← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

﴿الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أي: القوي الغالب، المنتقم من أعدائه، اللطيف، الرؤوف، الرحيم بأوليائه، كما قال تعالى في أول سورة (غافر) رقم [٣]: ﴿شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ فقرن الوعد بالوعيد، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء المتصل من ﴿مَوْلًى﴾. وقال الكسائي: في محل نصب على الاستثناء المنقطع، التقدير: لكن من... إلخ، أو هو في محل رفع على البدلية من واو الجماعة، أو هو في محل رفع على الابتداء، والخبر محذوف، التقدير: إلاّ من رحم الله فمغفور له، وعليه: فالجملة الاسمية في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال. ﴿رَحِمَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: إلا الذي، أو شخصا ﵀. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٦]، والجملة الاسمية، تعليل لما قبلها، لا محلّ لها. ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ:﴾ مشتقة من التزقم، وهو البلع على جهد لكراهتها، ونتنها، وهي تحيا بلهب النار، كما تحيا الشجرة في الدنيا بالماء البارد، واختلف فيها هل هي من شجر الدنيا التي تعرفها العرب أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنها معروفة من شجر الدنيا. ومن قال بهذا اختلفوا فيها، فقال قطرب: إنها شجرة مرّة، تكون بتهامة من أخبث الشجر. وقال غيره: بل هو كل نبات قاتل. القول الثاني: إنها لا تعرف في شجر الدنيا، فلما نزلت هذه الآية، قالت قريش: ما نعرف هذه الشجرة، فقدم عليهم رجل من أفريقية، فسألوه، فقال: هو عندنا الزّبد، والتمر، فقال ابن الزّبعرى: أكثر الله في بيوتنا الزقوم، فقال أبو جهل الخبيث لجاريته: هاتي زقمينا، فأتته بزبد، وتمر، ثم قال لأصحابه: تزقموا، هذا الذي يخوفنا به محمد، يزعم: أنّ النار تنبت الشجر، والنار تحرق الشجر. هذا؛ وانظر الآيات وشرحها في سورة (الصافات) رقم [٦٢] إلى [٦٨] تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. ﴿طَعامُ الْأَثِيمِ:﴾ الكثير الآثام، وهو أبو جهل، ومن لف لفه من الكفار، والفجار المعاندين. هذا؛ و ﴿طَعامُ﴾ اسم مصدر مثل: سلام، وعذاب، وعطاء. ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ:﴾ الشجرة التي خلقها الله في جهنم، وسماها الشجرة الملعونة، وذلك في سورة (الإسراء) رقم [٦٠] فإذا جاع أهل النار؛ التجؤوا إليها، فأكلوا منها، فغلت في بطونهم كما يغلي الماء الحار، وشبه ما يصير منها إلى بطونهم بالمهل، وهو النحاس المذاب، والمهل له معان

стр. 5847

غير هذا تليق بالمقام أكثر من هذا، منها الصديد، والقيح، وعكر الزيت المغلي، وعكر القطران المغلي أيضا وغير ذلك. ﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ أي: كما يغلي الماء الحار الشديد الحرارة. فعن أبي سعيد الخدري-﵁-عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ قال: «كعكر الزيت، فإذا قرب إلى وجهه؛ سقطت فروة وجهه فيه». أخرجه الترمذي. وعن ابن عباس ﵄-أنّ رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [١٠٢] من سورة (آل عمران)، ثم قال رسول الله ﷺ : «لو أنّ قطرة من الزقوم قطرت في الدنيا، لأفسدت على الناس معايشهم، فكيف بمن تكون طعامه؟!». أخرجه الترمذي. خاتمة: وفي القاموس المحيط: الزّقم: اللّقم، والتّزقّم: التّلقّم، وأزقمه، فازدقمه: أبلعه، فابتلعه، والزّقّوم كتنّور، الزّبد بالتمر، وشجرة بجهنم، ونبات بالبادية له زهر ياسميني الشكل، وطعام أهل النار، وشجرة بأريحاء من الغور، لها ثمر كالتمر، حلو عفص، ولنواه دهن عظيم المنافع، عجيب الفعل في تحليل الرياح الباردة، وأمراض البلغم، وأوجاع المفاصل، والنّقرس، وعرق النّسا، والريح اللاحجة في حقّ الورك، يشرب منه زنة سبعة دراهم، ثلاثة أيام، أو خمسة أيام، وربما أقام الزّمنى، والمقعدين، ويقال: أصله الإهليلج الكابليّ، نقلته بنو أمية، وزرعته بأريحاء، ولما تمادى الزمن غيرته أريحاء عن طبع الإهليلج والزّقمة، والطاعون. انتهى. بحروفه. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿شَجَرَةَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و ﴿الزَّقُّومِ:﴾ مضاف إليه. ﴿طَعامُ:﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ مرفوع، وهو مضاف، و ﴿الْأَثِيمِ:﴾ مضاف إليه. ﴿كَالْمُهْلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بمحذوف خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هو كالمهل، وتعود الجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر ثان ل: ﴿إِنَّ،﴾ وإن اعتبرت الكاف اسما؛ فالمحل لها على الاعتبارين، وتكون مضافة، و (المهل): مضاف إليه، ولا يجوز اعتبار الحالية من: ﴿طَعامُ﴾ لأنه لا عامل فيها إذا ذاك. ﴿يَغْلِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: (الطعام)، أو ﴿الزَّقُّومِ،﴾ لا (المهل)؛ إذ الأظهر: أنّ الجملة حال من أحدهما، ويؤيد رجوع الفاعل إلى: ﴿الزَّقُّومِ،﴾ قراءة الفعل بالتاء. ﴿فِي الْبُطُونِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَغَلْيِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: يغلي غليا مثل غلي الحميم، و (غلي) مضاف، و ﴿الْحَمِيمِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (٤٧)﴾ الشرح: ﴿خُذُوهُ:﴾ يقال للزبانية: خذوا الأثيم. ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ أي: جروه وسوقوه. والعتل: أن تأخذ بتلابيب الرجل، فتعتله؛ أي: تجره إليك لتذهب به إلى حبس، أو بلية. يقال: عتلت

стр. 5848

الرجل، أعتله، واعتله عتلا: إذا جذبته جذبا عنيفا. ﴿إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ:﴾ إلى وسط الجحيم، قال تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ الصافات رقم [٥٥]. هذا وقال تعالى في سورة (الحاقة): ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ..﴾. إلخ. الإعراب: ﴿خُذُوهُ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف. انظر تقديره في الشرح، وجملة: ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ معطوفة عليها فهي مثلها في محل نصب مقول القول. ﴿إِلى سَواءِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿سَواءِ:﴾ مضاف، و ﴿الْجَحِيمِ﴾ مضاف إليه. ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (٤٨)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ﴾ أي: ليكون المصبوب محيطا بكل جسده. ﴿مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ:﴾ فإذا صب عليه الحميم، فقد صب عليه عذابه، وشدته، فهو أبلغ مما في قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [١٩]: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ فإن صب العذاب طريقه الاستعارة، كقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٥٠]: ﴿قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ فقد شبه العذاب بالمائع، ثم خيل له بالصب. قال الزمخشري: فذكر العذاب معلقا به الصب مستعارا له، ليكون أهول، وأهيب، ومن الاستعارة أيضا قول فاطمة الزهراء-﵂-ترثي أباها المصطفى ﷺ بعد وفاته: [الكامل] ماذا على من شمّ تربة أحمد... أن لا يشمّ مدى الزّمان غواليا صبّت عليّ مصائب لو أنها... صبّت على الأيام عدن لياليا الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿صُبُّوا:﴾ فعل أمر، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَوْقَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. و ﴿فَوْقَ﴾ مضاف، و ﴿رَأْسِهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ عَذابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. و (من) معناها بعض، وإن اعتبرتها صلة؛ ف: ﴿عَذابِ﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، و ﴿عَذابِ﴾ مضاف، و ﴿الْحَمِيمِ﴾ مضاف إليه. ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ الشرح: قال مقاتل-رحمه الله تعالى-: يضرب مالك خازن النار ضربة على رأس أبي جهل لعنه الله بمقمع من حديد، فيتفتت رأسه عن دماغه، فيجري دماغه على جسده، ثم يصب الملك فيه ماء حميما، قد انتهى حره، فيقع في بطنه، فيقول الملك له: ذق العذاب... إلخ.

стр. 5849

وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: نزلت في أبي جهل الخبيث، وكان يقول: ما فيها أعزّ مني، ولا أكرم! فلذلك يقال له يوم القيامة: ﴿ذُقْ إِنَّكَ..﴾. إلخ. وقال عكرمة-﵀: التقى النبي ﷺ وأبو جهل، فقال النبي ﷺ : «إن الله أمرني أن أقول لك: أولى لك فأولى!». فقال: بأي: شيء تهددني؟! والله ما تستطيع أنت، ولا ربك أن تفعلا بي شيئا! إني لمن أعز هذا الوادي، وأكرمه على قومه! فقتله الله يوم بدر، وأذله، ونزلت الآية الكريمة تخبر بما يقال له يوم القيامة. هذا؛ والذوق يكون محسوسا، ومعنى، وقد يوضع موضع الابتلاء، والاختبار، تقول: اركب هذا الفرس، فذقه؛ أي: اختبره. وانظر فلانا، فذق ما عنده، قال الشماخ يصف قوسا: [الطويل] فذاق، فأعطته من اللين جانبا... كفى ولها أن يغرق السهم حاجز وقد يعبر بالذوق عما يطرأ على النفس؛ وإن لم يكن مطعوما؛ لإحساسها به كإحساسها بذوق المطعوم. قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل] فذق هجرها إن كنت تزعم أنها... فساد ألا يا ربّما كذب الزّعم وتقول: ذقت ما عند فلان. أي: خبرته، وذقت القوس: إذا جذبت، وترها لتنظر ما شدتها؟ وأذاقه الله وبال أمره؛ أي: عقوبة كفره، ومعاصيه، قال طفيل بن سعد الغنوي: [الطويل] فذوقوا كما ذقنا غداة محجّر... من الغيظ في أكبادنا والتّحوّب وتذوقته. أي: ذقته شيئا بعد شيء، وأمر مستذاق؛ أي: مجرب معلوم، قال الشاعر: [الوافر] وعهد الغانيات كعهد قين... ونت عند الجعائل مستنذاق وأصله من الذوق بالفم. و ﴿فَذُوقُوا﴾ في كثير من الآيات للإهانة، وفيه استعارة تبعية تخييلية، وذكر العذاب في بعض الآيات استعارة مكنية؛ حيث شبه العذاب بشيء يدرك بحاسة الأكل، وشبه الذوق بصورة ما يذاق، وأثبت للذوق تخييلا. الإعراب: ﴿ذُقْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ومفعوله محذوف، تقديره: ذق العذاب. والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف. انظر الشرح. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٦]، والآية تعليل للأمر، ويقرأ بفتح الهمزة، وعليه فالمصدر المؤول في محل جر بلام تعليل محذوفة، التقدير: لأنك، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿ذُقْ﴾. ﴿إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ هذا﴾ أي: العذاب. ﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أي: تشكون في وقوعه، يوم كنتم في الدنيا، فذوقوه اليوم. والجمع في الآية باعتبار المعنى؛ لأنّ المراد جنس الأثيم. هذا؛

стр. 5850

و ﴿كُنْتُمْ﴾ أصله: «كونتم» فقل في إعلاله: تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار: «كانتم» فالتقى ساكنان: الألف، وسكون النون، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار «كنتم» بفتح الكاف، ثم أبدلت الفتحة ضمة لتدل على الواو المحذوفة، فصار: «كنتم». وهناك إعلال آخر، وهو أن تقول: أصل الفعل (كون) فلما اتصل بضمير رفع متحرك، نقل إلى باب فعل، فصار (كونتم) ثم نقلت حركة الواو إلى الكاف قبلها، فصار: «كونت» فالتقى ساكنان: العين المعتلة ولام الفعل، فحذفت العين، وهي الواو لالتقائها ساكنة مع النون، فصار: «كنت» وهكذا قل في إعلال كل فعل أجوف واوي مسندا إلى ضمير رفع متحرك، مثل: قلت، وقمنا، وقعدن... إلخ. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسمها. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿تَمْتَرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ هذا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول للقول المقدر. ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢)﴾ الشرح: لما ذكر مستقر الكافرين، وعذابهم ذكر نزل المؤمنين، ونعيمهم. وهذا من المقابلة التي ذكرتها في الآية رقم [٧٤] من سورة (الزخرف)، و ﴿مَقامٍ﴾ بفتح الميم وضمها، وقال الكسائي: المقام: المكان، والمقام: الإقامة. وقال الجوهري: وأما المقام، والمقام فقد يكون كل واحد منهما بمعنى: الإقامة، وقد يكون بمعنى: موضع القيام؛ لأنك إن جعلته من الثلاثي؛ فمفتوح، وإن جعلته من الرباعي؛ فمضموم، ويمكن أن يكون مصدرا ميميا، ويقدر فيه المضاف؛ أي: في موضع إقامة. وانظر إعلاله في الآية رقم [٢٦]. ﴿أَمِينٍ:﴾ يؤمن فيه من الآفات على جميع أنواعها، فالإسناد مجاز عقلي، وأصل الأمن: طمأنينة النفس، وزوال الخوف، والأمن، والأمان، والأمانة في الأصل مصادر. ويستعمل الأمان تارة اسما للحالة التي عليها الإنسان في الأمن، وتارة اسما لما يؤتمن عليه الإنسان، كقوله تعالى: ﴿وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ﴾ أي: ما ائتمنتم عليه. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْمُتَّقِينَ:﴾ اسمها منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم. ﴿فِي مَقامٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿أَمِينٍ:﴾ صفة: ﴿مَقامٍ﴾. ﴿فِي جَنّاتٍ:﴾ بدل مما قبلهما. ﴿وَعُيُونٍ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محلّ لها.

