← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.

стр. 5951

أسلموا؛ جرت عليهم أحكام الإسلام، فمن أتى بذنب؛ أخذ به ما لم يتب منه، أو يبقى تحت خطر المشيئة إن شاء الله غفر له، وإن شاء آخذه بذنبه، أقول: القاعدة النحوية لا تزاد «من» في الإيجاب إلا على مذهب الأخفش، وهو قول ضعيف، لا يقره جمهرة النحاة، ومثل هذه الاية الاية رقم [٤] من سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، والقول الأصح أن ﴿مِنْ﴾ على بابها من التبعيض. وأن الغفران بالإيمان إنما يكون للذنوب الخاصة والتي هي بين العبد وربه، أما حقوق العباد؛ فلا يمكن غفرانها إلا بعد أن يرضى أصحابها، فإن الله تعالى لا يغفر بالإيمان حقوق العباد. تنبيه: هذه الاية تدل على أنّ الجن كالإنس في الأمر، والنهي، والثواب، والعقاب. وقال الحسن: ليس لمؤمني الجن ثواب غير نجاتهم من النار، يدل عليه قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ..﴾. إلخ، وبه قال أبو حنيفة. قال: ليس ثواب الجن إلا أن يجاروا من النار، ثم يقال لهم: كونوا ترابا مثل البهائم. وقال آخرون: إنهم كما يعاقبون في الإساءة يجازون في الإحسان مثل الإنس، وإليه ذهب مالك، والشافعي، وابن أبي ليلى. وقد قال الضحاك: الجن يدخلون الجنة، ويأكلون، ويشربون. قال القشيري: والصحيح: أن هذا مما لم يقطع فيه بشيء، والعلم عند الله. انتهى. قرطبي. ثم قال: قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٣٢]: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ يدلّ على أنهم يثابون، ويدخلون الجنة؛ لأنه قال في أول الاية: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ..﴾. إلى أن قال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ والله أعلم. انتهى. بحروفه، والصحيح: أنهم يثابون، ويعاقبون. قال أرطأة بن المنذر: سألت ضمرة بن حبيب: هل للجن ثواب؟ قال: نعم، وقرأ قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ قال: فالإنسيات للإنس، والجنيات للجن. وقال عمر بن عبد العزيز-﵁: إن مؤمني الجن حول الجنة في ربض، ورحاب ليسوا فيها. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿يا قَوْمَنا:﴾ منادى. و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿أَجِيبُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿داعِيَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَآمِنُوا:﴾ فعل أمر معطوف على ما قبله. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿يَغْفِرْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، التقدير: إن تجيبوا؛ يغفر، وفاعله يعود إلى الله. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿يَغْفِرْ﴾ أيضا، وهما مفعوله؛ لأن ﴿مِنْ﴾ بمعنى بعض، وانظر الشرح على القول بزيادة: ﴿مِنْ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. (يجركم): معطوف على: ﴿يَغْفِرْ،﴾ والفاعل يعود إلى الله

стр. 5952

أيضا، والكاف مفعول به. ﴿مِنْ عَذابٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿أَلِيمٍ:﴾ صفة: ﴿عَذابٍ﴾. هذا؛ والاية بكاملها في محل نصب مقول القول. ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾ الشرح: ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ﴾ أي: الذي يدعو إلى الإيمان بالله، ورسوله، واليوم الاخر. ﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ:﴾ بمعنى لا يعجز ربه عن إدراكه. بمعنى: لا يفوته إن هرب من حكمه، وقضائه. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٣١] من سورة (الشورى). ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ﴾ أي: أنصار يمنعونه من عذاب الله. ﴿أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ:﴾ حيث أعرضوا عن إجابة الداعي إلى الله. هذا؛ وقد اجتمع بقوله تعالى: ﴿أَوْلِياءُ أُولئِكَ﴾ همزتان مضمومتان من كلمتين، وليس لهما نظير في القرآن؛ أي: لا وجود لهما في محل منه غير هذا، كما اجتمع في الاية رقم [١٢٤] من سورة (الأنعام) بقوله تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ لفظا الجلالة بدون فاصل ما، وليس لهما نظير في القرآن أيضا. الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف، (من) اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُجِبْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿داعِيَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَلَيْسَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ليس): فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر يعود إلى (من) أيضا. ﴿بِمُعْجِزٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (معجز): خبر (ليس) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان ب: (معجز)، وجملة: (ليس بمعجز في الأرض) في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة، وهي من مقول الجن الذين سمعوا القرآن. ﴿وَلَيْسَ:﴾ الواو: حرف عطف. (ليس): فعل ماض ناقص. ﴿اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَوْلِياءُ﴾ كان صفة له... إلخ، انظر الاية رقم [٦]، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْلِياءُ:﴾ اسم: (ليس) مؤخر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جزم مثلها. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة: ﴿ضَلالٍ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها.

