← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.

стр. 5811

هذا؛ وقد شنع أحمد محشي الكشاف على الزمخشري حيث قال: لقد اجترأ عظيما واقتحم مهلكة في تمثيله ذلك، ثم قال أحمد: وإذا ثبتت هذه المقدمة عقلا، ونقلا؛ لزمه فرك أذنه، وغلّ عنقه؛ إذ يلحد في الله إلحادا لم يسبقه إليه أحد من عباده الكفرة، ولا تجرّأ عليه مارد من مردة الفجرة، ومن خالف في كفر القدرية؛ فقد وافق على كفر من تجرّأ. فقال: هذه المقالة، واقتحم هذه الضلالة بلا محالة، فإنّه قد صرّح بكلمة الكفر على أقبح وجوهها، وأشنع أنحائها. أقول: وهذا تجنّ ظاهر على الزمخشري، والله المسؤول أن يعصمنا من الزلل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. نعم المولى ونعم النصير. هذا؛ وأذكر: أن الجمل قد نقل من حاشية زاده على البيضاوي ما يشبه كلام الزمخشري، وهذا يعني: أنه لا غضاضة على الزمخشري. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنْ:﴾ نافية. ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص. ﴿لِلرَّحْمنِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (كان) تقدّم على اسمها. ﴿وَلَدٌ:﴾ اسمها مؤخر، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وعليه ف: ﴿الْعابِدِينَ﴾ من العبادة. هذا؛ وقيل: (إنّ) شرطية، و ﴿كانَ﴾ مبني على الفتح في محل جزم فعل شرطها، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَأَنَا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أنا): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَوَّلُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿الْعابِدِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحل محل المفرد، ويكون معنى: ﴿الْعابِدِينَ﴾ الجاحدين لقولكم: إن له ولدا. والكلام في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ (٨٢)﴾ الشرح: نزّه الله نفسه عن كل ما يقتضي الحدوث من نسبة الولد إليه تنزيها لائقا بجلاله وعظمته، وكبريائه. وانظر شرح: ﴿سُبْحانَ﴾ في آخر سورة (الصافات)، وشرح ﴿الْعَرْشِ﴾ في سورة (السجدة) رقم [٤]. الإعراب: ﴿سُبْحانَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: يسبح سبحان، وهو مضاف، و ﴿رَبِّ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا. و ﴿رَبِّ﴾ مضاف، و ﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على: ﴿رَبِّ﴾. ﴿رَبِّ﴾ بدل من سابقه، و ﴿رَبِّ﴾ مضاف، و ﴿الْعَرْشِ﴾ مضاف إليه. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿سُبْحانَ،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن) والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: عن

стр. 5812

الذي، أو عن شيء يصفونه به، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن)، التقدير: تنزه، وتقدّس عن وصفهم، والكلام مستأنف كلّه لا محلّ له. ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣)﴾ الشرح: ﴿فَذَرْهُمْ:﴾ اتركهم، وأعرض عنهم. وهذا الفعل ناقص التصرف، لا يأتي منه غير المضارع، والأمر. انظر ما ذكرته في سورة (الأحزاب) رقم [٤٨]، أو سورة (الطور) رقم [٤٥] تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. ﴿يَخُوضُوا:﴾ في باطلهم. ﴿وَيَلْعَبُوا﴾ أي: في دنياهم، والخطاب للنبي ﷺ ، والمراد: أهل مكة. ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي: يوعدون يوم القيامة، وهو دليل واضح على أنّ قولهم محض جهل، واتباع هوى، وأنهم مطبوع على قلوبهم، معذبون في الآخرة، فما لهم من شفيع، ولا ناصر ينصرهم. قيل: هذا منسوخ بآية السيف، وقيل: هو محكم، وإنما أخرج مخرج التهديد. هذه والآية مذكورة بحروفها في سورة (المعارج) برقم [٤٢] وما يشبهها في سورة (الطور) رقم [٤٥]. الإعراب: ﴿فَذَرْهُمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف واعتبارها فصيحة لا بأس به. (ذرهم): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه، تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿يَخُوضُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية، لا محلّ لها. ﴿وَيَلْعَبُوا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يُلْقُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله. ﴿يَوْمَهُمُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: ﴿يَوْمَهُمُ﴾. ﴿يُوعَدُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف، وهو العائد؛ إذ التقدير: الذي يوعدونه، و «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: «حتى» والجار والمجرور متعلقان بأحد الأفعال المتقدمة على التنازع؛ لأنّ كل واحد يصلح للتعليق به. ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤)﴾ الشرح: في هذه الآية تكذيب للمشركين في أنّ الله اتخذ شريكا، أو ولدا؛ أي: هو المستحق للعبادة في السماء، والأرض. ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ:﴾ في تدبير خلقه. ﴿الْعَلِيمُ:﴾ بمصالحهم، والآية كقوله تعالى في سورة الأنعام الآية رقم [٣]: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾.

стр. 5813

الإعراب: ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ خبره. ﴿فِي السَّماءِ:﴾ متعلقان ب: ﴿إِلهٌ﴾ بعدهما، على تأويله ب: «معبود» وهذا مستعمل لغة، كما تقول: هو حاتم في طيء على تضمين الجواد الذي شهر به، قال الشاعر، وهو الشاهد رقم [٤٩٦] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل] وإنّ لساني شهدة يشتفى بها... وهوّ على من صبّه الله علقم ﴿إِلهٌ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو إله في السماء، والجملة الاسمية هذه صلة الموصول، لا محلّ لها. هذا؛ ولا يجوز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر مقدم، و ﴿إِلهٌ﴾ مبتدأ مؤخر، لخلو الجملة حينئذ من العائد. هذا؛ وحذف العائد على الوجه الأول لطول الصلة. ﴿وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ﴾ مثل سابقه، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة: لا محلّ لها، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ تحتمل العطف على ما قبلها، والاستئناف، والحالية من الموصول، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥)﴾ الشرح: ﴿وَتَبارَكَ الَّذِي:﴾ تكاثر خيره، من: البركة، وهي كثرة الخير، وزيادته، ومعنى تبارك الله: تزايد خيره، وتكاثر، أو تزايد عن كل شيء، وتعالى عنه في صفاته، وأفعاله، وهي كلمة تقديس، وتعظيم، لم تستعمل إلاّ لله وحده، وهو ملازم للماضي، لا يأتي منه مضارع، ولا أمر. قال الطرماح: [الطويل] تباركت لا معط لشيء منعته... وليس لما أعطيت يا ربّ مانع وقال آخر: [الطويل] تباركت ما تقدر يقع، ولك الشكر ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما﴾ أي: هو خالقهما، ومالكهما، والمتصرف فيهما بلا مدافعة، ولا ممانعة، فتنزّه تعالى عن الولد، والشريك. فاللام مفيدة للملك الحقيقي، الذي هو اتساع المقدور لمن له تدبير الأمور. ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أي: القيامة، لقد اختصّ الله بعلمها، ولم يطلع أحدا من الناس، كما قال تعالى في آخر سورة (لقمان): ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: بعد الموت، فيجازي كلا بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشرّ. وفي الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب، والفعل يقرأ بالبناء للمجهول، وبالبناء للمعلوم، و «رجع» يستعمل لازما، ومتعديا، فعلى قراءته بالبناء للمجهول يكون من المتعدي، وعلى قراءته بالبناء للمعلوم يكون من اللازم.

стр. 5814

الإعراب: ﴿وَتَبارَكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (تبارك): فعل ماض. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على ما قبله. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿وَعِنْدَهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (عنده): ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عِلْمُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿السّاعَةِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية معطوفة على جملة الصلة، لا محلّ لها مثلها. ﴿وَإِلَيْهِ:﴾ الواو: حرف عطف. (إليه): متعلقان بما بعدهما. ﴿تُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعل، أو نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محلّ لها مثلها. ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ الشرح: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ..﴾. إلخ: المراد: عيسى، وعزير، والملائكة؛ الذين عبدوا من دون الله. وعليه ف: ﴿مِنْ﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، والمعنى عليه: ولا يملك هؤلاء الشفاعة إلاّ للذي شهد بالحق، وآمن على علم وبصيرة، قاله سعيد بن جبير وغيره. قال: وشهادة الحق: لا إله إلاّ الله. وقيل: المعنى: إنّ عزيرا، وعيسى، والملائكة هم الذين يشفعون؛ لأنهم يشهدون بالحق والوحدانية لله، وأما الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله، فإنها لا تشفع لعابديها. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ:﴾ حقيقة ما شهدوا به. وقيل: إنها نزلت بسبب: أنّ النضر بن الحارث، ونفرا من قريش قالوا: إن كان ما يقول محمد حقا؛ فنحن نتولّى الملائكة، وهم أحقّ بالشفاعة لنا منه، فأنزل الله: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ..﴾. إلخ؛ أي: اعتقدوا: أنّ الملائكة، أو الأصنام، أو الجن، أو الشياطين تشفع لهم، ولا شفاعة لأحد يوم القيامة. هذا؛ وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ يدلّ على معنيين: أحدهما: أنّ الشفاعة بالحق غير نافعة إلاّ مع العلم، وأنّ التقليد لا يغني مع عدم العلم بصحة المقالة. الثاني: أنّ من شرط سائر الشهادات في الحقوق، وغيرها أن يكون الشاهد عالما بها، ونحوه ما روي عن النبي ﷺ : «إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلاّ فدع». انتهى. قرطبي وانظر الشفاعة في سورة (الزمر) رقم [٤٤].

стр. 5815

الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف، (لا): نافية. ﴿يَمْلِكُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿يَدْعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: الذين يدعونهم. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الشَّفاعَةَ:﴾ مفعول به ل: ﴿يَمْلِكُ﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لمن، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، أو الموصول في محل رفع بدلا من: ﴿الَّذِينَ﴾ انظر الشرح. ﴿شَهِدَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مِنْ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ في محلّ رفع خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿مِنْ﴾ لأنها بمعنى: الجمع، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ الشرح: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، والمسؤول منهم أهل مكة. ﴿لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ أي: لما تقرر في العقول من وجوب انتهاء الممكنات إلى واحد، واجب الوجود. ﴿فَأَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي: فكيف يصرفون عن توحيد الله وعبادته، مع إقرارهم بذلك، واعترافهم: أنه هو الصانع الحكيم. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الذاريات): ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ أي: يصرف عنه من صرف، فهو من باب ضرب، ومصدره أفكا كضربا. هذا؛ وهو من الباب الرابع بمعنى: كذب، ومصدره إفكا كعلما، ويغلب مجيء الأول بالبناء للمجهول، وقد يجيء بالبناء للمعلوم، كما في قوله تعالى: ﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ سورة (الأحقاف) رقم [٢٢]، ومن مجيئه بمعنى: الكذب قوله تعالى: ﴿فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ رقم [٤٥] من سورة (الشعراء). انظر شرحها هناك تجد ما يسرك. والأفاك كثير الكذب، كما في سورة (الجاثية) رقم [٧]. الإعراب: ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله. (إن): حرف شرط جازم. ﴿سَأَلْتَهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والهاء مفعوله الأول، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿خَلَقَهُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب سدّت مسدّ المفعول الثاني. ﴿لَيَقُولُنَّ:﴾ اللام: واقعة في

стр. 5816

جواب القسم المدلول عليه باللام الموطئة. (يقولن): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة المدلول عليها بالضمة: فاعل، والنون حرف لا محلّ له. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: الله خلقهن، أو هو فاعل لفعل محذوف، التقدير: خلقهم الله، ويرجحه التصريح به في الآية رقم [٩] من هذه السورة. والجملة على الاعتبارين في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿لَيَقُولُنَّ..﴾. إلخ جواب القسم المقدر، المدلول عليه باللام الموطئة، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما» قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم والكلام: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ..﴾. إلخ كله مستأنف لا محلّ له. ﴿فَأَنّى:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدّر، التقدير: وإذا كانوا يعترفون بأن الله خلقهم، فكيف يصرفون عن توحيده، وعبادته؟! (أنى): اسم استفهام، وتعجب، وتوبيخ مبني على السكون في محل نصب حال عامله ما بعده. ﴿يُؤْفَكُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر «إذا»، والجملة الشرطية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ الشرح: ﴿وَقِيلِهِ﴾ أي: وقول الرسول ﷺ . وقيل: التقدير: وقول عيسى ﵇. والأول أصح لقوله تعالى للنبي ﷺ : ﴿قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ﴾ وقرئ: ﴿وَقِيلِهِ﴾ بالنصب، والجر، والرفع، وهو مصدر، ومثله: القول، والقال، والمقالة، والآية معناها: الشكوى إلى الله. قال ابن عباس-﵄: شكا رسول الله ﷺ إلى الله تعالى تخلف قومه عن الإيمان. وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: هذا نبيكم يشكو قومه إلى ربه. هذا؛ وفحوى الآية مثل قوله تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٣٠]: ﴿وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾. الإعراب: ﴿وَقِيلِهِ:﴾ بالجر على معنى: وعنده علم الساعة، وعلم قيله. وبالنصب على معنى: وعنده علم الساعة، ويعلم قيله. وهذا اختيار الزجاج. وقال الفراء والأخفش: يجوز أن يكون ﴿وَقِيلِهِ﴾ عطفا على قوله: ﴿أَنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ﴾. وأجاز الفراء، والأخفش أيضا أن يكون مفعولا مطلقا، كأنه قال: وقال قيله، وشكا شكواه إلى الله ، كما قال كعب بن زهير من قصيدته التي مدح بها النبي ﷺ : [البسيط] تمشي الوشاة جنابيها وقيلهم... إنك يابن أبي سلمى لمقتول أراد: ويقولون قيلهم. وبالرفع على تقدير: وعنده قيله، أو قيله مسموع. والذي قالوه ليس بقوي

