← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

سورة (الروم) الآية رقم [٧٥]: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ وخذ قول أبي الأسود الدؤلي، وهو الشاهد رقم [٩٦٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [المتقارب] فألفيته غير مستعتب... ولا ذاكر الله إلاّ قليلا هذا؛ والاستعتاب طلب العتاب، والمعتبة: هي الغلظة والموجدة التي يجدها الإنسان في نفسه على غيره، والرجل إنما يطلب العتاب من خصمه ليزيل ما في نفسه عليه من الموجدة والغضب، ويرجع إلى الرضا عنه، وإذا لم يطلب من خصمه العتاب دل ذلك على أنه ثابت على غضبه عليه، قال النابغة الذبياني: [الطويل] فإن كنت مظلوما فعبدا ظلمته... وإن كنت ذا عتبى فمثلك يعتب هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (غافر) رقم [٥٢]: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ وفي المصباح المنير: عتب عليه عتبا من باب: ضرب، وقتل، ومعتبا أيضا: لامه في سخط، فهو عاتب. وعتّاب مبالغة، وبه سمّي، ومنه عتّاب بن أسيد الصحابي-﵁. وعاتبه معاتبة، وعتابا. قال الخليل-رحمه الله تعالى-: حقيقة العتاب مخاطبة الإدلال، ومذاكرة الموجدة. وأعتبني: الهمزة للسلب؛ أي: أزال الشكوى، والعتاب، واستعتب: طلب الإعتاب، والعتبى: الاسم من الإعتاب. انتهى. جمل من سورة (الروم). وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يتمنّ أحدكم الموت، إمّا محسنا فلعلّه يزداد، وإمّا مسيئا فلعلّه يستعتب». رواه البخاري ومسلم. قال الزمخشري في سورة (الروم): فإن قلت: كيف جعلوا غير مستعتبين في بعض الآيات، وغير معتبين في بعضها؟ قلت: أما كونهم غير مستعتبين؛ فهذا معناه؛ أي: ما تقدم، وأما كونهم غير معتبين فمعناه: أنهم غير راضين بما هم فيه، فشبهت حالهم بحال قوم جني عليهم، فهم عاتبون على الجاني، غير راضين عنه، فإن يستعتبوا الله؛ أي: يسألوه إزالة ما هم فيه، فما هم من المجابين إلى إزالته. انتهى. والله أعلم. الإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَصْبِرُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَالنّارُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (النار): مبتدأ. ﴿مَثْوىً:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مَثْوىً،﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الشرطية مستأنفة، لا محل لها.

стр. 5602

﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ مثل سابقه في إعرابه. ﴿فَما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ما): نافية. ﴿لَهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو في محل رفع اسم (ما) على اعتبارها حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿مِنَ الْمُعْتَبِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، أو في محل نصب خبر (ما) والجملة الاسمية على الاعتبارين في محل جزم جواب الشرط... إلخ، و (إن) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله. ﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (٢٥)﴾ الشرح: ﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ﴾ أي: هيأنا. وقال الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي: قدرنا لمشركي مكة. يقال: هذان ثوبان قيضان: إذا كانا متكافئين، والمقايضة: المعاوضة، وأرى: أن المعنى الأول أولى بالاعتبار، ومثله قوله تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٣٦]: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾. قال ابن كثير: يذكر الله تعالى: أنه هو الذي أضل المشركين، وأن ذلك بمشيئته، وكونه، وقدرته، وهو الحكيم في أفعاله بما قيض لهم من القرناء من شياطين الإنس، والجن. ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ:﴾ من أمر الدنيا، فحسنوه لهم؛ حتى آثروه على الآخرة، واتبعوا الشهوات. ﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ أي: من أمر الآخرة، حسنوا لهم ما بعد مماتهم، ودعوهم إلى التكذيب بأمور الآخرة: أن لا بعث، ولا حساب، ولا جزاء. وانظر ما ذكرته في سورة (غافر) رقم [٣٤] و [٣٧]. وقال الزجاج: زينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الآخرة: أنه لا بعث، ولا جنة، ولا نار، وما خلفهم من أمر الدنيا، بأن الدنيا قديمة، ولا صانع إلا الطبائع والأفلاك. قال القشيري: إذا أراد الله بعبد سوآ؛ قيض الله له إخوان سوء، وقرناء سوء يحملونه على المخالفات، ويدعونه إليها، ومن ذلك الشيطان، وأشر منه النفس، وبئس القرين يدعوه اليوم إلى ما فيه الهلاك، ويشهد عليه غدا. وإذا أراد الله بعبد خيرا؛ قيض له قرناء خير، يعينونه على الطاعة، ويحملونه عليها، ويدعونه إليها. وروي عن أنس-﵁-أن النبي ﷺ قال: «إذا أراد الله بعبده شرا، قيّض له قبل موته شيطانا، فلا يرى حسنا إلاّ قبّحه عنده، ولا قبيحا إلاّ حسّنه عنده». وعن عائشة-﵂ «إذا أراد الله بالوالي خيرا؛ جعل له وزير صدق؛ إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه، وإن أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكّره، وإن ذكر لم يعنه».

стр. 5603

وعن أبي هريرة-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «ما بعث الله من نبيّ، ولا استخلف من خليفة؛ إلاّ كانت له بطانة تأمره بالمعروف وتحضّه عليه، وبطانة تأمره بالشرّ وتحضّه عليه، والمعصوم من عصمه الله». هذا؛ ولا تنس المرأة السوء، والولد السوء، كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى في سورة التغابن رقم [١٤] و [١٥]. ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ أي: كلمة العذاب. انظر ما ذكرته في سورة (ص) رقم [٨٤ و ٨٥]. ﴿فِي أُمَمٍ:﴾ في بمعنى: «مع» فالمعنى: هم داخلون مع الأمم الكافرة قبلهم فيما دخلوا فيه. وقيل: المعنى: في جملة أمم. ومثله قول عروة بن أذينة: [المنسرح] إن تك عن أحسن الصّنيعة مأ... فوكا ففي آخرين قد أفكوا يريد: فأنت في جملة آخرين لست في ذلك بأوحد، ومعنى البيت: إن لم توفق للإحسان، فأنت في قوم قد صرفوا عن ذلك أيضا. ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: مضت قبل أهل مكة. ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ:﴾ حيث كفروا بربهم، وعملوا مثل أعمالهم، فأهلكهم الله بذنوبهم، وما كان لهم من الله من واق يقيهم نزول العذاب بهم. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ:﴾ أعمالهم في الدنيا، وأنفسهم وأهليهم يوم القيامة. الإعراب: ﴿وَقَيَّضْنا:﴾ الواو: حرف استئناف. (قيضنا): فعل، وفاعل. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿قُرَناءَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿فَزَيَّنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿أَيْدِيهِمْ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): معطوف على ما قبله. ﴿خَلْفَهُمْ:﴾ ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَحَقَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (حق): فعل ماض. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْقَوْلُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فِي أُمَمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور في: ﴿عَلَيْهِمُ﴾ أي: حق عليهم القول كائنين في جملة أمم. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَلَتْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة، والفاعل يعود إلى: ﴿أُمَمٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿أُمَمٍ﴾. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْجِنِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من:

стр. 5604

﴿أُمَمٍ﴾ بعد وصفه بما تقدم، أو بمحذوف صفة ثانية له. ﴿وَالْإِنْسِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿خاسِرِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿كانُوا خاسِرِينَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها تعليلية. ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَاِلْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾ الشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: من أهل مكة. ﴿لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ:﴾ لا تنصتوا، ولا تصغوا له. ﴿وَالْغَوْا فِيهِ:﴾ اللغو: الساقط من الكلام، الذي لا طائل تحته. قال العجاج: [الرجز] أستغفر الرحمن ذا التّعظم... من اللّغا ورفث التّكلّم والمعنى: لا تسمعوا له إذا قرئ، وتشاغلوا عند قراءته برفع الأصوات بالخرافات، والهذيان. كان بعضهم يوصي بعضا إذا رأيتم محمدا يقرأ؛ فعارضوه بالرجز، والشعر، وما أشبه ذلك؛ حتى يختلط عليه ما يقول، وتشوشوا عليه، وتغلبوه على قراءته. ﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ أي: تغلبونه على قراءته فلا يفهم ما يقول. هذا حال هؤلاء الجهلة من الكفار، ومن سلك مسلكهم عند سماع القرآن من الفجار، والفساق في هذه الأيام؛ الذين يجلسون في المقاهي على موائد الملاهي، والمشروبات، وشرب الدخان، وكذلك الذين يجلسون في المجتمعات، ويخوضون في أعراض الناس، ويتكلمون بالغيبة، والنميمة، والهذر والنذر من الكلام ومن هذا ما يحصل في المأتم، حيث تفتح المسجلات على باب المتوفى، والصوت يدوي في الطريق وفي دار المتوفى، والمعزون مشغولون بما ذكرت، فلا حول، ولا قوة إلا بالله، والله يقول في سورة (الأعراف) رقم [٢٠٣]: ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. هذا؛ و (الغوا فيه): هذه قراءة الجماعة، وهي من: لغي يلغى؛ أي: فهو يائي، وقرئ شاذا: «(والغوا فيه)» بضم الغين، وهي من: لغا يلغو؛ أي: فهو واوي. هذا؛ واللغو: ما ينبغي أن يلغى، ويطرح. خذ قوله تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٧٢] في مدح عباد الرحمن: ﴿وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً،﴾ وقوله تعالى في مدح مؤمني أهل الكتاب من سورة (القصص) رقم [٥٥]: ﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾. الإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لا تَسْمَعُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛

стр. 5605

لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿لِهذَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله في المعنى، والهاء مقحمة بين الجار والمجرور حرف لا محل له. ﴿الْقُرْآنِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿وَالْغَوْا:﴾ الواو: حرف عطف. (الغوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها، وجملة: ﴿تَغْلِبُونَ﴾ في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، وجملة: ﴿وَقالَ الَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ الشرح: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً:﴾ يجوز أن يراد بالذين كفروا هؤلاء اللاغون، والآمرون لهم باللغو خاصة، ويجوز أن يراد بهم جميع الكفار، وهو الأولى. وانظر إذاقة العذاب في الآية رقم [٣١] من سورة (الصافات). ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ:﴾ ولنعاقبنهم. ﴿أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ:﴾ والمعنى: لنجزينهم في الآخرة جزاء قبح أعمالهم؛ التي عملوها في الدنيا، وأسوأ الأعمال الشرك. وفي الجمل نقلا عن كرخي: ولنجزينهم أقبح جزاء عملهم، وهو الشرك، وذكروا: أن إضافة ﴿أَسْوَأَ﴾ ليست إضافة أفعل إلى ما أضيف إليه، لقصد الزيادة عليه، ولكن من إضافة الشيء إلى ما هو بعضه من غير تفضيل، فالمراد: سيئه؛ إذ لا يختص جزاؤهم بأسوأ عملهم. وحاصله: أن الإضافة للتخصيص، والمضاف للزيادة المطلقة. وفي هذا تعريض بمن لا يكون عند كلام الله المجيد خاضعا، خاشعا، متفكرا، متدبرا، وتهديد، ووعيد شديد لمن يصدر عنه عند سماعه ما يشوش على القارئ، ويخلط عليه القراءة، فانظر إلى عظمة القرآن المجيد، وتأمل في هذا التغليظ، والتشديد، واشهد لمن عظّمه، وأجلّ قدره، وألقى إليه السمع؛ وهو شهيد بالفوز العظيم. انتهى. بحروفه. الإعراب: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل: الفاء الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: إن استمروا على ذلك؛ فلنذيقن. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (نذيقن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف، لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿عَذاباً:﴾

