← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

وأنّها لا تفيد شيئا، ولا تغني فتيلا، كما قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٢٣]: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾. ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ:﴾ شديد، لا يفتر عنهم. فالله يتهدد من كان هذا عمله، واعتقاده بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم. هذا؛ والغلظ مستعار من الأجرام الغليظة، والمراد: الشدة، والثقل على المعذب، وانظر استعارة (الذوق) في الآية رقم [٣٨] من سورة (الصافات). الإعراب: ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَذَقْناهُ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، و (نا): فاعله، والهاء مفعول به أول. ﴿رَحْمَةً:﴾ مفعوله الثاني. ﴿مِنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿رَحْمَةً،﴾ أو بمحذوف صفة لها، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلّقان بمحذوف صفة: ﴿رَحْمَةً،﴾ و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و ﴿ضَرّاءَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة، وهي علة تقوم مقام علّتين من موانع الصرف. ﴿مَسَّتْهُ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿ضَرّاءَ،﴾ تقديره: «هي»، والتاء للتأنيث حرف لا محلّ له، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿ضَرّاءَ﴾. ﴿لَيَقُولَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (يقولن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محلّ له، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانُ﴾. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محلّ له. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿لَيَقُولَنَّ هذا لِي﴾ جواب القسم، المدلول عليه باللام الموطئة، وجواب الشرط محذوف، لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم، فالجواب للسابق منهما». قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم هذا؛ والكلام: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ..﴾. إلخ كله مستأنف لا محلّ له. ﴿وَما:﴾ الواو: واو، الحال. (ما): نافية. ﴿أَظُنُّ:﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿السّاعَةَ:﴾ مفعول به أول. ﴿قائِمَةً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ:﴾ إعرابه مثل سابقه مع ملاحظة بناء الفعل للبناء للمجهول، والتاء نائب فاعله. ﴿إِلى رَبِّي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر:

стр. 5637

﴿إِنَّ،﴾ تقدّم على اسمها. ﴿عِنْدَهُ:﴾ ظرف مكان متعلّق بالخبر المحذوف، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لَلْحُسْنى:﴾ اللام: لام الابتداء. (الحسنى): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المقصورة. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ لِي..﴾. إلخ جواب القسم، لا محلّ لها، وانظر ما ذكرته سابقا. ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ:﴾ الفاء: حرف استئناف. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلّقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (ننبئن): فعل مضارع مبني على الفتح، والنون للتوكيد حرف لا محلّ له. والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله الثاني، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء. والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو: بشيء عملوه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملهم، والجملة الفعلية: (لننبئن...) إلخ جواب القسم المقدر، لا محلّ لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه. ﴿مِنْ عَذابٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله الثاني. ﴿غَلِيظٍ:﴾ صفة (عذاب). ﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ﴾ أي: الكافر؛ أي: الجنس من حيث هو. ﴿أَعْرَضَ﴾ أي: عن الإيمان، والتوحيد. ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ أي: ترفع، وتباعد عن الانقياد إلى الحق، وتكبر على أنبياء الله، والداعين إلى الهدى والصلاح في كل زمان ومكان. وهذا شأن المتكبرين أينما وجدوا. والجانب: مجاز عن النفس، كالجنب في قوله تعالى حكاية عن قول الفاجر يوم القيامة: ﴿يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ رقم [٥٦] من سورة (الزمر). ﴿وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ:﴾ أصابه بلاء في جسمه، أو في ولده، أو في ماله، أو ما يغمّه ويحزنه. ﴿فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ أي: كثير، والعرب تستعمل الطول، والعرض في الكثرة. يقال: أطال فلان الكلام، وأعرض في الدعاء: إذا أكثر، فهو مستعار مما له عرض متسع للإشعار بكثرته، فإن العريض يكون ذا أجزاء كثيرة. والاستعارة تخييلية، شبه الدعاء بأمر يوصف بالامتداد، ثم أثبت له العرض، فإن قلت: كيف يدعو دعاء طويلا عريضا، ينافي وصفه قبل هذا بأنه يؤوس قنوط؛ لأنّ الدعاء فرع الطمع والرجاء، وقد اعتبر في القنوط ظهور أثر اليأس، فظهور ما يدلّ على الرجاء يأباه؟! قلت: يمكن

стр. 5638

دفع المنافاة بحمله على عدم اتحاد الأوقات، والأهوال. انتهى. جمل نقلا من الشهاب. بعد هذا خذ قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٨٣]: ﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً﴾ وقوله تعالى في سورة (هود) رقم [٩]: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ انظر شرح هذه الآيات في محالها؛ تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو استئنافية، (إذا): انظر الآية رقم [٢٠]. ﴿أَنْعَمْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَى الْإِنْسانِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿أَعْرَضَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الْإِنْسانِ،﴾ والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَنَأى:﴾ الواو: حرف عطف. (نأى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿بِجانِبِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ:﴾ إعرابه مثل سابقه بلا فارق. ﴿فَذُو:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (ذو): خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فهو ذو، مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و (ذو) مضاف، و ﴿دُعاءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَرِيضٍ:﴾ صفة: ﴿دُعاءٍ،﴾ والجملة الاسمية جواب (إذا)، لا محلّ لها، و (إذا) ومدخولها معطوف على ما قبله، لا محلّ له مثله. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ؛ أي: قل يا محمد لقومك. ﴿أَرَأَيْتُمْ:﴾ أخبروني، وأعلموني. ﴿إِنْ كانَ﴾ أي: القرآن الكريم. ﴿مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ أي: حقا كما أخبر النبي ﷺ . ﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ أي: أنكرتموه، وجحدتموه. ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ..﴾. إلخ أي: فأي الناس أضل؟! أي: لا أحد أضل منكم لفرط شقاوتكم، وعداوتكم. ﴿فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي: في خلاف، وعصيان، ومشاقة لله ، ولرسوله ﷺ وللمؤمنين، ومعنى: ﴿بَعِيدٍ:﴾ شديد. وانظر شرح: ﴿شِقاقٍ﴾ في الآية رقم [٢] من سورة (ص). هذا؛ وقال الجمل: واستعمال: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ بمعنى: الإخبار مجاز، ووجه المجاز: أنّه لما كان العلم بالشيء سببا للإخبار عنه، أو إبصاره به طريقا إلى الإحاطة به علما، وإلى صحة الإخبار عنه؛ استعملت الصيغة التي لطلب العلم، أو لطلب الإبصار في طلب الخبر، لاشتراكهما في الطلب، ففيه مجازان: استعمال «رأى» التي بمعنى: «علم» أو «أبصر» في الإخبار، واستعمال الهمزة؛ التي هي لطلب الرؤية في طلب الإخبار. انتهى. جمل نقلا من الشهاب.

стр. 5639

الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿أَرَأَيْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (رأيتم): فعل، وفاعل، ومفعوله الأول محذوف، التقدير: أرأيتم أنفسكم، والثاني: الجملة الاستفهامية الآتية. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط، واسمه مستتر تقديره: «هو» يعود إلى القرآن. ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ و ﴿عِنْدِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنّها ابتدائية... إلخ. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿كَفَرْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجواب الشرط محذوف، تقديره: فلا أحد أضلّ منكم! ﴿مِنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَضَلُّ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به ثان. وعليه: فالجملة الشرطية معترضة بين المفعولين. ﴿مِمَّنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَضَلُّ﴾. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿فِي شِقاقٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿بَعِيدٍ:﴾ صفة: ﴿شِقاقٍ﴾. هذا؛ وقد ارتأيت في سورة (الأنعام) رقم [٤٠] أنّ الجملة الاستفهامية سدّت مسدّ مفعولي الفعل على اعتباره معلقا عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وعليه فالجملة الشرطية معترضة بين الفعل وبين ما سدّ مسدّ مفعوليه. وجملة: ﴿أَرَأَيْتُمْ..﴾. إلخ في محلّ نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ الشرح: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ:﴾ يعني ما أخبرهم به النبي ﷺ به من الحوادث الآتية، وآثار النوازل الماضية، وما يسر الله له، ولخلفائه من الفتوح، والظهور على ممالك الشرق، والغرب على وجه خارق للعادة. انتهى. بيضاوي. هذا؛ والآيات: العلامات الدالة على قدرة الله، وعظمته، وهي تبعث على عبادته، وتوحيده. هذا؛ والآفاق: النواحي، والجهات، واحدة: أفق، وأفق، مثل: عسر وعسر، ورجل أفقي بفتح الهمزة والفاء إذا كان من آفاق الأرض، وبعضهم يقول: أفقي بضمهما، وهو القياس، وأنشد غير الجوهري قول الفرزدق، وهو الشاهد رقم [١١٦٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] أخذنا بآفاق السّماء عليكم... لنا قمراها والنجوم الطوالع ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: من لطيف الصنعة، وبديع الحكمة؛ حتى سبيل البول، والغائط، فإن الإنسان يأكل، ويشرب في مكان واحد، ويتميز ذلك من مكانين. وبديع صنعته، وحكمته في

стр. 5640

عينيه؛ اللتين هما قطرة ماء ينظر بهما من السماء إلى الأرض مسيرة خمسمئة عام. وفي أذنيه اللتين يفرق بهما بين الأصوات المختلفة. وغير ذلك من بديع حكمة الله فيه. وقيل: ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من كونهم نطفا إلى غير ذلك من انتقال أحوالهم، كما تقدّم بيانه في سورة (المؤمنون). انتهى. قرطبي. لذا فقد قال تعالى في سورة (الذاريات): ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾. ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ:﴾ الضمير للقرآن، أو للرسول ﷺ ، أو للتوحيد، أو لله. هذا؛ ويقال: تبين الشيء، وبان، وأبان، واستبان كله بمعنى واحد، وهو لازم، وقد يستعمل بعضها متعديا. ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ أي: أولم يحصل الكفاية بربك. ﴿أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ المعنى: أولم يكفك: أنّه تعالى على كل شيء شهيد محقق له، فيحقق أمرك بإظهار الآيات الموعودة، كما حقق سائر الأشياء. أو المعنى: مطلع، فيعلم حالك، وحالهم، ويستوي عنده تعالى الغيب، والشهادة، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات، ولا في الأرض. هذا؛ والفعل: «كفى» في قوله تعالى: ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ ونحوه بمعنى: اكتف، فالباء زائدة في الفاعل عند الجمهور، وهو لازم، لا ينصب المفعول به، ومضارعه مثله، كما في هذه الآية التي نحن بصدد شرحها، وأمّا إذا كان بمعنى: جزى، وأغنى، فيكون متعديا لواحد، وإذا كان بمعنى: وقى، فإنّه يكون متعديا لمفعولين. كما في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ رقم [٢٥] من سورة (الأحزاب). هذا؛ واعتبر بعض العلماء في الآية الكريمة إشارة دقيقة إلى بعض العلوم الكونية؛ التي سبق إليها القرآن قبل أن يكتشفها العلم الحديث، ثم عدم تعارضه مع ما يكتشفه العلم من نظريات علمية حديثة. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الناحية من نواحي الإعجاز بقوله جلّ شأنه: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا..﴾. إلخ. قال محمد علي الصابوني: ومع اعتقادنا بأن القرآن العظيم ليس كتاب طبيعة، أو هندسة، أو فيزياء، وإنما هو كتاب هداية، وإرشاد، وكتاب تشريع، وإصلاح، ولكن مع ذلك لم تخل آياته من الإشارات الدقيقة، والحقائق الخفية إلى بعض المسائل الطبيعية والطبية، والجغرافية مما يدل على إعجاز القرآن، وكونه وحيا من عند الله، فمن المقطوع به: أن محمدا ﷺ كان أميا، لا يقرأ، ولا يكتب، وأنه نشأ في بيئة بعيدة عن مظاهر الحياة؛ حيث لم تكن علوم، ولا معارف، ولا مدارس تقرأ فيها العلوم الكونية؛ لأنّ قومه، وعشيرته كانوا أميين، ومع ذلك فإن النظريات العلمية التي أشار إليها القرآن لم تكن معلومة في عصره، ولم يكتشف العلم أسرارها، إلا منذ زمن قريب، وذلك من أصدق البراهين على أنّ هذا القرآن ليس من تأليف محمد ﷺ كما يزعم بعض المستشرقين، إنما هو وحي من الله أنزله على قلب سيد المرسلين بلسان عربي مبين. انتهى.