стр. 5817

في المعنى مع وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما لا يحسن اعتراضا ومع تنافر النظم. وأقوى من ذلك وأوجه أن يكون الجر والنصب على إضمار حرف القسم، وحذفه، والرفع على قولهم: أيمن الله، وأمانة الله، ويمين الله، ولعمرك، ويكون قوله: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ جواب القسم. انتهى. قرطبي. بتصرف كبير. (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (رب): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة. وانظر ما ذكرته من أوجه في ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٥١] فهو مثله. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسرة في محل نصب اسم (إنّ)، والهاء للتنبيه حرف لا محلّ له. ﴿قَوْمٌ:﴾ خبر «إن». ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿قَوْمٌ،﴾ والكلام: ﴿يا رَبِّ إِنَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول للمصدر، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، أو هي جواب له على اعتبار الواو حرف قسم، وجر، و (قيله) مقسم به. ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾ الشرح: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ:﴾ فأعرض عن دعوتهم إلى الإيمان آيسا من إيمانهم، واتركهم وشأنهم. ﴿وَقُلْ سَلامٌ:﴾ هذا سلام متاركة، وتوديع، لا سلام تحيّة. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ:﴾ عاقبة كفرهم، وعنادهم. وفيه تهديد، ووعيد لهم. وقيل: معناه: فسوف يعلمون: أنك صادق. قال مقاتل، وغيره: نسختها آية السيف. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فَاصْفَحْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (اصفح): فعل أمر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَقُلْ:﴾ الواو: حرف عطف. (قل): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿سَلامٌ:﴾ خبر مبتدأ محذوف، التقدير: أمري سلام. وقال الفراء: التقدير: سلام عليكم. وهذا مردود؛ لأنّ النهي قد أتى ألاّ يبدؤوا بالسلام، وأيضا ف: ﴿سَلامٌ﴾ نكرة، ولا يبدأ به هنا؛ لأنه لم يرد به الدعاء. والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء حرف استئناف. (سوف): حرف تسويف واستقبال، وجملة: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف تعليلية، أو مستأنفة، لا محلّ لها. تأمّل، وتدبّر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم. بعون الله وتوفيقه انتهت سورة (الزخرف) شرحا وإعرابا. والحمد لله رب العالمين.

стр. 5818

سورة الدّخان ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ سورة (الدخان)، وهي مكية بالإجماع إلاّ قوله تعالى: ﴿إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ﴾ وهي سبع. وقيل: تسع وخمسون آية، وثلاثمئة وست وأربعون كلمة، وألف وأربعمئة وواحد وثلاثون حرفا. انتهى. خازن، وسميت سورة (الدخان) لأنّ الله تعالى جعله آية لتخويف الكفار؛ حيث أصيبوا بالقحط والمجاعة بسبب تكذيبهم لرسول الله، وبعث الله عليهم الدخان؛ حتى كادوا يهلكون، ثم نجاهم الله ببركة دعاء النبي ﷺ . قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾. هذا؛ وقد ورد في فضلها، والحثّ على قراءتها، ولا سيما في ليلة الجمعة أحاديث كثيرة، منها ما يلي: عن أبي رافع-﵁-قال: «من قرأ الدخان في ليلة الجمعة أصبح مغفورا له، وزوّج من الحور العين»، رواه الدارمي، ورفعه الثعلبي عن أبي هريرة-﵁: أنّ النبي ﷺ قال: «من قرأ الدخان في ليلة الجمعة أصبح مغفورا له». وفي لفظ له آخر عن أبي هريرة أنّ النبي ﷺ قال: «من قرأ الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك». وعن أبي أمامة الباهلي-﵁-قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «من قرأ حم الدخان ليلة الجمعة، أو يوم الجمعة بنى الله له بيتا في الجنة». انتهى. قرطبي. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ (٣)﴾ الشرح: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ﴾ أي: أنزلنا القرآن. ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ:﴾ في ليلة القدر، ابتدئ فيها إنزال القرآن، وأنزل فيها من اللوح المحفوظ جملة إلى سماء الدنيا، ووضع في مكان اسمه بيت العزة، ثم أنزله الله على نبيه ﷺ في الليالي، والأيام في ثلاث وعشرين سنة، وبركتها لذلك، فإن نزول القرآن سبب للمنافع الدينية، والدنيوية، ولما فيها من نزول الملائكة، والرحمة، وإجابة الدعوة، وقسم النعمة، وفصل الأقضية. ومعنى إنزاله من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا: أنّ

стр. 5819

جبريل ﵇ أملاه منه على ملائكة السماء الدنيا، فكتبوه في صحف، وكانت عندهم في محل من تلك السماء يسمى بيت العزة، ثم نجّمته الملائكة المذكورون على جبريل في ثلاث وعشرين سنة، ينزل بها على النبي ﷺ بحسب الوقائع، والأحداث، ومقتضيات الأحوال. هذا؛ وقيل: إن المراد بالليلة المباركة: ليلة النصف من شعبان، والقول الأول هو الأكثر، بل والمعتمد، لقوله تعالى في سورة (القدر): ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ولمطابقة قوله هنا: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ولقوله تعالى في سورة (القدر) أيضا: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وليلة القدر في شهر رمضان على أصح الأقوال، وأقواها. ﴿إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ أي: مخوفين، والمعنى: لتنذر به الخلق؛ لأنّ من شأننا، وعادتنا ألا نترك الناس دون إنذار، وتخويف وتحذير من العقاب؛ لتقوم الحجة عليهم. هذا؛ و (نا): في قوله تعالى: ﴿إِنّا كُنّا﴾ و ﴿أَنْزَلْناهُ﴾ ونحو ذلك فقد قال ابن تيمية-رحمه الله تعالى-في كتابه: «الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح»: وقوله تعالى: (جعلنا) (وهبنا). (نحن) و (إنا) لفظ يقع في جميع اللغات على من له شركاء، وأمثال، وعلى الواحد العظيم المطاع، الذي له أعوان يطيعونه، وإن لم يكونوا له شركاء، ولا نظراء، والله تعالى خلق كل ما سواه فيمتنع أن يكون له شريك، أو مثل، والملائكة وسائر العالمين جنوده، فإذا كان الواحد من الملوك يقول: فعلنا، وإنا، ونحن... إلخ، ولا يريدون: أنهم ثلاثة ملوك. فمالك الملك رب العالمين، ورب كل شيء، ومليكه هو أحق أن يقول: فعلنا، ونحن، وإنا... إلخ، مع أنه ليس له تعالى شريك، ولا مثل، بل له جنود السموات، والأرض. انتهى. أقول: و (نا): هذه تسمى نون العظمة، وليست دالة على الجماعة، كما يزعم الملحدون والكافرون، فالله لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكثيرا ما يتكلم به العبد، ذكرا كان، أم أنثى، فيقول: أخذنا، وأعطينا... إلخ، وليس معه أحد، والغاية من هذا الكلام الرد على النصارى الذين يدخلون الشبهة على السذج من المسلمين بأن الإله ثلاثة أقانيم: الأب، والابن، وروح القدس، ويدعمون شبهتهم هذه بالألفاظ الموجودة في القرآن، والتي ظاهرها يفيد الجمع. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل. و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَنْزَلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿فِي لَيْلَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مُبارَكَةٍ:﴾ صفة: ﴿لَيْلَةٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ..﴾. إلخ جواب القسم. وقيل: الجملة الثانية جواب القسم، وهذه معترضة. وقيل: الثانية خبر ثان. وقيل: هي مستأنفة. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿كُنّا:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمها. ﴿مُنْذِرِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن

стр. 5820

الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا كُنّا..﴾. إلخ قد رأيت الأقوال السابقة فيها. وقيل: مستأنفة، وتفسيرية. ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ الشرح: قال ابن عباس-﵄: يحكم الله أمر الدنيا إلى قابل في ليلة القدر، ما كان من حياة، أو موت، أو رزق. وروى حماد بن سلمة، قال: أخبرنا ربيعة بن كلثوم، قال: سأل رجل الحسن، وأنا عنده، فقال: يا أبا سعيد! أرأيت ليلة القدر، أفي كل رمضان هي؟ قال: إي والذي لا إله إلاّ هو، إنها في كل رمضان، إنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل خلق، وأجل، ورزق وعمل إلى مثلها. وقال ابن عباس أيضا: يكتب من أمّ الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من موت، وحياة، ورزق، ومطر؛ حتى الحج، يقال: يحج فلان ويحج فلان. وقال في هذه الآية: إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق؛ وقد وقع اسمه في الموتى. وهذه الإبانة لأحكام السنة إنما هي للملائكة الموكلين بأسباب الخلق، ولم يزد ذلك في علم الله . انتهى. قرطبي بتصرف كبير. ومنهم من قال: إنها ليلة النصف من شعبان، وقد بينات ضعفه في الآية السابقة. وقيل: يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ في ليلة النصف من شعبان، ويقع الفراغ في ليلة القدر، فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب إلى جبريل، وكذلك الزلازل، والصواعق، والخسف. ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا، وهو ملك عظيم. ونسخة المصائب إلى ملك الموت. وعن بعضهم يعطى كل عامل بركات أعماله، فيلقى على ألسنة الخلق مدحه، وعلى قلوبهم هيبته. انتهى. قرطبي وزمخشري. الإعراب: ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿يُفْرَقُ:﴾ مضارع مبني للمجهول. ﴿كُلُّ:﴾ نائب فاعل، وهو مضاف، و ﴿أَمْرٍ﴾ مضاف إليه. ﴿حَكِيمٍ:﴾ صفة: ﴿أَمْرٍ﴾. والجملة الفعلية يجوز أن تكون مستأنفة، وأن تكون صفة ل: ﴿لَيْلَةٍ﴾ وما بينهما اعتراض. وقال الزمخشري: فإن قلت: ما موقع هاتين الجملتين: ﴿إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ و ﴿فِيها يُفْرَقُ..﴾. إلخ؟ قلت: هما جملتان مستأنفتان ملفوفتان فسر بهما جواب القسم، الذي هو: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ﴾. ﴿أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ (٥)﴾ الشرح: أي: جميع ما نقدره في تلك الليلة، وما نوحي به إلى الملائكة من شؤون العباد هو أمر حاصل من جهتنا بعلمنا، وتقديرنا، وإنا نرسل الأنبياء إلى الخلق بالشرائع، والأحكام

стр. 5821

الإلهية؛ لهدايتهم، وإرشادهم. وقال النقاش: الأمر هو القرآن أنزله الله من عنده. والأول أقوى، وأصح. الإعراب: ﴿أَمْراً:﴾ مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني بهذا الأمر أمرا حاصلا من عندنا، وسماه الزمخشري منصوبا على الاختصاص، أو هو حال من كل أمر؛ أي بمعنى: آمرين، أو من آمر لتخصيصه بالصفة، أو من ضميره المستتر في ﴿حَكِيمٍ﴾. وقيل: هو مفعول مطلق، والتقدير: أنزلناه إنزالا. وأجيز اعتباره مفعولا لأجله، وناصبه إما: ﴿أَنْزَلْناهُ،﴾ وإما: ﴿مُنْذِرِينَ،﴾ وإما: ﴿يُفْرَقُ،﴾ وهذا أضعف الأقوال، وأضعف منه تجويز أبي البقاء اعتباره بدلا من الهاء من: ﴿أَنْزَلْناهُ﴾. ﴿مِنْ عِنْدِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَمْراً،﴾ و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ وهي هنا مستأنفة، أو للتعليل، فلا محلّ لها على الاعتبارين. وقال النسفي: هي بدل من قوله: ﴿إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾. هذا؛ وقرئ برفع (أمر) على تقدير: هو أمر. ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦)﴾ الشرح: قال ابن عباس-﵄-في معنى الآية: رأفة مني بخلقي، ونعمة عليهم بعثت إليهم من الرسل. هذا؛ أو المراد إنزال القرآن في ليلة مباركة كان فيه رحمة للعباد. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ:﴾ لأقوال العباد جميعها سرها، وجهرها. ﴿الْعَلِيمُ:﴾ بأفعالهم صغيرها، وكبيرها، وظاهرها، وخافيها. ولا تنس الالتفات من التكلم إلى الغيبة، ولو جرى الكلام على منوال ما تقدم؛ لقال: رحمة منا. الإعراب: ﴿رَحْمَةً:﴾ فيه خمسة أوجه: مفعول لأجله، والعامل فيه، إما: ﴿أَنْزَلْناهُ،﴾ وإما: ﴿أَمْراً،﴾ وإما: ﴿يُفْرَقُ،﴾ وإما: ﴿مُنْذِرِينَ﴾. الثاني: أنه مفعول مطلق، عامله محذوف، التقدير: رحمنا رحمة. الثالث: أنه مفعول به لمرسلين. الرابع: أنه حال من ضمير: ﴿مُرْسِلِينَ؛﴾ أي: ذوي رحمة. الخامس: أنه بدل من: ﴿أَمْراً﴾. انتهى. جمل نقلا من السمين. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿رَحْمَةً،﴾ أو بمحذوف صفة لها، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل لا محلّ له، أو هو توكيد لاسم (إنّ) على المحل. ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ خبران ل: (إنّ). هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ، و ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ خبران عنه، وعليه فالجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل لما قبلها. ﴿رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧)﴾ الشرح: ﴿رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما:﴾ مالك السموات، والأرض، وما بينهما، ومتصرف فيها تصرف الملاك، فإن وجودهما، وانتظامهما على هذا النمط البديع الصنع، من

