← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَأَضَلَّهُ اللهُ:﴾ ماض، ومفعول، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿عَلى عِلْمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل، أو من المفعول. ﴿وَخَتَمَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿عَلى سَمْعِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَقَلْبِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة. ﴿وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ معطوفة على جملة الصلة أيضا لا محل لها مثلها. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف على اعتبار المفعول الثاني ل: (رأيت) محذوفا، وصلة على اعتبار الجملة الاسمية الآتية مفعولا ثانيا. (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَهْدِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (من)، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، أو في محل نصب مفعول به ثان حسبما رأيت. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و ﴿اللهُ﴾ مضاف إليه. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الفاء: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿تَذَكَّرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها، وقرئ: «(تتذكرون)». ﴿وَقالُوا ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ الشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: كفار قريش، وهو قول الكفار، والملحدين في كل زمان، ومكان. ﴿ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا:﴾ هذا إنكار منهم للآخرة، وتكذيب للبعث، وإبطال للجزاء والحساب. ﴿نَمُوتُ وَنَحْيا﴾ أي: نموت نحن، وتحيا أولادنا. أو المعنى: يموت بعضنا، ويحيا بعضنا. أو يصيبنا الموت، والحياة في الحياة الدنيا، وليس وراء ذلك حياة. أو أرادوا: أنكون أمواتا نطفا، وما قبلها، ونحيا بعد ذلك؟! ويحتمل أنهم أرادوا به تناسخ الأرواح، فإنه أكثر عقيدة الوثنيين، وفي مغني اللبيب: ليست الواو لمطلق الجمع، ولا للترتيب، بل هو عكس الترتيب في هذه الآية، ولو كانت للترتيب؛ لكان اعترافا بالحياة بعد الموت، وهم لا يعترفون بالآخرة قطعا. هذا؛ وقيل: فيه تقديم، وتأخير؛ أي: نحيا، ونموت. وهي قراءة ابن مسعود-﵁. انتهى. قرطبي. هذا؛ ولا تنس الطباق بين ﴿نَمُوتُ﴾ و (نحيا). ﴿وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ أي: مرور الزمان، وتوالي الأيام، وتقلب الليل، والنهار. ﴿وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: لم يقولوا ذلك عن علم علموه، وما يقولونه عن حق ويقين، ولكن عن ظنّ وتخمين. وانظر الآية رقم [٢٠] من سورة (الزخرف). هذا؛ وقال السيوطي في أسباب النزول: كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، فأنزل الله الآية الكريمة.

стр. 5882

فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله- : «يؤذيني ابن آدم، يسبّ الدّهر، وأنا الدّهر، أقلّب اللّيل والنّهار». وفي رواية: «يؤذيني ابن آدم، ويقول: يا خيبة الدّهر! فلا يقولنّ أحدكم: يا خيبة الدّهر، فإني أنا الدّهر بيدي الليل والنهار». وهذه الأحاديث مروية في البخاري وغيره من كتب الأحاديث. ومعنى هذه الأحاديث: أنّ العرب كان من شأنها ذم الدهر، وسبه عند النوازل؛ لأنهم كانوا ينسبون إلى الدهر ما يصيبهم من المصائب، والمكاره، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، كما أخبر الله- -عنهم بقوله: ﴿وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد، وسبوا فاعلها، كان مرجع سبهم إلى الدهر، فنهوا عن سب الدهر. وقيل لهم: لا تسبوا فاعل ذلك، فإنه هو الله ، والدهر متصرّف فيه، يقع به التأثير، كما يقع بكم، والله أعلم. انتهى. خازن. هذا؛ وكثيرا ما نسمع في أيامنا هذه من يلعن، ويسب الساعة، واليوم الذي رأى فيه فلانا، أو باع، أو اشترى كذا، أو عامل فيه فلانا، أو الساعة التي جرى فيها قرانه بزوجته، وهي بزوجها ليبوؤوا بغضب الله، وسخطه، وقد يكونون من المصلين الصائمين، ولا حول، ولا قوة إلاّ بالله! ولقد أحسن أبو علي الثقفي-رحمه الله تعالى-إذ يقول: [السريع] يا عاتب الدّهر إذا نابه... لا تلم الدّهر على غدره الدهر مأمور، له آمر... وينتهي الدهر إلى أمره كم كافر أمواله جمّة... تزداد أضعافا على كفره ومؤمن ليس له درهم... يزداد إيمانا على فقره وروي: أنّ سالم بن عبد الله بن عمر-﵃-كان كثيرا ما يذكر الدهر، فزجره أبوه، وقال: إياك يا بني وذكر الدهر، وأنشد: [الطويل] فما الدهر بالجاني لشيء لحينه... ولا جالب البلوى فلا تشتم الدهرا ولكن متى ما يبعث الله باعثا... على معشر يجعل مياسيرهم عسرا هذا؛ والدهر: هو الزمان قلّ، أو كثر، ولكن قال بعضهم: إطلاقه على الزمن القليل مجاز، واتساع، ويطلق على الأبد، ويقع على مدة الدنيا كلها، وجمعه: دهور، ودهر الإنسان: الزمن الذي يعيش فيه، والدّهريّ بضم الدال: المسن، وبالفتح الملحد؛ الذي لا يعتقد بوجود الخالق، جلّ وعلا. الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (قالوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿حَياتُنَا:﴾ خبر المبتدأ، و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في

стр. 5883

محل نصب مقول القول. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة: ﴿حَياتُنَا﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف. ﴿نَمُوتُ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الضمير فقط، وجملة: ﴿وَنَحْيا:﴾ معطوفة عليها، وهي في محل نصب حال مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿يُهْلِكُنا:﴾ فعل مضارع، و (نا): مفعول به. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿الدَّهْرُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محلّ نصب حال مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما) نافية. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿بِذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿عِلْمٍ﴾ بعدهما؛ لأنه مصدر، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿عِلْمٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي. ﴿لَهُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، وجملة: ﴿يَظُنُّونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا اِئْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ أي: آيات القرآن يقرؤها محمد ﷺ على كفار قريش. ﴿بَيِّناتٍ:﴾ واضحات الدلالة على ما يخالف معتقدهم من إنكار البعث، والحساب، والجزاء. ﴿ما كانَ حُجَّتَهُمْ﴾ أي: ما كان لهم متشبثا يعارضون، ويحتجون به. ﴿إِلاّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا﴾ أي: أحيوهم، وأعيدوهم إلى هذه الدنيا ليشهدوا لنا بصحة البعث، والحساب، والجزاء بعد الموت. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي: في قولكم: إن هناك حسابا، وجزاء بعد الموت، فائتوا بآبائنا. قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: لم سمي قولهم حجة، وليس بحجة؟ قلت: لأنهم أدلوا به كما يدلي المحتج بحجته، وساقوه مساقها، فسميت حجة على سبيل التهكم، أو لأنه في حسبانهم، وتقديرهم حجة، أو لأنه في أسلوب قول عمرو بن معدي كرب: [الوافر] وخيل قد دلفت لها بخيل... تحيّة بينهم ضرب وجيع يقول: إذا تلاقوا في الحرب جعلوا بدلا من تحية بعضهم لبعض الضرب الوجيع. الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿تُتْلى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان

стр. 5884

بما قبلهما. ﴿آياتُنا:﴾ نائب فاعل، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿بَيِّناتٍ:﴾ حال من: ﴿آياتُنا:﴾ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿حُجَّتَهُمْ:﴾ خبر ﴿كانَ﴾ مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كانَ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، و ﴿كانَ﴾ والفعل: ﴿قالُوا﴾ في تأويل مصدر في محل رفع اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر. هذا؛ ويقرأ برفع: «(حجّتهم)» على أنه اسم ﴿كانَ،﴾ والمصدر المؤول في محل نصب خبرها. ﴿اِئْتُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿كانَ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص، مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، والكلام في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿ما كانَ..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محلّ لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾ الشرح: هذه الآية رد وجواب لقولهم: ﴿اِئْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾. قلت: لما أنكروا البعث، وكذبوا الرسل، وحسبوا: أن ما قالوه قول مبكّت؛ ألزموا ما هم مقرّون به من أن الله هو الذي يحييهم، ثم يميتهم، وضمّ إلى إلزام ذلك إلزام ما هو واجب الإقرار به؛ إن أنصفوا، وأصغوا إلى داعي الحق، وهو جمعهم إلى يوم القيامة، ومن كان قادرا على ذلك، كان قادرا على الإتيان بآبائهم، وكان أهون شيء عليه. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ:﴾ لا شك فيه. وانظر شرح (الريب) في الآية رقم [١٤] من سورة (الشورى) ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ:﴾ لقلة تفكرهم، وقصور نظرهم على ما يحسبونه. وانظر الآية رقم [٣٩] من سورة (الدخان)، فالبحث فيها جيد. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٨]: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ولا تنس الطباق بين ﴿فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ وبين ﴿يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾. هذا؛ و ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة، وفي كل منها خلاف مذكور في مغني اللبيب، وقد تلحقها تاء التأنيث الساكنة، كما تلحق (ربّ) و (لا) العاملة عمل «ليس» فيقال؛ ثمّت، وربّت، ولات، والأكثر تحريك التاء معهن بالفتح، وثم

стр. 5885

هذه غير (ثمّ) بفتح الثاء، فإنها اسم يشار به إلى المكان البعيد، كما في قوله تعالى في سورة (الشعراء): ﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ وهي ظرف لا يتصرف، ولا يتقدمه حرف التنبيه، ولا يتصل به كاف الخطاب، وقد تتصل به التاء المربوطة، فيقال: ثمّة. الإعراب: ﴿قُلِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿يُحْيِيكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملتا ﴿يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ﴾ معطوفتان على ما قبلهما، فهما في محل رفع مثلها. ﴿إِلى يَوْمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿يَوْمِ﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل: «إن». ﴿رَيْبَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿يَوْمِ الْقِيامَةِ،﴾ والرابط: الضمير فقط. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لكنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و ﴿النّاسِ:﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لكنّ)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها وقيل: في محل نصب حال، وهو ضعيف. ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧)﴾ الشرح: ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ تعميم للقدرة بعد تخصيصها. واللام مفيدة للملك الحقيقي، الذي هو اتساع المقدور لمن له تدبير الأمور. ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ:﴾ انظر الآية رقم [٦١] من سورة (الزخرف). ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ التنوين ينوب فيه عن جملة محذوفة، دلّت عليها الغاية؛ أي: يوم تقوم الساعة، و (إذ) مضافة لهذه الجملة، فحذفت الجملة الفعلية، وعوّض عنها التنوين، وكسرت الذال لالتقاء الساكنين، كما كسرت الهاء في: صه، ومه عند تنوينهما. ومثل ذلك قل في: حينئذ، وساعتئذ، ونحوهما. ﴿يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي: الكافرون، والملحدون، والمجرمون في كل زمان، ومكان. وانظر هذا الخسران في الآية رقم [٤٥] من سورة (الشورى). والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَلِلّهِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لله): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ؛﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يوم): ظرف زمان متعلق بالفعل: ﴿يَخْسَرُ﴾ بعده، وعليه ف: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل منه، والتنوين عوض عن جملة مقدرة كما