стр. 5641

الإعراب: ﴿سَنُرِيهِمْ:﴾ السين: حرف تسويف، واستقبال. (نريهم): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء في محل نصب مفعول به أول. ﴿آياتِنا:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿فِي الْآفاقِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿آياتِنا﴾. ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يَتَبَيَّنَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة بعد: ﴿حَتّى﴾. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿الْحَقُّ:﴾ خبرها، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل: ﴿يَتَبَيَّنَ﴾. و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل (نريهم) وهما مفعوله الثالث. ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الواو: عاطفة على محذوف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكْفِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها. ﴿بِرَبِّكَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (ربك): فاعل: ﴿يَكْفِ﴾ مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: ألم يغنهم، ولم يكفهم ربك. والباء مزيدة للتوكيد، ولا تكاد تزاد بالفاعل إلا مع كفى. والكلام كله مستأنف لا محلّ له. ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿شَهِيدٌ:﴾ بعدهما، و ﴿كُلِّ:﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿شَهِيدٌ:﴾ خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر. وفيه وجهان: أحدهما: أنّه بدل من: (ربك)، بدل كل من كل. وفي الشهاب: إنه بدل اشتمال، فيكون مرفوع المحل مجرور اللفظ كمتبوعه. والثاني: أن الأصل: بأنه، ثم حذف الجار، فجرى الخلاف. هذا؛ وأجيز أن يكون هذا المصدر هو الفاعل، وأن ﴿بِرَبِّكَ﴾ هو المفعول. انتهى. جمل نقلا عن السمين. أقول: وهذا الأخير ضعيف، وغير مشهور. هذا؛ وقرئ بكسر همزة «(إنه)» على إضمار قول قبلها، أو على الاستئناف. وهذا أرجح، وأقوى. ﴿أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)﴾ الشرح: ﴿أَلا إِنَّهُمْ﴾ أي: كفار قريش. ﴿فِي مِرْيَةٍ:﴾ في شك. ﴿مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ أي: يوم القيامة؛ أي: أنهم يشكون في يوم القيامة الذي يلاقون فيه ربهم، ويجازيهم فيه على أعمالهم؛ التي اقترفوها في الدنيا، ولهذا لا يتفكرون فيه، ولا يعملون له، وهو كائن لا محالة، وواقع لا

стр. 5642

ريب فيه. ﴿أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ:﴾ عالم بمجمل الأشياء، وتفاصيلها، مقتدر عليها، لا يفوته شيء منها. وقال الخطابي: هو الذي أحاطت قدرته بجميع خلقه، وهو الذي أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا. وهذا الاسم أكثر ما يجيء في معرض الوعيد، وحقيقته: الإحاطة بكل شيء، واستئصال المحاط به، وأصله: (محيط)، نقلت حركة الياء إلى الحاء قبلها؛ لأنّ الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة. هذا؛ وإذا كان يائيا فسكنت الياء؛ يقال: أحاط، يحيط إحاطة، وحيطة، ومن ذلك حائط الدار، وأحاطت الخيل بفلان: إذا أخذ مأخذا حاصرا من كل جهة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾. والله أعلم بصواب ذلك. انتهى. قرطبي بتصرف. الإعراب: ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه، واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿فِي مِرْيَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبرها، والجملة الاسمية ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب. ﴿مِنْ لِقاءِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿مِرْيَةٍ،﴾ و ﴿لِقاءِ:﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَلا:﴾ مثل سابقتها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿بِكُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿مُحِيطٌ﴾ بعدهما، و (كل): مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مُحِيطٌ:﴾ خبر (إنّ)، والجملة الاسمية ابتدائية، لا محلّ لها مثل سابقتها. تأمّل، وتدبّر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (فصلت السجدة) بحمد الله وتوفيقه، تفسيرا وإعرابا. والحمد لله ربّ العالمين.

стр. 5643

﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ سورة الشّورى سورة (الشورى) وتسمى سورة (عسق) وسورة (حم عسق) وهي مكية في قول ابن عباس، والجمهور، وحكي عن ابن عباس-﵄: إلاّ أربع آيات نزلت بالمدينة أولها: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى..﴾. وهي ثلاث وخمسون آية، وثمانمئة وستون كلمة، وثلاثة آلاف وخمسمئة، وثمانية وثمانون حرفا. والله أعلم. انتهى. خازن بحروفه. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) عسق (٢)﴾ الشرح: قال عبد المؤمن: سألت الحسين بن الفضل: لم قطع حروف ﴿حم﴾ من: ﴿عسق﴾ ولم تقطع ﴿كهيعص﴾ و ﴿المر﴾ و ﴿المص؟﴾ فقال: لأنّها بين سور أوائلها ﴿حم﴾ فجرت مجرى نظائرها، قبلها، وبعدها، فكأنّ ﴿حم﴾ مبتدأ، و ﴿عسق﴾ خبره، ولأنها عدت آيتين، وعدت أخواتها التي لم تقطع آية واحدة. وقيل: لأنّ أهل التأويل لم يختلفوا في ﴿كهيعص﴾ وأخواتها: أنّها حروف التهجي. وقيل: كتبت ﴿حم (١) عسق﴾ منفصلا، و ﴿كهيعص﴾ متصلا؛ لأنّه قيل: معنى ﴿حم﴾ فعل؛ أي: حمّ ما هو كائن، ففصلوا بين ما يقدر فيه فعل، وبين ما لا يقدر، ثم لو فصل هذا، ووصل ذا؛ لجاز. وقال ابن عباس-﵄: ح: حلمه، م: مجده، ع: علمه، س: سناه، ق: قدرته؛ أقسم الله بها. وقيل: هذا في شأن محمد ﷺ ، فالحاء: حوضه المورود، والميم: ملكه الممدود، والعين: عزه الموجود، والسين: سناه المشهود، والقاف: قيامه في المقام المحمود، وقربه في الكرامة من الملك المعبود. وقال ابن عباس-﵄: ليس من نبي صاحب كتاب إلا وقد أوحي إليه: ﴿حم (١) عسق﴾ فلذلك قال تعالى: ﴿كَذلِكَ يُوحِي..﴾. إلخ. هذا؛ وذكر القشيري-واللفظ للثعلبي-: أنّ النبي ﷺ ، لما نزلت هذه الآية عرفت الكآبة في وجهه، فقيل له: يا رسول الله! ما أحزنك؟ قال: «أخبرت ببلايا تنزل بأمتي من خسف، وقذف، ونار تحشرهم، وريح تقذفهم في البحر، وآيات متتابعات متصلات بنزول عيسى، وخروج الدجال». والله أعلم. انتهى. ما تقدم من الخازن، والقرطبي. هذا؛ وانظر ما ذكرته في أول سورة (غافر) بشأن الحواميم. هذا؛ ومن الضلال المبين ما قيل في تفسير ﴿حم (١) عسق﴾

стр. 5644

حيث قيل: الحاء: حرب عليّ، ومعاوية، والميم: ولاية بني مروان، والعين: ولاية العباسيين، والسين: ولاية السفيانيين، والقاف: القدوة بالمهدي إلى غير ذلك من الضلال. الإعراب: ﴿حم:﴾ مبتدأ. ﴿عسق:﴾ خبره، وإن اعتبرتهما اسما مركبا، فقل في إعرابه ما رأيته في أول سورة (غافر) والله ولي التوفيق. ﴿كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾ الشرح: أي: كما أنزل إليك هذا القرآن؛ كذلك أنزل على الأنبياء قبلك مثله. ﴿وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: وإلى الرسل الذين كانوا قبلك. وقيل: معناه: كذلك نوحي إليك أخبار الغيب كما أوحينا إلى الذين من قبلك. ﴿اللهُ الْعَزِيزُ:﴾ في ملكه، القوي في سلطانه، ﴿الْحَكِيمُ:﴾ في صنعه. الإعراب: ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه، وجر، و (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف أيضا، عامله ما بعده، التقدير: يوحي إليك، وإلى الذين من قبلك إيحاء كائنا مثل ذلك الإيحاء. هذا؛ وقيل: إن ﴿كَذلِكَ﴾ مبتدأ، خبره الجملة الفعلية بعده، وهذا يعني: أنّ الكاف اسما بمعنى: مثل، فهو مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وهو مضاف، و (ذا) في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿يُوحِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَإِلَى الَّذِينَ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والكاف في محل جرّ بالإضافة. ﴿اللهُ:﴾ فاعل: ﴿يُوحِي،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها، أو في محل رفع خبر المبتدأ على نحو ما رأيت سابقا. ﴿الْعَزِيزُ:﴾ بدل من لفظ الجلالة. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ بدل ثان. وقيل: هما صفتان للفظ الجلالة، والأول أقوى. هذا؛ ويقرأ: «(يوحى)» بفتح الحاء، وعليه فالجار والمجرور: ﴿إِلَيْكَ﴾ في محل رفع نائب فاعله، ويجوز أن يكون نائب الفاعل ضميرا مستترا التقدير: يوحى إليك القرآن، الذي تضمنته هذه السورة، ويكون لفظ الجلالة مرفوعا بفعل محذوف، التقدير: يوحيه الله إليك، على مثال ما رأيت في سورة (النور) رقم [٣٦]. وأنشد سيبويه قول الحارث بن ضرار النهشلي، وهو الشاهد رقم [١٠٤٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] ليبك يزيد ضارع لخصومة... ومختبط ممّا تطيح الطّوائح فقال: ليبك يزيد، ثم بين من ينبغي أن يبكيه، فالمعنى يبكيه ضارع. ويجوز أن يكون مبتدأ، والخبر محذوفا، كأنّه قال: الله يوحيه. وضعفه ابن هشام في المغني. أو على تقدير إضمار

стр. 5645

مبتدأ؛ أي: الموحي الله. وقواه ابن هشام في المغني. أو يكون مبتدأ، والخبر ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. انتهى. قرطبي. وجوّز مكي اعتبار الاسمين الكريمين صفتين للفظ الجلالة، والخبر الجملة الاسمية في الآية التالية. وهذا كلّه على تقدير سؤال سائل. تأمّل. ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)﴾ الشرح أي: إنّ جميع الموجودات في السموات، والأرض من أفلاك، وكواكب في السموات، وما على الأرض من جبال، وأنهار، وبحار؛ فكل ذلك ملك لله تعالى، وفي تصرفه، وعنه نشأ، ومنه بدأ، لا يشركه فيه أحد. وما يملكه العبد في هذه الدنيا الفانية؛ فإنّما هو ملك له في الظاهر، قد منحه الله له؛ ليتمتع به على سبيل الوكالة، والأمانة، فويل لمن قصّر في الوكالة، وخان في الأمانة. وقيل: معناه: إنّ خزائنه المطر، والرزق بيد الله، ولا يملكها أحد سواه. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ:﴾ هو كقوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ،﴾ ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. الإعراب: ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): معطوفة على ما قبلها عطف مفرد على مفرد، وإن اعتبرتها مبتدأ، والخبر محذوفا، لدلالة ما قبله عليه؛ فالعطف يكون عطف جملة على جملة. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَهُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ:﴾ خبران للضمير، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير المجرور باللام؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير. ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ الشرح: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ:﴾ قال ابن عباس-﵄: أي: تكاد كل واحدة منها تنفطر فوق التي تليها من قول المشركين: ﴿اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً﴾ رقم [١١٦] من سورة (البقرة)، وسورة (مريم) [٩٠ و ٩١]: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً﴾. وقال الضحاك، والسّدي: أي: يتشققن من عظمة الله، وجلاله فوقهن. وقيل: ﴿فَوْقِهِنَّ﴾ فوق الأرضين من خشية الله؛ لو كنّ مما يعقل. هذا؛ وقرئ:

стр. 5646

﴿تَكادُ﴾ بالتاء، والياء، و ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ بالنون من الانفطار، وهو التشقق، كقوله تعالى في سورة (الانفطار) الآية رقم [١]: ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ،﴾ وقال تعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ سورة (المزمل) الآية رقم [١٨]. هذا؛ ومعنى: ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ أي: يبتدئ الانفطار من جهتهن الفوقانية، وكان القياس أن يقال: يتفطرن من تحتهن من الجهة التي جاءت منها كلمة الكفر؛ لأنّها جاءت من الذين تحت السموات، ولكنه بولغ في ذلك، فجعلت مؤثرة في جهة الفوق، كأنه قيل: يكدن ينفطرن من الجهة التي فوقهن؛ دع الجهة التي تحتهن. وقيل: ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ من فوق الأرض، فالكناية راجعة إلى الأرض؛ لأنّه بمعنى: الأرضين. وقيل: يتشققن لكثرة ما على السموات من الملائكة، قال ﵊: «أطّت السماء أطّا، وحقّ لها أن تئطّ، ما فيها موضع قدم؛ إلاّ وعليه ملك قائم، أو راكع، أو ساجد». انتهى. نسفي. وقال الجمل نقلا عن السمين: في هذا الضمير ثلاثة أوجه: أحدها: أنّه عائد على السموات؛ أي: يبتدأ انفطارهن من هذه الجهة. والثاني: أنّه عائد على الأرضين؛ لتقدم ذكر الأرض قبل ذلك. الثالث: أنّه عائد على فرق الكفار، والجماعات الملحدين. قاله الأخفش الصغير. انتهى. ﴿وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي: ينزهونه عمّا لا يليق بجلاله، ويذكرون الله بمجامع الثناء من صفات الجلال، والإكرام، وجعل التسبيح أصلا، والحمد حالا؛ لأنّ الحمد مقتضى حالهم دون التسبيح، والتحميد: هو الاعتراف بأنّه هو المنعم على الإطلاق. ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: من المؤمنين دون الكافرين بدليل قوله تعالى في سورة (غافر) رقم [٧]: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ إذا فالآية هنا عموم يراد به الخصوص؛ لأنّ الكافر لا يستحق أن تستغفر له الملائكة. وقيل: يحتمل أن يكون لجميع من في الأرض، أما في حق الكافرين، فبواسطة طلب الإيمان لهم، ويحتمل أن يكون المراد من الاستغفار ألاّ يعاجلهم بالعقاب، وأمّا في حق المؤمنين؛ فبالتجاوز عن سيئاتهم. وقيل: استغفارهم لمن في الأرض هو سؤال الرزق لهم، فيدخل فيه المؤمن، والكافر. وقال مطرف بن عبد الله: وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة، ووجدنا أغش عباد الله لعباد الله الشياطين. ﴿أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ:﴾ يعني: أنّه تعالى يعطي المغفرة؛ التي سألوها، ويضم إليها بمنّه، وكرمه الرحمة العامة الشاملة. وانظر شرح الملائكة في الآية رقم [٤٣] من سورة (الأحزاب). الإعراب: ﴿تَكادُ:﴾ فعل مضارع ناقص يرفع الاسم، وينصب الخبر. ﴿السَّماواتُ:﴾ اسم ﴿تَكادُ﴾. ﴿يَتَفَطَّرْنَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون، ونون النسوة فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿تَكادُ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جرّ بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿وَالْمَلائِكَةُ:﴾