стр. 5822

أوضح الدلائل على وجود الله، ووحدانيته واستقلاله بملكهما، وتصرفهما. هذا؛ ولم يقل: وما بينهن؛ لأنّ المراد بين الصنفين، أو النوعين، أو الشيئين. وانظر ما ذكرته في (الشورى) رقم [٢٩]. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أي: إن كنتم موقنين بأن الله رب السموات والأرض، والمتصرف فيهما وحده؛ فآمنوا به، ووحّدوه، واعلموا: أنه يرسل الرسل، وينزل الكتب السماوية لهداية الناس أجمعين، وإخراجهم من الظلمات إلى النور. الإعراب: ﴿رَبِّ:﴾ بالجر هو بدل من: ﴿رَبِّكَ،﴾ والجملة الاسمية معترضة بين البدل، والمبدل منه، ويقرأ بالرفع على أنه خبر ثالث ل: (إنّ)، أو هو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو رب، أو هو مبتدأ خبره الجملة الاسمية: ﴿لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾. وعليه فالجملة الشرطية معترضة بين المبتدأ، وخبره، و ﴿رَبِّ﴾ مضاف، و ﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. «ما»: اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على ما قبله. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿مُوقِنِينَ:﴾ خبره منصوب... إلخ، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف. انظر تقديره في الشرح. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾ الشرح: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أي: لا رب غيره، ولا معبود سواه؛ لأنه المتصف بصفات الجلال، والكمال، ومتصف بالقدرة، والانتقام، قادر على الإماتة، والإحياء، فهو تقرير لوحدانيته تعالى. ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: مالككم، ومالك من تقدّم منكم، فأنتم مربوبون له تعالى، ومقهورون. هذا؛ وبين ﴿يُحْيِي﴾ و (يميت) طباق. الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿إِلهَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف، التقدير: موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿هُوَ:﴾ يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها: اعتباره بدلا من اسم ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع بالابتداء. والثاني: اعتباره بدلا من ﴿لا﴾ واسمها؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء. والثالث: اعتباره بدلا من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. وهو الأولى، والأقوى، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ في الآية رقم [٦]، أو هي خبر: ﴿رَبُّ﴾ في الآية السابقة على رفعه. ﴿يُحْيِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿رَبِّ السَّماواتِ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنفصل، أو من الضمير المستتر في الخبر المحذوف،

стр. 5823

وكلاهما عائد على ﴿رَبِّ السَّماواتِ،﴾ والرابط في الجملة الحالية: الضمير فقط. وجملة: ﴿وَيُمِيتُ﴾ معطوفة عليها. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ بدل، أو بيان، أو صفة ل: ﴿رَبِّ السَّماواتِ﴾ على قراءتي: الجر، والرفع. وقال أبو البقاء: أي: هو ربكم. أي: أنه خبر لمبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون خبرا آخر، وأن يكون فاعل: ﴿وَيُمِيتُ،﴾ وفي ﴿يُحْيِي﴾ ضمير يرجع إلى ما قبله، أو على شريطة التفسير، وفي اعتباره فاعلا ضعف ظاهر. ﴿وَرَبُّ:﴾ معطوف على ما قبله، و (ربّ) مضاف، و ﴿آبائِكُمُ﴾ مضاف إليه. ﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ صفة: ﴿آبائِكُمُ﴾ مجرور... إلخ. ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩)﴾ الشرح: المعنى ليسوا موقنين فيما يظهرونه من الإيمان في قولهم: الله خالقنا، وخالق السموات والأرض، بل هم في شك كبير من أمر البعث بعد الموت، فهم يلعبون، ويسخرون. قال شيخ زاده: التفات من الخطاب إلى الغيبة، فقال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ تحقيرا لشأنهم، وإبعادا لهم عن موقف الخطاب، لكونهم من أهل الشك، والامتراء، وكون أفعالهم الهزء واللعب لعدم التفاتهم إلى البراهين القاطعة، وعدم تمييزهم بين الحق، والباطل، والضار، والنافع. ويقال لمن أعرض عن المواعظ: لاعب، وهو كالصبي الذي يلعب، فيفعل ما لا يدري عاقبته. الإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي شَكٍّ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وجملة: ﴿يَلْعَبُونَ﴾ في محل رفع خبر ثان، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ الشرح: المعنى: انتظر يا محمد بهؤلاء الكفار يوم تأتي السماء بدخان ظاهر حاله، لا يشك أحد في أنه دخان. وفي هذا الدخان أقوال ثلاثة: الأول: أنه من أشراط الساعة لم يجيء بعد، وأنه يمكث في الأرض أربعين يوما، يملأ ما بين السماء والأرض، فأمّا المؤمن فيصيبه منه مثل الزكام، وأما الكافر، والفاجر فيدخل في أنوفهم فيثقب مسامعهم، ويضيق أنفاسهم، وهو من آثار جهنم يوم القيامة. وممن قال: إن الدخان لم يأت بعد: علي، وابن عباس، وابن عمر، وأبو هريرة، وزيد بن علي، والحسن، وابن أبي مليكة، وغيرهم-﵃ أجمعين-. وفي صحيح مسلم عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: اطلع النبي ﷺ علينا، ونحن نتذاكر الساعة، فقال: «ما تذاكرون؟». قالوا: نتذاكر الساعة. قال: «إنّها لن تقوم

стр. 5824

حتى تروا قبلها عشر آيات، فذكر الدخان، والدجّال، والدابّة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦١] من سورة (الزخرف). القول الثاني: أن الدخان هو ما أصاب قريشا من الجوع بدعاء النبي ﷺ ؛ حتى كان الرجل يرى بين السماء والأرض دخانا. قاله ابن مسعود-﵁. قال: وقد كشفه الله عنهم، ولو كان يوم القيامة لم يكشفه عنهم، فقال: إنما كان هذا؛ لأنّ قريشا لما استعصت على النبي ﷺ دعا عليهم بسنين كسني يوسف، ﵇، فأصابهم قحط، وجهد؛ حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء، فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، فأنزل الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ﴾ ... ﴿عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ قال: فأتي رسول الله ﷺ ، فقيل: يا رسول الله استسق لمضر؛ فإنّها قد هلكت، قال: «لمضر؟ إنك لجريء!» فاستسقى، فسقوا، فنزلت: ﴿إِنَّكُمْ عائِدُونَ﴾ فلما أصابتهم الرفاهية؛ عادوا إلى حالهم من العصيان، والطغيان، فأنزل الله : ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ قال: يعني يوم بدر. قال أبو عبيدة: والدخان: الجدب. قال القتبي: سمي دخانا ليبس الأرض منه حين يرتفع منها كالدخان، والذي أتى رسول الله ﷺ ، وطلب منه أن يدعو الله هو: أبو سفيان، وهو ما في السيرة الحلبية، وزيني دحلان. القول الثالث: إنه يوم فتح مكة لما حجبت السماء الغبرة. قاله عبد الرحمن الأعرج. انتهى. قرطبي بتصرف، واختصار مني، والقول الثالث ضعيف جدا، والقول الأول اعتمده ابن عباس-﵄. هذا؛ وعد ما ذكر الله في هذه الآيات من الإخبار عن المغيبات التي تقع في المستقبل، قال الزرقاني-رحمه الله تعالى-: وفي هذه الآيات عند التأمل خمسة تنبؤات: أولها: الإخبار بما يغشاهم من القحط وشدة الجوع، حتى يرى الرجل بينه وبين السماء كهيئة الدخان. الثاني: الإخبار بأنهم سيضرعون إلى الله حين تحلّ بهم هذه الأزمة. الثالث: الإخبار بأنّ الله سيكشف عنهم ذلك العذاب قليلا. الرابع: الإخبار بأنهم سيعودون إلى كفرهم، وعتوهم. الخامس: الإخبار بأنّ الله سينتقم منهم يوم البطشة، وهو يوم بدر. ثم قال: ولقد حقق الله ذلك كله، ما انخرم منه ولا نبوءة واحدة، فأصيبوا بالقحط حتى أكلوا العظام، وجعل الرجل ينظر إلى السماء، فيرى بينه وبينها كهيئة الدخان من شدة جوعه، وجهده، ثم قالوا متضرعين: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنّا مُؤْمِنُونَ﴾ ثم كشف الله عنهم العذاب قليلا، ثم عادوا إلى كفرهم، وعتوهم، فانتقم الله منهم يوم بدر، فبطش الله بهم البطشة الكبرى؛ حيث قتل منهم سبعون، وأسر سبعون، وأديل للمسلمين منهم. أرأيت ذلك كله؛ هل يمكن أن يصدر مثله من مخلوق؟! كلا بل هو الله العزيز الحكيم. انتهى. علوم القرآن للصابوني.

стр. 5825

الإعراب: ﴿فَارْتَقِبْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي الفصيحة. (ارتقب): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿يَوْمَ:﴾ مفعول به. ﴿تَأْتِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿السَّماءُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿بِدُخانٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة: (دخان)، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان الشك حاصلا منهم، وواقعا فارتقب... إلخ، والكلام كله مستأنف لا محلّ له. ﴿يَغْشَى النّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (١١)﴾ الشرح: ﴿يَغْشَى النّاسَ:﴾ يحيط بهم، ويشملهم، ويلبسهم. ﴿هذا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: يقول الله لهم. وقيل: هم يقولون: هذا عذاب أليم. فمن قال: إنّ الدخان قد مضى؛ فهو حكاية حال ماضية، ومن جعله مستقبلا؛ فهو حكاية حال آتية. الإعراب: ﴿يَغْشَى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل يعود إلى (دخان). ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة: (دخان)، أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محلّ له. ﴿عَذابٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف. انظر الشرح. ﴿رَبَّنَا اِكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾ الشرح أي: يقولون: ربنا اكشف عنّا العذاب؛ أي: فهم يستغيثون بالله أن يرفع عنهم العذاب. ﴿إِنّا مُؤْمِنُونَ:﴾ قال البيضاوي: وهذا؛ وعد بالإيمان إن كشف عنهم العذاب، وقد رأيت القولين في هذا العذاب، وهو الدخان، هل وقع لقريش، أو يكون من أمارات الساعة؟ قال ابن كثير: أي: يقول الكافرون إذا عاينوا عذاب الله وانتقامه، سائلين رفعه وكشفه عنهم، كقوله جلّت عظمته: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ رقم [٢٧] من سورة (الأنعام)، وكذا قوله جلّ وعلا: ﴿وَأَنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ رقم [٤٤] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. الإعراب: ﴿رَبَّنَا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿اِكْشِفْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر، تقديره: أنت. ﴿عَنَّا:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبّه بالفعل. و (نا): اسمها.