стр. 5953

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ الشرح: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أي: الكفار، والمشركون المنكرون للبعث بعد الموت، والحساب، والجزاء. ﴿أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ أي: ولم يتعب ولم يعجز بخلقهن، بل قال لها: كوني، فكانت بلا ممانعة ولا مخالفة، بل طائعة، مجيبة، خائفة، وجلة، أفليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى؟! قال الله في سورة (غافر) رقم [٥٧]: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾. هذا؛ ويقال: عيّ بأمره، وعيي: إذا لم يهتد لوجهه، ومعناهما: العجز، والضعف، قال تعالى في سورة (ق): ﴿أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهو مستحيل في حقه تعالى، وهو مجاز مرسل علاقته السببية. ﴿بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى:﴾ دخلت الباء في خبر: ﴿أَنَّ﴾ لتقدم النفي، والاستفهام، فهو بمعنى: أو ليس. قال الكسائي، والفراء، والزجاج: الباء فيه خلف الاستفهام، والجحد في أول الكلام. وقال الزجاج: والعرب تدخلها مع الجحد، تقول: ما ظننت أن زيدا بقائم، ولا تقول: ظننت أن زيدا بقائم. ﴿بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾ قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: هذا تقرير للقدرة على وجه عام، يكون كالبرهان على المقصود، كأنه لما صدّر السورة بتحقيق المبدأ، ختمها بإثبات المعاد. انتهى. بمعنى: أنه قادر على إماتة الخلق، وإحيائهم؛ لأنه قادر على كل شيء. هذا؛ وانظر شرح ﴿بَلى﴾ في (الزخرف) رقم [٨٠]. الإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. الواو: حرف عطف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والفعل هنا بمعنى اليقين، فهو قلبي. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة للفظ الجلالة. ﴿خَلَقَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: واو الحال. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَعْيَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل: ﴿خَلَقَ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿بِخَلْقِهِنَّ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والنون حرف دالّ على جماعة الإناث.

стр. 5954

﴿بِقادِرٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (قادر): خبر: ﴿أَنَّ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. وذكرت لك: أن الباء زيدت في خبر: ﴿أَنَّ﴾ لأنه بمعنى: أوليس الله بقادر. قال ابن هشام في المغني: والذي سهل ذلك التقدير تباعد ما بينهما، ولهذا لم تدخل في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ الاية رقم [٩٩] من سورة (الإسراء). ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يُحْيِيَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنَّ،﴾ والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ أيضا، و ﴿أَنَّ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب: (قادر)، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْمَوْتى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. هذا؛ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي: ﴿يَرَوْا،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿بَلى:﴾ حرف جواب، بعده جملة مقدرة، التقدير: بلى: إنه قادر على أن يحيي الموتى! وهذه الجملة مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للجملة المقدرة بعد ﴿بَلى﴾. ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤)﴾ الشرح: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ:﴾ انظر الاية رقم [٢٠] ففيها الكفاية. ﴿أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ﴾ أي: هذا العذاب هو الذي وعدكم به الرسل، وهو الحق، كما يقال لهم: ﴿أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ سورة (الطور). ﴿قالُوا بَلى وَرَبِّنا:﴾ وهذا اعتراف منهم على أنفسهم بعد ما كانوا منكرين لذلك، وفيه توبيخ، وتقريع لهم. ﴿قالَ:﴾ أي الله لهم. ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ:﴾ هذه الجملة يكثر ذكرها في القرآن، والأمر للإهانة، كما ذكرته مرارا، وتكرارا، وانظر ﴿ذُقْ﴾ في الاية رقم [٤٩] من سورة الدخان. الإعراب: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ:﴾ انظر الاية رقم [٢٠]. ﴿أَلَيْسَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. (ليس): فعل ماض ناقص. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع اسم: (ليس)، والهاء حرف تنبيه، لا محلّ له. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (الحق): خبر (ليس) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول للقول المقدر ب: «يقال». ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بَلى:﴾ حرف جواب