стр. 5606

مفعول به ثان. ﴿شَدِيداً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المحذوف، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. (لنجزينهم): إعرابه مثل سابقه، والهاء مفعول به أول. ﴿أَسْوَأَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: الذي كانوا يعملونه. والإعراب واضح إن شاء الله تعالى. ﴿ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللهِ النّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٢٨)﴾ الشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى العذاب الشديد، وأسوأ الجزاء. ﴿أَعْداءِ اللهِ﴾ أي: وأعداء رسوله من الكافرين، والفاجرين، والفاسدين المفسدين. ﴿لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ﴾ أي: لهم في جهنم دار الإقامة، لا يخرجون منها أبدا، قال الجمل نقلا من أبي السعود: جملة مستقلة مقررة لما قبلها، والمعنى: أن النار نفسها دار الخلد، فيكون في الكلام تجريد، وهو أن ينتزع من أمر ذي صفة أمرا آخر مثله في تلك الصفة مبالغة لكماله فيها، فقد انتزع من النار دارا أخرى سماها دار الخلد. وقيل: ليس في الكلام تجريد، بل المراد: أن الدار تشتمل على دركات، فمنها واحدة بخصوصها تسمى دار الخلد، وهي في وسط النار، وهم خالدون فيها. انتهى. ﴿جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ:﴾ ينكرون الحق، أو يلغون. وذكر الجحود الذي هو سبب اللغو. قال الرازي: وسمى لغوهم بالقرآن جحودا؛ لأنهم لما علموا: أن القرآن بالغ إلى حد الإعجاز خافوا إن سمعه الناس أن يؤمنوا به، فاخترعوا تلك الطريق الفاسدة، وذلك يدل على أنهم علموا كونه معجزا، إلا أنهم جحدوه حسدا. انتهى. صفوة التفاسير. الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿جَزاءُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿أَعْداءِ:﴾ مضاف إليه، و ﴿أَعْداءِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿النّارُ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها بدل من: ﴿جَزاءُ،﴾ وفيه نظر؛ إذ البدل يحل محل المبدل منه، فيصير التقدير: ذلك النار. الثاني: أنها خبر مبتدأ مضمر. الثالث: أنها مبتدأ، والجملة الاسمية بعدها الخبر. انتهى. جمل نقلا عن السمين. ومثله في العكبري. هذا؛ وعلى الوجه الثاني فالجملة مفسرة لما قبلها، ومبينة لها. وعلى الوجه الثالث فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر آخر، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿دارُ:﴾ مبتدأ مؤخر، و ﴿دارُ﴾ مضاف، و ﴿الْخُلْدِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿النّارُ﴾ على اعتبارها مبتدأ، ومستأنفة، أو في محل نصب حال من: ﴿النّارُ﴾ على الوجه الأول والثاني فيها. والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.

стр. 5607

﴿جَزاءُ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه منصوب بفعل مقدر، وهو مصدر مؤكد؛ أي: يجزون جزاء. الثاني: أن يكون منصوبا بالمصدر الذي قبله، والمصدر ينصب بمثله، كقوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٦٣]: ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً﴾. الثالث: أن ينتصب على الحال من: ﴿النّارُ،﴾ أو من ضميرها المجرور ب: (في). ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿جَزاءُ﴾ الثاني، إن لم يكن مؤكدا، وبالأول إن كان مؤكدا، و (ما) موصولة، أو مصدرية. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بما بعدهما، و (نا): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَجْحَدُونَ﴾ في محل نصب خبر ﴿كانُوا،﴾ والجملة الفعلية صلة (ما) لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: بالذي كانوا يجحدونه بآياتنا، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بسبب جحدهم آياتنا. تأمل. ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩)﴾ الشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: وصاروا إلى النار، والتعبير بالماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق الوقوع. ﴿رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ:﴾ لأن الشيطان المضل يكون من الجن ويكون من الإنس، قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١١٢]: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ..﴾. إلخ، وقال تعالى في سورة (الناس): ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ وقيل: هما إبليس، وقابيل بن آدم؛ الذي قتل أخاه؛ لأن الكفر سنة إبليس، والقتل بغير حق سنة قابيل، فهما سنّا المعصية. ويشهد لهذا القول الحديث المرفوع: «ما من مسلم يقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأوّل كفل من ذنبه؛ لأنّه أول من سنّ القتل». أخرجه الترمذي. وانظر ما ذكرته في سورة (المائدة) رقم [٣٠]. ﴿نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا﴾ أي: ليكونا مباشرين للنار، وليكونا وقاية بيننا وبينها، فتخف عنا حرارتها نوع خفة. وقال القرطبي: سألوا ذلك حتى يشتفوا منهم بأن يجعلوهم تحت أقدامهم. ﴿لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ:﴾ قال مقاتل: أي: أسفل منا في النار، وقال الزجاج: ليكونا في الدرك الأسفل؛ أي: من أهل الدرك الأسفل، وممن هو دوننا، كما جعلانا كذلك في الدنيا في حقيقة الحال باتباعنا لهما. انتهى. جمل. والله أعلم. الإعراب: (قال الذين): فعل، وفاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الآيتين السابقتين، لا محل لها مثلهما. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وانظر ما ذكرته في سورة (ص) رقم [١٦] نقلا من قول مكي. ﴿أَرِنَا:﴾ فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره وهو الياء، والكسرة قبلها دليل

стр. 5608

عليها، والفاعل مستتر فيه تقديره: «أنت»، و (نا): مفعوله الأول، وهو بصري. لكن الهمزة عدته إلى المفعول الثاني. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، وبعضهم يعتبره مبنيا على الياء مثل مفرده. ﴿أَضَلاّنا:﴾ فعل ماض، والألف فاعله، و (نا): مفعوله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد ألف التثنية. ﴿مِنَ الْجِنِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ألف الاثنين، و ﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في الموصول. ﴿وَالْإِنْسِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿نَجْعَلْهُما:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وعند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعوله، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿تَحْتَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو مفعوله الثاني، و ﴿تَحْتَ﴾ مضاف، و ﴿أَقْدامِنا﴾ مضاف إليه، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿لِيَكُونا:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون، وألف الاثنين اسمه. ﴿مِنَ الْأَسْفَلِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (يكونا)، و «أن» المضمرة والفعل (يكونا) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (نجعل). هذا؛ والكلام: ﴿رَبَّنا أَرِنَا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ:﴾ اعترافا بربوبيته، وإقرارا بوحدانيته؛ أي: لا رب، ولا معبود لنا إلا الله. وهذا شروع في بيان حسن أحوال المؤمنين في الدارين بعد بيان سوء حال الكفرة فيهما، وهذا من باب المقابلة؛ التي ذكرتها لك في سورة (يس) رقم [٥٥]. ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا:﴾ قال الخازن-رحمه الله تعالى-: قال أهل التحقيق: كمال الإنسان أن يعرف الحق لذاته؛ لأجل العمل به، ورأس المعرفة اليقينية معرفة الله تعالى، وإليه الإشارة بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ﴾ ورأس الأعمال الصالحة أن يكون الإنسان مستقيما في الوسط، غير مائل إلى طرفي الإفراط، والتفريط، فتكون الاستقامة في أمر الدين، والتوحيد، فتكون في الأعمال الصالحة. سئل أبو بكر الصديق-﵁-عن الاستقامة، فقال: ألاّ تشرك بالله شيئا. وقال عمر-﵁: الاستقامة: أن تستقيم على الأمر، والنهي، ولا تروغ روغان الثعلب. وقال عثمان-﵁: استقاموا: أخلصوا في العمل. وقال علي بن أبي طالب-﵁: أدوا الفرائض، واجتنبوا النواهي. وهو قول ابن عباس-﵄. انتهى. وقال الفضيل بن عياض-رحمه الله تعالى-: زهدوا في الفانية، ورغبوا في الباقية. وخلاصة الاستقامة: العمل بالتنزيل، والخوف من الجليل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.

стр. 5609

هذا؛ والاستقامة توبة بلا إصرار، وعمل بلا فتور، وإخلاص بلا التفات، ويقين بلا تردد، وتفويض بلا تدبير، وتوكل بلا توهم. والاستقامة درجة بها كمال الأمور، وتمامها، وبوجودها حصول الخيرات، ونظامها، ومن لم يستقم؛ ضاع سعيه، وخاب أمله، والاستقامة أثر من آثار الدين، وثمرة من ثمار الإيمان الصادق، ونتيجة التقوى، ونظام الأمر، وعنوان التوفيق، وأساس الهداية، وأصل النجاح، وسر الفلاح، ومن لم يستقم في جميع أحواله، ويؤد ما عليه من الواجب نحو ربه، ونبيه، ونحو دينه، ونفسه، وأهله، ووطنه، وجيرانه، وأصدقائه، والناس أجمعين؛ فقد ضل سعيه، وخاب أمله، واضطرب نظام سيره، واختل ميزان تصرفه، وتقلب في أسباب الشقاء. وانظر ما ذكرته في سورة (هود) رقم [١١٢]. ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا..﴾. إلخ: قال ابن زيد، ومجاهد: هذا يكون عند الموت، وهو قول ابن عباس-﵄. وقال مقاتل، وقتادة: إذا قاموا من قبورهم للبعث. وقيل: تكون في القبر، وقال وكيع، وابن زيد: البشرى في ثلاثة مواطن: عند الموت، وفي القبر، وعند البعث. وخذ قوله تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ رقم [٦٤]. ﴿أَلاّ تَخافُوا﴾ أي: من الموت، وما بعده من أهوال. ﴿وَلا تَحْزَنُوا﴾ أي: على ما خلفتم من أهل، وولد، فنحن نخلفكم فيهم. وقيل: المعنى: لا تخافوا من ذنوبكم، ولا تحزنوا لأجلها، فالله يغفرها لكم. ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ بها على ألسنة الرسل. وفي النسفي: وقال محمد بن علي الصابوني: تتنزل عليهم ملائكة الرحمة عند مفارقة الأرواح الأبدان: أن لا تخافوا سلب الإيمان، ولا تحزنوا على ما كان من العصيان، وأبشروا بدخول الجنان؛ التي كنتم توعدون في سالف الزمان. انتهى. هذا؛ والخوف: غم يلحق لتوقع مكروه، والحزن: غم يلحق لوقوعه من فوات نافع، أو حصول ضار، وأما التخوف؛ فإنه يأتي بمعنى: التنقص، كما في قوله تعالى في سورة (النحل) رقم [٤٧]: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ﴾. يروى: أن الفاروق-﵁-قال على المنبر: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ﴾ فسكتوا، فقام شيخ من هذيل، وقال: هذه لغتنا، التخوف: التنقص. قال: فهل تعرف العرب هذا في أشعارهم؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير الهذلي: [البسيط] تخوّف الرحل منها تامكا قردا... كما تخوّف عود النّبعة السفن فقال عمر-﵁: أيها الناس! عليكم بديوانكم لا تضلوا! قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم. هذا؛ ويأتي الخوف بمعنى: العلم، وبه قيل في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً..﴾. إلخ سورة (البقرة) [١٨٢] وقوله تعالى رقم [٢٢٩] منها: ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ ومعنى البيت: أضعف الرحل الناقة،

стр. 5610

وأهزلها، وأنقص سنامها، كما أضعف عود النبعة، وهو القوس، الذي يتخذ من شجر النبع، والسفن كل ما ينحت به من سكين ونحوها. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله. ﴿رَبُّنَا:﴾ مبتدأ، و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿اللهُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اِسْتَقامُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. ﴿تَتَنَزَّلُ:﴾ فعل مضارع. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ فاعله. والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿أَلاّ:﴾ (أن): حرف مصدري ونصب. (لا): نافية. ﴿تَخافُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (أن)، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق؛ و (أن) والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: ب: ﴿أَلاّ تَخافُوا،﴾ والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْمَلائِكَةُ،﴾ التقدير: قائلين بألا تخافوا. هذا؛ وأجيز اعتبار (أن) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، و (لا) ناهية، والفعل مجزوم بها، وتؤول (أن) المخففة من الثقيلة مع اسمها، وخبرها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، مثل الأول. كما أجيز اعتبار (أن) مفسرة، و (لا) ناهية، والفعل مجزوم بها، والجملة الفعلية مفسرة لمعنى التنزيل لا محل لها. ﴿وَلا تَحْزَنُوا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَأَبْشِرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿بِالْجَنَّةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة: (الجنة). ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تُوعَدُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: التي كنتم توعدونها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ الشرح: ﴿نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ أي: تقول لهم الملائكة الذين يتنزلون عليهم بالبشارة. قال مجاهد: أي: نحن قرناؤكم الذين كنا معكم في الدنيا. فإذا كان يوم