стр. 5647

الواو: حرف استئناف. (الملائكة): مبتدأ. ﴿يُسَبِّحُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿بِحَمْدِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة؛ أي: ملتبسين بحمد. قال الثعلبي: والعرب تدخل الباء أحيانا على التسبيح، وتحذفها أحيانا، قال تعالى في سورة (الواقعة): ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ وقال في سورة (الأعلى): ﴿*سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و (حمد): مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالْمَلائِكَةُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ:﴾ مضارع، وفاعله. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: يستغفرون للذي يوجد في الأرض، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه، واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل لا محل له، أو هو مبتدأ. ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ:﴾ خبران ل: ﴿إِنَّ﴾ على اعتبار الضمير فصلا، وخبران للضمير على اعتباره مبتدأ، وتكون الجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ وجملة: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، أو مستأنفة. ﴿وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ:﴾ جعلوا لله شركاء، وأندادا في العبادة، وهي الأصنام؛ التي اتخذوها آلهة، وعبدوها. ﴿اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: رقيب على أحوالهم، وأعمالهم، لا يفوته منها شيء، وهو محاسبهم، ومجازيهم عليها، لا رقيب عليهم إلاّ هو وحده. ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: يا محمد بموكل بهم، ولا مفوض إليك أمرهم، ولا قسرهم على الإيمان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ رقم [٧] من سورة (الرعد). وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ رقم [٤٠] منها. و ﴿اللهُ﴾ علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به؛ أجاب، وإذا سئل به؛ أعطى، وإنّما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به؛ لتخلّف شروط الإجابة؛ التي أعظمها أكل الحلال. ولم يسمّ به أحد سواه، قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: هل أحد تسمى الله غير الله؟! وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين وثلاثمئة وستين موضعا. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿اِتَّخَذُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق،

стр. 5648

والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَوْلِياءَ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا». والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به ثان، والأول محذوف، التقدير: اتخذوا الأصنام أولياء من دونه. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿حَفِيظٌ:﴾ خبره. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿حَفِيظٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسمها. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿بِوَكِيلٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (وكيل): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية: ﴿وَما أَنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾ الشرح: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ أي: وكما أوحينا إليك، وإلى من قبلك هذه المعاني، كذلك أوحينا إليك قرانا عربيا بيناه بلغة العرب. وقيل: أي: أنزلنا عليك قرآنا عربيا بلسان قومك، كما أرسلنا كل رسول بلسان قومه، والمعنى واحد. انتهى. القرطبي. وانظر سورة (الزمر) رقم [٢٨] ففيها بحث جيد. ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى﴾ أي: أهل مكة. فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، و ﴿أُمَّ الْقُرى:﴾ أصل القرى، وهي مكة. وسميت بهذا الاسم إجلالا لها؛ لأنّ فيها البيت، ومقام إبراهيم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، والعرب تسمي أصل كل شيء: أمه، حتى يقال: هذه القصيدة من أمهات قصائد فلان. انتهى. صفوة التفاسير نقلا من الفخر. وفي مختصر ابن كثير: وسميت مكة: أم القرى؛ لأنّها أشرف من سائر البلاد، لأدلة كثيرة، منها: قول رسول الله ﷺ : «والله إنك لخير أرض الله، وأحبّ أرض الله إلى الله، ولولا أنّي أخرجت منك ما خرجت». أخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. انتهى. ﴿وَمَنْ حَوْلَها﴾ أي: جميع القرى التي هي متفرعة من مكة، والمراد: جميع الأمصار، والقرى الموجودة في الدنيا. ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ أي: تخوف الناس يوم القيامة؛ الذي يجمع الله فيه الأولين، والآخرين للحساب، والجزاء، أو يجمع فيه الأرواح، والأشباح، أو الأعمال، والعمال. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ:﴾

стр. 5649

لا شك في يوم الجمع بل هو متحقق الوقوع، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ رقم [٩] من سورة (التغابن). ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ أي: بعد جمعهم في الموقف للحساب، والجزاء يفرقون، فمنهم فريق يدخل الجنة، ومنهم فريق يدخل النار، كما قال تعالى في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ رقم [١٠٥] وما بعدها. وانظر سورة (الدخان) رقم [٤٠]. هذا؛ وقرئ: «(فريقا في الجنة وفريقا في السعير)» والفريق: الطائفة من الناس. والفريق: أكثر من الفرقة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كقوم، ومعشر، ونفر... إلخ. هذا؛ والسعير: النار الشديدة الاستعار؛ أي: الاحتراق، وهي واد من أودية جهنم، أو دركة من دركاتها، وطبقاتها. والسعير كزبير بصيغة المصغر: اسم صنم لبني عنزة، قال رشيد بن رميض العنزي: [الوافر] حلفت بمائرات حول عوض... وأنصاب تركن لدى السّعير فعوض عندهم صنم صغير، والسّعير صنم كبير، وخرج ابن أبي حلاس الكلبي على ناقته، فمرت به على ذلك الصنم، وقد ذبحت عنده قبيلة عنيزة، فنفرت ناقته من الصنم فأنشأ يقول: [الكامل] نفرت قلوصي من عثائر صرّعت... حول السّعير يزوره ابنا يقدم وجموع يذكر مهطعين جنابه... ما إن يحير إليهم بتكلّم قال أبو المنذر: يقدم، ويذكر ابنا عنزة، فرأى هؤلاء يطوفون حول السّعير. انتهى. بغدادي. هذا؛ وأصل الوحي: الإشارة السريعة، والوحي أيضا: الكتاب المنزل على الرسول المرسل لقومه، مثل: موسى، وعيسى، ومحمد صلّى الله عليهم وسلّم أجمعين، والوحي أيضا: الكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك، وتسخير الطير لما خلق له إلهام، والوحي إلى أم موسى إلهام، والوحي إلى النحل، وتسخيرها لما خلقها الله له إلهام أيضا، وانظر ما ذكرته في سورة (النحل) رقم [٦٨] تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك، وخذ ما يلي: فعن عائشة-﵂-قالت: إن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! كيف يأتيك الوحي؟ فقال: «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس-وهو أشدّه عليّ- فيفصم عني؛ وقد وعيت ما قال، وأحيانا يأتيني الملك رجلا، فيكلّمني، فأعي ما يقول» قالت عائشة-﵂: فلقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ﷺ ليتفصّد عرقا. أخرجه البخاري، ومسلم. وعن عبد الله بن عمرو-﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! هل تحسّ بالوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : «أسمع صلاصل، ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إليّ إلاّ ظننت أنّ نفسي تقبض». أخرجه الإمام أحمد. وخذ ما يلي:

стр. 5650

فعن عبد الله بن عمرو-﵄-قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يوم قابضا على كفه، ومعه كتابان، فقال: «أتدرون ما هذان الكتابان؟» قلنا: لا يا رسول الله! فقال للّذي في يده اليمين: «هذا كتاب من ربّ العالمين بأسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم، وعشائرهم، وعدتهم، قبل أن يستقروا نطفا في الأصلاب، وقبل أن يستقروا نطفا في الأرحام؛ إذ هم في الطينة منجدلون، فليس بزائد فيهم، ولا ناقص منهم، إجمال من الله عليهم إلى يوم القيامة». ثم قال للذي في يساره: «هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل النار، وأسماء آبائهم، وعشائرهم، وعدتهم قبل أن يستقروا نطفا في الأصلاب، وقبل أن يستقروا نطفا في الأرحام؛ إذ هم في الطينة منجدلون، فليس بزائد فيهم، ولا ناقص منهم، إجمال من الله عليهم إلى يوم القيامة». فقال عبد الله بن عمرو-﵁: ففيم العمل إذا؟ قال: «اعملوا، وسدّدوا، وقاربوا، فإنّ صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أيّ عمل» ثمّ قال: «فريق في الجنة، وفريق في السّعير، عدل من الله تعالى». أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده. انتهى. خازن بحروفه. وفي مختصر ابن كثير زيادة: «وإنّ صاحب النار يختم له بعمل أهل النار؛ وإن عمل أي عمل». ثم قال ﷺ بيده، فقبضها، ثم قال: «فرغ ربكم من العباد» ثم قال باليمنى، فنبذ بها فقال: «فريق في الجنة» ونبذ باليسرى، وقال: «فريق في السعير» أخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي. هذا؛ وأقول: انظر قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٣٠]: ﴿فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾. الإعراب: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. الكاف: اسم بمعنى: مثل مبني على الفتح في محل نصب مفعول به مقدّم للفعل بعد، وهذا على اعتبار الإشارة عائدة إلى معنى الآية المتقدمة، أو الكاف في محل نصب مفعول مطلق للفعل بعده على اعتبار الإشارة عائدة إلى مصدر: ﴿أَوْحَيْنا،﴾ والكاف مضاف، واسم الإشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿أَوْحَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قُرْآناً:﴾ حال من المفعول به؛ أي: أوحيناه إليك، وهو قرآن عربي، وهذا على اعتبار الكاف مفعولا، وأمّا على اعتبارها مفعولا مطلقا، ف: ﴿قُرْآناً﴾ مفعول به. ﴿عَرَبِيًّا:﴾ صفة: ﴿قُرْآناً﴾. ﴿لِتُنْذِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿أُمَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْقُرى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على: ﴿أُمَّ الْقُرى،﴾ وانظر تقدير المضاف في الشرح. ﴿حَوْلَها:﴾ ظرف مكان متعلّق بمحذوف صلة الموصول. و (ها): في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر

стр. 5651

باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿أَوْحَيْنا،﴾ والجملة الفعلية لا محلّ لها على الوجهين المعتبرين بالواو. ﴿وَتُنْذِرَ:﴾ الواو: حرف عطف. (تنذر): معطوف على سابقه منصوب مثله، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿يَوْمَ:﴾ هذا هو المفعول الثاني، والأول محذوف، التقدير: وتنذر الناس عذاب يوم الجمع، فحذف المفعول الأول من الإنذار الثاني، كما حذف المفعول الثاني من الإنذار الأول، تقديره: لتنذر أهل أم القرى العذاب. انتهى. جمل نقلا من السمين. و ﴿يَوْمَ:﴾ مضاف، و ﴿الْجَمْعِ﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿رَيْبَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لا،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿يَوْمَ الْجَمْعِ،﴾ والرابط: الضمير فقط. هذا؛ وأجيز اعتبارها مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿فَرِيقٌ:﴾ مبتدأ، جوز الابتداء به التفصيل، والتقسيم. ﴿فِي الْجَنَّةِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. هذا؛ وأجيز اعتبار الخبر محذوفا، التقدير: منهم فريق، كما أجيز اعتبار: ﴿فَرِيقٌ﴾ خبرا لمبتدأ محذوف، التقدير: هم-أي: المجموعون-فريق، وعلى هذين الوجهين يكون الجار والمجرور: ﴿فِي الْجَنَّةِ﴾ متعلقين بمحذوف صفة: ﴿فَرِيقٌ﴾. هذا؛ وعلى قراءته بالنصب فهو حال. هذا؛ وعلى قراءة النصب، فالكسائي قال: التقدير: لتنذر فريقا في الجنة، وفريقا في السعير. وقال الزمخشري، وتبعه البيضاوي: منصوب على الحال من: «هم» أي: وتنذر يوم جمعهم متفرقين بمعنى: مشارفين للتفرق، أو متفرقين في داري الثواب، والعقاب. انتهى. بيضاوي. وقول الكسائي أحق بالاعتبار، وهو قول الفراء أيضا، وعلى قراءة الرفع فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٨)﴾ الشرح: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي: أهل دين واحد، إما على الهداية، أو على الضلالة، ولكنه تعالى فاوت بينهم، فهدى من يشاء إلى الحق، وأضلّ من يشاء عنه، وله الحكمة البالغة، والحجة الواضحة، لا يسأل عمّا يفعل، وهم يسألون. هذا؛ وقال تعالى في سورة (هود) رقم [١١٨ و ١١٩]: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ وهو فحوى قوله تعالى هنا: ﴿وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ أي: بالهداية للإيمان، والتوفيق للطاعة. ﴿وَالظّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ أي: يدعهم بغير ولي يتولى أمورهم، وشؤونهم، وليس لهم نصير ينصرهم من عذاب الله تعالى، بل يكلهم إلى شياطينهم يتلاعبون بهم. هذا؛ و ﴿شاءَ﴾ مضارعه: يشاء، لم يرد له أمر، ولا ل: «أراد» فيما أعلم، فهما ناقصا التصرف، وأصل شاء: شيء على وزن فعل بكسر العين، بدليل شئت شيئا، وقد قلبت الياء ألفا