стр. 5826

﴿مُؤْمِنُونَ:﴾ خبرها مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب شرط محذوف، التقدير: إن تكشف عنا العذاب؛ فإنا مؤمنون. والآية بكاملها في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: يقولون: ربنا... إلخ، والجملة على هذا التقدير في محل نصب حال من ﴿النّاسَ﴾ والرابط: الضمير فقط، وعليه فالجملة الفعلية المقدرة في الآية السابقة يقول الله لهم: ﴿هذا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ معترضة بين الحال، وعاملها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. ﴿أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣)﴾ الشرح: المعنى: كيف يتذكرون، ويتعظون بهذه الحالة التي هم فيها؛ وقد جاءهم ما هو أعظم، وأدخل في وجوب الطاعة، وهو ما ظهر على يد رسول الله ﷺ من المعجزات الظاهرات، والآيات البينات الباهرات، ومع ذلك لم يؤمنوا به، ولم يتبعوه؟! الإعراب: ﴿أَنّى:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع خبر مقدم. وقيل: بمعنى: «كيف» في محل نصب على الظرفية في محل رفع خبر مقدم. ولا وجه له، ولو قيل: هو بمعنى: «من أين» لكان أوجه. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ثان. ﴿الذِّكْرى:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول لقول محذوف، التقدير: يقول الله: أنى لهم الذكرى. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَهُمْ:﴾ ماض، ومفعوله. ﴿رَسُولٌ:﴾ فاعله. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا باللام، والرابط: الواو، والضمير. ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ:﴾ أعرضوا عن الرسول ﷺ . قال ابن عباس-﵄: متى يتعظون، والله أبعدهم من الاتعاظ والتذكر بعد توليهم عن محمد ﷺ ، وتكذيبهم إياه؟! ﴿وَقالُوا:﴾ أي: كفار قريش. ﴿مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ أي: يعلمه بشر هو عدّاس غلام أعجمي لبعض ثقيف، قال تعالى في سورة (النحل) رقم [١٠٣]: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾. ﴿مَجْنُونٌ﴾ أي: تلقي إليه الجن هذه الكلمات حال ما يعرض له الغشى. الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿تَوَلَّوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿عَنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَقالُوا:﴾

стр. 5827

فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مُعَلَّمٌ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو معلم. ﴿مَجْنُونٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ (١٥)﴾ الشرح: ﴿إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً﴾ أي: وقتا قليلا، وعد أن يكشف عنهم ذلك العذاب قليلا؛ أي: في زمان قليل؛ ليعلم: أنهم لا يفون بقولهم، بل يعودون إلى الكفر بعد كشفه عنهم. قاله ابن مسعود-﵁. فلما كشف ذلك عنهم باستسقاء النبي ﷺ عادوا إلى تكذيبه. ومن قال: إن الدخان منتظر؛ قال: أشار بهذا إلى ما يكون من الفرجة بين آية، وآية من آيات قيام الساعة. انتهى. قرطبي. وقال البيضاوي: ومن فسّر الدخان بما هو من أشراط الساعة؛ قال: إذا جاء الدخان غوّث الكفار بالدعاء، فيكشفه الله عنهم بعد أربعين يوما، فريثما يكشفه عنهم يرتدون، ولا يتمهلون. ﴿إِنَّكُمْ عائِدُونَ:﴾ فعلى قول ابن مسعود: المعنى: إنكم مبعوثون بعد الموت، وعلى قول ابن عباس: إنكم عائدون إلى نار جهنم بعد هذا الدخان. وقال ابن كثير: يحتمل معنيين: أحدهما: أنّ المعنى: ولو كشفنا عنكم العذاب، ورجعناكم إلى الدار الدنيا؛ لعدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر، والتكذيب، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾. والثاني: أن يكون المراد: إنا مؤخرو العذاب عنكم قليلا، بعد انفقاد أسبابه ووصوله إليكم؛ وأنتم مستمرون فيما أنتم فيه من الطغيان، والضلال، ولا يلزم من الكشف عنهم أن يكون قد باشرهم. كقوله تعالى في سورة (يونس) [٩٨]: ﴿إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ ولم يكن العذاب باشرهم، واتصل بهم، بل كان قد انعقد سببه عليهم، ولا يلزم أيضا أن يكونوا قد أقلعوا عن كفرهم، ثم عادوا إليه. انتهى. بحروفه. الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبّه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿كاشِفُوا:﴾ خبر «إن» مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وهو مضاف، و ﴿الْعَذابِ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿قَلِيلاً:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: كشفا قليلا، أو صفة زمان محذوف، التقدير: زمانا قليلا، فهو متعلق ب: ﴿كاشِفُوا،﴾ والجملة الاسمية جواب من جهته تعالى عن قولهم: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾ بطريق الالتفات لمزيد التهديد، والتوبيخ، وما بينهما اعتراض. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبّه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿عائِدُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، والجملة الاسمية مستأنفة مبينة أنهم مطبوعون على الكفر والعناد، ومخالفة رب العباد.

стр. 5828

﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ الشرح: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ..﴾. إلخ: البطش الأخذ بقوة، وعنف. وبطشت اليد: إذا عملت، فهي باطشة، قال عمرو بن كلثوم التغلبي في معلقته رقم [١٠٧]: [الوافر] لنا الدّنيا ومن أضحى عليها... ونبطش حين نبطش قادرينا والبطشة الكبرى المراد بها: يوم بدر في قول ابن مسعود، وهو قول ابن عباس، وأبي بن كعب، ومجاهد، والضحاك. وقيل: عذاب جهنم يوم القيامة، قاله الحسن، وعكرمة، وابن عباس أيضا. وقال الرازي: القول الثاني أصح؛ لأنّ يوم بدر لا يبلغ هذا المبلغ، الذي يوصف به هذا الوصف العظيم، ولأن الانتقام التام إنما يحصل يوم القيامة، ولما وصف بكونها كبرى؛ وجب أن تكون أعظم أنواع البطش على الإطلاق، وذلك إنما يكون في القيامة. انتهى. صفوة التفاسير. الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو ظرف لهذا المقدر، أو هو مفعول به لفعل محذوف دلّ عليه: ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾. وقيل: هو بدل من ﴿يَوْمَ تَأْتِي،﴾ والأول أقوى. ﴿نَبْطِشُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿الْبَطْشَةَ:﴾ مفعول به. وقيل: مفعول مطلق. ﴿الْكُبْرى:﴾ صفة: ﴿الْبَطْشَةَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِنّا مُنْتَقِمُونَ:﴾ تقدّم مثلها، والجملة مستأنفة، ومبنية لقدرة الله تعالى على الانتقام. ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ:﴾ امتحناهم، واختبرناهم بإرسال موسى، وأخيه هارون إليهم. قال الجمل: أي: فعلنا بهم فعل الممتحن، وهو المختبر الذي يريد أن يعلم بحقيقة الشيء، وذلك الامتحان كان بزيادة الرزق، والتمكين في الأرض، وإرسال الرسل، فقوله: ﴿وَجاءَهُمْ..﴾. إلخ من جملة ما امتحنوا به. انتهى. نقلا من الخطيب. وقوله: قبلهم؛ أي: قبل هؤلاء؛ ليكون ما مضى من خبرهم عبرة لهم، و ﴿كَرِيمٌ﴾ أي: على الله تعالى، أو على المؤمنين، أو في نفسه لشرف نسبه، وفضل حسبه. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا:﴾ انظر الآية رقم [٤٦] من سورة (الزخرف) ففيها الإعراب واف كاف. ﴿قَبْلَهُمْ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿قَوْمَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿فِرْعَوْنَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿وَجاءَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف.

стр. 5829

(جاءهم): فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿رَسُولٌ:﴾ فاعل. ﴿كَرِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير: «قد» قبلها. ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨)﴾ الشرح: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللهِ:﴾ قال ابن عباس-﵄: المعنى: جاءهم، فقال: اتبعوني. ف: ﴿عِبادَ اللهِ﴾ منادى، وعليه ابن هشام في المغني. وقال مجاهد: المعنى أرسلوا معي عباد الله، وأطلقوهم من العذاب. ف: ﴿عِبادَ اللهِ﴾ على هذا: مفعول: مفعول. وقيل: المعنى: أدوا إليّ سمعكم؛ حتى أبلغكم رسالة ربي. وعلى القول الثاني ففي الكلام استعارة، بمعنى: إطلاقهم وإرسالهم معه، وإليه الإشارة بقوله تعالى في سورة (الشعراء): ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾. ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ:﴾ غير متهم؛ لدلالة المعجزات على صدقي، أو لائتمان الله إياي على وحيه. الإعراب: ﴿أَنْ:﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: «أنه». ﴿أَدُّوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، التقدير: أدوهم، أو أدوا حق الله، وعليه ف: ﴿عِبادَ﴾ منادى، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنْ،﴾ ويضعفه: أنّ الجملة الطلبية لا تقع خبرا للحرف المشبه بالفعل. وأجيز اعتبار (أن) مصدرية، وعلى الوجهين ف: ﴿أَنْ﴾ ومدخولها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأداء حق الله. هذا؛ وأجيز اعتبار (أن) حرف تفسير؛ لأنها مسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه، وهي جملة: (جاءهم)، وعليه فالجملة مفسرة لا محلّ لها. ﴿عِبادَ:﴾ منادى، أو هو مفعول به حسب ما رأيت في الشرح، و ﴿عِبادَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿رَسُولٌ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿رَسُولٌ:﴾ خبر (إنّ). ﴿أَمِينٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محلّ لها. ﴿وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٩)﴾ الشرح: ﴿وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللهِ﴾ أي: ولا تتكبروا عليه بالاستهانة بوحيه، ورسوله، ولا ترتفعوا عن عبادته، وطاعته. وقال قتادة: لا تبغوا على الله. وقال ابن عباس-﵄: لا تفتروا على الله. والفرق بين البغي، والافتراء: أنّ البغي بالفعل، والافتراء بالقول، وقال ابن جريج: لا تعظموا على الله. وقال يحيى بن سلام: لا تستكبروا على عبادة الله. والفرق بين

стр. 5830

التعظيم، والاستكبار: أنّ التعظيم تطاول المقتدر، والاستكبار ترفع المحتقر. ذكره الماوردي انتهى. قرطبي. ﴿إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أي: بحجة ظاهرة واضحة، وهي ما أرسلني به الله من الآيات البينات، والأدلة القاطعات. وانظر سورة (القصص) [٣٢] شرح البرهان والسلطان. الإعراب: ﴿وَأَنْ لا تَعْلُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (أن): معطوفة على ما قبلها، ويجوز في هذه ما جاز في تلك من أوجه، فعلى اعتبارها ناصبة؛ فالفعل منصوب بها، و (لا): نافية، وعلى اعتبارها مفسرة، أو مخففة؛ ف (لا) ناهية، والفعل مجزوم بها، وعلامة الجزم، أو النصب حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية يقال فيها ما قيل بقوله ب: ﴿أَدُّوا إِلَيَّ﴾. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿آتِيكُمْ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ وإن اعتبرته فعلا مضارعا؛ فهو مرفوع أيضا، وفاعله مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للنهي، لا محلّ لها. هذا؛ وقرئ بفتح همزة «(أنّ)»، وعليه ف: «(أنّ)» واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لكوني آتيكم، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بِسُلْطانٍ:﴾ متعلقان ب: ﴿آتِيكُمْ﴾ على الاعتبارين. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة (سلطان). ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠)﴾ الشرح: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ:﴾ التجأت إليه، وتوكّلت عليه. ﴿أَنْ تَرْجُمُونِ:﴾ أن تؤذوني ضربا، أو شتما، أو قتلا، ومعناه: أنه مستجير، ومستعين بربه، متكل عليه أن يعصمه منهم، ومن كيدهم، فهو غير مبال بما كانوا يتوعدونه به من القتل، أو الرجم. صلّى الله على سيدنا محمد، وعلى موسى، وعلى جميع الأنبياء، والمرسلين، وسلم تسليما كثيرا. الإعراب: ﴿وَإِنِّي:﴾ الواو: واو الحال. (إني): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿عُذْتُ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل: ﴿آتِيكُمْ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلست مفندا. ﴿بِرَبِّي:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَرَبِّكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَرْجُمُونِ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء

стр. 5831

المتكلم المحذوفة مفعول به، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: من رجمكم، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿عُذْتُ﴾. ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١)﴾ الشرح: المعنى إن لم تصدقوني، ولم تؤمنوا بالله لأجل برهاني، ودليلي؛ فابتعدوا عني، ودعوني كفافا، لا لي، ولا عليّ، وكفّوا عن أذاي، وخلّوا سبيلي. فلمّا طال مقامه بين أظهرهم، وأقام حجج الله عليهم، كل ذلك، وما زادهم إلاّ كفرا، وعنادا، وطغيانا، واستكبارا؛ دعا ربه عليهم دعوة نفذت فيهم، كما قال ﵎: ﴿وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ﴾ رقم [٨٨ و ٨٩] من سورة (يونس) على نبينا وحبيبنا، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ألف صلاة، وألف سلام. فائدة: قال مكي بن أبي طالب القيسي-رحمه الله تعالى-في مثل هذا التركيب: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي:﴾ دخلت (إن) على: ﴿لَمْ﴾ ليرتدّ الفعل إلى أصله في لفظه، وهو الاستقبال؛ لأنّ ﴿لَمْ﴾ ترد الفعل المستقبل إلى معنى المضي، و (إن) ترد الماضي إلى معنى الاستقبال، فلما صارت ﴿لَمْ﴾ ولفظ المستقبل بعدها بمعنى: الماضي ردتها (إن) إلى الاستقبال؛ لأنّ (إن) ترد الماضي إلى معنى الاستقبال. الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تُؤْمِنُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وهو في محل جزم فعل الشرط، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَاعْتَزِلُونِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (اعتزلون): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، أو مستأنف لا محلّ له. ﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢)﴾ الشرح: ﴿فَدَعا رَبَّهُ﴾ أي: بعد أن كذّبوه دعا الله تعالى، وشكا إليه طغيانهم، وعنادهم، وتكبرهم. ﴿أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ:﴾ هذا تعريض بالدعاء، فكأنه قال: هؤلاء قوم مجرمون، فافعل بهم ما يليق بهم من العذاب، والانتقام.

