه قبل الإعلال، فقيل: هاد بالكسرة، وإنما لم يقل بالرفع؛ لأن الياء محذوفة لعلة الالتقاء، فهي كالثابتة، فتمنع الرفع للدال، وهكذا قل في إعلال كل اسم منقوص مجرد من: أل، والإضافة، سواء أكان ثلاثيا، أم رباعيا؟
الإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿نَزَّلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى:
﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿أَحْسَنَ:﴾ مفعول به. وهو مضاف، و ﴿الْحَدِيثِ﴾ مضاف إليه. ﴿كِتاباً:﴾ بدل من: ﴿أَحْسَنَ،﴾ أو هو حال منه، والأول أقوى.
﴿مُتَشابِهاً:﴾ صفة: ﴿كِتاباً﴾. ﴿مَثانِيَ:﴾ صفة ثانية، أو حال منه بعد وصفه لما تقدم.
﴿تَقْشَعِرُّ:﴾ فعل مضارع. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿جُلُودُ:﴾ فاعله، و ﴿جُلُودُ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة.
﴿يَخْشَوْنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿رَبَّهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿تَقْشَعِرُّ..﴾. إلخ تصلح للحالية، والوصفية ل: ﴿كِتاباً،﴾ والجملة الاسمية: ﴿اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿تَلِينُ:﴾ فعل مضارع. ﴿جُلُودُهُمْ:﴾ فاعله. ﴿وَقُلُوبُهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء فيهما ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِلى ذِكْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿إِلى﴾ بمعنى: «عند» و ﴿ذِكْرِ﴾ مضاف، و ﴿اللهُ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، وجملة: ﴿تَلِينُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿هُدَى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، و ﴿هُدَى﴾ مضاف، و ﴿اللهُ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى:
﴿اللهُ﴾. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو
стр. 5396
الرابط محذوف، التقدير: يهدي به الذي، أو: شخصا يشاء الله هدايته، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: هدى الله، أو هي في محل رفع خبر ثان للمبتدأ، والرابط: الضمير المجرور محلا بالياء، والعامل في الحال اسم الإشارة.
﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو هو في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿يُضْلِلِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، ومفعوله محذوف على اعتبار (من) مبتدأ. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿فَما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.
(ما): نافية. ﴿اللهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿هادٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان. وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الشرطية على الوجهين المعتبرين في ﴿مَنْ﴾ مستأنفة، لا محل لها.
﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤)﴾
الشرح: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ:﴾ شدته. ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ:﴾ قيل: يجر على وجهه في النار. وقيل: يرمى به في النار منكوسا. فأول شيء تمسه النار منه وجهه. وقيل: هو الكافر يرمى به منكوسا في النار، مغلولة يداه إلى عنقه، وفي عنقه صخرة من كبريت مثل الجبل العظيم، فتشتعل النار في تلك الصخرة، وهي في عنقه، فحرها، ووهجها على وجهه لا يطيق دفعها عنه للأغلال التي في يديه، وعنقه. ومعنى الآية: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب، كمن هو آمن من العذاب؟ انتهى. خازن، وخذ قوله تعالى في سورة (فصلت) رقم [٤٠]: ﴿أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ،﴾ وقال تعالى في سورة (الملك) رقم [٢٢]: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
﴿وَقِيلَ لِلظّالِمِينَ﴾ أي: تقول لهم الخزنة. فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالظلم، وإشعارا بالموجب لما يقال لهم. ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أي: ذوقوا وبال، ونتيجة ما كسبتم في الحياة الدنيا من المعاصي. هذا؛ وقد راعى لفظ (من) بقوله: ﴿يَتَّقِي﴾ ومعناها بقوله: ﴿ذُوقُوا..﴾. إلخ. وانظر إذاقة العذاب في الآية رقم [٣٨] من سورة (الصافات)، وانظر التعبير عن الكافرين بالظالمين، ونحوه في الآية رقم [٥٩] من سورة (يس).
стр. 5397
الإعراب: ﴿أَفَمَنْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء: حرف استئناف. وقيل: عاطفة على محذوف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: كمن هو آمن من العذاب. ﴿يَتَّقِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو». ﴿بِوَجْهِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿سُوءَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْعَذابِ﴾ مضاف إليه. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل: ﴿يَتَّقِي،﴾ و ﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: (من يتقي...) إلخ لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الفاء.
﴿وَقِيلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قيل): ماض مبني للمجهول. ﴿لِلظّالِمِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿ذُوقُوا:﴾ فعل أمر للإهانة مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.
﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وهي في الأصل مضاف إليه، التقدير: ذوقوا جزاء ما، فلما حذف المضاف؛ أقيم المضاف إليه مقامه.
﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة: ﴿تَكْسِبُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: جزاء الذي، أو: جزاء شيء كنتم تكسبونه. هذا؛ وجوز اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر، ويكون التقدير: ذوقوا جزاء كسبكم، وجملة: ﴿ذُوقُوا..﴾. إلخ في محل رفع نائب فاعل:
(قيل)، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٥] من سورة (يس)، ففيها فضل بيان، وجملة: ﴿وَقِيلَ..﴾.
إلخ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها. وقيل: هي في محل نصب حال من فاعل:
﴿يَتَّقِي﴾ المستتر، و «قد» قبلها مقدرة، والرابط: وضع الظاهر موضع الضمير، والواو أيضا.
﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٥)﴾
الشرح: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ قبل كفار مكة، كذبوا رسلهم، وذلك مثل قوم هود، وصالح، وشعيب، ولوط، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. ﴿فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي: من الجهة التي لا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها، وهم غافلون، ساهون، لاهون. هذا؛ والشعور: إدراك الشيء من وجه يدق، ويخفى، مشتق من الشعر لدقته، وسمي الشاعر شاعرا لفطنته، ودقة معرفته. هذا؛ و ﴿حَيْثُ﴾ ظرف مكان اتفاقا مبني على الضم؛ لأنه لا يدل على موضع بعينه، وفيه ست لغات: بالياء مع الضم، والفتح، والكسر، وبالواو مع الضم والفتح والكسر، وهي: حيث، وحيث، وحيث، وحوث، وحوث، وحوث. انظر بحثها وشواهدها في كتابنا: «فتح القريب المجيب».
الإعراب: ﴿كَذَّبَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة
стр. 5398
الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَتاهُمُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به. ﴿الْعَذابُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية، معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿مِنْ حَيْثُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وتعليقهما بمحذوف حال من ﴿الْعَذابُ﴾ ضعيف، و ﴿حَيْثُ﴾ مبني على الضم في محل جر. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَشْعُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿حَيْثُ﴾ إليها.
﴿فَأَذاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾
الشرح: ﴿فَأَذاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ:﴾ الذل، والصغار، والإهانة. كالمسخ، والخسف، والقتل، والجلاء، والغرق، والهلاك، والدمار، ونحو ذلك من أنواع العذاب مما قصه علينا القرآن الكريم. فليحذر كفار قريش غضب الله، وسخطه عليهم، فإنهم قد كذبوا أشرف الرسل، وخاتم الأنبياء ﷺ . ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا:﴾ وصف الله تعالى في هذه الآية وغيرها الحياة التي يحياها ابن آدم بالدنيا؛ لدناءتها، وحقارتها، وأنها لا تساوي عنده جناح بعوضة، ورحم الله الحريري؛ إذ يقول: [الكامل]
يا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنها... شرك الرّدى وقرارة الأكدار
دار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار
أو هي من الدنو، وهو القرب؛ لأنها في متناول يد الإنسان ما دام حيّا، أما الآخرة؛ فهي الحياة الثانية؛ التي تكون بعد الموت، ثم بعد الحساب، والجزاء، ودخول الجنة، والخلود فيها، أو دخول النار، والخلود فيها، و ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ﴾ أي: المعد لهم. ﴿أَكْبَرُ﴾ أي: أعظم، وأشد؛ لشدته ودوامه. ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو كانوا من أهل العلم، والمعرفة، والنظر؛ لعلموا ذلك، واعتبروا به، وانظر: «خزي» في الآية رقم [٤٠] الآتية.
الإعراب: ﴿فَأَذاقَهُمُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أذاقهم): فعل ماض، والهاء مفعول به أول.
﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الْخِزْيَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿فِي الْحَياةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْخِزْيَ﴾. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة (الحياة) مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها. ﴿وَلَعَذابُ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: لام الابتداء. (عذاب): مبتدأ. وهو مضاف. و ﴿الْآخِرَةِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لظرفه. ﴿أَكْبَرُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: معطوفة على ما قبلها. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانُوا:﴾
فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، ومفعوله محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في
стр. 5399
محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، انظر تقديره في الشرح، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف كالجملة الاسمية قبله لا محل له مثلها، فهو تذييل لها مفاده بيان شدة العذاب في الآخرة.
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ:﴾ يحتاج إليه الناظر المتبصر المعتبر. والمعنى: ولقد وصفنا لهم كل صفة غريبة، كأنها مثل في غرابتها، وقصصنا عليهم كل قصة عجيبة الشأن، كصفة المبعوثين يوم القيامة، وقصتهم، وما يقولون، وما يقال لهم، وما لا ينفع من اعتذارهم، ولا يسمع من استعتابهم، ولكنهم لقسوة قلوبهم، ومج أسماعهم حديث الآخرة لا يتذكرون، ولا يتعظون. انتهى. كشاف في سورة (الروم). وانظر شرح: (مثل) في الآية رقم [١٥] من سورة (يس).
هذا؛ والناس: اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: قوم، ورهط.. إلخ، واحده: إنسان من غير لفظه. وهو يطلق على الإنس، والجن، ولكن غلب استعماله على الإنس، قال تعالى في سورة (الناس): ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ وأصله: الأناس، حذفت منه الهمزة تخفيفا على غير قياس، وحذفها مع لام التعريف كاللازم، لا يكاد يقال: الأناس، وقد نطق القرآن بهذا الأصل، ولكن بدون لام التعريف، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ رقم [٧١] من سورة (الإسراء). وقيل: إن أصله: النّوس، ولم يحذف منه شيء، وإنما قلبت الواو ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها.
و (قرآن) مشتق من قريت الماء في الحوض: إذا جمعته، فكأنه قد جمع فيه الحكم، والمواعظ، والآداب، والقصص، والفروض، وجميع الأحكام، وكملت فيه جميع الفوائد الهادية إلى طريق الرشاد، وهو في اللغة مصدر بمعنى: الجمع، يقال: قرأت الشيء قرآنا: إذا جمعته.
وبمعنى: القراءة، ويقال: قرأت الكتاب قراءة، وقرآنا، ثم نقل إلى هذا المجموع المقروء، المنزل على الرسول ﷺ ، المنقول عنه بالتواتر فيما بين الدفتين، وهو المراد هنا. ويحرم على المحدث حدثا أكبر قراءته، وحمله ومسّه، وعلى المحدث حدثا أصغر حمله ومسّه، ولا يمنع من قراءته عن ظهر قلب، قال تعالى في سورة (الواقعة): ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ:﴾
يتعظون، فينتفعون بذلك. هذا؛ والترجي في هذه الآية، وأمثالها إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى لا يحصل منه ترجّ، ورجاء لعباده، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (لقد): اللام: واقعة في جواب القسم.