стр. 5652

لتحركها وانفتاح ما قبلها، وقد كثر حذف مفعوله، وحذف مفعول: «أراد» حتى لا يكاد ينطق به إلاّ في الشيء المستغرب، مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا﴾ وقال الشاعر الخزيمي: [الطويل] فلو شئت أن أبكي دما لبكيته... عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع وقيد بعضهم حذف مفعول هذين الفعلين بعد: «لو» وليس كذلك. أما ﴿أُمَّةً﴾ فهي بمعنى: الجماعة، ولا واحد لها من لفظها، وتكون واحدا إذا كان ممن يقتدى به كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلّهِ﴾ والأمة: الطريقة، والملة في الدين، كقوله تعالى حكاية عن قول المشركين: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ الآية رقم [٢٢] من سورة (الزخرف) وبها فسرت الآية رقم [٩٢] من سورة (الأنبياء): ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ وقال النابغة الذبياني من قصيدة يخاطب بها النعمان بن المنذر، ويعتذر له مما وشى به الواشون: [الطويل] حلفت فلم أترك لنفسك ريبة... وهل يأثمن ذو أمّة وهو طائع؟ وكل جنس من الحيوان أمة، كقوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ﴾ والأمة: الحين والوقت، كقوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعد وقت، وحين. هذا؛ والولي: من يتولى شؤون غيره. والنصير: المعين، والمساعد. والفرق بينهما: أنّ الولي قد يضعف عن النصرة، والمعاونة، والنصير قد يكون أجنبيا من المنصور، فبينهما عموم، وخصوص من وجه. هذا؛ والولي لله: العارف بالله تعالى على حسب ما يمكن، المواظب على الطاعات، المعرض عن الانهماك في اللذات، والشهوات. وفيه وجهان: أحدهما: أنّه فعيل بمعنى: مفعول، كقتيل بمعنى: مقتول، وجريح بمعنى: مجروح، فعلى هذا هو: من يتولى الله رعايته، وحفظه، فلا يكله إلى غيره، ونفسه لحظة، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾. والوجه الثاني: أنّه فعيل مبالغة من فاعل، كرحيم، وعليم، بمعنى: راحم، وعالم، فعلى هذا هو: من يتولى عبادة الله تعالى من غير أن يتخللها عصيان، أو فتور، وكلا المعنيين شرط في الولاية، فمن شرط الولي أن يكون محفوظا، كما أنّ من شرط النبي أن يكون معصوما، فكل من كان للشرع عليه اعتراض فليس بولي، بل هو مغرور مخادع. ذكره الإمام أبو القاسم القشيري، وغيره من أئمة الطريقة، رحمهم الله تعالى. انتهى. من شرح ألفاظ: «الزبد» للشيخ أحمد بن حجازي الفشني، -رحمه الله تعالى-هذا؛ وربنا يقول في الحديث القدسي: «من عادى لي وليا؛ فقد آذنته بالحرب». الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعوله الأول. ﴿أُمَّةً:﴾ مفعول به ثان. ﴿واحِدَةً:﴾ صفة: ﴿أُمَّةً،﴾

стр. 5653

والجملة الفعلية جواب (لو) لا محلّ لها، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿يُدْخِلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: يدخل الذي يشاؤه. ﴿فِي رَحْمَتِهِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿يُدْخِلُ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: ﴿وَلكِنْ يُدْخِلُ..﴾. إلخ معطوفة على جواب (لو) لا محلّ لها مثله. وقيل: في محل نصب حال. ولا وجه له. ﴿وَالظّالِمُونَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الظالمون): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿لَجَعَلَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿وَلِيٍّ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالظّالِمُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي. ﴿نَصِيرٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩)﴾ الشرح: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾ أي: بل اتخذ الكفار من دون الله أعوانا، وأنصارا، هي الحجارة؛ التي يعبدونها، ويقدسونها، ويعظمونها. ﴿فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ أي: وليك يا محمد، وولي من اتبعك، واهتدى بهديك، لا ولي سواه، وكفى بالله وليا، وناصرا، ومعينا. ﴿وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى:﴾ يوم القيامة. ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾ وغيره من الأولياء لا يقدر على شيء. فهو كالتقرير لكونه حقيقا بالولاية. هذا؛ و (دون) بمعنى: «غير» و «سوى» هنا، وأصله من الدنو، وهو القرب، ومنه تدوين الكتب؛ لأنّه إدناء؛ أي: تقريب البعض من البعض، ثم استعير للرتب، فيقال: زيد دون عمرو؛ أي: في الشرف، والسيادة، وعلو المنزلة، ثم اتسع فيه، فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد. هذا؛ ويأتي «دون» بمعنى: «قدّام» قال الشاعر: [الطويل] تريك القذى من دونها وهي دونه... إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق هذا؛ ومثله: «أدنى» وألفه منقلبة عن واو؛ لأنّه من: دنا، يدنو: إذا قرب. وله معنيان: أحدهما: أنّ المعنى ما تقرب قيمته بخساسته، ويسهل تحصيله. والثاني أن يكون بمعنى: القريب منكم، لكونه في الدنيا، والذي هو خير ما كان من امتثال أوامر الله تعالى؛ لأنّ نفعه

стр. 5654

متأخر إلى الآخرة، خذ قوله تعالى لليهود اللؤماء حكاية عن قول موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ رقم [٦١] من سورة (البقرة). وقيل: الألف مبدلة من: همزة؛ لأنّه مأخوذ من: دنؤ، يدنؤ، فهو دنيء، والمصدر: الدناءة، وهو من الشيء الخسيس، فأبدلت الهمزة ألفا. وقيل: أصله: أدون من الشيء الدون، فأخرت الواو، فانقلبت ألفا، فوزنه الآن: أفلع. انتهى. عكبري في غير هذا الموضع. الإعراب: ﴿أَمِ:﴾ حرف عطف بمعنى: «بل» الانتقالية. ﴿اِتَّخَذُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَوْلِياءَ،﴾ كان صفة له، فلما قدّم عليه صار حالا. انظر الآية رقم [٦]. وقيل: الجار والمجرور في محلّ المفعول الثاني. وهو ضعيف. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿فَاللهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (الله): مبتدأ. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ ثان. ﴿الْوَلِيُّ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، وإن اعتبرت الضمير فصلا، فالولي خبر لفظ الجلالة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. نقله الجمل عن كرخي. هذا؛ واعتبر الزمخشري الفاء الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: إن أرادوا أولياء بحق؛ فالله هو الولي، وهو قول ابن هشام في المغني. قال أبو حيان: لا حاجة إلى هذا التقدير لتمام الكلام بدونه. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف عطف. (هو): مبتدأ. ﴿يُحْيِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى الضمير. ﴿الْمَوْتى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف عطف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَمَا اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠)﴾ الشرح: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ:﴾ قال القرطبي: هذا حكاية قول الرسول ﷺ للمؤمنين؛ أي: وما خالفكم فيه الكفار من أهل الكتاب، والمشركين من أمر الدين؛ فقولوا لهم: حكمه إلى الله لا إليكم، وقد حكم: أن الدين هو الإسلام لا غيره. وأمور الشرائع إنّما تتلقّى من بيان الله، وبيان الرسول ﷺ . فهو كقوله جلّ وعلا: ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾. ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي﴾ أي: الموصوف بهذه الصفات هو ربي وحده يحيي الموتى، ويحكم بين

стр. 5655

المختلفين في أمور الدين، فيثيب المطيع يوم القيامة، ويعاقب المسيء. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: اعتمدت عليه في جميع أموري، وأحوالي. ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ:﴾ أرجع في أموري كلها إلى الله. هذا؛ والتوكل: تفويض الإنسان الأمر إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه وضره. وقالوا: المتوكل: من إن دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية لله تعالى. فعلى هذا إذا وقع الإنسان في محنة، ثم سأل غيره خلاصه منها، لم يخرج عن حدّ التوكل؛ لأنّه لم يحاول دفع ما نزل به عن نفسه بمعصيته الله تعالى، وإنّما هو من تعاطي الأسباب في دفع المحنة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَمَا:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِخْتَلَفْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان به. ﴿مِنْ شَيْءٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور ب: (في) والعائد على (ما)، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿فَحُكْمُهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (حكمه): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) اسما موصولا مبتدأ؛ فالجملة الفعلية: ﴿اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ صلتها، والجملة الاسمية: ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ﴾ خبرها، واقترن الخبر بالفاء؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، وعلى الاعتبارين فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿ذلِكُمُ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿اللهِ:﴾ عطف بيان، أو بدل من اسم الإشارة. ﴿رَبِّي:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ ويجوز أن يكون ﴿اللهِ﴾ الخبر، و ﴿رَبِّي:﴾ خبر ثان، أو بدل، أو يكون صفة لله تعالى، و ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ الخبر. انتهى. عكبري. هذا، وقال الجمل: ﴿ذلِكُمُ:﴾ مبتدأ. ﴿اللهِ:﴾ خبر أول. ﴿رَبِّي:﴾ خبر ثان. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ:﴾ ثالث. ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ:﴾ رابع. ﴿فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ خامس. ﴿جَعَلَ لَكُمْ:﴾ سادس. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ:﴾ سابع. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ:﴾ ثامن. ﴿لَهُ مَقالِيدُ..﴾. إلخ: تاسع. ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ..﴾. إلخ: عاشر. ﴿شَرَعَ لَكُمْ..﴾. إلخ: حادي عشر. انتهى. نقلا عن شيخه، وهذا يتناقض مع حرف العطف في بعض الجمل لفظا، وإن سلم معنى. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تَوَكَّلْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿وَإِلَيْهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿أُنِيبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.

стр. 5656

﴿فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشرح: ﴿فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خالقهما، ومبتدعهما على غير مثال سبق. هذا؛ والفطر: الشق عن الشيء، يقال: فطرته، فانفطر، قال تعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ ومنه فطر ناب البعير: طلع، فهو بعير فاطر. وتفطر الشيء: تشقق، وسيف فطار؛ أي: فيه تشقق. قال عنترة: [الوافر] وسيفي كالعقيقة فهو كمعي... سلاحي لا أفلّ ولا فطارا وكمعي: ضجيعي. العقيقة: شعاع البرق الذي يبدو كالسيف. والفطر: الاختراع، والابتداع، والابتداء. قال ابن عباس-﵄: كنت لا أدري ما ﴿فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها؛ أي: أنا ابتدأتها. والفطر: حلب الناقة بالسبابة والإبهام، وانظر الآية رقم [٣] من سورة (الملك). والمراد بذكر السموات والأرض: العالم كله، ويستدل بهذا على أنّ من قدر على الابتداء؛ قدر على الإعادة. وقرئ ﴿فاطِرُ﴾ بالرفع، والجر، ويجوز نصبه في العربية. وانظر الإعراب. ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً:﴾ قال القرطبي: قيل معناه: إناثا، وإنّما قال: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ لأنّه خلق حواء من ضلع آدم. وقال مجاهد: نسلا بعد نسل. انتهى. وقال الجمل: روي عن جعفر الصادق-رحمه الله تعالى-: أنّه قال: كان أول من سجد لآدم جبريل، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم عزرائيل، ثم الملائكة المقربون. وعن ابن عباس-﵄-قال: كان السجود يوم الجمعة من الزوال إلى العصر، ثم خلق له حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى، وهو نائم، وسميت حواء؛ لأنّها خلقت من حي، فلما استيقظ، ورآها؛ سكن، ومال إليها، ومدّ يده لها، فقالت الملائكة: مه يا آدم! قال: ولم؛ وقد خلقها الله لي؟ فقالوا: حتى تؤدي مهرها، قال: وما مهرها؟ قالوا: حتى تصلي على محمد ثلاث مرات. وذكر ابن الجوزي: أنّه لما رام آدم القرب منها؛ طلبت منه المهر، فقال: يا رب! وماذا أعطيها؟ فقال: يا آدم! صلّ على حبيبي محمد بن عبد الله عشرين مرة. ففعل. انتهى. مواهب. فلما فعل آدم ما أمر به خطب الله خطبة النكاح، ثم قال: اشهدوا يا ملائكتي، وحملة عرشي: أنّي زوجت أمتي حواء من عبدي آدم، انتهى. شارحها. وانظر ما ذكرته في سورة (الزمر) رقم [٦] ففيها فضل زيادة. ﴿وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً﴾ أي: وخلق للأنعام من جنسها أزواجا، أو خلق لكم من الأنعام أصنافا، أو: ذكورا، وإناثا، والمراد: الثمانية؛ التي ذكرها الله في سورة (الأنعام) رقم [١٤٣] و [١٤٤] أي: ذكور الإبل، والبقر، والضأن، والمعز، وإناثها. وأزواج: جمع: زوج، وهو يطلق