стр. 5832

الإعراب: ﴿فَدَعا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (دعا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿رَسُولٌ كَرِيمٌ،﴾ وهو موسى ﵇. ﴿رَبَّهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فكفروا، ولم يتركوه. والكلام كله مستأنف لا محل له. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبّه بالفعل. ﴿هؤُلاءِ:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محلّ له. (أولاء): اسم إشارة مبني على الكسرة في محل نصب اسم (أنّ). ﴿قَوْمٌ:﴾ خبر (أنّ). ﴿مُجْرِمُونَ:﴾ صفة: ﴿قَوْمٌ﴾ مرفوع، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بكونهم قوما مجرمين. والجار والمجرور متعلقان بالفعل (دعا). هذا؛ وقرئ بكسر همزة «(إنّ)». على إضمار القول عند البصريين. التقدير: قال: إن هؤلاء... إلخ، وهذه الجملة مفسرة لجملة (دعا...) إلخ لا محلّ لها مثلها. والكوفيون يجرون (دعا) مجرى القول؛ أي: فإنها في محل نصب مفعول به ل: (دعا). ﴿فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣)﴾ الشرح: هذا الأمر بالسير كان بعد ثلاثين سنة أقامها موسى بينهم يدعوهم إلى توحيد الله تعالى، فلم يزدادوا إلاّ عتوا، وعنادا على كثرة المعجزات التي رأوها على يد موسى على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وقد فصل ذلك في سورة (البقرة) و (الأعراف) و (طه) و (الشعراء) و (يونس) كما تقدم خروج فرعون وراء موسى في هذه السّور. ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ:﴾ يتبعكم فرعون، وجنوده، والمعنى: أسر بهم؛ حتى إذا اتبعكم فرعون بجنوده مصبحين؛ كان لكم تقدم عليهم؛ بحيث لا يدركونكم قبل وصولكم إلى البحر، بل يكونون على أثركم حين تلجون البحر، فيدخلون مدخلكم، فأطبقه عليهم، فأغرقهم، وتنجون أنتم. هذا؛ وأسرى فيه لغتان: سرى، وأسرى، وقرئ هنا وفي (الشعراء) بقطع الهمزة، ووصلها، فالأول من الرباعي، والثاني من الثلاثي، وقد جمع حسان بن ثابت-﵁-بين اللغتين في بيت واحد؛ حيث قال: [الكامل] حيّ النّضيرة ربّة الخدر... أسرت إليّ ولم تكن تسري وسرى، وأسرى بمعنى واحد. وهو قول أبي عبيد. والثانية لغة أهل الحجاز، وبها جاء القرآن الكريم هنا، وهما بمعنى: سار الليل عامته. وقيل: سرى لأول الليل، وأسرى لآخره، وهو قول الليث، وأما سار فهو مختص بالنهار، وليس مقلوبا من سرى، فهو بمعنى: مشى. هذا؛ والسرى، والإسراء: السير في الليل، يقال؛ سرى، يسري سرى، ومسرى، وسرية، وسراية، وأسرى إسراء. هذا؛ والسرى يذكر، ويؤنث، ولم يحك اللحياني فيه إلاّ التأنيث،

стр. 5833

وكأنهم جعلوه جمع: سرية. ﴿بِعِبادِي:﴾ الإضافة إضافة تشريف، وتكريم، وتبجيل، وتعظيم، وذكر العبودية مقام عظيم، وكثيرا ما ذكر الله حبيبه محمدا ﷺ بلفظ عبده. هذا؛ والعبد: الإنسان حرا كان، أو رقيقا، ويجمع على: عبيد، وعباد، وأعبد، وعبدان، وعبدة، وغير ذلك. هذا؛ وأمر الله إلى موسى ﵇ بالخروج ليلا، وسير الليل في الغالب إنّما يكون عن خوف، والخوف يكون بوجهين: إما من العدو، فيتخذ الليل سترا مسدلا، فهو من أستار الله تعالى. وإما من خوف المشقة على الأبدان، والدواب بحرّ، أو جدب، فيتخذ السّرى مصلحة من ذلك، وكان النبي ﷺ يسري، ويدلج، ويترفق، ويستعجل بحسب الحاجة، وما تقتضيه المصلحة، وفي الصحيح عن النبي ﷺ : «إذا سافرتم في الخصب؛ فأعطوا الإبل حظّها من الأرض، وإذا سافرتم في السّنة؛ فبادروا بها نقيها». انتهى. قرطبي. المراد بالسّنة: القحط، وانعدام نبات الأرض من يبسها. والنقي: بكسر النون وسكون القاف: هو المخ، ومعناه أسرعوا في السير الإبل لتصلوا إلى المقصد؛ وفيها بقية من قوتها. الإعراب: ﴿فَأَسْرِ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي الفصيحة، والتقدير: فقال: أسر، أو قال: إن كان الأمر كذلك؛ فأسر. (أسر): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة في محل نصب مقول القول، أو هي في محل جزم جواب الشرط، والكلام في محل نصب مقول القول لقول محذوف، كما رأيت تقديره، والكلام كله مستأنف، لا محلّ له. هذا؛ وقدر القرطبي الكلام كما يلي: فأجبنا دعاءه، وأوحينا إليه: أن أسر بعبادي. ولا بأس به! دليله قوله تعالى في سورة (الشعراء) رقم [٥٣]: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾. ﴿بِعِبادِي:﴾ متعلقان بما قبلهما، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿لَيْلاً:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبّه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿مُتَّبَعُونَ:﴾ خبرها مرفوع، وعلامة رفعه الواو، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محلّ لها. ﴿وَاُتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)﴾ الشرح: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً﴾ أي: ساكنا. قال القطامي في قصيدة يمدح فيها عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان: [البسيط] يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلة... ولا الصّدور على الأعجاز تتّكل أي: يمشين مشيا ساكنا على هينة. أراد موسى ﵇ لما جاوز البحر أن يضربه بعصاه، فينطبق كما ضربه، فانفلق، فأمر أن يتركه على هيئته قارا على حاله من انتصاب الماء،

стр. 5834

وكون الطريق يبسا لا يضربه بعصاه، ولا يغير منه شيئا، ليدخله القبط، فإذا حصلوا فيه؛ أطبقه الله عليهم. هذا؛ والرهو: الفجوة الواسعة، وعن بعض العرب: أنّه رأى جملا فالجا، فقال: سبحان الله وهو بين سنامين، فيكون المعنى: اترك البحر مفتوحا على حاله منفرجا ليدخله القبط. هذا؛ والرهو والرهوة: المكان المرتفع، والمنخفض أيضا، يجتمع فيه الماء، فهو من الأضداد، والرهو: المرأة الواسعة الهن. حكاه النضر بن شميل، والرهو: ضرب من الطير، ويطلق على غير ذلك. انظر القاموس المحيط. والمعنى: إذا سرت يا موسى بقومك ليلا، وتبعك العدو، ووصلت إلى البحر، وأمرناك بضربه، وانفتح، ودخلت أنت، وقومك فيه، ونجوتم منه؛ فاتركه بحاله، ولا تضربه بعصاك ليلتئم، بل أبقه على حاله؛ ليدخله فرعون، وقومه، فينطبق عليهم. ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ:﴾ هذا إخبار من الله تعالى لموسى بإغراقهم؛ ليطمئن قلبه في تركه البحر كما هو، وبأنهم لن يدركوا من قبل بني إسرائيل وقد صرحت: آية سورة (طه) رقم [٧٧] بذلك: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى﴾. الإعراب: ﴿وَاتْرُكِ:﴾ الواو: حرف عطف. (اترك): فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْبَحْرَ:﴾ مفعول به أول. ﴿رَهْواً:﴾ مفعول به ثان، أو هو حال من البحر، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿فَأَسْرِ بِعِبادِي..﴾. إلخ. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبّه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿جُنْدٌ:﴾ خبرها. ﴿مُغْرَقُونَ:﴾ صفة: ﴿جُنْدٌ،﴾ والجملة الاسمية تعليل للأمر. هذا؛ ويقرأ بفتح همزة «(أنّ)» في هذه الآية وسابقتها، وعليه فتؤول مع اسمها، وخبرها بمصدر في محل جر بلام تعليل مقدرة، التقدير: لكونهم جندا مغرقين. ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ (٢٧)﴾ الشرح: ﴿كَمْ تَرَكُوا﴾ أي: تركوا أمورا كثيرة، والمراد: فرعون، وقومه. ﴿مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ:﴾ قيل: كانت البساتين ممتدة في حافتي النيل، فيها عيون، وأنهار جارية. ﴿وَزُرُوعٍ﴾ أي: أنواع الزروع، وفي سورة (الشعراء) رقم [٥٨] زيادة: ﴿وَكُنُوزٍ﴾. ﴿وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ أي: حسن، وجميل، وهو ما كان لهم من المجالس، والمنازل الحسنة. قيل: المراد: مجالس الأمراء، والرؤساء؛ التي كانت لهم. وقيل: إن فرعون كان إذ قعد على سريره، وضع بين يديه ثلاثمئة كرسي من ذهب يجلس عليها الأشراف من قومه، والأمراء، وعليهم أقبية الذهب، مخوصة بالذهب. والمعنى: تركوا بساتينهم الغنّاء؛ التي فيها العيون الجارية، وأموالهم، ومجالسهم الحسنة.

стр. 5835

هذا؛ والكريم من كل نوع ما يجمع فضائله، وهو صفة لكل ما يرضي في بابه، يقال: وجه كريم؛ أي: مرضي بحسنه، وجماله. وكتاب كريم: مرضي في معانيه، وفوائده. ونبات كريم: مرضي فيما يتعلق به من المنافع، قال تعالى: ﴿كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ رقم [٧] من سورة (الشعراء) وقس على ذلك الإنسان، والحيوان، والمكان، ومثله لفظ: عبقري المذكور في سورة (الرحمن) في الآية [٧٦]. ﴿وَنَعْمَةٍ:﴾ بفتح النون من التنعّم، وهو الترفه. يقال: نعّمه الله، وناعمه، فتنعّم، وامرأة منعّمة، ومناعمة بمعنى: مرفهة، والنعمة بالكسر: اليد، والصنيعة، والمنة، وما أنعم به عليك، وهي من عطف العام على الخاص. والنعمة بضم النون: المسرة، وقد تقصر، فيقال: نعمى. ﴿فَكِهِينَ:﴾ متنعمين، ناعمين، لاهين، مازحين. يقال: إنه لفاكه؛ أي: مزّاح، وفيه فكاهة؛ أي: مزاح، وقرئ: «(فكهين)» بمعنى: بطرين أشرين. هذا؛ و (مقام) اسم مكان ميمي، وأصله (مقوم) فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها، ثم قل: تحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا. وانظر الآية رقم [٥١]. وانظر شرح (كم) برقم [٦] من سورة (الزخرف). الإعراب: ﴿كَمْ:﴾ خبرية بمعنى: كثير مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿تَرَكُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ جَنّاتٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿كَمْ،﴾ و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ:﴾ هذه الأسماء معطوفة على: ﴿جَنّاتٍ﴾. ﴿كَرِيمٍ:﴾ صفة: (مقام). ﴿وَنَعْمَةٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿فَكِهِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: (نعمة). ﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ (٢٨)﴾ الشرح: المراد ب: ﴿قَوْماً آخَرِينَ﴾ بنو إسرائيل، ملّكهم الله تعالى أرض مصر بعد أن كانوا فيها مستعبدين، فصاروا لها وارثين، لوصول ذلك إليهم كوصول الميراث، وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا﴾ رقم [١٣٧] من سورة (الأعراف) ومعنى ﴿آخَرِينَ:﴾ ليسوا منهم في شيء من قرابة، ولا دين، ولا ولاء. هذا؛ وآخرين: مفرده آخر بفتح الخاء، ومؤنثه: أخرى، وكلاهما بمعنى: غير، وأخرى: تجمع على: أخر، وأخريات، والآخر بفتح الخاء، يكون ما قبله، وما بعده من جنسه. هذا؛ والآخر بكسر الخاء، لا يكون بعده شيء غيره، ومؤنثه: أخرى، وآخرة أيضا، وجمع الأولى:

стр. 5836

أخريات، وجمع الثانية: أواخر. هذا؛ والأخرى: دار البقاء، والنسبة إليها أخروي، وكلام آخر وأخر: ضد الأول. الإعراب: ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الأمر كذلك، أو الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: نفعل فعلا مثل ذلك بمن نريد إهلاكه، وإن اعتبرت الكاف اسما؛ فالمحل لها، وهي مضاف، واسم الإشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب. وعلى هذا: فالوقف على: ﴿كَذلِكَ،﴾ والجملة معترضة بين الجملة اللاحقة، والسابقة المتعاطفتين. وقال الزمخشري: الكاف منصوبة على معنى: مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها. ﴿وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ﴾ ليسوا منهم، فعلى هذا يكون: ﴿وَأَوْرَثْناها﴾ معطوفا على تلك الجملة الناصبة للكاف، فلا يجوز الوقف على ﴿كَذلِكَ﴾ حينئذ. انتهى. جمل. ﴿وَأَوْرَثْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿قَوْماً:﴾ مفعول به ثان. ﴿آخَرِينَ:﴾ صفة: ﴿قَوْماً﴾. ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩)﴾ الشرح: ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ:﴾ مجاز عن عدم الاكتراث بهلاكهم، والاعتداد بوجودهم، كقولهم: بكت عليهم السماء، وكسفت لمهلكهم الشمس في نقيض ذلك، ومنه ما روي في الأخبار: أنّ المؤمن ليبكي عليه مصلاه، ومحل عبادته، ومصعد عمله، ومهبط رزقه. فقد روى يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مؤمن إلاّ وله في السماء بابان: باب ينزل منه رزقه، وباب يدخل منه كلامه، وعمله، فإذا مات؛ فقداه، فبكيا عليه، ثم تلا قوله تعالى: ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ»﴾. وقال مجاهد-رحمه الله تعالى-: إن السماء، والأرض يبكيان على المؤمن أربعين صباحا. قال أبو يحيى: فعجبت من قوله، فقال: أتعجب؟ وما للأرض لا تبكي على عبد يعمرها بالركوع والسجود! وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه، وتكبيره فيها دوي كدوي النحل! وقال شريح الحضرمي: قال النبي ﷺ : «إنّ الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء يوم القيامة!» قيل: من هم يا رسول الله؟! قال: «هم الذين إذا فسد النّاس؛ صلحوا». ثم قال: «ألا لا غربة على مؤمن، وما مات مؤمن في غربة غائبا عنه بواكيه؛ إلاّ بكت عليه السماء والأرض». ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ﴾ ثم قال: «ألا إنّهما لا يبكيان على الكافر». قال السدي: لما قتل الحسين بن علي-﵄: بكت عليه السماء، وبكاؤها حمرتها. وحكى جرير عن يزيد بن أبي زياد؛ قال: لما قتل الحسين بن علي-﵄: احمرّ له آفاق السماء أربعة أشهر. وكانت العرب تقول عند موت السيد منهم: بكت له السماء

стр. 5837

والأرض؛ أي: عمت مصيبته الأشياء حتى بكته السماء، والأرض، والريح، والبرق، وبكته الليالي الشاتيات. قال جرير يبكي عمر بن عبد العزيز-﵁: [البسيط] تنعي النّعاة أمير المؤمنين لنا... يا خير من حجّ بيت الله واعتمرا حمّلت أمرا عظيما فاصطبرت له... وقمت فيه بأمر الله يا عمرا فالشّمس طالعة ليست بكاسفة... تبكي عليك نجوم اللّيل والقمرا وهذا هو الشاهد رقم [٧٠١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». وقالت ليلى بنت طريف الشيباني ترثي أخاها الوليد، وهو الشاهد، رقم [٦٥] من «فتح القريب المجيب» أيضا: [الطويل] أيا شجر الخابور مالك مورقا... كأنّك لم تجزع على ابن طريف ﴿وَما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ أي: مهملين إلى وقت آخر، بل أخذوا فجأة. هذا؛ وفي قوله: ﴿بَكَتْ﴾ استعارة مكنية تخييلية حيث شبه السماء والأرض بمن يصح منه الاكتراث، ثم حذف المشبه به، وهو من يصح منه الاكتراث، واستعار له شيئا من لوازمه، وهو البكاء. وجعله بعضهم مجازا مرسلا عن الاكتراث بهلاك الهالك، والعلاقة السببية، ذكر المسبب، وأراد السبب، فإن الاكتراث المذكور سبب يؤدي إلى البقاء عادة. قال أبو حيان: في: ﴿بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ،﴾ استعارة لتحقير أمرهم، وأنّه لم يتغير عن هلاكهم شيء. الإعراب: ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿بَكَتْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث؛ التي هي حرف لا محلّ له. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿السَّماءُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَالْأَرْضُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمها، والألف للتفريق. ﴿مُنْظَرِينَ:﴾ خبر (كان). والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (٣٠)﴾ الشرح: المعنى: نجينا بني إسرائيل مما كانت القبط تفعله بهم بأمر فرعون، من قتل الأبناء، واستخدام النساء، واستعبادهم إياهم، وتكليفهم الأعمال الشاقة. وفيه تذكير، وامتنان على اليهود؛ الذين كانوا في عصر النبي ﷺ بما أنعم الله على آبائهم الأولين. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنا﴾ انظر الآية رقم [٤٦] من سورة (الزخرف) ففيها الكفاية. ﴿بَنِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿بَنِي﴾ مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جرّه الفتحة

стр. 5838

نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿مِنَ الْعَذابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْمُهِينِ:﴾ صفة: ﴿الْعَذابِ،﴾ والكلام: ﴿وَلَقَدْ..﴾. إلخ مستأنف لا محلّ له. ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ الشرح: ﴿إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ أي: جبارا من المشركين، وليس هذا علو مدح، بل هو علوّ في الإسراف، كقوله تعالى في سورة (القصص) رقم [٤]: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ. الإعراب: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ:﴾ بدل مما قبلهما؛ أي: ﴿مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ﴾ كأنه في نفسه كان عذابا مهينا لإفراطه في تعذيبهم، وإهانتهم. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْعَذابِ﴾ أي: واقعا من جهة فرعون. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبّه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمها يعود إلى: ﴿فِرْعَوْنَ﴾. ﴿عالِياً:﴾ خبر ﴿كانَ﴾. ﴿مِنَ الْمُسْرِفِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر ب: ﴿عالِياً﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل لنجاة بني إسرائيل من العذاب المهين. ﴿وَلَقَدِ اِخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٢)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ﴾ أي: اصطفينا بني إسرائيل وفضلناهم. ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ أي: على علم منا بهم لكثرة الأنبياء منهم. ﴿عَلَى الْعالَمِينَ﴾ أي: عالمي زمانهم، فهو كقوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٣٣]: ﴿*إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ وكقوله تعالى في (آل عمران) أيضا رقم [٤٢]: ﴿وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ﴾ أي: نساء زمنها، فإن خديجة أفضل منها، أو مساوية لها في الفضل، وكذا آسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام. وانظر شرح الآيتين في سورة (آل عمران)، تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿وَلَقَدِ:﴾ انظر الآية رقم [٤٦] من سورة (الزخرف). ﴿اِخْتَرْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب القسم. ﴿عَلى عِلْمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (نا) التقدير: عالمين بمكان الخيرة، وبأنهم أحقاء أن يختاروا. ﴿عَلَى الْعالَمِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.

стр. 5839

﴿وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (٣٣)﴾ الشرح: ﴿وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ:﴾ من المعجزات الباهرات من فلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المنّ والسلوى، وغير ذلك من الآيات العظام؛ التي لم يظهر الله في غيرهم مثلها. وقيل: إنها العصا، واليد، فيكون الكلام مقصودا به فرعون، وقومه. وليس بشيء؛ لأنّ الكلام مع بني إسرائيل بعد إهلاك فرعون. ﴿ما فِيهِ بَلؤُا:﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: نعمة ظاهرة، كما قال تعالى في سورة (الأنفال) رقم [١٧]: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً﴾ وقال زهير: [الطويل] رأى الله بالإحسان ما فعلا بكم... فأبلاهما خير البلاء الّذي يبلو وهذا قاله الحسن، وقتادة. الثاني: عذاب شديد. قاله الفراء. الثالث: اختبار يتميز به المؤمن من الكافر؛ لينظر كيف تعلمون كقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٤٩]: ﴿وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ قاله عبد الرحمن بن زيد، وقال: ابتلاهم بالرخاء، والشدة. وقرأ قوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٣٥]: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾. الإعراب: ﴿وَآتَيْناهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (آتيناهم): فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿مِنَ الْآياتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿بَلؤُا:﴾ فاعل بمتعلق الجار والمجرور. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة: ﴿بَلؤُا﴾. هذا؛ ويجوز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر مقدم، و ﴿بَلؤُا﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلاّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٦)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ﴾ أي: كفار قريش؛ لأنّ الكلام فيهم، وقصة فرعون، وقومه مسوقة للدلالة على أنهم مثلهم في الإصرار على الضلالة، والإنذار عن مثل ما حلّ بهم. ﴿لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلاّ مَوْتَتُنَا الْأُولى:﴾ في هذا الكلام إشكال، وهو: أنّ الكلام وقع في الحياة الثانية، لا في الموت، فهلا قيل: (إن هي إلاّ حياتنا الدنيا الأولى، وما نحن بمنشرين)، كما قيل: ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ رقم [٢٩] من سورة (الأنعام)، وما معنى ذكر الأولى؟ كأنهم وعدوا موتة أخرى، حتى جحدوها، وأثبتوا الأولى، والجواب: أنه قيل لهم: إنكم تموتون موتة تتعقبها حياة، كما تقدمتكم موتة تعقبتها حياة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ﴾

стр. 5840

﴿يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ رقم [٢٨] من سورة (البقرة) فقالوا: ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ مَوْتَتُنَا الْأُولى﴾ يريدون ما الموتة التي من شأنها أن يتعقبها حياة إلاّ الموتة الأولى، وهي كونهم نطفا ميتة في الأصلاب، أو الأرحام، فلا فرق إذا بين هذه الآية، وبين آية الأنعام في المعنى. انتهى. الكشاف بتصرف. ﴿وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ أي: مبعوثين بعد موتتنا هذه. ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا﴾ أي: الذين ماتوا قبل؛ أي: ردوهم إلى الحياة الدنيا بعد موتهم، ليكون ذلك شاهدا على صدقكم، والخطاب للنبي ﷺ والمؤمنين على وجه التعجيز. قال القرطبي: قائل هذا أبو جهل، قال: يا محمد! إن كنت صادقا في قولك فابعث لنا رجلين من آبائنا، أحدهما قصي بن كلاب، فإنه كان رجلا صادقا، لنسأله عما يكون بعد الموت. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب اسم «إن». والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿لَيَقُولُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (يقولون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر «إن»، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مَوْتَتُنَا:﴾ خبر المبتدأ، و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿الْأُولى:﴾ صفة: ﴿مَوْتَتُنَا﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال، أو هي حرف عطف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع اسم (ما). ﴿بِمُنْشَرِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (منشرين): خبر (ما)، مجرور لفظا، منصوب محلا، والجملة الاسمية في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها معطوفة على (ما) قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿فَأْتُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: إذا كنتم صادقين فيما تقولون؛ فأتوا... إلخ. (ائتوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب شرط غير جازم، والكلام في محل نصب مقول القول. ﴿بِآبائِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمها. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم صادقين فائتوا، والكلام كله في محل نصب مقول القول.