стр. 5400
(قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿ضَرَبْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٢] من سورة (يس). ﴿لِلنّاسِ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي هذَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿ضَرَبْنا﴾ أيضا. وقيل:
متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له. والهاء حرف تنبيه لا محل له، واسم الإشارة مبني على السكون في محل جر. ﴿الْقُرْآنِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿ضَرَبْنا﴾ أيضا. وهما في محل المفعول به، وعند التأمل يتبين لك:
أنهما متعلقان بمحذوف صفة لمفعول ﴿ضَرَبْنا﴾ المحذوف؛ إذ التقدير: ضربنا للناس مثلا كائنا من كل مثل، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿مَثَلٍ﴾ مضاف إليه. هذا؛ والجملة القسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها، وجملة:
﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، لا محل لها. تأمل وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)﴾
الشرح: ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا:﴾ هذا؛ وقال تعالى في أول سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: بلغتكم؛ لكي تعلموا معانيه، وتفهموا ما فيه، ويؤخذ من هذه الآية: أنه يجوز إطلاق اسم القرآن على بعضه؛ لأن سورة (يوسف) بعض القرآن، ولأنه اسم جنس يقع على الكل، والبعض، واختلف هل يمكن أن يقال: في القرآن شيء بغير العربية، فأنكر أبو عبيدة على من يقول ذلك أشد النكير، وروي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة-﵃: أن فيه من غير العربية مثل: (سجّيل، والمشكاة، واليمّ، وإستبرق، وسندس) ونحو ذلك، وهذا هو الصحيح المختار؛ لأن هؤلاء أعلم من أبي عبيدة بلسان العرب، وكلا القولين صواب؛ إن شاء الله تعالى، ووجه الجمع بينهما: أن هذه الألفاظ لما تكلمت بها العرب، ودارت على ألسنتهم بسهولة؛ صارت عربية فصيحة؛ وإن كانت غير عربية في الأصل.
﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ أي: لا اختلال فيه بوجه من الوجوه. وقيل: غير ذي شك. قاله السدي فيما ذكره الماوردي، وأنشد: [البسيط]
وقد أتاك يقين غير ذي عوج... من الإله وقول غير مكذوب
وقيل: المعنى مستقيما بريئا من التناقض، والاختلاف. قال الزمخشري: فإن قلت:
فهلا قيل: مستقيما، أو: غير معوج؛ قلت: فيه فائدتان: إحداهما: نفى أن يكون فيه عوج قط، كما قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً﴾ رقم [١] من سورة (الكهف). والثانية: أن لفظ العوج مختص بالمعاني دون الأعيان. وقيل: المراد بالعوج: الشك، واللبس، وأنشد البيت. هذا؛
стр. 5401
والعوج بكسر العين، وفتحها، وقد فرق العرب بينهما، فخصوا المكسور بالمعاني، والمفتوح بالأعيان، تقول: في دينه عوج (بكسر العين)، وفي الجدار عوج (بالفتح).
هذا؛ و ﴿غَيْرَ﴾ اسم شديد الإبهام، لا يتعرف بالإضافة لمعرفة، وغيرها؛ فلذا وصفت به النكرة في قوله تعالى حكاية عن قول فرعون: ﴿ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾ رقم [٣٨] من سورة (القصص)، وهو ملازم للإضافة، ويجوز أن يقطع عنها؛ إن فهم المعنى، وتقدمت كلمة:
«ليس» عليها، تقول: قبضت عشرة ليس غير، وهو مبني على الضم، أو على الفتح خلاف.
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ:﴾ علة لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ فالأول سبب في الثاني. وعبارة البيضاوي:
علة أخرى مرتبة على الأولى؛ أي: لأن العلل يفهم منها التعليل، فعلل ضرب الأمثال أولا بالتذكر، والاتعاظ، ثم علل التذكر بالاتقاء؛ لأنه المقصود منه، فليس من تعليل معلول واحد بعلتين. انتهى. جمل نقلا عن الشهاب. هذا؛ وقال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت:
ما الحكمة في تقديم التذكر في الآية الأولى على التقوى في هذه الآية؟ قلت: سبب تقديم التذكر: أن الإنسان إذا تذكر، وعرف، ووقف على فحوى الشيء، واختلط بمعناه؛ اتقاه، واحترز منه. انتهى. أقول: والحكمة من تقديم التعقل على التذكر، وتقديم التذكر على التقوى، انظرها في الآية رقم [١٥٣] من سورة (الأنعام).
الإعراب: ﴿قُرْآناً:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون منصوبا على المدح؛ أي: بفعل محذوف؛ لأنه لما كان نكرة امتنع إتباعه ل: (القرآن). الثاني: أن ينتصب ب: ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي:
يتذكرون قرآنا. الثالث: أن ينتصب على الحال من (القرآن) على أنها حال مؤكدة، وتسمى حالا موطئة؛ لأن الحال في الحقيقة ﴿عَرَبِيًّا﴾ و ﴿قُرْآناً﴾ توطئة له، نحو جاء زيد رجلا صالحا. انتهى.
جمل نقلا من السمين. والحالية هي التي قالها جميع المفسرين، وانظر أنواع الحال في الآية رقم [٧٣] الآتية. ﴿عَرَبِيًّا:﴾ صفة. ﴿غَيْرَ:﴾ صفة ثانية، ويجوز أن يكون حالا منه بعد وصفه ب: ﴿عَرَبِيًّا،﴾ و ﴿غَيْرَ﴾ مضاف، و ﴿ذِي﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذِي﴾ مضاف، و ﴿عِوَجٍ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ تعليل للتذكير، كما رأيت في الشرح، وإعرابها مثل إعراب سابقتها بلا فارق.
﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٩)﴾
الشرح: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ أي: مختلفون، سيئة أخلاقهم.
والشكس: السّيّئ الخلق، المخالف للناس، لا يرضى بالحق، والإنصاف. ﴿وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ﴾ أي: خالصا له، لا شريك له فيه، ولا منازع. والمعنى: واضرب يا محمد لقومك مثلا، وقل
стр. 5402
لهم: ما تقولون في رجل مملوك، قد اشترك فيه شركاء، بينهم اختلاف وتنازع، كل واحد يدعي: أنه عبده، وهم يتجاذبونه في مهن شتّى، فإذا عنّت لهم حاجة؛ يتدافعونه، فهو متحير في أمره لا يدري أيهم يرضي بخدمته؟، وعلى أيهم يعتمد في حاجاته؟ وفي رجل آخر مملوك، قد سلم لمالك واحد، يخدمه على سبيل الإخلاص، وذلك السيد يعين خادمه في حاجاته، فأي هذين أحسن حالا وأحمد شأنا؟!
وهذا مثل ضربه الله تعالى للكافر الذي يعبد آلهة شتّى، والمؤمن الذي يعبد الله تعالى وحده، فكان حال المؤمن الذي يعبد إلها واحدا أحسن وأصلح من حال الكافر الذي يعبد آلهة شتّى. ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً﴾ أي: لا يستويان في الحال، والصفة، والجواب: لا يستويان.
فالاستفهام للإنكار، والنفي. انتهى. خازن.
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ:﴾ الواحد الأحد، الذي لا شريك له دون كل معبود سواه؛ أي: يجب أن يكون الحمد متوجها إليه وحده، والعبادة خالصة لوجهه الكريم. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ:﴾ أن الله تعالى هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له. وذكر الأكثر إما؛ لأن بعضهم لا يعرف الحق لنقصان عقله، أو لتقصيره في النظر، أو لم تقم عليه الحجة؛ لأنه لم يبلغ حد التكليف، أو لأنه يقوم مقام الكل. وخذ قول الشاعر: [البسيط]
لم يبق من جلّ هذا الناس باقية... ينالها الوهم إلاّ هذه الصور
لا يدهمنك من دهمائهم عدد... فإنّ جلّهم بل كلّهم بقر
دهمه: غشيه، يقول: لا يدهمنك من جماعتهم الكثيرة عدد فيهم غناء، ونصرة، فإن كلهم كالأنعام، والبهائم، ولله در القائل: [المنسرح]
لا يدهمنك اللّحاء والصور... تسعة أعشار من ترى بقر
في شجر السّرو منهم شبه... له رواء ما له ثمر
ورضي الله عن حسان بن ثابت إذ يقول: [البسيط]
لا بأس بالقوم من طول ومن عظم... جسم الجمال وأحلام العصافير
وخذ قوله تعالى في سورة (الروم) رقم [٧]: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾.
هذا؛ وقال الزمخشري: التشاكس، والتشاخس: الاختلاف، تقول: تشاكست أحواله، وتشاخست أسنانه. انتهى. وقرئ ﴿سَلَماً﴾ بقراآت كثيرة. هذا؛ وتخصيص الرجل بالذكر؛ لأنه أفطن للضر، والنفع من المرأة، والصبي؛ لأنهما قد يغفلان. هذا؛ والرجل مأخوذ من الرجولة، وهي البطولة، والشهامة وغيرهما من الصفات النبيلة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
стр. 5403
الإعراب: ﴿ضَرَبَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿مَثَلاً:﴾ مفعول به. ﴿رَجُلاً:﴾ بدل من: ﴿مَثَلاً﴾. وقيل: منصوب بنزع الخافض، التقدير: ضرب الله مثلا برجل، والأول أقوى.
﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿شُرَكاءُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب صفة: ﴿رَجُلاً﴾. ﴿مُتَشاكِسُونَ:﴾ صفة مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة... إلخ.
﴿وَرَجُلاً:﴾ معطوف على مثله. ﴿سَلَماً:﴾ صفة له. ﴿لِرَجُلٍ:﴾ متعلقان ب: ﴿سَلَماً،﴾ أو بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿ضَرَبَ اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام معناه النفي. ﴿يَسْتَوِيانِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والألف فاعله. ﴿مَثَلاً:﴾ تمييز، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿اللهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَكْثَرُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:
﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. هذا؛ وقيل: الجملة الاسمية معترضة؛ لأن قوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ مرتبط بقوله ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً﴾.
﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾
الشرح: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ:﴾ خطاب للنبي ﷺ ، أخبره بموته، وموتهم، وهو يحتمل خمسة أوجه: أحدها: أن يكون ذلك تحذيرا من الآخرة. الثاني: أن يكون حثا على العمل.
الثالث: أن يذكره توطئة للموت. الرابع: لئلا يختلف المسلمون في موته، كما اختلفت الأمم في غيره؛ حتى إن عمر-﵁-لما أنكر موته، واحتج أبو بكر-﵁-بهذه الآية فأمسك. الخامس: ليعلمه أن الله تعالى قد سوّى فيه بين خلقه مع تفاضلهم في غيره، لتكثر فيه السلوة، وتقل فيه الحسرة، انتهى. قرطبي. هذا؛ وقرئ: «(مائت)» و «(مائتون)» والفرق بين الميت، والمائت: أن الميت صفة لازمة كالسيد، وأما المائت؛ فصفة حادثة، تقول زيد مائت غدا؛ كما تقول: سائد غدا؛ أي: سيموت، وسيسود. وإذا قلت: زيد ميت، فكما تقول: حي في نقيضه فيما يرجع إلى اللزوم، والثبوت.
هذا؛ ونزلت الآية ردا على كفار قريش الذين كانوا يتربصون برسول الله ﷺ موته، فأخبر الله تعالى: أن الموت يعمهم جميعا، فلا معنى للتربص وشماتة الفاني بالفاني. انتهى. خازن.
