← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

متعلق بالفعل قبله، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿عِبادِكَ﴾ مضاف إليه، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿فِي ما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿تَحْكُمُ،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (في). ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والجملة الفعلية: «يختلفون فيه» في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا ب: (في). هذا؛ والآية كلها في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧)﴾ الشرح: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم بالكفر، وارتكاب المعاصي، واجتراح السيئات. ﴿ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ أي: صنوف الأموال كلها، وملكوا مثل ذلك معه. ﴿لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي: من العقاب الشديد، والعذاب الأليم، ولكنه لا يقبل منهم، كما صرح به في الآية رقم [٩١] من سورة (آل عمران)، ورقم [٣٦] من سورة (المائدة)، ورقم [١٨] من سورة (الرعد). وهذا؛ وعيد لهم شديد، وإقناط لهم من الخلاص. ﴿وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ..﴾. إلخ: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: من أجلّ ما روي فيه ما رواه منصور عن مجاهد قال: عملوا أعمالا توهموا: أنها حسنات، فإذا هي سيئات. وقاله السدّي. وقيل: عملوا أعمالا توهموا: أنهم يتوبون منها قبل الموت، فأدركهم الموت قبل أن يتوبوا، وقد كانوا ظنوا: أنهم ينجون بالتوبة. وقال سفيان الثوري في هذه الآية: ويل لأهل الرياء، ويل لأهل الرياء، هذه آيتهم، وقصتهم. وقال عكرمة بن عمار: جزع محمد بن المنكدر عند موته جزعا شديدا، فقيل له: ما هذا الجزع؟ قال: أخاف آية من كتاب الله: ﴿وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ..﴾. إلخ، فأنا أخشى أن يبدو لي ما لم أكن أحتسب. وهذه الآية غاية في الوعيد لا غاية وراءها. ونظيره في الوعد قوله تعالى في سورة (السجدة) رقم [١٧]: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ..﴾. إلخ. هذا؛ والأكثرية الساحقة من المسلمين في هذه الأيام يتمنون الأماني الكاذبة، فتراهم يهملون واجبات الله تعالى، ويرتكبون المعاصي، والمنكرات، وهم مع ذلك يؤملون جنة عرضها السموات، والأرض، أعدت للمتقين، يقولون: الله غفور رحيم، النبي الكريم يشفع لنا، فتح لهم الشيطان باب هذه الأماني الكاذبة، وغرّهم بالله الغرور، فهم يجدون الله يوم القيامة قد أعد لهم العقاب الشديد، والعذاب الأليم، وقد بين النبي ﷺ ، هذا بصريح قوله: «ليس الإيمان بالتمنّي، ولكن ما وقر في القلب، وصدّقه العمل، إنّ قوما ألهتهم الأمانيّ حتى خرجوا من

стр. 5427

الدنيا، ولا حسنة لهم، وقالوا: نحسن الظّنّ بالله؛ كذبوا! لو أحسنوا الظنّ؛ لأحسنوا العمل». وانظر رقم [٢٣] من سورة (فصلت) وهذا الحديث يروى موقوفا عن الحسن البصري. الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿أَنَّ﴾ تقدم على اسمها، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم: ﴿أَنَّ﴾ مؤخر. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من: ﴿ما،﴾ أو من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور. ﴿وَمِثْلَهُ:﴾ معطوف على: ﴿ما،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من (مثله). و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، هو شرط: (لو) عند المبرد، التقدير: ولو ثبت ظلمهم، أو: حصل، ونحوه. وقال سيبويه: المصدر المؤول في محل رفع بالابتداء، والخبر محذوف، التقدير: ولو ظلمهم ثابت، أو حاصل. وقول المبرد هو المرجح؛ لأن (لو) لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر، والفعل المقدر، وفاعله المؤول جملة فعلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لافْتَدَوْا:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (افتدوا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة، لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب (لو)، لا محل لها من الإعراب. ﴿بِهِ مِنْ سُوءِ:﴾ كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿سُوءِ﴾ مضاف، و ﴿الْعَذابِ﴾ مضاف إليه. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله أيضا. وقيل: متعلق بمحذوف حال من واو الجماعة. و ﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَبَدا:﴾ الواو: حرف عطف. (بدا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿لَهُمْ مِنَ اللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع فاعل: (بدا). ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَحْتَسِبُونَ﴾ في محل نصب خبر: ﴿يَكُونُوا،﴾ وجملة: ﴿لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: لم يكونوا يحتسبونه، وجملة: ﴿وَبَدا..﴾. إلخ معطوفة على (لو) ومدخولها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤٨)﴾ الشرح: ﴿وَبَدا لَهُمْ..﴾. إلخ: أي: وظهر لهم في ذلك اليوم العظيم شأنه، الطويل زمانه -وهو يوم القيامة-مساوئ أعمالهم من الشرك، والكفر، والظلم، والطغيان، والاعتداء على

стр. 5428

حقوق العباد، أو ظهر لهم عقاب ما ذكر، وجزاؤه؛ حيث رأوه بأعينهم. ﴿وَحاقَ بِهِمْ..﴾. إلخ: أي: أحاط بهم العذاب، ونزل بهم من كل الجهات جزاء ما كانوا به يستهزئون، فهو على حد الآية رقم [١٦]: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ..﴾. إلخ، هذا؛ والتعبير بالماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق الوقوع، والمبالغة في التهديد والوعيد. هذا؛ ومثل هذه الآية في نصها، ومغزاها، ومعناها رقم [٣٣] من سورة (الجاثية)، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٣] من سورة (فصلت). الإعراب: ﴿وَبَدا:﴾ الواو: حرف عطف. (بدا): فعل ماض. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿سَيِّئاتُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و ﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: سيئات الذي كسبوه. وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: سيئات كسبهم. وجملة: ﴿وَبَدا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَحاقَ:﴾ الواو: حرف عطف. (حاق): فعل ماض. ﴿بِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ مثل سابقتها تحتمل الوجوه الثلاثة، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: وحاق بهم استهزاؤهم. هذا؛ والجار والمجرور: ﴿بِهِمْ﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، وتفصيل الإعراب لا يخفى عليك بعد هذا؛ وجملة: ﴿وَحاقَ بِهِمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٩)﴾ الشرح: ﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ:﴾ بلاء في جسمه، أو في ماله، أو في ولده. والمراد: بالإنسان هنا: الكافر، والفاسق، والفاجر. ﴿دَعانا:﴾ تضرع إلينا ولجأ يطلب كشف ذلك الضر. ﴿ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ﴾ أي: كشفنا عنه ضره، وأعطيناه، وأنعمنا عليه تفضلا منا بنعمة من نعم الدنيا: صحة في جسمه، أو غنى في ماله، أو زيادة في ولده؛ ﴿قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ أي: مني: أني سأعطاه لما فيّ من فضل، واستحقاق. أو: على علم مني بوجود الكسب، كما قال قارون: ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ رقم [٧٨] من سورة (القصص)، وإنما ذكّر الضمير في: ﴿أُوتِيتُهُ﴾ وهو للنعمة نظرا إلى المعنى؛ لأن قوله ﴿نِعْمَةً مِنّا﴾ شيئا من النعمة وقسما منها. وقيل: (ما)

стр. 5429

في: ﴿إِنَّما﴾ موصولة، لا كافة، فيرجع الضمير إليها؛ أي: إن الذي، أوتيته على علم. ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ:﴾ إنكار لذلك الإنسان، ورد عليه، كأنه قال: ما خولناك من النعمة لما تقول؛ ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ أي: ابتلاء، واختبار، وامتحان لك: أتشكر أيها الإنسان، أم تكفر؟ ولما كان الخبر مؤنثا، أعني: ﴿فِتْنَةٌ﴾ ساغ تأنيث المبتدأ لأجله، وقرئ: «(بل هو فتنة)» على وفق ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ﴾. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ:﴾ أنها فتنة. وانظر الآية رقم [٢٩]. هذا؛ ومعنى هذه الآية تكرر كثيرا في كتاب الله. هذا؛ والسبب في عطف هذه الآية بالفاء، وعطف مثلها في أول السورة رقم [٨] بالواو: أن هذه وقعت مسببة عن قوله تعالى: ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ﴾ رقم [٤٥] على معنى: أنهم يشمئزون من ذكر الله، ويستبشرون بذكر الآلهة، وإذا مس أحدهم ضرّ دعا من اشمأز بذكره، دون من استبشر بذكره وما بينهما من الآي اعتراض. فإن قلت: حق الاعتراض أن يؤكد المعترض بينه وبينه؛ قلت: ما في الاعتراض من دعاء الرسول ﷺ ربه بأمر الله، وقوله: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ﴾ ثم ما عقبه من الوعيد العظيم تأكيد لإنكار اشمئزازهم، واستبشارهم، ورجوعهم إلى الله في الشدائد دون آلهتهم، كأنه قيل: قل: يا رب! لا يحكم بيني وبين هؤلاء الذين يجترئون عليك مثل هذه الجراءة إلا أنت. وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ متناول لهم، ولكل ظالم؛ إن جعل عاما، أو إياهم خاصة؛ إن عنيتهم به، كأنه قيل: ولو أن لهؤلاء الظالمين ما في الأرض جميعا، ومثله معه؛ لافتدوا به حين حكم عليهم بسوء العذاب. وأما الآية الأولى فلم تقع مسببة، وما هي إلا جملة ناسبت جملة قبلها، فعطفت عليها بالواو، نحو قام زيد، وقعد عمرو، وبيان وقوعها مسببة أنك تقول: زيد يؤمن بالله فإذا مسه ضر التجأ إليه، فهذا تسبب ظاهر، ثم تقول: زيد كافر بالله، فإذا مسه ضر التجأ إليه، فتجيء بالفاء مجيئك بها ثمة كأن الكافر حين التجأ إلى الله التجأ المؤمن إليه، مقيما كفره مقام الإيمان في جعله سببا في الالتجاء. انتهى. نسفي بتصرف. الإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف. (إذا): انظر الآية رقم [٤٥]. والجملة الفعلية: ﴿مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ﴾ في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿دَعانا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿الْإِنْسانَ﴾ تقديره: «هو»، (نا): مفعول به، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها معطوف على مثله في الآية رقم [٨] وانظر الشرح لتوضيح ذلك. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿فَإِذا:﴾ مثل سابقتها. ﴿خَوَّلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿نِعْمَةً:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿نِعْمَةً،﴾ أو بمحذوف صفة لها، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿فَإِذا﴾ إليها. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الْإِنْسانَ﴾. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿أُوتِيتُهُ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول

стр. 5430

مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والهاء مفعوله الثاني. ﴿عَلى عِلْمٍ:﴾ متعلقين بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من تاء الفاعل. هذا؛ وأجيز اعتبار (إنّ) غير مكفوفة، فتكون (ما) اسمها، والجملة الفعلية صلة (ما)، والجار، والمجرور: ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ متعلقين بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة سواء أكانت فعلية، أم اسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب ﴿فَإِذا،﴾ لا محل لها، و ﴿فَإِذا﴾ ومدخولها معطوف على ما قبله، لا محل له مثله. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب، وإنكار، وانتقال. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿فِتْنَةٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَهُمْ:﴾ اسم (لكن)، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ في محل رفع خبر (لكن)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. وقيل: الجملة في محل نصب حال، ولا وجه له. ﴿قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠)﴾ الشرح: ﴿قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: قال الكلمة: ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ قارون، وقومه راضون بها، فكأنهم قالوها. ويجوز أن يكون في الأمم الخالية آخرون قائلون مثلها، وفي زمننا كثير من المسلمين يقولونها، ويعتقدون: أنهم بدهائهم، وكذبهم، ولفهم، ودورانهم يجمعون المال، ويعدّون ذلك شطارة، ومهارة، ولا يبالون من أين اكتسبوا المال، من حلال، أم من حرام؟! ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ..﴾. إلخ: فما أجدى، ولا نفعهم ما جمعوه من حطام الدنيا حينما نزل بهم غضب الله وعقابه الشديد، وعذابه الأليم، والقرآن أصدق شاهد على ذلك، وأدل دليل عليه. الإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿قائِلُها:﴾ فعل ماض، و (ها): مفعول به، ونصب القول الضمير لتفسيره بالكلمة التي رأيتها. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿أَغْنى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿فَما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: فما أغنى عنهم الذي، أو: شيء كانوا يكسبونه. وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: فما أغنى عنهم كسبهم. هذا؛ وقيل: (ما) الأولى استفهامية، التقدير: أي شيء أغنى عنهم ما كانوا... إلخ؟ وهو ضعيف،