стр. 5611

القيامة؛ قالوا: لا نفارقكم حتى ندخلكم الجنة. وقال السدي: أي: نحن الحفظة لأعمالكم في الدنيا، وأولياؤكم في الآخرة. انتهى. قرطبي. وقال البيضاوي: نلهمكم الحق في الدنيا، ونحملكم على الخير بدل ما كان الشيطان يفعل بالكفرة الفجرة. ﴿وَلَكُمْ فِيها﴾ أي: في الجنة. ﴿ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾ أي: من الملاذ، والكرامات، والدرجات، والنعيم المقيم، والخير العميم. ﴿وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ:﴾ ما تطلبون، وتتمنون، وانظر إعلال ﴿تَدَّعُونَ﴾ في سورة (يس) رقم [٥٧] فإنه جيد. وشرح ﴿الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ و ﴿الْآخِرَةِ﴾ في سورة (الزمر) رقم [٢٦]. ﴿نُزُلاً:﴾ هو ما يعد للنازل؛ أي: للضيف، ونحوه من طعام، وشراب، وإكرام. قال أبو السعد الضبي: [الطويل] وكنّا إذا الجبار بالجيش ضافنا... جعلنا القنا والمرهفات له نزلا هذا؛ وذكر أبو البقاء: أنه يجوز أن يكون جمع: نازل، كما قال الأعشى في معلقته رقم [٦٧]. [البسيط] إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا... أو تنزلون فإنّا معشر نزل الإعراب: ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿أَوْلِياؤُكُمْ:﴾ خبره، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِي الْحَياةِ:﴾ متعلقان به. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة: ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿نَحْنُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وهي من كلام الملائكة. ﴿وَلَكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿تَشْتَهِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿أَنْفُسُكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: ولكم فيها الذي تشتهيه أنفسكم، والجملة الاسمية ﴿وَلَكُمْ فِيها..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وإعراب: ﴿وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ مثلها بلا فارق، وهي معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿نُزُلاً:﴾ حال من قوله: ﴿ما تَدَّعُونَ،﴾ وقيل: مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: أنزلناه نزلا. وقال الجلال: منصوب ب «جعل» مقدرا، والمعتمد الأول. ﴿مِنْ غَفُورٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿نُزُلاً،﴾ وأجيز تعليقهما بالفعل ﴿تَدَّعُونَ،﴾ التقدير: تطلبونه من جهة غفور رحيم، كما أجيز تعليقهما بما تعلق به الظرف في (لكم) من الاستقرار؛ أي: استقر لكم من جهة غفور رحيم. قال أبو البقاء: فيكون حالا من ﴿ما﴾. انتهى. جمل. ﴿رَحِيمٍ:﴾ بدل من سابقه.

стр. 5612

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ الشرح: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ﴾ أي: دعا إلى توحيد الله، وطاعته، بقوله، وفعله، وحاله، وعمل الصالحات، وجعل الإسلام دينه، ومذهبه. قال ابن كثير: وهذه الآية عامة في كل من دعا إلى خير، وهو في نفسه مهتد. وقال الزمخشري: والآية عامة في كل من جمع بين هذه الثلاث: أن يكون مؤمنا معتقدا لدين الإسلام، عاملا بالخير، داعيا إليه، وما هم إلا طبقة العلماء العاملين. انتهى. صفوة التفاسير. ﴿وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: وهو في نفسه مهتد، فنفعه لنفسه، ولغيره، وليس هو من الذين يأمرون بالمعروف، ولا يأتونه، بل يأتمر، ويترك الشر. وهذه عامة في كل من دعا إلى خير، وهو في نفسه مهتد. وقيل: هو رسول الله ﷺ دعا الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل: هو المؤمن أجاب الله تعالى فيما دعاه إليه، ودعا الناس إلى ما أجاب إليه. وقيل: إن كل من دعا إلى الله تعالى بطريق من الطرق؛ فهو داخل في هذه الآية. وللدعوة إلى الله تعالى مراتب: الأولى: دعوة الأنبياء-عليهم الصلاة والسّلام-إلى الله تعالى بالمعجزات، وبالحجج والبراهين، وبالسيف، وهذه المرتبة لم تتفق لغير الأنبياء. المرتبة الثانية: دعوة العلماء إلى الله تعالى بالحجج، والبراهين فقط. والعلماء أقسام: علماء بالله، وعلماء بصفات الله، وعلماء بأحكام الله. المرتبة الثالثة: دعوة المجاهدين إلى الله تعالى بالسيف، فهم يجاهدون الكفار؛ حتى يدخلوا في دين الله، وطاعته. المرتبة الرابعة: دعوة المؤذنين إلى الصلاة، فهم أيضا دعاة إلى الله تعالى، وإلى طاعته، وانظر سورة (النحل) رقم [١٢٥]. هذا؛ والعمل الصالح على قسمين: قسم يكون من أعمال القلوب، وهو معرفة الله تعالى. وقسم يكون بالجوارح، وهو سائر الطاعات. وقيل: ﴿وَعَمِلَ صالِحاً﴾ صلى ركعتين بين الأذان، والإقامة. فعن عبد الله بن مغفل-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «بين كلّ أذانين صلاة، بين كلّ أذانين صلاة، بين كلّ أذانين صلاة، وقال في الثالثة لمن شاء». متفق عليه. انتهى. من الخازن. ولا تنس: أن الاستفهام بمعنى: أي: لا أحد أحسن! فهو بمعنى: النفي. الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَحْسَنُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿قَوْلاً:﴾ تمييز. ﴿مِمَّنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَحْسَنُ﴾. ﴿دَعا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل مستتر يعود إلى (من). ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَعَمِلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من). ﴿صالِحاً:﴾ صفة لمفعول به محذوف، التقدير: عمل عملا صالحا. وقيل: لمفعول مطلق محذوف. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها

стр. 5613

مثلها، واعتبرها أبو حيان في محل نصب حال من فاعل: ﴿دَعا﴾ المستتر، وعليه يكون الرابط: الواو، والضمير، و «قد» قبلها مقدرة. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿إِنَّنِي:﴾ حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم اسمها. ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)﴾ الشرح: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ﴾ أي: في الجزاء؛ أي: إن الحسنة، والسيئة متفاوتتان في أنفسهما، فخذ بالحسنة التي هي أحسن من أختها؛ إذا اعترضتك حسنتان، فادفع بها السيئة؛ التي ترد عليك من بعض أعدائك، كما لو أساء إليك رجل إساءة، فالحسنة أن تعفو عنه، والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إساءته إليك، مثل أن يذمك، فتمدحه، أو يقتل ولدك، فتفتدي ولده من يد عدوّه. انتهى. نسفي. وقال الخازن: يعني الصبر، والغضب، والحلم، والجهل، والعفو، والإساءة. هذا؛ والحسنة: ما يحمد فاعلها شرعا، وسميت حسنة؛ لحسن وجه صاحبها عند رؤيتها يوم القيامة. والمراد: بالحسنة المقبولة الأصلية المعمولة للعبد، أو ما في حكمها، كما لو تصدق عنه غيره. وأما السيئة؛ فهي ما يذم فاعلها شرعا، صغيرة كانت، أو كبيرة، وسميت سيئة؛ لأن فاعلها يساء بها عند المجازاة عليها في الدنيا، أو في الآخرة، وأصلها: سيوئة، فقل في إعلالها: اجتمعت الواو، والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ:﴾ قال ابن عباس-﵄: أمره بالصبر عند الغضب، وبالحلم عند الجهل، وبالعفو عند الإساءة. ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ أي: صديق قريب. والمعنى: فإنك إذا فعلت ذلك؛ انقلب عدوك المشاق لك مثل الصديق القريب مصافاة لك. قال مقاتل: نزلت الآية في أبي سفيان بن حرب، كان مؤذيا للنبي ﷺ ، فصار له وليا بعد أن كان عدوا بالمصاهرة؛ التي وقعت بينه، وبين النبي ﷺ ، ثم أسلم، فصار وليا في الإسلام حميما في القرابة، وانظر ما ذكرته في سورة (المؤمنون) رقم [٩٧]. تنبيه: روي: أن رجلا شتم قنبرا مولى علي بن أبي طالب، فناداه علي: يا قنبر! دع شاتمك، واله عنه؛ ترض الرحمن، وتسخط الشيطان، وتعاقب شاتمك، فما عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه. وأنشدوا: [الطويل]

стр. 5614

وللكفّ عن شتم اللّئيم تكرّما... أضرّ له من شتمه حين يشتم وقال آخر: [الوافر] وما شيء أحبّ إلى سفيه... إذا سبّ الكريم من الجواب متاركة السّفيه بلا جواب... أشدّ على السّفيه من السّباب وقال محمود الوراق. وقيل: الخليل بن أحمد: [الطويل] سألزم نفسي الصّفح عن كلّ مذنب... وإن كثرت منه لديّ الجرائم فما النّاس إلا واحد من ثلاثة... شريف ومشروف ومثل مقاوم فأمّا الّذي فوقي فأعرف قدره... وأتبع فيه الحقّ والحقّ لازم وأمّا الّذي دوني فإن قال صنت عن... إجابته عرضي وإن لام لائم وأمّا الّذي مثلي، فإن زلّ أو هفا... تفضّلت إن الفضل بالحلم حاكم هذا؛ وانظر الآية رقم [٢٢] من سورة (الرعد) وانظر: ﴿يَسْتَوِي﴾ في الآية رقم [٥٨] من سورة (غافر). هذا؛ وبين ﴿الْحَسَنَةُ﴾ و ﴿السَّيِّئَةُ﴾ مطابقة. انظر الآية المذكورة من سورة (غافر). هذا؛ وقال لبيد بن ربيعة-﵁-من معلقته رقم [٢١]: [الكامل] واحب المجامل بالجزيل وصرمه... باق إذا ضلعت وزاغ قوامها المعنى يقول: لا تعاجل صديقك بقطع الذي بينك وبينه، واخصصه بالمودة ما ثبت لك، فإن مال عن طريق الاستقامة؛ فأنت قادر على قطيعته كل وقت، كما قال النمر بن تولب الصحابي-﵁: [المتقارب] فأحبب حبيبك حبّا رويدا... فليس يعولك أن تصرما وأبغض بغيضك بغضا رويدا... إذا أنت حاولت أن تحكما وقد ذكروا: أنه مأخوذ من قول النبي ﷺ والأصح: أنه من قول علي-﵁: أحبب حبيبك هونا ما؛ عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما. الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَسْتَوِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿الْحَسَنَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية في الآية السابقة، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي. قاله الفراء، وأنشد قول الشاعر: [البسيط]

стр. 5615

ما كان يرضى رسول الله فعلهم... والطّيّبان أبو بكر ولا عمر ﴿السَّيِّئَةُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿اِدْفَعْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿بِالَّتِي:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (التي) صفة لموصوف محذوف؛ أي: بالخصلة التي... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿اِدْفَعْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وإنما لم يقل: فادفع بالتي هي أحسن؛ أي: بقرن الجملة الفعلية بالفاء الفصيحة؛ لأنه على تقدير قائل قال: فكيف أصنع؟ فقال: ادفع بالتي هي أحسن. ﴿فَإِذَا الَّذِي:﴾ (إذا) هي الفجائية. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. وانظر الآية رقم [٢٩] من سورة (يس) ففيها الكفاية. ﴿بَيْنَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَهُ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَداوَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿كَأَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء في محل نصب اسمها. ﴿وَلِيٌّ:﴾ خبر: (كأن). ﴿حَمِيمٌ:﴾ صفة: ﴿وَلِيٌّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿كَأَنَّهُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، وهو: ﴿الَّذِي﴾. هذا؛ وقال أبو البقاء: ﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: هو أي: الجملة في محل نصب حال من ﴿الَّذِي﴾ بصلته، و ﴿الَّذِي﴾ مبتدأ، و (إذا) للمفاجأة. وهي خبر المبتدأ؛ والفائدة تحصل من الحال. والثاني أن يكون ﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ خبر المبتدأ، و (إذا) ظرف لمعنى التشبيه، والظرف يتقدم على العامل المعنوي. انتهى. ونقل الجمل عن الكرخي ما يشبهه، وهو يخالف ما نقلته من مغني اللبيب لابن هشام في إعراب مثل هذه الجملة في محاله. ﴿وَما يُلَقّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ الشرح: ﴿وَما يُلَقّاها﴾ أي: هذه الفعلة الكريمة، والخصلة الشريفة، والسجية العالية، وهي: مقابلة الإساءة بالإحسان. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أي: طبعهم، وسجيتهم، وشأنهم الصبر، وكظم الغيظ، واحتمال الأذى، وتحمل المكاره، وتجرع الشدائد. وفي سورة (القصص) رقم [٨٠]: ﴿وَلا يُلَقّاها إِلاَّ الصّابِرُونَ﴾. ﴿وَما يُلَقّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أي: صاحب حظ، والحظ: الجدّ، وهو البخت، والدولة. يقال: فلان ذو حظ، وحظيظ، ومحظوظ، وما الدنيا إلا أحاظ، وجدود، ورحم الله من يقول وهو أبو العلاء المعري: [الكامل] لا تطلبنّ بغير حظّ رتبة... قلم الأديب بغير حظّ مغزل سكن السّما كان السماء كلاهما... هذا له رمح وهذا أعزل السما كان: كوكبان، يقال لأحدهما: الأعزل، وهو من منازل القمر، وهو الذي له النوء، وسمي أعزل؛ لأنه لا شيء من الكواكب بين يديه، ويقال للآخر: الرامح، وسمي رامحا بكوكب