стр. 5657

على الرجل، والمرأة. والقرينة تبين الذكر، والأنثى. ويقال لها أيضا: زوجة، وحذف التاء منها أفصح إلاّ في الفرائض، فإنّها بالتاء أفصح؛ لتوضيح الوارث. هذا؛ والزوج: القرين. قال تعالى: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ أي: وقرناءهم، الآية رقم [٢٢] من سورة (الصافات) والزوج: ضد الفرد، وكل واحد منهما يسمى زوجا أيضا، يقال للاثنين: هما زوجان، وهما زوج، كما يقال: هما سيان، وهما سواء، وقال تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي: من كل نوع ذكرا وأنثى، الآية رقم [٤٠] من سورة (هود)، وقال تعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ..﴾. إلخ الآية رقم [١٤٣] من سورة (الأنعام). والمعنى: ثمانية أفراد، والزوج الصنف والنوع، قال تعالى في سورة (لقمان) رقم [١٠]: ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ أي: صنف من النبات. وقال تعالى في سورة (الحج) رقم [٥]: ﴿فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. هذا؛ والأنعام: جمع: نعم، وهو يشمل المأكول من الإبل، والبقر، والغنم، والماعز. ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ أي: يخلقكم وينشئكم في الرحم، ولم يتقدم له ذكر، وقال البيضاوي: أي: في هذا التدبير، وهو جعل الناس، والأنعام أزواجا، يكون بينهم التوالد، وقال أيضا: ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يكثركم، من: الذرء، وهو البث، وفي معناه الذر، وضمير الخطاب للناس، والأنعام على تغليب المخاطبين العقلاء، وهو قول ابن هشام في المغني. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ:﴾ قيل: إن الكاف زائدة للتوكيد؛ أي: ليس مثله شيء، ومثله قول خطام المجاشعي وهو الشاهد رقم [٣٢٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الرجز] وغير ودّ جاذل أو ودّين... وصاليات ككما يؤثفين فأدخل على الكاف كافا تأكيدا للتشبيه. وقيل: المثل: زائدة للتوكيد. وهو قول ثعلب: أي: ليس كهو شيء، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ رقم [١٣٧] من سورة (البقرة) قال أوس بن حجر: [المتقارب] وقتلى كمثل جذوع النخي... ل يغشاهم مطر منهمر أي: كجذوع. والذي يعتقد في هذا الباب: أنّ الله جلّ اسمه في عظمته، وكبريائه، وملكوته، وحسنى أسمائه، وعليّ صفاته لا يشبه شيئا من مخلوقاته، ولا يشبّه به، وإنّما جاء مما أطلقه الشرع على الخالق والمخلوق، فلا تشابه بينهما في المعنى الحقيقي؛ إذ صفات القديم جلّ وعزّ بخلاف صفات المخلوق؛ إذ صفاتهم لا تنفكّ عن الأغراض، والأعراض، وهو تعالى منزه عن ذلك، بل لم يزل بأسمائه، وبصفاته. وقد قال بعض العلماء المحققين: التوحيد إثبات ذات غير مشبهة للذوات، ولا معطلة من الصفات. وزاد الواسطي-رحمه الله تعالى-بيانا، فقال: ليس كذاته ذات، ولا كاسمه اسم، ولا كفعله فعل، ولا كصفته صفة إلاّ من جهة موافقة

стр. 5658

اللفظ، وجلّت الذات القديمة أن يكون لها صفة حديثة، كما استحال أن يكون للذات المحدثة صفة قديمة، وهذا كله مذهب أهل الحق، والسنة، والجماعة-﵃. انتهى. قرطبي. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ:﴾ لأقوال العباد. ﴿الْبَصِيرُ:﴾ بأعمالهم، وحركاتهم، وسكناتهم، وانظر شرح (مثل) في الآية رقم [١٥] من سورة (يس). الإعراب: ﴿فاطِرُ:﴾ بالرفع: خبر آخر لاسم الإشارة: ﴿ذلِكُمُ،﴾ أو مبتدأ خبره ما بعده. وقال مكي: هو نعت لله جلّ ذكره، أو على إضمار مبتدأ؛ أي: هو فاطر. ويقرأ بالجر على أنّه بدل من الضمير المجرور ب: (إلى) و (على). وقال مكي: وأجاز الكسائي: (فاطر السموات) بالنصب على النداء. وقال غيره: على المدح. انتهى. أي: هو منصوب بفعل محذوف، تقديره: أمدح فاطر، و ﴿فاطِرُ﴾ مضاف، و ﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل مستتر فيه، تقديره: «هو» يعود إلى الله، وهو متعدّ لواحد فقط؛ لأنّه بمعنى: خلق. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَزْواجاً،﴾ كان صفة له، على مثال ما رأيت في الآية رقم [٦]، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق، وجملة: ﴿جَعَلَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر سادس ل: ﴿ذلِكُمُ﴾ على وجه مرّ ذكره، أو في محلّ رفع خبر ﴿فاطِرُ﴾ على اعتباره مبتدأ، أو هي مستأنفة على نصب: ﴿فاطِرُ﴾ وجره. ﴿يَذْرَؤُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ والكاف مفعول به. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل (جعل) المستتر، والرابط: الضمير فقط. وقيل: الجملة في محل نصب صفة: ﴿أَزْواجاً﴾ وضعفه ظاهر. ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿كَمِثْلِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لَيْسَ﴾ مقدم، وانظر الشرح، وما قيل في الكاف، و (مثل): مضاف، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿شَيْءٌ:﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، والجملة الفعلية، يقال فيها ما قيل بجملة: ﴿جَعَلَ..﴾. إلخ. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال، ﴿وَهُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿السَّمِيعُ الْبَصِيرُ:﴾ خبران له، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)﴾ الشرح: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: مفاتيح خزائن السموات والأرض، واحدها: مقلاد، مثل: مفتاح. وقيل: جمع: إقليد على غير قياس. وقيل: هو فارسي معرب، قال الراجز: [الرجز]

стр. 5659

لم يؤذها الدّيك بصوت تغريد... ولم يعالج غلقها بإقليد أو هو جمع: مقليد، مثل: منديل، ومناديل. وعلى جميع الاعتبارات في الكلام استعارة بديعة، نحو قولك: بيد فلان مفتاح الأمر، وليس ثمّ مفتاح، وإنّما هو عبارة عن شدّة تمكّنه من ذلك الشيء. والمعنى: أنّ الله تعالى مالك أمر السموات، والأرض، وحافظها، ومدبّر أمرها. وعن عثمان بن عفان-﵁-أنّه سأل رسول الله ﷺ عن تفسير قوله تعالى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فقال: «يا عثمان! ما سألني عنها أحد قبلك، تفسيرها: لا إله إلاّ الله، والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، بيده الخير يحيي ويميت، وهو على كلّ شيء قدير». والمعنى على هذا: أنّ لله هذه الكلمات يوحّد بها، ويمجّد، وهي مفاتيح خير السموات والأرض، من تكلّم بها؛ فقد أصابه، هذا؛ وقيل: مقاليد السموات: خزائن الرحمة، والرزق، والمطر، ومقاليد الأرض: ما يخرج منها من نبات. ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ:﴾ يغني، ويوسع الرزق، ويعطي المال من يشاء التوسيع عليه. ﴿وَيَقْدِرُ:﴾ يضيق الرزق، ويقلّله على من يشاء من عباده، وله الحكمة التامة البالغة، والحجة القاطعة الدامغة، ولذا قال جلّ ذكره في سورة (الإسراء) رقم [٣٠]: ﴿إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ أي: ذو خبرة بعباده، وبمن يصلحه التوسيع في الرزق، ومن يفسده ذلك، وبمن يصلحه الضيق والإقتار في الرزق، ومن يهلكه ذلك، وهو ذو بصر ومعرفة بتدبير عباده، وسياستهم، فمن العباد من لا يصلح له إلاّ الغنى، ولو أفقره؛ لفسد، ومنهم من لا يصلح له إلاّ الفقر، ولو أغناه؛ لفسد. قال الله تعالى في الحديث القدسي: «إن من عبادي من لا يصلحه إلاّ الغنى، ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه، وإن من عبادي من لا يصلحه إلاّ الفقر، ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه». كذا ذكره ابن كثير عن أنس مرفوعا. هذا؛ وبين: ﴿يَبْسُطُ﴾ و (يقدر) مقابلة، ومطابقة، وهي من المحسنات البديعية، وانظر الآية [٢٧]. وينبغي لكل عاقل أن يعلم: أنّ سعة الرزق قد تكون مكرا، واستدراجا، وتقتيره رفعة، وإعظاما، ويوقن: أنّ المال هو إعطاء الله للعبد، لا علاقة له بقوة الأجسام، ولا بشدة الفهم، وحدة الذكاء، ورحم الله الإمام الشافعي؛ إذ يقول: [الوافر] تموت الأسد في الغابات جوعا... ولحم الضّأن تأكله الكلاب وقال: [البسيط] كم من قويّ قويّ في تقلّبه... مهذّب الرأي: عنه الرزق منحرف كم من ضعيف ضعيف في تقلبه... كأنّه من خليج البحر يغترف هذا دليل على أنّ الإله له... في الخلق سرّ خفيّ ليس ينكشف

стр. 5660

وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: تلقى ضعيف القوة، قليل الحيلة، عيي اللسان؛ وهو موسع عليه في الرزق، وتلقى شديد الحيلة، بسيط اللسان، وهو مقتر عليه في الرزق، ورحم الله الشافعي إذ يقول: [الكامل] ومن الدليل على القضاء وكونه... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: علمه تعالى محيط بكل شيء، فهو واسع العلم، يعلم إذا كان الغنى خيرا للعبد، أو الفقر خيرا له، سبحانه لا يعزب عن علمه شيء في السموات والأرض. الإعراب: ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿مَقالِيدُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية يجوز فيها ما جاز بجملة: ﴿جَعَلَ لَكُمْ..﴾. إلخ. ﴿يَبْسُطُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾. ﴿الرِّزْقَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا باللام، والرابط: الضمير فقط، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠] من اعتبارها خبرا ل: ﴿ذلِكُمُ﴾. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: للذي، أو: لشخص يشاء التوسيع عليه. ﴿وَيَقْدِرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يَبْسُطُ..﴾. إلخ. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿بِكُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿عَلِيمٌ،﴾ و (كل): مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للبسط، والتقتير. ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ الشرح: ﴿شَرَعَ لَكُمْ:﴾ بيّن، وأظهر لكم الذي له مقاليد السموات والأرض. ﴿مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى:﴾ إنّما خصّ هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر؛ لأنّهم أكابر الأنبياء، وأصحاب الشرائع المعظمة، والأتباع الكثيرة، وأولو العزم. ثم فسر المشروع الذي اشترك فيه هؤلاء الأعلام، من رسله بقوله تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾. والمراد: بإقامة الدين: هو توحيد الله، والإيمان به، وبكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وطاعة الله في أوامره، ونواهيه، وسائر ما يكون به الرجل مسلما، ولم يرد الشرائع التي هي مصالح الأمم على حسب أحوالها، فإنّها مختلفة متفاوتة. قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً﴾ رقم [٤٨] من سورة (المائدة). وقيل: أراد تحليل الحلال، وتحريم الحرام.