هذا؛ والميت، والميتة (بفتح الميم وسكون الياء فيهما) هو من فارقت روحه جسده.
وجمعه: أموات، وأما المشدد فهو الحي الذي سيموت، وعليه الآية الكريمة التي نحن بصدد شرحها. وجمعه موتى، قال بعض الأدباء في الفرق بينهما: [الطويل]
стр. 5404
أيا سائلي تفسير ميت وميّت... فدونك قد فسّرت ما عنه تسأل
فمن كان ذا روح، فذلك ميّت... وما الميت إلاّ من إلى القبر يحمل
هذا هو الأصل الغالب في الاستعمال، وقد يتعاوضان، كما في قول عديّ بن الرّعلاء الغساني: [الخفيف]
ليس من مات فاستراح بميت... إنما الميت ميّت الأحياء
إنّما الميت من يعيش كئيبا... كاسفا باله قليل الرجاء
أقول: ومن هذا قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٩٥]: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ،﴾ وقوله جل ذكره في الآية رقم [٢٧] من سورة (آل عمران): ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. حيث استعمل المشدد فيهما لفاقد الحياة، والروح، كما هو واضح فيهما. هذا؛ ولا تنس: أن أصل المشدد: (ميوت)؛ لأنه من: مات، يموت، فقل في إعلاله: اجتمع الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. وقل مثله في إعلال سيّد، وهيّن، وصيّب، ونحو ذلك، وقال الشاعر في تخفيف هيّن، وليّن: [البسيط]
هينون لينون أيسار بنو يسر... سوّاس مكرمة أبناء أيسار
الإعراب: ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿مَيِّتٌ:﴾ خبرها، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَإِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مَيِّتُونَ:﴾ خبرها مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾
الشرح: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ أي: إنك، وإياهم، فغلب ضمير المخاطب على ضمير الغائب، قال ابن عباس-﵄: يعني: المحق، والمبطل، والظالم، والمظلوم. وقال الزبير: لما نزلت هذه الآية؛ قلنا: يا رسول الله! أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال: «نعم ليكررن عليكم؛ حتى يؤدّى إلى كل ذي حق حقه». فقال الزبير-﵁: والله إن الأمر لشديد. أخرجه الترمذي.
وقال ابن عمر-﵄: عشنا برهة من الدهر، وكنا نرى: أن هذه الآية نزلت فينا وفي أهل الكتابين، فقلنا: وكيف نختصم؛ ونبينا واحد، وديننا واحد، حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف، فعرفت: أنها فينا نزلت. وعن أبي سعيد الخدري-﵁-
стр. 5405
في هذه الآية قال: كنا نقول: ربنا واحد، وديننا واحد، ونبينا واحد، فما هذه الخصومة؟! فلما كان يوم صفين، وشد بعضنا على بعض بالسيوف، قلنا: نعم هو هذا. وخذ ما يلي:
فعن أبي هريرة-﵁-أن النبي ﷺ قال: «من كان عنده مظلمة لأخيه من عرض، أو مال فليتحلّله اليوم من قبل أن لا يكون دينار، ولا درهم. إن كان له عمل صالح؛ أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات؛ أخذ من سيئات صاحبه، فحملت عليه». أخرجه البخاري. وعنه أيضا-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون من المفلس؟». قالوا:
المفلس فينا من لا درهم له، ولا متاع، قال: «إنّ المفلس من أمّتي من يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه؛ أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار». متفق عليه. انتهى. خازن وقرطبي.
وروي عن ابن عباس-﵄-قال: يختصم الناس يوم القيامة؛ حتى تختصم الروح مع الجسد، فتقول الروح للجسد: أنت فعلت، ويقول الجسد للروح: أنت أمرت، وأنت سوّلت، فيبعث الله ملكا، يفصل بينهما، فيقول لهما: مثلكما كمثل رجل مقعد بصير، والآخر ضرير، دخلا بستانا، فقال المقعد للضرير: إني أرى هاهنا ثمارا، ولكن لا أصل إليها، فقال له الضرير: اركبني فتناولها، فركبه، فتناولها، فأيهما المعتدي؟ فيقولان: كلاهما، فيقول لهما الملك: فإنكما قد حكمتما على أنفسكما. يعني: أن الجسد للروح كالمطية، وهو راكبه.
رواه ابن منده في كتاب الروح. انتهى. مختصر ابن كثير.
الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿يَوْمَ:﴾
ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، و ﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما بعده أيضا. وقيل: متعلق بمحذوف حال من واو الجماعة. ولا يؤيده المعنى، وهو مضاف، و ﴿رَبِّكُمْ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿تَخْتَصِمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٣٢)﴾
الشرح: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ﴾ أي: لا أحد أكذب ممن افترى على الله الكذب، وادّعى أن له ولدا، وأن له شريكا في الألوهية. ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ:﴾ وهو ما جاء به
стр. 5406
محمد ﷺ من الهدى، والفرقان. ﴿إِذْ جاءَهُ﴾ أي: جاء به؛ أي: القرآن. وقيل: بالرسالة إليه.
﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾ أي: مقام ومقر، وذلك يكفيهم مجازاة لأعمالهم، وهو مشتق من: ثوى بالمكان: إذا أقام به، يثوي ثواء، وثويّا، مثل مضى، يمضي مضاء، ومضيّا، ولو كان من: أثوى؛ لكان: مثوى، وهذا يدل على أن ثوى هي اللغة الفصيحة، وحكى أبو عبيدة:
أثوى، وأنشد قول الأعشى: [الكامل]
أثوى وقصّر ليلة ليزوّدا... ومضى وأخلف من قتيلة موعدا
والأصمعي لا يعرف إلا «ثوى»، ويروى البيت: (أثوى) على الاستفهام، وأثويت غيري يتعدى، ولا يتعدى. هذا؛ ومثوى بمعنى: مأوى، والفرق بينهما: أن المثوى مكان الإقامة المنبئة عن المكث، وأما المأوى فهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان، ولو مؤقتا، وقدم المأوى على المثوى في قوله تعالى: ﴿وَمَأْواهُمُ النّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ﴾ رقم [١٥١] من سورة (آل عمران)؛ لأنه على الترتيب الوجودي، يأوي، ثم يثوي.
الإعراب: ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم استفهام مفيد للنفي مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿مِمَّنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَظْلَمُ﴾. ﴿كَذَبَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها؛ إن اعتبرتها نكرة موصوفة. ﴿عَلَى اللهِ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله.
﴿جاءَهُ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الصدق)، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.
﴿أَلَيْسَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام تقريري توبيخي. (ليس): فعل ماض ناقص. ﴿فِي جَهَنَّمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (ليس) تقدم على اسمها، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿مَثْوىً:﴾ اسم (ليس) مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مَثْوىً،﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الفعلية: ﴿أَلَيْسَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ أي: والذي صدق به. قال ابن عباس-﵄: الذي جاء بالصدق هو رسول الله ﷺ جاء ب: «لا إله إلا الله». ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ هو
стр. 5407
رسول الله ﷺ أيضا، بلغه إلى الخلق. وقيل: الذي جاء بالصدق هو جبريل، عليه الصلاة، والسّلام جاء بالقرآن، وصدق به محمد ﷺ . وقيل: الذي جاء بالصدق: رسول الله ﷺ ، وصدق به: أبو بكر الصديق-﵁. وقيل: الذي جاء بالصدق: الأنبياء، والذي صدق به: الأتباع. وقيل:
الذي جاء بالصدق: أهل القرآن، وهو الصدق، يجيئون يوم القيامة، وقد أدّوا حقه، فيقولون: هذا ما أعطيتمونا، فعملنا فيه بما أمرتمونا. وهذا القول يشمل كل المؤمنين. فإن المؤمنين يقولون الحق، ويعملون به، والرسول ﷺ أولى الناس بالدخول في هذه الآية، فإنه جاء بالصدق وصدق به المرسلين. وعلى هذا؛ وسابقه ف: (الذي) يكون بمعنى: الجمع: الذين، ويكون قد روعي لفظها بإرجاع الضميرين بالفعلين، وروعي معناها بقوله: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ..﴾. إلخ، وتكون الآية مثل قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٧]: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً..﴾. إلخ، وقوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٦٩]: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا﴾ ومثل هذه الآيات قول الأشهب بن زميلة النهشلي، وهو الشاهد رقم (٣٤٦) من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]
وإنّ الّذي حانت بفلج دماؤهم... هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد
الإعراب: ﴿وَالَّذِي:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (الذي): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: (الذي)، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِالصِّدْقِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، أو هي صلة لموصول محذوف، معطوف على ما قبله، على حسب ما رأيت في الشرح. هذا؛ وقرأ عبد الله بن مسعود-﵁ «(والّذين جاؤوا بالصّدق وصدّقوا به)» وهي قراءة على التفسير. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿الْمُتَّقُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ ثانيا و ﴿الْمُتَّقُونَ﴾ خبره، فتكون الجملة الاسمية في محل رفع خبر (أولئك) والجملة الاسمية على الوجهين في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِي..﴾. لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الواو.
﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤)﴾
الشرح: ﴿لَهُمْ:﴾ للمتقين المذكورين في الآية السابقة. ﴿ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: كل ما يشتهون في الجنة من الحور العين، والقصور الشامخة، وجميع أنواع الملاذ، والنعيم المقيم، والخير العميم. هذا؛ والعندية عندية تكريم، وتشريف، وتعظيم. وقال الجمل: أي: لهم ما يشاؤونه من جلب المنافع، ودفع المضار في الآخرة، لا في الجنة فقط، كما أن بعض
стр. 5408
ما يشاؤونه من تكفير السيئات، والأمن من الفزع الأكبر، وسائر أهوال يوم القيامة إنما يقع قبل دخوله الجنة. انتهى. نقلا عن الكرخي. ﴿ذلِكَ﴾ أي: المذكور من الفضل الكبير. ﴿جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: الذين أحسنوا القول، وأحسنوا العمل. هذا؛ ووصف الله المحسنين في سورة (الذاريات) بقوله: ﴿كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. لذا فالقول: إن المحسنين هم الذين يعملون جميع ما يحسن من الأعمال، ووصفهم بآية (لقمان) رقم [٤] بقوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ لفضل اعتداد بهذه الأمور الثلاثة، وفي قول الرسول ﷺ لجبريل ﵇: «الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك». هذا؛ والجزاء: المجازاة، والمكافأة على عمل ما وتكون في الخير، كما في هذه الآية، وقال تعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ وتكون في الشر، قال تعالى في كثير من الآيات: ﴿وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ﴾ ونحوه كثير، والجزاء من جنس العمل، إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا؛ فشرّ. هذا؛ والفعل: «جزى» ينصب مفعولين، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ رقم [٢٩] من سورة (الأنبياء)، وأيضا الآية التالية.
الإعراب: ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: الجملة في محل رفع خبر ثان للمبتدأ في الآية السابقة، وهو (الذي)، والأول أقوى معنى.
﴿يَشاؤُنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿جَزاءُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
وقيل: في محل نصب حال. ولا وجه له.
﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)﴾
الشرح: فإن قلت: ما معنى إضافة الأسوأ، والأحسن إلى ﴿الَّذِي عَمِلُوا﴾ وما معنى التفضيل فيهما؟ قلت: أما الإضافة؛ فما هي من إضافة أفعل إلى الجملة؛ التي يفضل عليها، ولكن من إضافة الشيء إلى ما هو بعضه من غير تفضيل، كقولك: الأشج أعدل بني مروان، وأما التفضيل فإيذان بأن السّيّئ الذي يفرط منهم من الصغائر، والزلات المكفرة هو عندهم
стр. 5409
الأسوأ؛ لاستعظامهم المعصية، والحسن الذي يعملونه هو عند الله الأحسن؛ لحسن إخلاصهم فيه، فلذلك ذكر سيئهم بالأسوأ، وحسنهم بالأحسن. انتهى.
هذا؛ وقال الجلال: أسوأ وأحسن بمعنى: السّيّئ والحسن، فقال الجمل معلقا: أي:
فأفعل التفضيل ليس على بابه، فبهذا الاعتبار عم الأسوأ جميع معاصيهم، والأحسن جميع حسناتهم، ولولا هذا التأويل لاقتضى النظم: أنه يكفر عنهم أقبح السيئات فقط، ويجزيهم على أفضل الحسنات فقط هذا مراده. انتهى. هذا؛ ومن هذا الباب قول الفرزدق، وهو الشاهد رقم [١١٢] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الكامل]
إنّ الّذي سمك السماء بنى لنا... بيتا دعائمه أعزّ وأطول
الإعراب: ﴿لِيُكَفِّرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: يسر لهم ذلك؛ ليكفر، كأنه قيل: الذين أحسنوا لأجل التكفير، واللام للعاقبة. انتهى. جمل نقلا عن السمين. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿عَنْهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما.
﴿أَسْوَأَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف، التقدير: الذي عملوه. ﴿وَيَجْزِيَهُمْ:﴾
معطوف على ما قبله منصوب مثله، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به أول.
﴿أَجْرَهُمْ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِأَحْسَنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (أحسن): مضاف، و ﴿الَّذِي﴾ مضاف إليه. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، ومفعوله محذوف، وهو عائد الموصول، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة الموصول لا محل لها، التقدير: بالذي كانوا يعملونه.
﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٦)﴾
الشرح: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ أي: رسوله محمدا ﷺ ؛ أي: مانعه، وحافظه من كيد أعدائه، وقرئ «(عباده)» يعني: الأنبياء، عليهم ألف صلاة، وألف سلام، قصدهم قومهم بالسوء، فكفاهم الله شر من عاداهم. ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من دون الله، وهي الأصنام، وذلك: أن قريشا قالوا للنبي ﷺ : إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا بعيبك إياها. وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: مشى خالد بن الوليد-﵁-إلى العزى ليكسرها بالفأس، فقال له سادنها:
стр. 5410
أحذّركها يا خالد! فإن لها شدة لا يقوم لها شيء، فعمد خالد إلى العزى، فهشم أنفها، حتى كسرها بالفأس. وهذا كان يوم فتح مكة، وتخويفهم لخالد-﵁-تخويف للنبي ﷺ ؛ لأنه هو الذي وجه خالدا. ويدخل في الآية تخويفهم النبي ﷺ بكثرة جمعهم وقوتهم، كما قال تعالى في سورة (القمر): ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾.
الإعراب: ﴿أَلَيْسَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام تقريري. (ليس): فعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾
اسمها. ﴿بِكافٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (كاف): خبر ليس منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وفاعله مستتر، تقديره: «هو». ﴿عَبْدَهُ:﴾ مفعول لاسم الفاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يخوفونك): فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. وقال الجمل نقلا عن السمين: يجوز أن تكون الجملة حالا؛ إذ المعنى: أليس الله كافيك حال تخويفهم إياك بكذا، وكان المعنى: كافيه في كل حال؛ حتى في هذه الحال. ويجوز أن تكون مستأنفة. انتهى.
أقول: وفي الوجه الأول مانع من الحالية، وهو الواو لأن الجملة المضارعية المثبتة الواقعة حالا، لا تقترن بالواو، إلا أن يقال بالزيادة، أو على إضمار مبتدأ. ﴿بِالَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ انظر الآية رقم [٢٣] فالإعراب لا يختلف.
﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي اِنْتِقامٍ (٣٧)﴾
الشرح: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ﴾ أي: للإيمان. ﴿فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ أي: ومن أراد الله سعادته، فهداه إلى الهدى، والحق، ووفقه لسلوك طريق المهتدين؛ فلن يقدر أحد على إضلاله. ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ أي: هو تعالى منيع الجناب، لا يضام من لجأ إليه، ووقف ببابه، وهو القادر على أن ينتقم من أعدائه لأوليائه؛ لأنه غالب لا يغلب، ذو انتقام من أعدائه. وفي الآية وعيد للمشركين، ووعد المؤمنين. هذا؛ وقال تعالى في سورة (الكهف) رقم [١٧]: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً﴾.
الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿يَهْدِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والمفعول محذوف على اعتبار (من) مبتدأ. ﴿اللهُ:﴾ فاعل. ﴿فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ انظر: ﴿فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ في الآية رقم [٢٣] وبقية الإعراب فيها كذلك. ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ﴾ انظر مثلها في
стр. 5411
الآية السابقة. ﴿ذِي:﴾ صفة (عزيز) مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذِي﴾ مضاف، و ﴿اِنْتِقامٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة كالجملة الاسمية، لا محل لها مثلها.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)﴾
الشرح: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، والمسؤول منهم أهل مكة. ﴿مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ:﴾ ذكر الله من آثار قدرته، ودلائل عظمته خلق السموات، والأرض، وخصهما بالذكر هنا، وفي كثير من الآيات؛ لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وجمع السموات دون الأرض، وهي مثلهن؛ لأن طبقاتها مختلفة بالذات، متفاوتة بالصفات، والآثار والحركات، وقدمها لشرفها، وعلو مكانها، وتقدم وجودها؛ لأنها متعبد الملائكة، ولم يقع فيها معصية، كما في الأرض، وأيضا: لأنها بمنزلة الذّكر، فنزول المطر من السماء على الأرض كنزول المني من الذكر في رحم الأنثى؛ لأن الأرض تنبت، وتخضر بالمطر. ﴿لَيَقُولُنَّ اللهُ:﴾ لما تقرر في العقول من وجوب انتهاء الممكنات إلى واحد واجب الوجود، بمعنى: إن هؤلاء المشركين مقرون وجودهم بوجود الإله القادر، العالم الحكيم، وذلك متفق عليه عند جمهور الخلائق، فإن فطرة الخلق شاهدة بذلك: أنها من ابتداع قادر حكيم، وانظر الإرادة في الآية رقم [٤].
﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: أخبروني بعدما تحققتم: أن الخالق لهذا العالم هو الله وحده، أخبروني عن حال هذه الآلهة؛ التي تعبدونها من دون الله. ﴿إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ:﴾ أخبروني: لو أراد الله أن يصيبني بشدة وبلاء؛ هل تستطيع هذه الأصنام أن تدفع عني ذلك السوء، والضر؟! ﴿أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ أي: ولو أراد الله بي نفعا من نعمة، وصحة، وسعة في الرزق ورخاء في المعيشة؛ هل تستطيع أن تمنع عني هذه الرحمة؟! والجواب محذوف لدلالة الكلام عليه، يعني فسيقولون: لا، لا تكشف السوء، ولا تمنع الرحمة. قال مقاتل: سألهم النبي ﷺ فسكتوا. وقال غيره: قالوا: لا تدفع شيئا قدّره الله، ولكنها تشفع، وخذ ما يلي:
عن عبد الله بن عباس-﵄-قال: كنت خلف النبي ﷺ يوما (راكبا خلفه).
فقال: «يا غلام إنّي أعلمك كلمات، احفظ الله؛ يحفظك، احفظ الله؛ تجده تجاهك. إذا سألت؛ فاسأل الله، وإذا استعنت؛ فاستعن بالله. واعلم: أنّ الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك
стр. 5412
بشيء؛ لم ينفعوك إلاّ بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعت على أن يضرّوك بشيء؛ لم يضرّوك إلاّ بشيء قد كتبه الله عليك. رفعت الأقلام، وجفّت الصّحف». أخرجه الترمذي.
﴿قُلْ حَسْبِيَ اللهُ:﴾ الله كافيّ، وثقتي، فمنه عزي، ونصري. ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ:﴾
يعتمد المعتمدون عليه في جميع أعمالهم، وتصرفاتهم، وحركاتهم، وسكناتهم، كما قال هود -على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ..﴾. إلخ رقم [٥٦] من سورة (هود). وعن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحبّ أن يكون أقوى الناس؛ فليتوكّل على الله تعالى، ومن أحبّ أن يكون أغنى الناس؛ فليكن بما في يد الله- -أوثق منه بما في يديه، ومن أحبّ أن يكون أكرم الناس؛ فليتّق الله ».
أخرجه ابن أبي حاتم.
هذا؛ والتوكل: تفويض الإنسان الأمر إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه، وضره.
وقالوا: المتوكل من إن دهمه أمر؛ لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية لله تعالى. فعلى هذا إذا وقع الإنسان في محنة، ثم سأل غيره خلاصه منها؛ لم يخرج عن حد التوكل؛ لأنه لم يحاول رفع ما نزل به عن نفسه بمعصية الله تعالى، وإنما هو من تعاطي الأسباب في دفع المحنة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
فعن عمر بن الخطاب-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لو أنّكم تتوكّلون على الله حقّ توكّله؛ لرزقكم كما يرزق الطّير تغدو خماصا، وتروح بطانا». أخرجه الترمذي. هذا؛ وقوله ﷺ «تغدو، وتروح». إشارة إلى السعي، وطلب الرزق، فإنه الله لم يرزقها؛ وهي في أعشاشها، وأوكارها، بل بسبب خروجها، وسعيها وبحثها عن الرزق. والله أعلم، وأجل، وأعظم.
هذا؛ وهناك توكل، وتسليم، وتفويض. والفرق بين الثلاثة أن يقال: التوكل: أن تسكن إلى وعد الله تعالى. والتسليم: أن تكتفي بعلم الله تعالى. والتفويض: أن ترضى بحكم الله تعالى.
الإعراب: ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (إن): حرف شرط جازم. ﴿سَأَلْتَهُمْ:﴾
فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والهاء مفعوله الأول، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، وفاعله مستتر تقديره: هو، يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ خَلَقَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به ثان للفعل:
(سأل). ﴿لَيَقُولُنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم المقدر. (يقولنّ): فعل مضارع مرفوع،
стр. 5413
وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة في محل رفع فاعل، ونون التوكيد حرف لا محل له. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: الله خلقهنّ. أو هو فاعل لفعل محذوف التقدير: خلقهن الله، ويرجحه التصريح به في قوله تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٩]: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾. والجملة على الاعتبارين في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ جواب القسم المقدر، المدلول عليه باللام الموطئة، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة: إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما. والكلام: ﴿وَلَئِنْ..﴾. إلخ كله مستأنف لا محل له.
﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَفَرَأَيْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري تعجبي. الفاء: أراها صلة للتوكيد. وقال الجمل: الظاهر: أن الفاء جواب شرط مقدر؛ أي: إذا لم يكن خالق سواه، فهل يمكن غيره كشف ما أراد من الضر، أو منع ما أراد من النفع، أو هي عاطفة على مقدر؛ أي: أتفكرتم بعد ما أقررتم به، فرأيتم. انتهى. ولعلك تدرك معي: أن اعتبارها زائدة أسهل وأفهم، ولا حاجة إلى هذا التقدير، والتكلف. (رأيتم): فعل، وفاعل.
﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، فعلى قول أبي السعود يكتفي الفعل به، وعلى قول الكازروني يتطلب الفعل مفعولين على مثال ما رأيت في سورة (الأنعام) رقم [٤٠]، وفي سورة (يونس) رقم [٥٠] الأول الاسم الموصول، والثاني جملة استفهامية غير موجودة هنا. ويقدر الكلام: أخبروني ما تدعون من دون الله، هل هو حقيق بالعبادة، أو لا؟ انتهى. جمل من سورة (الشعراء). ولكنه هنا اعتبر المفعول الثاني موجودا. وهي قوله: ﴿هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ﴾ وعليه؛ فجملة الشرط معترضة وجوابها محذوف. انتهى. بتصرف.
﴿تَدْعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.
والعائد محذوف. إذ التقدير: الذي تدعونه. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف. و ﴿دُونِ﴾ مضاف، و ﴿اللهُ﴾ مضاف إليه.
﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿أَرادَنِيَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بِضُرٍّ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، لدلالة الجملة الآتية عليه، والجملة الشرطية معترضة، كما رأيت فيما تقدم.
﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿هُنَّ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
﴿كاشِفاتُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿ضُرِّهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ ويقرأ بالتنوين ونصب ﴿ضُرِّهِ﴾ على أنه مفعول صريح، ومثله ﴿مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ والجملة الاسمية: ﴿هَلْ هُنَّ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به ثان
стр. 5414
ل: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾ وهي دليل جواب الشرط. ﴿أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ معطوف هذا الكلام على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق.
﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، مبني على السكون، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿حَسْبِيَ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله. ﴿اللهُ:﴾ خبر المبتدأ. وهو فاعل بالمعنى، ويجوز اعتبار: ﴿حَسْبِيَ﴾ خبرا مقدما، ولفظ الجلالة مبتدأ مؤخرا. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والتقديم: يفيد الاختصاص، والحرص. ﴿يَتَوَكَّلُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْمُتَوَكِّلُونَ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية، والجملة الاسمية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قُلْ يا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَع???????? (٣٩)﴾
الشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ . ﴿اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أي: على غاية تمكنكم، واستطاعتكم. يقال: مكن مكانة: إذا تمكن أبلغ التمكين. أو المعنى: على ناحيتكم، وجهتكم، وحالتكم؛ التي أنتم عليها، من قولهم: مكان، ومكانة كمقام، ومقامة، ويقرأ: «(مكاناتكم)» بالجمع في كل القرآن. وهو أمر تهديد، ووعيد؛ أي: اثبتوا على كفركم، وعداوتكم. انظر ما ذكرته في الآية رقم [١٥]. ﴿إِنِّي عامِلٌ﴾ أي: ثابت على ما كنت عليه من المصابرة، والتوحيد، والإيمان. فحذف هذا الكلام للاختصار، أو المبالغة في الوعيد، والإشعار بأن حاله لا تقف، فإن الله يزيده على مر الشهور، والأعوام قوة، ونصرا، ولذلك توعدهم بكونه منصورا عليهم في الدارين، فقال: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ فهو تهديد ووعيد بصيغة المضارع؛ الذي هو للمستقبل بعد التهديد، والوعيد بصيغة الأمر. هذا؛ وقال البيضاوي: بتفسير ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ على حالكم اسم مكان استعير للحال، كما استعير: هنا، وحيث من المكان إلى الزمان؛ أي: في كثير من الآيات.
هذا؛ وقد ذكرت الآية بحروفها في (الأنعام) برقم [١٣٥]، وذكرت في سورة (هود) برقم [٩٣] بدون اقتران سوف بالفاء، والسبب في ذلك: أن الفاء في السورتين للتصريح بأن الإصرار، والتمكن فيما هم عليه سبب لذلك، وحذفت في سورة (هود)؛ لأنه جواب سائل. قال: فماذا يكون بعد ذلك، فهو أبلغ في التهويل. انتهى. بيضاوي.
وقال النسفي: وإدخال الفاء في (سوف) وصل ظاهري بحرف وضع للوصل، ونزعها وصل تقديري بالاستئناف؛ الذي هو جواب لسؤال مقدر. كأنهم قالوا: فماذا يكون إذا عملنا على مكانتنا، وعملت أنت؟ فقال: سوف تعلمون. والإتيان بالوجهين للتفنن في البلاغة.
وأبلغهما الاستئناف. انتهى. وهذا الاستئناف يسمى في علم البيان بالاستئناف البياني.
стр. 5415
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿يا قَوْمِ:﴾ منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة... إلخ، وانظر رقم [٢٠] من سورة (يس). ﴿اِعْمَلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.
﴿عَلى مَكانَتِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. التقدير: اعملوا حال كونكم موصوفين بغاية المكنة والقدرة، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مع الجملة الندائية قبلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي عامِلٌ﴾ تعليل للأمر، وهي من مقول القول. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: حرف تعليل، أو استئناف. (سوف): حرف تسويف، واستقبال. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية تعليل، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين، ولكنها تعود في محل نصب مقول القول.
﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٤٠)﴾
الشرح: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ:﴾ يذله، ويدينه، والمراد به: عذاب الدنيا، وذلك بالجوع، والسيف، وقد عذبهم الله، وأخزاهم يوم بدر. ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أي: دائم مستمر، لا محيد له عنه، وذلك يوم القيامة، أعاذنا الله منه. هذا؛ والفعل (يخزيه) من الإخزاء، وهو الإذلال، قال ذو الإصبع العدواني شاعر جاهلي: [البسيط]
لاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب... عنّي ولا أنت ديّاني فتخزوني
وهذا هو الشاهد رقم (٢٦٠) من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، ومنه قول حسان بن ثابت ﵁-يخاطب به من شج وجه النبي ﷺ في غزوة أحد: [الطويل]
فأخزاك ربّي يا عتيب بن مالك... ولقّاك قبل الموت إحدى الصّواعق
مددت يمينا للنّبيّ تعمّدا... ودمّيت فاه قطّعت بالبوارق
وهو على هذا من الرباعي من: أخزى؛ يخزي، وهو من الثلاثي: خزي، يخزى خزاية بمعنى: استحيا، وخجل، قال نهشل بن حريّ الدارميّ من قصيدة يرثي بها أخاه مالكا، وكان قد قتل بصفين مع الإمام علي، كرم الله وجهه: [الطويل]
أخ ماجد لم يخزني يوم مشهد... كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه
وهذا هو الشاهد رقم [٣٢٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». وقال ذو الرمة: [البسيط]
خزاية أدركته بعد جولته... من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب
стр. 5416
الإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به للفعل:
﴿تَعْلَمُونَ،﴾ وتحتمل أن تكون استفهامية مبتدأ. التقدير: أينا يأتيه العذاب. ﴿يَأْتِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل نصب مفعول به.
﴿عَذابٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة (من) على اعتبارها موصولة، وفي محل رفع خبرها على اعتبارها استفهامية مبتدأ. وعليه يكون الفعل: ﴿تَعْلَمُونَ﴾ معلقا عن العمل. والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعوله، إن كان من المعرفة، أو سدت سد مفعوليه إن كان من العلم، واعتباره من المعرفة هنا أولى. تأمل. وجملة: ﴿يُخْزِيهِ﴾ في محل رفع صفة:
﴿عَذابٌ،﴾ ﴿وَيَحِلُّ:﴾ فعل مضارع. ﴿عَلَيْهِ:﴾ متعلقان به. ﴿عَذابٌ:﴾ فاعل. ﴿مُقِيمٌ:﴾ صفة:
﴿عَذابٌ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. هذا؛ والآية الكريمة مذكورة بحروفها في سورة (هود) برقم [٣٩]. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿إِنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اِهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١)﴾
الشرح: ﴿إِنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ:﴾ القرآن. ﴿لِلنّاسِ:﴾ لأجلهم، ولأجل حاجاتهم، فإنه مناط مصالحهم في معاشهم، ومعادهم، ولينذروا، وليبشروا، فتقوى دواعيهم إلى اختيار الطاعة على المعصية. ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: ملتبسا ﴿بِالْحَقِّ﴾ الواضح، الذي لا خفاء فيه. ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ﴾ أي: فمن اهتدى بالإيمان به، والعمل بما فيه من الشرائع، والأحكام، فنفع اهتدائه عائد إليه لا إلى غيره. ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ أي: عن طريق الإيمان، وأخطأ طريق الهدى؛ ﴿فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ أي: إنما يرجع وبال ذلك على نفسه، لا على غيره. ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: بحفيظ تحفظ أعمالهم، وليس أمرهم موكولا إليك، وإنما أنت رسول بشير ونذير، وقد أعذرت حين أنذرت، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ﴾. ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾.
وانظر (نا) في الآية رقم [٣٤] من سورة (يس).
هذا؛ وقال الجمل نقلا عن الخطيب: أي: لست مأمورا بأن تحملهم على الإيمان على سبيل القهر، بل القبول وعدمه مفوض إليهم. وذلك تسلية لرسول الله ﷺ ، أو لأن الهداية والضلال من العبد لا يحصلان إلا من الله تعالى؛ لأن الهداية تشبه الحياة، واليقظة والضلال يشبهان الموت، والنوم، فكما أن الحياة، واليقظة لا يحصلان إلا بخلق الله تعالى، كذلك الضلال، لا يحصل إلا من الله تعالى، ومن عرف هذه الدقيقة؛ فقد عرف سر الله في القدر، ومن عرف سرّ الله تعالى في القدر؛ هانت عليه المصائب. انتهى. هذا؛ وقال تعالى في سورة (الغاشية): ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾. هذا؛ والآيات التي من هذا النوع منسوخة بآية القتال. هذا؛ ولا تنس: الطباق، والمقابلة بين: اهتدى، وضل.
стр. 5417
الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل، أو من المفعول، وأجيز تعليقهما بالفعل (أنزل) والجملة الاسمية: ﴿إِنّا أَنْزَلْنا..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَمَنِ:﴾ الفاء: حرف استئناف وتفريع. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِهْتَدى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف في محل جزم فعل الشرط. والفاعل يعود إلى (من)، تقديره: «هو». ﴿فَلِنَفْسِهِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.
(لنفسه): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فهدايته لنفسه، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه.
كما رأيت في الآية رقم [٢٣]. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا، فهي مبتدأ، وجملة:
﴿اِهْتَدى﴾ صلته، والجملة الاسمية التي رأيتها في محل رفع خبره، واقترنت بالفاء؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية: ﴿فَمَنِ اهْتَدى..﴾. إلخ لا محل لها على الاعتبارين؛ لأنها مفرعة عما قبلها، ومستأنفة. ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه بلا فارق.
﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿يَضِلُّ:﴾ فعل مضارع.
والفاعل يعود إلى (من). ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم: (ما). ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما.
﴿بِوَكِيلٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (وكيل): خبر منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) تميمية مهملة؛ فالضمير مبتدأ. وتكون الباء زائدة في خبره، والأول أقوى. والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة، لا محل لها.
﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾
الشرح: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ أي: يقبضها عند فناء آجالها، وانقطاع رزقها من الدنيا، وتوفي الأنفس على هذا النحو مذكور في كثير من الآيات القرآنية. ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي﴾
стр. 5418
مَنامِها أي: يقبضها عن التصرف مع بقاء أرواحها في أجسادها. قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٦٠]: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾. انظر تفسيرها هناك، ففيه كبير فائدة. ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ أي: لا يردها إلى أجسادها. ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرى﴾ أي: النائمة يردها إلى بدنها عند اليقظة، إلى أجل مسمى. أي: الوقت المضروب لموت صاحبها. وهو غاية وقت الإرسال.
هذا؛ وقال ابن عباس-﵄-وغيره من المفسرين: إن أرواح الأحياء، والأموات تلتقي في المنام، فتتعارف ما شاء الله منها، فإذا أراد جميعها الرجوع إلى الأجساد، أمسك الله أرواح الأموات عنده، وأرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها. وقال سعيد بن جبير -رحمه الله تعالى-أيضا: إن الله يقبض أرواح الأموات؛ إذا ماتوا، وأرواح الأحياء إذا ناموا، فتتعارف ما شاء الله أن تتعارف. ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى﴾ أي: يعيدها.
وقال علي-كرم الله وجهه-: فما رأته نفس النائم وهي في السماء قبل إرسالها إلى جسدها؛ فهي الرؤيا الصادقة، وما رأته بعد إرسالها وقبل استقرارها في جسدها؛ تلقيها الشياطين، وتخيل إليها الأباطيل، فهي الرؤيا الكاذبة.
وقال ابن زيد-رحمه الله تعالى-: النوم وفاة والموت وفاة. وعن النبي ﷺ قال: «لتموتنّ كما تنامون، ولتبعثنّ كما تستيقظون». وقال عمر-﵁: النوم أخو الموت. ومن حديث جابر بن عبد الله-﵄-قيل: يا رسول الله! أينام أهل الجنة؟ قال: «لا، النوم أخو الموت، والجنة لا موت فيها».
هذا؛ واختلف الناس من هذه الآية في النفس، والروح: هل هما شيء واحد، أو شيئان على ما ذكرنا؟ والأظهر: أنهما شيء واحد، وهو الذي تدل عليه الآثار الصحاح، من ذلك حديث أم سلمة-﵂-قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة، وقد شقّ بصره، فأغمضه، ثم قال: «إنّ الرّوح إذا قبض تبعه البصر». وحديث أبي هريرة-﵁-قال:
قال رسول الله ﷺ : «ألم تروا الإنسان إذا مات شخص بصره، قال: فذلك حين يتبع بصره نفسه». خرجهما مسلم. انتهى. كله من القرطبي بتصرف. هذا؛ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٨] من سورة (الروم) في شرح النفس. وانظر ﴿لِأَجَلٍ﴾ برقم [٥].
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: المذكور من التوفي، والإمساك، والإرسال. ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي:
في كيفية تعلقها بالأبدان، وتوفيها عنها بالكلية حين الموت، وإمساكها باقية لا تفنى بفنائها، وما يعتريها من السعادة، والشقاوة، وفي الحكمة في توفيها عن ظواهرها، وإرسالها حينا بعد حين إلى توفي آجالها. انتهى. بيضاوي. وانظر (التفكر) في الآية رقم [٢١] من سورة (الروم) أيضا؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
стр. 5419
تنبيه: أخرج البخاري، ومسلم من حديث أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليأخذ داخلة إزاره، فلينفض بها فراشه، وليسمّ الله فإنّه لا يعلم ما خلفه بعد على فراشه، فإذا أراد أن يضطجع؛ فليضطجع على شقّه الأيمن، وليقل: سبحانك ربّي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي؛ فارحمها، وإن أرسلتها؛ فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصّالحين». زاد الترمذي: «وإذا استيقظ؛ فليقل: الحمد لله الّذي عافاني في جسدي، وردّ عليّ روحي وأذن لي بذكره».
وخرج البخاري عن حذيفة-﵁-قال: كان رسول الله ﷺ إذا أخذ مضجعه من الليل؛ وضع يده تحت خدّه، ثم يقول: «اللهمّ باسمك أموت؛ وأحيا». وإذا استيقظ قال:
«الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النّشور». هذا؛ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١١] من سورة (السجدة) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
الإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَتَوَفَّى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿الْأَنْفُسَ:﴾ مفعول به. ﴿حِينَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. و ﴿حِينَ﴾ مضاف، و ﴿مَوْتِها﴾ مضاف إليه. و (ها): في محل جر بالإضافة.
﴿وَالَّتِي:﴾ الواو: حرف عطف. (التي): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على: ﴿الْأَنْفُسَ﴾. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَمُتْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ والفاعل يعود إلى: ﴿الْأَنْفُسَ﴾. ﴿فِي مَنامِها:﴾ متعلقان بما قبلهما. و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.
﴿فَيُمْسِكُ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وقيل: حرف عطف، وليس بقوي. (يمسك): فعل مضارع. والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿الَّتِي:﴾ مفعول به. ﴿قَضى:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى:
﴿اللهُ﴾. ﴿عَلَيْهَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْمَوْتَ:﴾ مفعول به. والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. وجملة: ﴿فَيُمْسِكُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (يرسل):
مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿الْأُخْرى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِلى أَجَلٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة (أجل) مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها وليست عينها، وجملة: ﴿وَيُرْسِلُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له، ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء (آيات): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع
стр. 5420
مؤنث سالم. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: (آيات)، وجملة: ﴿يَتَفَكَّرُونَ:﴾ في محل جر صفة (قوم). والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣)﴾
الشرح: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ﴾ أي: بل اتخذ كفار قريش الأصنام شفعاء تشفع لهم عند الله حين قالوا: ﴿هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ﴾ رقم [١٨] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿قُلْ أَوَلَوْ كانُوا..﴾. إلخ: أي: أيشفعون؛ ولو كانوا على هذه الصفة، كما تشاهدونهم جمادات لا يملكون شيئا من أمرهم، ولا يقدرون على دفع ضر، أو على جلب نفع لأنفسهم؟ ﴿وَلا يَعْقِلُونَ:﴾ لا يفهمون ما يقال لهم.
هذا؛ وإنما جمع الأصنام، والمعبودات الباطلة جمع المذكر السالم؛ لأن الكفار كانوا يخاطبونها مخاطبة العقلاء، فنزلت منزلتهم في الكلام، وهذا كثير في القرآن الكريم، وقد ذكرته في محاله مرارا، والعرب تجمع ما لا يعقل جمع من يعقل؛ إذا عاملوه معاملته، وأنزلوه منزلته، وإن كان خارجا عن الأصل، كما يستعملون له «من» التي هي للعاقل لما ذكر من السبب. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ رقم [٥] من سورة (الأحقاف)، وقال امرؤ القيس وهو الشاهد رقم (٨٥) من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل]
ألا عم صباحا أيّها الطّلل البالي... وهل يعمن من كان في العصر الخالي؟
الإعراب: ﴿أَمِ:﴾ حرف عطف بمعنى: بل، فهي منقطعة عما قبلها. ﴿اِتَّخَذُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب: ﴿شُفَعاءَ﴾ بعدهما؛ لأنه جمع: شفيع. وقيل:
هما مفعول ﴿اِتَّخَذُوا﴾ الثاني تقدم على الأول، و ﴿دُونِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.
﴿شُفَعاءَ:﴾ مفعول به. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَوَلَوْ:﴾ الهمزة:
حرف استفهام إنكاري توبيخي، داخلة على محذوف، كما رأيت. الواو: واو الحال، (لو):
وصلية هنا. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً﴾ في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل الفعل المقدر بعد الهمزة، التقدير: أيشفعون في حالة تقدير عدم ملكهم، وعدم عقلهم؟ وقيل: (لو) شرطية، وليس بشيء. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية.
стр. 5421
﴿يَعْقِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها، والجملة المقدرة: أيشفعون... إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
تنبيه: مثل هذه الآية في تركيبها، وإعرابها الآية رقم [١٧٠] من سورة (البقرة)، ورقم [١٠٤] من سورة (المائدة)، ورقم [٢١] من سورة (لقمان).
﴿قُلْ لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)﴾
الشرح: ﴿قُلْ:﴾ أمر، وخطاب للنبي ﷺ . ﴿لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً﴾ أي: مالك الشفاعة كلها، ولا يستطيع أحد شفاعة إلا بإذنه، ولا يستقل بها أحد، وهو جواب لمن يقول، ويعترض:
كيف قال: ﴿لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً﴾ مع ما جاء في الأخبار، أن للأنبياء، وللعلماء، والشهداء والأطفال شفاعات؟ وإيضاحه: أنه تعالى مختص بها، لا يملكها أحد إلا بتمليكه له، كما قال تعالى في آية الكرسي: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ،﴾ وقال في سورة (الأنبياء) رقم [٢٨]:
﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى﴾ لكن الذي هو مشروط في الآية شيئان: الملك، والعقل، والشرطان مفقودان في الأصنام التي يعبدونها من دون الله تعالى.
﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ فهو المتصرف في هذا الكون: فهو المالك له كله، لا يملك أحد أن يتكلم في أمره دون إذنه، ورضاه. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ:﴾ يوم القيامة فيجازيكم على أعمالكم، إن خيرا فخير، وإن شرّا؛ فشرّ. هذا؛ وإنما قال: ﴿جَمِيعاً﴾ وهو للاثنين فصاعدا؛ والشفاعة واحدة؛ لأن الشفاعة مصدر، والمصدر يؤدي عن الاثنين والجميع. هذا؛ وشفعاء جمع شفيع، والشفاعة: التوسل، وابتغاء الخير، والذي يكون منه التوسل يسمى الشفيع، والشفاعة في الدنيا تكون حسنة، وتكون سيئة، فالأولى هي التي روعي فيها حق مسلم، ودفع بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، لا في حد من حدود الله، ولا في حق من حقوق الله. والسيئة هي ما كانت بخلاف ذلك.
وقيل: الشفاعة الحسنة هي الدعوة للمسلم؛ لأنها بمعنى: الشفاعة إلى الله تعالى، فعن النبي ﷺ قال: «من دعا لأخيه بظهر الغيب؛ استجيب له، وقال له الملك: ولك مثل ذلك». فذلك هو النصيب الذي ذكره الله بقوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها﴾ رقم [٨٥] من سورة (النساء).
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الشَّفاعَةُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من الشفاعة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِلّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان
стр. 5422
بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر، و ﴿مُلْكُ﴾ مضاف، و ﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه.
﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿ثُمَّ:﴾
حرف عطف. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله. والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول أيضا.
تنبيه: لقد اختلف في مجيء الحال من المبتدأ، فمنعه قوم، ومنهم ابن القواس، فإنه قال في درة الغواص: مجيء الحال من المبتدأ يلزم منه المحال من وجهين: الأول: أنه لا يصدق عليه حد الحال؛ لكونه هيئة للمبتدأ، والحال يجب أن يكون هيئة فاعل، أو مفعول. والثاني:
أنه يؤدي إلى أن يكون المبتدأ عاملا في الحال، لوجوب كون العامل في الحال عاملا في صاحبها، وهو محال، وإنما يصح أن تجعل حالا على قول من يرفع الشفاعة بالجار والمجرور من غير أن يعتمد على نفي، أو شبهه، وهو مذهب الأخفش، والكوفيين، وقول ابن القواس هو قول الجمهور، وخرجه على أن الحال إنما هي من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور.