стр. 5616

يتقدمه. ومعنى البيتين: أنهما مع استوائهما في وجود كل منهما في السماء امتاز أحدهما عن الآخر، فلهذا حظ، ولا حظ لذاك، فالمدار على القضاء الأزلي، والسعد الأولي. اللهم اجعلنا من السعداء، ولا تجعلنا من الأشقياء! وما أحسن قول من قال في بيان حظوظ الرجال: [الرمل] خلق الحظّ جمانا وحصى... خالق الإنسان من ماء وطين فوليد تسجد الدّنيا له... ووليد في زوايا المهملين وقال المتنبي: [الطويل] هو الحظّ حتى تفضل العين أختها... وحتى يصير اليوم لليوم سيّدا هذا؛ والحظ: النصيب. قال تعالى في سورة (النساء) في آية المواريث: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ وقال في سورة (المائدة) في ذم اليهود اللؤماء: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ رقم [١٤] وقيل: الحظ العظيم: الجنة. ولا وجه له في جميع ما ذكرت من الآيات. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿يُلَقّاها:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، و (ها): مفعول به ثان. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع نائب فاعل، وهو المفعول الأول، وجملة: ﴿صَبَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الفعلية ﴿وَما يُلَقّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الخصلة التي رأيت تقديرها؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير. ﴿وَما يُلَقّاها إِلاَّ:﴾ مثل سابقه. ﴿ذُو:﴾ نائب فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة وهو المفعول الأول مثل سابقه، و ﴿ذُو﴾ مضاف، و ﴿حَظٍّ﴾ مضاف إليه. ﴿عَظِيمٍ:﴾ صفة: ﴿حَظٍّ،﴾ والجمل الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ الشرح: ﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ أي: ينخسك من الشيطان نخس. المعنى: وإن يوسوس لك الشيطان بترك مقابلة الإساءة بالإحسان، ويحملك على خلاف ما أمرت به، كغضب، وتفكير بشيء غير حسن؛ فاستعذ بالله من شره، ولا تطعه. هذا، والنخس، والنزغ، والنسغ، والنغز، والهمز، والوسوسة ألفاظ مترادفة، وأصل النزغ: الفساد، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول يوسف-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ أي: أفسد. فقد شبه وسوسة الشيطان، وإغواءه للناس بنخس السائق الدابة بشيء لتسير. وفي الجمل: وعبر عن وسوسة الشيطان بالنزغ على سبيل المجاز

стр. 5617

العقلي على حد: جدّ جدّه، ففي الكلام مجازان، والأصل: وإن يوسوس لك الشيطان بترك ما أمرت به؛ فاستعذ بالله. انتهى. ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ أي: استجر، وتحصن، واطلب النجاة من ذلك بالله. فأمر سبحانه العبد المؤمن أن يدفع الوسوسة بالالتجاء إليه، والاستعاذة به. ولله المثل الأعلى، فلا يستعاذ من الكلاب إلا بصاحب الكلاب. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ أي: لاستعاذتك، وأقوالك. ﴿الْعَلِيمُ﴾ أي: بأحوالك، وأفعالك، وجميع تصرفاتك، فيجازيك عليها، إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا؛ فشرّ. هذا؛ وفي الآية الكريمة استعارة تبعية؛ حيث شبه الإغراء على المعاصي بالنزغ، واستعير النزغ للإغراء، ثم اشتق منه: ينزغنك. هذا؛ والآية الكريمة مذكورة بحروفها في سورة (الأعراف) رقم [٢٠٠] بزيادة ﴿هُوَ﴾ و (أل) هنا؛ لأن ما هنا متصل بمؤكد بالتكرار، وبالحصر، فناسب التأكيد بما ذكر، وما في (الأعراف) خليّ عن ذلك، فجرى على القياس من كون المسند إليه معرفة، والمسند نكرة. انتهى. جمل نقلا عن كرخي. الإعراب: ﴿وَإِمّا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إما): هي (إن) الشرطية، مدغمة في: (ما) الزائدة، لتؤكد معنى الشرط؛ لأن معنى (إن) في الأصل الشك، فزال هذا المعنى بسبب (ما)، ولذا أكد الفعل بعدها بنون التوكيد الثقيلة. وذكر ابن هشام في المغني: أن توكيد الفعل بعدها قريب من الواجب، وذكر آيات كثيرة الفعل المضارع مؤكد فيها بنون التوكيد. وأضيف: أنه قرئ قوله تعالى في سورة (مريم) رقم [٢٦]: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً﴾ من غير توكيد الفعل بنون التوكيد. ﴿يَنْزَغَنَّكَ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محل له، وهو في محل جزم فعل الشرط، والكاف مفعول به. ﴿مِنَ الشَّيْطانِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿نَزْغٌ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿نَزْغٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَاسْتَعِذْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (استعذ): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، والجملة الشرطية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وجواب الأمر محذوف؛ أي: يدفعه عنك. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿السَّمِيعُ:﴾ خبر أول. ﴿الْعَلِيمُ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ). هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير فصلا، لا محل له، واعتباره توكيدا لاسم (إنّ) على

стр. 5618

المحل. وعليهما: فالاسمان العظيمان خبران ل: (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاُسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ الشرح: ﴿وَمِنْ آياتِهِ﴾ أي: ومن علاماته الدالة على قدرته، وتوحيده. ﴿اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ أي: إنه تعالى خلق الليل بظلامه، والنهار بضيائه، وهما متعاقبان لا يفتران، وخلق الشمس، ونورها، وإشراقها، والقمر، وضياءه، وتقدير منازله في فلكه، واختلاف سيره في سمائه؛ ليعرف باختلاف سيره، وسير الشمس مقادير الليل، والنهار، والشهور، والأعوام، ويتبين بذلك حلول، أوقات العبادات، والمعاملات، ثم لما كان الشمس، والقمر أحسن الأجرام المشاهدة في العالم العلوي، والسفلي؛ نبه تعالى على أنهما مخلوقان عبدان من عبيده، وهما تحت قهره، وتسخيره، فقال: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ﴾. انتهى. مختصر ابن كثير. ﴿وَاسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ وصورهن، وسخرهن. هذا رد على من يعبد الشمس، والقمر، وإنما تعرض للأربعة مع أن الناس لم يعبدوا الليل، والنهار؛ للإيذان بكمال سقوط الشمس، والقمر عن رتبة السجودية لهما بنظمهما في المخلوقية في سلك الأعراض؛ التي لا قيام لها بذاتها، وهذا هو السر في نظم الكل في سلك آياته، وإنما عبر عن الأربع بضمير الإناث مع أن فيها ثلاثة مذكرة، والعادة تغليب المذكر على المؤنث؛ لأنه لما قال: ﴿وَمِنْ آياتِهِ﴾ فنظم الأربعة في سلك الآيات، صار كل واحد منها آية، فعبر عنها بضمير الإناث في قوله: ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ انتهى. جمل نقلا من السمين وغيره، وقال النسفي تبعا للزمخشري: لأن حكم جماعة ما لا يعقل حكم الأنثى، أو الإناث، تقول: الأقلام بريتها، وبريتهن. انتهى. وهذا لا غبار عليه. ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أي: فاسجدوا له وحده. والسبب: أن ناسا كانوا يسجدون للشمس، والقمر، والكواكب، كالصابئين، ويزعمون: أن سجودهم لهذه الكواكب هو سجود لله ، فنهوا عن السجود لهذه الوسائط، وأمروا بالسجود لله الذي خلق هذه الأشياء كلها. انتهى. خازن. الإعراب: ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من آياته): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿اللَّيْلُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ:﴾ هذه الأسماء معطوفة على: ﴿اللَّيْلُ﴾. ﴿لا تَسْجُدُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق.

стр. 5619

﴿لِلشَّمْسِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وإنما لم يقل: فلا تسجدوا... إلخ؛ أي: بقرن الجملة الفعلية بالفاء الفصيحة؛ لأنه على تقدير قائل قال: فكيف نصنع؟ فقال: لا تسجدوا... إلخ. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. ﴿لِلْقَمَرِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿وَاسْجُدُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (اسجدوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة: ل: (الله)، أو هو بدل منه. ﴿خَلَقَهُنَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿إِيّاهُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿تَعْبُدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف انظر تقديره في الشرح، والجملة الشرطية متعلقة بما قبلها، فهي مستأنفة مثله. ﴿فَإِنِ اِسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ الشرح: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ أي: الكفار، ومن على شاكلتهم من الملحدين، والفاسقين، والفاسدين، والمفسدين عن السجود لله تعالى. وامتثال أوامره. ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ:﴾ المراد بهم الملائكة. ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ:﴾ وهم لا يملون تسبيح الله، وعبادته. قال زهير في معلقته رقم [٥٨]: [الطويل] سئمت تكاليف الحياة ومن يعش... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم ومعنى الآية الكريمة: فإن استكبروا، ولم يمتثلوا ما أمروا به، وأبوا إلا الواسطة-مع أنهم أمروا أن يقصدوا بسجودهم وجه الله خالصا-فدعهم، وشأنهم، فإن الله تعالى لا يعدم عابدا، وساجدا بالإخلاص، وله العباد المقربون؛ الذين ينزهونه بالليل، والنهار عن الأنداد. و ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ عبارة عن الزلفى والمكانة والكرامة، فهي عندية تشريف، وتكريم، لا عندية مكان. هذا؛ وفي الآيتين سجدة من عزائم السجود، يسن للقارئ، والسامع، والمستمع السجود عند تلاوتها، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٥] من سورة (السجدة) ففيها كبير فائدة. وفي موضع السجود فيها قولان للعلماء، وهما وجهان لأصحاب الشافعي: أحدهما: أنه عند قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ وهو قول ابن مسعود، والحسن، وحكاه الرافعي عن أبي حنيفة، وأحمد؛ لأن ذكر

стр. 5620

السجدة قبله. والثاني وهو الأصح عند أصحاب الشافعي، وكذلك نقله الرافعي: أنه عند قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ وهو قول ابن عباس، وابن عمر، وسعيد بن المسيب، وقتادة، وحكاه الزمخشري عن أبي حنيفة؛ لأن عنده تمام الكلام. انتهى. خازن بحروفه. والله أعلم بمراده. الإعراب: ﴿فَإِنِ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿اِسْتَكْبَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية... إلخ، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فدعهم، وشأنهم، وإن ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَالَّذِينَ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يُسَبِّحُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان به. ﴿بِاللَّيْلِ:﴾ متعلقان به أيضا. ﴿وَالنَّهارِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية تعليل لجواب الشرط المحذوف، الذي رأيت تقديره. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿لا يَسْأَمُونَ﴾ المنفية في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اِهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ الشرح: ﴿وَمِنْ آياتِهِ﴾ أي: ومن العلامات الدالة على قدرة الله، وعظمته، والباعثة على توحيده، وعبادته. ﴿أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً:﴾ يابسة متطامنة. مستعار من الخشوع بمعنى: التذلل لحال الأرض؛ إذا كانت قحطة، لا نبات فيها. وفي القرطبي: الخطاب لكل عاقل؛ أي: ومن آياته الدالة على أنه يحيي الموتى: ﴿أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً﴾ أي: يابسة جدبة. هذا وصف الأرض بالخشوع، قال النابغة: [الطويل] رماد ككحل العين لأيا أبينه... ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع والأرض الخاشعة: الغبراء؛ التي لا تنبت، وبلدة خاشعة مغبرة لا ينزل بها مطر. ﴿فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ﴾ أي: بالنبات. قاله مجاهد. يقال: اهتز الإنسان؛ أي: تحرك. ﴿وَرَبَتْ﴾ أي: انتفخت، وعلت قبل أن تنبت. قاله مجاهد. أي: تصدعت عن النبات بعد موتها، وعلى هذا التقدير يكون في الكلام تقديم، وتأخير، وتقديره: ربت، واهتزت. والاهتزاز، والربو قد يكونان