стр. 5661

وقيل: تحريم الأمهات، والبنات، والأخوات، فإنّه مجمع على تحريمهن. وقيل: لم يبعث الله نبيا إلاّ وصاه بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإقرار لله تعالى بالوحدانية، والطاعة. فكان المعنى:، أوصيناك يا محمد بما أوصينا به نوحا، وإبراهيم، وموسى، وعيسى في الأصول التي لا تختلف فيها الشرائع، وهي: التوحيد، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والتقرب إلى الله بصالح الأعمال، والطاعات التي تهذب القلب، والجوارح، والصدق، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وصلة الأرحام، وتحريم الكفر، والقتل، والزنى، والإذاية للخلق، فهذا كله مشروع دينا واحدا، وملة واحدة، لم تختلف على ألسنة الأنبياء، وإن اختلفت أعدادهم، وأزمانهم، وأماكنهم. واختلفت الشرائع وراء هذا في معان حسبما أراده الله مما اقتضت المصلحة، وأوجبت الحكمة وضعه في الأزمنة على الأمم. والمراد: فروع الشرائع، وهو فحوى قول الرسول ﷺ : «الأنبياء بنو علاّت» وفي رواية أخرى: «نحن معشر الأنبياء، أولاد علاّت ديننا واحد». وفحوى هذا: أنّ الأصل، وهو الأب واحد، واختلاف الأمهات يعني: اختلاف فروع الشرائع. وفي الحديث استعارة ظاهرة لا خفاء فيها. وانظر الإعراب يظهر المعنى، أوضح. فائدة: الرسل الخمسة المذكورون في هذه الآية هم أصحاب الشرائع المعظمة المستقلة المتجددة، فكل واحد منهم له شرع جديد، ومن عداهم من الرسل إنّما كان يبعث بتبليغ شرع من قبله، فشيث، وإدريس بعثا بتبليغ شرع آدم. ومن بين نوح وإبراهيم، وهما هود وصالح بعثا بتبليغ شرع نوح، ومن بين إبراهيم وموسى بعثوا بتبليغ شرع إبراهيم. ومن بين موسى، وعيسى بعثوا بتبليغ شرع موسى. وأمّا آدم فكان شرعه تنبيها على بعض الأمور، واقتصارا على ضرورات المعاش، وأخذا بوظائف الحياة، والبقاء، واستمرّ ذلك إلى نوح، فبعثه الله بتحريم الأمهات، والبنات، والأخوات، ووظّف عليه الواجبات، وأوضح له الآداب، والديانات، ولم يزل ذلك يتأكد بالرسل، ويتناصر بالأنبياء-صلوات الله، وسلامه عليهم-واحدا بعد واحد، وشريعة إثر شريعة، حتى ختمها الله بخير الملل ملتنا، على لسان أكرم الرسل نبينا محمد ﷺ . انتهى. جمل. والرسل المذكورون في هذه الآية هم أولو العزم، وسموا بذلك؛ لأنّهم تحمّلوا المشاق أكثر من غيرهم، وصبروا على ما نالهم من إيذاء قومهم بعد أن تصدّوا لهدايتهم. وقد جمعهم بعضهم بقوله: [الطويل] محمد إبراهيم موسى كليمه... فعيسى فنوح هم أولو العزم والعلم ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ أي: عظم، وشقّ عليهم ما تدعوهم إليه من التوحيد، وعبادة الله تعالى، ورفض عبادة الأوثان. ﴿اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ﴾ أي: يصطفي، ويختار لدينه، وتوحيده وعبادته من يشاء من عباده. ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ أي: يوفق لما ذكر من

стр. 5662

رجع إلى الله بالتوبة والإنابة، وأقبل عليه بالعبادة والطاعة. هذا؛ وانظر شرح ﴿الدِّينِ﴾ في سورة (الصافات) رقم [٢٠]، وانظر التعبير ب: (أوصينا) ونحوه في سورة (يس) رقم [٥٠]. وفي الآية الكريمة التفات من الغيبة إلى التكلم. انظر الالتفات في سورة (الصافات) رقم [١٣٧] فإنّه جيد. وانظر (الوحي) في الآية رقم [٧]. الإعراب: ﴿شَرَعَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ تقديره: «هو». ﴿لَكُمْ مِنَ الدِّينِ:﴾ كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: ﴿مِنَ الدِّينِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال. ولا وجه له. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. وقد رأيت فيما سبق جواز اعتبارها خبرا عاشرا لقوله: ﴿ذلِكُمُ﴾ في الآية رقم [١٠]. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. هذا؛ وإن علقت: ﴿مِنَ الدِّينِ﴾ بمحذوف مفعول به؛ التقدير: بين الله لكم، وسنّ طريقا واضحا من الدين؛ فتكون ﴿ما﴾ مفسرة للمفعول المحذوف، و (من) بيان للمفسّر، والمفسّر جميعا. ﴿وَصّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى الله. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿نُوحاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها. ﴿وَالَّذِي:﴾ الواو: حرف عطف. (الذي): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على: ﴿ما﴾. ﴿أَوْحَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: الذي أوحيناه إليك. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب أيضا، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء. ﴿أَنْ:﴾ حرف تفسير؛ لأنّها سبقت بجملة فيها معنى القول دون حروفه، وأجيز اعتبارها مصدرية. ﴿أَقِيمُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها على اعتبار: ﴿أَنْ﴾ تفسيرية، وتؤول مع: ﴿أَنْ﴾ بمصدر على اعتبارها مصدرية، وهذا المصدر المؤول في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو إقامة الدين، وتكون هذه الجملة مفسرة لجملة: ﴿وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ..﴾. إلخ. وأجيز اعتبار المصدر المؤول بدلا من الموصول، فيكون في محل نصب، أو بدلا من: ﴿الدِّينِ﴾ فيكون في محل جر. وفي أبي السعود: ومحل: ﴿أَنْ أَقِيمُوا﴾ إمّا النصب على أنّه بدل من مفعول ﴿شَرَعَ،﴾ والمعطوفين عليه، أو الرفع على أنّه جواب عن سؤال نشأ من إبهام المشروع، كأنّه قيل: وما ذاك؟ فقيل: هو إقامة الدين. وقيل: هو بدل من ضمير: ﴿بِهِ﴾ وليس بذاك؛ لأنّه مع إفضائه إلى خروجه من حيّز الإيحاء إلى النبي ﷺ ، مستلزم لكون الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ للأنبياء المذكورين، عليهم الصلاة، والسّلام، وتوجيه النهي إلى أممهم تمحل ظاهر، مع أنّ الظاهر: أنّه متوجه إلى أمته ﷺ ، وأنهم المتفرقون، كما ستحيط به خبرا. انتهى. جمل. ﴿الدِّينِ:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَتَفَرَّقُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا)

стр. 5663

الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على جميع الاعتبارات فيها. ﴿كَبُرَ:﴾ فعل ماض. ﴿عَلَى الْمُشْرِكِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع فاعل: ﴿كَبُرَ﴾. ﴿تَدْعُوهُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا ب: (إلى). ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَجْتَبِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبره. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف. التقدير: يجتبي إليه الذي، أو شخصا يشاء اجتباءه. ﴿وَيَهْدِي:﴾ الواو: حرف عطف. (يهدي): مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان به. ﴿مِنَ:﴾ مفعول به. ﴿يُنِيبُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مِنَ﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة له، أو صفة له، وجملة: ﴿وَيَهْدِي..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَما تَفَرَّقُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)﴾ الشرح: ﴿وَما تَفَرَّقُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ..﴾. إلخ: هذا شروع في بيان حال أهل الكتاب عقيب الإشارة الإجمالية إلى أحوال أهل الشرك، وقال القرطبي: قال ابن عباس-﵄: يعني قريشا. ﴿إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ أي: محمد ﷺ ، وكانوا يتمنون أن يبعث إليهم نبي. دليله: قوله تعالى في سورة (فاطر) رقم [٤٢]: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ..﴾. إلخ يريد نبيا. وقيل: أمم الأنبياء المتقدمين، فإنّهم فيما بينهم اختلفوا لما طال بهم المدى، فآمن قوم، وكفر قوم. وقال ابن عباس أيضا: يعني: أهل الكتاب، دليله في سورة (البينة) قوله تعالى: ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ فالمشركون قالوا: لم خصّ بالنبوة؟! واليهود حسدوه لما بعث، وكذا النصارى. ﴿بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ أي: بغيا من بعضهم على بعض طلبا للرياسة، فليس تفرقهم لقصور في البيان، والحجج، ولكن للبغي، والظلم، والاشتغال بالدنيا. انتهى. قرطبي. وأيضا: البغي: الظلم، والعدوان، والحسد، والعناد، والطغيان.

стр. 5664

﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: في تأخير عذاب الاستئصال عن هؤلاء، وهي كلمة الإنظار، والإمهال بتأخير تعذيب المجرمين إلى يوم القيامة، فإنّه يوم الفصل والجزاء. ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى:﴾ هو يوم القيامة، أو آخر أعمارهم المقدرة لهم في الدنيا. ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بإنزال ما يستحقه المجرم والمكذب من العذاب ليتميز به عن المحق. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ أي: وإن قومك يا محمد لفي شك من القرآن موقع في الريبة، لتبلد عقولهم، وعمى أبصارهم. هذا؛ وقيل: إن الكلمة التي سبقت هي قوله تعالى في الحديث القدسي: «سبقت رحمتي غضبي». ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ﴾ أي: التوراة، والإنجيل، وهم اليهود، والنصارى؛ أي: الذين كانوا في عهد النبي ﷺ . ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ من بعد المختلفين الأولين في الحق، أو المراد: كفار قريش الذين أورثوا القرآن من بعد اليهود، والنصارى. ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ أي: من محمد ﷺ ، أو من القرآن، وعلى كلا الوجهين فالشك هنا ليس على معناه المشهور من اعتدال النقيضين، وتساويهما في الذهن، بل المراد به ما هو أعم؛ أي: مطلق التردد. انتهى. جمل نقلا من كرخي. أمّا الريب فهو: الشك، تقول: رابني هذا الأمر، أي: أوقعني في شك، وحقيقة الريبة قلق النفس، واضطرابها، قال الرسول ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». تنبيه: في (كلمة) ثلاث لغات: الأولى: كلمة على وزن: نبقة، وهي الفصحى، ولغة أهل الحجاز، وبه نطق القرآن الكريم في آيات كثيرة، وجمعها: كلم، كنبق. والثانية: كلمة على وزن: سدرة، وجمعها: كلم كسدر. والثالثة: كلمة على وزن: تمرة، وجمعها: كلم، كتمر. وهما لغتا تميم. وكذلك كل ما كان على وزن فعل، نحو كبد، وكتف، فإنّه يجوز فيه اللغات الثلاث، فإن كان الوسط حرف حلق جاز فيه لغة رابعة، وهي إتباع الأول للثاني في الكسر، نحو فخذ وشهد، وهي في الأصل: قول مفرد، مثل: محمد، ومحمود، وقام، وقعد، وفي ولن. وقد تطلق على الجمل المفيدة، كما في قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٥]: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ﴾ وقال النبي ﷺ : «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد»: [الطويل] ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل... وكلّ نعيم لا محالة زائل المراد ب: «كلمة» الشطر الأول بكامله. وتقول: قال فلان كلمة، والمراد: بها: كلام كثير، وهو شائع، ومستعمل عربية في القديم، والحديث، وانظر شرح (قضي) في سورة (فصلت) [١٢]. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿تَفَرَّقُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في المعنى في محل نصب على الاستثناء في أعم الأحوال. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿جاءَهُمُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿الْعِلْمُ:﴾ فاعله.

стр. 5665

﴿بَغْياً:﴾ مفعول لأجله، وقيل: حال بمعنى: باغين. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلّق بالمصدر بغيا، والهاء في محل جر بالإضافة، و ﴿ما﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة: ﴿بَعْدِ﴾ إليه، التقدير: إلاّ من بعد مجيء العلم إليهم. ﴿وَلَوْلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لولا): حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط. ﴿كَلِمَةٌ:﴾ مبتدأ. ﴿سَبَقَتْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿كَلِمَةٌ،﴾ والتاء للتأنيث، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿كَلِمَةٌ﴾. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِلى أَجَلٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل: ﴿سَبَقَتْ؛﴾ أي: ممتدة إلى أجل. ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة ﴿أَجَلٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، وخبر المبتدأ محذوف، التقدير: موجودة، والجملة الاسمية: «كلمة... موجودة» لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية. ﴿لَقُضِيَ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لولا). (قضي): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، على أنّه نائب فاعله. وقيل: نائب الفاعل يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، التقدير: قضي القضاء، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٤] من سورة (سبأ)، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، والشبه بينهما شديد وقوي، وجملة: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ جواب (لولا)، لا محلّ لها، و (لولا) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿أُورِثُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لَفِي:﴾ اللام: هي المزحلقة. (في شك): متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان ب: ﴿شَكٍّ﴾ لأنّه مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف صفته. ﴿مُرِيبٍ:﴾ صفة: ﴿شَكٍّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاِسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)﴾ الشرح: ﴿فَلِذلِكَ:﴾ فلأجل ذلك التفرق، أو لأجل ذلك الكتاب، أو لأجل ذلك العلم، الذي أوتيته يا محمد! ﴿فَادْعُ﴾ أي: إلى الاتفاق على الملة الحنيفية؛ التي بعثك الله بها،