стр. 5886

رأيت في الشرح، وعليه فالبدل بدل توكيدي. هذا؛ ويجوز أن يعلق (يوم) بفعل محذوف، تقديره: اذكر. قالوا: لأنّ يوم القيامة حالة ثالثة ليست بالسماء، والأرض؛ لأنهما يتبدلان، فكأنه قيل: ولله ملك السموات والأرض، وملك يوم تقوم الساعة، ويكون ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ متعلقا بالفعل: ﴿يَخْسَرُ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة من حيث اللفظ، وإن كان لها تعلق بما قبلها من حيث المعنى. انتهى. بتصرف كبير من الجمل نقلا عن السمين. هذا؛ وجملة: ﴿تَقُومُ السّاعَةُ﴾ في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾ الشرح: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ أي: باركة على الرّكب، وهي جلسة المخاصم بين يدي الحاكم ينتظر القضاء. قال سلمان الفارسي-﵁: إن في يوم القيامة ساعة، هي عشر سنين يخر الناس فيها جثاة على الركب؛ حتى إبراهيم ﵇ ينادي ربه: لا أسألك إلا نفسي. هذا؛ وفسر: ﴿جاثِيَةً﴾ بخاضعة وذليلة ومجتمعة، ومتميزة، أقوال، وفي سورة (مريم) رقم [٧٢]: ﴿وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ انظر شرحها هناك، فإنه جيد. هذا؛ والخطاب للنبي ﷺ ، ويعمّ كل من تتأتى منه الرؤية. هذا؛ والجثو: الجلوس على الركب، يقال: جثا على ركبتيه، يجثو، ويجثى جثوا، وجثيا على وزن فعول فيهما. ومن قول النبي ﷺ : «أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله تعالى يوم القيامة». و «صار فلان جثوة من تراب». أي: كومة من تراب، قال طرفة بن العبد في معلقته رقم [٧٠]. [الطويل] ترى جثوتين من تراب عليهما... صفائح صمّ من صفيح منضّد ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا:﴾ قال يحيى بن سلام: إلى حسابها. وقيل: إلى كتابها؛ الذي سجلت فيه الملائكة أعمالها من خير، أو شر. وقيل: كتابها المنزل عليها لينظر هل عملوا بما فيه؟ هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٧١]: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ..﴾. إلخ. ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: يقول الله لهم. أو هو من مقول الملائكة لهم. هذا؛ وانظر شرح: ﴿أُمَّةٍ﴾ في الآية رقم [٨] من سورة (الشورى)، وشرح ﴿تَرى﴾ في الآية رقم [٢٢] منها. الإعراب: ﴿وَتَرى:﴾ الواو: حرف عطف. (ترى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره أنت. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿أُمَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿جاثِيَةً:﴾ مفعول به ثان، أو حال من: ﴿كُلَّ أُمَّةٍ﴾ لتخصيصه بالإضافة. وقيل: صفة، وجملة: ﴿وَتَرى..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿كُلَّ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿أُمَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿تُدْعى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿كُلَّ﴾

стр. 5887

﴿أُمَّةٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ ويقرأ بنصب: ﴿كُلَّ أُمَّةٍ﴾ على أنه بدل مما قبله، وعليه فجملة: ﴿تُدْعى﴾ يجوز فيها ما جاز ب: ﴿جاثِيَةً﴾. ﴿إِلى كِتابِهَا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل بعده. ﴿تُجْزَوْنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، والجملة الفعلية في محل نصب خبره، وجملة: ﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وهو مفعول ﴿تَعْمَلُونَ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: يقال لهم... إلخ، وهذه الجملة مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾ الشرح: ﴿هذا كِتابُنا يَنْطِقُ:﴾ يشهد عليكم بما عملتم بالحق بلا زيادة، ولا نقصان. وهذا يحتمل أن يكون من قول الله تعالى للمبطلين يوم القيامة، ويحتمل أن يكون من قول الملائكة لهم. والأول أقوى. ولفظ ﴿يَنْطِقُ﴾ استعارة تصريحية بالفعل، والاستعارة هنا أبلغ من الحقيقة؛ لأنّ شهادة الكتاب ببيانه أقوى من شهادة الإنسان بلسانه. وفي سورة (المؤمنون) رقم [٦٢] قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾. وقيل: إنهم يقرؤونه فيذكرهم الكتاب ما عملوا، فكأنه ينطق عليهم، دليله قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [١٤]: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ لذا يقولون ما حكى الله عنهم في سورة (الكهف) رقم [٤٩]: ﴿وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾. قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: كيف أضيف الكتاب إليهم، وإلى الله ؟ قلت: الإضافة تكون للملابسة، وقد لابسهم، ولابسه، أما ملابسته إياهم؛ فلأن أعمالهم مثبتة فيه، وأما ملابسته إياه؛ فلأنه مالكه، والآمر ملائكته أن يكتبوا فيه أعمال عباده. ﴿إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ..﴾. إلخ: أي: نأمر بنسخ ما كنتم تعملون. قال علي-كرّم الله وجهه-: إن لله ملائكة ينزلون كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم. وقال ابن عباس-﵄: إن الله وكّل ملائكة مطهرين، فينسخون من أم الكتاب في رمضان كل يوم ما يكون من أعمال بني آدم، فيعارضون حفظة الله على العبّاد كل خميس، فيجدون ما جاء به الحفظة من أعمال العباد موافقا لما في كتابهم الذي استنسخوه من ذلك الكتاب، لا زيادة فيه، ولا نقصان. قال ابن عباس-﵄: وهل يكون النسخ إلاّ

стр. 5888

من كتاب؟ وقال الحسن البصري: نستنسخ ما كتبته الحفظة على بني آدم؛ لأنّ الحفظة ترفع إلى الخزنة صحائف الأعمال. انتهى. قرطبي بتصرف. ولا تنس: أنّ معنى الفعل: نثبت، ونحفظ. الإعراب: ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محلّ له. ﴿كِتابُنا:﴾ خبر المبتدأ. و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿يَنْطِقُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿كِتابُنا﴾. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿يَنْطِقُ﴾ المستتر، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿كِتابُنا،﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة؛ لما فيه من معنى الفعل. هذا؛ ويجوز أن تكون الجملة في محل رفع خبر ثان، وأن يكون ﴿كِتابُنا﴾ بدلا من اسم الإشارة، وجملة: ﴿يَنْطِقُ..﴾. إلخ خبرا وحده. انتهى. جمل نقلا عن السمين. أقول: والأول أقوى، دليله قوله تعالى حكاية عن قول سارة: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخاً،﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً﴾. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمها. ﴿نَسْتَنْسِخُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل نصب خبر «كان»، وجملة: ﴿كُنّا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ تعليل لما قبلها. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو شيئا كنتم تعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: نستنسخ عملكم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص، والتاء اسمه، وجملة: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبره. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠)﴾ الشرح: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ: هذا تفصيل للمجمل المفهوم من قوله تعالى: ﴿يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾. ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي: الأعمال الصالحات، وهو احتراس بأن الإيمان بدون عمل صالح قد لا يجدي، ولا يغني صاحبه شيئا، وقد ذكرته مرارا. وانظر العكس في سورة (غافر) رقم [٤٠]. ﴿فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ:﴾ انظر الآية [٧٠] من سورة (الزخرف). ﴿فِي رَحْمَتِهِ:﴾ التي من جملتها الجنة، وهو قول البيضاوي، وفسرها الزمخشري، والقرطبي بالجنة نفسها، وهذه الجملة مقولة لمحذوف. ﴿ذلِكَ﴾ أي: الدخول في رحمة الله. ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ أي: النجاح العظيم، والربح الكبير؛ لخلوصه من المتاعب، والأكدار، والهموم، والأحزان. هذا؛ وفي

стр. 5889

قوله: ﴿فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾ مجاز مرسل، علاقته الحالية؛ أي: جنته؛ لأنّ الرحمة لا يحل فيها الإنسان؛ لأنها معنى من المعاني، وإنما يحل في مكانها، فاستعمال الرحمة مجاز أطلق فيه الحال، وأريد المحل. الإعراب: ﴿فَأَمَّا:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (أما): أداة شرط، وتفصيل، وتوكيد. أما كونها أداة شرط؛ فلأنها قائمة مقام الشرط وفعله، بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل: مهما يك من شيء فأما الذين... إلخ، فأنيبت (أمّا) مناب: «مهما يك من شيء» فصار: أما الذين آمنوا... إلخ، وأما كونها أداة تفصيل؛ فلأنها في الغالب مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله، ويعلم ذلك من تتبع مواقعها، وأما كونها أداة توكيد، فلأنها تحقق الجواب، وتفيد: أنه واقع لا محالة؛ لأنها علقته على أمر متيقن. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محلّ لها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿فَيُدْخِلُهُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (أما). (يدخلهم): مضارع، والهاء مفعول به. ﴿رَبُّهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِي رَحْمَتِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: (يدخلهم...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها مستأنفة، ومفرعة عما قبلها، لا محل لها. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ ثان. ﴿الْفَوْزُ:﴾ خبره. ﴿الْمُبِينُ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير فصلا ف: ﴿الْفَوْزُ﴾ خبر ﴿ذلِكَ،﴾ وعلى الوجهين فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ (٣١)﴾ الشرح: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ معطوف على ما قبله، فهو من باب المقابلة بين الفريقين: فريق الإيمان والمؤمنين، وفريق الكفر والكافرين. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٤] من سورة (الزخرف) وإنك لتجد مثل هذه المقابلة، وبنصها في سورة (آل عمران) رقم [٥٦] و [٥٧] وفي سورة (النساء) رقم [١٧٣]. ﴿أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي..﴾. إلخ: أي: فيقال لهم: ألم تأتكم رسلي، فلم تكن آياتي تتلى عليكم، فحذف القول والمعطوف عليه اكتفاء بالمقصود، واستغناء بالقرينة. انتهى. بيضاوي وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥١] من سورة (الزخرف) في شرح: (أفلا). ﴿فَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ أي: عن الإيمان بالله، ورسوله، وآياته. ﴿وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ﴾ أي: كافرين، منكرين،

стр. 5890

عادتكم الإجرام. وانظر التعبير عن الكافرين بالمجرمين في الآية رقم [٧٤] من سورة (الزخرف). الإعراب: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ انظر الآية السابقة فالإعراب لا يتغير. ﴿أَفَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. الفاء: حرف عطف على محذوف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لم). ﴿آياتِي:﴾ اسم ﴿تَكُنْ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿تُتْلى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿آياتِي،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿تَكُنْ﴾. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: (لم تكن...) إلخ معطوفة على جملة محذوفة مع القول المحذوف. انظر الشرح. وجملة: «يقال لهم...» إلخ المقدرة في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو: ﴿الَّذِينَ،﴾ والجملة الاسمية هذه معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة، لا محلّ لها مثلها. ﴿فَاسْتَكْبَرْتُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (استكبرتم): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها. ﴿وَكُنْتُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (كنتم): فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿قَوْماً:﴾ خبر (كان). ﴿مُجْرِمِينَ:﴾ صفة: ﴿قَوْماً،﴾ وهي صفة موطئة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَالسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ﴾ أي: بالبعث، والحساب، والجزاء يوم القيامة. ﴿حَقٌّ:﴾ ثابت وواقع لا محالة. ﴿وَالسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها:﴾ لا شك في وقوع الساعة؛ أي: يوم القيامة. ﴿قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السّاعَةُ﴾ أي: أي شيء الساعة؟! استغرابا لها. والمعنى: أنكرتم وجودها، ووقوعها، والخطاب لكفار قريش كما هو ظاهر. ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلاّ ظَنًّا﴾ أي: لا نعلم ذلك إلاّ حدسا، وتوهما. ومعناه: إثبات الظن فحسب، فأدخل حرف النفي، والاستثناء؛ ليفاد إثبات الظن مع نفي ما سواه، وزيد نفي ما سوى الظن توكيدا بقوله: ﴿وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أي: بمتحققين، ومتأكدين؛ أي: من إمكانه، ووقوعه. ولعل ذلك قول بعضهم، تحيروا بين ما سمعوا من آبائهم، وما تليت عليهم من الآيات في أمر الساعة، فكانوا في شك، وريب، وحيرة فما كانوا ليهتدوا سبيلا. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ و ﴿قِيلَ:﴾ أصله: قول بضم القاف، وكسر الواو، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها، بعد سلب حركتها فصار: (قول) بكسر القاف، وسكون الواو، ثم قلبت الواو ياء؛ لوقوعها ساكنة بعد كسرة، فصار ﴿قِيلَ﴾.