стр. 5621

قبل الخروج من الأرض، وقد يكونان بعد خروج النبات إلى وجه الأرض، فربوها: ارتفاعها، ويقال للموضع المرتفع: ربوة، ورابية، فالنبات يتحرك للبروز، ثم يزداد في جسمه بالكبر، طولا، وعرضا. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الحج) رقم [٥]: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً﴾ استعارة مكنية، فقد استعير الخشوع، وهو التذلّل، والتقاصر لحال الأرض عند قحطها، وجفافها، كما استعير الهمود في آية (الحج) وكذلك يقال في الاهتزاز، والربو. ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْياها﴾ أي: أحيا الأرض بعد موتها بنزول المطر عليها. ﴿لَمُحْيِ الْمَوْتى﴾ أي: لقادر على إحياء الأموات، وإخراجهم من قبورهم للبعث، والحساب والجزاء. ﴿إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: لا يعجزه-جل وعلا-شيء، فكما أخرج النبات من زروع، وثمار من الأرض المجدبة؛ فإنه قادر على إحياء الموتى. قال الصابوني نقلا من «مناهل العرفان» للزرقاني: ومن خصائص أسلوب القرآن العظيم: أنه يخاطب العقل، والقلب معا، ويجمع الحق، والجمال معا. انظر إليه، وهو في معمعان إقامة الدليل العقلي على البعث، والنشور في مواجهة المنكرين المكذبين كيف يسوق استدلاله سوقا يهز القلوب هزا، ويمتع العاطفة إمتاعا بما جاء في طيّ هذه الأدلة المسكتة المقنعة؟! إذ قال سبحانه في سورة (فصلت): ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ..﴾. إلخ، تأمل هذا الأسلوب البارع؛ الذي أقنع العقل، وأمتع العاطفة في آن واحد، حتى في الجملة التي هي بمثابة النتيجة من مقدمات الدليل؛ إذ قال: ﴿الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى﴾ يا للجمال الساحر! ويا للإعجاز الباهر؛ الذي يستقبل عقل الإنسان وقلبه معا بأنصع الأدلة، وأجمل البيان في هذه الكلمات المعدودات. انتهى. الإعراب: (من آياته): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿تَرَى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به. ﴿خاشِعَةً:﴾ حال من: ﴿الْأَرْضَ؛﴾ لأن الفعل بصري، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (إذا): انظر رقم [٢٠]. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْماءَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿اِهْتَزَّتْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الْأَرْضَ،﴾ والتاء للتأنيث، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله. ﴿وَرَبَتْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء

стр. 5622

التأنيث التي هي حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى: ﴿الْأَرْضَ﴾ أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (إذا) لا محل لها مثله. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسمها. ﴿أَحْياها:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، و (ها): مفعول به، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَمُحْيِ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (محي): خبر: ﴿إِنَّ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، وهو مضاف، و ﴿الْمَوْتى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، أو هي للتعليل لا محل لها على الاعتبارين. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مؤكدة لما قبلها. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا:﴾ يميلون عن الحق في أدلتنا بالطعن. يقال: ألحد الحافر في الأرض، ولحد: إذا مال عن الاستقامة، فحفر في شق. والإلحاد: الميل، والعدول، ومنه: اللحد في القبر؛ لأنه أميل إلى ناحية منه، فاستعير لحال الأرض إذا كانت ملحودة، فاستعير للانحراف في تأويل آيات القرآن عن جهة الصحة، والاستقامة. هذا؛ والمراد: ب: ﴿آياتِنا﴾ القرآن. والإلحاد فيه: قولهم: شعر، أو كهانة، أو سحر. وقيل: باللغو عند تلاوة القرآن بالمكاء، والتصدية، واللغو، والغناء. وقيل: المراد ب: ﴿آياتِنا﴾ المعجزات. وهو يرجع إلى الأول، فإن القرآن معجز. هذا؛ ومن الإلحاد في القرآن ما يدعيه الباطنيون الملحدون، فإنهم يقولون: القرآن فيه ظاهر، وباطن، وإن الظاهر غير مراد أصلا، وإنما المراد الباطن. وقصدهم من وراء هذا الكلام نفي الشريعة، وإبطال الأحكام. وهذا بلا شك إلحاد في الدين، فمثلا يقولون في قوله تعالى في سورة (الرحمن) رقم [١٩]: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ البحران علي وفاطمة. ويقولون في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ هما الحسن، والحسين، والحاجز بينهما محمد ﷺ . ويتأولون قوله تعالى في سورة (الحديد): ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ﴾ بأن الدين فيه باطن، وظاهر، ويفسرونه تفسيرات باطلة. لا يقرها لغة، ولا عقل، ولا دين! ولا حول، ولا قوة إلا بالله!. ﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا:﴾ فنجازيهم على إلحادهم، وهو وعيد، وتهديد لهم. ﴿أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ:﴾ على وجهه، وهو أبو جهل في قول ابن عباس-﵄. ﴿خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ﴾

стр. 5623

الْقِيامَةِ: قيل: هو الحمزة. وقيل: عثمان. وقيل: عمار بن ياسر. والأولى التعميم بحق كل كافر، والتعميم في حق كل مؤمن يعمل صالحا، فالذي يلقى في النار الكافر، والذي يأتي آمنا يوم القيامة المؤمن. ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ:﴾ تهديد شديد، فالأمر ليس على حقيقته، وذلك كقوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٢٩]: ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ..﴾. إلخ. قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: كيف جاز أن يأمر الله بالكفر، وبأن يعمل العصاة ما شاؤوا، وهو ناه عنه، ومتوعد عليه؟! قلت: هو مجاز عن الخذلان، والتخلية، وأن ذلك الأمر متسخط إلى غاية. ومثاله: أن ترى الرجل قد عزم على أمر، وعندك: أن ذلك الأمر خطأ، وأنه يؤدي إلى ضرر عظيم، فتبالغ في نصحه، واستنزاله عن رأيه، فإذا لم تر منه إلا الإباء، والتصميم؛ حردت عليه، وقلت: أنت؛ وشأنك، وافعل ما شئت! فلا تريد بهذا حقيقة الأمر، وكيف والآمر بالشيء مريد له؟! وأنت شديد الكراهة متحسر، ولكن كأنك تقول له: فإذ قد أبيت النصيحة؛ فأنت أهل لأن يقال لك: افعل ما شئت، وتبعث عليه؛ ليتبين لك إذا فعلت صحة رأي الناصح، وفساد رأيك. انتهى. بحروفه من سورة (العنكبوت) الآية رقم [٦٦]. ﴿إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ:﴾ وعيد بتهديد وتوعد بالمجازاة. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿يُلْحِدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي آياتِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَخْفَوْنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿عَلَيْنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَفَمَنْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ. وقيل: وتقرير. الفاء: حرف استئناف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُلْقى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي النّارِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف معادل لهمزة الاستفهام. ﴿فَمَنْ:﴾ مبتدأ. ﴿يَأْتِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى: ﴿فَمَنْ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿آمِناً:﴾ حال من فاعل: ﴿يَأْتِي﴾ المستتر. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، أو ب: ﴿آمِناً،﴾ و ﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه، وخبر المبتدأ محذوف، لدلالة ما قبله عليه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿اِعْمَلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿شِئْتُمْ:﴾ فعل،

стр. 5624

وفاعل، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو: شيئا شئتموه. وإن اعتبرتها مصدرية؛ تؤول مع ما بعدها بمصدر، فيكون التقدير: اعملوا مشيئتكم. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو: بشيء تعملونه. وعلى الثالث تؤول (ما) مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملكم. ﴿بَصِيرٌ:﴾ خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها، وجملة: ﴿اِعْمَلُوا..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: كفار قريش. ﴿بِالذِّكْرِ﴾ أي: بالقرآن في قول الجميع. ﴿لَمّا جاءَهُمْ:﴾ جاءهم به محمد ﷺ من عند الله. وانظر الإعراب يظهر لك المعنى أكثر. ﴿وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ أي: عزيز على الله. أو: كريم على الله تعالى. وقيل: العزيز: العديم النظير، وذلك: أن الخلق عجزوا عن معارضته. وقيل: أعزه الله بمعنى: منعه، فلا يجد الباطل إليه سبيلا، وهو ما في الآية التالية. الإعراب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والموصول اسمه، وجملة: ﴿كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَمّا:﴾ ظرف بمعنى: «حين» مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بما قبله. ﴿جاءَهُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: (الذكر)، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها، وخبر ﴿إِنَّ﴾ محذوف، التقدير: معاندون، أو هالكون، أو هو جملة: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في الآية رقم [٤٤] وما بينهما اعتراض. وهناك أقوال ضعيفة ذكرها ابن هشام في المغني، والجمل أيضا ذكرها. ﴿وَإِنَّهُ:﴾ الواو: واو الحال. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَكِتابٌ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ،﴾ واللام هي المزحلقة. ﴿عَزِيزٌ:﴾ صفة (كتاب)، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. وأجاز الزمخشري، والبيضاوي اعتبارها بدلا من: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ..﴾. إلخ. ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ الشرح: ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ أي: لا يكذبه شيء مما أنزل الله من قبل، ولا ينزل من بعده كتاب يبطله، وينسخه. قاله الكلبي. وقيل: معناه: أن الباطل لا يتطرق

стр. 5625

إليه، ولا يجد إليه سبيلا من جهة من الجهات؛ حتى يصل إليه. وقيل: لا يأتيه الباطل عما أخبر فيما تقدم من الزمان، ولا فيما تأخر. وقال السدي، وقتادة: الباطل: الشيطان، لا يستطيع أن يغير فيه، ولا يزيد، ولا ينقص منه. ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ:﴾ في أقواله، وأفعاله. ﴿حَمِيدٍ:﴾ بمعنى: محمود؛ أي: في جميع ما يأمر به، وينهى عنه. أو: يحمده كل مخلوق بما ظهر عليه من نعمه. قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: أما طعن فيه الطاعنون، وتأوله المبطلون؟ قلت: بلى، ولكن الله قد تقدم في حمايته عن تعلق الباطل به، بأن قيض قوما عارضوهم بإبطال تأويلهم، وإفساد أقاويلهم، فلم يخلّوا طعن طاعن إلا ممحوقا، ولا قول مبطل إلا مضمحلا. ونحوه قوله تعالى في سورة (الحجر): ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ ولا يبعد أن يريد بكلامه هذا مذهبه الاعتزالي، وما قاله بشأن القرآن هو، ومن على شاكلته. ومبحث ذلك في كتب علم الكلام، والعقيدة. الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَأْتِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء مفعول به. ﴿الْباطِلُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (كتاب) بعد وصفه بما تقدم، أو هي في محل رفع صفة ثانية ل: (كتاب). وقيل: في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿مِنْ بَيْنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿بَيْنِ﴾ مضاف، و ﴿يَدَيْهِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء لأن لفظه مثنى، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. وقيل: صلة للتوكيد. ﴿مِنْ خَلْفِهِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿تَنْزِيلٌ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو تنزيل. والجملة الاسمية هذه مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ حَكِيمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿تَنْزِيلٌ؛﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له. ﴿ما يُقالُ لَكَ إِلاّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (٤٣)﴾ الشرح: ﴿ما يُقالُ لَكَ﴾ أي: ما يقول لك كفار قومك من الأذى، والتكذيب. ﴿إِلاّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: إلا مثل ما قال لهم كفار قومهم، أو ما يقول الله لك إلا مثل ما قال لهم، وأمرهم به من التوحيد، والإخلاص له؛ لأنه لا خلاف بين الشرائع فيما يتعلق بالتوحيد، وإخلاص العبادة له، فهو كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ رقم [٦٥] من سورة (الزمر). ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ:﴾ ورحمة لمن تاب، وأناب، وآمن به. ﴿وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: لمن أصر على التكذيب، ومعاداتك يا محمد. ويكون كقوله تعالى في سورة (الرعد) رقم [٦]: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ﴾. هذا؛ وقيل: إن قوله: ﴿ما يُقالُ لَكَ..﴾. إلخ استفهام؛ أي: أي: شيء يقال لك؟ والله أعلم.