стр. 5431

والجملة الفعلية: ﴿فَما أَغْنى..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١)﴾ الشرح: ﴿فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أي: جزاء سيئات أعمالهم، أو: جزاء أعمالهم، وسمى الله الجزاء سيئة؛ لأنه في مقابلة أعمالهم السيئة، كقوله تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ الآية رقم [٤٠] من سورة (الشورى)، وقال في آخر سورة (النحل) الآية [١٢٦]: ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ،﴾ وهذا ما يسمى في فن البديع بالمشاكلة، وقد ذكرته لك مرارا في محالّه، ومنه قول الشاعر وهو ابن الرقعمق: [الكامل] أصحابنا قصدوا الصّبوح بسحرة... وأتى رسولهم إليّ خصيصا قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه... قلت اطبخوا لي جبّة وقميصا ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ﴾ أي: ظلموا أنفسهم بالكفر، ومخالفة الواحد القهار. والمراد بهم: كفار قريش. ﴿سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا:﴾ كما أصاب أولئك السابقين، وقد أصابهم البلاء بأنواعه، فإنهم قحطوا سبع سنين؛ حتى أكلوا الجيف، وقتل ببدر صناديدهم، ونزل بهم من الذل، والخزي، والعار ما هو مسطور، ومشهور. ﴿وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: وليسوا بفائتين من عذابنا، لا يعجزوننا هربا، ولا يفوتوننا طلبا. هذا؛ وانظر شرح ﴿أَصابَ﴾ في الآية رقم [٣٦] من سورة (ص). هذا؛ وقال تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [٢٢]: ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾. واقتصر في سورة (الشورى) رقم [٣١] على (الأرض) وقد حذفا هنا معا للاختصار. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فَأَصابَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أصابهم): فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿سَيِّئاتُ:﴾ فاعله، و ﴿سَيِّئاتُ﴾ مضاف، و ﴿ما:﴾ مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: سيئات الذي، أو: شيء كسبوه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: سيئات كسبهم في الدنيا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر. ﴿هؤُلاءِ:﴾ الهاء: حرف تنبيه، لا محل له. (أولاء): اسم إشارة مبني على السكر في محل جر ب: ﴿مِنْ،﴾ والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في الموصول. ﴿سَيُصِيبُهُمْ:﴾ السين: حرف استقبال.

стр. 5432

(يصيبهم): فعل مضارع، والهاء مفعول به. ﴿سَيِّئاتُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، و ﴿سَيِّئاتُ﴾ مضاف، و ﴿ما كَسَبُوا﴾ مضاف إليه. وانظر توضيح الإعراب في الآية رقم [٤٨]. والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل ليس. ﴿فَأَصابَهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم (ما). ﴿بِمُعْجِزِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (معجزين): خبر (ما)، مجرور لفظا، منصوب محلا، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾ الشرح: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ أي: ألم يعلم، ويوقن كفار قريش، وغيرهم من الفجار، والكفار: ﴿أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ:﴾ يغني، ويوسع الرزق، ويعطي المال لمن يشاء التوسيع عليه. ﴿وَيَقْدِرُ:﴾ يضيق الرزق، ويقلله على من يشاء من عباده، وله الحكمة التامة البالغة، والحجة القاطعة الدامغة، ولذا قال جل شأنه في الآية رقم [٣٠] من سورة (الإسراء): ﴿إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ أي: ذو خبرة بعباده، وبمن يصلحه التوسيع في الرزق، ومن يفسده ذلك، وبمن يصلحه الضيق، والإقتار في الرزق، ومن يهلكه ذلك، وهو ذو بصر، ومعرفة بتدبير عباده، وسياستهم، فمن العباد من لا يصلح له إلا الغنى، ولو أفقره الله؛ لفسد، ومنهم من لا يصلح له إلا الفقر، ولو أغناه؛ لفسد. هذا؛ وبين ﴿يَبْسُطُ﴾ و (يقدر) مقابلة، ومطابقة، وهي من المحسنات البديعية. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: في البسط، والتضييق في الرزق. ﴿لَآياتٍ:﴾ لدلالات على قدرة الله، وكمال حكمته، وأنه هو الفاعل المختار، يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ:﴾ خصهم بالذكر؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بالتذكير، ويعلمون: أن سعة الرزق قد تكون مكرا، واستدراجا، وتقتيره رفعة، وإعظاما، ويوقنون: أن المال هو إعطاء الله للعبد، لا علاقة له بقوة الأجسام، ولا بشدة الفهم، وحدة الذكاء. ورحم الله من يقول: [البسيط] كم من قويّ قويّ في تقلّبه... مهذّب الرّأي عنه الرّزق منحرف كم من ضعيف ضعيف في تقلّبه... كأنه من خليج البحر يغترف هذا دليل على أنّ الإله له... في الخلق سرّ خفيّ ليس ينكشف وفي كثير من الآيات ﴿لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ،﴾ وهذه الآية مذكورة في سورة (الروم) برقم [٣٧] بحروفها بإبدال: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ ب: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا،﴾ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

стр. 5433

الإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الواو: حرف استئناف، أو هي عاطفة على محذوف، التقدير: أقالوا الكلمة المذكورة في الآية رقم [٤٩] ولم يعلموا؟ أو: أغفلوا، ولم يعلموا؟ (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَعْلَمُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَبْسُطُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿الرِّزْقَ:﴾ مفعول به. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ والمتعلق محذوف، تقديره: من عباده، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: للذي، أو: لشخص يشاؤه الله من عباده. ﴿وَيَقْدِرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ ومتعلقه محذوف، تقديره: له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وجملة: ﴿يَبْسُطُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ﴾. و ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول الفعل: ﴿يَعْلَمُوا،﴾ والجملة الفعلية هذه لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الفاء. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿أَنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء. (آيات): اسم ﴿أَنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (آيات)، وجملة: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف في محل جر صفة (قوم)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ . ﴿يا عِبادِيَ..﴾. إلخ: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه تعالى لما شدد على الكفار، وذكر ما أعد لهم من العذاب، وأنهم لو كان لأحدهم ما في الأرض، ومثله معه لافتدى به من عذاب الله، ذكر هنا ما في إحسانه من غفران الذنوب، أنه إذا آمن العبد، ورجع إلى الله تعالى؛ فإنّه يغفر له الذنوب جميعا. وكثيرا ما تأتي آيات الرحمة بعد آيات النقمة ليرجو العبد ويخاف، وهذه الآية عامة في كل كافر يؤمن، ومؤمن عاص يتوب، فتمحو توبته ذنبه، وقال عبد الله بن عمر-﵄: وهذه أرجى آية في القرآن، فرد عليه ابن عباس-﵄. قال: أرجى آية في القرآن قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ..﴾. إلخ رقم [٦] من سورة (الرعد)، ومن قول ابن عمر أخذ القاضي عياض المعنى، وقال: [الوافر]

стр. 5434

وممّا زادني شرفا وتيها... وكدت بأخمصي أطأ الثّريّا دخولي تحت قولك: يا عبادي... وأن صيّرت أحمد لي نبيّا وقال حرب بن شريح: سمعت جعفر بن محمد، بن علي، يقول: إنكم يا معشر أهل العراق تقولون: أرجى آية في كتاب الله: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا..﴾. إلخ، وإنا أهل البيت نقول: أرجى آية في كتاب الله ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ من سورة (الضحى) وقال بعضهم في هذا المعنى: [الوافر] قرأنا في الضحى ولسوف يعطي... فسرّ قلوبنا ذاك العطاء وحاشا يا رسول الله ترضى... وفينا من يعذّب أو يساء قال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: حمل هذه الآية على ظاهرها يكون إغراء بالمعاصي، وإطلاقا في الإقدام عليها، وذلك لا يمكن. قلت: المراد منها التنبيه على أنه لا يجوز أن يظن العاصي: أنه لا مخلص له من العذاب، فإنّ من اعتقد ذلك؛ فهو قانط من رحمة الله؛ إذ لا أحد من العصاة إلا ومتى تاب زال عقابه، وصار من أهل المغفرة، والرحمة، فمعنى قوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ أي: إذا تاب، وصحت توبته، غفرت ذنوبه، ومن مات قبل أن يتوب، فهو موكول إلى مشيئة الله تعالى، فإن شاء؛ غفر له، وعفا عنه، وإن شاء؛ عذبه بقدر ذنوبه، ثم يدخله الجنة بفضله ورحمته، فالتوبة واجبة على كل واحد، وخوف العقاب مطلوب، فلعل الله يغفر مطلقا، ولعله يعذب، ثم يعفو عنه بعد ذلك. والله أعلم. انتهى. بحروفه، وخذ قول اللقاني في جوهرة التوحيد، فهو موافق لما قاله: [الرجز] ومن يمت ولم يتب من ذنبه... فأمره مفوّض لربّه ثم ذكر الخازن جملة ممتازة من أحاديث النبي ﷺ الشريفة: أكتفي بذكر الحديث القدسي، الذي يرويه أنس-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله : «يا بن آدم! إنك ما دعوتني، ورجوتني؛ غفرت لك على ما كان منك، ولا أبالي! يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني؛ غفرت لك، ولا أبالي! يا بن آدم! لو أنك أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا؛ لأتيتك بقرابها مغفرة». أخرجه الترمذي. قال الجمل: وعبارة النهر: ولما كانت هذه الآية فسحة عظيمة للمسرف؛ أتبعها بأن الإنابة-وهي الرجوع-مطلوبة، مأمور بها. ثم توعد من لم يتب بالعذاب؛ حتى لا يبقى المرء كالمهمل من الطاعة، والمتكل على الغفران دون إنابة. انتهى. وفي هذه الآية من أنواع المعاني والبيان أشياء حسنة، منها: إقباله عليهم، ونداؤهم. ومنها: إضافتهم إليه إضافة تشريف. ومنها: الالتفات من التكلم إلى الغيبة في قوله: ﴿مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾. ومنها: إضافة الرحمة لأجل أسمائه الحسنى. ومنها: إعادة الظاهر بلفظه في قوله: ﴿إِنَّ اللهَ﴾. ومنها: إبراز الجملة من قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ مؤكدة ب: ﴿إِنَّ،﴾

стр. 5435

والفصل، وبإعادة الصفتين اللتين تضمنتهما الآية السابقة، انتهى. نقلا عن السمين. هذا؛ وأقول: إن لقبول التوبة شروطا، فإن كانت من حق الله؛ فلها ثلاثة شروط: الندم بالجنان، والاستغفار باللسان، والإقلاع بالأركان. وإن كانت من حق العبد؛ فلا بد من رجوع الحق لصاحبه بقدر الإمكان. قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ الآية رقم [٨] من سورة (التحريم). تنبيه: اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية الكريمة، وذكروا أسبابا كثيرة، وأعتمد: أنها نزلت في وحشي قاتل الحمزة، وأصحابه، وذلك: أنه لما قتل الحمزة-﵁ ورجع إلى مكة؛ ندم هو وأصحابه، فكتبوا إلى رسول الله ﷺ : إنا قد ندمنا على ما صنعنا، وإنه ليس يمنعنا عن الإسلام إلا أنا قد سمعناك بمكة تقول: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ..﴾. إلخ رقم [٦٨] من سورة (الفرقان) وقد دعونا مع الله إلها آخر، وقتلنا النفس التي حرم الله، وزنينا، فلولا هذه الآية؛ لاتبعناك، فنزل قوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً..﴾. إلخ رقم [٧٠] و [٧١] من سورة (الفرقان) فبعث بهما رسول الله ﷺ إليهم، فلما قرؤوها كتبوا إليه: هذا شرط شديد، ونخاف أن لا نعمل صالحا، فنزلت: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ..﴾. إلخ الآية رقم [٤٨] من سورة (النساء). فبعث بها إليهم. فبعثوا إليه: إنا نخاف ألا نكون من أهل المشيئة، فنزلت الآية التي نحن بصدد شرحها، فبعث بها إليهم، فدخلوا في الإسلام، ورجعوا إلى النبي ﷺ ، فقبل منهم، ثم قال لوحشي: أخبرني كيف قتلت الحمزة؟ فلما أخبره، قال: ويحك غيب وجهك عني! فلحق بالشام، فكان به إلى أن مات. انتهى. خازن. أقول: والمشهور: أن هذا كان بعد فتح مكة، بعد أن أهدر الرسول ﷺ دم وحشي فيمن أهدر، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، فتوسل ببعض أصحابه فأدخله على النبي الكريم، فعفا عنه، وحصل ما حصل من المناقشة شفاها، ونزلت الآية التي ذكرتها متفرقات. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (عبادي): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب صفة: (عبادي)، أو هو عطف بيان عليه، ولا تجوز البدلية؛ لأن البدلية على نية تكرار العامل، ولا يصح أن تقول: «يا» الذين بدون «أي»: قبله، وهذه إحدى مسألتين تمتنع فيهما البدلية، ويتعين فيهما عطف البيان، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] وصالحا لبدلية يرى... في غير نحو يا غلام يعمرا