стр. 5891

الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٢٥]. ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿وَعْدَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿حَقٌّ:﴾ خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل رفع نائب فاعل: ﴿قِيلَ﴾. أفاده ابن هشام في مغنيه، وهذا يكون جاريا على القاعدة العامة: «يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه» وهذا لا غبار عليه، وقد ذكرت لك فيما مضى مرارا: أنّ بعضهم يعتبر نائب الفاعل ضميرا مستترا، تقديره: «هو» يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف، يدلّ عليه المقام؛ أي: وقيل قول، وبعضهم يعتبر الجار والمجرور (لهم) المقدر هنا، والمذكور في غير هذه الآية في محل رفع نائب فاعل، والمعتمد الأول، وأيده ابن هشام في المغني حيث قال: إنّ الجملة التي يراد بها لفظها يحكم لها بحكم المفردات؛ ولهذا تقع مبتدأ، نحو «لا حول ولا قوة إلاّ بالله كنز من كنوز الجنة». ونحو: «زعموا مطيّة الكذب»، وجملة: ﴿قِيلَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿وَالسّاعَةُ:﴾ الواو: حرف عطف. (الساعة): يقرأ بالنصب عطفا على: ﴿وَعْدَ اللهِ،﴾ ويقرأ بالرفع، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: الابتداء، وما بعدها من الجملة المنفية خبرها. الثاني: العطف على محل اسم ﴿إِنَّ؛﴾ لأنه قبل دخولها مرفوع بالابتداء. الثالث: أنه عطف على محل ﴿إِنَّ﴾ واسمها معا؛ لأن بعضهم كالفارسي، والزمخشري يرون: أن ل: ﴿إِنَّ﴾ واسمها موضعا، وهو الرفع بالابتداء. انتهى. جمل نقلا عن السمين. ﴿لا رَيْبَ فِيها﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٢٦] وهي في محل رفع خبر (الساعة) على رفعها، ويكون العطف عطف جملة اسمية على مثلها، وهي معطوفة على كلمة: ﴿حَقٌّ﴾ على نصب «الساعة»، على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿قُلْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب (إذا)، لا محلّ لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. وقيل: معطوف على ما قبله؛ لأنه من جملة ما يقال لهم، ولا بأس به. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿نَدْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو خبر مقدم. ﴿السّاعَةُ:﴾ خبر المبتدأ، أو مبتدأ مؤخر. والجملة الاسمية في محل نصب سدّت مسدّ مفعولي: ﴿نَدْرِي،﴾ والجملة الفعلية هذه في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿نَظُنُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: «نحن». ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ظَنًّا:﴾ مفعول مطلق، قال الفارسي، التقدير: إن نحن إلاّ نظن ظنا؛ لأن الاستثناء المفرغ لا يكون في المفعول المطلق التوكيدي، لعدم الفائدة فيه، قال ابن هشام في الرد عليه: وأجيب بأن المصدر في الآية نوعي، على حذف الصفة؛ أي: إلاّ ظنا ضعيفا. انظر الشاهد رقم [٥٤٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». هذا؛ وعلى تقدير الفارسي؛ فالجملة

стр. 5892

الفعلية في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، رأيت تقديره. وعلى كل فالجملة في محل نصب مقول القول. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع اسم (ما). ﴿بِمُسْتَيْقِنِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (مستيقنين): خبر (ما)، مجرور لفظا، منصوب محلا، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل ﴿نَظُنُّ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٣)﴾ الشرح: ﴿وَبَدا لَهُمْ..﴾. إلخ: أي: وظهر للكافرين، والمجرمين، والفاسدين المفسدين في ذلك اليوم العظيم شأنه، الطويل زمانه، القريب أوانه-وهو يوم القيامة-مساوئ أعمالهم من الشرك، والظلم، والطغيان، والإفساد، والفساد، والاعتداء على حقوق العباد، أو ظهر لهم عقاب ما ذكر، وجزاؤه؛ حيث عاينوه بأعينهم. ﴿وَحاقَ بِهِمْ..﴾. إلخ: أي: أحاط بهم العذاب، ونزل بهم من كل الجهات جزاء ما كانوا به يستهزئون. هذا؛ والتعبير بالماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق الوقوع، والمبالغة في التهديد، والوعيد. هذا؛ ومثل الآية في نصها ومغزاها رقم [٤٨] من سورة (الزمر). الإعراب: ﴿وَبَدا:﴾ الواو: حرف استئناف. (بدا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿سَيِّئاتُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و ﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: سيئات الذي، أو شيء عملوه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: وحاق بهم استهزاؤهم. هذا؛ والجار والمجرور ﴿بِهِ﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، وتفصيل الإعراب لا يخفى عليك بعد هذا، وجملة: ﴿وَحاقَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٤)﴾ الشرح: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ﴾ أي: نترككم في العذاب، ونعاملكم معاملة الناسي لكم في نار جهنم. ﴿كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ أي: كما تركتم عدته، ولم تبالوا به، فلم تعملوا له؛ لأنكم لم تصدقوا به. ﴿وَمَأْواكُمُ النّارُ:﴾ مقركم، وملجأكم النار. ﴿وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ:﴾ يمنعونكم، ويخلصونكم من العذاب. وقد ثبت في الحديث الصحيح: أنّ الله ﵎ يقول لبعض بني آدم يوم القيامة: «ألم أزوّجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أسخّر لك الخيل، والإبل، وأذرك ترأس،

стр. 5893

وتربع؟! فيقول: بلى يا ربّ، فيقول: أفظننت أنك ملاقيّ؟ فيقول: لا! فيقول الله تعالى: فاليوم أنساك كما نسيتني!». هذا؛ وقوله تعالى: ﴿نَنْساكُمْ﴾ معناه: نعاملكم معاملة الناسي لكم في نار جهنم. معناه: جازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه، ورحمته، فخرج على مزاوجة الكلام، فهو كقوله تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ رقم [٤٠] من سورة (الشورى)، وقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٩٤]: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٣٠]: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ ومثل هذا يسمى في فن البديع: مشاكلة، وهو يخرج على الاستعارة أيضا بتشبيههم بالأمر المنسي؛ حيث مثل تركهم في العذاب بمن حبس في مكان، ثم نسيه السجان من الطعام، والشراب؛ حتى هلك، وذلك بطريق الاستعارة التمثيلية. الإعراب: ﴿وَقِيلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قيل): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما بعده. ﴿نَنْساكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع نائب فاعل: (قيل). وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٢]. والجملة الفعلية: ﴿وَقِيلَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿نَسِيتُمْ:﴾ فعل ماض، وفاعله، و (ما) والفعل (نسي) في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، التقدير: ننساكم نسيانا كائنا مثل نسيانكم لقاء يومكم. وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم. وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأنّ حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلاّ في مواضع محصورة، وليس هذا منها. ﴿لِقاءَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿يَوْمِكُمْ:﴾ مضاف إليه، فيه توسع في الظرف حيث أضيف إليه ما هو واقع فيه على حد قوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ رقم [٣٣] فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به، وإضافة (مكر) و ﴿لِقاءَ﴾ إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر صفة: ﴿يَوْمِكُمْ،﴾ وبعضهم يعتبره بدلا منه، والأول أقوى، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿وَمَأْواكُمُ:﴾ الواو: واو الحال. (مأواكم): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿النّارُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والميم. والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة.

стр. 5894

﴿ناصِرِينَ:﴾ مبتدأ مؤخر، مجرور لفظا، مرفوع محلا، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اِتَّخَذْتُمْ آياتِ اللهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥)﴾ الشرح: ﴿ذلِكُمْ﴾ أي: العذاب، أو الجزاء الذي لقيتموه. ﴿بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ..﴾. إلخ: بسبب أنكم اتخذتم آيات الله هزوا، وسخرية، ولعبا. ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا:﴾ بزينتها، وزخرفها، وغرتكم أموالكم، وجاهكم، ومناصبكم في هذه الدنيا. ﴿فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها﴾ أي: من جهنم، فالفعل يقرأ بالبناء للمجهول من الرباعي المتعدي، ويقرأ بالبناء للمعلوم من الثلاثي اللازم. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: فالبناء للمعلوم لقوله تعالى في سورة (السجدة) رقم [٢٠]: ﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها،﴾ والبناء للمجهول لقوله تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [١٠٧]: ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ﴾. ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: لا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم؛ أي: يرضوه بالعتبى لفوات أوانه، وقد دعوا إليه في الدنيا؛ حيث ندبهم الله في كثير من الآيات إلى التوبة، والطاعة، وحثّهم في كثير من الآيات على الإنابة، والاستغفار، والإيمان به. من قولهم: استعتبني فلان، فأعتبته؛ أي: استرضاني، فأرضيته. وجملة القول: لا يقال لهم يوم القيامة: ارضوا ربكم بتوبة، وطاعة. ومثله في سورة (فصلت) رقم [٢٤]: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (النحل) رقم [٨٤]: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ،﴾ وقوله جلّ ثناؤه في سورة (الروم) رقم [٥٧]: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾. هذا؛ والاستعتاب: طلب العتاب. والمعتبة: هي الغلظة، والموجدة التي يجدها الإنسان في نفسه على غيره، والرجل إنما يطلب العتاب من خصمه ليزيل ما في نفسه عليه من الموجدة، والغضب، ويرجع إلى الرضا عنه، وإذا لم يطلب من خصمه العتاب؛ دلّ ذلك على أنه ثابت على غضبه عليه، قال النابغة الذبياني يعتذر إلى النعمان بن المنذر مما وشي إليه عنه: [الطويل] فإن كنت مظلوما فعبدا ظلمته... وإن كنت ذا عتبى فمثلك يعتب هذا؛ وقال جلّ شأنه في سورة (المرسلات): ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ وفي «المصباح المنير»: عتب عليه عتبا من باب: ضرب، وقتل، ومعتبا أيضا: لامه في سخط، فهو عاتب، وعتّاب مبالغة، وبه سمّي، ومنه: عتاب بن أسيد الصحابي-﵁. وعاتبه معاتبة، وعتابا. قال الخليل-رحمه الله تعالى-: حقيقة العتاب مخاطبة الإدلال، ومذاكرة

стр. 5895

الموجدة. وأعتبني الهمزة للسلب؛ أي: أزال الشكوى، والعتاب، واستعتب: طلب الإعتاب، والعتبى: الاسم من الإعتاب. انتهى. جمل من سورة (الروم). وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁-أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا يتمنّ أحدكم الموت، إمّا محسنا؛ فلعلّه يزداد، وإمّا مسيئا؛ فلعلّه يستعتب». رواه البخاري، ومسلم. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جعلوا غير مستعتبين في بعض الآيات، وغير معتبين في بعضها؟ قلت: أما كونهم غير مستعتبين؛ فهذا معناه. أي: ما تقدم. وأما كونهم غير معتبين؛ فمعناه: أنهم غير راضين بما هم فيه؛ أي: يسألونه إزالة ما هم فيه، فما هم من المجابين إلى إزالته. انتهى. هذا؛ وفي قوله: ﴿لا يُخْرَجُونَ..﴾. إلخ التفات من الخطاب في أول الآية إلى الغيبة في آخرها. انظر الالتفات في الآية رقم [١١] من سورة (الزخرف). الإعراب: ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿بِأَنَّكُمُ:﴾ الباء: حرف جر. (أنكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿اِتَّخَذْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿آياتِ:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿هُزُواً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَغَرَّتْكُمُ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والكاف مفعول به. ﴿الْحَياةُ:﴾ فاعله. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة: ﴿الْحَياةُ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿فَالْيَوْمَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل: الفصيحة، ولا وجه له قطعا. (اليوم): ظرف زمان متعلق بما بعده. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُخْرَجُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعل، أو نائب فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، ويقال: صلة لتأكيد النفي. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يُسْتَعْتَبُونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية لا محلّ لها مثلها. ﴿فَلِلّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٦)﴾ الشرح: ﴿فَلِلّهِ الْحَمْدُ:﴾ قال الزمخشري: فاحمدوا الله الذي هو ربكم ورب كل شيء في السموات، والأرض، والعالمين؛ فإن مثل هذه الربوبية العامة يوجب الحمد، والثناء على كل مربوب. انتهى.