стр. 5626

الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يُقالُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع نائب فاعل. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق، يقرب الماضي من الحال. ﴿قِيلَ:﴾ ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿ما،﴾ وهو العائد، أو الرابط. ﴿لِلرُّسُلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: (الرسل)، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما،﴾ أو صفتها. هذا؛ وعلى الاستفهام ف: ﴿ما﴾ مبتدأ، ونائب الفاعل يعود إليها، والجملة الفعلية في محل رفع خبرها، و ﴿ما﴾ الثانية في محل رفع بدل من الأولى، ولكن المعنى ركيك على الاستفهام، والجملة سواء أكانت فعلية، أم اسمية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ في الآية السابقة. وهو ضعيف. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسم: ﴿إِنَّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَذُو:﴾ اللام: المزحلقة. (ذو): خبر ﴿إِنَّ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و (ذو) مضاف، و ﴿مَغْفِرَةٍ﴾ مضاف إليه، و (ذو عقاب): معطوف على ما قبله. ﴿أَلِيمٍ:﴾ صفة: ﴿عِقابٍ﴾. هذا؛ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ بدل من: ﴿ما﴾ وصلتها، وجاز إسناد ﴿يُقالُ﴾ إلى الجملة، كما جاز في: ﴿وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَالسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها﴾ رقم [٣٢] من سورة (الجاثية). هذا كله إن كان المعنى: ما يقول الله لك إلا ما قد قيل، فأما إن كان المعنى: ما يقول لك كفار قومك من الكلمات المؤذية إلا مثل ما قد قال الكفار الماضون لأنبيائهم-وهو الوجه الذي بدأ به الزمخشري-فالجملة استئناف. انتهى. مغني اللبيب بتصرف. ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٤٤)﴾ الشرح: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا﴾ أي: ولو جعلنا هذا الكتاب الذي تقرؤه يا محمد على الناس، وعلى قومك أعجميا بغير لغة العرب. ويظهر: أن هذا جواب لقولهم: هلا نزل القرآن بلغة العجم؟! ﴿لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ أي: بينات بلغتنا، فإننا عرب، لا نفهم الأعجمية! فبين: أنه أنزله بلسانهم؛ ليتقرر به معنى الإعجاز؛ إذ هم أعلم الناس بأنواع الكلام نظما، ونثرا، وإذا عجزوا عن معارضته؛ كان من أدل الدليل على أنه من عند الله. ولو كان بلسان العجم؛ لقالوا: لا علم لنا بهذا اللسان. وإذا ثبت هذا؛ ففيه دليل على أن القرآن عربي، وأنه نزل بلغة العرب، وأنه ليس أعجميا، وأنه إذا نقل عنها إلى غيرها لم يكن قرآنا. انتهى. قرطبي.

стр. 5627

﴿ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ أي: لقالوا: أقرآن أعجمي، ونبي عربي؟! هذا؛ والأعجمي: هو الذي لا يفصح في كلامه، والعرب تسمي كل من لا يعرف لغتهم، ولا يتكلم بكلامهم: أعجميا. وقال الفراء: الأعجم: هو الذي في لسانه عجمة؛ وإن كان عربيا، ومنه سمي زياد الأعجم؛ لأنه كان في لسانه عجمة؛ أي: لكنة مع كونه من العرب. والأعجمي، والعجمي: الذي أصله من العجم، فهو منسوب إليه. هذا؛ والأعرابي: هو الذي يسكن في البادية، والعربي: هو الذي يسكن الأمصار من بلاد العرب، وهو منسوب إلى العرب، وجمع الأول: الأعراب، كما في الآية رقم [٩٠] من سورة (التوبة)، وجمع الثاني: العرب، والعرب والعرب واحد، كالعجم، والعجم، فبينهما طباق التضاد. هذا؛ وقال أبو حيان: الياء في أعجمي للمبالغة في الوصف، وليس النسب فيه حقيقا، وقال الرازي في لوامحه: فهي ك: (ياء) كرسي. هذا؛ وروى سعيد بن جبير-﵁-قال: قالت قريش: لولا أنزل القرآن عربيا، وعجميا، فيكون بعض آياته عجميا يفهمها العجم، وبعض آياته عربيا، يفهمها العرب، فنزلت الآية. وأنزل في القرآن من كل لغة، فمنه: «السجّيل» وهي فارسية، وأصلها: سنك كيل، أي: طين، وحجر، ومنه: «الفردوس» رومية، وكذلك «القسطاس». انتهى. قرطبي، وأيضا: «السندس»، و «الإستبرق». وانظره في محاله. ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ﴾ أي: يا محمد! قل: إن هذا القرآن هدى للمؤمنين من الضلالة، وشفاء لهم من الجهل، والشك، والريب. ففيه من التشبيه البليغ ما لا يخفى. ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: بالله، وبما أنزل على محمد ﷺ . ﴿فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ﴾ أي: صمم عن سماع آياته، وتفهم معانيه. ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ أي: كما أن هذا القرآن رحمة للمؤمنين، وشفاء لما في صدورهم، هو شقاء، وتعاسة على الكافرين، كما قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٨٢]: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَساراً﴾. قال «زاده» في حاشيته على «البيضاوي»: إن القرآن لوضوح آياته، وسطوع براهينه هاد إلى الحق، ومزيل للريب، والشك، وشفاء من داء الجهل، والكفر، والارتياب. ومن ارتاب فيه، ولم يؤمن به؛ فارتيابه إنما نشأ عن توغله في اتباع الشهوات، وتقاعده عن تفقده ما يسعده، وينجيه. انتهى. صفوة التفاسير. وانظر ما ذكرته في سورة (السجدة) رقم [٢] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وانظر شرح آية الإسراء المذكورة. ﴿أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ أي: أولئك الكافرون بالقرآن هم شبيهون بمن ينادى من مكان بعيد، فإنه لا يسمع، ولا يفهم ما ينادى به. وهذا على سبيل التمثيل. قال ابن عباس ﵄: يريد مثل البهيمة؛ التي لا تفهم إلا دعاء، ونداء. انتهى. صفوة التفاسير. وقد عده بعضهم من الاستعارة التمثيلية. وقال الضحاك: ينادون يوم القيامة بأقبح أسمائهم من

стр. 5628

مكان بعيد، فيكون ذلك أشدّ لتوبيخهم، وفضيحتهم. هذا؛ وإعلال: ﴿عَمًى﴾ مثل إعلال ﴿هُدىً﴾ في الآية رقم [٥٤] من سورة (غافر). الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿جَعَلْناهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿قُرْآناً:﴾ مفعول به ثان. ﴿أَعْجَمِيًّا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَقالُوا:﴾ اللام: واقعة في جواب لو. (قالوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض. ﴿فُصِّلَتْ:﴾ ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿آياتُهُ:﴾ نائب فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿لَقالُوا..﴾. إلخ جواب (لو)، لا محل لها، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿ءَ أَعْجَمِيٌّ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (أعجمي): فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: أأعجمي، وعربي يستويان؟! وساغ الابتداء بالنكرة لاعتماده على الاستفهام. والثاني: أنه خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: أهو أعجمي، والمرسل به عربي؟! والثالث: أنه فاعل بفعل محذوف، التقدير: أيستوي أعجمي وعربي؟! وهذا ضعيف؛ إذ لا يحذف الفعل إلا في مواضع معروفة. انتهى. جمل بتصرف. هذا؛ والجملة مستأنفة، لا محل لها، على الوجوه الثلاثة. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿هُدىً وَشِفاءٌ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، أو هما متعلقان ب: (شفاء)؛ لأنه مصدر، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿هُدىً:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): مبتدأ، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي آذانِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿وَقْرٌ:﴾ فاعل بمتعلق الجار، والمجرور؛ أي: وجد، أو استقر في آذانهم وقر. هذا؛ ويجوز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر مقدم، و ﴿وَقْرٌ﴾ مبتدأ مؤخرا، وتكون الجملة الاسمية، في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو هي في محل نصب مقول القول. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف عطف. (هو): مبتدأ. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿عَمًى﴾ على مثال ما تقدم. ﴿عَمًى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، مثل ﴿هُدىً﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها.

стр. 5629

﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسرة في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يُنادَوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿مِنْ مَكانٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بَعِيدٍ:﴾ صفة: ﴿مَكانٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وأجيز اعتبارها خبرا ل: ﴿إِنَّ﴾ في الآية رقم [٤١] وهو أحد الأوجه الضعيفة التي قيلت في خبرها هناك. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ أي: التوراة. ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ:﴾ فآمن به قوم، وعملوا بتعاليمه، وكفر به قوم؛ حيث حرفوا، وبدلوا، وغيروا فيه، ولم يعملوا بتعاليمه، كما اختلف قومك يا محمد في هذا القرآن بين مصدق ومكذب. ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ:﴾ وهي كلمة الإنظار، والإمهال بتأخير العذاب للمجرمين إلى يوم القيامة، فإنه يوم الفصل، والجزاء. ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بإنزال ما يستحقه المجرم، والمكذب من العذاب؛ ليتميز به عن المحق. ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ أي: وإن قومك لفي شك من القرآن موقع في الريبة؛ لتبلد عقولهم، وعمى أبصارهم. هذا؛ وقيل: الكلمة التي سبقت هي قوله تعالى في الحديث القدسي: «سبقت رحمتي غضبي». وانظر (الريب) في سورة (غافر) رقم [٥٩]، وانظر ما ذكره الرسول ﷺ من وقوع أنواع العذاب في هذه الأمة في آخر الزمان في الآية رقم [١٨]. هذا؛ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وهو تسلية للنبي ﷺ ؛ أي: لا يحزنك اختلاف قومك في كتابك، فقد اختلف من قبلهم في كتابهم. وأضيف: أن الآية مذكورة بحروفها في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام برقم [١١٠]. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله. والجار، والمجرور متعلقان بمحذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿آتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مُوسَى:﴾ مفعول به أول. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية: (لقد...) إلخ جواب القسم لا محل لها، وانظر الآية رقم [٦٢] من سورة (يس) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿فَاخْتُلِفَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (اختلف): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل رفع نائب فاعله. وقيل: نائب الفاعل مستتر فيه، ولا وجه له ألبتة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. والجملة القسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَوْلا:﴾ الواو:

стр. 5630

حرف استئناف. (لولا): حرف امتناع لوجود. ﴿كَلِمَةٌ:﴾ مبتدأ. ﴿سَبَقَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى: ﴿كَلِمَةٌ﴾. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿كَلِمَةٌ،﴾ وخبر المبتدأ محذوف، التقدير: موجودة. ﴿لَقُضِيَ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لولا). (قضي): ماض مبني للمجهول. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وهو نائب فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ ويجوز أن يكون نائب الفاعل ضميرا مستترا تقديره: «هو» يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، التقدير: وقضي هو؛ أي: القضاء. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٤] من سورة (سبأ) فبين الآيتين شبه قوي. وجملة: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ جواب (لولا) لا محل لها، و (لولا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. وقيل: معطوف على ما قبله، والأول أولى. ﴿وَإِنَّهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَفِي:﴾ اللام: هي المزحلقة. (في شك): متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿شَكٍّ؛﴾ لأنه مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف صفة له. ﴿مُرِيبٍ:﴾ صفة: ﴿شَكٍّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير، والاستئناف ممكن. تأمل، وتدبر. ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ الشرح: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ:﴾ فصلاحه لنفسه؛ لأنه يعود عليها بالثواب، وجزيل الأجر. ﴿وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها﴾ أي: أساء العمل، فإساءته عائدة على نفسه بالضرر. ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ﴾ أي: بذي ظلم؛ أي: فظلام صيغة نسب كتمّار، وخبّاز، وبقّال، لا صيغة مبالغة، فالمراد نفي نسبة الظلم، لا نفي المبالغة؛ لأن نفيها يثبت بعض الظلم، والله منزه عنه قطعا، قال تعالى: ﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ﴾ ومثل الآية الكريمة ما رواه عبد الله بن مسعود-﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يكون المؤمن لعّانا». أخرجه الترمذي، ومن هذا الباب قول امرئ القيس، وهو الشاهد رقم [١٧٥] من كتابنا: فتح القريب المجيب: [الطويل] وليس بذي رمح فيطعنني به... وليس بذي سيف وليس بنبّال الإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون، في محل رفع مبتدأ. ﴿عَمِلَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾. ﴿صالِحاً:﴾ صفة لمفعول به محذوف، أو لمفعول مطلق محذوف. ﴿فَلِنَفْسِهِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لنفسه): جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: فعمل لنفسه، أو هما متعلقان بمحذوف