стр. 5436

ونحو بشر تابع البكريّ... وليس أن يبدل بالمرضيّ وجملة: ﴿أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لا:﴾ ناهية. ﴿تَقْنَطُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية، والجملة الندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول. ﴿مِنْ رَحْمَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿رَحْمَةِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿يَغْفِرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ﴾. ﴿الذُّنُوبَ:﴾ مفعول به. ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من: ﴿الذُّنُوبَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية تعليل للنهي، لا محل لها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب، أو هو توكيد لاسم (إنّ) على المحل، وعليهما ف: ﴿الْغَفُورُ﴾ خبر أول ل: (إنّ)، و ﴿الرَّحِيمُ﴾ خبر ثان هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، و ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ خبرين له، فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل آخر للنهي، أو هي تعليل للتعليل، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤)﴾ الشرح: ﴿وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ﴾ أي: ارجعوا إلى الله بالتوبة، واستسلموا له بالطاعة، والخضوع، والعمل الصالح. لما بين الله أن من تاب من الشرك يغفر له؛ أمر بالتوبة، والرجوع إليه، والإنابة: الرجوع إلى الله بالإخلاص. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ:﴾ في الدنيا. ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ أي: لا يوجد ناصر ينصركم، ويمنعكم من عذابه، وعقابه. هذا؛ وروي من حديث جابر بن عبد الله-﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «من السّعادة أن يطيل الله عمر المرء في الطاعة، ويرزقه الإنابة، وإنّ من الشقاوة أن يعمل المرء، ويعجب بعمله». هذا؛ ورفع الفعل: ﴿تُنْصَرُونَ﴾ ولم يعطف على ما قبله؛ للإشعار بأنهم لا ينصرون ما داموا مصرين على كفرهم. الإعراب: ﴿وَأَنِيبُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنيبوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. وانظر إعراب (صبروا) في سورة (ص) رقم [٦]. ﴿إِلى رَبِّكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿لا تَقْنَطُوا..﴾. إلخ فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ معطوفة عليها أيضا. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بأحد الفعلين السابقين على التنازع. وقيل: متعلقان بمحذوف حال. ولا وجه له قطعا. ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والكاف مفعول به. ﴿الْعَذابُ:﴾ فاعله، والمصدر المؤول من

стр. 5437

﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في محل جر بإضافة: ﴿قَبْلِ﴾ إليه. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُنْصَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَاِتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥)﴾ الشرح: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ..﴾. إلخ: المراد به: القرآن الكريم، وكله حسن. والمعنى: كما قاله الحسن البصري: التزموا طاعته، واجتنبوا معصيته، فإنه أنزل في القرآن ذكر القبيح؛ ليجتنب، وذكر الأدون؛ لئلا يرغب فيه، وذكر الأحسن؛ لتؤثره، وتأخذ به. وقيل: الأحسن: اتباع الناسخ، وترك العمل بالمنسوخ. وقيل: الأخذ بالعزائم دون الرخص. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٨] فهو جيد، وينسجم مع هذه الآية في معناها. ﴿بَغْتَةً:﴾ فجأة من غير إنذار، ولا يؤخر إذا نزل. ﴿وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ:﴾ انظر (الشعور) في الآية رقم [٢٥] والمراد هنا: يفجؤكم العذاب؛ وأنتم غافلون، كأنكم لا تخشون شيئا؛ لفرط غفلتكم. الإعراب: ﴿وَاتَّبِعُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (اتبعوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿أَحْسَنَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿ما،﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها. ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بالفعل: (اتبعوا). وقيل: متعلقان بمحذوف حال. ولا وجه له قطعا. وانظر بقية الإعراب في الآية السابقة. ﴿بَغْتَةً:﴾ حال من: ﴿الْعَذابُ﴾ بمعنى: باغتا، أو مباغتا، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: يبغتهم بغتة، وتكون الجملة هذه في محل نصب حال من: ﴿الْعَذابُ،﴾ وجوز اعتبار ﴿بَغْتَةً﴾ مصدرا للفعل (يأتي) من غير لفظه، كقولهم: أتيته ركضا، فتكون نائب مفعول مطلق. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَشْعُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من كاف الخطاب الواقع مفعولا به، والرابط: الواو، والضمير.

стр. 5438

﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ (٥٦)﴾ الشرح: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ أي: لئلا تقول، أو حذر أن تقول نفس. وإنما نكرت؛ لأن المراد بها بعض الأنفس، وهي نفس الكافر، ويجوز أن يراد بها نفس متميزة من الأنفس، إما بلجاج في الكفر شديد، أو بعذاب أليم. ويجوز أن يراد التكثير، كما قال الأعشى: [الطويل] وربّ بقيع لو هتفت بجوّه... أتاني كريم ينفض الرأس مغضبا وهو يريد أفواجا من الكرام ينصرونه، لا كريما واحدا. ﴿يا حَسْرَتى﴾ أي: يا ندمي، ويا حزني، والتحسر: الاغتمام، والحزن على ما فات. ﴿عَلى ما فَرَّطْتُ:﴾ على ما ضيعت، أو: على ما قاصرات. ﴿فِي جَنْبِ اللهِ:﴾ أمر الله، أو في طاعة الله، أو في ذاته، أو في حق الله. هذا؛ والجنب: الجانب، يقال: أنا في جنب فلان، وجانبه، وناحيته، وفلان لين الجنب، والجانب، ثم قالوا: فرط في جنبه وفي جانبه، يريدون: في حقه، قال جميل بثينة: [الطويل] أما تتّقين الله في جنب وامق... له كبد حرّى عليك تقطّع وهذا من باب الكناية؛ لأنك إذا أثبت الأمر في جانب الرجل، وحيزه؛ فقد أثبته فيه، ألا ترى إلى زياد الأعجم يقول في عبد الله بن الحشرج أمير نيسابور: [الكامل] إنّ السّماحة والمروءة والندى... في قبّة ضربت على ابن الحشرج فعن عائشة-﵂: أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من ساعة تمرّ بابن آدم لم يذكر الله فيها بخير إلا تحسّر عليها يوم القيامة». رواه البيهقي، وغيره. وقال إبراهيم التيمي: من الحسرات يوم القيامة أن يرى الرجل ماله الذي أتاه الله في الدنيا يوم القيامة في ميزان غيره، قد ورثه وعمل فيه بالحق، كان له أجره، وعلى الآخر وزره، ومن الحسرات أن يرى الرجل عبده الذي خوّله الله إياه في الدنيا أقرب منزلة منه عند الله ، أو يرى رجلا يعرفه أعمى في الدنيا قد أبصر يوم القيامة؛ وعمي هو. ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ أي: المستهزئين بدين الله، وبكتابه، وبرسوله، وبالمؤمنين. قال قتادة: لم يكفه أن ضيع طاعة الله؛ حتى سخر من أهلها. هذا؛ وبين سيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ : أن كل إنسان سيندم بعد الموت، ويتحسر، سواء أكان محسنا، أم مسيئا. وخذ ما يلي، فعن أبي هريرة-﵁: أن النبي ﷺ قال: «ما من أحد يموت إلاّ ندم». قالوا: وما ندامته يا رسول الله؟! قال: «إن كان محسنا؛ ندم ألاّ يكون ازداد، وإن كان مسيئا؛ ندم ألاّ يكون نزع». رواه الترمذي، والبيهقي في الزهد، ومعنى نزع: كف عن المعاصي والشهوات.

стр. 5439

الإعراب: ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب، واستقبال. ﴿تَقُولَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾. ﴿نَفْسٌ:﴾ فاعله، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَقُولَ﴾ في محل جر بإضافة مفعول لأجله محذوف، التقدير: حذر أن تقول، وعامله الفعل: (اتبعوا) أو (أنيبوا)، وقدر كثيرون عاملا محذوفا، ولا حاجة لذلك مع وجود عامل، أو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لئلا تقول، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (اتبعوا). هذا؛ وقيل: إن التقدير: ومن قبل أن تقول. والأول قول البصريين، والثاني قول الكوفيين. ومثل هذه الآية قول عمرو بن كلثوم التغلبي في معلقته. وهو الشاهد رقم (٤٨) من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر] نزلتم منزل الأضياف منّا... فعجّلنا القرى أن تشتمونا وابن هشام أيد البصريين. قال: وقول الكوفيين فيه تعسف من جهة حذف شيئين، وهما: لام العلة، ولا النافية مع إمكان حذف شيء واحد، وهو لفظ: حذر، ونحوه. (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (حسرتا): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وقلبت ياء المتكلم ألفا، فقلبت الكسرة فتحة لمناسبتها. هذا؛ وقرئ: «(يا حسرتي)» على الأصل، وقرئ: «(يا حسرتاي)» بإلحاق ألف الندبة، وهي شاذة بعيدة، وقد وجهت هذه القراءة على أن الياء زيدت بعد الألف المنقلبة. وقال آخرون: بل الألف زائدة. وهي أبعد لما فيه من الفصل بين المضاف، والمضاف إليه. انتهى. أبو البقاء. والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿فَرَّطْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿فِي جَنْبِ:﴾ متعلقان به، و ﴿جَنْبِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. و ﴿ما﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ التقدير: على تفريطي. والجار والمجرور متعلقان ب: (حسرتي)؛ لأنه مصدر. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: واو الحال. (إن): مخففة من الثقيلة مهملة عند البصريين، ونافية عند الكوفيين. ﴿كُنْتُ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿لَمِنَ:﴾ اللام: هي الفارقة بين المخففة، والنافية عند البصريين، وهي بمعنى: إلا عند الكوفيين. (من الساخرين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان)، والجملة الفعلية في محل نصب حال من تاء الفاعل. والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ ومثل الآية في وجهي إعرابها قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٤٢٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط] أمسى أبان ذليلا بعد عزّته... وما أبان لمن أعلاج سودان ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧)﴾ الشرح: ﴿أَوْ تَقُولَ﴾ أي: النفس. ﴿لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي:﴾ أرشدني إلى دينه، وطاعته. ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: الشرك، والمعاصي. وهذا القول قول صدق، وهو قريب من

стр. 5440

احتجاج المشركين فيما أخبر الله عنهم في قوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا..﴾. إلخ رقم [١٤٨] من سورة (الأنعام) فهي كلمة حق أريد بها باطل، كما قال علي-كرم الله وجهه- لمن قال من الخوارج: لا حكم إلا الله. قال الشيخ الإمام أبو منصور-رحمه الله تعالى-: هذا الكافر أعرف بهداية الله من المعتزلة، وكذا أولئك الكفرة الذين قالوا لأتباعهم: ﴿لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ﴾ يقولون: لو وفقنا الله للهداية، وأعطانا الهدى؛ لدعوناكم إليه، ولكن علم منا اختيار الضلالة، والغواية، فخذلنا، ولم يوفقنا. والمعتزلة يقولون: بل هداهم الله، وأعطاهم التوفيق، لكنهم لم يهتدوا. والحاصل: أن عند الله لطفا؛ من أعطي ذلك؛ اهتدى، وهو التوفيق، والعصمة، ومن لم يعطه؛ ضل، وغوى، وكان استحبابه العذاب، وتضييعه الحق بعدما مكن من تحصيله لذلك. انتهى. نسفي. الإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿تَقُولَ:﴾ معطوف على سابقه، وداخل في تأويله على الاعتبارين، والفاعل مستتر تقديره: «هي» يعود إلى النفس. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿هَدانِي:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿أَنَّ،﴾ وانظر محل المصدر المؤول من (أن) واسمها وخبرها في الآية رقم [٤٧]. ﴿لَكُنْتُ:﴾ اللام: واقعة في جواب ﴿لَوْ﴾. (كنت): فعل ماض ناقص، والتاء اسمه. ﴿مِنَ الْمُتَّقِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (كان)، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ،﴾ لا محل لها، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول. ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ الشرح: ﴿أَوْ تَقُولَ﴾ أي: النفس المفرطة في طاعة الله. ﴿حِينَ تَرَى الْعَذابَ:﴾ تشاهد العذاب عيانا يوم القيامة. ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ أي: رجعة إلى الدنيا. تمنوا حين لا ينفعهم التمني، والفعل: كر، يكر من باب: دخل. والكرة في الأصل مصدر، والكر، والكرة: الرجوع، والرجعة، والمراد به هنا: المرة من ذلك. ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ:﴾ الموحدين لله، الطائعين له. وانظر شرح ﴿حِينَ﴾ في الآية رقم [٤٤] من سورة (يس)، أو رقم [٨٨] من سورة (ص). الإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿تَقُولَ:﴾ معطوف على ما قبله، وداخل في تأويله على الاعتبارين. والفاعل مستتر تقديره: «هي» يعود إلى النفس. ﴿حِينَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿تَرَى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل يعود إلى النفس أيضا. ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿حِينَ﴾ إليها. ﴿لَوْ:﴾ حرف تمنّ. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف

стр. 5441

خبر: ﴿أَنَّ﴾ تقدم على اسمها. ﴿كَرَّةً:﴾ اسمها المؤخر، و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، التقدير: فلو حصل لنا وقوع كرة. ﴿فَأَكُونَ:﴾ الفاء: للسببية. (أكون): فعل مضارع ناقص منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا». ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر «أكون»، و «أن» المضمرة، والفعل (أكون) في تأويل مصدر معطوف بالفاء على: ﴿كَرَّةً﴾. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿لَوْ﴾ شرطية فيكون جوابها محذوفا دل عليه: ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ويقدر: لكنا محسنين، والكلام على الاعتبارين في محل نصب مقول القول، ولهذا نفى ابن هشام أن يكون: (أكون) نصب جوابا ل: ﴿لَوْ؛﴾ ولذا قال: ولا دليل في هذا لجواز أن يكون النصب في: (أكون) مثله في قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ..﴾. إلخ رقم [٥١] من سورة (الشورى)، وقول ميسون: وهو الشاهد رقم [٤٧٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر] ولبس عباءة وتقرّ عيني... أحبّ إليّ من لبس الشّفوف وأنشد الفراء قول الآخر: [الطويل] فمالك منها غير ذكرى وخشية... وتسأل عن ركبانها أين يمّموا؟ فنصب «تسأل» على موضع الذكرى؛ لأن معنى الكلام فما لك منها إلا أن تذكر. ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاِسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (٥٩)﴾ الشرح: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي:﴾ قال الزجاج: ﴿بَلى﴾ جواب النفي، وليس في الكلام لفظ النفي، ولكن معنى ﴿لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي:﴾ ما هداني، وكأن هذا القائل قال: ما هديت، فقيل: بلى قد بين لك طريق الهدى، فكنت بحيث لو أردت أن تؤمن أمكنك أن تؤمن. والمراد: ب: ﴿آياتِي﴾ آيات القرآن. وقيل: عنى بالآيات المعجزات؛ أي: وضح الدليل، فأنكرته، وكذبته. ﴿وَاسْتَكْبَرْتَ﴾ أي: عن الإيمان، وكنت من الجاحدين. قال الصاوي: إن الكافر أولا يتحسر، ثم يحتج بحجج واهية، ثم يتمنى الرجوع إلى الدنيا، ولو ردّ لعاد إلى ضلاله، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾. ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ:﴾ حيث لم تصدق النبي ﷺ فيما جاء به، ولم تهتد بهديه، ولم تأخذ بتعاليمه. هذا؛ وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: هؤلاء أصناف، صنف منهم قال: ﴿يا حَسْرَتى..﴾. إلخ، وصنف منهم قال: ﴿لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي..﴾. إلخ، وقال آخر: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً..﴾. إلخ، فقال الله ردّا لكلامهم: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ﴾. وقال النسفي: كأن الله يقول: بلى قد جاءتك آياتي، وبينات لك الهداية من الغواية، وسبيل الحق من الباطل، ومكنتك من اختيار الهداية على الغواية، واختيار الحق على الباطل، ولكن

стр. 5442

تركت ذلك، وضيعته، واستكبرت عن قبوله، وآثرت الضلالة على الهدى، واشتغلت بضد ما أمرتك به، فإنما جاء التضييع من قبلك فلا عذر لك. انتهى. هذا؛ وقال تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ﴾ بالخطاب للمذكر؛ لأن النفس تقع على الذكر، والأنثى. يقال: ثلاثة أنفس. وقال المبرد: تقول العرب: نفس واحد؛ أي: إنسان واحد. وروى الربيع بن أنس عن أم سلمة عن النبي ﷺ قرأ: «(قد جاءتك آياتي، فكذّبت بها، واستكبرت، وكنت من الكافرين)». وقرأ الأعمش: «بلى قد جاءته» وهذا يدل على التذكير. انتهى. قرطبي. والقراءتان غير سبعيتين. الإعراب: ﴿بَلى:﴾ حرف جواب. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَتْكَ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والكاف مفعول به. ﴿آياتِي:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ﴿فَكَذَّبْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وأيضا: جملة: ﴿وَاسْتَكْبَرْتَ﴾ مع المتعلق المحذوف معطوفة عليها، وكذلك جملة: ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ معطوفة أيضا عليها. تأمل، وتدبر. وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم. ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)﴾ الشرح: ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ﴾ أي: نسبوا له الشريك، والولد، والصاحبة، ووصفوه بما لا يليق به. هذا؛ والزمخشري ذكر هنا كلاما نابعا من مذهبه في الاعتزال، وقد رد عليه الإمام ناصر الدين المالكي أفظع رد. ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ:﴾ مما أحاط بهم من غضب الله ونقمته، قال تعالى في سورة (طه) رقم [١٠٢]: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً،﴾ وقال تعالى في سورة (عبس): ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾. ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أي: عن الإيمان، والعبادة لله تعالى. وانظر شرح (المثوى) في الآية رقم [٣٢]. هذا؛ وقد بين الرسول ﷺ : أن الكبر بطر الحق، وغمط الناس؛ أي: احتقارهم، وازدراؤهم. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٥] من سورة (ص)، وخذ ما يلي: فعن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده-﵁-عن النبي ﷺ قال: «يحشر المتكبّرون يوم القيامة أمثال الذّرّ في صور الرجال، يغشاهم الذّلّ من كلّ مكان، يساقون إلى

стр. 5443

سجن في جهنم، يقال له: بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النّار، طينة الخبال». رواه النسائي والترمذي. الإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يوم): ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، و (يوم) مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿تَرَى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿كَذَبُوا عَلَى اللهِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وُجُوهُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مُسْوَدَّةٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به ثان على اعتبار: ﴿تَرَى﴾ علمية، أو في محل نصب حال من الموصول على اعتبارها بصرية، والرابط: الضمير فقط. ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٣٢] فالإعراب لا يتغير إفرادا، وجملا. ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اِتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)﴾ الشرح: ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ﴾ أي: بفلاحهم، وفوزهم بسعادتهم، وتحصيل مطلوبهم، وهو الجنة دار القرار. يقال: فاز بكذا: إذا أفلح به، وظفر بمراده. أو المعنى: ينجيهم بسبب منجاتهم من عذاب الله، وسخطه، ونقمته من قوله تعالى: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ﴾ رقم [١٨٨] سورة (آل عمران) أي: منجاة منه؛ لأن النجاة من أعظم الفلاح. وسبب منجاتهم العمل الصالح؛ لهذا فسر ابن عباس-﵄-المفازة بالأعمال الحسنة، ويجوز بسبب فلاحهم؛ لأن العمل الصالح سبب الفلاح، وهو دخول الجنة. هذا؛ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: عن النبي ﷺ في تفسير هذه الآية من حديث أبي هريرة-﵁-قال: «يحشر الله مع كلّ امرئ عمله، فيكون عمل المؤمن معه في أحسن صورة، وأطيب ريح، فكلّما كان رعب، أو خوف، قال له: لا ترع؛ فما أنت بالمراد به، ولا أنت بالمعنيّ به، فإذا كثر ذلك عليه، قال: فما أحسنك، فمن أنت؟! فيقول: أما تعرفني؟! أنا عملك الصالح حملتني على ثقلي، فو الله لأحملنّك، ولأدفعنّ عنك! فهي التي قال الله: ﴿وَيُنَجِّي اللهُ..﴾. إلخ». ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ:﴾ المكروه. ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: يوم القيامة من هول، أو مكروه يصيبهم. هذا؛ ولا تنس: أن الله ذكر ما للمتقين من النجاة، والفوز برضاه بعد ما ذكر ما للكاذبين، والمغترين من سواد الوجوه، والاستقرار في جهنم، وبئس المصير. وهذا من باب المقابلة التي ذكرتها مرارا. هذا؛ والفعل ﴿يَحْزَنُونَ﴾ في هذه الآية من باب: فرح، وطرب فهو لازم، ويأتي من باب: دخل، وقتل، فيكون متعديا، كما يكون متعديا إذا أتى من الرباعي.

стр. 5444

الإعراب: ﴿وَيُنَجِّي:﴾ الواو: حرف عطف. (ينجي): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به. ﴿اِتَّقَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِمَفازَتِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل (ينجي)، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، وجملة: ﴿وَيُنَجِّي..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَمَسُّهُمُ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعول به. ﴿السُّوءُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية تفسير للمفازة على التفسير الأول فيها، وفي محل نصب حال من الموصول على التفسير الثاني فيها، وأجاز الزمخشري اعتبارها مستأنفة. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿بِمَفازَتِهِمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَحْزَنُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير المنصوب؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير، وهي حال متداخلة من وجه. ﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ الشرح: ﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: مما هو كائن، أو يكون في الدنيا، والآخرة، وهو على كل شيء وكيل: حفيظ، ومتولي جميع أمور خلقه، فأنتم يا بني آدم من جملة هذه المخلوقات، ففوضوا أموركم إليه، واعتمدوا في كل شؤونكم عليه، واعبدوه حق العبادة ما استطعتم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿خالِقُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، و ﴿خالِقُ﴾ مضاف، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف عطف. (هو): مبتدأ. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿وَكِيلٌ﴾ بعدهما، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿وَكِيلٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٣)﴾ الشرح: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: مفاتيح خزائن السموات، والأرض، واحدها: مقلاد، مثل: مفتاح. وقيل: جمع: إقليد على غير قياس. قيل: هو فارسي معرب، قال الراجز: [الرجز] لم يؤذها الدّيك بصوت تغريد... ولم يعالج علقها بإقليد

стр. 5445

أو هو جمع: مقليد، مثل: منديل، ومناديل، وعلى جميع الاعتبارات في الكلام استعارة بديعية. نحو ذلك: بيد فلان مفتاح هذا الأمر. وليس ثمّ مفتاح، وإنما هو عبارة عن شدة تمكنه من ذلك الشيء. والمعنى: أن الله تعالى مالكهما، وحافظهما، ومدبر شؤونهما. وعن عثمان بن عفان-﵁-أنه سأل رسول الله ﷺ عن تفسير قوله تعالى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فقال: «يا عثمان! ما سألني عنها أحد قبلك! تفسيرها: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر، والظاهر، والباطن، بيده الخير، يحيي ويميت، وهو على كلّ شيء قدير». والمعنى: على هذا: أنّ لله هذه الكلمات يوحد بها، ويمجد، وهي مفاتيح خير السموات، والأرض، من تكلم بها؛ فقد أصابه. هذا؛ وقيل: مقاليد السموات: خزائن الرحمة، والرزق، والمطر، ومقاليد الأرض: ما يخرج منها من نبات. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ﴾ أي: بآيات القرآن الظاهرة، والمعجزات الباهرة. ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ أي: خسروا دنياهم، وآخرتهم. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٥]. الإعراب: ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَقالِيدُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معترضة كما ستعرفه، و ﴿مَقالِيدُ﴾ مضاف، و ﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه. (الأرض): معطوف على ما قبله. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٣٣]. والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (ينجي...) إلخ فهي من عطف أحد المتقابلين على الآخر، وإن كان المعطوف جملة اسمية، والمعطوف عليه جملة فعلية، فهذا لا يمتنع. غايته: أنه خال عن حسنه. انتهى. جمل. وبه قال ابن هشام في المغني، وهذا يعني: أن ما بينهما معترض لا محل له. ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤)﴾ الشرح: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي..﴾. إلخ: أي: أبعد مشاهدة الآيات الدالة على انفراده بالألوهية أعبد غيره؟! ثم وصفهم بالجهل، وهو شر ما يوصف به إنسان، وذلك أن كفار قريش دعوا النبي ﷺ إلى ما هم عليه من عبادة الأصنام، وقالوا: هو دين آبائك، فوصفهم بالجهل؛ لأن الدليل القاطع قد قام بأن الله هو المستحق للعبادة، فمن عبد غيره فهو جاهل. هذا؛ وقرئ ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ بتشديد النون، وتخفيفها، فعلى الأولى تكون نون الوقاية قد أدغمت في نون الرفع بعد تسكينها، وعلى الثاني تكون قد حذفت إحدى النونين على اختلاف في