стр. 5896

هذا؛ والحمد في اللغة: الثناء بالكلام على الجميل الاختياري على جهة التبجيل، والتعظيم، سواء أكان في مقابلة نعمة أم لا؟ فالأول كمن يحسن إليك، والثاني كمن يجيد صلاته. وهو في اصطلاح علماء التوحيد: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث منعما على الحامد، أو غيره، سواء أكان ذلك قولا باللسان، أو اعتقادا بالجنان، أو عملا بالأركان؛ التي هي الأعضاء، كما قال القائل: [الطويل] أفادتكم النّعماء مني ثلاثة... يدي ولساني والضمير المحجّبا ومما هو جدير بالذكر: أنّ معنى الشكر في اللغة هو معنى الحمد في الاصطلاح، وأما معنى الشكر في الاصطلاح؛ فهو صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله. هذا؛ وقد حثنا النبي ﷺ على حمد الله باللسان، والإكثار منه، ورغبنا فيه، وذكر لنا أحاديث ترغبنا فيه، وصيغا مفضلة على غيرها لما فيها من المعاني القوية، وخذ نبذة من ذلك، فعن عبد الله بن عمر ﵄: أنّ رسول الله ﷺ حدّثهم: «أنّ عبدا من عباد الله قال: يا ربّ لك الحمد، كما ينبغي لجلال وجهك، ولعظيم سلطانك، فعضّلت بالملكين، فلم يدريا كيف يكتبانها؟ فصعدا إلى السماء، فقالا: يا ربّنا إنّ عبدك قد قال مقالة، لا ندري كيف نكتبها؟ قال الله-وهو أعلم بما قال عبده-: ماذا قال عبدي؟ قالا: يا ربّ إنه قال: يا ربّ لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، ولعظيم سلطانك. فقال الله لهما: اكتباها كما قال عبدي؛ حتّى يلقاني، فأجزيه بها». رواه أحمد، وابن ماجه. وعن أبي أيوب-﵁-قال: قال رجل عند رسول الله ﷺ : الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، فقال رسول الله ﷺ : «من صاحب الكلمة؟». فسكت الرجل، وظنّ: أنه قد هجم من رسول الله ﷺ على شيء يكرهه، فقال رسول الله ﷺ : «من هو؟ فإنه لم يقل إلاّ صوابا!». فقال الرجل: أنا قلتها يا رسول الله أرجو بها الخير! فقال: «والّذي نفسي بيده لقد رأيت ثلاثة عشر ملكا يبتدرون كلمتك، أيّهم يرفعها إلى الله تعالى!». رواه الطبراني، والبيهقي. هذا؛ والرب يطلق ويراد به السيد، والمالك، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول يوسف ﵇: ﴿اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ..﴾. إلخ، وقوله أيضا: ﴿أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً..﴾. إلخ. وقال الأعشى: [الكامل] ربّي كريم لا يكدّر نعمة... وإذا تنوشد في المهارق أنشدا كما يقال: رب الدار، ورب الأسرة؛ أي: مالكها، ومتولي شؤونها، كما يراد به المربي، والمصلح. يقال: ربّ فلان الضيعة، يربّها إذا أصلحها. والله مالك العالمين، ومربيهم، وموصلهم إلى كمالهم شيئا فشيئا، بجعل النطفة علقة، ثم بجعل العلقة مضغة، ثم

стр. 5897

بجعل المضغة عظما، ثم يكسو العظام لحما، ثم يصوره، ويجعل فيه الروح، ثم يخرجه خلقا آخر، وهو صغير ضعيف، فلا يزال ينميه، وينشيه حتى يجعله رجلا، أو امرأة كاملين. هذا؛ ولا يطلق الرب على غير الله تعالى إلاّ مقيدا بالإضافة، مثل قولك: رب الدار، ورب الناقة، ونحو ذلك. والربّ المعبود بحق، والمراد منه: الله تعالى عند الإطلاق، ولا يجمع إذا كان بهذا المعنى، ويجمع إذا كان معبودا بالباطل، قال تعالى حكاية عن قول يوسف ﵇ لصاحبي السجن: ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ كما يجمع إذا كان بأحد المعاني السابقة، قال الشاعر: [الطويل] هنيئا لأرباب البيوت بيوتهم... وللآكلين التّمر مخمس مخمسا وهو اسم فاعل بجميع معانيه، أصله: رابب، ثم خفف بحذف الألف، وإدغام أحد المثلين في الآخر. وانظر شرح ﴿الْعالَمِينَ﴾ في الآية رقم [٤٦] من سورة (الزخرف). الإعراب: ﴿فَلِلّهِ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لله): متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿رَبِّ:﴾ بدل، أو عطف بيان، أو صفة لفظ الجلالة. انتهى. سمين. و ﴿رَبِّ﴾ مضاف، و ﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وما بعده معطوف عليه، وإعرابه مثله بلا فارق. هذا؛ وقال القرطبي: قرأ مجاهد، وحميد، وابن محيصن بالرفع فيها كلها على معنى: هو رب. انتهى. وهي قراءة شاذة فوق السبعة لم يقل بها غير القرطبي. ﴿وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ الشرح: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِياءُ﴾ أي: العظمة، والجلال، والبقاء، والسلطان، والقدرة، والكمال. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ:﴾ القوي القاهر؛ الذي لا يغلب. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ فيما قدر، وقضى، فاحمدوه، وكبروه، وأطيعوا له. وخذ ما يلي: فعن أبي سعيد، وأبي هريرة-﵄-قالا: قال رسول الله ﷺ : «العزّ إزاره، والكبرياء رداؤه»، قال الله تعالى: «فمن ينازعني عذّبته». أخرجه مسلم بهذا اللفظ، وأخرجه البرقاني وأبو مسعود-﵄-يقول الله : «العزّ إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني شيئا منهما؛ عذّبت». ولأبي داود عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله تعالى: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني في واحد منهما؛ قذفته في النار». شرح غريب ألفاظ الحديث: قيل هذا الكلام خرج على ما تعتاده العرب في بديع استعاراتهم، وذلك: أنهم يكنون عن الصفة اللازمة بالثياب، يقولون: شعار فلان الزهد، ولباسه

стр. 5898

التقوى، فضرب الله الإزار، والرداء؛ مثلا له في انفراده بصفات الكبرياء، والعظمة، والمعنى: أنهما ليسا كسائر الصفات؛ التي يتصف بها بعض المخلوقين مجازا، كالرحمة، والكرم، وغيرهما، وشبههما بالإزار، والرداء؛ لأنّ المتصف بهما يشملانه، كما يشمل الرداء الإنسان، ولأنه لا يشاركه في إزاره، وردائه أحد؛ فكذلك الله تعالى، لا ينبغي أن يشاركه أحد؛ لأنهما من صفاته اللازمة له، المختصة به؛ التي لا تليق لغيره، والله أعلم. انتهى. خازن بحروفه. وانظر تحريم الكبر على المخلوقين في الآية رقم [٦٠] من سورة (الزمر)، ورقم [٨٥] من سورة (ص). الإعراب: ﴿وَلَهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (له): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْكِبْرِياءُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْكِبْرِياءُ﴾ والذين لا يجيزون مجيء الحال من المبتدأ يعتبرون الحال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. انظر الشاهد رقم [١٣٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِياءُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. لا محل لها مثلها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف عطف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ:﴾ خبران للمبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها أيضا. تأمل، وتدبّر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم. انتهت سورة (الجاثية) شرحا وإعرابا، والله الموفق والمعين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 5899

سورة الأحقاف بسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (الأحقاف) وهي مكية بالإجماع، وقال الخازن: قيل: غير قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ..﴾. إلخ رقم [١٠]، وقيل: وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ..﴾. إلخ رقم [٣٥] فإنهما نزلتا بالمدينة. وهي خمس وثلاثون آية، وستمئة وأربع وأربعون كلمة، وألفان وخمسمئة، وخمسة وتسعون حرفا. انتهى. خازن. وسميت سورة (الأحقاف)؛ لأنها مساكن قوم عاد؛ الذين أهلكهم الله بطغيانهم، وجبروتهم، وكانت مساكنهم بالأحقاف من أرض اليمن، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ﴾ الاية رقم [٢١]. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ الشرح: ﴿*حم:﴾ انظر شرحه في أول سورة (غافر) ففيه الكفاية. قال ابن كثير-رحمه الله تعالى-: يخبر الله تعالى أن تنزيل هذا الكتاب، وهو القرآن العظيم من عنده ﵎، فهو الحق الذي لا مرية فيه، ولا شك، كما قال في سورة (الشعراء): ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ وقال جلّ شأنه: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ وقال هاهنا: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ﴾ أي: المنيع الجناب، ﴿الْحَكِيمِ﴾ أي: في أقواله، وأفعاله، وشرعه، وقدره. انتهى. هذا؛ و ﴿الْعَزِيزِ﴾ يفسر ب: الغالب القوي القاهر؛ الذي لا يغلب، و ﴿الْحَكِيمِ﴾ يفسر ب: الذي يفعل كل شيء بحكمة، وتقدير، وتدبير. أما ﴿الْكِتابِ﴾ فهو في اللغة: الضم، والجمع، وسميت الجماعة من الجيش: كتيبة؛ لاجتماع أفرادها على رأي واحد، وخطة واحدة، كما سمي الكاتب كاتبا؛ لأنه يضم الكلام بعضه إلى بعض، ويجمعه، ويرتبه، وفي الاصطلاح: اسم لجملة مختصة من العلم، مشتملة على أبواب وفصول، ومسائل غالبا، ورحم الله من يقول: [الطويل] لنا جلساء ما يملّ حديثهم... ألبّاء مأمونون غيبا ومشهدا يفيدوننا من علمهم علم ما مضى... وعقلا وتأديبا ورأيا مسدّدا فإن قلت أحياء فما أنت كاذب... وإن قلت أموات فلست مفنّدا

стр. 5900

وإني أتمثّل بقول الاخر: [الخفيف] ما تطعّمت لذّة العيش حتّى... صرت للبيت والكتاب جليسا ليس عندي شيء ألذّ من ال... علم فلم أبتغ سواه أنيسا إنّما الذّلّ في مخالطة النا... س فدعهم وعش عزيرا رئيسا ورحم الله من يقول: وقائلة أتلفت في الكتب ما حوت... يمينك من مال فقلت دعيني لعلّي أرى فيها كتابا يدلّني... لأخذ كتابي في غد بيميني ورحم الله من يقول: [الوافر] كتابي فيه بستاني وروحي... وفيه سمير نفسي والنديم يسالمني وكلّ الناس حرب... ويسليني إذا عرت الهموم ويحيي لي تصفّح صفحتيه... كرام الناس إن فقد الكريم إذا اعوجّت عليّ طريق قومي... فلي فيه طريق مستقيم وبالجملة: فالكتاب هو نعم الذخر، والعدة، والشغل، والحرفة، جليس لا يضرك، ورفيق لا يملّك، يطيعك بالليل طاعته بالنهار، ويطيعك في السفر طاعته في الحضر، إن ألفته؛ خلّد على الأيام ذكرك. وإن درسته؛ رفع بين الخلائق قدرك. الإعراب: ﴿*حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ..﴾. إلخ: انظر سورة (غافر) فالإعراب واحد لا يتغير في الايتين. ﴿ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣)﴾ الشرح: ﴿ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ أي: إلا خلقا ملتبسا بالحق، وهو ما تقتضيه الحكمة، والمعدلة، وفيه دلالة على وجود الصانع الحكيم، وفيه دلالة على البعث، والحساب، والمجازاة. قال تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [١٦]: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ وأيضا رقم [٣٨] من سورة (الدخان)، وقال تعالى في سورة (ص) رقم [٢٧]: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً﴾ انظر شرح الايات في محالها، وهي مذكورة بحروفها في سورة (الحجر) رقم [٨٥] وانظر شرح: ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ في الاية رقم [٩] من سورة (الزخرف)

стр. 5901

وشرح: ﴿وَما بَيْنَهُما﴾ في الاية رقم [٧] من سورة (الدخان). ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى:﴾ يعني يوم القيامة في قول ابن عباس، وغيره، وهو الأجل الذي تنتهي إليه السموات، والأرض. وقيل: إنه هو الأجل المقدور لكل مخلوق. انتهى. قرطبي. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بالله، وكتابه، ورسوله. ﴿عَمّا أُنْذِرُوا﴾ أي: خوفوا به في القرآن من البعث، والحساب، والجزاء. ﴿مُعْرِضُونَ:﴾ لا يتفكرون فيه، ولا يستعدون لحلوله ووقوعه. الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿خَلَقْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم، والجملة مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على ما قبله. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و (ها): في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة لموصوف محذوف يقع مفعولا مطلقا، التقدير: إلاّ خلقا ملتبسا بالحق. ﴿وَأَجَلٍ:﴾ معطوف على (الحق). ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة: (أجل) مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُعْرِضُونَ﴾ بعدهما، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: عن الذي، أو: عن شيء أنذروه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن) التقدير: عن إنذارهم. ﴿مُعْرِضُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤)﴾ الشرح: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ أي: أخبروني، والخطاب للنبي ﷺ . ﴿ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: ما تعبدون من دون الله، أي: الأصنام. ﴿ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: أيّ شيء خلقوا في الأرض؛ إن كانوا آلهة؟ ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ﴾ أي: شركة مع الله في خلق السموات، والأرض. والمعنى: أخبروني عن حال آلهتكم بعد التأمل فيها، هل يعقل أن يكون لها مدخل في أنفسها، أو في خلق شيء من أجزاء العالم، فتستحق به العبادة، والتعظيم، والتقديس؟ وتخصيص الشرك بالسموات احتراز عما يتوهم: أن للوسائط شركة في إيجاد الحوادث السفلية. انتهى. بيضاوي بتصرف.