стр. 5841

﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧)﴾ الشرح: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ هو تبع الحميري، الذي سار بالجيوش، وبنى الحيرة، وبنى سمرقند. وقيل: هدمها، وكان مؤمنا، وكان قومه كافرين؛ ولذلك ذمهم الله دونه، وقال ﷺ : «ما أدري أكان تبع نبيا، أو غير نبي؟». وأسلم، وآمن بالنبي ﷺ قبل ولادته بتسعمئة سنة لما أخبرته اليهود بخبره على حسب ما هو في كتابهم، وهذا هو تبع الأكبر أبو كرب، واسمه: أسعد، وإليه تنسب الأنصار، ولحفظهم وصيته عن آبائهم بادروا إلى الإسلام، وهو أول من كسا الكعبة، بعد ما أراد غزو مكة، وبعدما غزا المدينة المنورة، وأراد خرابها، ثم انصرف عنها لما أخبر أنها مهاجر نبي اسمه أحمد، وقال شعرا أودعه عند أهلها، وكانوا يتوارثونه كابرا عن كابر إلى أن هاجر النبي ﷺ ، فدفعوه إليه، ويقال: كان الشعر عند أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري ﵁-وفيه: [المتقارب] شهدت على أحمد أنه... رسول من الله باري النّسم فلو مدّ عمري إلى عمره... لكنت وزيرا له وابن عم وروى ابن إسحاق، وغيره: أنه كان في الكتاب الذي كتبه: أما بعد: فإني آمنت بك، وبكتابك الذي ينزل عليك، وأنا على دينك، وعلى سنتك، وآمنت بربك، ورب كل شيء، وآمنت بكل ما جاء من ربك من شرائع الإسلام، فإن أدركتك؛ فبها ونعمت، وإن لم أدركك؛ فاشفع لي، ولا تنسني يوم القيامة، فإني من أمتك الأولين، وبايعتك قبل مجيئك، وأنا على ملتك، وملة أبيك إبراهيم ﵇. ثم ختم الكتاب، ونقش عليه: لله الأمر من قبل ومن بعد، وكتب على عنوانه: إلى محمد بن عبد الله، نبي الله، ورسوله، خاتم النبيين، ورسول رب العالمين ﷺ من تبّع الأول. وكان من اليوم الذي مات فيه تبع إلى اليوم الذي بعث فيه النبي ﷺ ألف سنة، لا يزيد ولا ينقص. واختلف هل كان نبيا، أو ملكا صالحا، فقال ابن عباس-﵄: كان تبع نبيا. وقال كعب: كان تبع ملكا من الملوك، وكان قومه كهانا، وكان معهم قوم من اليهود، فأمر الفريقين أن يقرب كل فريق منهم قربانا، ففعلوا، فتقبل قربان أهل الكتاب، فأسلم. وقالت عائشة-﵂: لا تسبّوا تبعا، فإنه كان رجلا صالحا. وقال كعب: ذم الله قومه، ولم يذمه، وضرب لقريش بهم مثلا لقربهم من دارهم، وعظمهم في نفوسهم. فلما أهلكهم الله تعالى ومن قبلهم؛ لأنهم كانوا مجرمين؛ كان من أجرم مع ضعف اليد، وقلة العدد أحرى بالهلاك. وافتخر أهل اليمن بهذه الآية؛ إذ جعل قوم تبع خيرا من قريش. وقيل: سمي أولهم تبعا؛ لأنه اتبع قرن الشمس، وسافر في المشرق مع العساكر.

стр. 5842

هذا؛ وتبع ليس رجلا واحدا، بل المراد به ملوك اليمن، فكانوا يسمون ملوكهم التبابعة، ف: «تبع» لقب للملك منهم كالخليفة للمسلمين، وكسرى للفرس، وقيصر للروم. وقال أبو عبيدة: سمي كل واحد منهم تبعا؛ لأنه يتبع صاحبه. انتهى. من هنا، وهناك. هذا؛ وقال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ..﴾. إلخ، ولا خير في الفريقين؟ قلت: معناه أهم خير في القوة، والمنعة، كقوله تعالى في سورة (القمر) رقم [٤٣]: ﴿أَكُفّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ﴾ بعد ذكر آل فرعون. وفي تفسير ابن عباس-﵄: أهم أشد أم قوم تبع؟. انتهى. وهذا يعني: أن ﴿خَيْرٌ﴾ جاء بمعنى: قوة، كما جاء بمعنى: الطعام في قوله تعالى في سورة (القصص) رقم [٢٤] حكاية عن قول موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ وجاء بمعنى: المال، كما في سورة العاديات: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾. وجاء بمعنى: العبادة في سورة (الأنبياء) رقم [٧٣]: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ﴾. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ قبل قوم تبع، كقوم هود، وصالح، ونوح، وغيرهم من الأمم الكافرة. ﴿أَهْلَكْناهُمْ﴾ أي: جميعا مع ما كانوا عليه من غاية الشدة والقوة، فإهلاك كفار قريش أولى. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ أي: كافرين. وانظر التعبير بالمجرمين، ونحوه عن الكافرين في الآية رقم [٧٤] من سورة (الزخرف). الإعراب: ﴿أَهُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي إنكاري. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف معادل للهمزة. ﴿قَوْمُ:﴾ معطوف على الضمير، وهو مضاف، و ﴿تُبَّعٍ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع معطوف على: ﴿قَوْمُ تُبَّعٍ،﴾ وأجيز عطفه على: ﴿تُبَّعٍ،﴾ فيكون في محل جر. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَهْلَكْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من المعطوف والمعطوف عليه، والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها، ويجوز أن تكون مستأنفة، لا محلّ لها. وفي السمين: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون معطوفا على: ﴿قَوْمُ تُبَّعٍ﴾. الثاني: أن يكون مبتدأ، خبره ما بعده من: ﴿أَهْلَكْناهُمْ﴾. وأما على الأول ف: ﴿أَهْلَكْناهُمْ﴾ إما مستأنف، وإما حال من الضمير الذي استكن في الصلة. الثالث: أن يكون منصوبا بفعل مقدر يفسره: ﴿أَهْلَكْناهُمْ،﴾ ولا محل ل: ﴿أَهْلَكْناهُمْ﴾ حينئذ. انتهى. جمل. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مُجْرِمِينَ:﴾ خبر: ﴿كانُوا،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للإهلاك، لا محل لها.

стр. 5843

﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (٣٨)﴾ الشرح: هذه الآية مذكورة بحروفها في سورة (الأنبياء) برقم [١٦]. وقال البيضاوي في شرحها هناك: وإنما خلقناها مشحونة بضروب البدائع، تبصرة للنظار، وتذكرة لذوي الاعتبار، وتسبيبا لما ينتظم به أمور العباد في المعاش، والمعاد، فينبغي أن يتسلقوا بها إلى تحصيل الكمال، ولا يغترّوا بزخارفها، فإنّها سريعة الزوال. وقال الخازن: معناها ما سوينا هذا السقف المرفوع، وهذا المهاد الموضوع، وما بينهما للهو واللّعب، وإنما سويناهما لفوائد، منها: التفكر في خلقهما، وما فيهما من العجائب، والمنافع؛ التي لا تعدّ، ولا تحصى. وقال الجمل نقلا من زاده: الآية دليل على صحة الحشر، ووقوعه، ووجه الدلالة: أنه لو لم يحصل البعث، والجزاء؛ لكان هذا الخلق عبثا؛ لأنه تعالى خلق نوع الإنسان، وخلق ما ينتظم به أسباب معاشهم من السقف المرفوع، والمهاد المفروش، وما بينهما من عجائب المصنوعات، وبدائع الأحوال، ثم كلفهم بالإيمان، والطاعة، فاقتضى ذلك أن يتميز المطيع من العاصي بأن يكون المطيع متعلق فضله، وإحسانه، والعاصي متعلق عدله وعقابه، وذلك لا يكون في الدنيا لقصر زمانها، وعدم الاعتداد بمنافعها؛ لكونها مشوبة بأنواع الآفات، والمحن، فلا بدّ من البعث لتجزى كل نفس بما كسبت. فظهر بهذا وجه اتصال الآية بما قبلها، وهو أنّه لما حكى مقالة منكري البعث والجزاء، وهدّدهم ببيان مال المجرمين؛ الذين مضوا؛ ذكر الدليل القاطع على صحة البعث، والجزاء، فقال: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ..﴾. إلخ انتهى. وانظر سورة (ص) رقم [٢٧]. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿خَلَقْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على ما قبله. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿لاعِبِينَ:﴾ حال من (نا) منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، وجملة: ﴿وَما خَلَقْنَا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿ما خَلَقْناهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾ الشرح: ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما من المخلوقات إلا بالعدل، والحق المبين؛ الذي اقتضاه الدليل من الإيمان، والطاعة، والبعث، والجزاء. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ:﴾ الحق. وذكر الأكثر، إما لأن بعضهم لا يعرف الحق لنقصان عقله، أو لتقصيره في

стр. 5844

النظر، أو لم تقم عليه الحجة؛ لأنه لم يبلغ حدّ التكليف، أو لأنه يقوم مقام الكل، وخذ قول الشاعر: [البسيط] لم يبق من جلّ هذا الناس باقية... ينالها الوهم إلاّ هذه الصور لا يدهمنّك من دهمائهم عدد... فإنّ جلّهم بل كلّهم بقر دهمه: غشيه. يقول: لا يدهمنك من جماعتهم الكثيرة عدد فيهم غناء، أو نصرة، فإن كلهم كالأنعام، والبهائم. ولله درّ القائل: [المنسرح] لا يدهمنك اللحاء والصّور... تسعة أعشار من ترى بقر في شجر السّرو منهم شبه... له رواء، وماله ثمر ورضي الله عن حسان بن ثابت إذ يقول: [البسيط] لا بأس بالقوم من طول ومن عظم... جسم البغال، وأحلام العصافير وخذ قوله تعالى في سورة الروم الآية رقم [٦]: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾. الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿خَلَقْناهُما:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (نا)، أي: إلاّ ملتبسين بالحق. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. وقيل: مفسرة لما قبلها، وهو وجه ضعيف. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: واو الحال. (لكنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَهُمْ:﴾ اسم (لكنّ)، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبر (لكنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الحق، والرابط: الواو، وإعادة (الحق) بلفظه لو ذكر. ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ:﴾ هو يوم القيامة، وسمي بذلك؛ لأنّ الله تعالى يفصل فيه بين خلقه، وبين الحق، والباطل، وبين المحق، والمبطل، وبين المظلوم، والظالم، دليله قوله تعالى في سورة الممتحنة رقم [٣]: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ ونظيره قوله تعالى في سورة (الروم) رقم [١٤]: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ ويوم الفصل ميقات الناس أجمعين، كما قال تعالى في سورة (النبأ) رقم [١٧]: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً﴾ أي: الوقت المجعول لتمييز المسيء من المحسن، والفصل بينهما ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ رقم [٧] من سورة (الشورى) وهذا غاية في التحذير، والوعيد، والتهديد.

стр. 5845

الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿يَوْمَ:﴾ اسم: ﴿إِنَّ،﴾ وهو مضاف، و ﴿الْفَصْلِ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِيقاتُهُمْ:﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ توكيد للضمير المجرور محلا بالإضافة مجرور مثله، وعلامة جره الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم. هذا؛ وأجاز الكسائي والفراء نصب: ﴿مِيقاتُهُمْ﴾ على أنه اسم ﴿إِنَّ،﴾ والظرف: ﴿يَوْمَ﴾ يكون متعلقا بمحذوف خبر مقدم، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١)﴾ الشرح: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي:﴾ لا ينفع، ولا يدفع. ﴿مَوْلًى:﴾ يطلق في الأصل على الإله المعبود بحق، ومن أسماء الله الحسنى: المولى، ويطلق على العبد، والسيد، والأمير، وابن العم، والحليف، والناصر، والمعين، وهو المراد في هذه الآية، وفي آخر سورة (الحج): ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ،﴾ وأيضا الآية رقم [١١] من سورة محمد ﷺ . انظر شرحهما في محلهما. كما يطلق على مولى العتاقة، والمحالفة، وكلّ منهما لا يكون متصل النسب في القبيلة، ولكنه لصيق بها، والموالي في نظر العرب من الخسة، والضعة بحيث لا يرونهم في مصافهم. والمعنى: لا ينفع ابن عم ابن عمه، ولا قريب قريبه، ولا صديق صديقه. ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي: لا ينصر المؤمن الكافر لقرابته، بل ولا ينفع المؤمن أخاه المؤمن. خذ قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٤٨]: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً،﴾ وقوله تعالى في سورة (عبس): ﴿فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾. الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ بدل من ﴿يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ في الآية السابقة. وقيل: صفة ل: ﴿مِيقاتُهُمْ﴾ أو هو ظرف متعلق لما دلّ عليه الفصل، ولا يتعلق بالفصل نفسه للفاصل بينهما. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُغْنِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء. ﴿مَوْلًى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿عَنْ مَوْلًى:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف المحذوفة... إلخ. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به، أو هو نائب مفعول مطلق. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿يُنْصَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ اللهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢)﴾ الشرح: ﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ اللهُ﴾ أي: بالعفو عنه، وقبول الشفاعة فيه؛ أي: فيأذن الله لبعض المؤمنين أن يشفعوا لأقربائهم، وأحبائهم. قال تعالى في سورة (طه) رقم [١٠٩]: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ﴾