стр. 5666

وأيّدك، ونصرك من أجلها، أو الاتباع لما أوتيته. وعلى هذا يجوز أن تكون اللام في موضع «إلى» لإفادة الصلة، والتعليل. انتهى. بيضاوي بتصرف. ﴿وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ:﴾ لما بيّن الله أمر المختلفين في التوحيد، والنبوة، وأطنب في شرح الوعد، والوعيد؛ أمر رسوله ﷺ بالاستقامة مثل ما أمر بها، بلا إفراط، ولا تفريط، وهي تشمل العقائد، والأعمال، والأخلاق، فإنّها في العقائد: اجتناب التشبيه، والتعطيل. وفي الأعمال: الاحتراز عن الزيادة، والنقصان، والتغيير، والتبديل. وفي الأخلاق: التباعد عن طرفي الإفراط، والتفريط. وهذا في غاية العسر، ولذلك قال الرسول ﷺ : «شيّبتني سورة هود». لأنّ هذه الجملة مذكورة فيها برقم [١١٢]. وانظر (الاستقامة) في سورة (فصلت) رقم [٣٠]. ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ:﴾ الباطلة المختلفة، وما اختلقوه، وكذبوه، وافتروه من عبادة الأوثان. وقل يا محمد: ﴿آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ﴾ أي: بجميع الكتب السماوية؛ التي أنزلها الله على رسله، لا كالكافرين الذين آمنوا ببعض، وكفروا ببعض، كما حكى الله عنهم قولهم في سورة (النساء) رقم [١٥٠]: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (١٥٠) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا﴾. ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ أي: أمرني ربي بأن أعدل بينكم في الحكم؛ إذا تحاكمتم إليّ، وتخاصمتم في شيء من الأشياء، فأنا مأمور بأن أحكم بينكم في العدل في جميع الأحوال، والأعمال، والشؤون، ولا أحيف على أحد منكم بأكثر مما يستحق. ﴿اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ:﴾ خالقنا، وخالقكم، ورازقنا، ورازقكم، ويتولى جميع أمورنا، وأموركم، فيجب أن نخصه بالعبادة، والطاعة، والإنابة. ﴿لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ﴾ أي: لنا جزاء أعمالنا، ولكم جزاء أعمالكم من خير، وشر، لا نستفيد من حسناتكم، ولا نتضرر من سيئاتكم. قال ابن كثير: هذا تبرؤ منهم؛ أي: نحن براء منكم، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ رقم [٤١] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وقوله تعالى في سورة (الكافرون): ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ:﴾ لا حجاج بمعنى: لا خصومة بيننا، وبينكم؛ إذا الحق ظهر، ولم يبق للمحاجة مجال، ولا للخلاف مبدأ سوى العناد. ﴿اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا:﴾ يوم القيامة، فيفصل بيننا، وينتقم لنا منكم، وهذه محاجزة ومتاركة بعد ظهور الحق، وقيام الحجة، والإلزام، قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: كيف حوجزوا؟ وقد فعل بهم بعد ذلك ما فعل من القتل، وتخريب البيوت، وقطع النخيل، والإجلاء؟! قلت: المراد محاجزتهم في مواقف المقاولة، لا المقاتلة. انتهى. ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ:﴾ المرجع والماب، فيجازي كلا بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشرّ.

стр. 5667

الإعراب: ﴿فَلِذلِكَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لذلك) جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب. ﴿فَادْعُ:﴾ الفاء: زائدة، وقيل: تأكيد للأولى. وليس بشيء. (ادع): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. هذا؛ وإن اعتبرت الفاء الفصيحة، والجملة لا محلّ لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان الشك واقعا منهم، وجزاء كل من الفريقين: المؤمن، والصالح لا بد منه؛ فادع إلى الاتفاق على الملة الحنيفية... إلخ؛ فلست مفندا. ﴿كَما﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿أُمِرْتَ:﴾ ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، و (ما) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، والتقدير: استقم استقامة كائنة مثل أمر الله لك بها، أو التقدير: مثل التي أمرت بها. فتكون (ما) موصولة اسمية. وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنّما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال، من المصدر المفهوم من الفعل المتقدم. وإنّما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأنّ حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلاّ في مواضع محصورة، وليس هذا منها. وجملة: ﴿وَاسْتَقِمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَتَّبِعْ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا)، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت». ﴿أَهْواءَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿وَقُلْ:﴾ الواو: حرف عطف. (قل): فعل أمر، وفاعله تقديره: «أنت». ﴿آمَنْتُ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء أنزله الله. ﴿مِنْ كُتُبٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في: (ما)، وجملة: ﴿وَقُلْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿وَأُمِرْتُ:﴾ الواو: واو الحال. (أمرت): ماض ونائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من تاء الفاعل ب: ﴿آمَنْتُ،﴾ والرابط: الضمير، والواو معا. ﴿لِأَعْدِلَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، و «أن» المضمرة، والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. هذا؛ وإن اعتبرت اللام صلة بدلا من: «أن» فحينئذ تؤول مع الفعل بمصدر في محل نصب مفعول به ثان، التقدير: أمرت أن أعدل. ﴿بَيْنَكُمُ:﴾ ظرف مكان متعلّق بالفعل قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿رَبُّنا:﴾ خبره. ﴿وَرَبُّكُمْ:﴾ معطوف عليه. و (نا) والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله. وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا

стр. 5668

محلّ لها. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَعْمالُنا:﴾ مبتدأ مؤخر، و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَلَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَعْمالُكُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿حُجَّةَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿بَيْنَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر: ﴿لا﴾. ﴿وَبَيْنَكُمُ:﴾ معطوف على ما قبله، و (نا)، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿لا حُجَّةَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَجْمَعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿بَيْنَنا:﴾ ظرف مكان متعلّق بما قبله، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿وَإِلَيْهِ:﴾ الواو: حرف عطف. (إليه): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمَصِيرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل: ﴿يَجْمَعُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. تنبيه: جاء في مختصر ابن كثير ما يلي: اشتملت هذه الآية الكريمة على عشر كلمات مستقلات، كل منها منفصلة عن التي قبلها، حكم برأسها. قالوا: ولا نظير لها سوى آية الكرسي فإنّها أيضا عشرة فصول كهذه. انظرها برقم [٢٥٥] من سورة (البقرة). ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما اُسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (١٦)﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ:﴾ المراد بهم: المشركون. ﴿بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ:﴾ قال مجاهد: من بعد ما أسلم الناس. قال: وهؤلاء قد توهموا: أنّ الجاهلية تعود. وقال قتادة: الذين يحاجون في الله هم اليهود، والنصارى. ومحاجتهم قولهم: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، وكانوا يرون لأنفسهم الفضيلة بأنهم أهل كتاب، وأنهم أولاد الأنبياء. هذا؛ والضمير راجع إلى الرسول ﷺ المعلوم من السياق الدال عليه الفعل. وفي البيضاوي: من بعدما استجاب له الناس، ودخلوا في دين الله، أو من بعدما استجاب الله لنبيه، فأظهر دينه، وأيده بنصره في غزوة بدر. انتهى. بتصرف. ﴿حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: لا ثبات لها كالشيء الذي يزلّ عن موضعه، يقال: دحضت حجته دحوضا: بطلت، وأدحضها الله. والإدحاض: الإزلاق. ومكان دحض ودحض: أي: زلق، ودحضت رجله، تدحض دحضا: زلقت، ودحضت الشمس عن كبد السماء: زالت. هذا؛ وسماها الله حجة، وإن كانت شبهة؛ لزعمهم أنّها حجة، وفيها استعارة واضحة. ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ:﴾ شديد من ربهم. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ أي: موجع في الآخرة.

стр. 5669

عن أبي أسماء: أنّه دخل على أبي ذر-﵁-وهو بالربذة، وعند امرأة سوداء مسغبة ليس عليها أثر المحاسن، ولا الخلوق، فقال: ألا تنظرون إلى ما تأمرني به هذه السويداء؟ تأمرني أن آتي العراق، فإذا أتيت العراق مالوا عليّ بدنياهم، وإن خليلي ﷺ عهد إليّ أن دون جسر جهنم طريقا ذا دحض، ومزلّة، وإنا إن نأت عليه، وفي أحمالنا اقتدار، واضطهار أحرى أن ننجو من أن نأتي عليه؛ ونحن مواقير؛ أي: مثقلون خائفون. أخرجه الإمام أحمد. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية: ﴿يُحَاجُّونَ فِي اللهِ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿اُسْتُجِيبَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿اللهِ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعله، و ﴿ما﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة: ﴿بَعْدِ﴾ إليه، التقدير: من بعد استجابة الله له، واعتبار ﴿ما﴾ موصولة ضعيف. ﴿حُجَّتُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿داحِضَةٌ:﴾ خبره. وأغرب مكي، فقال: ﴿حُجَّتُهُمْ﴾ بدل من الذين، وهو بدل اشتمال، و ﴿داحِضَةٌ﴾ الخبر. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿داحِضَةٌ،﴾ و ﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جرّ بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿حُجَّتُهُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَعَلَيْهِمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (عليهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿غَضَبٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة؛ فلست مفندا ويكون الرابط: الواو، والضمير، والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ معطوفة عليها، على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)﴾ الشرح: ﴿اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ﴾ أي: القرآن، وسائر الكتب المنزلة من عنده على رسله؛ حيث فيها التشريع، وتبيين الحلال، والحرام، وتفصيل الأحكام. ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: ملتبسا بالحق بعيدا عن الباطل، والعبث. ﴿وَالْمِيزانَ﴾ أي: العدل، والإنصاف، سمي العدل ميزانا؛ لأنّ الميزان آلة العدل، والتسوية، وهو كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ سورة (الحديد) رقم [٢٥]. ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ:﴾ لعلّ إتيانها قريب منك، وأنت لا تدري، لذا فاعمل بالشرع، واتبع الكتاب، وواظب على العدل قبل أن يفجأك اليوم الذي توزن فيه أعمالك، وتوفى جزاءك، وقال في سورة (الأحزاب) رقم [٦٣]: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾.

стр. 5670

وسبب نزول الآية: أنّ النبي ﷺ ذكر الساعة، وعنده قوم من المشركين، فقالوا تكذيبا، واستبعادا، وكفرا، وعنادا: متى تكون الساعة؟! ووجه مناسبة اقتراب الساعة مع إنزال الكتب، والميزان: أنّ الساعة يوم الحساب، ووضع الموازين بالقسط، فكأنه قيل: أمركم بالعدل، والتسوية، والعمل الصالح، فاعملوا بالكتاب، والعدل قبل أن يفاجئكم يوم حسابكم، ووزن أعمالكم. هذا؛ وقد قال النبي ﷺ : «بعثت أنا والساعة كهاتين». وأشار إلى السبابة، والوسطى. خرجه أصحاب السنن. هذا؛ ولم يؤنث ﴿قَرِيبٌ﴾ مع كونه راجعا إلى الساعة، وذلك على تأويلها باليوم، أو بالبعث، كما قيل في قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٥٦]: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ذكّر ﴿قَرِيبٌ﴾ على تأويل الرحمة بالعفو. وذكر الفراء: أنّهم التزموا التذكير في: ﴿قَرِيبٌ﴾ إذا لم يرد قرب النسب قصدا للفرق؛ أي: بين المراد بها قرب النسب، والمراد بها غيره. وقال الكسائي: ﴿قَرِيبٌ﴾ نعت ينعت به المذكر، والمؤنث، والجمع بمعنى، ولفظ واحد. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وقال الشاعر: [الطويل] وكنّا قريبا والديار بعيدة... فلمّا وصلنا نصب أعينهم غبنا أقول: وهذا يخضع لقاعدة، وهي أنّ «فعيلا» يستوي فيه المذكر، والمؤنث، والمفرد، والمثنى، والجمع، كما في قوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾ ومثله قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٣٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] فلو أنك في يوم الرّخاء سألتني... طلاقك لم أبخل وأنت صديق فإن قيل: كيف قال في كثير من المواضع: إن الآخرة من الدنيا قريبة، وسمى الساعة قريبة، فقال: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ..﴾. إلخ، وقال: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ،﴾ وقال هنا: ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ فالجواب: أنّ الماضي كالأمس الدابر، وهو أبعد ما يكون؛ إذ لا وصول إليه، والمستقبل وإن كان بينه، وبين الحاضر سنين؛ فإنّه آت، فيوم القيامة الدنيا بعيدة منه لمضيها، ويوم القيامة في الدنيا قريب لإتيانه. انتهى. نقلا عن كرخي. هذا؛ و (ميزان) أصلها: موزان، قلبت الواو ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها. ومثله: ميعاد، وميثاق، وميراث، وميقات. هذا؛ و ﴿يُدْرِيكَ﴾ ماضيه: درى بمعنى: علم، فهو من أفعال اليقين، فينصب مفعولين، كقول الشاعر وهو الشاهد رقم [٦] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل] دريت الوفيّ العهد يا عمرو فاغتبط... فإنّ اغتباطا بالوفاء حميد وهو قليل؛ إذ الكثير المستعمل فيه أن يتعدّى إلى واحد بالباء، نحو: دريت بكذا، فإن دخلت همزة النقل عليه؛ تعدّى إلى واحد بنفسه، وإلى واحد بالباء، نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ﴾. قال شيخ الإسلام: ومحلّ ذلك إذا لم يدخل على الفعل استفهام، وإلاّ تعدّى إلى ثلاثة مفاعيل، نحو قوله تعالى في سورة (القارعة): ﴿وَما أَدْراكَ﴾