стр. 5902

﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا﴾ أي: من قبل هذا الكتاب، يعني: القرآن، فإنه ناطق بالتوحيد. هذا؛ و ﴿اِئْتُونِي﴾ أمر من: أتى، يأتي، والأمر بهمزتين: همزة الوصل التي يتوصل بها إلى النطق بالساكن والثانية هي فاء الفعل، ولا يجتمع همزتان، فإذا ابتدأت الكلام قلت: إيت بإبدال الثانية ياء لكسر ما قبلها، فإذا وصلت الكلام زالت العلة في الجمع بين همزتين، فتحذف همزة الوصل، وتعود الهمزة الأصلية، فتقول: إئت، ومثل ذلك قل في إعلال: أذن، يأذن، إئذن. ﴿أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ:﴾ أو بقية من علم بقيت عليكم من علوم الأولين؛ هل فيها ما يدلّ على استحقاق الأصنام العبادة، أو الأمر به؟ أو هل لله شريك في السموات؟ أو هل هذه الأصنام تقربكم إلى الله زلفى، كما تزعمون، وتدعون؟ هذا؛ ويقرأ: «(أثرة)» وبقراآت مختلفة. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَرَأَيْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. (رأيتم): فعل وفاعل. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول، والجملة بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: الذي تدعونه. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، و ﴿دُونِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَرُونِي:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول. ﴿ماذا:﴾ (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، و (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة: ﴿خَلَقُوا:﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: ما الذي خلقوه. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿ماذا﴾ اسما مركبا ففيه وجهان: اعتباره مبتدأ، وجملة: ﴿خَلَقُوا:﴾ خبره، والرابط محذوف، كما رأيت، واعتباره مفعولا مقدما للفعل ﴿خَلَقُوا،﴾ وهذا الوجه أقوى على جميع الاعتبارات. بقي أن تعرف أن جملة: ﴿أَرُونِي﴾ يجوز فيها وجهان: الأول: اعتبارها تأكيدا ل: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ لأنها بمعنى: أخبروني، وعلى هذا يكون المفعول الثاني ل: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ هو جملة: ﴿ماذا خَلَقُوا﴾. والوجه الثاني: أن لا تكون مؤكدة لها، وعلى هذا تكون المسألة من باب التنازع؛ لأن ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ يطلب ثانيا، و ﴿أَرُونِي﴾ كذلك، وقوله: ﴿ماذا خَلَقُوا﴾ هو المتنازع فيه، وتكون المسألة من إعمال الثاني، والحذف من الأول. هذا؛ وجوز ابن عطية في ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أن لا يتعدى إلى اثنين، حيث قال: و ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ لفظ موضوع للسؤال، والاستفهام لا يقتضي مفعولا ثانيا، وجعل ﴿ما تَدْعُونَ﴾ استفهاما، معناه التوبيخ، قال: و ﴿تَدْعُونَ﴾ معناه: تعبدون. قلت: وهذا رأي الأخفش، وقد قال بذلك في قوله تعالى: ﴿قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ..﴾. إلخ الاية رقم [٦٣] من سورة (الكهف). انتهى. جمل نقلا عن السمين. وقد تصرفت فيه بعض التصرف. ﴿مِنَ الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في: ﴿ماذا﴾. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف بمعنى همزة الإنكار، وبل الإضرابية، فهي منقطعة. ﴿لَهُمْ:﴾

стр. 5903

متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿شِرْكٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿شِرْكٌ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. ﴿اِئْتُونِي:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿بِكِتابٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة «كتاب»، و ﴿قَبْلِ﴾ مضاف، و ﴿هذا﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والهاء حرف تنبيه لا محلّ له. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَثارَةٍ:﴾ معطوف على «كتاب». ﴿مِنْ عِلْمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَثارَةٍ﴾. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبر: (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه. هذا؛ والاية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (٥)﴾ الشرح: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ أي: لا أحد أضل، وأجهل. ﴿مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ..﴾. إلخ: قال البيضاوي: إنكار أن يكون أحد أضل من المشركين؛ حيث تركوا عبادة السميع المجيب القادر الخبير إلى عبادة من لا يستجيب لهم لو سمع دعاءهم فضلا أن يعلم سرائرهم، ويراعي مصالحهم. ﴿إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ:﴾ إلى انتهاء الدنيا، وقيام الساعة، وهو اليوم الذي يحاسب الله الناس فيه على أعمالهم. ﴿وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ:﴾ لا يستجيبون لهم؛ لأنهم إما جمادات، وإما عباد مسخرون مشتغلون بأحوالهم. هذا؛ وقد روعي لفظ (من) برجوع الفاعل إليها، ومعناها بجمع الضمير بقوله: ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ. هذا؛ ووصفهم بترك الاستجابة، والغفلة طريقه طريق التهكم بها، وبعبدتها. ونحوه قوله تعالى في سورة (فاطر) رقم [١٤]: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ انتهى. كشاف، وانظر تبرؤ إبليس من أتباعه في سورة (إبراهيم)، وسورة (ق) إن كنت من أهل القرآن. هذا؛ وإنما جمع الأصنام، والمعبودات الباطلة جمع المذكر السالم؛ لأن الكفار كانوا يخاطبونها مخاطبة العقلاء، فنزلت منزلتهم في الكلام، وهذا كثير في القرآن، وقد ذكرته في محاله مرارا. والعرب تجمع ما لا يعقل جمع من يعقل؛ إذا عاملوه معاملته، وأنزلوه منزلته، وإن كان خارجا عن الأصل، كما يستعمل له «من» التي هي للعاقل؛ لما ذكر من السبب، قال تعالى في سورة (الزمر) رقم [٤٣]: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ﴾ وهو كثير في الشعر العربي.

стр. 5904

الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَضَلُّ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِمَّنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَضَلُّ﴾ قبلهما. ﴿يَدْعُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، والفاعل يعود إلى (من)، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وهو ضعيف. و ﴿دُونِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿مَنْ:﴾ مفعول به ل: ﴿يَدْعُوا،﴾ وجملة: ﴿لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ صلة ﴿مَنْ﴾ والعائد: رجوع الفاعل إليها، ﴿إِلى يَوْمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال. وهو ضعيف، و ﴿يَوْمِ﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَنْ دُعائِهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿غافِلُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية: (هم...) إلخ في محل نصب حال من ﴿مَنْ﴾ الأولى أو الثانية، والرابط: الواو، والضمير على الاعتبارين. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم. ﴿وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (٦)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا حُشِرَ النّاسُ:﴾ حبس أولهم على آخرهم لئلا يتفرقوا، ثم يساقون، ويدفعون إلى النار. هذا؛ والحشر: الجمع. ﴿كانُوا﴾ أي: الأصنام. ﴿لَهُمْ أَعْداءً﴾ أي: لعبدتهم. ﴿وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ:﴾ جاحدين. والمعنى: أنّ المعبودات الباطلة تتبرأ من عابديها يوم القيامة، كما قال تعالى في سورة (يونس) ﵇: ﴿وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيّانا تَعْبُدُونَ﴾ رقم [٢٨]، وقال تعالى في سورة (مريم) رقم [٨٣]: ﴿كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا،﴾ وقال تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [٢٥]: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾. الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿حُشِرَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿النّاسُ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَعْداءً،﴾ كان صفة له، فلمّا قدم عليه؛ صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا». ﴿أَعْداءً:﴾ خبر «كان»، والجملة الفعلية جواب «إذا» لا محلّ لها من الإعراب، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها. ﴿بِعِبادَتِهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿كافِرِينَ:﴾ خبر (كان...) إلخ.

стр. 5905

﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ: أي آيات القرآن يقرؤها محمد ﷺ على كفار قريش. ﴿بَيِّناتٍ:﴾ واضحات الدلالة على ما يخالف معتقداتهم من إنكار البعث، والحساب، والجزاء. ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ..﴾. إلخ: أي: لأجله، وفي شأنه، والمراد به: الايات، ووضع موضع ضميرها، ووضع: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ موضع ضمير المتلو عليهم للتسجيل عليها بالحق، وعليهم بالكفر، والانهماك في الضلالة. ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ أي: حينما جاءهم من غير نظر، وتأمل. ﴿هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. هذا؛ وقال تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٣٠]: ﴿وَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ انظر شرحها هناك. الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف، (إذا): مثل سابقتها. ﴿تُتْلى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿آياتُنا:﴾ نائب فاعل، و «نا»: في محل جر بالإضافة. ﴿بَيِّناتٍ:﴾ حال منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿تُتْلى عَلَيْهِمْ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها... إلخ. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿لِلْحَقِّ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿قالَ﴾. ﴿لَمّا:﴾ ظرف زمان بمعنى: «حين» مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: ﴿قالَ﴾ أيضا. ﴿جاءَهُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الحق)، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿لَمّا﴾ إليها. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿سِحْرٌ:﴾ خبره. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة: ﴿سِحْرٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (إذا)، لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله. ﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ إِنِ اِفْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨)﴾ الشرح: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ أي: أيقول المشركون: افترى محمد ﷺ القرآن، واختلقه من تلقاء نفسه. وقال البيضاوي: إضراب عن ذكر تسميتهم القرآن سحرا إلى ذكر ما هو أشنع منه، وإنكار له، وتعجيب. ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ:﴾ على سبيل الفرض. ﴿فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئاً﴾ أي: إن عاجلني الله بالعقوبة، فلا تقدرون على دفع شيء منها، فكيف أجترئ عليه، وأعرض نفسي للعقاب من غير توقع نفع، ولا دفع ضر من قبلكم. ومثله قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [١٧]: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي﴾

стр. 5906

﴿الْأَرْضِ جَمِيعاً،﴾ وقوله تعالى في سورة (المائدة) أيضا رقم [٤١]: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً﴾. ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أي: تقولونه، وقيل: تخوضون فيه من التكذيب. والإفاضة في الشيء: الخوض فيه، والاندفاع، ومنه: أفاضوا في الحديث، أي: اندفعوا فيه، وأفاض الناس من عرفات إلى منى: أي دفعوا، وكل دفعة إفاضة، قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٩٨]: ﴿فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ..﴾. إلخ، ثم قال في الاية التي بعدها: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ﴾ وكله مستعار من: فاض الماء، وأفاضه: إذا سال للأخذ في الشيء قولا كان، أو فعلا. ﴿كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ:﴾ يشهد لي بالصدق، والبلاغ، وعليكم بالكذب، والإنكار. وهو وعيد بجزاء إفاضتهم. ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ:﴾ فهذا وعد بالمغفرة، والرحمة لمن تاب، وأناب، وإشعار بحلم الله عنهم مع عظم جرمهم. هذا؛ والضمائر عائدة على (الحق)، والمراد به (الايات) أي: القرآن المنزل على الرسول ﷺ . والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. قال أحمد المعلق على الكشاف: فيحتمل في إجراء الاية على مذهب أهل السنة أن يكون إسناد الفعل: ﴿فَلا تَمْلِكُونَ لِي..﴾. إلخ لهم على معنى التنبيه بالشيء على مقابله بطريق المفهوم. فالمعنى إذا: إن كنت مفتريا؛ فالعقوبة واقعة بي، لا تدفعونها عني. فمفهوم، وإن كنت محقا، وأنتم مفترون؛ فالعقوبة واقعة بكم لا أقدر على دفعها عنكم. ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى في سورة (هود) رقم [٣٥]: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ وأمثاله كثيرة. والله أعلم. انتهى. الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف بمعنى «بل» وهمزة الإنكار. قاله الجلال، وأيّده الجمل. وقال القرطبي: الميم صلة، التقدير: أيقولون: افتراه. ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿اِفْتَراهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الرسول ﷺ ولم يتقدم له ذكر، ولكنه مفهوم من المقام، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنِ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿اِفْتَرَيْتُهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية. ﴿تَمْلِكُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿لِي:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿شَيْئاً،﴾ كان نعتا له... إلخ، و ﴿إِنِ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور

стр. 5907

متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ﴾. و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿تُفِيضُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، واعتبارها مصدرية ضعيف، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ أَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الضمير فقط. ﴿كَفى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿بِهِ:﴾ الباء: حرف جر صلة، والضمير فاعل ﴿كَفى،﴾ فهو مجرور لفظا، مرفوع محلا. ﴿شَهِيداً:﴾ تمييز، ويقال: حال. والمعتمد الأول. ﴿بَيْنِي:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿شَهِيداً﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. (بينكم): ظرف مكان معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَفى..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول أيضا، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾ الشرح: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي: ما كنت أول الرسل، بل جاء رسل قبلي كثيرون، وعن ابن عباس-﵄: البدع: الأول. وقيل: هو على حذف مضاف، التقدير: ذا بدع؛ أي: أبتدع ما لا يبتدعون، وأدعو ما لا يدعون، وأفعل ما لا يفعلون، وإنما أسير على طريقتهم، وأنهج نهجهم من الدعوة إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له. فقد كانوا يقترحون عليه ﷺ الايات، ويسألونه عمّا لم يوح به إليه من الغيوب، فقيل له: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ﴾ فآتيكم بكل ما تقترحونه، وأخبركم بكل ما تسألون عنه من المغيبات، فإن الرسل لم يكونوا يأتون إلاّ بما آتاهم الله من آياته، ولا يخبرون إلاّ بما أوحي إليهم. ﴿وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ:﴾ لأنه لا علم لي بالغيب ما يفعل الله بي، وبكم فيما يستقبل من الزمان من أفعاله، ويقدر لي، ولكم من قضاياه. ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ﴾. وعن الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: وما أدري ما يصير إليه أمري وأمركم في الدنيا، ومن الغالب منا والمغلوب. وعن الكلبي قال له أصحابه، وقد ضجروا من أذى المشركين: حتى متى نكون على هذا؟ فقال: ما أدري ما يفعل بي، ولا بكم، أأترك بمكة، أم أؤمر بالخروج إلى أرض قد رفعت لي، ورأيتها-يعني في منامه-ذات نخيل وشجر؟ هذا؛ وقال القرطبي: يريد يوم القيامة. ولما نزلت فرح المشركون، واليهود، والمنافقون، وقالوا: كيف نتبع نبيا لا يدري ما يفعل به، ولا بنا، وأنه لا فضل له علينا؟ ولولا أنه ابتدع

стр. 5908

الذي يقوله من تلقاء نفسه؛ لأخبره الذي بعثه بما يفعل به، فنزلت الاية من أول سورة (الفتح): ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ فنسخت هذه الاية، وأرغم الله أنف الكفار. وقالت الصحابة: هنيئا لك يا رسول الله! لقد بيّن الله لك ما يفعل بك يا رسول الله! فليت شعرنا ما هو فاعل بنا؟! فنزلت الاية رقم [٥] من سورة (الفتح): ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ ونزلت الاية رقم [٤٧] من سورة (الأحزاب): ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً﴾ قاله أنس، وابن عباس، وقتادة، والحسن، وعكرمة، والضحاك. انتهى. قرطبي. هذا؛ والصحيح في الاية قول الحسن السابق. قال أبو جعفر: وهذا أصح قول، وأحسنه، لا يدري ﷺ ما يلحقه في الدنيا، وإياهم من مرض، وصحة، ورخص، وغلاء، وغنى، وفقر. ومثله قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٨٨]: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾. قال القشيري: فعلى هذا لا نسخ في الاية. واختار الطبري أن يكون المعنى: ما أدري ما يصير إليه أمري، وأمركم في الدنيا، أتؤمنون، أم تكفرون، أتعاجلون بالعذاب أم تؤخرون؟ وهذا هو الصحيح؛ لأنّ الرسول ﷺ يعلم علم اليقين: أنه في الاخرة من المقربين، ويكون في الفردوس الأعلى بلا ريب، ولا شك. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ﴾ أي: لا أتبع إلاّ الذي يوحيه إليّ ربي بواسطة جبريل، فأنا وقّاف على ذلك، ولست بمختلق للايات، ولا بمخترع لها. وقد تكرر هذا المعنى في كثير من الايات في سورة (الأنعام) رقم [٥٠] وفي سورة (الأعراف) رقم [٢٠٣] وفي سورة (يونس) رقم [١٥]. ﴿وَما أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ:﴾ أخوّف من عقاب الله، وغضبه في الدنيا، والاخرة، وإنذاري واضح لا خفاء فيه. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كُنْتُ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿بِدْعاً:﴾ خبر (كان)، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنَ الرُّسُلِ:﴾ متعلقان ب: ﴿بِدْعاً،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿أَدْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير. ﴿ما:﴾ استفهامية مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُفْعَلُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿ما﴾. وقرئ الفعل بالبناء للمعلوم، فيكون الفاعل عائدا إلى (الله)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، وعليه فالرابط محذوف، وهو مفعول الفعل، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعولي الفعل: ﴿أَدْرِي﴾ المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. هذا؛ وأجيز اعتبار «ما» موصولة، فهي مفعول: ﴿أَدْرِي،﴾ على أنه بمعنى: لا أعرف، والجملة

стр. 5909

الفعلية صلتها، والعائد محذوف، التقدير: لا أدري الذي يفعل، أو: يفعله الله. ﴿بِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿بِكُمْ:﴾ متعلقان بفعل محذوف، التقدير: وما يفعل بكم، وإلاّ كان حرف النفي دخيلا في غير موضعه. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿أَتَّبِعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُوحى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿ما،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿إِلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿نَذِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من فاعل: ﴿أَتَّبِعُ﴾ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاِسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٠)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ . ﴿أَرَأَيْتُمْ:﴾ أخبروني، والخطاب لليهود المعاصرين للرسول ﷺ . ﴿إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ:﴾ الضمير يعود إلى القرآن المفهوم من قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾. ﴿وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ أيها المشركون. وشهد شاهد... إلخ: هو عبد الله بن سلام ﵁. قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة نظر إلى وجهه، فعلم: أنه ليس بوجه كذاب، وتأمّله، فتحقق: أنه هو النبي المنتظر، وقال له: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلاّ نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه، أو إلى أمه؟ فقال النبي ﷺ : «أمّا أوّل أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأمّا أوّل طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأمّا الولد فإذا سبق ماء الرجل نزعه، وإن سبق ماء المرأة نزعته» فقال: أشهد أنك رسول الله. هذا؛ ومعنى النزع: الميل، والشبه بالأب، أو بالأم خلقا، وخلقا، قال الشاعر: [الوافر] وإن يشبههما خلقا وخلقا... فقد تسري إلى الشّبه العروق ثم قال عبد الله بن سلام-﵁: يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت، وإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني؛ بهتوني عندك. فجاءت يهود، فقال لهم النبي ﷺ : «أي رجل عبد الله فيكم؟». فقالوا: خيرنا، وابن خيرنا، وسيدنا، وابن سيدنا، وأعلمنا، وابن أعلمنا! قال:

стр. 5910

«أرأيتم إن أسلم عبد الله؛ تسلموا؟». قالوا: أعاذه الله من ذلك! فخرج إليهم عبد الله، فقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أن محمدا رسول الله! فقالوا: هو شرّنا، وابن شرّنا. وانتقصوه، قال: هذا ما كنت أخاف يا رسول الله، وأحذر! قال سعد بن أبي وقاص-﵁: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لأحد يمشي على وجه الأرض: إنه من أهل الجنة، إلا لعبد الله بن سلام، وفيه نزل: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾. متفق عليه. وهذا يؤيد ما ذكرته في مقدمة السورة من أنّ الاية الكريمة مدنية. هذا؛ وقيل: الشاهد هو موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وشهادته ما في التوراة من نعت رسول الله ﷺ . ولا أعتمده ألبتة. هذا؛ وقد قال تعالى في آخر سورة (الرعد): ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ انظر شرحها هناك. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٤٦]: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ..﴾. إلخ انظر شرحها هناك فهو جيّد، وخذ ما يلي: عن عبد الله بن سلام-﵁-قال: أول ما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه، فكنت فيمن جاءه، فلما تأملت وجهه، واستبنته عرفت: أن وجهه ليس بوجه كذاب. قال: فكان أول ما سمعت من كلامه أن قال: «أيّها الناس! أفشوا السّلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلّوا بالليل؛ والناس نيام؛ تدخلوا الجنة بسلام». رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَرَأَيْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، ومفعولاه محذوفان، التقدير: أرأيتم ماذا حالكم؟ هذا تقدير الجلال، ووافقه الجمل عليه، وقال ابن عطية: «أرأيتم» لفظ موضوع للسؤال والاستفهام، لا يقتضي مفعولا. وإلى هذا القول ذهب القرطبي، ويحتمل أن تكون الجملة من: ﴿إِنْ كانَ..﴾. إلخ سادة مسد المفعولين. وهذا خلاف ما قرّره النحاة. انتهى. جمل باختصار. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه مستتر تقديره: «هو» يعود إلى القرآن المفهوم مما تقدم. ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ و ﴿عِنْدِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، واختلف في تقديره اختلافا كبيرا، فأحسن تقدير قدره الخازن: (قل: أرأيتم إن كان من عند الله، ثم كفرتم به، فإنكم لا تكونون مهتدين، بل تكونون ضالين) وهذا التقدير أخذ من الجملة: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾. ﴿وَكَفَرْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (كفرتم): فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من تاء الفاعل، أو من اسم ﴿كانَ﴾ المستتر، والرابط على الاعتبارين: الواو، والضمير، و «قد» قبلها مقدرة. هذا؛ وبعضهم يعتبرها معطوفة على جملة: ﴿كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ وما بعدها معطوف عليها على

стр. 5911

الاعتبارين فيها. ﴿وَشَهِدَ:﴾ الواو: حرف عطف. (شهد): فعل ماض. ﴿شاهِدٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنْ بَنِي:﴾ متعلقان ب: ﴿شاهِدٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿بَنِي﴾ مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. و ﴿عَلى مِثْلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وقيل: (مثل) صلة، والتقدير: وشهد شاهد من بني إسرائيل عليه؛ أي: على أنه من عند الله. وانظر الشرح. وقيل: ليست (مثل) صلة، وكيفية شهادته على نزول مثله أن يقال: إن مثله قد نزل على موسى، فلا تنكروا نزوله على رجل مثله في كونه مصدقا بالمعجزات، فإن التوراة مثل القرآن من حيث الدلالة على أصول الشرع، كالتوحيد، والبعث، والحساب، والجزاء، والثواب، والعقاب، وإن اختلفا في بعض الفروع. انتهى. جمل نقلا من زاده. هذا؛ وجملة: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ..﴾. إلخ. انتهى. نسفي. ﴿فَآمَنَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الشاهد، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَاسْتَكْبَرْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والمتعلق محذوف، التقدير: عن الإيمان، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر «إن». ﴿الْقَوْمَ:﴾ مفعول به. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ صفة: ﴿الْقَوْمَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنْ..﴾. إلخ مستأنفة، أو معترضة بين المتعاطفتين، لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١)﴾ الشرح: ذكر القرطبي: أنّ المفسرين اختلفوا في سبب نزول هذه الاية على ستة أقوال، وسردها الزمخشري سردا؛ حيث قال: وهو كلام كفار مكة، قالوا: عامة من يتبع محمدا السّقّاط -يعنون الفقراء مثل: عمار، وصهيب، وابن مسعود-فلو كان ما جاء به خيرا؛ ما سبقنا إليه هؤلاء. وقيل: لما أسلمت جهينة، ومزينة، وأسلم، وغفار؛ قالت بنو عامر، وغطفان، وأسد، وأشجع: لو كان خيرا ما سبقنا إليه رعاة البهم. وقيل: إن أمة لعمر-﵁-أسلمت، فكان عمر يضربها حتى يفتر، ثم يقول: لولا أني فترت؛ لزدتك ضربا. وكان كفار قريش يقولون: لو كان ما يدعو إليه محمد حقا؛ ما سبقتنا إليه فلانة. وقيل: كان اليهود يقولونه عند إسلام عبد الله بن سلام وأصحابه. انتهى.