стр. 5631

خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فعمله لنفسه، وهو قول ابن هشام في المغني، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة سواء أكانت فعلية أم اسمية في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، والمعتمد أنه جملتا الشرط والجواب. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا فجملة: ﴿عَمِلَ صالِحاً:﴾ صلته، والجملة الثانية خبره، ودخلت الفاء في الخبر لشبه الموصول بالشرط في العموم، والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها:﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق، وهذه الآية مذكورة في سورة (الجاثية) برقم [١٤] هذا؛ ولا تنس المطابقة بين الجملتين المتعاطفتين. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما) نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿رَبُّكَ:﴾ اسم (ما)، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِظَلاّمٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (ظلاّم) خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. وفاعله مستتر فيه. ﴿لِلْعَبِيدِ:﴾ متعلقان بظلام، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وقيل في محل نصب حال وضعفه ظاهر. ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧)﴾ الشرح: ﴿إِلَيْهِ:﴾ إلى الله تعالى. ﴿يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أي: علم قيامها، ووقوعها؛ بمعنى: إذا سأل عنها سائل؛ قيل له: لا يعلم وقت قيام الساعة إلا الله تعالى، ولا سبيل للخلق إلى معرفة ذلك، كما قال سيد البشر ﷺ لجبريل ﵇ حين سأله عن الساعة: «ما المسؤول عنها بأعلم من السّائل» وكما قال تعالى: ﴿إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ سورة (النازعات)، وكما قال في آخر سورة (لقمان): ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ..﴾. إلخ. ﴿وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها﴾ أي: من أوعيتها، فالأكمام: أوعية الثمرة، واحدها: كمة، وهي كل ظرف لمال، أو غيره. وضبطه الزمخشري بكسر الكاف، وهو ما يغطي الثمرة من الزهر، وقال الراغب: الكم ما يغطي اليد من القميص، وما يغطي الثمرة، وجمعه: أكمام، فهذا يدلّ على أنّه مضموم الكاف؛ إذ جعله مشتركا بين كمّ القميص، وكمّ الثمرة، ولا خلاف في كمّ القميص أنّه بالضم، فيجوز أن يكون في وعاء الثمرة لغتان دون كمّ القميص جمعا بين قوليهما. انتهى. جمل. ﴿وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ﴾ أي: إلاّ مقرونا بعلمه، واقعا حسب تعلّقه به. انتهى. بيضاوي. وفي الخازن: أي: يعلم قدر أيام الحمل، وساعاته، ومتى يكون الوضع، وذكر الحمل هو أم أنثى، ولونه. ومعنى الآية: كما يرد إليه علم الساعة؛ فكذلك يرد إليه علم ما يحدث من شيء، كالثمار، والنتاج. وخذ قوله تعالى من سورة (الرعد) رقم [٨]: ﴿اللهُ يَعْلَمُ ما﴾

стр. 5632

تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ وقوله تعالى في سورة (الأنعام) [٥٩]: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ..﴾. إلخ انظر شرحها هناك تجد ما يسرّك. ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي﴾ أي: ينادي الله المشركين يوم القيامة: أين شركائي الذين زعمتموهم؟ هذا؛ وأطلق على الأصنام اسم الشركاء لأحد أمرين: أحدهما: أن المشركين يشركونها مع الله في العبادة، والتعظيم، والتقديس. وثانيهما: أنّهم يشركونها في الأموال، والأنعام، والزروع. انظر الآية رقم [١٣٨] من سورة (الأنعام) وما بعدها. ﴿قالُوا﴾ أي: الأصنام المعبودة من دون الله تعالى. وقيل: المشركون، ويحتمل أن يريدهم جميعا العابد، والمعبود. ﴿آذَنّاكَ:﴾ أعلمناك؟ وأخبرناك الآن بالحقيقة. ﴿ما مِنّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ أي: من يشهد اليوم بأن لك شريكا. قال المفسرون: لما عاينوا القيامة؛ تبرؤوا من الأصنام. وتبرأت الأصنام منهم، وأعلنوا إيمانهم وتوحيدهم في وقت لا ينفع فيه إيمان، وتوحيد. تنبيه: جاء في الظلال ما يلي: ويذهب القلب يتتبع الثمرات في أكمامها، والأجنة في أرحامها، ويطوف في جنبات الأرض يرقب الأكمام التي لا تحصى، ويتصور الأجنة التي لا يحصرها خيال، وترتسم في الضمير صورة رائعة لعلم الله، بقدر ما يطيق القلب البشري أن يتصور من الحقيقة التي ليس لها حدود. تنبيه: جاء في الخازن ما يلي: فإن قلت: قد يقول الرجل الصالح من أصحاب الكشف قولا فيصيب فيه، وكذلك الكهان، والمنجمون! قلت: أما أصحاب الكشف إذا قالوا قولا؛ فهو من إلهام الله تعالى، وإطلاعه إياهم عليه، فكان من علمه الذي يردّ إليه. وأمّا الكهان، والمنجّمون فلا يمكنهم القطع، والجزم بشيء مما يقولونه ألبتة، وإنّما غايته ادّعاء ظنّ ضعيف قد لا يصيب، وعلم الله تعالى هو العلم اليقين المقطوع به، الذي لا يشركه فيه أحد. هذا؛ وأقول: وما اخترع من أشياء، وما اكتشف من أمور في هذا العصر، وما يتحدّثون عنه من مغيّبات مثل نزول المطر، وعن وصف الجنين في الرحم، وغير ذلك، إنما هو قائم على التجربة، والحدس، والتخمين، وكثيرا ما يخطئ، وقد يصيب، فيبقى من علم الله تعالى. الإعراب: ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿يُرَدُّ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿عِلْمُ:﴾ نائب فاعله، و ﴿عِلْمُ﴾ مضاف، و ﴿السّاعَةِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها، وقدّم الجار والمجرور للاختصاص. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما) نافية. ﴿تَخْرُجُ:﴾ فعل مضارع. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿ثَمَراتٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿مِنْ أَكْمامِها:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف صفة: ﴿ثَمَراتٍ﴾. وقيل: متعلقان بالفعل: ﴿تَخْرُجُ،﴾ والمعنى على الأول أقوى، و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما

стр. 5633

قبلها، لا محلّ لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا ب: (إلى) فلا بأس به، ويكون الرابط: الواو، والضمير المجرور محلا بالإضافة بقوله: ﴿بِعِلْمِهِ﴾ لأنّ الجمل المتعاطفة كالجملة الواحدة. هذا؛ وقيل: (ما) موصولة في محل جر عطف على: ﴿السّاعَةِ﴾ التقدير: علم الساعة، وعلم التي تخرج. والمعنى: لا يؤيده. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿تَحْمِلُ:﴾ فعل مضارع. ﴿مِنْ﴾ حرف جر صلة. ﴿أُنْثى:﴾ فاعله مجرور لفظا منصوب محلا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَضَعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿أُنْثى،﴾ ومفعوله محذوف، التقدير: ولا تضعه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِعِلْمِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال؛ أي: إلاّ مقرونا بعلمه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. (يوم): ظرف زمان: مفعول به، أو هو متعلّق بفعل محذوف، تقديره: اذكر يوم، أو هو ظرف لمضمر قد ترك إيذانا بقصور البيان عنه، أو هو متعلّق بما بعده. ﴿يُنادِيهِمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿رَبِّكَ﴾ في الآية السابقة، والهاء مفعول به. ﴿أَيْنَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية المكانية متعلّق بمحذوف خبر مقدّم. ﴿شُرَكائِي:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلّم في محلّ جر بالإضافة، من إضافة جمع اسم الفاعل لفاعله، أو لمفعوله، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به ثان للفعل: (ينادي)، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها، وجملة: (اذكر يوم يناديهم...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿آذَنّاكَ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعول به أول، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿مِنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. (من): حرف جر صلة. ﴿شَهِيدٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني، والثالث ل: (آذن) لأنّه يتعدّى لثلاثة ك: «أعلم»، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨)﴾ الشرح: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: غاب عن الكافرين. والتعبير بالماضي عن المستقبل في هذه الآيات إنّما هو لتحقق الوقوع يوم القيامة. وانظر شرح ﴿ضَلَّ﴾ في سورة (الصافات) رقم [٧١]. ﴿ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: يعبدون من دون الله، والمراد: الأصنام التي كانوا يعبدونها في

стр. 5634

الدنيا. ﴿وَظَنُّوا﴾ أي: وأيقنوا، وعلموا. ﴿ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ أي: مهرب، وملجأ يلجؤون إليه، من: حاص، يحيص حيصا: إذا هرب. الإعراب: ﴿وَضَلَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (ضلّ): فعل ماض. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محلّ رفع فاعل. ﴿كانُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَدْعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، وهو العائد، والجملة الفعلية في محلّ نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلّقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف العائد على الموصول، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى، وجملة: ﴿وَضَلَّ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها مثلها. (ظنوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ نافية معلقة للفعل (ظنوا) عن العمل. ﴿لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب ﴿مِنّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ بلا فارق، وهي في محلّ نصب سدّت مسدّ مفعولي (ظنّ)، وجملة: ﴿وَظَنُّوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (٤٩)﴾ الشرح: ﴿لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ:﴾ لا يمل، وانظر الآية رقم [٣٨]. ﴿مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ﴾ أي: من سؤاله، وطلبه الخير؛ الذي هو: المال، والصحة، والعز، والجاه، والسلطان. والمراد بالإنسان هنا: الكافر، بدليل قوله الآتي: ﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾. ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ:﴾ أصابه ما يكره في نفسه، أو ماله، أو ولده. ﴿فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ﴾ أي: شديد اليأس من روح الله تعالى، شديد القنوط من رحمة الله تعالى، وهذه صفة الكافر بدليل قوله تعالى في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام الآية رقم [٨٧]: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾. هذا؛ واليأس من صفات القلب، وهو: قطع الرجاء من رحمة الله تعالى. والقنوط تبدو آثاره على ظاهر البدن. وفي البيضاوي: وقد بولغ في يأسه من جهة البنية والتكرير، وما في القنوط من ظهور أثر اليأس. انتهى. والمراد: بالبنية الصيغة لأن فعولا من صيغ المبالغة، والتكرير لأن اليأس والقنوط كالمترادفين. وفي المختار: اليأس: القنوط، وقد يئس من باب: فهم. وفيه لغة أخرى: يئس، ييئس بالكسر فيهما، وهي شاذة، ورجل يئوس، ويئيس أيضا، وبمعنى: «علم» في لغة النخع، ومنه قوله تعالى في سورة (الرعد) رقم [٣١]: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعاً﴾. وآيسه من كذا، فاستيأس منه، بمعنى: أيس. انتهى. جمل بتصرف. هذا؛ ومن مجيء ييأس بمعنى: يعلم قول سحيم بن وثيل اليربوعي، وقال القرطبي: هو لمالك بن عوف النصري: [الطويل]

стр. 5635

أقول لهم بالشّعب إذ ييسرونني... ألم تيأسوا أنّي ابن فارس زهدم زهدم: اسم فرس والد سحيم. وقال رباح بن عدي: [الطويل] ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه... وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا؟ الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْأَمُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿مِنْ دُعاءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿دُعاءِ﴾ مضاف، و ﴿الْخَيْرِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله. وفاعله محذوف؛ إذ التقدير: من دعائه الخير. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿مَسَّهُ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محلّ جزم فعل الشرط، والهاء مفعول به. ﴿الشَّرُّ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَيَؤُسٌ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (يئوس): خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فهو يئوس. ﴿قَنُوطٌ:﴾ خبر ثان للمحذوف، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور. والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحل محل المفرد. و (إن) ومدخولها معطوف على ما قبله لا محلّ له مثله. ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٠)﴾ الشرح: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ﴾ أي: أذقنا الإنسان. ﴿رَحْمَةً مِنّا:﴾ عافية، وراحة بال، وغنى، وأولادا، ومنصبا، وجاها. ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ﴾ أي: بعد شدة وبلاء أصابه. ﴿لَيَقُولَنَّ هذا لِي﴾ أي: هذا شيء أستحقه على الله لرضاه بعملي، فيرى النعمة حتما واجبا على الله تعالى، ولم يعلم: أنّ الله ابتلاه بالنعمة، والمحنة ليتبين شكره، أو كفره. ﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً:﴾ فهو ينكر الساعة؛ أي: يوم القيامة وما فيه من جزاء، وحساب، وإثابة، وعقاب. ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي﴾ أي: على سبيل الفرض، والتقدير. ﴿إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ أي: الجنة، أو الحالة الحسنة من الكرامة، والنعمة. قايسا أمر الدنيا على أمر الآخرة، فهو يتمنى على الله الأماني الكاذبة. وقوله هنا كقول صاحب الجنتين في سورة (الكهف) رقم [٣٦]: ﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً﴾ وكما حكى الله عن العاص بن وائل قوله في سورة (مريم) رقم [٧٧]: ﴿لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً﴾. ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا﴾ أي: فلنخبرنهم يوم القيامة بحقيقة ما عملوا من الأعمال الموجبة للعذاب، ولنرينهم عكس ما اعتقدوا فيها من النفع، والنجاة من غضب الله، وسخطه،