стр. 5851

﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ (٥٣)﴾ الشرح: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ:﴾ هو ما رقّ من الحرير، والديباج. ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ:﴾ هو ما غلظ منه، وهو فارسي اللفظ، أصله: استبره. واللفظ إذا عرب خرج من أن يكون عربيا أعجميا؛ لأنّ معنى التعريب: أن يجعل عربيا بالتصرف فيه، وتغييره عن منهاجه، وإجرائه على أوجه الإعراب، فساغ أن يقع في القرآن العربي. ﴿مُتَقابِلِينَ:﴾ لا يرى بعضهم قفا بعض، متواجهين يدور بهم مجلسهم حيث داروا. فإن قيل: كيف وعد الله أهل الجنة بلبس الإستبرق، وهو غليظ الديباج كما قرره في كثير من السور، مع أنه عند أغنياء الدنيا عيب، ونقص؟ والجواب أن غليظ الديباج في الجنة، لا يساويه غليظ ديباج الدنيا حتى يعاب، كما أن سندس الجنة، وهو رقيق الديباج، لا يساويه سندس الدنيا. الإعراب: ﴿يَلْبَسُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمفعول محذوف. ﴿مِنْ سُندُسٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة المفعول المحذوف، دليله قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٣١]: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾. ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿مُتَقابِلِينَ:﴾ حال من واو الجماعة، وجملة: ﴿يَلْبَسُونَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثان ل: ﴿إِنَّ،﴾ أو في محل نصب حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤)﴾ الشرح: ﴿كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ:﴾ وقرنّاهم؛ أي: وقرنّا بينهم وبين الحور كالقرن بين الزوجين في الدنيا، وليس هو من عقد التزويج، كما في الدنيا. قال يونس بن حبيب: تقول العرب: زوجته امرأة، وتزوجت امرأة، وليس من كلام العرب تزوجت بامرأة. و (حور): بيض جمع: حوراء، وهي التي يرى ساقها من وراء ثيابها، ويرى الناظر وجهه في كفيها كالمرآة من دقة الجلد، وبضاضة البشرة، وصفاء اللون. وفي القاموس: الحور بالتحريك: أن يشتد بياض العين، ويشتد سوادها، وتستدير حدقتها، وترق جفونها، وتبيضّ ما حواليها. ﴿عِينٍ:﴾ عظام العيون، شديدات بياضها، شديدات سوادها، ومنه قيل لبقر الوحش: عين، والثور أعين، والبقرة عيناء، وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «مهور الحور العين قبصات التمر وفلق الخبز». أي: التصدق بذلك على الفقراء والمساكين. وعن أبي قرصافة (جندرة بن خيشنة الكناني) ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إخراج القمامة من المسجد

стр. 5852

مهور الحور العين». وعن أنس-﵁-قال: «كنس المساجد مهور الحور العين». ذكره الثعلبي-رحمه الله تعالى-. واختلف أيّما أفضل في الجنة، نساء الآدميات، أم الحور العين؟ فقيل: إن نساء الآدميات من دخل منهن الجنة فضّلن على الحور العين بما عملن في الدنيا. وقيل: إن الحور العين أفضل؛ لقوله ﷺ : «وأبدله زوجا خيرا من زوجه». انتهى. قرطبي بتصرف كبير. الإعراب: ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: الأمر كذلك، وعليه فالجملة الاسمية معترضة بين الجملتين المتعاطفتين. أو الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: كما أدخلناهم الجنة، وفعلنا بهم ما تقدم ذكره؛ كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم حورا عينا. ومثلها الآية رقم [٢٨]. ﴿وَزَوَّجْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يَلْبَسُونَ..﴾. إلخ (بحور): متعلقان بما قبلهما. ﴿عِينٍ:﴾ صفة: (حور). ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥)﴾ الشرح: ﴿يَدْعُونَ فِيها﴾ أي: في الجنة؛ أي: يطلبون الخدم بأن يحضروا لهم أنواع الفواكه، وأنواع المشارب؛ وهم متكئون على الأسرة كعادة الملوك في الدنيا. خذ قوله تعالى في سورة (ص) رقم [٥١]: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ﴾. قال ابن كثير: أي: مهما طلبوا؛ وجدوا، ومن أي أنواعه شاؤوا؛ أتتهم به الخدام. قال الصاوي: والاقتصار على طلب الفاكهة للإيذان بأنّ مطاعمهم لمحض التفكه، والتلذذ، دون التغذي؛ لأنه لا جوع في الجنة. ﴿آمِنِينَ:﴾ من الضرر، والخوف، والهم، والحزن، والتعب، والكدر، والشيطان... إلخ. الإعراب: ﴿يَدْعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الضمير فقط. ﴿فِيها بِكُلِّ:﴾ كلاهما متعلق بالفعل قبلهما، و (كل) مضاف، و ﴿فاكِهَةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿آمِنِينَ:﴾ حال من واو الجماعة، وهي حال متداخلة. ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٥٦)﴾ الشرح: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا:﴾ في الجنة. ﴿الْمَوْتَ:﴾ لا يذوقونه فيها ألبتة؛ لأنهم خالدون فيها. ثم قال: ﴿إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى﴾ على الاستثناء المنقطع؛ أي: لكن الموتة الأولى قد ذاقوها في الدنيا. وقيل: ﴿إِلاَّ﴾ بمعنى: بعد، كقولك: ما كلمت رجلا اليوم إلاّ رجلا

стр. 5853

عندك؛ أي: بعد رجل عندك. وقيل: ﴿إِلاَّ﴾ بمعنى: سوى؛ أي: سوى الموتة التي ماتوها في الدنيا، ولم يذكر ابن هشام في مغنيه هذين المعنيين ل: «إلا» وذكر ابن هشام، والمرادي في جناه أن (إلاّ) تأتي بمعنى: «غير»، وغير، وسوى بمعنى واحد، وقال المرادي: ومن أغرب ما قيل في «إلا» أنها قد تكون بمعنى: بعد، وجعل هذا القائل من ذلك قوله تعالى: ﴿إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾ سورة (النساء) رقم [٢٢]، وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى﴾ سورة (الدخان) رقم [٥٦]. وقال القتبي: ﴿إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى﴾ معناه: أن المؤمن إذا أشرف على الموت؛ استقبلته ملائكة الرحمة، ويلقى الروح، والريحان، وكان موته في الجنة لاتصافه بأسبابها، فهو استثناء صحيح، والموت عرض لا يذاق، ولكن جعل كالطعام الذي يكره ذوقه، فاستعير فيه لفظ الذوق. وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف استثنيت الموتة الأولى المذوقة قبل دخول الجنة من الموت المنفي ذوقه فيها، قلت: أريد أن يقال: لا يذوقون فيها الموت ألبتة. فوضع قوله: ﴿إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى﴾ موضع ذلك؛ لأنّ الموتة الماضية محال ذوقها في المستقبل، فهو من باب التعليق بالمحال، كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل؛ فإنهم يذوقونها. ﴿وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ:﴾ حفظهم الله من عذاب جهنم، وفي سورة (الطور) رقم [١٨]: ﴿وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ﴾. هذا؛ والفعل: (وقى) من اللفيف المفروق، فتحذف فاؤه من المضارع مثل كل فعل مثال، مثل: وعد، يعد، ووزن، يزن... إلخ. وتحذف لامه في الأمر مع فائه لبنائه على حذف حرف العلة، مثل كل فعل ناقص معتل الآخر، مثل: اسع، ارم، ادع، فيبقى فعل الأمر حرفا واحدا (ق) ومثله: وعى، يعي، ع، ووفى، يفي، ف، وولي، يلي، ل، ووطي، يطي، ط، وإذا لم يتصل به ضمير تلحقه هاء السكت، فتقول: قه، له، فه، عه... إلخ. الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَذُوقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من الضمير المستتر في: ﴿آمِنِينَ،﴾ فهي حال متداخلة على الوجهين. ﴿فِيهَا:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْمَوْتَ:﴾ مفعول به. ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء، أو حرف حصر. ﴿الْمَوْتَةَ:﴾ منصوب على الاستثناء المتصل، أو المنقطع حسبما رأيت في الشرح، وعلى اعتبار (إلا) بمعنى: (سوى) فهي صفة: ﴿الْمَوْتَ﴾ ظهر إعرابها على ما بعدها بطريق العارية، وتكون مضافة، و ﴿الْمَوْتَةَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة ﴿إِلاَّ؛﴾ التي هي على صورة الحرف. ﴿الْأُولى:﴾ صفة: ﴿الْمَوْتَةَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، ويشبه هذه الآية الآية رقم [٥٩] من سورة (الصافات) فانظرها هناك. ﴿وَوَقاهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (وقاهم): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به أول،

стр. 5854

والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى غير مذكور، وهو الله لفهمه من المقام، مثل قوله تعالى في سورة (ص) رقم [٣٢]: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ،﴾ وقوله تعالى في سورة (هود): ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ،﴾ وقوله تعالى في سورة (القيامة): ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ﴾ وفي سورة (الواقعة): ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ انظر إعراب هذه الآيات في محالها. ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿الْجَحِيمِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير: «قد» قبلها. ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨)﴾ الشرح: ﴿فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: إن كل ما وصل إليه المتقون من الخلاص من عذاب النار، والفوز بالجنة، إنما حصل لهم ذلك بفضل الله تعالى، وفعل ذلك بهم تفضلا منه. وانظر الآية رقم [٧٢] من سورة (الزخرف). ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي: لأنّ ما ذكر خلاص من المكاره، وظفر بالمطالب، ولا فوز بعده، ووراءه. الإعراب: ﴿فَضْلاً:﴾ مفعول مطلق، عامله محذوف: تفضل فضلا. وقيل: مفعول لأجله، عامله: ﴿يَدْعُونَ فِيها،﴾ وقيل: العامل: ﴿وَوَقاهُمْ،﴾ وقيل: العامل ﴿آمِنِينَ﴾. وعليه مكي. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿فَضْلاً،﴾ أو بمحذوف صفة له، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْفَوْزُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿الْعَظِيمُ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير فصلا لا محل له، ف: ﴿الْفَوْزُ﴾ خبر المبتدأ، وكذلك إن اعتبرته بدلا من اسم الإشارة. ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨)﴾ الشرح: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ أي: بينا القرآن بلسانك؛ أي: بلغتك العربية، وجعلناه سهلا على من تدبره، وتأمله. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ:﴾ أن يتفهموا، ويعملوا. ثم لما كان مع هذا الوضوح، والبيان من الناس من كفر، وخالف، وعاند. قال الله تعالى لرسوله ﷺ مسليا له، وواعدا له بالنصر، ومتوعدا لمن كذبه بالهلاك، والوبال، فقال له: ﴿فَارْتَقِبْ..﴾. إلخ. هذا؛ وقد قال في سورة (مريم) رقم [٩٧]: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا﴾ وقد كرر قوله تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ وقال جلّت قدرته، وتعالت حكمته في سورة (القدر): ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ وانظر شرح اللسان في الآية رقم [١٢] من سورة (الأحقاف).