стр. 5912

قال الجمل-رحمه الله تعالى-: قالوا ذلك زعما منهم: أن الرياسة الدينية مما تنال بأسباب دنيوية، كما قالوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ رقم [٣١] من سورة (الزخرف) لأنّ معالي الأمور بنظرهم لا تنالها أيدي الأراذل، وهم سقاط عامتهم فقراء، وموال، ورعاة. وزل عنهم: أنها منوطة بكمالات نفسانية، وملكات روحانية، مبناها الإعراض عن زخارف الدنيا الدنية، والإقبال على الاخرة بالكلية، وأنّ من فاز بها؛ فقد حازها بحذافيرها، ومن حرمها؛ فماله منها من خلاق. انتهى. أقول: وهذه مقالة الطغاة الفاسدين في كل زمان، ومكان، فقوم نوح قالوا له: ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ..﴾. إلخ رقم [٢٧] من سورة (هود) وقالوا له في سورة (الشعراء) رقم [١١١]: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾. ومثل الاية الكريمة قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا﴾ رقم [٥٣] من سورة (الأنعام)، انظر شرحها هناك. ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ أي: بالقرآن، أو بمحمد ﷺ . والأول أقوى. ﴿فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ أي: من قول الأقدمين، فهو على حد قولهم في كثير من الايات: ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ فلما لم يصيبوا الهدى بالقرآن، ولا بمن جاء به؛ عادوه، ونسبوه إلى الكذب، وقالوا: هذا إفك قديم. هذا؛ وقد قيل لبعضهم: هل في القرآن: من جهل شيئا عاداه؟ فقال: نعم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ،﴾ ومثله قوله تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [٣٩]: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ..﴾. إلخ. الإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل (قال)، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الإيمان المفهوم مما سبق. ﴿خَيْراً:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿سَبَقُونا:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ،﴾ لا محل لها، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ: معطوفة على جملة: ﴿وَكَفَرْتُمْ بِهِ..﴾. إلخ، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب يتعلق بفعل محذوف، التقدير: وإذ لم يهتدوا به؛ ظهر عنادهم، ولا يعلق بقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ لأنه مستقبل يتعارض مع المضي المفهوم من الظرف. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَهْتَدُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال

стр. 5913

الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة الظرف إليها. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والكلام مستأنف، لا محل له. ﴿فَسَيَقُولُونَ:﴾ الفاء: حرف عطف وسبب. و «السين» حرف يفيد الاستقبال ويقال لها: سين التنفيس. (يقولون): فعل مضارع والواو فاعله. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿إِفْكٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿قَدِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وفيها معنى التفسير لما قبلها. ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢)﴾ الشرح: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ:﴾ قبل القرآن. ﴿كِتابُ مُوسى﴾ أي: التوراة. ﴿إِماماً﴾ أي: جعلناه إماما يقتدى به، ويؤتم به في دين الله، وشرائعه كما يؤتم بالإمام. ﴿وَرَحْمَةً﴾ أي: من الله لمن آمن به، واهتدى بهديه. وفي الكلام حذف؛ أي: فلم تهتدوا به، ولم تعملوا بتعاليمه. وذلك: أنه كان في التوراة نعت النبي ﷺ ، والحث على اتباعه، والإيمان به، كما ستعرفه في آخر سورة (الفتح) فتركوا ذلك. ﴿وَهذا﴾ أي: القرآن. ﴿كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾ يعني: للتوراة، ولما قبله من الكتب. وفي كثير من الايات: ﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: لما تقدمه من الكتب السماوية. ﴿لِساناً عَرَبِيًّا:﴾ وفي سورة (النحل) رقم [١٠٣] قوله تعالى: ﴿وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ أي: بين الفصاحة، والبلاغة، وقد أطلق الله كلمة (لسان) على القرآن بكامله، كما أطلقه العرب على كلمة السوء، وعلى القصيدة من الشعر، فمن الأول قول الشاعر: [الوافر] لسان السّوء تهديها إلينا... وحنت وما حسبتك أن تحينا وهذا هو الشاهد رقم [٣٣٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» ومن الثاني قول الشاعر: [المتقارب] أتتني لسان بني عامر... فجلّى أحاديثها عن بصر وقد يجعل كناية عن الكلمة الواحدة، كما في قول الأعشى، وكان قد أتاه خبر مقتل أخيه: «المنتشر»: [البسيط] إنّي أتتني لسان لا أسرّ بها... من علو لا عجب منها ولا سخر قال الجوهري: يروى: من علو (بضم الواو، وفتحها، وكسرها) أي: أتاني خبر من أعلى، والتأنيث للكلمة، وقد أطلقه الله على القرآن بكامله، كما رأيت، كما أطلقه على الثناء الجميل، والذكر الحسن في قوله جلّت قدرته: ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ الاية رقم [٥٠] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ واللسان يؤنث فيجمع: ألسن،

стр. 5914

كذراع، وأذرع، ويذكر، فيجمع على: ألسنة، كحمار، وأحمرة، وتصغيره على التذكير: لسين، وعلى التأنيث: لسينة. ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية، ومخالفة الله الواحد القهار. ﴿وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: الذين أحسنوا العمل؛ أي: يبشرهم القرآن بالجنة، والرضا، والرضوان، والعفو، والغفران. هذا؛ وانظر وصف المحسنين في أول سورة (الذاريات): ﴿كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ..﴾. إلخ ووصفهم بآية (لقمان) رقم [٤] بقوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ لفضل اعتداد بهذه الأمور الثلاثة، وفي قول الرسول ﷺ لجبريل ﵇: «الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه؛ فإنّه يراك». والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من قبله): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كِتابُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿مُوسى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِماماً:﴾ حال من: ﴿كِتابُ مُوسى﴾ والعامل في الحال معنوي، وهو الابتداء، وهذا لا يسوغ إلا على اعتباره فاعلا بالظرف على مذهب الأخفش، ومن يوافقه على عدم اشتراط الاعتماد على نفي، أو شبهه لعمله، وأما على اعتباره مبتدأ، فلا يصح مجيء الحال منه؛ لأنّ الحال تبين هيئة فاعل، أو مفعول، وانظر الشاهد رقم [١٣٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». هذا؛ ومثل هذه الاية رقم [٥٢] من سورة (النحل). ﴿وَرَحْمَةً:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَهذا:﴾ الواو: حرف عطف. (هذا كتاب): مبتدأ، وخبر. ﴿مُصَدِّقٌ:﴾ صفة: ﴿كِتابُ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿لِساناً:﴾ حال من ضمير (الكتاب) المستتر في: ﴿مُصَدِّقٌ،﴾ والعامل فيه: ﴿مُصَدِّقٌ،﴾ ويجوز أن يكون حالا من: ﴿كِتابُ﴾ لتخصصه بالصفة، ويعمل فيه معنى الإشارة، وجوز أن يكون مفعولا ل: ﴿مُصَدِّقٌ﴾ أي: يصدق ذا لسان عربي، وهو الرسول، و ﴿لِساناً﴾ حال موطئة؛ لأن المقصود الصفة، وهو ﴿عَرَبِيًّا﴾. ﴿لِيُنْذِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى: ﴿كِتابُ،﴾ و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿مُصَدِّقٌ﴾. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ مع المفعول المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَبُشْرى:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: وهو بشرى، وهذا أحد الأوجه في الاية، والثاني: أنه معطوف على: ﴿مُصَدِّقٌ﴾ فهو في موضع رفع أيضا. والثالث: أنه في محل نصب معطوفا على محل: ﴿لِيُنْذِرَ﴾ لأنه مفعول له، قاله الزمخشري، وتبعه أبو البقاء، وتقديره: للإنذار، والبشرى. ولما اختلفت العلة والمعلول؛ توصل العامل إليه باللام. انتهى. جمل نقلا من كرخي. هذا؛ وأجاز القرطبي أن يكون منصوبا

стр. 5915

بنزع الخافض؛ أي: لينذر الذين ظلموا، وللبشرى، فلما جعل مكان وتبشر بشرى، أو بشارة؛ نصب، كما تقول: أتيتك لأزورك، وكرامة لك، وقضاء لحقك؛ يعني: لأزورك وأكرمك، وأقضي حقك، فنصب الكرامة بفعل مضمر. انتهى قرطبي. ﴿لِلْمُحْسِنِينَ:﴾ متعلقان ب: (بشرى). ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا:﴾ لا أرى حاجة إلى المزيد على ما ذكرته في الاية رقم [٣٠] من سورة (فصلت) وأضيف هنا ما ذكره البيضاوي-رحمه الله تعالى-حيث قال: جمعوا بين التوحيد؛ الذي هو خلاصة العلم، والاستقامة في الأمور؛ التي هي منتهى العمل، و (ثم) للدلالة على تأخر رتبة العمل، وتوقف اعتباره على التوحيد. ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ:﴾ من لحوق مكروه. ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ:﴾ على فوات محبوب. انتهى. وانظر شرح ﴿رَبُّنَا﴾ في سورة الجاثية رقم [٣٦]. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿رَبُّنَا:﴾ مبتدأ، و (نا) في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿اللهُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو مبتدأة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اِسْتَقامُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: صلة لتحسين اللفظ. (لا): نافية مهملة، ولا يجوز إعمالها إعمال «ليس» لأنها تكررت. ﴿خَوْفٌ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، ويجوز تعليقهما ب: ﴿خَوْفٌ؛﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، وعليهما فالخبر محذوف، تقديره: حاصل، أو موجود، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ وزيدت الفاء في خبر الموصول، لما فيه من معنى الشرط، ولم تمنع ﴿إِنَّ﴾ من ذلك لبقاء معنى الابتداء، بخلاف: «ليت» و «لعل» و «كأن». انتهى. جمل نقلا عن السمين. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، ويقال: زائدة لتأكيد النفي. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية بعده خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، وهذه الجملة ذكرت في سورة (البقرة) بآيات كثيرة، وفي غيرها من السور. ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)﴾ الشرح: ﴿أُولئِكَ:﴾ الإشارة إلى: (الذين استقاموا). ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ:﴾ جعلوا أصحاب الجنة، بمعنى مالكيها لملازمتهم لها، وعدم انفكاكهم عنها، وقل مثله في أصحاب النار. هذا؛

стр. 5916

وأصحاب جمع صاحب، ويكون بمعنى: المالك كما هنا، ويكون بمعنى: الصديق، ويجمع أيضا على صحب، وصحاب، وصحابة، وصحبة، وصحبان، ثم يجمع أصحاب على: أصاحيب أيضا، ثم يخفف، فيقال: أصاحب. هذا؛ والصحابي: من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنا، ولو مدة قصيرة. ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أي: في الجنة، لا يخرجون، ولا يبرحون، ولا يهرمون، ولا يموتون، سنّهم واحدة: ثلاث وثلاثون سنة. ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: كان دخول الجنة، وخلودهم فيها مكافأة لهم على ما قدموا في الدنيا من الأعمال الصالحة. هذا؛ وقال ابن عباس-﵄: نزلت الاية في أبي بكر-﵁-والصحيح: أنها تعمّ كل من قال: ربنا الله، ثم استقام. الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿أَصْحابُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْجَنَّةِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثان ل: ﴿إِنَّ،﴾ أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: اسم الإشارة، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾ فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿جَزاءً:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: جوزوا جزاء. وقيل: هو مصدر بمعنى الحال. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿جَزاءً﴾. و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: جزاء بالذي، أو: بشيء كانوا يعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: جزاء بعملهم. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبره. ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾ الشرح: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً:﴾ قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: بيّن اختلاف حال الإنسان مع أبويه، فقد يطيعهما، وقد يخالفهما؛ أي: فلا يبعد مثل هذا في حق النبي ﷺ وقومه حتى يستجيب له البعض، ويكفر البعض، فهذا وجه اتصال الكلام بعضه ببعض. قاله القشيري.