стр. 5671

﴿مَا الْقارِعَةُ﴾ فالكاف مفعول به أول، والجملة الاسمية بعده سدّت مسدّ المفعولين. انتهى. والذي في الهمع، والمغني، قيل: وهو الأوجه: أن الجملة الاسمية سدّت مسدّ المفعول الثاني المتعدى إليه بالحرف، فتكون في محلّ نصب بإسقاط الجار، كما في: فكرت: أهذا صحيح أم لا؟ أي: فكرت بما ذكره. انتهى. جرجاوي. وينبغي أن تعلم: أنّ الفعل «أدرى» هنا معلق عن العمل لفظا بوقوع ﴿لَعَلَّ﴾ بعده. والكوفيون يجرون الترجي مجرى الاستفهام في التعليق، إلاّ أن النحويين لم يعدوا لعلّ من المعلقات، والحق مع الكوفيين، وهو ظاهر في هذه الآية، وكقوله تعالى في سورة (عبس): ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى،﴾ وقوله تعالى في سورة (الأحزاب): ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾. فإن كان (درى) بمعنى: ختل؛ أي: خدع كان متعديا إلى واحد بنفسه، مثل دريت الصيد؛ أي: ختلته وخدعته، قال الأخطل التغلبي: [الطويل] فإن كنت قد أقصدتني إذ رميتني... بسهمك فالرّامي يصيد ولا يدري أي: يصيد، ولا يختل. ومثله قول الآخر: [الطويل] فإن كنت لا أدري الظباء فإنني... أدسّ لهاتحت التّراب الدّواهيا أي: لا أختل، وإن كانت بمعنى: حكّ، مثل: درى رأسه بالمدرى؛ أي: حكّ رأسه بالمشط، فهي كذلك. هذا؛ و ﴿السّاعَةَ:﴾ القيامة سميت بذلك؛ لأنّها تفجأ الإنسان بغتة في ساعة، لا يعلمها إلاّ الله ﵎. وقيل: سميت ساعة لسرعة الحساب فيها؛ لأنّ حساب الخلائق يوم القيامة يكون في ساعة، أو أقل من ذلك، قال تعالى في كثير من الآيات: ﴿إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ وانظر الآية رقم [٦١] من سورة (الزخرف). تنبيه: قال المحققون من العلماء: سبب إخفاء الساعة، ووقت قيامها عن العباد؛ ليكونوا دائما على خوف، وحذر منها؛ لأنّهم إذا لم يعلموا متى يكون ذلك الوقت؛ كانوا على وجل، وخوف منها فيكون ذلك أدعى لهم إلى الطاعة، والمسارعة إلى التوبة، وأزجر لهم عن المعصية، فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لتقومنّ الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه، ولا يطويانه، ولتقومنّ الساعة، وقد انصرف الرجل بلبن لقحته، فلا يطعمه، ولتقومنّ الساعة، وهو يليط حوضه، فلا يسقي فيه، ولتقومنّ الساعة، وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها». متفق عليه. هذا؛ وقد أخفى الله أمورا أخرى، مثل: ليلة القدر في شهر رمضان، وساعة الإجابة في يوم الجمعة؛ ليجتهد المؤمن، والمؤمنة في ليالي شهر رمضان في العبادة، وليكونا مجتهدين في الدعاء كل يوم الجمعة، وليلته، كما أخفى رضاه في الطاعة، وغضبه في المعصية، ليعمل العبد جميع الطاعات، ويكف عن جميع المعاصي. وانظر الآية رقم [٦١] من سورة (الزخرف) فهو جيد.

стр. 5672

الإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿أَنْزَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْكِتابَ﴾. ﴿وَالْمِيزانَ﴾ معطوف على: ﴿الْكِتابَ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُدْرِيكَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (ما)، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿لَعَلَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿السّاعَةَ:﴾ اسمها. ﴿قَرِيبٌ:﴾ خبرها، والجملة الاسمية في محل نصب سدّت مسدّ المفعول الثاني للفعل يدريك. ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (١٨)﴾ الشرح: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ أي: بالساعة، يستعجلونها؛ أي: يطلبون وقوعها عاجلا على طريق الاستهزاء، ظنّا منهم: أنّها غير آتية، أو إيهاما للضعفة: أنّها لا تكون. وما أكثر ما حكى القرآن عنهم: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾. هذا؛ وقال الجمل: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ أي: فلا يشفقون منها. وقوله ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها﴾ أي: فلا يستعجلونها، ففي الآية احتباك؛ حيث ذكر الاستعجال أولا، وحذف الإشفاق، وذكر الإشفاق ثانيا، وحذف الاستعجال. انتهى. نقلا من كرخي. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها﴾ أي: خائفون وجلون من وقوعها لاستقصارهم أنفسهم مع الجهد في الطاعة، كما قال تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [٦٠]: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾. ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ أي: ويعتقدون: أنّها كائنة لا محالة، فهم مستعدون لها، عاملون من أجلها؛ لذا كانوا يسألون عنها خوفا من مفاجأتها؛ فعن أنس-﵁-أنّ رجلا سأل رسول الله ﷺ : متى الساعة؟ قال: «وما أعددت لها؟». قال: لا شيء؛ إلاّ أني أحبّ الله، ورسوله. قال: «أنت مع من أحببت». قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي ﷺ «أنت مع من أحببت». قال أنس ﵁: (فأنا أحبّ النبيّ ﷺ ، وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إيّاهم). رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما. ﴿أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ:﴾ يشكون، ويخاصمون في قيام الساعة، ويجادلون في وجودها. ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أي: عن الحق، وطريق الاعتبار. و (الضلال) مصدر: «ضل» الثلاثي، والإضلال مصدر الرباعي، والأول مستعار من ضلال من أبعد في التيه ضلالا، أو هو مجاز

стр. 5673

عقلي، على حدّ: جدّ جدّه؛ لأنّ البعيد في الحقيقة إنّما هو الضال؛ لأنّه هو الذي يتباعد عن الطريق، فوصف به فعله، وانظر (الأحقاف) [٢٨]. هذا؛ و ﴿يُمارُونَ﴾ من المماراة، وهي المجادلة، والمخاصمة. وهي مذمومة إلاّ عند الضرورة القصوى، فعن أبي هريرة-﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلاّ أوتوا الجدل». ثم قرأ قوله تعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً﴾. رواه الترمذي، وابن ماجه. الإعراب: ﴿يَسْتَعْجِلُ:﴾ مضارع. ﴿بِهَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول، مبني على الفتح في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد: واو الجماعة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: واو الحال. ﴿الَّذِينَ:﴾ مبتدأ، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة له. ﴿مُشْفِقُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان به، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالباء، والرابط: الواو، والضمير، ومن يجيز عطف الجملة الاسمية على الفعلية يعطفها على ما قبلها. ﴿وَيَعْلَمُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يعلمون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿أَنَّهَا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (ها): اسمها. ﴿الْحَقُّ:﴾ خبرها، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي (يعلمون)، والجملة الفعلية معطوفة على: ﴿مُشْفِقُونَ﴾ فهي في محل رفع مثله. ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه، واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿يُمارُونَ فِي السّاعَةِ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها من الإعراب. ﴿لَفِي:﴾ اللام: المزحلقة. (في ضلال): متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿بَعِيدٍ:﴾ صفة: ﴿ضَلالٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿أَلا إِنَّ..﴾. إلخ، لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، أو مستأنفة. ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩)﴾ الشرح: ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ:﴾ في إيصال المنافع، وصرف البلاء من وجه يلطف إدراكه، أو: هو بر بليغ البر بهم، وقد توصل بره إلى جميعهم. وقيل: هو من لطف بالغوامض علمه، وعظم عن الجرائم حلمه. أو هو من ينشر المناقب، ويستر المثالب. أو يعفو عمّن يهفو. أو يعطي العبد فوق الكفاية، ويكلّفه الطاعة دون الطاقة، وعن الجنيد: لطف بأوليائه فعرفوه، ولو لطف بأعدائه ما جحدوه. وقيل: لطيف بالبر والفاجر؛ حيث لم يهلكهم جوعا بمعاصيهم، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ﴾ أي: إن الإحسان، والبر إنعام في حق كل العباد، وهو إعطاء ما لا بدّ منه. فكل من رزقه الله تعالى من مؤمن، وكافر، وذي روح، فهو ممن يشاء الله أن يرزقه.

стр. 5674

وفي القرطبي: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ﴾ أي: ويحرم من يشاء. وفي تفضيل قوم بالمال حكمة؛ ليحتاج البعض إلى البعض، كما قال تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٣٢]: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا﴾ وكان هذا لطفا بالعباد، وأيضا ليمتحن الغني بالفقير، والفقير بالغني، كما قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٢٠]: ﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾. انتهى. انظر شرحها هناك فإنّه جيد. ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ:﴾ الباهر القدرة، الغالب على كل شيء. ﴿الْعَزِيزُ:﴾ المنيع الذي لا يغلب، القاهر فوق عباده. الإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿لَطِيفٌ:﴾ خبره. ﴿بِعِبادِهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿لَطِيفٌ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَرْزُقُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يرزق الذي، أو شخصا يشاء رزقه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدأ، وفيها معنى التفسير ل: ﴿لَطِيفٌ﴾. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): مبتدأ، وما بعده خبران عنه، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل: ﴿يَرْزُقُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ الشرح: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ أي: كسب الآخرة، والمعنى: من كان يريد بعمله الآخرة، فأدّى حقوق الله، وأنفق في سبيل الله. ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ أي: فإنّما نعطيه ثواب ذلك مضاعفا، للواحد عشرا إلى سبعمئة فأكثر، قال تعالى في سورة (النساء) رقم [٤٠]: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾. وقيل: المعنى: نوفقه للعبادة، ونسهلها عليه. ﴿وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا﴾ أي: المال، والسيادة، ورياسة الدنيا، والتمتع بالمستلذات، والشهوات المباحة، والمحظورة. ﴿نُؤْتِهِ مِنْها:﴾ فإنّا لا نحرمه منها. ﴿وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ أي: لا حظّ له في الآخرة؛ أي: لا ثواب له، ولا يدخل الجنة، قال تعالى في سورة (هود) رقم [١٥]: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾. فأنت ترى: أنّ ما هنا، وما في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، قد أطلق هذا الوعد بينما هو مقيد بمشيئة الله في الآية رقم [١٨] من سورة (الإسراء): ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ..﴾. إلخ. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: والصحيح: أنّه من باب الإطلاق، والتقييد، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ﴾

стр. 5675

﴿الدّاعِ إِذا دَعانِ﴾ فهذا ظاهره خبر عن إجابة كل داع دائما على كل حال، وليس كذلك لقوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ﴾. وقال قتادة: إن الله تعالى يعطي على نية الآخرة ما شاء من أمر الدنيا، ولا يعطي على نية الدنيا إلاّ الدنيا، وقال أيضا: يقول الله تعالى: «من عمل لآخرته؛ زدناه في عمله، وأعطيناه من الدنيا ما كتبناه له، ومن آثر دنياه على آخرته؛ لم نجعل له نصيبا في الآخرة إلاّ النار، ولم يصب من الدنيا إلاّ رزقا قد قسمناه له، لا بدّ أن كان يؤتاه مع إيثار، أو غير إيثار». قرطبي. تنبيه: (الحرث) في الأصل: إلقاء البذر في الأرض، ويطلق على الزرع الحاصل منه، ويستعمل في ثمرات الأعمال، ونتائجها بطريق الاستعارة المبنية على تشبيهها بالغلال الحاصلة، من البذور، المتضمن لتشبيه الأعمال بالبذور. انتهى. نقلا من أبي السعود. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: هذه الآية تبطل مذهب أبي حنيفة في قوله: إنّه من توضأ تبردا: أنّه يجزيه عن فريضة الوضوء الموظف عليه، فإن فريضة الوضوء من حرث الآخرة، والتبرد من حرث الدنيا، فلا يدخل أحدهما على الآخر، ولا تجزي نيته عنه بظاهر هذه الآية. قاله ابن العربي. الإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى: ﴿مَنْ﴾. ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ أيضا. ﴿حَرْثَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْآخِرَةِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿كانَ﴾. ﴿نَزِدْ:﴾ مضارع جواب الشرط، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿فِي حَرْثِهِ:﴾ متعلقان به أيضا، والهاء في محل جر بالإضافة، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [١٠]. ﴿وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا﴾ إعرابه مثل سابقه. ﴿نُؤْتِهِ:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر، تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، وخبر المبتدأ مثل سابقه بلا فارق. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والكلام كلّه مستأنف لا محلّ له. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وبعضهم يجيز تعليقهما بمحذوف حال من: ﴿نَصِيبٍ﴾ على مثال ما رأيت في الآية رقم [٦]. ﴿مَنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿نَصِيبٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير.
следующие страницы →