стр. 5855

الإعراب: ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل: الفصيحة، ولا وجه له قطعا. (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿يَسَّرْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِلِسانِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، والجملة الفعلية في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، لا محلّ لها. ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)﴾ الشرح: ﴿فَارْتَقِبْ:﴾ فانتظر هلاكهم. ﴿إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ:﴾ منتظرون هلاكك. وقيل: ارتقب ما وعدتك من الثواب، فإنهم كالمنتظرين لما وعدتهم من العقاب. ومعنى الآية تكرر في سورة (السجدة) رقم [٣٠]، وفي (الأنعام) رقم [١٥٨]، وفي الأعراف رقم [٧١]، وفي سورة (يونس) رقم [٢٠]، ورقم [١٠٢]، وفي سورة (هود) رقم [١٢٢]، وإن اختلف المقام من سورة إلى سورة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فَارْتَقِبْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا بقوا مصرين على كفرهم، وعنادهم؛ فارتقب. (ارتقب): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ومفعوله محذوف، كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جواب الشرط مقدر ب: «إذا»، والجملة الشرطية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مُرْتَقِبُونَ:﴾ خبر «إن» مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، ومفعوله محذوف. انظر تقديره في الشرح، والجملة الاسمية تعليل للأمر لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم. انتهت سورة (الدخان) شرحا وإعرابا، بعون الله وتوفيقه. والحمد لله رب العالمين.

стр. 5856

سورة الجاثية ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ سورة (الجاثية) وتسمى سورة (الشريعة) كلها مكية في قول الحسن، وجابر، وعكرمة. وقال ابن عباس، وقتادة-﵃ أجمعين-: إلاّ آية، هي: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيّامَ اللهِ﴾ رقم [١٤] نزلت بالمدينة في عمر بن الخطاب-﵁. ذكره الماورديّ. وقال المهدويّ، والنحاس عن ابن عباس-﵄: إنها نزلت في عمر-﵁-حين شتمه رجل من المشركين في مكة قبل الهجرة، فأراد أن يبطش به، فأنزل الله : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ ثم نسخت بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ..﴾. إلخ رقم [٥] من سورة (التوبة). فالسورة كلها مكية على هذا من غير خلاف، وهي سبع وثلاثون آية. وقيل: ست وثلاثون آية، وأربعمئة، وثمان وثمانون كلمة، وألفان ومئة وواحد وتسعون حرفا. انتهى. قرطبي، وخازن. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: في خلق السموات، والأرض، وهما خلقان عظيمان يدلاّن على قدرة القادر المختار لما فيهما من الصفات العجيبة، والأحوال الغريبة، والأمور البديعة. ﴿لَآياتٍ:﴾ لعلامات واضحة، ودلالات باهرة على كمال قدرة الله، وحكمته. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ الذين يصدقون بوجود الله، ووحدانيته. وخصّهم بالذكر؛ لأنهم هم الذين يتفكرون في صنع الله، فيتعظون، ويتذكرون، ولذا وصفهم الله بالآيتين التاليتين بالإيقان، والتعقل، وآية البقرة رقم [١٦٤] قد جمعت ما في الآيات الثلاث من دلالات على وجود الله ووحدانيته، وكمال قدرته، وحكمته. هذا؛ والتأكيد ب: ﴿إِنَّ﴾ واللام؛ لأنّ المخاطبين منكرون لوحدانية الله .

стр. 5857

الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾. مقدم. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿لَآياتٍ:﴾ اللام: لام الابتداء. (آيات): اسم ﴿إِنَّ﴾. مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: (آيات)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤)﴾ الشرح: أي: وفي خلقكم أيها الناس من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، متقلبة في أطوار مختلفة إلى تمام الخلق، وفيما ينشره الله تعالى، ويفرقه من أنواع المخلوقات؛ التي تدب على وجه الأرض آيات باهرة، ودلالات واضحة أيضا لقوم يصدقون عن إذعان، ويقين بقدرة رب العالمين. هذا؛ و ﴿دابَّةٍ﴾ تشمل كل ما يدب على وجه الأرض من إنسان، وحيوان، وطير، وهوام، وجمعها: دوابّ. هذا؛ وقال الجمل: وحاصل ما ذكر هنا من الدلائل ستة على ثلاث فواصل، الأولى: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ،﴾ الثانية: ﴿يُوقِنُونَ،﴾ الثالثة: ﴿يَعْقِلُونَ﴾ ووجه التغاير بينها: أن المنصف من نفسه إذا نظر في السموات، والأرض، وأنه لا بد لهما من صانع؛ آمن، وإذا نظر في خلق نفسه، ونحوها؛ ازداد إيمانا، فأيقن، وإذا نظر في سائر الحوادث؛ عقل، واستحكم علمه. وفي البيضاوي: ولعل اختلاف الفواصل الثلاث لاختلاف الآيات في الدقة، والظهور. انتهى. فأظهرها السموات، والأرض، والنظر الصحيح فيها يفيد العلم بأنها مصنوعة لا بدّ لها من صانع، فيؤدي إلى الإيمان بالله، وأدق منها خلق الإنسان، وانتقاله من حال إلى حال، وخلق ما على الأرض من صنوف الحيوانات، من حيث إن التفكر فيها، وأحوالها يستلزم ملاحظة السموات والأرض، لكونها من أسباب تكون الحيوانات، وانتظام أحوالهم، ولما كانت هذه الآية أدق بالنسبة إلى الأولى، كان التفكر فيها مؤديا إلى مرتبة اليقين، وأدق منها سائر الحوادث المتجددة في كل وقت من نزول المطر، وحياة الأرض بعد موتها، وغير ذلك من حيث استقصاء النظر في أحوال هذه الحوادث يتوقف على ملاحظة السموات والأرض لكونها من أسباب هذه الحوادث ومحالها، وعلى ملاحظة الحيوانات المبثوثة على الأرض من حيث إن تجدد هذه الحوادث إنما هو لانتظام أحوالها، وتحقق أسباب معاشها، ولما كانت هذه أدق بالنسبة إلى الأوليين وكانت متجددة حينا فحينا بحيث تبعث على النظر والاعتبار كلما تجددت؛ كان النظر فيها مؤديا إلى استحكام العلم، وقوة اليقين، وذلك لا يكون إلاّ بالعقل الكامل. فظهر بهذا التقرير: أنّ المراد بالمؤمنين، والموقنين، والعاقلين من يؤول حالهم إلى هذه الأوصاف. انتهى. جمل نقلا من زاده على البيضاوي.

стр. 5858

الإعراب: ﴿وَفِي:﴾ الواو: حرف عطف. (في خلقكم): معطوفان على: ﴿فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: وفي خلقه إياكم. (ما): فيه وجهان: أظهرهما: أنه معطوف على: ﴿خَلْقِكُمْ﴾ المجرور ب: (في) على تقدير: خلق ما. الثاني: أنه معطوف على الضمير المخفوض بالخلق، وهو الكاف على مذهب من يجوز العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار. انتهى. من السمين، وعلى الوجهين فهي مبنية على السكون في محل جر. ﴿يَبُثُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والجملة الفعلية صلة (ما)، والعائد محذوف، التقدير: والذي يبثه. ﴿مِنْ دابَّةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (ما). ﴿آياتٌ:﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه مبتدأ مؤخر، و ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والجملة الاسمية معطوفة على جملة: ﴿إِنَّ فِي السَّماواتِ..﴾. إلخ فالمعطوف غير مؤكد، والمعطوف عليه مؤكد ب: ﴿إِنَّ﴾ الثاني: أن يكون ﴿آياتٌ﴾ معطوفا على (آيات) الأولى باعتبار المحل قبل دخول الناسخ عند من يجوز ذلك. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿آياتٌ،﴾ وجملة: ﴿يُوقِنُونَ﴾ صفة: (قوم). والجملة الاسمية: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾ الشرح: ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ أي: بالظلام، والضياء، والطول، والقصر، والاعتدال، وتعاقبهما دائبين لا يفتران. ﴿وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ:﴾ من مطر فيه حياة البشر في معاشهم، وأرزاقهم، وسماه الله رزقا؛ لأنّه سبب الرزق. ﴿فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها:﴾ بعد ما كانت هامدة لا نبات فيها، ولا حياة، كما قال تعالى في سورة (الحج) رقم [٥]: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. و ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ أي: جنوبا، وشمالا، وشرقا، وغربا، برية، وبحرية، ليلية، ونهارية، ومنها ما هو لتلقيح السحاب، ومنها ما هو لتلقيح النبات، ومنها ما هو غذاء للأرواح، ومنها ما هو عقيم، لا ينتج، ولا ينبت، ولا ينعش، ومنها الحارة، والباردة. ل: ﴿آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ:﴾ لقوم لهم عقول نيرة، وبصائر مشرقة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَاخْتِلافِ:﴾ مجرور ب: «في» مقدرة؛ أي: وفي اختلاف، فحذفت «في» لتقدم ذكرها، وأنشد سيبويه في الحذف قول أبي دؤاد الإيادي-وهو الشاهد [٥٣٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [المتقارب] أكلّ امرئ تحسبين امرأ... ونار توقّد في اللّيل نارا

стр. 5859

وحسّن حذف «في» تقدمها في قوله تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ وهذا ما جرى عليه أبو حيان، وعلي. فالجار، والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿وَاخْتِلافِ:﴾ مضاف، و ﴿اللَّيْلِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَالنَّهارِ:﴾ معطوفة على: ﴿اللَّيْلِ﴾. ﴿وَما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: والذي أنزله الله. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و ﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في الموصول، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿رِزْقٍ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» ﴿مِنْ رِزْقٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿السَّماءِ،﴾ على الوجه الأول في تعليقهما، أو بمحذوف حال من الضمير المحذوف على الوجه الثاني في تعليق: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾. ﴿فَأَحْيا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محلّ لها مثلها. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل: (أحيا)، وهو مضاف، و ﴿مَوْتِها﴾ مضاف إليه. و «ها» في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَتَصْرِيفِ:﴾ معطوف على: ﴿وَاخْتِلافِ،﴾ وهو مضاف، و ﴿الرِّياحِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، أو لمفعوله، وهو أقوى، وفاعله محذوف، التقدير: وتصريفه الرياح. ﴿آياتٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿آياتٌ،﴾ وجملة: ﴿يَعْقِلُونَ﴾ صفة (قوم). تنبيه: قال النسفي تبعا للزمخشري رحمهما الله تعالى: قرئ: ﴿آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ بالنصب، وبالرفع. وهذا من العطف على عاملين، سواء نصبت، أو رفعت، فالعاملان إذا نصبت: ﴿إِنَّ﴾ و ﴿فِي﴾ أقيمت الواو مقامهما، فعملت الجر في ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ والنصب في ﴿آياتٌ﴾. وإذا رفعت فالعاملان: «الابتداء» وحرف: ﴿فِي﴾ عملت الواو الرفع في: ﴿آياتٌ﴾ والجر في ﴿وَاخْتِلافِ﴾ هذا مذهب الأخفش؛ لأنه يجوّز العطف على عاملين، وأما سيبويه فإنه لا يجيزه، وتخريج الآية عنده أن يكون على إضمار «في» والذي حسنه تقديم ذكر ﴿فِي﴾ في الآيتين قبل هذه الآية، ويؤيده قراءة ابن مسعود-﵁: «(وفي اختلاف الليل والنهار)» ويجوز أن ينتصب ﴿آياتٌ﴾ على الاختصاص، بعد انقضاء المجرور معطوفا على ما قبله، أو على التكرير توكيدا ل: ﴿آياتٌ﴾ في الأولى، كأنه قيل: آيات آيات، ورفعها بإضمار: «هي». انتهى. ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ الشرح: ﴿تِلْكَ:﴾ إشارة إلى الآيات المتقدمة؛ أي: تلك الآيات آيات الله؛ أي: حججه وبراهينه الدالة على وحدانيته، وقدرته. ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ:﴾ نقرؤها عليك يا محمد بالصدق، الذي لا باطل فيه، ولا كذب. ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ..﴾. إلخ أي: إذا لم يصدق كفار مكة بهذا