стр. 5446

المحذوف منهما، انظر الكلام على الشاهد رقم [١٠٤٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». هذا؛ ويجري في: (تحاجوني) من سورة (الأنعام) رقم [٨٠] ما يجري في ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ قراءة، وحذفا. هذا؛ وانظر شرح: «أمر» في الآية رقم [١٢]، وشرح: «العبادة» في الآية رقم [٦٠] من سورة (يس)، وشرح: «الجهل» و «الجاهل» في الآية رقم [٧٢] من سورة (الأحزاب). تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿أَفَغَيْرَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الفاء: صلة. (غير). في إعرابه أوجه: أحدها: هو منصوب ب: ﴿أَعْبُدُ﴾ مقدما عليه، وقد ضعف هذا الوجه ابن هشام من حيث كان التقدير: أن أعبد، فعند ذلك يفضي إلى تقديم الصلة على الموصول. وليس بشيء؛ لأن «أن» ليست في اللفظ، فلا يبقى عملها، فلو قدرنا بقاء حكمها؛ لأفضى إلى حذف الموصول، وبقاء صلته، وذلك لا يجوز إلا في ضرورة الشعر. والوجه الثاني: أن يكون منصوبا بالفعل بعده، و ﴿أَعْبُدُ﴾ بدلا منه، بدل اشتمال، وهو الذي أيده ابن هشام، والتقدير: أتأمروني بعبادة غير الله؟! وقدره ابن هشام: أتأمروني بغير الله عبادته. والثالث: أن (غير) منصوب بفعل محذوف؛ أي: أفتلزموني غير الله، وفسره ما بعده؟ وقيل: لا موضع ل: ﴿أَعْبُدُ﴾ من إعراب. وقيل: هو حال، والعمل على الوجهين الأولين. انتهى. أبو البقاء. وينبغي أن تعلم: أن الفعل: ﴿أَعْبُدُ﴾ على الوجهين الأولين مؤول بالمصدر بعد حذف «أن» على مثال ما رأيت في الآية رقم [٢٤] من سورة (الروم): ﴿وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ..﴾. إلخ هذا؛ وقرئ بنصب: ﴿أَعْبُدُ،﴾ ومثل الآية الكريمة في كل شيء قول طرفة بن العبد، وهو الشاهد رقم (٧١٤) من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وهو من معلقته رقم [٦٠]: [الطويل] ألا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى... وأن أشهد اللّذّات هل أنت مخلدي؟ و (غير) مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿تَأْمُرُونِّي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿أَعْبُدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا» وانظر محل الفعل بمفرده، ومحله مع فاعله فيما تقدم. ﴿أَيُّهَا:﴾ منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء المحذوفة، و (ها): حرف تنبيه لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الْجاهِلُونَ:﴾ نعت ل: (أي): هنا؛ لأنه مشتق، فهو مرفوع تبعا للفظه، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون بدل من التنوين في الاسم المفرد. هذا؛ والآية كلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.

стр. 5447

﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ:﴾ يا محمد. ﴿وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: من الرسل. ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ أي: لئن أشركت يا محمد ليبطلن ويفسدن عملك الصالح. ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ أي: ولتكونن في الآخرة من جملة الخاسرين بسبب ذلك. وهذا على سبيل الفرض، والتقدير، وإلا فالرسول ﷺ قد عصمه الله، وحاشا له أن يشرك بالله، وهو الذي جاء لإقامة صرح الإيمان، والتوحيد. والكلام وارد على طريقة الفرض لتهييج سيد الرسل، وإقناط الكفرة، والإيذان بغاية شناعة الإشراك، وقبحه. انتهى. صفوة التفاسير. وقال النسفي: وإنما صح هذا الكلام مع علمه تعالى بأن رسله لا يشركون؛ لأن الخطاب للنبي ﷺ والمراد: به غيره، ولأنه على سبيل الفرض، والمحالات يصح فرضها. انتهى. هذا؛ وفي المصباح المنير: حبط العمل، يحبط من باب: تعب حبطا بالسكون، وحبوطا: فسد، وهدر. وحبط، يحبط من باب: ضرب لغة، وقرئ بها في الشواذ، وحبط دم فلان من باب: تعب: هدر. وأحبطت العمل، والدم (بالألف) أهدرته. انتهى. جمل. وفي مختار الصحاح: والحبط (بفتحتين): أن تأكل الماشية، فتكثر حتى تنتفخ لذلك بطونها، ولا يخرج عنها ما فيها. وقيل: هو أن ينتفخ بطنها عن أكل الذرق، وهو الحندقوق. وفي الحديث «إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا، أو يلمّ». انتهى. واسم هذا الداء: حباط، و «حبط» لازم، ويتعدى بالهمزة. هذا؛ وأصل الوحي: الإشارة السريعة، والوحي: الكتاب المنزل على الرسول المرسل لقومه، مثل: موسى، وعيسى، ومحمد صلّى الله عليهم وسلم أجمعين، والوحي أيضا: الكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك. وتسخير الطير لما خلق له إلهام. والوحي إلى أم موسى إلهام، والوحي إلى النحل، وتسخيرها لما خلقها الله له إلهام أيضا. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٨] من سورة (النحل)، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. قال القشيري: فمن ارتد عن الإسلام لم تنفعه طاعاته السابقة، ولكن إحباط الردة العمل مشروط بالوفاة على الكفر، ولهذا قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢١٧]: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ..﴾. إلخ فالمطلق ها هنا محمول على المقيد، ولهذا قلنا: من حج ثم ارتد، ثم عاد إلى الإسلام لا يجب عليه إعادة الحج. قلت: هذا مذهب الشافعي، وعند مالك تجب عليه الإعادة. انتهى. قرطبي.

стр. 5448

أقول: لا حول، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! فأكثر المسلمين يعتبرون مرتدين بهذا المعنى في هذه الأيام، فالذي يشتم الخالق الرازق، والذي يستحل الحرام، والذي ينكر ما عرف من الدين في الضرورة، والذي، والذي... إلخ وحدث ولا حرج. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أُوحِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور في محل نائب فاعله. وقيل: نائب الفاعل محذوف، يدل عليه السياق، التقدير:، أوحي إليك التوحيد. وقيل: نائب الفاعل جملة القسم، وجوابه الآتي، ويكون جاريا على القاعدة: «يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه». وهذا يصح على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، وقد أشرت إليه مرارا فيما تقدم. ﴿وَإِلَى الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والكلام: ﴿وَلَقَدْ..﴾. إلخ مستأنف لا محل له. ﴿لَئِنْ:﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَشْرَكْتَ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَيَحْبَطَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم المقدر. (يحبطن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محل له. ﴿عَمَلُكَ:﴾ فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب القسم، المدلول عليه باللام. والقسم وجوابه في محل رفع نائب فاعل: ﴿أُوحِيَ،﴾ أو في محل نصب مفعول به حسب ما رأيت فيما تقدم. ﴿وَلَتَكُونَنَّ:﴾ معطوف على ما قبله مبني على الفتح مثله، وهو ناقص، فاسمه مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره. هذا؛ وحذف جواب الشرط لدلالة القسم عليه على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما». قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ (٦٦)﴾ الشرح: ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ:﴾ هذا رد لما طلبوا منه، وأمروه به من عبادة آلهتهم، كأنه قال له: لا تعبد ما أمروك بعبادته، بل إن عبدت؛ فاعبد الله. فحذف الشرط، وجعل تقديم المفعول عوضا عنه. انتهى. نسفي تبعا للزمخشري. وانظر الإعراب. ﴿وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ:﴾ الله على ما أنعم به عليك؛ حيث جعلك سيد ولد آدم، وختم بك المرسلين، وجعلك رحمة للناس أجمعين. والمخاطب بذلك النبي ﷺ ، وهو يعم كل عاقل من بني آدم.

стр. 5449

الإعراب: ﴿بَلِ:﴾ حرف إضراب. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم بفعل محذوف، أو بالفعل المذكور بعده. هذا؛ وقال ابن هشام في مغنيه: مسألة الفاء في نحو ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ﴾ جواب ل: «أمّا» مقدرة عند بعضهم، وفيه إجحاف. وزائدة عند الفارسي، وجماعة، وفيه بعد. وعاطفة عند غيره، والأصل: تنبه، فاعبد الله، ثم حذف تنبه، وقدم المنصوب على الفاء إصلاحا للفظ، كيلا تقع صدرا، كما قال الجميع في الفاء في نحو: «أما زيدا فاضرب» إذ الأصل: مهما يكن من شيء؛ فاضرب زيدا. (اعبد): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة التي رأيت تقديرها، والكلام كله مستأنف، لا محل له. ﴿وَكُنْ:﴾ فعل أمر ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿مِنَ الشّاكِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: (كن)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ الشرح: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ:﴾ قال المبرد: ما عظموه حق عظمته، من قولك: فلان عظيم القدر. قال النحاس: والمعنى: على هذا: وما عظموه حق عظمته؛ إذا عبدوا معه غيره، وهو خالق الأشياء، ومالكها. هذا؛ والفعل: «قدر» يأتي من باب: ضرب، ونصر، وفرح، ولا تنس: أن هذه الجملة وردت في سورة (الأنعام) برقم [٩١]، ووردت في سورة (الحج) برقم [٧٤]، ووردت هنا كما ترى، وأذكر: أن آية (الأنعام) نزلت ردّا على اليهود الذين قالوا: ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ والآيتان الأخريان نزلتا ردّا على كفار قريش الذين عبدوا مع الله أحقر خلقه. انظر شرح الآيتين في سورة (الأنعام) وسورة (الحج) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ:﴾ قبض الأرض عبارة عن قدرته، وإحاطته بجميع مخلوقاته. يقال: ما فلان إلا في قبضتي، بمعنى: ما فلان إلا في قدرتي، والناس يقولون: الأشياء في قبضته، يريدون: في ملكه، وقدرته. وقد يكون معنى القبض، والطي إفناء الشيء، وإذهابه، فيحتمل أن يكون المعنى هنا: والأرض جميعا ذاهبة فانية يوم القيامة، والمراد: بالأرض: الأرضون السبع، يشهد لذلك شاهدان: قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً﴾ ولأن الموضع موضع تفخيم، وهو مقتض للمبالغة. ﴿وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ:﴾ ليس يريد به طيّا بعلاج، وانتصاب، وإنما المراد بذلك: الفناء، والذهاب. يقال: قد انطوى عنا ما كنا فيه وجاءنا غيره، وانطوى عنا دهر بمعنى: المضي، والذهاب. واليمين في كلام العرب قد تكون بمعنى: القدرة، والملك، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ ما﴾

стр. 5450

﴿مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ يريد به الملك، وقال تعالى سورة (الحاقة) الآية رقم [٤٥]: ﴿لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ أي: لأخذنا قوته وقدرته. وقال الفراء والمبرد: اليمين القوة والقدرة، قال الشاعر: [الطويل] ولما رأيت الشّمس أشرق نورها... تناولت منها حاجتي بيميني قتلت شنيفا، ثمّ فاران بعده... وكانا على الآيات غير أمين وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٨] من سورة (الصافات). وإنما خص يوم القيامة بالذكر، وإن كانت قدرته شاملة لكل شيء في كل زمان، ومكان؛ لأن الدعاوى تنقطع في ذلك اليوم، كما قال تعالى في سورة الانفطار: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ،﴾ وقال في سورة الفاتحة: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وقوله تعالى في سورة (غافر) رقم [١٦]: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾. وإنما قدم الأرض بالذكر لمباشرة الخلق لها، ومعرفتهم بحقيقتها، ولما كان في دار الدنيا من يدعي الملك، والقهر، والعظمة، والقدرة دون الآخرة؛ فالأمر فيها لله وحده ظاهرا، وباطنا. قال في يوم القيامة: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾. وعن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: جاء جبريل-﵇-إلى رسول الله ﷺ فقال: «يا محمد! إن الله يضع السماء على إصبع، والأرض على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر والأنهار على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يقول: أنا الملك! فضحك رسول الله ﷺ وقال: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ»﴾. وفي رواية «والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يهزهن». وفيه أن رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه تعجبا، وتصديقا له. ثم قرأ: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. متفق عليه، وعن ابن عمر-﵄-قال: رسول الله ﷺ : «يطوي الله السموات يوم القيامة، ثمّ يأخذهنّ بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك! أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك! أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟». متفق عليه أيضا. ﴿سُبْحانَهُ:﴾ تنزه، وتقدس، وتعاظم عن الذي يشركونه معه من الحجارة، والأوثان. هذا؛ وفي الجامع الصغير عن أبي يعلى، وابن السني، عن الحسين السّبط-﵄-عن النبي ﷺ قال: «أمان لأمّتي من الغرق؛ إذا ركبوا البحر أن يقولوا: ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها..﴾. إلخ ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ..﴾. إلخ. انتهى. وآخر الآية الأولى: ﴿وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ﴾ وآخر الثانية ﴿يُشْرِكُونَ»﴾. وقال ابن عباس-﵄: من قرأ هاتين الآيتين، فعطب، أو غرق فعليّ ذلك. انتهى. جمل نقلا عن المناوي. هذا؛ وفي الآية استعارة تمثيلية مثل لعظمته، وكمال قدرته، وحقارة الأجرام العظام؛ التي تتحير فيها الأوهام بالنسبة لقدرته تعالى بمن قبض شيئا عظيما بكفه، وطوى السموات بيمينه بطريق