стр. 5955

بعده جملة مقدرة؛ أي: بلى هو الحق الذي وعدنا به رسل الله. ﴿وَرَبِّنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: نقسم بربنا، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والكلام في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا بَلى وَرَبِّنا﴾ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿فَذُوقُوا:﴾ الفاء: صلة، أو هي الفصيحة، أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا بكم؛ فذوقوا... إلخ. (ذوقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله. ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة: ﴿تَكْفُرُونَ﴾ في محل نصب خبره، و (ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (ذوقوا)، وهذه الجملة على الوجهين المعتبرين في الفاء في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ، مستأنفة لا محلّ لها. ﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥)﴾ الشرح: ﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، أمره الله تعالى بالاقتداء بأولي العزم من الرسل في الصبر على أذى قومه. قال ابن عباس-﵄: ذوو الحزم. وقال الضحاك-رحمه الله تعالى-: ذوو الجد، والصبر. واختلفوا في أولي العزم من الرسل من هم؟ فذكر الخازن، والقرطبي أقوالا كثيرة، والمعتمد ما قاله ابن عباس، وقتادة ﵄: هم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى أصحاب الشرائع، فهم مع محمد ﷺ أجمعين خمسة، وقد ذكرهم الله على التخصيص، والتعيين في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ الاية رقم [٧] من سورة (الأحزاب)، وفي قوله جلّ ذكره في سورة (الشورى) رقم [١٣]: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾. روى البغوي بسنده عن عائشة-﵂-قالت، قال لي رسول الله ﷺ : «يا عائشة! إنّ الدنيا لا تنبغي لمحمّد، ولا لال محمّد، يا عائشة! إن الله لم يرض من أولي العزم إلاّ بالصّبر على مكروهها، والصبر عن محبوبها، ولم يرض إلاّ أن كلّفني ما كلّفهم، فقال: ﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وإنّي والله، ولا بدّ لي من طاعته، والله لأصبرنّ كما صبروا! ولأجهدنّ! ولا قوّة إلاّ بالله!». ﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ:﴾ يعني: اصبر على أذاهم، ولا تستعجل بنزول العذاب عليهم، فإنه نازل بهم لا محالة. كأنه ﷺ ضجر بعض الضجر، فأحب أن ينزل العذاب بمن أبى