стр. 5860

القرآن، ولم يؤمنوا بحججه وبراهينه، فبأي: كلام يؤمنون، ويصدقون؟ والغرض استعظام تكذيبهم للقرآن بعد وضوح بيانه، وإعجازه. الإعراب: ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ لها. ﴿آياتُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿نَتْلُوها:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿آياتُ اللهِ﴾ والرابط: الضمير فقط، والعامل اسم الإشارة. ﴿عَلَيْكَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بِالْحَقِّ﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر؛ أي: ملتبسين بالحق، أو من المفعول به؛ أي: ملتبسة بالحق. ﴿فَبِأَيِّ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر. انظر تقديره في الشرح. (بأي): متعلقان بالفعل بعدهما، و (أي). مضاف، و ﴿حَدِيثٍ﴾ مضاف إليه. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بمحذوف صفة: ﴿حَدِيثٍ،﴾ و ﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَآياتِهِ:﴾ معطوف على لفظ الجلالة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب: «إذا». ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٨)﴾ الشرح: ﴿وَيْلٌ:﴾ انظر سورة (الزخرف) رقم [٦٥]. ﴿أَفّاكٍ:﴾ شديد الإفك، وهو الكذب. وانظر سورة (الزخرف) رقم [٨٧]. ﴿أَثِيمٍ:﴾ كثير الآثام؛ أي: الذنوب، والمعاصي، والمراد: به النضر بن الحارث. وقيل: المراد به أبو جهل الخبيث كما في الآية رقم [٤٤] من سورة (الدخان). ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللهِ:﴾ آيات القرآن. ﴿تُتْلى عَلَيْهِ:﴾ يقرأها الرسول ﷺ . ﴿ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً﴾ أي: يتمادى على كفره متعظما في نفسه عن الانقياد. مأخوذ من: صرّ الصرة: إذا شدها. وفي القاموس: صرّ الفرس والحمار بأذنه، وأصر بها: سوّاها، ونصبها للاستماع. وفي سورة (لقمان) رقم [٧]: ﴿وَلّى مُسْتَكْبِراً﴾ بمعنى: أعرض عن تدبرها متكبرا رافعا نفسه عن الإصغاء لآيات القرآن. ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها:﴾ يشبه حاله في ذلك من لم يسمعها، وهو سامع، وفي سورة (لقمان) زيادة: ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ أي: صمما. ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ؛﴾ أعلمه: أنّ العذاب يحيق به لا محالة. هذا؛ والبشارة: عبارة عن الخبر السار، الذي يظهر على بشرة الوجه أثر الفرح به، ولما كان ذلك الفرح والسرور يوجبان

стр. 5861

تغير بشرة الوجه؛ كان كذلك الحزن، والغم يظهر أثرهما على الوجه، وهو الكمودة؛ التي تعلو الوجه عند حصول الغم، والحزن، فثبت بهذا: أنّ البشارة لفظ مشترك بين الخبر السار، والخبر المحزن، فصحّ قوله تعالى في سورة (النحل): ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ولكن قد تستعمل البشارة بالشر، وبما يسوء على سبيل التهكم، والاستهزاء، كما في هذه الآية، وهو كثير في القرآن الكريم. هذا؛ والفعل: «يسمع» من الأفعال الصوتية، إن تعلق بالأصوات؛ تعدى إلى مفعول واحد، وإن تعلق بالذوات؛ تعدى إلى اثنين، الثاني منهما جملة فعلية مصدرة بمضارع من الأفعال الصوتية، مثل قولك: سمعت فلانا يقول كذا. وهذا اختيار الفارسي. واختار ابن مالك، ومن تبعه أن تكون الجملة الفعلية في محل نصب حال؛ إن كان المتقدم معرفة، وصفة؛ إن كان نكرة، مثل قولك: سمعت رجلا يقول كذا. الإعراب: ﴿وَيْلٌ:﴾ مبتدأ. ﴿لِكُلِّ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها، و (كل): مضاف، و ﴿أَفّاكٍ﴾ مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف، التقدير: لكل شخص أفاك. ﴿أَثِيمٍ:﴾ صفة ثانية للموصوف المحذوف. ﴿يَسْمَعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: شخص أفاك، والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية للموصوف المحذوف، أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، وهو أقوى. ﴿آياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و ﴿آياتِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿تُتْلى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «هي» يعود إلى: ﴿آياتِ اللهِ﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿آياتِ اللهِ﴾ والرابط: الضمير فقط، والعامل في الحال اسم الإشارة. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يُصِرُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: (كل أفّاك) والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يَسْمَعُ..﴾. إلخ. ﴿مُسْتَكْبِراً:﴾ حال من الفاعل المستتر. ﴿كَأَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل مخفّف من الثقيلة، واسمه ضمير الشأن محذوف، التقدير: كأنه. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَسْمَعْها:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ والفاعل يعود إلى: (كل أفاك)، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿كَأَنْ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب حال ثانية من فاعل: ﴿يُصِرُّ﴾ المستتر، والرابط: ضمير الشأن المحذوف. ﴿فَبَشِّرْهُ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يرى جواز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا منه فبشره. (بشّره): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به. ﴿بِعَذابٍ:﴾ متعلقان به. ﴿أَلِيمٍ:﴾ صفة: (عذاب)، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب: «إذا».

стр. 5862

﴿وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اِتَّخَذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٩)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً﴾ أي: بلغه شيء من آياتنا، وعلم أنه منها، نحو قوله في الزقوم: إنه الزّبد والتمر. وقوله في خزنة جهنم: إن كانوا تسعة عشر فأنا ألقاهم وحدي. ﴿اِتَّخَذَها:﴾ اتخذ الآيات، ولم يقل: اتخذه للإشعار بأنه إذا أحس بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات خاض في الاستهزاء بجميع الآيات، ولم يقتصر على الاستهزاء بما بلغه، ويجوز أن يرجع الضمير إلى (شيء)؛ لأنه في معنى الآية، كقول أبي العتاهية الصوفي: [البسيط] نفسي بشيء من الدنيا معلقة... الله والقائم المهدي يكفيها حيث أراد عتبة جارية المهدي العباسي وكنّى عنها بشيء. ﴿هُزُواً:﴾ يقرأ بسكون الزاي والهمز، وبضم الزاي والهمز، وبضم الزاي بلا همز، وهو بجميع قراآته مصدر: هزأ، يهزأ هزآ من باب: فتح، ويأتي من باب: تعب. ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أي: شديد يهينهم لإهانتهم الحق باستئثارهم الباطل. هذا؛ وجمع اسم الإشارة العائد إلى: (كل أفاك) وهو مفرد لشموله كل الأفاكين. الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿عَلِمَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿أَفّاكٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿مِنْ آياتِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به. ﴿اِتَّخَذَها:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿أَفّاكٍ،﴾ و (ها): مفعول به أول. ﴿هُزُواً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية جواب (إذا)، لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُهِينٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنها مستأنفة. ﴿مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠)﴾ الشرح: ﴿مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ أي: من وراء ما هم فيه من التعزز في الدنيا، والتكبر عن الحق جهنم. هذا؛ و (الوراء) يأتي بمعنى: ما خلف الظهر، ويأتي بمعنى: قدام، وأمام، فهو من الأضداد، قال تعالى في سورة (الكهف) رقم [٧٩]: ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ أي:

стр. 5863

أمامهم وقال جلّ شأنه في سورة (المؤمنون) رقم [١٠٠]: ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وقال عبيد بن الأبرص: [الطويل] أليس ورائي إن تراخت منيّتي... أدبّ مع الولدان أزحف كالنّسر وخذ قول لبيد بن ربيعة الصحابي-﵁: [الطويل] أليس ورائي إن تراخت منيّتي... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع أخبّر أخبار القرون التي مضت... أدبّ كأنّي كلّما قمت راكع المعنى: أليس أمامي، وقدامي. هذا؛ واللغة العربية غنية بالكلمات التي تعني الضدين، وتحتمل معنيين متقابلين منه ما رأيته من لفظ (وراء)، ومنها: الغابر في كثير من الآيات ﴿كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ فإنه يحتمل من الباقين ومن الهالكين، ومنها لفظ جلل للعظيم، والحقير، فمن الأول قول الحارث بن وعلة بن ذهل بن شيبان الذهلي-وهو الشاهد رقم [١٩٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الكامل] فلئن عفوت لأعفون جللا... ولئن سطوت لأوهنن عظمي ومن الثاني قول امرئ القيس لما قتل أبوه وهو الشاهد رقم [١٩٣] من كتابنا المذكور: [المتقارب] بقتل بني أسد ربّهم... ألا كلّ شيء سواه جلل أي: هين، وحقير لا قيمة له. ومنه: الجون للأبيض، والأسود، والبين: للقرب والبعد، والصريم: لليل والنهار، وبهما فسر قوله تعالى في سورة (ن): ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ فمن قال: الصريم: الليل يكون المعنى: احترقت فاسودّت. ومن قال النهار يكون المعنى: يبست، وذهبت خضرتها. والناصع: للأبيض، والأسود، والناهل: للرّيّان، والظمان، والسليم: للديغ، والصحيح، وشعبت الشيء: أصلحته، وشققته، والصارخ: للمغيث، والمستغيث، والهاجد: للمصلي في الليل، والنائم، والوهدة: للانحدار، والارتفاع، والتعزيز: للإكرام، والإهانة، والتقريظ: للمدح، والذم، وترب: للغني، والفقير، والإهماد: للسرعة في السير، والإقامة، وعسعس: إذا أقبل، وإذا أدبر، قال تعالى في سورة التكوير: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ﴾ والقرء: للحيض، والطهر. ومنه قيل في قوله تعالى في سورة (طه) رقم [٦٢] وفي سورة (الأنبياء) رقم [٣]: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوى:﴾ إن أسروا يحتمل أن يكون بمعنى: أظهروا، وأن يكون بمعنى: أخفوا، فهو من الأضداد، وأيضا قوله تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ﴾ كما قيل به في قول امرئ القيس-وهو الشاهد رقم [٤٧٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وهو من معلقته رقم [٣٢] -: [الطويل]

стр. 5864

تجاوزت أحراسا عليها ومعشرا... عليّ حراصا لو يسرّون مقتلي ﴿وَلا يُغْنِي:﴾ لا ينفع، ولا يدفع. ﴿عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً﴾ أي: من الأموال، والأولاد. قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٠]: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً﴾. ﴿وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ﴾ أي: لم تنفعهم الأصنام التي اتخذوها آلهة من دون الله. الإعراب: ﴿مِنْ وَرائِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿جَهَنَّمُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: واو الحال. (لا): نافية. ﴿يُغْنِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ولا يغني عنهم الذي، أو شيء كسبوه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: ولا يغني عنهم كسبهم. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول: ﴿يُغْنِي﴾. ﴿وَلا مَا اتَّخَذُوا:﴾ معطوف على: ﴿ما كَسَبُوا﴾ فهو مثله إعرابا، وتأويلا. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، وهو العائد، أو الرابط، والمفعول الأول، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَوْلِياءَ،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا»، و ﴿دُونِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير، وهو أقوى وأولى من العطف على الجملة الاسمية. ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿عَظِيمٌ:﴾ صفة: ﴿عَذابٌ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب حال، وهو أقوى من الاستئناف. ﴿هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١)﴾ الشرح: ﴿هذا هُدىً﴾ أي: القرآن، وكل ما جاء به النبي ﷺ هدى، ونور، وضياء للناس. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ:﴾ جحدوا القرآن، وأنكروه، وقالوا: سحر، أو كهانة. ﴿لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ:﴾ الرجز: هو العذاب الشديد، كما قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٥٩]: ﴿فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ﴾. الإعراب: ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿هُدىً:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.