واختلف النقل عن سيبويه، فبعضهم يجعله موافقا للجمهور، وبعضهم يجعله موافقا لما استشهد به ابن هشام في قول كثير عزة، وهو الشاهد رقم [١٣٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]
لعزّة موحشا طلل... يلوح كأنّه خلل
ويعد ذلك من الماخذ عليه. ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة النحل [٥٢]: ﴿وَلَهُ الدِّينُ واصِباً،﴾ وأيضا قوله الشاعر وهو الشاهد رقم [٣٧٨] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل]
وهلاّ أعدّوني لمثلي تفاقدوا... وفي الأرض مبثوثا شجاع وعقرب
الشاهد ب: موحشا حيث وقع حالا من: (طلل)، وواصبا وقع حالا من (الدين)، و (مبثوثا) وقع حالا من: (شجاع وعقرب). وأيضا قول الشاعر، وهو الشاهد رقم (٣٧٢) من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل]
وفي الجسم منّي بيّنا لو علمته... شحوب، وإن تستشهدي العين تشهد
﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اِشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ﴾ أي: إذا أفرد الله بالذكر، ولم تذكر آلهتهم، مثل قول المؤمن: ﴿لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ؛﴾ ﴿اِشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ..﴾. إلخ: قال ابن عباس، ومجاهد، والمبرد:
стр. 5423
انقبضت. وقال قتادة: نفرت، واستكبرت، وكفرت، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ رقم [٣٥] من سورة (الصافات). هذا؛ وأصل الاشمئزاز النفور، والازورار. قال عمرو بن كلثوم في معلقته رقم [٦٠] و [٦١]: [الوافر]
فإنّ قناتنا يا عمرو أعيت... على الأعداء قبلك أن تلينا
إذا عضّ الثّقاف بها اشمأزّت... وولّتهم عشوزنة زبونا
﴿وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ:﴾ يعني الأوثان، ومعبوداتهم الباطلة. ﴿إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي:
يفرحون، ويظهر البشر، والسرور على وجوههم لفرط افتتانهم بها، ونسيان حق الله عليهم، ولقد بالغ في الأمرين؛ حتى بلغ الغاية فيهما، فإن الاستبشار: أن يمتلئ قلبه سرورا؛ حتى تنبسط له بشرة وجهه، والاشمئزاز: أن يمتلئ غما؛ حتى ينقبض أديم وجهه، انتهى. بيضاوي. هذا؛ وقال القرطبي في قوله تعالى: ﴿وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ يعني: الأوثان، حين ألقى الشيطان في أمنية النبي ﷺ عند قراءته سورة (النجم): «تلك الغرانيق العلا...» إلخ قاله جماعة من المفسرين. هذا؛ ولقد بينات في سورة (الحج) رقم [٥١] بطلان هذه الحكاية، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين. هذا؛ وقال تعالى في سورة (غافر) رقم [١٢]: ﴿ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ وفي الآية الكريمة من المقابلة الرائعة ما لا يخفى؛ حيث قابل بين الله، والأصنام، وبين السرور، والاشمئزاز، والمقابلة أن يؤتى بمعنيين، أو أكثر، ثم يؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب، وهو من المحسنات البديعية.
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف، وقيل: عاطفة. وفيه ضعف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿ذُكِرَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿اللهُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿وَحْدَهُ:﴾ قال القرطبي: نصب على المصدر عند الخليل، وسيبويه، وعلى الحال عند يونس. انتهى. أقول: وهو المعتمد، وهو مؤول ب: «منفردا» كما هو مقرر في كتب النحو. ﴿اِشْمَأَزَّتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿قُلُوبُ:﴾
فاعله، وهو مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. وجملة:
﴿لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿اِشْمَأَزَّتْ..﴾. إلخ جواب: (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. (إذا): مثل سابقتها. ﴿ذُكِرَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع نائب فاعله. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿إِذا:﴾ كلمة دالة على المفاجأة واقعة في جواب ﴿إِذا﴾ الشرطية، وانظر الآية رقم [٢٩] من سورة (يس)، فالبحث فيها واف كاف.
стр. 5424
﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. وجملة: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على اعتبارها ظرفا، وواقعة جوابا ل: (إذا) الظرفية على اعتبارها حرفا، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها معطوف على ما قبله لا محل له مثله.
﴿قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦)﴾
الشرح: ﴿قُلِ:﴾ أمر، وخطاب للنبي ﷺ ، وينبغي لكل مؤمن أن يقرأ هذه الآية في مقدمة سؤاله الله شيئا من أمور الدنيا، والآخرة. قال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: إني لأعرف آية ما قرأها أحد قط فسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه، قوله تعالى: ﴿قُلِ اللهُمَّ..﴾. إلخ. وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال: سألت عائشة-﵂: بأي شيء كان النبيّ ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته، قال: «اللهم ربّ جبريل، وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». أخرجه مسلم.
﴿اللهُمَّ:﴾ أصله: يا الله، فحذفت أداة النداء، وعوض عنها الميم المشددة في الآخر، ولا يجمع بين العوض والمعوض عنه إلا في ضرورة الشعر، كما في قول أمية بن أبي الصلت، انظر الشاهد رقم [٤٤٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الرجز]
إنّي إذا ما حدث ألمّا... أقول يا اللهمّ يا اللهمّا
وهذا الحذف والتعويض من خصائص الاسم الكريم، كدخول «يا» عليه مع لام التعريف، وقطع همزته، وتاء القسم. ﴿فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خالقهما، ومبتدعهما على غير مثال سبق. هذا؛ والفطر: الشق عن الشيء، يقال: فطرته، فانفطر، قال تعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ ومنه: فطر ناب البعير: طلع، فهو بعير فاطر، وتفطّر الشيء: تشقّق، وسيف فطار؛ أي: فيه تشقق، قال عنترة: [الوافر]
وسيفي كالعقيقة فهو كمعي... سلاحي لا أفلّ، ولا فطارا
وكمعي: ضجيعي، والفطر: الاختراع، والابتداع، والابتداء. قال ابن عباس-﵄: كنت لا أدري ما ﴿فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها. أي: أنا ابتدأتها. والفطر: حلب الناقة بالسبابة، والإبهام. والمراد:
بذكر السموات والأرض: العالم كله، ويستدل بهذا على أن من قدر على الابتداء قادر على
стр. 5425
الإعادة. ﴿عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ أي: السر، والعلانية. هذا؛ والشهادة: الحضور، والغيب:
ما غاب عن الإنسان، ولم تدركه حواسه قال الشاعر المسلم: [الطويل]
وبالغيب آمنّا، وقد كان قومنا... يصلّون للأوثان قبل محمد
﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: في دنياهم، وستفصل بينهم يوم معادهم، ونشورهم، وقيامهم من قبورهم. هذا؛ وعن سعيد بن المسيب-﵁-قال:
لا أعرف آية قرئت فدعي عندها، إلا أجيب سواها. وعن الربيع بن خثيم (وكان قليل الكلام) أنه أخبر بمقتل الحسين-﵁-وقالوا: الآن يتكلم، فما زاد أن قال: آه! وقد فعلوا؟! وقرأ هذه الآية. وروي: أنه قال على أثره: قتل من كان ﷺ يجلسه في حجره، ويضع فاه على فيه. انتهى. وخذ ما يلي:
وعن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال: اللهمّ فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إنّي أعهد إليك في هذه الحياة الدّنيا: أنّي أشهد أن لا إله إلاّ أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك، ورسولك، فإنك إن تكلني إلى نفسي؛ تقرّبني من الشرّ، وتباعدني من الخير، وإنّي لا أثق إلاّ برحمتك فاجعل لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد؛ إلا قال الله لملائكته يوم القيامة: إنّ عبدي قد عهد إليّ عهدا، فأوفوه إيّاه، فيدخله الله الجنة». أخرجه الإمام أحمد.
الإعراب: ﴿قُلِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿اللهُمَّ:﴾ منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب: «يا» المحذوفة، والمعوض عنها الميم المشددة في الآخر.
﴿فاطِرَ:﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه بدل من ﴿اللهُمَّ﴾. الثاني: أنه عطف بيان عليه. الثالث: أنه منادى ثان، حذف منه أداة النداء؛ أي: يا فاطر... إلخ. الرابع: أنه نعت ل: ﴿اللهُمَّ﴾ على الموضع، فلذلك نصب، وهذا ليس مذهب سيبويه، فإنه لا يجيز نعت هذه اللفظة لوجود الميم المشددة في آخرها؛ لأنها أخرجتها عن نظائرها من الأسماء، وأجاز المبرد ذلك، واختاره الزجاج. قالا: لأن الميم بدل من «يا»، والمنادى مع «يا» لا يمتنع وصفه، فكذا ما هو عوض منها، وأيضا: فإن الاسم لم يتغير عن حكمه، ألا ترى إلى بقائه مبنيا على الضم، كما كان مبنيا مع «يا». انتهى. جمل. نقلا من السمين.
و ﴿فاطِرَ﴾ مضاف، و ﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿عالِمَ:﴾ يجوز فيه ما جاز ب: ﴿فاطِرَ﴾ من أوجه، و ﴿عالِمَ﴾ مضاف، و ﴿الْغَيْبِ﴾ مضاف إليه... إلخ، ﴿وَالشَّهادَةِ:﴾ معطوف على: ﴿الْغَيْبِ﴾.
﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿تَحْكُمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه تقديره: «أنت». والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان
стр. 5426
متعلق بالفعل قبله، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿عِبادِكَ﴾ مضاف إليه، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿فِي ما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿تَحْكُمُ،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (في). ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والجملة الفعلية: «يختلفون فيه» في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا ب: (في). هذا؛ والآية كلها في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧)﴾
الشرح: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم بالكفر، وارتكاب المعاصي، واجتراح السيئات. ﴿ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ أي: صنوف الأموال كلها، وملكوا مثل ذلك معه. ﴿لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي: من العقاب الشديد، والعذاب الأليم، ولكنه لا يقبل منهم، كما صرح به في الآية رقم [٩١] من سورة (آل عمران)، ورقم [٣٦] من سورة (المائدة)، ورقم [١٨] من سورة (الرعد). وهذا؛ وعيد لهم شديد، وإقناط لهم من الخلاص.
﴿وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ..﴾. إلخ: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: من أجلّ ما روي فيه ما رواه منصور عن مجاهد قال: عملوا أعمالا توهموا: أنها حسنات، فإذا هي سيئات. وقاله السدّي.
وقيل: عملوا أعمالا توهموا: أنهم يتوبون منها قبل الموت، فأدركهم الموت قبل أن يتوبوا، وقد كانوا ظنوا: أنهم ينجون بالتوبة. وقال سفيان الثوري في هذه الآية: ويل لأهل الرياء، ويل لأهل الرياء، هذه آيتهم، وقصتهم. وقال عكرمة بن عمار: جزع محمد بن المنكدر عند موته جزعا شديدا، فقيل له: ما هذا الجزع؟ قال: أخاف آية من كتاب الله: ﴿وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ..﴾. إلخ، فأنا أخشى أن يبدو لي ما لم أكن أحتسب. وهذه الآية غاية في الوعيد لا غاية وراءها. ونظيره في الوعد قوله تعالى في سورة (السجدة) رقم [١٧]: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ..﴾. إلخ.