стр. 5956

منهم، فأمره الله بالصبر، وترك الاستعجال. ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ﴾ أي: من العذاب في الاخرة. ﴿لَمْ يَلْبَثُوا:﴾ في الدنيا، أو في القبور. ﴿إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ﴾ يعني: أنهم إذا عاينوا العذاب صار طول لبثهم في الدنيا، أو في القبور كأنه قدر ساعة من نهار؛ لأنّ ما مضى، وإن كان طويلا؛ فهو يسير إلى ما يدوم عليهم من العذاب، وهو أبد الابدين بلا انقطاع، ولا فناء. وانظر ما ذكرته في سورة (الروم) [٥٥] فإنه جيد جدا. ﴿بَلاغٌ﴾ أي: هذا القرآن، وما فيه من البينات، والهدى بلاغ من الله إليكم. والبلاغ بمعنى: التبليغ. ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ﴾ أي: لا يهلك بالعذاب. ﴿إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن الإيمان بالله وطاعته. قال الزجاج: تأويله لا يهلك مع رحمة الله، وفضله إلاّ القوم الفاسقون، ولهذا قال قوم: ما في الرجاء لرحمة الله آية أقوى من هذه الاية، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا فقد نهى الله رسوله ﷺ عن استعجال العذاب لقومه، وقد قال تعالى في سورة (المزمل): ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾ وقال جلّ ذكره في سورة (الطارق): ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ ومثل الاية قوله جلّ وعلا في سورة (يونس) رقم [٤٥]: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ وقال في آخر سورة (النازعات): ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾. فائدة: قال ابن عباس-﵄: إذا عسر على المرأة ولدها، تكتب هاتين الايتين والكلمتين في صحيفة، ثم تغسل، وتسقى منها، وهي: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلاّ الله العظيم الحليم الكريم، سبحان الله ربّ السموات، وربّ الأرض، وربّ العرش العظيم» ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ..﴾. إلخ. انتهى. قرطبي. الإعراب: ﴿فَاصْبِرْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (اصبر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿فَاصْبِرْ:﴾ ماض. ﴿أُولُوا:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿أُولُوا﴾ مضاف، و ﴿الْعَزْمِ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنَ الرُّسُلِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أُولُوا الْعَزْمِ،﴾ و (ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة مفعول مطلق، التقدير: اصبر صبرا مثل صبر أولي العزم، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم. وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأنّ حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها، وجملة: (اصبر...) إلخ مستأنفة لا محلّ لها، وعند التأمل يتبين لك: أنّ الجملة جواب شرط يقدر ب: «إذا»؛ أي: إذا كان عاقبة الكفار ما ذكر؛ فاصبر على أذاهم... إلخ، والكلام كله مستأنف، لا محلّ له.

стр. 5957

﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَسْتَعْجِلْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا)، والفاعل تقديره: «أنت». ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها على الوجهين المعتبرين فيها، والمفعول محذوف؛ إذ التقدير: ولا تستعجل لقومك نزول العذاب. ﴿كَأَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾ الاتي. ﴿يَرَوْنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿كَما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُوعَدُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: الذي يوعدونه، والجملة الفعلية: ﴿يَرَوْنَ..﴾. إلخ، في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَلْبَثُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه حذف النون... والواو فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ساعَةً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿كَأَنَّهُمْ،﴾ والجملة الاسمية هذه مستأنفة لا محلّ لها، وفيها معنى التعليل للنهي، واعتبارها في محل نصب حال لا بأس به. ﴿مِنْ نَهارٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿ساعَةً﴾. ﴿بَلاغٌ:﴾ خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هذا بلاغ، ويؤيده قوله تعالى في آخر سورة (إبراهيم): ﴿هذا بَلاغٌ،﴾ وقيل: مبتدأ خبره محذوف، وهو ضعيف جدا. هذا؛ وقرئ بنصبه شاذا على اعتباره صفة: ﴿ساعَةً،﴾ أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف. التقدير: بلغ بلاغا، وقرئ أيضا شاذا بجره على أنه صفة: ﴿نَهارٍ﴾. ﴿فَهَلْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام معناه النفي. ﴿يُهْلَكُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْقَوْمُ:﴾ نائب فاعل، وقرئ الفعل بالبناء للمعلوم، ونصب «(القوم)»، وعليه فالفاعل يعود إلى (الله)، ويقرأ «(الفاسقين)» تبعا لنصب «(القوم)». تأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجلّ، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم. انتهت بحمد الله وتوفيقه سورة (الأحقاف) شرحا وإعرابا والحمد لله رب العالمين.