стр. 5865

﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (آيات): مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر «الذين»، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿مِنْ رِجْزٍ:﴾ متعلقان ب: ﴿عَذابٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة: ﴿عَذابٌ،﴾ ويقرأ بالجر على أنه صفة: ﴿رِجْزٍ﴾. ﴿اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾ الشرح: ﴿اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ:﴾ ذلّله لكم بأن جعله أملس السطح، يطفو عليه ما يتخلخل كالأخشاب، ولا يمنع الغوص فيه على ضخامته، وعظمه. ﴿لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ﴾ أي: لتسير السفن على سطحه بمشيئة الله، وإرادته، وقدرته. ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: ولتطلبوا من فضل الله تعالى بسبب التجارة والغوص في البحر على اللؤلؤ، والمرجان، وصيد الأسماك وغيرها. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: ولأجل أن تشكروا الله على ما أنعم به عليكم، وتفضل. قال القرطبي: ذكر الله كمال قدرته، وتمام نعمته على عباده، وبيّن: أنه خلق ما خلق لمنافعهم، وكل ذلك من فعله، وخلقه، وإحسان منه، وإنعام. هذا؛ والفعل: شكر، يشكر يتعدى بنفسه، وبحرف الجر، تقول: شكرته، وشكرت له، كما تقول: نصحته، ونصحت له، والشكر: صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله، ومن أسماء الله تعالى: الشكور، ومعناه هو الذي يجازي على يسير الطاعات كثير الدرجات، ويعطي بالعمل في أيام معدودة نعما في الآخرة غير محدودة، والشاكر يستحق المزيد من النعم، والجاحد يستوجب سلب النعم، والعقاب الشديد، قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [٧]: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾. هذا؛ والفلك بضم الفاء، وسكون اللام، يطلق على المفرد، والجمع، والمذكر، والمؤنث، فقد أفرد في هذه الآية، وذكّر، وقال تعالى في سورة (البقرة) [١٦٤]: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ فأنّث، ويحتمل الإفراد، والجمع، وقال جلّ وعلا شأنه في سورة (يونس) رقم [٢٢]: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ فجمع، وكأنه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى معنى المركب، فتذكر، وإلى معنى السفينة، فتؤنث، وقد ألغز فيها الشاعر؛ حيث قال: [الطويل]

стр. 5866

مكسّحة تجري ومكفوفة ترى... وفي بطنها حمل على ظهرها يعلو فإن عطشت عاشت وعاش جنينها... وإن شربت ماتت وفارقها الحمل ولا تنس أنّ، أوّل من اخترع السفينة-وهي الفلك-نوح، على نبينا، وشفيعنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ومن تصميمها، وشكلها أخذت البشرية تصنع السفن، وتتطور جيلا بعد جيل، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه في العصر الحاضر. هذا؛ وقد كانت السفن في الزمن الماضي تسير بواسطة الرياح، وأمّا في أيامنا هذه، فإنها تسير بواسطة البخار، ففي الزمن الماضي كان البحارون يلقون العناء الشديد إذا اضطرب البحر، أو عاكست الرياح مسير السفينة، وقد عبّر المتنبي عن ذلك بقوله-وهو جار مجرى المثل-: [البسيط] ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه... تأتي الرياح بما لا تشتهي السّفن هذا؛ والفلك بفتحتين: مدار النجوم الذي يضمها، وهو في كلام العرب كل شيء مستدير، وجمعه: أفلاك ويجمع على فلك أيضا مثل: أسد، وأسد. وقيل: الفلك: السماء الذي فيه الكواكب، فكل كوكب يجري في السماء الذي قدر له أن يجري فيه. وقيل: الفلك: طاحونة كهيئة فلك المغزل، فهو الذي تجري فيه النجوم، وهو مستدير كاستدارة الرحى. وقيل غير ذلك. وقال أصحاب الهيئة: الأفلاك: أجرام صلبة، لا ثقيلة، ولا خفيفة، غير قابلة للخرق، والالتئام، والنمو، والذبول. والحق: أنه لا سبيل إلى معرفة صفة السموات إلاّ بإخبار الصادق، فسبحان الخالق، المدبر لخلقه بالحكمة، والقدرة الباهرة غير المتناهية. الإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿سَخَّرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْبَحْرَ:﴾ مفعول به، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِتَجْرِيَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل. ﴿الْفُلْكُ:﴾ فاعله، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿سَخَّرَ﴾. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بِأَمْرِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْفُلْكُ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَلِتَبْتَغُوا:﴾ معطوف على: ﴿لِتَجْرِيَ،﴾ وهو مثله في الإعراب. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَلَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ في محل رفع خبر: (لعلّ)، والجملة الاسمية معطوفة على التعليلين السابقين. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.

стр. 5867

﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)﴾ الشرح: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ..﴾. إلخ: أي: وذلل لكم كل ما في هذا الكون من كواكب، وجبال، وبحار، وأنهار، ونبات، وأشجار، الجميع من فضله، وإحسانه، وامتنانه، من عنده وحده جلّ وعلا، ولذا قال: ﴿جَمِيعاً مِنْهُ﴾ كقوله تعالى في سورة (النحل) رقم [٥٣]: ﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ:﴾ الإشارة عائدة إلى ما ذكره الله في هاتين الآيتين، وسخره لبني آدم، وإذا تفكروا؛ اتعظوا، وإذا اتعظوا؛ آمنوا، وإذا آمنوا؛ عبدوا. والتفكر في صنع الله أعظم عبادة يقوم بها العبد. وقد ورد: لتفكر ساعة في صنع الله أفضل من عبادة ستين سنة. وورد: تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله، فإنه لا تحيط به الفكرة. وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا عبادة كالتفكر»؛ لأنه المخصوص بالقلب، والمقصود من الخلق، وعنه ﷺ أنه قال: «بينما رجل مستلق على فراشه؛ إذ رفع رأسه، فنظر إلى السماء، والنجوم. فقال: أشهد أنّ لك ربا، وخالقا، اللهم اغفر لي، فنظر الله إليه، فغفر له». هذا؛ والفكر: تصرف القلب في طلب الأشياء، وقال صاحب المفردات: الفكرة: قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم، والتفكر: جريان تلك القوة بحسب نظر العقل، وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا يقال إلاّ فيما يمكن أن يكون له صورة في القلب. انتهى. والفكر يؤدي إلى الوقوف على المعاني المطلوبة من التآنس، والتجانس بين الأشياء كالزوجين. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. فائدة: يحكى: أنّ طبيبا نصرانيا حاذقا جاء للرشيد، فناظر علي بن الحسين الواقدي ذات يوم، فقال له: إن في كتابكم ما يدل على أنّ عيسى جزء من الله تعالى، وتلا قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٤٥]: ﴿إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وقوله تعالى في سورة (النساء) رقم [١٧١]: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ فقرأ عليه الواقدي قوله تعالى في هذه السورة: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ وقال له: إذا يلزم أن تكون جميع الأشياء جزآ منه سبحانه! فانقطع النصراني، وأسلم. وفرح الرشيد فرحا شديدا، وأعطى الواقدي صلة فاخرة. الإعراب: ﴿وَسَخَّرَ:﴾ الواو: حرف عطف. (سخر): فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ تقديره: «هو»، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها، لا محلّ لها مثلها. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿ما:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فِي﴾

стр. 5868

﴿الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من (ما)، أو توكيد له. قال الجلال: وهو ضعيف. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿جَمِيعاً،﴾ أو متعلقان بمحذوف حال من (ما)، التقدير: جميعا كائنا منه تعالى، أو سخر لكم هذه الأشياء كائنة منه مخلوقة. وقيل: متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي جميعا منّه، ويقرأ: «(منّة)» على أنه مفعول لأجله، وقرئ: «(منّه)» على أنه خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: ذلك منّه. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) مقدم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. (آيات): اسم: ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: (آيات)، وجملة: ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ في محل جر صفة (قوم)، وجملة: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة، أو ابتدائية لا محل لها. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ الشرح: اختلف في سبب نزول هذه الآية، فقال ابن عباس-﵄: نزلت في عمر بن الخطاب-﵁-وذلك: أنهم نزلوا في غزوة بني المصطلق على بئر، يقال له: المريسيع، فأرسل عبد الله بن أبي غلامه ليستقي الماء، فأبطأ عليه، فلما أتاه، قال له: ما حبسك؟ قال: غلام عمر قعد على طرف البئر، فما ترك أحدا يستقي حتى ملأ قرب النبي ﷺ ، وقرب أبي بكر، وملأ لمولاه. فقال عبد الله الخبيث: ما مثلنا، ومثل هؤلاء، إلاّ كما قيل: سمّن كلبك يأكلك! فبلغ عمر-﵁-قوله، فاشتمل سيفه يريد التوجه إليه ليقتله، فأنزل الله هذه الآية. فعلى هذا تكون الآية مدنية، كما ذكرته في مقدمة السورة الكريمة. وانظر ما أذكره في سورة (المنافقون) بشأن هذا الخبيث. وقال مقاتل-رحمه الله تعالى-: إنّ رجلا من بني غفار-وفي القرطبي (من قريش) -شتم عمر بمكة، فهمّ عمر-﵁-أن يبطش به، فنزلت بالغفر، والتجاوز، وعلى هذا تكون الآية مكية. قال ابن العربي: وهذا لم يصح. وروى ميمون بن مهران عن ابن عباس أيضا، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ رقم [٢٤٥] من سورة (البقرة) قال فنحاص اليهودي: احتاج رب محمد! فسمع ذلك عمر، فاشتمل سيفه، وخرج في طلبه، فبعث النبي ﷺ إليه فرده، ونزلت الآية الكريمة، فقرأها عليه، وعلى المؤمنين. وعلى ما تقدم ينبغي أن تعلم أنّ الآية الكريمة إن كانت بمكة، فهي منسوخة بآية القتال، وإن كانت نزلت في المدينة، أو في غزوة بني المصطلق فليست منسوخة، بل هي محكمة. انتهى. قرطبي بتصرف كبير.

стр. 5869

هذا؛ و ﴿أَيّامَ اللهِ﴾ وقائعه بأعدائه الكافرين من قولهم: أيام العرب وقائعهم، واستعمال الأيام بمعنى الوقائع مجاز مشهور، ومعنى: ﴿لا يَرْجُونَ أَيّامَ اللهِ:﴾ لا يرجون ثوابه. وقيل: المعنى: لا يخافون بأسه، ونقمه، وهو أولى هنا. ومثل الآية قوله تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٢١]: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا..﴾. إلخ وهي لغة تهامة، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي في صفة عسّال؛ أي: الذي يقطف عسل النحل: [الطويل] إذا لسعته الدّبر لم يرج لسعها... وخالفها في بيت نوب عواسل وقال بعض العلماء: لا يقع الرجاء بمعنى: الخوف إلاّ مع الجحد؛ أي: النفي كقوله تعالى في سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة وسلام: ﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقاراً﴾ وقال بعضهم: بل يقع في كل موضع دلّ عليه المعنى. وهو المعتمد. هذا؛ وأصل الرجاء: الأمل في الشيء، والطماعية فيه. قال الشاعر: [الوافر] أترجو أمّة قتلت حسينا... شفاعة جدّه يوم الحساب؟! والرجاء يكون بمعنى: الأمل، قال خبيب بن عدي-﵁: [الطويل] لعمرك ما أرجو إذا كنت مسلما... على أيّ جنب كان في الله مصرعي هذا؛ وقرئ «(لنجزي)» كما قرئ «(ليجزى)» بالبناء للمجهول، ونصب ﴿قَوْماً،﴾ ورفعه. وانظر الإعراب. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿يَغْفِرُوا:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هو جواب: ﴿قُلْ،﴾ وتقدير الكلام: إن تقل لهم؛ يغفروا. قاله الأخفش، ورده قوم، قالوا: لأن قول الرسول لهم لا يوجب أن يغفروا، أو يتجاوزوا، أو يعفوا، وهذا عندي لا يبطل قول الأخفش؛ لأنه لم يرد أمر الكفار، بل المؤمنين الصادقين كما هو واضح، وإذا قال لهم الرسول ﷺ : اغفروا، وتجاوزوا؛ عن الكافرين غفروا وتجاوزوا؛ لأنهم مأمورون بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، استجابة لقوله تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. والوجه الثاني: وحكي عن المبرد، وهو: أنّ التقدير: قل لهم: اغفروا؛ يغفروا، فيغفروا المصرح به جواب اغفروا المحذوف. حكاه جماعة عنه، ولم يتعرضوا لإفساده، وهو فاسد لوجهين: أحدهما: أنّ جواب الشرط يخالف الشرط، إما في الفعل، وإما في الفاعل، وإما فيهما، فأما إذا كان مثله في الفعل والفاعل فهو خطأ، كقولك: قم تقم، والتقدير على ما ذكر في هذا الوجه: إن يغفروا يغفروا. والوجه الثاني: أنّ الأمر للمواجهة، ويغفروا على لفظ الغيبة، وهو خطأ؛ إذ كان الفاعل واحدا.