стр. 5451

الاستعارة التمثيلية. هذا؛ وما قدمته من تأويل هو مذهب الخلف، وأما السلف؛ فيقولون: لله يمين، وله شمال، وله إصبع، وله عين، وله يد تليق به، فهم يأخذون بظاهر النص. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿قَدَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿حَقَّ:﴾ نائب مفعول مطلق، و ﴿حَقَّ﴾ مضاف، و ﴿قَدْرِهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَالْأَرْضُ:﴾ الواو: واو الحال. (الأرض) مبتدأ. ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من: (الأرض)، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٤]. ﴿قَبْضَتُهُ:﴾ خبر المبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: «قبضة»؛ لأنها بمعنى: مقبوضة، و ﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. هذا؛ ويقرأ بنصب (قبضته) على أنه منصوب بنزع الخافض، على معنى: في قبضته، وهو متعلق خبر محذوف، وهي قراءة شاذة. «(السموات)»: مبتدأ. ﴿مَطْوِيّاتٌ:﴾ خبره. ﴿بِيَمِينِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مَطْوِيّاتٌ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ ويجوز أن يكون الجار، والمجرور متعلقين بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر، وأن يكونا متعلقين بمحذوف خبر ثان. هذا؛ وقرئ شاذا بكسر التاء على أنه حال متوسطة بين عاملها الظرفي الواقع خبرا، وهو (بيمينه) وبين مبتدئه، وهو: (السموات)؛ أي: ﴿وَالسَّماواتُ﴾ كائنة بيمينه حال كونها ﴿مَطْوِيّاتٌ﴾. وصاحب الحال إما (السموات)، أو ضميرها في الخبر، ورد المانعون ذلك بأن السموات عطف على الضمير المستتر في: ﴿قَبْضَتُهُ؛﴾ لأنها بمعنى: مقبوضة، و ﴿مَطْوِيّاتٌ﴾ حال من: (السموات)، و ﴿بِيَمِينِهِ﴾ ظرف متعلق ب: ﴿مَطْوِيّاتٌ،﴾ والتقدير: الأرض جميعا مقبوضة حال السموات كونها مطويات بيمينه، والفصل المشروط للعطف على الضمير المستتر حاصل هنا بقوله: ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾. انتهى. حاشية الخضري على شرح ابن عقيل. ﴿سُبْحانَهُ:﴾ مفعول مطلق عامله محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا. والفعل المقدر، والمصدر جملة فعلية مستأنفة، لا محل لها. (تعالى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل مستتر، تقديره: «هو»، يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: عن الذي، أو عن شيء يشركونه معه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن) التقدير: تعالى عن شركهم. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.

стр. 5452

﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ الشرح: لا أرى حاجة إلى المزيد عما ذكرته في سورة (النمل) رقم [٨٧] بشأن الصور، وما يتعلق بهذه الآية من الاستثناء، وغيره، وأيضا ما ذكرته في سورة (يس) رقم [٤٩] وما بعدها. هذا؛ و (صعق) مات وهو مأخوذ من قولهم: صعقتهم الصاعقة، يقال: صعقه الله، فصعق. ﴿فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ:﴾ يقلبون وجوههم، وأبصارهم في جميع الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب، أو ينتظرون أمر الله فيهم، وقال تعالى في سورة (ن): ﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ مما يدل على أن الناس تكون لهم حالات يوم الفزع الأكبر، وقد دلت هذه الآية على أن النفخة اثنتان: الأولى للموت، والثانية للبعث، والنشور. والجمهور على أنها ثلاث: الأولى للفزع، كما قال تعالى في سورة (النمل) الآية [٨٧]: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ..﴾. إلخ، والثانية للموت، والثالثة للإعادة، وبين الثانية، والثالثة أربعون سنة على الصحيح. فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بين النفختين أربعون-قالوا: أربعون يوما؟ قال أبو هريرة: أبيت. قالوا: أربعون شهرا؟ قال أبو هريرة: أبيت، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت-ثم ينزل الله من السماء ماء، فينبتون كما ينبت البقل، وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلاّ عظم واحد، وهو عجب الذنب، ومنه يركّب الخلق يوم القيامة». متفق عليه. الإعراب: ﴿وَنُفِخَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (نفخ): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿فِي الصُّورِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. (صعق): فعل ماض. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل، وفيه تغليب من يعقل على من لا يعقل. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: صعق الذي يوجد في السموات. ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، فهو مثله في الإعراب. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مستثنى من ﴿مَنْ﴾ قبلها، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: إلا من شاء الله بقاءه حيا. وصح الاستثناء؛ لأن ﴿مَنْ﴾ الأولى بمعنى: الجمع، والثانية بمعنى: البعض. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. (نفخ): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أُخْرى:﴾ نائب فاعل، أو هو صفة مفعول مطلق، والنائب: الجار والمجرور، ويؤيد الأول قوله تعالى في سورة (الحاقة): ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾. ﴿فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ:﴾ إعراب هذا التركيب مثل إعراب: ﴿فَإِذا هُمْ خامِدُونَ﴾ في سورة (يس) [٢٩].

стр. 5453

﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٩)﴾ الشرح: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ أي: أضاءت بعدل ربها. قاله الحسن، وغيره. وقال الضحاك: بحكم ربها. والمعنى واحد؛ أي: أنارت وأضاءت بعدل الله، وقضائه بالحق بين عباده. والظلم ظلمات، والعدل نور. وقيل: إن الله يخلق نورا يوم القيامة يلبسه وجه الأرض، فتشرق الأرض به. وقال ابن عباس-﵄: النور المذكور هاهنا ليس من نور الشمس، والقمر، بل هو نور يخلقه الله، فيضيء به الأرض. انتهى. قرطبي. هذا؛ وليس المراد بالأرض أرض الدنيا؛ لقوله تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ حيث تبدل أرض الدنيا بأرض جديدة يوجدها الله في ذلك الوقت؛ لتحشر عليها الناس. ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ:﴾ قال قتادة-رحمه الله تعالى-: يريد: الكتب، والصحف؛ التي فيها أعمال بني آدم، فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله. وقال ابن عباس-﵄: يريد اللوح المحفوظ. وأعتمد الأول، لقوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٤٩]: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾. ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ﴾ أي: ليدعي الأنبياء على أممهم: أنهم بلغوهم الرسالة، وذلك: أن الله تعالى يجمع الخلائق الأولين والآخرين في صعيد واحد، ثم يقول لكفار الأمم الماضية: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ فينكرون، ويقولون: ﴿ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ﴾ فيسأل الله الأنبياء عن ذلك، فيقولون: كذبوا! قد بلغناهم، فيسألهم البينة، وهو أعلم بهم إقامة للحجة، فيقولون: أمة محمد تشهد لنا، فيؤتى بأمة محمد ﷺ ، فيشهدون لهم: أنهم قد بلغوا، فتقول الأمم الماضية: من أين علموا ذلك؛ وإنما كانوا بعدنا؟ فيسأل الله هذه الأمة، فيقولون: أرسلت لنا رسولا، وأنزلت عليه كتابا مبينا، أخبرتنا فيه، بتبليغ الرسل، وأنت صادق فيما أخبرت. ثم يؤتى بمحمد ﷺ فيسأله الله عن أمته، فيزكيهم، ويشهد بصدقهم. انتهى. جمل. وهذا فحوى قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٤٣]: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾. وقال القرطبي: وقيل: المراد بالشهداء: الذين استشهدوا في سبيل الله، فيشهدون يوم القيامة لمن ذب عن دين الله. قاله السدي. قال ابن زيد: هم الحفظة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم، قال تعالى في سورة (ق): ﴿وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ فالسائق يسوقها إلى الحساب، والشهيد يشهد عليها، وهو الملك الموكل بالإنسان على ما يأتي بيانه في سورة (ق) رقم [٢١] إن شاء الله تعالى.

стр. 5454

﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ:﴾ بالعدل، والصدق. ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ:﴾ قال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: لا ينقص من حسناتهم، ولا يزاد في سيئاتهم. انتهى. كيف لا؛ وقد قال تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٤٧]: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ وقال تعالى في سورة (النساء) رقم [٣٩]: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ..﴾. إلخ. هذا؛ ولا تنس: أن التعبير عن المستقبل بالأفعال الماضية إنما هو لتحقق وقوعه، وهو كثير في القرآن الكريم، وهو فن بلاغي. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَأَشْرَقَتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (أشرقت): فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿الْأَرْضُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿بِنُورِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (نور) مضاف، و ﴿رَبِّها﴾ مضاف إليه، و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، (جيء): ماض مبني للمجهول. ﴿بِالنَّبِيِّينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نائب فاعله، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَالشُّهَداءِ:﴾ معطوف على ما قبله. (قضي): ماض مبني للمجهول. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وهو نائب الفاعل أيضا، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل المستتر العائد، إلى المصدر المفهوم من الفعل، وهذا وجه آخر، التقدير: وقضي القضاء بينهم ملتبسا بالحق. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٤] من سورة (سبأ) ففي الآيتين شبه شديد، والله ولي التوفيق. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُظْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (٧٠)﴾ الشرح: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ أي: يجازى كل إنسان بما عمل من خير، أو شر، إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا؛ فشرّ. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ أي: في الدنيا. ولا حاجة به إلى كتاب ولا إلى شاهد؛ ومع ذلك فتشهد الكتب، والملائكة، والرسل، كما رأيت في الآية السابقة إلزاما للحجة، وقطعا للمعذرة.

стр. 5455

الإعراب: ﴿وَوُفِّيَتْ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿وَوُفِّيَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿كُلُّ:﴾ نائب فاعله، وهو المفعول الأول. و ﴿كُلُّ﴾ مضاف، و ﴿نَفْسٍ﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿عَمِلَتْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿نَفْسٍ﴾ والتاء للتأنيث، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو شيئا عملته، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل نصب مفعول به ثان، التقدير: عملها، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ والرابط: الواو، والضمير الذي ترى تقديره؛ لأن المعنى كل إنسان يوفى جزاء عمله. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ و (ما) تحتمل الوجوه الثلاثة المذكورة في سابقتها، فعلى الأولين: التقدير: أعلم بالذي، أو: بشيء يفعلونه. وعلى الثالث: التقدير: أعلم بفعلهم. ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (٧١)﴾ الشرح: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ..﴾. إلخ: يخبر الله تعالى عن حال الأشقياء كيف يساقون إلى النار سوقا عنيفا، بزجر وتهديد ووعيد، كما قال تعالى في سورة (الطور): ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ أي: يدفعون إليها دفعا شديدا، وهم عطاش، كما قال تعالى في سورة (مريم): ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ رقم [٨٦ و ٨٧] وهم في تلك الحال صم، بكم، عمي، كما قال جل ذكره: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً﴾ رقم [٩٧] من سورة (الإسراء). هذا؛ والزمر: الجماعات، واحدتها: زمرة، كظلمة، وغرفة. وقال الأخفش، وأبو عبيدة: ﴿زُمَراً﴾ جماعات متفرقة بعضها إثر بعض، قال الشاعر: [الرمل] وترى الناس إلى منزله... زمرا تنتابه بعد زمر وقال آخر: [الرجز] إنّ العفاة بالسّيوب قد غمر... حتّى احزألّت زمر بعد زمر ﴿حَتّى إِذا جاؤُها﴾ أي: اقتربوا منها؛ ليدخلوا فيها؛ ﴿فُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ أي: السبعة، وكانت مغلقة قبل ذلك، وهي التي يطلق عليها لقب: الدركات، بينما يطلق على الجنة، ومنازلها لقب:

стр. 5456

الدرجات، فالدرك ما كان إلى أسفل، والدرج ما كان إلى أعلى، ودركات النار: طبقاتها، وهي سبع؛ العليا لعصاة المؤمنين، وهي جهنم، تكون بعد خروجهم منها خرابا يبابا، لا نار فيها. والثانية: لظى للنصارى، والثالثة: الحطمة لليهود، والرابعة: السعير للصابئين، والخامسة: سقر للمجوس، والسادسة: الجحيم لأهل الشرك، والسابعة: الهاوية، وهي الدرك الأسفل للمنافقين. هذا؛ وقد يستعمل كل واحد مكان الآخر، كما هو وارد في آيات القرآن، كما يطلق لفظ جهنم على كلّ منها. ويكثر استعمال لفظ: «ويل» في التهديد، والوعيد، كما في قوله تعالى في سورة (الهمزة): ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ،﴾ وقوله في سورة (الماعون): ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ ويفسر بالهلاك، والوبال، كما يفسر بأنه واد من أودية جهنم، وهو يفيد: أنه يطلق على جميع دركات النار. وانظر الدرجات في الآية التالية رقم [٧٣]. ﴿وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها﴾ أي: حفظة جهنم، وهم الملائكة الموكلون بتعذيب أهلها، جمع: خازن، مثل: سدنة، وسادن، ويجمع أيضا على: خزّان، وخزّن، يقولون لهم ما يلي توبيخا وتقريعا: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ:﴾ بشر من جنسكم. وانظر تفصيل ذلك في الآية رقم [١] من سورة (الأحزاب). ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ﴾ أي: الكتب المنزلة عليهم من ربكم. ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ أي: يخوفونكم يوم القيامة؛ الذي تلاقون فيه ربكم؛ ليحاسبكم على أعمالكم. ﴿قالُوا بَلى﴾ أي: قد جاءتنا رسل ربنا، وخوفونا هذا اليوم، وما فيه من أهوال! وهذا اعتراف منهم بقيام الحجة عليهم. ﴿وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ أي: ولكن وجبت علينا كلمة الله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ بسوء أعمالنا، كما قالوا: ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنّا قَوْماً ضالِّينَ﴾ رقم [١٠٧] من سورة (المؤمنون)، فذكروا عملهم الموجب لكلمة العذاب وهو الكفر والضلال. الإعراب: ﴿وَسِيقَ:﴾ الواو: حرف عطف. (سيق): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِلى جَهَنَّمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (سيق)، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿زُمَراً:﴾ حال من واو الجماعة. ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٤٥]. ﴿جاؤُها:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿فُتِحَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿أَبْوابُها:﴾ نائب فاعله، و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. هذا؛ ويعتبر الأخفش: (إذا) في مثل هذه الآية مجرورة ب: ﴿حَتّى،﴾ وقد رده ابن هشام في المغني، وعلى كل، فهي غاية لمحذوف، التقدير: سيقوا؛ حتى إذا جاؤوها.

стр. 5457

﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): فعل ماض. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿خَزَنَتُها:﴾ فاعل، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَأْتِكُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والكاف مفعول به. ﴿رُسُلٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رُسُلٌ﴾. ﴿يَتْلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿آياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و ﴿آياتِ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّكُمْ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿يَتْلُونَ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿رُسُلٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، وجملة: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها مثله. (ينذرونكم): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والكاف مفعول به أول. ﴿لِقاءَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿يَوْمِكُمْ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر صفة يومكم، أو بدل منه، والأول أقوى، والهاء حرف تنبيه لا محل له، وجملة (ينذرونكم.. إلخ) معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿بَلى:﴾ حرف جواب متضمن معنى الجملة في محل نصب مقول القول. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿حَقَّتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿كَلِمَةُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿الْعَذابِ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلَى الْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿وَلكِنْ حَقَّتْ..﴾. إلخ معطوفة على كلمة ﴿بَلى،﴾ فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قِيلَ اُدْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢)﴾ الشرح: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ:﴾ والقائل هو الله تعالى، أو الملائكة، وهو الأظهر. ﴿خالِدِينَ فِيها:﴾ ماكثين فيها مخلدين لا خروج لكم منها، ولا زوال لكم عنها. قال وهب: تستقبلهم الزبانية بمقامع من نار، فيدفعونهم بمقامعهم، فإنه ليقع في الدفعة الواحدة إلى النار بعدد ربيعة، ومضر. ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ:﴾ بئس المصير وبئس المقيل لكم بسبب تكبركم في الدنيا، وإبائكم عن اتباع الحق! وانظر الآية رقم [٦٠]. الإعراب: ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿اُدْخُلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَبْوابَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله عند بعض النحاة،

стр. 5458

وفي مقدمتهم سيبويه، والمحققون وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب عندهم انتصاب المفعول به على السعة بإجراء اللازم مجرى المتعدي. و ﴿أَبْوابَ﴾ مضاف، و ﴿جَهَنَّمَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، وجملة: ﴿اُدْخُلُوا..﴾. إلخ في محل رفع نائب فاعل ﴿قِيلَ﴾. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٥] من سورة (يس) إن أردت الزيادة. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال مقدرة من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وانظر أنواع الحال في الآية رقم [٦٥] من سورة (الأحزاب) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خالِدِينَ،﴾ وجملة: ﴿قِيلَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَبِئْسَ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا لكم، وواقعا؛ فبئس. (بئس): فعل ماض جامد دال على إنشاء الذم. ﴿مَثْوَى:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للتعذر، و ﴿مَثْوَى﴾ مضاف، و ﴿الْكافِرِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: فبئس مثوى المتكبرين جهنم! والجملة الفعلية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الفاء. تنبيه: قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: اللام في: ﴿الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ للجنس، والمخصوص بالذم محذوف سبق ذكره، ولا ينافي إشعاره بأن مثواهم في النار لتكبرهم عن الحق أن يكون دخولهم فيها؛ لأن كلمة العذاب حقت عليهم، فإن تكبرهم، وسائر مقابحهم مسببة عنه، كما قال ﵊: «إنّ الله تعالى إذا خلق العبد للجنة؛ استعمله بعمل أهل الجنة؛ حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخل به الجنة، وإذا خلق العبد للنار؛ استعمله بعمل أهل النار؛ حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخل به النّار». انتهى. ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (٧٣)﴾ الشرح: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا..﴾. إلخ: يعني: جماعات من الشهداء، والزهاد، والعلماء، والقراء وغيرهم ممن اتقى الله، وعمل بطاعته. وقال تعالى في حق الفريقين: (سيق) بلفظ واحد، فسوق أهل النار طردهم إليها بالخزي، والهوان، كما يفعل بالأسارى، والخارجين على السلطان؛ إذا سيقوا إلى حبس، أو قتل، وسوق أهل الجنان سوق مراكبهم إلى دار الكرامة والرضوان؛ لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين، كما يفعل بمن يشرف، ويكرم من الوافدين على بعض الملوك، فشتان ما بين السوقين!. انتهى. قرطبي وشبيه به في الكشاف.

стр. 5459

﴿حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ أي: الثمانية، وهي التي يطلق عليها اسم الدرجات، وهي: دار الجلال، ودار السّلام، وجنة عدن، وجنة المأوى، وجنة الخلد، وجنة الفردوس، وجنة النعيم، ودار الكرامة، وهي المعبّر عنها بدار المقامة بقوله تعالى في سورة (فاطر) رقم [٣٥] حكاية عن قول المؤمنين: ﴿الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ..﴾. إلخ. وانظر دركات النار في الآية السابقة. هذا؛ واقترنت جملة: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ بالواو هنا، ولم تقترن بحق أهل النار، وقد اختلف في هذه الواو، فقيل: هي عاطفة على جملة محذوفة هي جواب ﴿إِذا﴾ التقدير: سعدوا، وفتحت. قاله المبرد، وغيره. وحذف الجواب بليغ في كلام العرب. قال امرؤ القيس: [الطويل] فلو أنّها نفس تموت جميعة... ولكنها نفس تساقط أنفسا فحذف جواب (لو)؛ إذ التقدير: لكان أروح. وقيل: الواو زائدة عند الكوفيين، وهو خطأ عند البصريين، وانظر رقم [١٠٤] من سورة (الصافات). وقيل: إن زيادة الواو دليل على أن الأبواب فتحت لهم قبل أن يأتوا لكرامتهم على الله تعالى، والتقدير: حتى إذا جاؤوها وأبوابها مفتحة بدليل قوله تعالى في سورة (ص) رقم [٥٠]: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ﴾ وحذفت الواو في قصة أهل النار؛ لأنهم وقفوا على النار، وفتحت أبوابها بعد وقوفهم إذلالا، وترويعا لهم، ذكره المهدوي، وحكى معناه النحاس قبله. انتهى. قرطبي. أقول: وهذا يعني: أن الواو واو الحال، و «قد» بعدها مقدرة، والمعنى يؤيده، بل لا محيص عنه. هذا؛ وقيل: إن الواو واو الثمانية، وذلك من عادة قريش: أنهم يعدون من الواحد، فيقولون: خمسة، ستة، سبعة، وثمانية، فإذا بلغوا السبعة؛ قالوا: وثمانية، قاله أبو بكر بن عياش. قال الله تعالى في سورة (الحاقة) رقم [٧]: ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُوماً﴾ وقال في سورة (التوبة) رقم [١١٢]: ﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ﴾ ثم قال في الثامن: ﴿وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ،﴾ وقال في سورة (الكهف) رقم [٢٢]: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ،﴾ وقال في سورة (التحريم) رقم [٥] ﴿ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً﴾. انتهى. قرطبي. ثم قال: قلت: وقد استدل بهذا من قال: إن أبواب الجنة ثمانية، وذكروا حديث عمر بن الخطاب-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد يتوضّأ، فيبلّغ، أو يسبغ الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنّة الثمانية يدخل من أيّها شاء». خرجه مسلم وغيره. انتهى. هذا؛ وقد ذكر ابن هشام هذه الواو في أقسام الواو؛ حيث قال: والتاسع: واو الثمانية ذكرها جماعة من الأدباء كالحريري، ومن النحويين الضعفاء كابن خالويه، ومن المفسرين كالثعلبي، وزعموا: أن العرب إذا عدوا؛ قالوا: ستة، سبعة، وثمانية، إيذانا بأن السبعة عدد تام، وأن ما بعدها عدد مستأنف، واستدلوا على ذلك بآيات، وسرد الآيات التي ذكرتها لك

стр. 5460

آنفا، وفنّد دعواهم فيها، وقال في هذه الآية: وأقول لو كان لواو الثمانية حقيقة لم تكن الآية منها؛ إذ ليس فيها عدد ألبتّة، وإنما ذكر فيها الأبواب، وهي جمع لا يدل على عدد خاص، ثم الواو ليست داخلة عليه، بل على جملة هو فيها، وقد مر: أن الواو مقحمة في: ﴿وَفُتِحَتْ﴾ عند قوم، وعاطفة عند آخرين. وقيل. هي واو الحال؛ أي: جاؤوها مفتّحة أبوابها، كما صرح ب: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ حالا في ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ﴾ وهذا قول المبرد، والفارسي، وجماعة. قيل: وإنما فتحت لهم قبل مجيئهم إكراما لهم عن أن يقفوا حتى تفتح لهم. انتهى. مغني اللبيب بتصرف. ﴿وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ: تقول لهم خزنة الجنة هذا بعد وصولهم إلى أبواب الجنة، وبعد مجاوزة الصراط، وحبسهم على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص ما كان بينهم من مظالم الدنيا؛ حتى إذا هذّبوا، ونقّوا؛ أذن لهم في دخول الجنة، وإن أحدهم لأعرف بمنزله في الجنة منه بمنزله الذي كان له في الدنيا. ﴿طِبْتُمْ﴾ أي: طابت أعمالكم، وأقوالكم، وسعيكم، وطاب جزاؤكم. ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ:﴾ ماكثين مقيمين، لا تبغون عنها حولا. وفي سوقهم إلى الجنة زمرا، وفي دخولهم زمرا، خذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أوّل زمرة يدخلون الجنّة على صورة القمر ليلة البدر، والّذين يلونهم على أشدّ كوكب درّيّ في السماء إضاءة، لا يبولون، ولا يتغوّطون، ولا يمتخطون، ولا يتفلون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوّة، أزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء». وفي رواية قال رسول الله ﷺ : «أوّل زمرة تلج الجنة، صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوّطون، آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذّهب والفضة، ومجامرهم الألوّة، ورشحهم المسك، لكلّ واحد منهم زوجتان، يرى مخّ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب رجل واحد، يسبّحون الله بكرة وعشيّا». رواه البخاري ومسلم، واللفظ لهما، والترمذي، وابن ماجه، وإن أردت الزيادة؛ فانظر: «الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري في وصف الجنة، والنار. الإعراب: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿حَتّى إِذا جاؤُها:﴾ انظرها أيضا، فالإعراب واحد، لا يتغير، وجملة ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ في محل نصب حال من: ﴿الْجَنَّةِ،﴾ والرابط: الواو، والضمير، و «قد» قبلها مقدرة، وعليه فالجواب محذوف، تقديره: سروا وفرحوا، وإن اعتبرت الواو زائدة فهي في جواب ﴿إِذا﴾ انظر الكلام على الواو، وجملة: ﴿وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها﴾ معطوفة عليها، على جميع الوجوه المعتبرة بالواو. هذا؛ وأجاز