стр. 5636

وأنّها لا تفيد شيئا، ولا تغني فتيلا، كما قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٢٣]: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾. ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ:﴾ شديد، لا يفتر عنهم. فالله يتهدد من كان هذا عمله، واعتقاده بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم. هذا؛ والغلظ مستعار من الأجرام الغليظة، والمراد: الشدة، والثقل على المعذب، وانظر استعارة (الذوق) في الآية رقم [٣٨] من سورة (الصافات). الإعراب: ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَذَقْناهُ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، و (نا): فاعله، والهاء مفعول به أول. ﴿رَحْمَةً:﴾ مفعوله الثاني. ﴿مِنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿رَحْمَةً،﴾ أو بمحذوف صفة لها، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلّقان بمحذوف صفة: ﴿رَحْمَةً،﴾ و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و ﴿ضَرّاءَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة، وهي علة تقوم مقام علّتين من موانع الصرف. ﴿مَسَّتْهُ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿ضَرّاءَ،﴾ تقديره: «هي»، والتاء للتأنيث حرف لا محلّ له، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿ضَرّاءَ﴾. ﴿لَيَقُولَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (يقولن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محلّ له، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانُ﴾. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محلّ له. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿لَيَقُولَنَّ هذا لِي﴾ جواب القسم، المدلول عليه باللام الموطئة، وجواب الشرط محذوف، لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم، فالجواب للسابق منهما». قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم هذا؛ والكلام: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ..﴾. إلخ كله مستأنف لا محلّ له. ﴿وَما:﴾ الواو: واو، الحال. (ما): نافية. ﴿أَظُنُّ:﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا». ﴿السّاعَةَ:﴾ مفعول به أول. ﴿قائِمَةً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ:﴾ إعرابه مثل سابقه مع ملاحظة بناء الفعل للبناء للمجهول، والتاء نائب فاعله. ﴿إِلى رَبِّي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر:

стр. 5637

﴿إِنَّ،﴾ تقدّم على اسمها. ﴿عِنْدَهُ:﴾ ظرف مكان متعلّق بالخبر المحذوف، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لَلْحُسْنى:﴾ اللام: لام الابتداء. (الحسنى): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المقصورة. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ لِي..﴾. إلخ جواب القسم، لا محلّ لها، وانظر ما ذكرته سابقا. ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ:﴾ الفاء: حرف استئناف. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلّقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (ننبئن): فعل مضارع مبني على الفتح، والنون للتوكيد حرف لا محلّ له. والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلّقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله الثاني، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء. والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو: بشيء عملوه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملهم، والجملة الفعلية: (لننبئن...) إلخ جواب القسم المقدر، لا محلّ لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه. ﴿مِنْ عَذابٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله الثاني. ﴿غَلِيظٍ:﴾ صفة (عذاب). ﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ﴾ أي: الكافر؛ أي: الجنس من حيث هو. ﴿أَعْرَضَ﴾ أي: عن الإيمان، والتوحيد. ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ أي: ترفع، وتباعد عن الانقياد إلى الحق، وتكبر على أنبياء الله، والداعين إلى الهدى والصلاح في كل زمان ومكان. وهذا شأن المتكبرين أينما وجدوا. والجانب: مجاز عن النفس، كالجنب في قوله تعالى حكاية عن قول الفاجر يوم القيامة: ﴿يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ رقم [٥٦] من سورة (الزمر). ﴿وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ:﴾ أصابه بلاء في جسمه، أو في ولده، أو في ماله، أو ما يغمّه ويحزنه. ﴿فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ أي: كثير، والعرب تستعمل الطول، والعرض في الكثرة. يقال: أطال فلان الكلام، وأعرض في الدعاء: إذا أكثر، فهو مستعار مما له عرض متسع للإشعار بكثرته، فإن العريض يكون ذا أجزاء كثيرة. والاستعارة تخييلية، شبه الدعاء بأمر يوصف بالامتداد، ثم أثبت له العرض، فإن قلت: كيف يدعو دعاء طويلا عريضا، ينافي وصفه قبل هذا بأنه يؤوس قنوط؛ لأنّ الدعاء فرع الطمع والرجاء، وقد اعتبر في القنوط ظهور أثر اليأس، فظهور ما يدلّ على الرجاء يأباه؟! قلت: يمكن

стр. 5638

دفع المنافاة بحمله على عدم اتحاد الأوقات، والأهوال. انتهى. جمل نقلا من الشهاب. بعد هذا خذ قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٨٣]: ﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً﴾ وقوله تعالى في سورة (هود) رقم [٩]: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ انظر شرح هذه الآيات في محالها؛ تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو استئنافية، (إذا): انظر الآية رقم [٢٠]. ﴿أَنْعَمْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَى الْإِنْسانِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿أَعْرَضَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الْإِنْسانِ،﴾ والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَنَأى:﴾ الواو: حرف عطف. (نأى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿بِجانِبِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ:﴾ إعرابه مثل سابقه بلا فارق. ﴿فَذُو:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (ذو): خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فهو ذو، مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و (ذو) مضاف، و ﴿دُعاءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَرِيضٍ:﴾ صفة: ﴿دُعاءٍ،﴾ والجملة الاسمية جواب (إذا)، لا محلّ لها، و (إذا) ومدخولها معطوف على ما قبله، لا محلّ له مثله. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ؛ أي: قل يا محمد لقومك. ﴿أَرَأَيْتُمْ:﴾ أخبروني، وأعلموني. ﴿إِنْ كانَ﴾ أي: القرآن الكريم. ﴿مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ أي: حقا كما أخبر النبي ﷺ . ﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ أي: أنكرتموه، وجحدتموه. ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ..﴾. إلخ أي: فأي الناس أضل؟! أي: لا أحد أضل منكم لفرط شقاوتكم، وعداوتكم. ﴿فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي: في خلاف، وعصيان، ومشاقة لله ، ولرسوله ﷺ وللمؤمنين، ومعنى: ﴿بَعِيدٍ:﴾ شديد. وانظر شرح: ﴿شِقاقٍ﴾ في الآية رقم [٢] من سورة (ص). هذا؛ وقال الجمل: واستعمال: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ بمعنى: الإخبار مجاز، ووجه المجاز: أنّه لما كان العلم بالشيء سببا للإخبار عنه، أو إبصاره به طريقا إلى الإحاطة به علما، وإلى صحة الإخبار عنه؛ استعملت الصيغة التي لطلب العلم، أو لطلب الإبصار في طلب الخبر، لاشتراكهما في الطلب، ففيه مجازان: استعمال «رأى» التي بمعنى: «علم» أو «أبصر» في الإخبار، واستعمال الهمزة؛ التي هي لطلب الرؤية في طلب الإخبار. انتهى. جمل نقلا من الشهاب.

стр. 5639

الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿أَرَأَيْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (رأيتم): فعل، وفاعل، ومفعوله الأول محذوف، التقدير: أرأيتم أنفسكم، والثاني: الجملة الاستفهامية الآتية. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط، واسمه مستتر تقديره: «هو» يعود إلى القرآن. ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ و ﴿عِنْدِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنّها ابتدائية... إلخ. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿كَفَرْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجواب الشرط محذوف، تقديره: فلا أحد أضلّ منكم! ﴿مِنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَضَلُّ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به ثان. وعليه: فالجملة الشرطية معترضة بين المفعولين. ﴿مِمَّنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَضَلُّ﴾. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿فِي شِقاقٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿بَعِيدٍ:﴾ صفة: ﴿شِقاقٍ﴾. هذا؛ وقد ارتأيت في سورة (الأنعام) رقم [٤٠] أنّ الجملة الاستفهامية سدّت مسدّ مفعولي الفعل على اعتباره معلقا عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وعليه فالجملة الشرطية معترضة بين الفعل وبين ما سدّ مسدّ مفعوليه. وجملة: ﴿أَرَأَيْتُمْ..﴾. إلخ في محلّ نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ الشرح: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ:﴾ يعني ما أخبرهم به النبي ﷺ به من الحوادث الآتية، وآثار النوازل الماضية، وما يسر الله له، ولخلفائه من الفتوح، والظهور على ممالك الشرق، والغرب على وجه خارق للعادة. انتهى. بيضاوي. هذا؛ والآيات: العلامات الدالة على قدرة الله، وعظمته، وهي تبعث على عبادته، وتوحيده. هذا؛ والآفاق: النواحي، والجهات، واحدة: أفق، وأفق، مثل: عسر وعسر، ورجل أفقي بفتح الهمزة والفاء إذا كان من آفاق الأرض، وبعضهم يقول: أفقي بضمهما، وهو القياس، وأنشد غير الجوهري قول الفرزدق، وهو الشاهد رقم [١١٦٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] أخذنا بآفاق السّماء عليكم... لنا قمراها والنجوم الطوالع ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: من لطيف الصنعة، وبديع الحكمة؛ حتى سبيل البول، والغائط، فإن الإنسان يأكل، ويشرب في مكان واحد، ويتميز ذلك من مكانين. وبديع صنعته، وحكمته في

стр. 5640

عينيه؛ اللتين هما قطرة ماء ينظر بهما من السماء إلى الأرض مسيرة خمسمئة عام. وفي أذنيه اللتين يفرق بهما بين الأصوات المختلفة. وغير ذلك من بديع حكمة الله فيه. وقيل: ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من كونهم نطفا إلى غير ذلك من انتقال أحوالهم، كما تقدّم بيانه في سورة (المؤمنون). انتهى. قرطبي. لذا فقد قال تعالى في سورة (الذاريات): ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾. ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ:﴾ الضمير للقرآن، أو للرسول ﷺ ، أو للتوحيد، أو لله. هذا؛ ويقال: تبين الشيء، وبان، وأبان، واستبان كله بمعنى واحد، وهو لازم، وقد يستعمل بعضها متعديا. ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ أي: أولم يحصل الكفاية بربك. ﴿أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ المعنى: أولم يكفك: أنّه تعالى على كل شيء شهيد محقق له، فيحقق أمرك بإظهار الآيات الموعودة، كما حقق سائر الأشياء. أو المعنى: مطلع، فيعلم حالك، وحالهم، ويستوي عنده تعالى الغيب، والشهادة، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات، ولا في الأرض. هذا؛ والفعل: «كفى» في قوله تعالى: ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ ونحوه بمعنى: اكتف، فالباء زائدة في الفاعل عند الجمهور، وهو لازم، لا ينصب المفعول به، ومضارعه مثله، كما في هذه الآية التي نحن بصدد شرحها، وأمّا إذا كان بمعنى: جزى، وأغنى، فيكون متعديا لواحد، وإذا كان بمعنى: وقى، فإنّه يكون متعديا لمفعولين. كما في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ رقم [٢٥] من سورة (الأحزاب). هذا؛ واعتبر بعض العلماء في الآية الكريمة إشارة دقيقة إلى بعض العلوم الكونية؛ التي سبق إليها القرآن قبل أن يكتشفها العلم الحديث، ثم عدم تعارضه مع ما يكتشفه العلم من نظريات علمية حديثة. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الناحية من نواحي الإعجاز بقوله جلّ شأنه: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا..﴾. إلخ. قال محمد علي الصابوني: ومع اعتقادنا بأن القرآن العظيم ليس كتاب طبيعة، أو هندسة، أو فيزياء، وإنما هو كتاب هداية، وإرشاد، وكتاب تشريع، وإصلاح، ولكن مع ذلك لم تخل آياته من الإشارات الدقيقة، والحقائق الخفية إلى بعض المسائل الطبيعية والطبية، والجغرافية مما يدل على إعجاز القرآن، وكونه وحيا من عند الله، فمن المقطوع به: أن محمدا ﷺ كان أميا، لا يقرأ، ولا يكتب، وأنه نشأ في بيئة بعيدة عن مظاهر الحياة؛ حيث لم تكن علوم، ولا معارف، ولا مدارس تقرأ فيها العلوم الكونية؛ لأنّ قومه، وعشيرته كانوا أميين، ومع ذلك فإن النظريات العلمية التي أشار إليها القرآن لم تكن معلومة في عصره، ولم يكتشف العلم أسرارها، إلا منذ زمن قريب، وذلك من أصدق البراهين على أنّ هذا القرآن ليس من تأليف محمد ﷺ كما يزعم بعض المستشرقين، إنما هو وحي من الله أنزله على قلب سيد المرسلين بلسان عربي مبين. انتهى.
следующие страницы →