стр. 5870

والوجه الثالث من الأوجه الأولى: أنه مجزوم بلام محذوفة، التقدير: ليغفروا، فهو أمر مستأنف، وجاز حذف اللام لدلالة ﴿قُلْ﴾ على الأمر. وهذه التوجيهات أخذتها من إعراب الآية رقم [٣١] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، بالمقايسة بين ما هنا وهناك فإن التعبير في الآيتين واحد، ولم يذكر أحد شيئا في إعراب الآية هنا، وما هنا منقول عن أبي البقاء العكبري، ومكي بن أبي طالب القيسي مع الإشارة إلى ما ذكره ابن هشام في مغنيه، رحم الله الجميع رحمة واسعة، وشملنا معهم ببره وإحسانه، وفضله، وكرمه، وجوده! هذا؛ و ﴿يَغْفِرُوا﴾ مجزوم على جميع الوجوه المذكورة، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، أو في محل نصب مقول القول على حسب الوجوه المعتبرة فيها، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَرْجُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَيّامَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿لِيَجْزِيَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل تقديره: «هو»، أو نحن، وعلى قراءته بالبناء للمجهول ورفع (قوم) فهو نائب فاعله، وعلى قراءته بالنصب، فهو مفعول به، والجار والمجرور (بما) نائب فاعله، وهذا على مذهب الكوفيين الذين يجيزون إقامة غير المفعول مقام الفاعل مع وجود المفعول، واستدلوا بهذه القراءة وهي قراءة أبي جعفر، وهي ليست من السبعة. وقال الكسائي: معناه: ليجزي الجزاء قوما، وهذا يعني: أنّ نائب الفاعل مصدر الفعل المقدر. هذا؛ و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿قُلْ﴾. هذا؛ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَكْسِبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿كانُوا،﴾ والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء كانوا يكسبونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بكسبهم، والجار والمجرور متعلقان بالقول، أو بقول محذوف مقدّر دال عليه الأمر. هذا؛ والقوم هم المؤمنون، أو الكافرون، أو كلاهما فيكون التنكير للتعظيم، أو التحقير، أو التنويع. تأمل، وتدبر. ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥)﴾ الشرح: لما ذكر الله إجمالا: أنّ المرء يجزى بكسبه؛ بيّن أن من كسب صالحا، كالعفو عن المسيء؛ فإنه يثاب، وأنه هو المنتفع بكسبه، ومن كسب الإساءة؛ يعاقب، ويتضرر به. ثم بين: أنّ ذلك النفع، والضرر إنما يكون يوم الرجوع إلى الله. انتهى. جمل نقلا من زاده.

стр. 5871

والجملة الشرطية مذكورة في سورة (فصلت) برقم [٤٦]. هذا؛ ولا تنس الطباق بين الجملتين الاسميتين المتعاطفتين. الإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَمِلَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ تقديره: «هو». ﴿صالِحاً:﴾ صفة لمفعول به محذوف، أو لمفعول مطلق محذوف؛ إذ التقدير: عمل عملا صالحا. ﴿فَلِنَفْسِهِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لنفسه): جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: فعمل لنفسه، أو هما متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فعمله لنفسه، وهو قول ابن هشام في المغني، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة سواء أكانت فعلية، أم اسمية: في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: هو الجملتان، وهو المرجّح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا؛ فجملة: ﴿عَمِلَ صالِحاً﴾ صلته، والجملة الثانية خبره، ودخلت الفاء في الخبر؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِلى رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿تُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثله. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٦)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ:﴾ أعطيناهم، ومنحناهم. ﴿الْكِتابَ:﴾ التوراة. ﴿وَالْحُكْمَ﴾ أي: الحكمة، وهي ما تكمل به نفوسهم من المعارف والأحكام والأخلاق. وقال أبو بكر بن دريد: كل كلمة وعظتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح فهي حكمة. وقيل: الحكم: الفهم في الكتاب. وقيل: الفصل في الحكومات؛ لأنهم كانوا ملوكا. ﴿وَالنُّبُوَّةَ:﴾ الرسالة؛ إذ كثر فيهم الأنبياء ما لم يكثر في غيرهم، والنبوة: ما يمنحه الله للأنبياء، والمرسلين من العلوم، والمعارف، والفيوضات الإلهية. مأخوذة من: النبأة، وهي الارتفاع، والظهور، أو من: النبأ، وهو الخبر؛ لأنّ النبي يخبر عن ربه ما يوحي إليه من الشرائع، والأحكام. ﴿وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أي: الحلالات من الأقوات والثمار والأطعمة؛ التي كانت في بلاد الشام. وقيل: يعني به: المنّ والسلوى في التيه. هذا؛ والطيبات: ما يستلذ من المباحات. وقيل: الحلال الصافي القوام، فالحلال: ما لا يعصى الله فيه، والصافي: ما لا ينسى الله فيه، والقوام: ما يمسك

стр. 5872

النفس، ويحفظ العقل. ﴿وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ:﴾ على عالمي زمانهم كما رأيت في الآية رقم [٣٢] من سورة (الدخان). الإعراب: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا:﴾ انظر الآية رقم [٤٦] من سورة (الزخرف). ﴿بَنِي:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿بَنِي﴾ مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، وجملة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَرَزَقْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَفَضَّلْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿عَلَى الْعالَمِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اِخْتَلَفُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧)﴾ الشرح: ﴿وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ:﴾ قال ابن عباس-﵄: يعني: أمر النبي ﷺ ، وشواهد نبوته بأنه يهاجر من تهامة إلى يثرب، وينصره أهل يثرب. وقيل: بينات الأمر: شرائع واضحات في الحلال، والحرام، ومعجزات باهرات. ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ..﴾. إلخ: أي: اليهود، والنصارى، أو أرباب الكتب المتقدمة، اختلفوا في أمر الإسلام، فقال قوم: إنه حق، وقال قوم: إنه مخصوص بالعرب، ونفاه آخرون مطلقا، أو اختلفوا في التوحيد، فثلثت النصارى، وقالت اليهود: عزير ابن الله. وقيل: هم قوم موسى اختلفوا بعده. وقيل: هم النصارى اختلفوا في أمر عيسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ أي: بعد ما علموا حقيقة الأمر، وتمكنوا من العلم بها؛ أي: بالحجج الدامغات، والآيات البينات. ﴿بَغْياً بَيْنَهُمْ:﴾ حسدا، وظلما وطلبا للرياسة، وقتلوا الأنبياء، فكذا مشركو عصرك يا محمد قد جاءتهم البينات، ولكن أعرضوا عنها للمنافسة في الرياسة. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ..﴾. إلخ: أي: يحكم، ويفصل بينهم، فيثيب الطائع، ويعاقب العاصي، فيدخل من آمن بمحمد ﷺ الجنة، ويدخل من كفر به، وجحد نبوته النار. هذا؛ و (بين) ظرف مكان بمعنى: وسط بسكون السين، لا يدخل إلا بين متعدد لفظا وحكما، تقول: جلست بين القوم، كما تقول: جلست وسط القوم. هذا؛ والبين: الفراق،

стр. 5873

والبعاد، وهو أيضا الوصل، فهو من الأضداد، كالجون يطلق على الأسود، والأبيض. ومن استعماله بمعنى: الوصل ما قرئ به في سورة (الأنعام) رقم [٩٤]: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ حيث قرئ برفعه. ومن استعماله بمعنى: الفراق، والبعاد قول كعب بن زهير-﵁-من قصيدته التي مدح بها النبي ﷺ : -وهو الشاهد رقم [٨٠٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط] وما سعاد غداة البين إذ رحلوا... إلاّ أغنّ غضيض الطّرف مكحول الإعراب: ﴿وَآتَيْناهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (آتيناهم): فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿بَيِّناتٍ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿مِنَ الْأَمْرِ:﴾ متعلقان ب: ﴿بَيِّناتٍ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿فَمَا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿اِخْتَلَفُوا؛﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. ﴿فَمَا:﴾ مصدرية. ﴿جاءَهُمُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعوله. ﴿الْعِلْمُ:﴾ فاعله و ﴿فَمَا﴾ المصدرية والفعل الماضي في تأويل مصدر في محل جر بإضافة: ﴿بَعْدِ﴾ إليه. ﴿بَغْياً:﴾ مفعول لأجله، وجوزت الحالية بمعنى: باغين، والأول أقوى. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿بَغْياً،﴾ أو بمحذوف صفة له، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَقْضِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿رَبَّكَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، و ﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿فِيما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿يَقْضِي﴾ أيضا، و ﴿فَمَا﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، وجملة: ﴿فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ في محل نصب خبر: ﴿كانُوا،﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿فَمَا،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا ب: (في). ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ أي: على منهاج واضح من أمر الدين يشرع بك إلى الحق. هذا؛ والشريعة في اللغة المذهب، والملة، ويقال لمشرعة الماء-وهي مورد

стр. 5874

الشاربة-: شريعة، ومنه الشارع؛ لأنه طريق إلى المقصد، فالشريعة ما شرعه الله لعباده من الدين، والجمع: الشرائع. والشرائع في الدين: المذاهب؛ التي شرعها الله لخلقه. هذا؛ والشريعة في الأصل ما يرده الناس من المياه، والأنهار، فاستعير ذلك للدين، والعبادة؛ لأنّ العباد يردون ما تحيا به نفوسهم من العلم، وأمور العبادة والدين. ﴿فَاتَّبِعْها:﴾ فاتبع شريعتك الثابتة بالحجج الدامغة. ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: آراء الجهال التابعة للشهوات، وهم رؤساء قريش؛ حيث قالوا له: ارجع إلى دين آبائك، فإنهم كانوا أفضل منك. هذا؛ و ﴿أَهْواءَ﴾ جمع: هوى يقصر، ويمد، والمراد: بالأول الحب، والعشق، والغرام، وهو أيضا: محبة الإنسان للشيء، وغلبته على قلبه. قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٤٣]: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ..﴾. إلخ، وقد نهى الله عنه بقوله: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى،﴾ ومدح من يخافه ويخشاه بقوله: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى﴾ أي: نهاها عن شهواتها، وما تدعو إليه من معاصي الله تعالى، ويراد بالممدود: ما بين السماء والأرض. وقد جاء الهوى بمعنى: العشق ممدودا في الشعر، ومنه قول الشاعر: [الطويل] وهان على أسماء إن شطّت النّوى... نحنّ إليها والهواء يتوق وإليك هذين البيتين فإنهما من النكت الحسان: [الكامل] جمع الهواء مع الهوى في مهجتي وقال أبو عبيدة-رحمه الله تعالى-: لم نجد الهوى يوضع إلاّ موضع الشر؛ لأنه لا يقال: فلان يهوى الخير، بل يقال: فلان يحب الخير، وجمعه: أهواء، وجمع الممدود: أهوية. وانظر الآية رقم [٢٣]. هذا؛ و ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ هنا من المعرفة، لا من العلم اليقيني، والفرق بينهما: أن المعرفة تكتفي بمفعول واحد، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] لعلم عرفان وظنّ تهمه... تعدية لواحد ملتزمه بخلافه من العلم اليقيني، فإنه ينصب مفعولين، أصلهما مبتدأ وخبر، وأيضا فالمعرفة تستدعي سبق جهل، وأنّ متعلقها الذوات، دون النسب، بخلاف العلم، فإن متعلقه المعاني، والنسب، وتفصيل ذلك: أنك إذا قلت: عرفت زيدا، فالمعنى: أنك عرفت ذاته، ولم ترد أنك عرفت وصفا من أوصافه، فإذا أردت هذا؛ لم يتجاوز مفعولا واحدا؛ لأنّ المعرفة تناول الشيء نفسه، ولم يقصد إلى غير ذلك، وإذا قلت: علمت زيدا قائما، لم يكن المقصود: أن العلم تناول نفس زيد فحسب، وإنما المعنى: أنّ العلم تناول كون زيد موصوفا بهذه الصفة.