стр. 5461

مكي اعتبارها جواب (إذا)، والواو زائدة فيها، فيتلخص: أن في جواب (إذا) ثلاثة أوجه. ﴿سَلامٌ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿طِبْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿فَادْخُلُوها:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا لكم فادخلوها. (ادخلوها): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، والشرط المقدر ومدخوله في محل نصب مقول القول. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال منصوب... إلخ. ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٧٤)﴾ الشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: المتقون الذين أنعم الله عليهم بدخول الجنة، وفازوا برضا ربهم. ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ﴾ أي: الذي كان وعدنا على ألسنة رسله الكرام، كما دعوا في الدنيا: ﴿رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ،﴾ وانظر ما يقوله الذين اصطفاهم الله من عباده في الآية رقم [٣٤] و [٣٥] من سورة (فاطر). ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ:﴾ أرض الجنة قد أورثوها؛ أي: ملكوها وجعلوا ملوكها، وأطلق تصرفهم فيها كما يشاؤون. تشبيها بحال الوارث، وتصرفه فيما يرث. انتهى. نسفي. وقال القرطبي: قيل: إنهم ورثوا الأرض التي كانت لأهل النار لو كانوا مؤمنين، قاله أبو العالية، وأبو صالح، وقتادة، والسدي، وأكثر المفسرين. انتهى. وانظر خسران الكافرين في الآية رقم [١٥]. ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ:﴾ ننزل في الجنة حيث نشاء، ونريد. يقال: بوأت زيدا مكانا، وبوأت لزيد مكانا، فالأول بمعنى: أنزلت زيدا مكانا كما في هذه الآية، والثاني كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً﴾ رقم [٨٧] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ والمبؤّأ المنزل الملزوم، ومنه بوّأه الله منزلا أي: ألزمه إياه وأسكنه فيه، قال الرسول ﷺ : «من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار». أخرجه البخاري عن أبي هريرة-﵁. قال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت فما معنى قوله: ﴿حَيْثُ نَشاءُ﴾ وهل يتبوأ أحدهم مكان غيره؟ قلت: يكون لكل واحد منهم جنة، لا توصف سعة، وحسنا، وزيادة على الحاجة، فيتبوأ من جنته حيث يشاء، ولا يحتاج إلى غيره. وقيل: إن أمة محمد ﷺ يدخلون الجنة قبل الأمم، فينزلون فيها حيث شاؤوا، ثم تنزل الأمم بعدهم فيما فضل منها. ولا تنس ما ذكرته من التعبير عن المستقبل بالماضي. ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ أي: بطاعة الله، وأوامره، واجتناب

стр. 5462

نواهيه، وزواجره. هذا؛ و (نعم) فعل ماض جامد لإنشاء المدح، وضدها: «بئس» لإنشاء الذم، قال في المختار: نعم منقول من: نعم فلان (بفتح النون، وكسر العين): إذا أصاب النعمة، وبئس منقول من: بئس فلان (بفتح الباء، وكسر الهمزة): إذا أصاب بؤسا، فنقلا إلى المدح، والذم، فشابها الحروف، فلم يتصرفا، وفيهما أربع لغات: نعم، وبئس (بكسر فسكون) وهي أفصحهن، وهي لغة القرآن. ثم نعم، وبئس (بكسر أولهما، وثانيهما) غير أن الغالب في نعم أن يجيء بعدها «ما» كقوله تعالى: ﴿نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ وبئس جاءت بعدها «ما» على اللغة الفصحى، كقوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾. واللغة الثالثة: نعم، وبئس (بفتح فسكون) والرابعة: نعم، وبئس (بفتح فكسر) وهي الأصل فيهما. ولا بد لهما من شيئين: فاعل، ومخصوص بالمدح، أو الذم، ويشترط في الفاعل أن يكون مقرونا بأل، كما في قوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ،﴾ أو مضافا لمقترن بها، كما في قوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ وكما في الآية التي الكلام فيها، والقول بفعليتهما إنما هو قول البصريين، والكسائي بدليل دخول تاء التأنيث عليهما في قول الرسول ﷺ : «من توضّأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل». وقال الكوفيون إلا الكسائي: هما اسمان بدليل دخول حرف الجر عليهما في قول أعرابي؛ وقد أخبر بأن امرأته ولدت بنتا له: (والله ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرّها سرقة) وقول غيره: (نعم السّير على بئس العير) وأوله البصريون على حذف كلام مقدر؛ إذ التقدير: (والله ما هي بولد مقول فيه: نعم الولد) و (نعم السير على عير مقول فيه: بئس العير) والمعتمد في ذلك قول البصريين، ويلزم على قول الكوفيين جر الولد، والعير بسبب الإضافة، والرواية فيهما بالرفع لا غير. الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة لفظ الجلالة. ﴿صَدَقَنا:﴾ فعل ماض، و (نا): مفعوله الأول، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿وَعْدَهُ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، وهي مثلها في إعرابها. ﴿نَتَبَوَّأُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: (نا)، والرابط: الضمير فقط. ﴿مِنَ الْجَنَّةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له. ﴿حَيْثُ:﴾ ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب على الظرفية متعلق بالفعل قبله، وأجيز اعتباره مفعولا به، وجملة: ﴿نَشاءُ﴾ مع المفعول المحذوف في محل جر بإضافة (حيث) إليها، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَنِعْمَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (نعم): فعل ماض جامد لإنشاء المدح.

стр. 5463

﴿أَجْرُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿الْعامِلِينَ﴾ مضاف إليه، والمخصوص بالمدح محذوف، التقدير: هو الجنة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها؛ إذ هي من كلام الله تعالى. ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥)﴾ الشرح: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ..﴾. إلخ: قال الجمل: لما ذكر ما أعطيه المؤمنون من الدرجات؛ أتبعه بذكر أهل الكرامات، الذين لا شاغل لهم عن العبادات، وبيان مستقرهم في الجنة، وهم الملائكة، فقال صارفا الخطاب لأشرف الخلق؛ لأنه لا يقول بحق هذه الرؤية غيره؛ أي: وترى يا محمد في ذلك اليوم الملائكة؛ أي: القائمين بجميع ما عليهم من الحقوق. انتهى. ﴿حَافِّينَ﴾ أي: محدقين محيطين بالعرش، مصطفين بحافته، وجوانبه. قال رسول الله ﷺ : «حفّت الجنة بالمكاره، وحفّت النّار بالشهوات». وقال الفراء وتبعه الزمخشري: لا واحد ل: ﴿حَافِّينَ﴾ من لفظه، وكأنهما رأيا: أن الواحد لا يكون حافا؛ إذ الحفوف هو الإحداق بالشيء، والإحاطة به. وهذا لا يتحقق إلا في جمع. ﴿مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ:﴾ انظر شرح ﴿الْعَرْشِ﴾ في الآية رقم [٤] من سورة (السجدة). أما ﴿حَوْلِ﴾ فهو ظرف مكان لا يتصرف، فهو ملازم للظرفية أبدا، يقال: قعد حوله، وحواله، وحوليه. وحواليه ولا تقل: حواليه (بكسر اللام) وقعد بحياله وحياله؛ أي: بإزائه، وإزاءه. ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي: يقولون: سبحان الله وبحمده. تلذذا بذلك، لا تعبدا، وتكليفا؛ لأن التكليف يزول في ذلك اليوم. وذلك يشعر بأن ثوابهم هو عين ذلك التسبيح، وأفهم أن منتهى درجات العليين ولذاتهم الاستغراق في صفاته تعالى، وتسبيحه، وتقديسه. ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: بين الخلائق بإدخال بعضهم الجنة، وإدخال بعضهم النار بالحق، والعدل، ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾. ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي: على ما قضى بيننا بالحق، والقائلون هم المؤمنون المقضي لهم، أو الملائكة، وطيّ ذكرهم؛ لتعينهم، وتعظيمهم. هذا؛ والحمد في الآية الأولى على الصدق بالوعد، وإيراث الجنة، وهذا على القضاء بالحق، قال الطيبي: الحمد الأول للتفرقة بين الفريقين بحسب الوعد، والوعيد من السخط والرضوان، والثاني للتفرقة بينهما بحسب الأبدان: فريق في الجنة، وفريق في السعير، فتكون الآية الثانية كالتتميم بالنسبة للأولى في إتمام القضاء، وعلى الثاني كالتكميل؛ لأن ذلك القضاء في حق بني آدم، وهذا في حق الملائكة. ويؤيد التأويل الثاني تكرير الحمد في الآيتين، والأول هو الظاهر. والله أعلم بمراده، فلا يرد: ما وجه تكرار حمد المؤمنين؟. انتهى. جمل نقلا من كرخي.

стр. 5464

الإعراب: ﴿وَتَرَى:﴾ الواو: حرف استئناف. (ترى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿الْمَلائِكَةَ:﴾ مفعول به. ﴿حَافِّينَ:﴾ حال من ﴿الْمَلائِكَةَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْ حَوْلِ:﴾ متعلقان به، و ﴿حَوْلِ﴾ مضاف، و ﴿الْعَرْشِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿يُسَبِّحُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال ثانية من: ﴿الْمَلائِكَةَ﴾. ﴿بِحَمْدِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة؛ أي: ملتبسين ﴿بِحَمْدِ﴾. قال الثعلبي: والعرب تدخل الباء أحيانا في التسبيح، وتحذفها أحيانا، قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وقال: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ و (حمد) مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَقُضِيَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قضي): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله على أنه نائب فاعله، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٩]، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب حال. ﴿وَقِيلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قيل): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع نائب فاعل (قيل)، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٢]. ﴿رَبِّ:﴾ صفة لفظ الجلالة، و ﴿رَبِّ﴾ مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم... إلخ، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿وَقِيلَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال أيضا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم. انتهت سورة (الزمر) بحمد الله وتوفيقه، تفسيرا وإعرابا. والحمد لله رب العالمين.

стр. 5465

سورة غافر سورة (غافر): وتسمى سورة (المؤمن) وسورة (الطّول) وهي مكية، وكذا بقية الحواميم مكيات غير آيتين، وهما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ..﴾. إلخ رقم [٥٦] و [٥٧]، وعن الحسن إلا قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ..﴾. إلخ رقم [٥٥] وهي خمس وثمانون آية، وألف ومئة، وتسع وتسعون كلمة، وأربعة آلاف وتسعمئة وستون حرفا. انتهى. خازن. وقال القرطبي: وفي مسند الدارمي عن سعد بن إبراهيم، قال: كانت الحواميم تسمى: العرائس. وروي من حديث أنس ﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «الحواميم ديباج القرآن». وعن ابن مسعود-﵁: (آل حم ديباج القرآن). وقال الجوهري، وأبو عبيدة: وآل حاميم سور في القرآن. وقال الفراء: إنما هو كقولك: آل فلان، وآل فلان كأنه نسب السورة كلها إلى حم، قال الكميت: [الطويل] وجدنا لكم في آل حاميم آية... تأوّلها منّا تقيّ ومعزب قال أبو عبيدة: هكذا رواها الأموي بالزاي، وكان أبو عمرو يرويها بالراء. فأما قول العامة: الحواميم فليس من كلام العرب، وقال أبو عبيدة: الحواميم سور في القرآن على غير قياس، وأنشد: [الرجز] وبالطّواسين الّتي قد ثلّثت... وبالحواميم الّتي قد سبّعت قال: والأولى أن تجمع ب: ذوات حم، وروي: أن النبي ﷺ قال: «لكلّ شيء ثمرة، وإن ثمرة القرآن ذوات حم، هنّ روضات حسان، مخضبات متجاورات، فمن أحبّ أن يرتع في رياض الجنة فليقرأ الحواميم». وقال النبي ﷺ : «مثل الحواميم في القرآن كمثل الحبرات في الثياب». ذكرهما الثعلبي، والقرطبي. وقال ﷺ : «الحواميم سبع، وأبواب النار سبع-انظر الآية رقم [٧٢] من سورة (الزمر) - تجيء كلّ حم منهنّ يوم القيامة على باب من هذه الأبواب، فتقول: لا يدخل النار من كان يؤمن بي، ويقرأني». وقال أبو عبيدة: وحدثني حجاج بن محمد عن أبي معشر عن محمد بن قيس قال: رأى رجل سبع جوار حسان مزيّنات في النوم، فقال: لمن أنتنّ بارك الله فيكنّ؟! فقلن: نحن لمن قرأنا نحن الحواميم. فتلخص من مجموع هذه الأخبار: أن هذه السور السبع تسمى الحواميم، وتسمى آل حاميم، وتسمى ذوات حاميم، فلها جموع ثلاثة خلافا لمن أنكر الأول منها. تأمل. انتهى. جمل وقرطبي بتصرف. وهذا؛ وسميت سورة (غافر) لأن الله تعالى ذكر هذا الوصف الجليل، الذي هو من صفات الله الحسنى في مطلع السورة الكريمة؛ حيث قال: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ..﴾. إلخ، وكرر ذكر
следующие страницы →