هذا؛ والأكثرية الساحقة من المسلمين في هذه الأيام يتمنون الأماني الكاذبة، فتراهم يهملون واجبات الله تعالى، ويرتكبون المعاصي، والمنكرات، وهم مع ذلك يؤملون جنة عرضها السموات، والأرض، أعدت للمتقين، يقولون: الله غفور رحيم، النبي الكريم يشفع لنا، فتح لهم الشيطان باب هذه الأماني الكاذبة، وغرّهم بالله الغرور، فهم يجدون الله يوم القيامة قد أعد لهم العقاب الشديد، والعذاب الأليم، وقد بين النبي ﷺ ، هذا بصريح قوله: «ليس الإيمان بالتمنّي، ولكن ما وقر في القلب، وصدّقه العمل، إنّ قوما ألهتهم الأمانيّ حتى خرجوا من
стр. 5427
الدنيا، ولا حسنة لهم، وقالوا: نحسن الظّنّ بالله؛ كذبوا! لو أحسنوا الظنّ؛ لأحسنوا العمل».
وانظر رقم [٢٣] من سورة (فصلت) وهذا الحديث يروى موقوفا عن الحسن البصري.
الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنَّ:﴾
حرف مشبه بالفعل. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿أَنَّ﴾ تقدم على اسمها، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم: ﴿أَنَّ﴾ مؤخر. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من: ﴿ما،﴾ أو من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور. ﴿وَمِثْلَهُ:﴾ معطوف على: ﴿ما،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَعَهُ:﴾
ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من (مثله). و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، هو شرط: (لو) عند المبرد، التقدير: ولو ثبت ظلمهم، أو: حصل، ونحوه. وقال سيبويه: المصدر المؤول في محل رفع بالابتداء، والخبر محذوف، التقدير: ولو ظلمهم ثابت، أو حاصل. وقول المبرد هو المرجح؛ لأن (لو) لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر، والفعل المقدر، وفاعله المؤول جملة فعلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها ابتدائية، ويقال:
لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لافْتَدَوْا:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (افتدوا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة، لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب (لو)، لا محل لها من الإعراب. ﴿بِهِ مِنْ سُوءِ:﴾
كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿سُوءِ﴾ مضاف، و ﴿الْعَذابِ﴾ مضاف إليه. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله أيضا. وقيل: متعلق بمحذوف حال من واو الجماعة. و ﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿وَبَدا:﴾ الواو: حرف عطف. (بدا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿لَهُمْ مِنَ اللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع فاعل: (بدا). ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَحْتَسِبُونَ﴾ في محل نصب خبر: ﴿يَكُونُوا،﴾ وجملة: ﴿لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: لم يكونوا يحتسبونه، وجملة: ﴿وَبَدا..﴾. إلخ معطوفة على (لو) ومدخولها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.
﴿وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤٨)﴾
الشرح: ﴿وَبَدا لَهُمْ..﴾. إلخ: أي: وظهر لهم في ذلك اليوم العظيم شأنه، الطويل زمانه -وهو يوم القيامة-مساوئ أعمالهم من الشرك، والكفر، والظلم، والطغيان، والاعتداء على
стр. 5428
حقوق العباد، أو ظهر لهم عقاب ما ذكر، وجزاؤه؛ حيث رأوه بأعينهم. ﴿وَحاقَ بِهِمْ..﴾. إلخ:
أي: أحاط بهم العذاب، ونزل بهم من كل الجهات جزاء ما كانوا به يستهزئون، فهو على حد الآية رقم [١٦]: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ..﴾. إلخ، هذا؛ والتعبير بالماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق الوقوع، والمبالغة في التهديد والوعيد. هذا؛ ومثل هذه الآية في نصها، ومغزاها، ومعناها رقم [٣٣] من سورة (الجاثية)، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٣] من سورة (فصلت).
الإعراب: ﴿وَبَدا:﴾ الواو: حرف عطف. (بدا): فعل ماض. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿سَيِّئاتُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و ﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: سيئات الذي كسبوه. وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: سيئات كسبهم. وجملة:
﴿وَبَدا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَحاقَ:﴾ الواو: حرف عطف.
(حاق): فعل ماض. ﴿بِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ مثل سابقتها تحتمل الوجوه الثلاثة، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: وحاق بهم استهزاؤهم. هذا؛ والجار والمجرور: ﴿بِهِمْ﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، وتفصيل الإعراب لا يخفى عليك بعد هذا؛ وجملة: ﴿وَحاقَ بِهِمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٩)﴾
الشرح: ﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ:﴾ بلاء في جسمه، أو في ماله، أو في ولده. والمراد:
بالإنسان هنا: الكافر، والفاسق، والفاجر. ﴿دَعانا:﴾ تضرع إلينا ولجأ يطلب كشف ذلك الضر.
﴿ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ﴾ أي: كشفنا عنه ضره، وأعطيناه، وأنعمنا عليه تفضلا منا بنعمة من نعم الدنيا:
صحة في جسمه، أو غنى في ماله، أو زيادة في ولده؛ ﴿قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ أي: مني:
أني سأعطاه لما فيّ من فضل، واستحقاق. أو: على علم مني بوجود الكسب، كما قال قارون:
﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ رقم [٧٨] من سورة (القصص)، وإنما ذكّر الضمير في: ﴿أُوتِيتُهُ﴾ وهو للنعمة نظرا إلى المعنى؛ لأن قوله ﴿نِعْمَةً مِنّا﴾ شيئا من النعمة وقسما منها. وقيل: (ما)
стр. 5429
في: ﴿إِنَّما﴾ موصولة، لا كافة، فيرجع الضمير إليها؛ أي: إن الذي، أوتيته على علم.
﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ:﴾ إنكار لذلك الإنسان، ورد عليه، كأنه قال: ما خولناك من النعمة لما تقول؛ ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ أي: ابتلاء، واختبار، وامتحان لك: أتشكر أيها الإنسان، أم تكفر؟ ولما كان الخبر مؤنثا، أعني: ﴿فِتْنَةٌ﴾ ساغ تأنيث المبتدأ لأجله، وقرئ: «(بل هو فتنة)» على وفق ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ﴾. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ:﴾ أنها فتنة. وانظر الآية رقم [٢٩]. هذا؛ ومعنى هذه الآية تكرر كثيرا في كتاب الله.
هذا؛ والسبب في عطف هذه الآية بالفاء، وعطف مثلها في أول السورة رقم [٨] بالواو: أن هذه وقعت مسببة عن قوله تعالى: ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ﴾ رقم [٤٥] على معنى: أنهم يشمئزون من ذكر الله، ويستبشرون بذكر الآلهة، وإذا مس أحدهم ضرّ دعا من اشمأز بذكره، دون من استبشر بذكره وما بينهما من الآي اعتراض.
فإن قلت: حق الاعتراض أن يؤكد المعترض بينه وبينه؛ قلت: ما في الاعتراض من دعاء الرسول ﷺ ربه بأمر الله، وقوله: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ﴾ ثم ما عقبه من الوعيد العظيم تأكيد لإنكار اشمئزازهم، واستبشارهم، ورجوعهم إلى الله في الشدائد دون آلهتهم، كأنه قيل: قل: يا رب! لا يحكم بيني وبين هؤلاء الذين يجترئون عليك مثل هذه الجراءة إلا أنت. وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ متناول لهم، ولكل ظالم؛ إن جعل عاما، أو إياهم خاصة؛ إن عنيتهم به، كأنه قيل: ولو أن لهؤلاء الظالمين ما في الأرض جميعا، ومثله معه؛ لافتدوا به حين حكم عليهم بسوء العذاب.
وأما الآية الأولى فلم تقع مسببة، وما هي إلا جملة ناسبت جملة قبلها، فعطفت عليها بالواو، نحو قام زيد، وقعد عمرو، وبيان وقوعها مسببة أنك تقول: زيد يؤمن بالله فإذا مسه ضر التجأ إليه، فهذا تسبب ظاهر، ثم تقول: زيد كافر بالله، فإذا مسه ضر التجأ إليه، فتجيء بالفاء مجيئك بها ثمة كأن الكافر حين التجأ إلى الله التجأ المؤمن إليه، مقيما كفره مقام الإيمان في جعله سببا في الالتجاء. انتهى. نسفي بتصرف.
الإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف. (إذا): انظر الآية رقم [٤٥]. والجملة الفعلية:
﴿مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ﴾ في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿دَعانا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿الْإِنْسانَ﴾ تقديره: «هو»، (نا): مفعول به، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها معطوف على مثله في الآية رقم [٨] وانظر الشرح لتوضيح ذلك. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿فَإِذا:﴾ مثل سابقتها. ﴿خَوَّلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿نِعْمَةً:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿نِعْمَةً،﴾ أو بمحذوف صفة لها، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿فَإِذا﴾ إليها. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الْإِنْسانَ﴾. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿أُوتِيتُهُ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول
стр. 5430
مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والهاء مفعوله الثاني. ﴿عَلى عِلْمٍ:﴾
متعلقين بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من تاء الفاعل. هذا؛ وأجيز اعتبار (إنّ) غير مكفوفة، فتكون (ما) اسمها، والجملة الفعلية صلة (ما)، والجار، والمجرور: ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ متعلقين بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة سواء أكانت فعلية، أم اسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب ﴿فَإِذا،﴾ لا محل لها، و ﴿فَإِذا﴾ ومدخولها معطوف على ما قبله، لا محل له مثله.
﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب، وإنكار، وانتقال. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿فِتْنَةٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَهُمْ:﴾ اسم (لكن)، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ في محل رفع خبر (لكن)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. وقيل: الجملة في محل نصب حال، ولا وجه له.
﴿قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠)﴾
الشرح: ﴿قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: قال الكلمة: ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ قارون، وقومه راضون بها، فكأنهم قالوها. ويجوز أن يكون في الأمم الخالية آخرون قائلون مثلها، وفي زمننا كثير من المسلمين يقولونها، ويعتقدون: أنهم بدهائهم، وكذبهم، ولفهم، ودورانهم يجمعون المال، ويعدّون ذلك شطارة، ومهارة، ولا يبالون من أين اكتسبوا المال، من حلال، أم من حرام؟! ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ..﴾. إلخ: فما أجدى، ولا نفعهم ما جمعوه من حطام الدنيا حينما نزل بهم غضب الله وعقابه الشديد، وعذابه الأليم، والقرآن أصدق شاهد على ذلك، وأدل دليل عليه.
الإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿قائِلُها:﴾ فعل ماض، و (ها):
مفعول به، ونصب القول الضمير لتفسيره بالكلمة التي رأيتها. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿أَغْنى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿فَما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: فما أغنى عنهم الذي، أو: شيء كانوا يكسبونه. وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: فما أغنى عنهم كسبهم. هذا؛ وقيل: (ما) الأولى استفهامية، التقدير: أي شيء أغنى عنهم ما كانوا... إلخ؟ وهو ضعيف،
следующие страницы →