стр. 5875

الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. وقيل: حرف استئناف. ﴿جَعَلْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ..﴾. إلخ، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿عَلى شَرِيعَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿مِنَ الْأَمْرِ:﴾ متعلقان بشريعة. ﴿فَاتَّبِعْها:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يرى جواز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (اتبعها): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء، والتقدير على اعتبار الفاء الفصيحة، وإذا كان ما ذكر حاصلا؛ فاتبعها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَتَّبِعْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَهْواءَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية بعده صلته، والمفعول محذوف، التقدير: لا يعلمون الحق. ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)﴾ الشرح: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئاً﴾ أي: إن اتبعت أهواءهم؛ لا يدفعون عنك من عذاب الله شيئا. ﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ:﴾ يعني: إنّ الظالمين يتولى بعضهم بعضا في الدنيا، ولا ولي لهم في الآخرة. ﴿وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: ناصرهم في الدنيا، ووليهم في الآخرة، والمتقون: هم الذين اتقوا الشرك، والمعاصي. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يُغْنُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (لن) وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إنّ). ﴿عَنْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ ابتدائية، أو تعليلية، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ اسم (إنّ) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿بَعْضُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْلِياءُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿بَعْضٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (الله): مبتدأ.

стр. 5876

﴿وَلِيُّ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿الْمُتَّقِينَ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿هذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)﴾ الشرح: ﴿هذا﴾ أي: القرآن. ﴿بَصائِرُ لِلنّاسِ:﴾ جمع بصيرة، وهي الدلالة الواضحة، فيهتدى بها، فأطلق على القرآن لفظ البصيرة تسمية للسبب باسم المسبب، والبصيرة للنفس كالبصر للبدن، سميت بها الدلالة؛ لأنها تجلي لها الحق، وتبصرها به. وقال النسفي: جعل ما فيه من معالم الدين، والشرائع بمنزلة البصائر في القلوب، كما جعل روحا، وحياة. ﴿وَهُدىً:﴾ من الضلالة. ﴿وَرَحْمَةٌ:﴾ من العذاب. ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ:﴾ لمن آمن، وأيقن بالبعث. الإعراب: ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿بَصائِرُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان ب: ﴿بَصائِرُ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَهُدىً:﴾ معطوف على: ﴿بَصائِرُ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿وَرَحْمَةٌ:﴾ معطوفة على ما قبله. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان ب: (رحمة)، أو بمحذوف صفة لها، وجملة: ﴿يُوقِنُونَ﴾ في محل جر صفة (قوم)، والجملة الاسمية: ﴿هذا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اِجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٢١)﴾ الشرح: ﴿أَمْ حَسِبَ:﴾ أم ظن وأمل. ﴿الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ أي: اكتسبوا الكفر، والمعاصي. والاجتراح: الاكتساب، والجوارح من الطيور: الكواسب. وفلان جارحة أهله: أي: كاسبهم. ﴿أَنْ نَجْعَلَهُمْ:﴾ أن نصيرهم. ﴿كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ..﴾. إلخ: المعنى: إنكار أن يستوي المسيئون، والمحسنون محيا، وأن يستووا مماتا، لافتراق أحوالهم أحياء؛ حيث عاش هؤلاء على القيام بالطاعة، وأولئك على اليأس من الرحمة، والندامة. وقيل: معناه: إنكار أن يستووا في الممات، كما استووا في الحياة في الرزق، والصحة. وعن تميم الداري-﵁: أنه كان يصلي ذات ليلة عند المقام، فبلغ هذه الآية، فجعل يبكي، ويرددها إلى الصباح. وعن الفضيل أنه بلغها، فجعل يرددها، ويبكي، ويقول: يا فضيل ليت شعري من أي الفريقين أنت؟ وعن الربيع بن خثيم: أنه قام يصلي ذات ليلة، فمرّ بهذه الآية فمكث ليله حتى أصبح لم يعدها ببكاء شديد. وكانت هذه الآية تسمى مبكاة

стр. 5877

العابدين؛ لأنها محكمة. هذا؛ ومثل هذه الآية في الإنكار على الكافرين الزاعمين التسوية بين الصالح والطالح، والنافع، والضار، قوله تعالى في سورة (ص) رقم [٢٨]: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ،﴾ وقوله تعالى في سورة (ن): ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف بمعنى: «بل»، أو بمعنى: همزة الإنكار. وقيل: منقطعة بمعنى: الهمزة، وبل. ﴿حَسِبَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿اِجْتَرَحُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿السَّيِّئاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿نَجْعَلَهُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره نحن، والهاء مفعول به أول. ﴿كَالَّذِينَ:﴾ الكاف: في محل نصب مفعول به ثان، وهي مضاف، و (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي حسب. (عملوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿سَواءً:﴾ حال من مفعولي: (نجعل). ﴿مَحْياهُمْ:﴾ فاعل ب: ﴿سَواءً﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَمَماتُهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله. هذا؛ وقرئ برفع: «(سواء)» على أنه خبر مقدم، و ﴿مَحْياهُمْ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب بدلا من الكاف بدل اشتمال، أو بدل كل من كل. ﴿ساءَ:﴾ ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله مستتر فيه مفسر بما بعده. ﴿ما:﴾ نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على التمييز، وجملة: ﴿يَحْكُمُونَ﴾ في محل نصب صفة: ﴿ما،﴾ والتقدير: ساء الشيء شيئا محكوما به. ورابط هذه الصفة محذوف، التقدير: يحكمونه، والمخصوص بالذم محذوف أيضا التقدير: هو حكمهم. هذا؛ وأجاز أبو البقاء اعتبار الفعل ﴿ساءَ﴾ متصرفا من الإساءة، وله مفعول محذوف، كما أجاز اعتبار ﴿ما﴾ موصولة، وموصوفة، ومصدرية فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: ساء الذي، أو شيء يحكمونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: ساءهم حكمهم، والجملة الفعلية: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ مستأنفة، لا محل لها.

стр. 5878

﴿وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٢)﴾ الشرح: ﴿وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ:﴾ قال البيضاوي: كأنه دليل على الحكم السابق من حيث إنّ خلق ذلك بالحق المقتضي للعدل يستدعي انتصار المظلوم من الظالم، والتفاوت بين المحسن، والمسيء، وإذا لم يكن ذلك في المحيا؛ كان بعد الممات. ﴿وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ:﴾ إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ أي: بنقص ثواب المحسن، وزيادة عقاب المسيء. وقال الخازن: ومعنى الآية: أنّ المقصود من خلق هذا العالم إظهار العدل، والرحمة، وذلك لا يتم إلاّ في القيامة؛ ليحصل التفاوت بين المحقين، والمبطلين في الدرجات والدركات. هذا؛ و (الحق) ضد الباطل. قال الراغب: أصل الحق المطابقة، والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقّه لدورانه على الاستقامة. والحق يقال لموجد الشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة، ولذلك قيل في الله تعالى: هو الحق. وللموجود بحسب مقتضى الحكمة، ولذلك يقال: فعل الله كله حق، نحو الموت، والحساب... إلخ، وللاعتقاد في الشيء المطابق ما عليه ذلك الشيء في نفسه، نحو اعتقاد زيد في الجنة حق. وللفعل، والقول الواقعين بحسب ما يجب، وقدر ما يجب في الوقت الذي يجب، نحو قولك حق، وفعلك حق. ويقال: أحققت ذا؛ أي: أثبته حقا، أو حكمت بكونه حقا. انتهى. بغدادي. الإعراب: ﴿وَخَلَقَ:﴾ الواو: حرف عطف. (خلق): فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل، أو المفعول. ﴿وَلِتُجْزى:﴾ الواو: حرف عطف. (لتجزى): فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿كُلُّ:﴾ نائب فاعل، وهو مضاف، و ﴿نَفْسٍ﴾ مضاف إليه، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على علة مقدرة؛ إذ التقدير: خلق السموات والأرض بالحق؛ ليدل على قدرته، ووحدانيته. ولتجزى... إلخ. ﴿بِما:﴾ متعلقان بالفعل: (تجزى)، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء كسبته، وعلى اعتبار «ما» مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء،

стр. 5879

التقدير: بكسبها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُظْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿كُلُّ نَفْسٍ،﴾ والرابط: الواو، والضمير. وجمع الضمير؛ لأن معنى ﴿كُلُّ﴾ الجمع، والتعميم. ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٣)﴾ الشرح: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ:﴾ قال ابن عباس-﵄: ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئا إلا ركبه؛ لأنه لا يؤمن بالله، ولا يخافه، ولا يحرم ما حرم الله. وقال سعيد بن جبير-﵄: كان أحدهم يعبد الحجر، فإذا رأى ما هو أحسن منه؛ رمى به، وعبد الآخر، وهذا ذكره السيوطي في أسباب النزول. وقيل: المعنى: أفرأيت من ينقاد لهواه، ومعبوده تعجيبا لذوي العقول من هذا الجهل. أو المعنى: أخبرني يا محمد عن حال من ترك عبادة الله، وعبد هواه. وقال الشعبي: إنما سمي الهوى هوى؛ لأنه يهوي بصاحبه إلى النار. وقال ابن عباس ﵄: ما ذكر الله هوى في القرآن إلاّ ذمّه، وذكر آيات كثيرة. وقال عبد الله بن عمرو-﵁-عن النبي ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتّى يكون هواه تبعا لما جئت به». وقال أبو أمامة-﵁: سمعت النبي ﷺ يقول: «ما عبد تحت السماء إله أبغض إلى الله من الهوى». وقال شداد بن أوس-﵁-عن النبي ﷺ : «الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والفاجر من أتبع نفسه هواها، وتمنّى على الله». وقال النبي ﷺ : «إذا رأيت شحّا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه؛ فعليك بخاصّة نفسك، ودع عنك أمر العامّة». من حديث طويل أخرجه ابن ماجه، والترمذي عن أبي أمية الشيباني، عن أبي ثعلبة الخشني-﵃ أجمعين-. وقال أنس بن مالك-﵁-من حديث طويل عن النبي ﷺ : «وثلاث مهلكات: شحّ مطاع، وهوى متّبع، وإعجاب المرء بنفسه». رواه البيهقي، وغيره، وقال الأصمعي سمعت رجلا يقول: [الكامل] إنّ الهوان هو الهوى قلب اسمه... فإذا هويت فقد لقيت هوانا وسئل ابن المقفع عن الهوى، فقال: هوان سرقت نونه، فأخذه شاعر فنظمه فقال: [الكامل] نون الهوان من الهوى مسروقة... فإذا هويت فقد لقيت هوانا ولابن دريد قوله: [الطويل]

стр. 5880

إذا طالبتك النّفس يوما بشهوة... وكان إليها للخلاف طريق فدعها وخالف ما هويت فإنّما... هواك عدوّ، والخلاف صديق ولأبي عبيد الطّوسي قوله: [الرجز] والنفس إن أعطيتها مناها... فاغرة نحو هواها فاها وقال سهل بن عبد الله التّستريّ: هواك داؤك، فإن خالفته فدواؤك. وللعلماء في هذا الباب في ذم الهوى، ومخالفته كتب، وأبواب أشرنا إلى ما فيه كفاية منه، وحسبك بقوله تعالى في سورة (النازعات) الآيتان رقم [٤٠ و ٤١]: ﴿وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى﴾. انتهى. قرطبي بتصرف. وانظر الآية رقم [١٨]. ﴿وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ﴾ أي: على علم قد علمه منه. وقيل: أضله عن الثواب على علم منه: أنه لا يستحقه. وقال ابن عباس-﵄: أي: على علم قد سبق عنده تعالى أنه سيضل. ﴿وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ أي: طبع على سمعه، حتى لا يسمع الوعظ، وطبع على قلبه، حتى لا يفقه الهدى. ﴿وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ أي: غطاء؛ حتى لا يبصر الرشد. ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ﴾ أي: لا يهديه أحد بعد أن أضله الله. ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتعظون، وتعرفون: أنه قادر على ما يشاء. وهذه الآية ترد على القدرية، والمعتزلة، والإماميّة، ومن لف لفهم، وسلك طريقتهم في الاعتقاد؛ إذ هي مصرحة بمنعهم من الهداية. هذا؛ وقال تعالى في سورة (الكهف) رقم [١٧]: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً﴾. قال مقاتل-رحمه الله تعالى-: نزلت الآية في أبي جهل، وذلك: أنه طاف في البيت ذات ليلة، ومعه الوليد بن المغيرة، فتحدثا في شأن النبي ﷺ ، فقال أبو جهل: والله إني لأعلم أنه لصادق! فقال له الوليد: مه، وما دلك على ذلك؟ قال: يا أبا عبد شمس! كنا نسميه في صباه الصادق الأمين، فلما تمّ عقله، وكمل رشده، نسميه الكذاب الخائن؟! والله إني لأعلم أنه لصادق! قال: فما يمنعك أن تصدقه، وتؤمن به؟! قال: تتحدث عني بنات قريش: أني قد اتبعت يتيم أبي طالب من أجل كسرة، واللات، والعزى إن اتبعته أبدا، فنزلت: ﴿وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾. انتهى. قرطبي بتصرف. وقيل: نزلت في غير أبي جهل. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿أَفَرَأَيْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء: أراها زائدة. (رأيت): فعل، وفاعل. ﴿مَنِ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، يقدر بعد الجمل الأربع المتعاطفة: «أيهتدي». وقال الجمل: ودعوى الحذف غير لازمة؛ إذ لا مانع من جعل كلمة: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ﴾ هي المفعول الثاني. ﴿اِتَّخَذَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنِ﴾. ﴿إِلهَهُ:﴾ مفعول به أول. ﴿هَواهُ:﴾ مفعول به ثان منصوب،