стр. 5846

﴿الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أي: القوي الغالب، المنتقم من أعدائه، اللطيف، الرؤوف، الرحيم بأوليائه، كما قال تعالى في أول سورة (غافر) رقم [٣]: ﴿شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ فقرن الوعد بالوعيد، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء المتصل من ﴿مَوْلًى﴾. وقال الكسائي: في محل نصب على الاستثناء المنقطع، التقدير: لكن من... إلخ، أو هو في محل رفع على البدلية من واو الجماعة، أو هو في محل رفع على الابتداء، والخبر محذوف، التقدير: إلاّ من رحم الله فمغفور له، وعليه: فالجملة الاسمية في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال. ﴿رَحِمَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: إلا الذي، أو شخصا ﵀. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٦]، والجملة الاسمية، تعليل لما قبلها، لا محلّ لها. ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ:﴾ مشتقة من التزقم، وهو البلع على جهد لكراهتها، ونتنها، وهي تحيا بلهب النار، كما تحيا الشجرة في الدنيا بالماء البارد، واختلف فيها هل هي من شجر الدنيا التي تعرفها العرب أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنها معروفة من شجر الدنيا. ومن قال بهذا اختلفوا فيها، فقال قطرب: إنها شجرة مرّة، تكون بتهامة من أخبث الشجر. وقال غيره: بل هو كل نبات قاتل. القول الثاني: إنها لا تعرف في شجر الدنيا، فلما نزلت هذه الآية، قالت قريش: ما نعرف هذه الشجرة، فقدم عليهم رجل من أفريقية، فسألوه، فقال: هو عندنا الزّبد، والتمر، فقال ابن الزّبعرى: أكثر الله في بيوتنا الزقوم، فقال أبو جهل الخبيث لجاريته: هاتي زقمينا، فأتته بزبد، وتمر، ثم قال لأصحابه: تزقموا، هذا الذي يخوفنا به محمد، يزعم: أنّ النار تنبت الشجر، والنار تحرق الشجر. هذا؛ وانظر الآيات وشرحها في سورة (الصافات) رقم [٦٢] إلى [٦٨] تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. ﴿طَعامُ الْأَثِيمِ:﴾ الكثير الآثام، وهو أبو جهل، ومن لف لفه من الكفار، والفجار المعاندين. هذا؛ و ﴿طَعامُ﴾ اسم مصدر مثل: سلام، وعذاب، وعطاء. ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ:﴾ الشجرة التي خلقها الله في جهنم، وسماها الشجرة الملعونة، وذلك في سورة (الإسراء) رقم [٦٠] فإذا جاع أهل النار؛ التجؤوا إليها، فأكلوا منها، فغلت في بطونهم كما يغلي الماء الحار، وشبه ما يصير منها إلى بطونهم بالمهل، وهو النحاس المذاب، والمهل له معان

стр. 5847

غير هذا تليق بالمقام أكثر من هذا، منها الصديد، والقيح، وعكر الزيت المغلي، وعكر القطران المغلي أيضا وغير ذلك. ﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ أي: كما يغلي الماء الحار الشديد الحرارة. فعن أبي سعيد الخدري-﵁-عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ قال: «كعكر الزيت، فإذا قرب إلى وجهه؛ سقطت فروة وجهه فيه». أخرجه الترمذي. وعن ابن عباس ﵄-أنّ رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [١٠٢] من سورة (آل عمران)، ثم قال رسول الله ﷺ : «لو أنّ قطرة من الزقوم قطرت في الدنيا، لأفسدت على الناس معايشهم، فكيف بمن تكون طعامه؟!». أخرجه الترمذي. خاتمة: وفي القاموس المحيط: الزّقم: اللّقم، والتّزقّم: التّلقّم، وأزقمه، فازدقمه: أبلعه، فابتلعه، والزّقّوم كتنّور، الزّبد بالتمر، وشجرة بجهنم، ونبات بالبادية له زهر ياسميني الشكل، وطعام أهل النار، وشجرة بأريحاء من الغور، لها ثمر كالتمر، حلو عفص، ولنواه دهن عظيم المنافع، عجيب الفعل في تحليل الرياح الباردة، وأمراض البلغم، وأوجاع المفاصل، والنّقرس، وعرق النّسا، والريح اللاحجة في حقّ الورك، يشرب منه زنة سبعة دراهم، ثلاثة أيام، أو خمسة أيام، وربما أقام الزّمنى، والمقعدين، ويقال: أصله الإهليلج الكابليّ، نقلته بنو أمية، وزرعته بأريحاء، ولما تمادى الزمن غيرته أريحاء عن طبع الإهليلج والزّقمة، والطاعون. انتهى. بحروفه. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿شَجَرَةَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و ﴿الزَّقُّومِ:﴾ مضاف إليه. ﴿طَعامُ:﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ مرفوع، وهو مضاف، و ﴿الْأَثِيمِ:﴾ مضاف إليه. ﴿كَالْمُهْلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بمحذوف خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هو كالمهل، وتعود الجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر ثان ل: ﴿إِنَّ،﴾ وإن اعتبرت الكاف اسما؛ فالمحل لها على الاعتبارين، وتكون مضافة، و (المهل): مضاف إليه، ولا يجوز اعتبار الحالية من: ﴿طَعامُ﴾ لأنه لا عامل فيها إذا ذاك. ﴿يَغْلِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: (الطعام)، أو ﴿الزَّقُّومِ،﴾ لا (المهل)؛ إذ الأظهر: أنّ الجملة حال من أحدهما، ويؤيد رجوع الفاعل إلى: ﴿الزَّقُّومِ،﴾ قراءة الفعل بالتاء. ﴿فِي الْبُطُونِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَغَلْيِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: يغلي غليا مثل غلي الحميم، و (غلي) مضاف، و ﴿الْحَمِيمِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (٤٧)﴾ الشرح: ﴿خُذُوهُ:﴾ يقال للزبانية: خذوا الأثيم. ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ أي: جروه وسوقوه. والعتل: أن تأخذ بتلابيب الرجل، فتعتله؛ أي: تجره إليك لتذهب به إلى حبس، أو بلية. يقال: عتلت

стр. 5848

الرجل، أعتله، واعتله عتلا: إذا جذبته جذبا عنيفا. ﴿إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ:﴾ إلى وسط الجحيم، قال تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ الصافات رقم [٥٥]. هذا وقال تعالى في سورة (الحاقة): ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ..﴾. إلخ. الإعراب: ﴿خُذُوهُ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف. انظر تقديره في الشرح، وجملة: ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ معطوفة عليها فهي مثلها في محل نصب مقول القول. ﴿إِلى سَواءِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿سَواءِ:﴾ مضاف، و ﴿الْجَحِيمِ﴾ مضاف إليه. ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (٤٨)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ﴾ أي: ليكون المصبوب محيطا بكل جسده. ﴿مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ:﴾ فإذا صب عليه الحميم، فقد صب عليه عذابه، وشدته، فهو أبلغ مما في قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [١٩]: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ فإن صب العذاب طريقه الاستعارة، كقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٥٠]: ﴿قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ فقد شبه العذاب بالمائع، ثم خيل له بالصب. قال الزمخشري: فذكر العذاب معلقا به الصب مستعارا له، ليكون أهول، وأهيب، ومن الاستعارة أيضا قول فاطمة الزهراء-﵂-ترثي أباها المصطفى ﷺ بعد وفاته: [الكامل] ماذا على من شمّ تربة أحمد... أن لا يشمّ مدى الزّمان غواليا صبّت عليّ مصائب لو أنها... صبّت على الأيام عدن لياليا الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿صُبُّوا:﴾ فعل أمر، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَوْقَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. و ﴿فَوْقَ﴾ مضاف، و ﴿رَأْسِهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ عَذابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. و (من) معناها بعض، وإن اعتبرتها صلة؛ ف: ﴿عَذابِ﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، و ﴿عَذابِ﴾ مضاف، و ﴿الْحَمِيمِ﴾ مضاف إليه. ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ الشرح: قال مقاتل-رحمه الله تعالى-: يضرب مالك خازن النار ضربة على رأس أبي جهل لعنه الله بمقمع من حديد، فيتفتت رأسه عن دماغه، فيجري دماغه على جسده، ثم يصب الملك فيه ماء حميما، قد انتهى حره، فيقع في بطنه، فيقول الملك له: ذق العذاب... إلخ.

стр. 5849

وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: نزلت في أبي جهل الخبيث، وكان يقول: ما فيها أعزّ مني، ولا أكرم! فلذلك يقال له يوم القيامة: ﴿ذُقْ إِنَّكَ..﴾. إلخ. وقال عكرمة-﵀: التقى النبي ﷺ وأبو جهل، فقال النبي ﷺ : «إن الله أمرني أن أقول لك: أولى لك فأولى!». فقال: بأي: شيء تهددني؟! والله ما تستطيع أنت، ولا ربك أن تفعلا بي شيئا! إني لمن أعز هذا الوادي، وأكرمه على قومه! فقتله الله يوم بدر، وأذله، ونزلت الآية الكريمة تخبر بما يقال له يوم القيامة. هذا؛ والذوق يكون محسوسا، ومعنى، وقد يوضع موضع الابتلاء، والاختبار، تقول: اركب هذا الفرس، فذقه؛ أي: اختبره. وانظر فلانا، فذق ما عنده، قال الشماخ يصف قوسا: [الطويل] فذاق، فأعطته من اللين جانبا... كفى ولها أن يغرق السهم حاجز وقد يعبر بالذوق عما يطرأ على النفس؛ وإن لم يكن مطعوما؛ لإحساسها به كإحساسها بذوق المطعوم. قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل] فذق هجرها إن كنت تزعم أنها... فساد ألا يا ربّما كذب الزّعم وتقول: ذقت ما عند فلان. أي: خبرته، وذقت القوس: إذا جذبت، وترها لتنظر ما شدتها؟ وأذاقه الله وبال أمره؛ أي: عقوبة كفره، ومعاصيه، قال طفيل بن سعد الغنوي: [الطويل] فذوقوا كما ذقنا غداة محجّر... من الغيظ في أكبادنا والتّحوّب وتذوقته. أي: ذقته شيئا بعد شيء، وأمر مستذاق؛ أي: مجرب معلوم، قال الشاعر: [الوافر] وعهد الغانيات كعهد قين... ونت عند الجعائل مستنذاق وأصله من الذوق بالفم. و ﴿فَذُوقُوا﴾ في كثير من الآيات للإهانة، وفيه استعارة تبعية تخييلية، وذكر العذاب في بعض الآيات استعارة مكنية؛ حيث شبه العذاب بشيء يدرك بحاسة الأكل، وشبه الذوق بصورة ما يذاق، وأثبت للذوق تخييلا. الإعراب: ﴿ذُقْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ومفعوله محذوف، تقديره: ذق العذاب. والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف. انظر الشرح. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٦]، والآية تعليل للأمر، ويقرأ بفتح الهمزة، وعليه فالمصدر المؤول في محل جر بلام تعليل محذوفة، التقدير: لأنك، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿ذُقْ﴾. ﴿إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ هذا﴾ أي: العذاب. ﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أي: تشكون في وقوعه، يوم كنتم في الدنيا، فذوقوه اليوم. والجمع في الآية باعتبار المعنى؛ لأنّ المراد جنس الأثيم. هذا؛

стр. 5850

و ﴿كُنْتُمْ﴾ أصله: «كونتم» فقل في إعلاله: تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار: «كانتم» فالتقى ساكنان: الألف، وسكون النون، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار «كنتم» بفتح الكاف، ثم أبدلت الفتحة ضمة لتدل على الواو المحذوفة، فصار: «كنتم». وهناك إعلال آخر، وهو أن تقول: أصل الفعل (كون) فلما اتصل بضمير رفع متحرك، نقل إلى باب فعل، فصار (كونتم) ثم نقلت حركة الواو إلى الكاف قبلها، فصار: «كونت» فالتقى ساكنان: العين المعتلة ولام الفعل، فحذفت العين، وهي الواو لالتقائها ساكنة مع النون، فصار: «كنت» وهكذا قل في إعلال كل فعل أجوف واوي مسندا إلى ضمير رفع متحرك، مثل: قلت، وقمنا، وقعدن... إلخ. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسمها. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿تَمْتَرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول للقول المقدر. ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢)﴾ الشرح: لما ذكر مستقر الكافرين، وعذابهم ذكر نزل المؤمنين، ونعيمهم. وهذا من المقابلة التي ذكرتها في الآية رقم [٧٤] من سورة (الزخرف)، و ﴿مَقامٍ﴾ بفتح الميم وضمها، وقال الكسائي: المقام: المكان، والمقام: الإقامة. وقال الجوهري: وأما المقام، والمقام فقد يكون كل واحد منهما بمعنى: الإقامة، وقد يكون بمعنى: موضع القيام؛ لأنك إن جعلته من الثلاثي؛ فمفتوح، وإن جعلته من الرباعي؛ فمضموم، ويمكن أن يكون مصدرا ميميا، ويقدر فيه المضاف؛ أي: في موضع إقامة. وانظر إعلاله في الآية رقم [٢٦]. ﴿أَمِينٍ:﴾ يؤمن فيه من الآفات على جميع أنواعها، فالإسناد مجاز عقلي، وأصل الأمن: طمأنينة النفس، وزوال الخوف، والأمن، والأمان، والأمانة في الأصل مصادر. ويستعمل الأمان تارة اسما للحالة التي عليها الإنسان في الأمن، وتارة اسما لما يؤتمن عليه الإنسان، كقوله تعالى: ﴿وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ﴾ أي: ما ائتمنتم عليه. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْمُتَّقِينَ:﴾ اسمها منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم. ﴿فِي مَقامٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿أَمِينٍ:﴾ صفة: ﴿مَقامٍ﴾. ﴿فِي جَنّاتٍ:﴾ بدل مما قبلهما. ﴿وَعُيُونٍ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محلّ لها.
следующие страницы →