стр. 5917

تنبيه: ذكرت لك في سورة (العنكبوت) رقم [٨] أن الاية هناك، والاية في سورة (لقمان) رقم [١٤] والاية هنا نزلن في سعد بن أبي وقاص-﵁-أحد العشرة المبشرين بالجنة، ﵃ أجمعين-وأمه حمنة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية، لما أسلم-﵁-وكان من السابقين إلى الإسلام، وكان بارا بأمه، فلما أسلم، قالت له أمه: ما هذا الذي أحدثت؟ والله لا آكل، ولا أشرب، ولا يظلني سقف بيت من الحر، والريح حتى ترجع إلى ما كنت عليه، أو أموت، فتعيّر بذلك أبد الدهر! ويقال: يا قاتل أمه! ثم إنها مكثت يوما وليلة، لم تأكل، ولم تشرب، ولم تستظل، فأصبحت وقد جهدت، ثم إنها مكثت يوما وليلة كذلك، فجاءها، وقال: يا أماه! والله لو كان لك مئة نفس، فخرجت نفسا نفسا؛ ما تركت ديني، فكلي واشربي إن شئت، وإن شئت فلا تأكلي، ولا تشربي! فلما أيست منه؛ أكلت وشربت، واستظلت. والأصح: أنها نزلت في أبي بكر الصديق-﵁-وهو قول علي، وابن عباس ﵄-نزلت فيه، وفي أبيه أبي قحافة، وأمه أم الخير، وفي أولاده، واستجابة دعائه فيهم، فإنه آمن بالنبي ﷺ ، وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، ودعا لهما وهو ابن أربعين سنة، ولم يكن أحد من الصحابة من المهاجرين منهم والأنصار أسلم هو، ووالده، وبنوه، وبناته غير أبي بكر-﵃. هذا؛ والفعل: (وصى) حكمه حكم الأمر في معناه، وتصرفه. يقال: وصيت زيدا بأن يفعل كذا: كما تقول: أمرته بأن يفعل كذا، ومنه قول الشاعر: [الوافر] وذبيانيّة وصّت بنيها... بأن كذب القراطق والقروف يصف امرأة وصت بنيها بحفظ القراطق، جمع: القرطق، وهي القطعة المخملة. والقروف: أوعية من أدم. ومنه: قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿وَوَصّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ أي: وصاهم بكلمة التوحيد، وأمرهم بها. هذا؛ وأما ﴿الْإِنْسانَ﴾ فإنه يطلق على الذكر والأنثى من بني آدم، ومثله كلمة (شخص) قال تعالى في سورة (العصر): ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ومعلوم: أنّ الله تعالى لم يقصد الذكور خاصة، والقرينة الايات الكثيرة الدالة على أنّ المراد الذكر، والأنثى. واللام في ﴿الْإِنْسانَ﴾ إنما هي لام الجنس التي تفيد الاستغراق، ولذا صحّ الاستثناء من الإنسان في سورة (العصر). هذا؛ وإنسان العين: هو المثال الذي يرى فيها، وهو النقطة السوداء، التي ترى لامعة وسط السواد، قال ذو الرمة-وهو الشاهد رقم [٨٨٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] وإنسان عيني يحسر الماء تارة... فيبدو وتارات يجمّ فيغرق هذا؛ وجمع الإنسان: الناس. والإنس: البشر، الواحد: إنسي بكسر الهمزة فيهما، وهما ضد الجن، والجني، وجمع الإنسي: أناس، كما في قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٧١]:

стр. 5918

﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ ويجمع أيضا على: أناسي، كما في الاية رقم [٤٩] من سورة (الفرقان). هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿بِوالِدَيْهِ﴾ تغليب الوالد على الوالدة، وفي أبويه تغليب الأب على الأم. ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً﴾ أي: بكره، ومشقة. فالأول المراد به حين أثقلت، وثقل الولد في بطنها. والمراد بالثاني ما تلاقيه من عناء الطلق، والولادة، و ﴿كُرْهاً﴾ بضم الكاف، ويقرأ بفتحها، قيل: هما لغتان مثل: الضّعف، والضّعف، والفقر، والفقر، والشّهد، والشّهد. قاله الكسائي، وكذلك هو عند البصريين، وقال الكسائي أيضا والفراء في الفرق بينهما: إن الكره (بالضم) ما حمل الإنسان على نفسه، وبالفتح ما حمل عليه غيره، قهرا، وغصبا، ولهذا قال بعض أهل العربية: إن كرها (بفتح الكاف) لحن. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (لقمان) رقم [١٤]: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ،﴾ وفي هاتين الايتين تنويه بشأن الأم، وأن حقها أعظم من حق الأب، وأنها تستحق من الطاعة، والإكرام، والخدمة، والاحترام أكثر مما يستحق الأب؛ وذلك لما قاسته من الالام بسبب الولد، ولما هي مجبولة عليه من الضعف الخلقي، والجسدي، والمعنوي، ولا سيما إذا بلغت من العمر عتيا، وقد لفت النبي ﷺ نظر المسلم إلى هذا، وذلك فيما يلي: فعن أبي هريرة-﵁-قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! من أحقّ الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمّك». قال: ثمّ من؟ قال: «أمّك». قال: ثمّ من؟ قال: «أمّك». قال: ثمّ من؟ قال: «أبوك» رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما. وعن أنس بن مالك ﵁-قال: أتى رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إني أشتهي الجهاد، ولا أقدر عليه! قال: «هل بقي من والديك أحد؟» قال: أمّي، قال: «قابل الله في برّها، فإذا فعلت ذلك؛ فأنت حاجّ، ومعتمر، ومجاهد». رواه الطبراني في الصغير، والأوسط، وأبو يعلى. فالرسول ﷺ قد جعل للأم ثلاث مراتب، وللأب واحدة، وهو ما يفهم من الايتين الكريمتين، وما يذكر إلاّ أولو الألباب. وخذ هذه الطرفة: فقد روى القالي في أماليه عن أبي عبيدة قال: جرى بين أبي الأسود الدؤلي وامرأته كلام في ابن لها منه، وأراد أخذه منها فصارا إلى زياد ابن أبيه، وهو والي البصرة، فقالت المرأة: أصلح الله الأمير هذا ابني كان بطني وعاءه، وحجري فناءه، وثديي سقاءه، أكلؤه إذا نام، وأحفظه إذا قام، فلم أزل بذلك سبعة أعوام، حتى إذا استوى فصاله، وكملت خصاله، واستوعكت أوصاله، وأملت نفعه، ورجوت خيره، أراد أن يأخذه مني كرها، فآوني أيها الأمير، فقد رام قهري، وأراد قسري! فقال أبو الأسود: أصلحك الله! هذا ابني حملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه، وأنا أقوم عليه في أدبه، وأنظر في أوده، وأمنحه علمي، وألهمه حلمي؛ حتى يكمل عقله،

стр. 5919

ويستحكم فتله. فقالت المرأة: أصلحك الله! حمله خفا، وحملته ثقلا، وضعه شهوة، ووضعته كرها. فقال زياد: اردد على المرأة ولدها، فهي أحق به منك، ودعني من سجعك. حجري فناءه: شبهت حجرها بفناء الدار لكونه مقر الطفل وملعبه، كما يلعب الصبيان بفناء الدار. أكلؤه: أحفظه. حملته قبل أن تحمله: يريد أنه كان نطفة في صلبه قبل أن تحملها في رحمها. وضعته: أي نطفة في رحمها قبل أن تضعه بالولادة. الأود: العوج. فتله: أراد استكمال قوته. استوعكت: اشتدت. آوني: قوّني وأعني عليه. خفا: خفيفا لا يستشعر به في صلبه، تعني: أنه وإن حمله، ووضعه، لكن شتان ما بين حمله، وحملها، ووضعه ووضعها! وهذا معلوم لدى كل عاقل. ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً:﴾ الفصال: الفطام. هذا؛ وقد استدلّ بهذه الاية مع التي في سورة (لقمان) رقم [١٤]: ﴿وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ﴾ على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهو استنباط قوي، وصحيح. روى محمد بن إسحاق، عن معمر بن عبد الله الجهني، قال: تزوج رجل منا امرأة من جهينة، فولدت لتمام ستة أشهر من زواجها، فانطلق زوجها إلى عثمان-﵁، فذكر ذلك له، فبعث إليها، فلما قامت لتلبس ثيابها؛ بكت أختها، فقالت: ما يبكيك؟ فو الله ما التبس بي أحد من خلق الله تعالى غيره قط، فيقضي الله فيّ ما شاء، فلما أتي بها عثمان-﵁؛ أمر برجمها، فبلغ ذلك عليا-﵁-فأتاه، فقال: ما تصنع؟ قال: ولدت تماما لستة أشهر، وهل يكون ذلك؟ فقال له علي-﵁: أما تقرأ القرآن؟ قال: بلى، قال: أما سمعت الله- -يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ وقال في سورة (البقرة) رقم [٢٣٣]: ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ وقال في سورة (لقمان): ﴿وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ﴾ فلم نجده بقي إلا ستة أشهر، قال: فقال عثمان-﵁: والله ما فطنت بهذا! عليّ بالمرأة، فوجدوها قد فرغ منها. قال: فقال معمر-﵁: فو الله ما الغراب بالغراب، ولا البيضة بالبيضة بأشبه منه بأبيه، فلما رآه أبوه؛ قال: ابني والله لا أشك فيه! قال: وابتلاه الله تعالى بهذه القرحة بوجهه الاكلة، فما زالت تأكله؛ حتى مات. أخرجه ابن أبي حاتم. انتهى. مختصر ابن كثير. هذا؛ وقوله (فوجدوها قد فرغ منها) يفيد: أنها أقيم عليها حد الرجم، وانتهى أمرها. وذكر القرطبي-رحمه الله تعالى-: أنّ عثمان-﵁-رجع عن قوله، ولم يحدها. والمروي في موطأ مالك: أنها رجمت، وفي تيسير الوصول، فأمر عثمان بردها، فوجدت قد رجمت. وهذا هو المعتمد. هذا؛ وقال ابن عباس-﵄: إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر؛ كفاه من الرضاع أحد وعشرون شهرا، وإذا وضعته لسبعة أشهر كفاه من الرضاع ثلاثة وعشرون شهرا، وإذا وضعته لستة أشهر فحولين كاملين؛ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ هذا؛ وأصل الكلام: وأمد حمله، وفصاله ثلاثون شهرا. ولا يصح المعنى إلاّ بهذا التقدير.

стр. 5920

﴿حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ أي: قوي، وشب، وارتجل. هذا؛ واختلف في (الأشد) على أقوال كثيرة، والأرجح: أنه ثلاث وثلاثون سنة، كما ذكرته في شأن يوسف، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً:﴾ المراد به: الصديق-﵁-على المعتمد. ﴿قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ أي: ألهمني ووفقني. ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ﴾ أي: بالإيمان، والهداية، والتوفيق للعمل الصالح، وهو ما ذكره بقوله: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ:﴾ قال ابن عباس-﵄: فأجابه الله، فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله، منهم: بلال، وعامر بن فهيرة، ولم يدع شيئا من الخير إلاّ أعانه الله عليه. وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من أصبح منكم اليوم صائما؟». قال أبو بكر: أنا. قال: «فمن تبع منكم اليوم جنازة؟». قال أبو بكر: أنا. قال: «فمن أطعم منكم اليوم مسكينا؟». قال أبو بكر: أنا. قال: «فمن عاد منكم اليوم مريضا؟». قال أبو بكر: أنا. قال رسول الله ﷺ : «ما اجتمعن في امرئ إلاّ دخل الجنّة». انتهى. ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ أي: واجعل لي الصلاح ساريا في ذريتي راسخا فيهم. وقد حقّق الله له ذلك، فلم يبق له ولد، ولا والد، ولا والدة إلاّ آمنوا بالله وحده، ولم يجتمع ذلك لغيره من الصحابة كما قدمته آنفا. هذا؛ وانظر ما ذكرته في سورة (النمل) رقم [١٩] فهو مثله. ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ:﴾ عما لا ترضاه، أو يشغل عنك. ﴿وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ:﴾ الموحدين لك المخلصين. وهذا فيه إرشاد لمن بلغ الأربعين أن يجدد التوبة، والإنابة إلى الله ، ويعزم عليها. وقد روى أبو داود في سننه عن ابن مسعود-﵁: أنّ رسول الله ﷺ كان يعلمهم أن يقولوا في التشهد: «اللهمّ ألّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السّلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها، وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا، وأبصارنا، وقلوبنا، وأزواجنا، وذرّيّاتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك، قابليها، وأتممها علينا». انتهى. مختصر ابن كثير. هذا؛ و «أصلح» في الاية الكريمة متعد، وإنما جاء لازما لتضمنه معنى: بارك لي في ذريتي، ومنه قول ذي الرمة-وهو الشاهد رقم [٩٢٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -. [الطويل] وإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها... إلى الضّيف يجرح في عراقيبها نصلي فإن الفعل: «يجرح» متعد، وقد جاء لازما؛ لأنه بمعنى يفسد. هذا؛ وقال مالك بن مغول: اشتكى أبو معشر ابنه إلى طلحة بن معرّف، فقال: استعن عليه بهذه الاية، وتلا ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي..﴾. إلخ. الإعراب: ﴿وَوَصَّيْنَا:﴾ الواو: حرف استئناف. (وصينا): فعل، وفاعل. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ مفعول به. ﴿بِوالِدَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (وصينا). ﴿إِحْساناً:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: وصينا الإنسان أن يحسن إليهما إحسانا. وقيل: بل هو مفعول به على تضمين
следующие страницы →