стр. 5881

وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَأَضَلَّهُ اللهُ:﴾ ماض، ومفعول، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿عَلى عِلْمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل، أو من المفعول. ﴿وَخَتَمَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿عَلى سَمْعِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَقَلْبِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة. ﴿وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ معطوفة على جملة الصلة أيضا لا محل لها مثلها. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف على اعتبار المفعول الثاني ل: (رأيت) محذوفا، وصلة على اعتبار الجملة الاسمية الآتية مفعولا ثانيا. (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَهْدِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (من)، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، أو في محل نصب مفعول به ثان حسبما رأيت. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و ﴿اللهُ﴾ مضاف إليه. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الفاء: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿تَذَكَّرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها، وقرئ: «(تتذكرون)». ﴿وَقالُوا ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ الشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: كفار قريش، وهو قول الكفار، والملحدين في كل زمان، ومكان. ﴿ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا:﴾ هذا إنكار منهم للآخرة، وتكذيب للبعث، وإبطال للجزاء والحساب. ﴿نَمُوتُ وَنَحْيا﴾ أي: نموت نحن، وتحيا أولادنا. أو المعنى: يموت بعضنا، ويحيا بعضنا. أو يصيبنا الموت، والحياة في الحياة الدنيا، وليس وراء ذلك حياة. أو أرادوا: أنكون أمواتا نطفا، وما قبلها، ونحيا بعد ذلك؟! ويحتمل أنهم أرادوا به تناسخ الأرواح، فإنه أكثر عقيدة الوثنيين، وفي مغني اللبيب: ليست الواو لمطلق الجمع، ولا للترتيب، بل هو عكس الترتيب في هذه الآية، ولو كانت للترتيب؛ لكان اعترافا بالحياة بعد الموت، وهم لا يعترفون بالآخرة قطعا. هذا؛ وقيل: فيه تقديم، وتأخير؛ أي: نحيا، ونموت. وهي قراءة ابن مسعود-﵁. انتهى. قرطبي. هذا؛ ولا تنس الطباق بين ﴿نَمُوتُ﴾ و (نحيا). ﴿وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ أي: مرور الزمان، وتوالي الأيام، وتقلب الليل، والنهار. ﴿وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: لم يقولوا ذلك عن علم علموه، وما يقولونه عن حق ويقين، ولكن عن ظنّ وتخمين. وانظر الآية رقم [٢٠] من سورة (الزخرف). هذا؛ وقال السيوطي في أسباب النزول: كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، فأنزل الله الآية الكريمة.

стр. 5882

فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله- : «يؤذيني ابن آدم، يسبّ الدّهر، وأنا الدّهر، أقلّب اللّيل والنّهار». وفي رواية: «يؤذيني ابن آدم، ويقول: يا خيبة الدّهر! فلا يقولنّ أحدكم: يا خيبة الدّهر، فإني أنا الدّهر بيدي الليل والنهار». وهذه الأحاديث مروية في البخاري وغيره من كتب الأحاديث. ومعنى هذه الأحاديث: أنّ العرب كان من شأنها ذم الدهر، وسبه عند النوازل؛ لأنهم كانوا ينسبون إلى الدهر ما يصيبهم من المصائب، والمكاره، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، كما أخبر الله- -عنهم بقوله: ﴿وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد، وسبوا فاعلها، كان مرجع سبهم إلى الدهر، فنهوا عن سب الدهر. وقيل لهم: لا تسبوا فاعل ذلك، فإنه هو الله ، والدهر متصرّف فيه، يقع به التأثير، كما يقع بكم، والله أعلم. انتهى. خازن. هذا؛ وكثيرا ما نسمع في أيامنا هذه من يلعن، ويسب الساعة، واليوم الذي رأى فيه فلانا، أو باع، أو اشترى كذا، أو عامل فيه فلانا، أو الساعة التي جرى فيها قرانه بزوجته، وهي بزوجها ليبوؤوا بغضب الله، وسخطه، وقد يكونون من المصلين الصائمين، ولا حول، ولا قوة إلاّ بالله! ولقد أحسن أبو علي الثقفي-رحمه الله تعالى-إذ يقول: [السريع] يا عاتب الدّهر إذا نابه... لا تلم الدّهر على غدره الدهر مأمور، له آمر... وينتهي الدهر إلى أمره كم كافر أمواله جمّة... تزداد أضعافا على كفره ومؤمن ليس له درهم... يزداد إيمانا على فقره وروي: أنّ سالم بن عبد الله بن عمر-﵃-كان كثيرا ما يذكر الدهر، فزجره أبوه، وقال: إياك يا بني وذكر الدهر، وأنشد: [الطويل] فما الدهر بالجاني لشيء لحينه... ولا جالب البلوى فلا تشتم الدهرا ولكن متى ما يبعث الله باعثا... على معشر يجعل مياسيرهم عسرا هذا؛ والدهر: هو الزمان قلّ، أو كثر، ولكن قال بعضهم: إطلاقه على الزمن القليل مجاز، واتساع، ويطلق على الأبد، ويقع على مدة الدنيا كلها، وجمعه: دهور، ودهر الإنسان: الزمن الذي يعيش فيه، والدّهريّ بضم الدال: المسن، وبالفتح الملحد؛ الذي لا يعتقد بوجود الخالق، جلّ وعلا. الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (قالوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿حَياتُنَا:﴾ خبر المبتدأ، و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في

стр. 5883

محل نصب مقول القول. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة: ﴿حَياتُنَا﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف. ﴿نَمُوتُ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الضمير فقط، وجملة: ﴿وَنَحْيا:﴾ معطوفة عليها، وهي في محل نصب حال مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿يُهْلِكُنا:﴾ فعل مضارع، و (نا): مفعول به. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿الدَّهْرُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محلّ نصب حال مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما) نافية. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿بِذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿عِلْمٍ﴾ بعدهما؛ لأنه مصدر، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿عِلْمٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي. ﴿لَهُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، وجملة: ﴿يَظُنُّونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا اِئْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ أي: آيات القرآن يقرؤها محمد ﷺ على كفار قريش. ﴿بَيِّناتٍ:﴾ واضحات الدلالة على ما يخالف معتقدهم من إنكار البعث، والحساب، والجزاء. ﴿ما كانَ حُجَّتَهُمْ﴾ أي: ما كان لهم متشبثا يعارضون، ويحتجون به. ﴿إِلاّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا﴾ أي: أحيوهم، وأعيدوهم إلى هذه الدنيا ليشهدوا لنا بصحة البعث، والحساب، والجزاء بعد الموت. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي: في قولكم: إن هناك حسابا، وجزاء بعد الموت، فائتوا بآبائنا. قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: لم سمي قولهم حجة، وليس بحجة؟ قلت: لأنهم أدلوا به كما يدلي المحتج بحجته، وساقوه مساقها، فسميت حجة على سبيل التهكم، أو لأنه في حسبانهم، وتقديرهم حجة، أو لأنه في أسلوب قول عمرو بن معدي كرب: [الوافر] وخيل قد دلفت لها بخيل... تحيّة بينهم ضرب وجيع يقول: إذا تلاقوا في الحرب جعلوا بدلا من تحية بعضهم لبعض الضرب الوجيع. الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿تُتْلى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان

стр. 5884

بما قبلهما. ﴿آياتُنا:﴾ نائب فاعل، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿بَيِّناتٍ:﴾ حال من: ﴿آياتُنا:﴾ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿حُجَّتَهُمْ:﴾ خبر ﴿كانَ﴾ مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كانَ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، و ﴿كانَ﴾ والفعل: ﴿قالُوا﴾ في تأويل مصدر في محل رفع اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر. هذا؛ ويقرأ برفع: «(حجّتهم)» على أنه اسم ﴿كانَ،﴾ والمصدر المؤول في محل نصب خبرها. ﴿اِئْتُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿كانَ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص، مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، والكلام في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿ما كانَ..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محلّ لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾ الشرح: هذه الآية رد وجواب لقولهم: ﴿اِئْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾. قلت: لما أنكروا البعث، وكذبوا الرسل، وحسبوا: أن ما قالوه قول مبكّت؛ ألزموا ما هم مقرّون به من أن الله هو الذي يحييهم، ثم يميتهم، وضمّ إلى إلزام ذلك إلزام ما هو واجب الإقرار به؛ إن أنصفوا، وأصغوا إلى داعي الحق، وهو جمعهم إلى يوم القيامة، ومن كان قادرا على ذلك، كان قادرا على الإتيان بآبائهم، وكان أهون شيء عليه. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ:﴾ لا شك فيه. وانظر شرح (الريب) في الآية رقم [١٤] من سورة (الشورى) ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ:﴾ لقلة تفكرهم، وقصور نظرهم على ما يحسبونه. وانظر الآية رقم [٣٩] من سورة (الدخان)، فالبحث فيها جيد. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٨]: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ولا تنس الطباق بين ﴿فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ وبين ﴿يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾. هذا؛ و ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة، وفي كل منها خلاف مذكور في مغني اللبيب، وقد تلحقها تاء التأنيث الساكنة، كما تلحق (ربّ) و (لا) العاملة عمل «ليس» فيقال؛ ثمّت، وربّت، ولات، والأكثر تحريك التاء معهن بالفتح، وثم

стр. 5885

هذه غير (ثمّ) بفتح الثاء، فإنها اسم يشار به إلى المكان البعيد، كما في قوله تعالى في سورة (الشعراء): ﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ وهي ظرف لا يتصرف، ولا يتقدمه حرف التنبيه، ولا يتصل به كاف الخطاب، وقد تتصل به التاء المربوطة، فيقال: ثمّة. الإعراب: ﴿قُلِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يُحْيِيكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملتا ﴿يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ﴾ معطوفتان على ما قبلهما، فهما في محل رفع مثلها. ﴿إِلى يَوْمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿يَوْمِ﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل: «إن». ﴿رَيْبَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿يَوْمِ الْقِيامَةِ،﴾ والرابط: الضمير فقط. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لكنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و ﴿النّاسِ:﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لكنّ)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها وقيل: في محل نصب حال، وهو ضعيف. ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧)﴾ الشرح: ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ تعميم للقدرة بعد تخصيصها. واللام مفيدة للملك الحقيقي، الذي هو اتساع المقدور لمن له تدبير الأمور. ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ:﴾ انظر الآية رقم [٦١] من سورة (الزخرف). ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ التنوين ينوب فيه عن جملة محذوفة، دلّت عليها الغاية؛ أي: يوم تقوم الساعة، و (إذ) مضافة لهذه الجملة، فحذفت الجملة الفعلية، وعوّض عنها التنوين، وكسرت الذال لالتقاء الساكنين، كما كسرت الهاء في: صه، ومه عند تنوينهما. ومثل ذلك قل في: حينئذ، وساعتئذ، ونحوهما. ﴿يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي: الكافرون، والملحدون، والمجرمون في كل زمان، ومكان. وانظر هذا الخسران في الآية رقم [٤٥] من سورة (الشورى). والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَلِلّهِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لله): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ؛﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يوم): ظرف زمان متعلق بالفعل: ﴿يَخْسَرُ﴾ بعده، وعليه ف: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل منه، والتنوين عوض عن جملة مقدرة كما
следующие страницы →