стр. 5958

سورة محمّد ﷺ بسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (محمد ﷺ وتسمى سورة (القتال) وهي مدنية في قول ابن عباس-﵄ إلا آية منها نزلت بعد حجة الوداع حين خرج ﷺ من مكة، وجعل ينظر إلى البيت، وهو يبكي حزنا على فراقه. والاية نصها: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ..﴾. إلخ رقم [١٣]. وانظر ما اعتمدته في شرح الاية هناك. وهي ثمان وثلاثون آية. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (١)﴾ الشرح: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ بالله ورسوله، وباليوم الاخر، وما فيه. ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: فلم يكتفوا بكفرهم، بل صدوا الناس، ومنعوهم من الدخول في دين الإسلام. ﴿أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ:﴾ أبطلها، وأحبطها، وحقيقته: جعلها ضائعة ليس لها من يتقبلها، ويثيب عليها. وأراد بالأعمال: ما كانوا يفعلون من أعمال البر من إطعام الطعام، وصلة الأرحام، وفكّ العاني (وهو الأسير) وإجارة المستجير، وقرى الضيف، ونحو ذلك. قال بعضهم: أول هذه السورة متعلق بآخر سورة الأحقاف المتقدمة، كأنّ قائلا قال: كيف يهلك القوم الفاسقون؛ ولهم أعمالهم الصالحة كإطعام الطعام، ونحوه من الأعمال، والله لا يضيع لعامل عمله، ولو كان مثقال ذرة من خير؟ فأخبر الله بأنّ الفاسقين هم الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضلّ أعمالهم، يعني: أبطلها؛ لأنها لم تكن لله ولا بأمره، إنما فعلوها من عند أنفسهم ليقال عنهم ذلك، فلهذا السبب أبطلها الله تعالى. هذا؛ وقال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٢٣]: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾. وانظر سورة (النور) رقم [٣٩]: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ..﴾. إلخ. هذا؛ وقد يقال: إن الله لا يظلم الناس شيئا، فكيف يضيع أعمالهم الصالحة النافعة؟ والجواب: أنّ الله يجزيهم بها في الدنيا قبل أن يخرجوا منها، بأن يوسع في أرزاقهم، ويرزقهم الصحة، والعافية، ويقر أعينهم فيما حولهم، ويدفع عنهم المكاره. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٥٥] من سورة (التوبة)، والاية رقم [١٥] من سورة (هود)، والاية رقم [٢٠] من سورة (الشورى)، وانظر شرح هذه الايات في محالها تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.

стр. 5959

الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها، والجملة الفعلية بعدها معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها. ﴿عَنْ سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَضَلَّ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ تقديره: «هو». ﴿أَعْمالَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ، لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية. هذا؛ وقد أغرب أبو البقاء-رحمه الله تعالى-حيث قال: ويجوز أن ينتصب أي: ﴿الَّذِينَ﴾ بفعل دلّ عليه المذكور؛ أي: أضل الذين كفروا، ومثله: (الذين آمنوا). ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (٢)﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ فهذا يعمّ المهاجرين، والأنصار، والذين آمنوا من أهل الكتاب، ومن آمن، وعمل الصالحات إلى يومنا هذا؛ وإلى يوم القيامة، وهو أولى من قصره على المهاجرين، أو على الأنصار في عصر النبي ﷺ ، كما أنّ الكفر لا يقتصر على عصر النبوة. وفي الايتين مقابلة بين الإيمان، والكفر. انظر ما ذكرته في الاية رقم [٧٤] من (الزخرف) والمراد ب: ﴿الصّالِحاتِ﴾ الأعمال الصالحات على اختلاف أنواعها، وتفاوت مراتبها. وفي ذلك احتراس، وقد ذكرته مرارا. ﴿وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ يعني: القرآن الذي أنزله على محمد ﷺ ، وإنما ذكره بلفظ الاختصاص مع ما يجب من الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله ﷺ عن الله تعظيما لشأن القرآن الكريم، وتنبيها على أنه لا يتم الإيمان إلاّ به، ولذلك أكّده بقوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. وقيل: حقيقته بكونه ناسخا لجميع الكتب السماوية قبله، ولا يرد عليه نسخ، وإن كان هناك نسخ لبعض الايات ببعض. هذا؛ و ﴿نُزِّلَ﴾ يقرأ بقراآت كثيرة. ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ أي: ستر الله بإيمانهم، وعملهم الصالح ما كان منهم من الكفر والمعاصي؛ لرجوعهم وتوبتهم منها، فغفر لهم بذلك ما كان منهم. ﴿وَأَصْلَحَ بالَهُمْ﴾ يعني: حالهم، وشأنهم، وأمرهم بالتوفيق في أمور الدين، والتسليط على أمور الدنيا، بما أعطاهم من النصر على أعدائهم. وقيل: (أصلح بالهم) يعني: قلوبهم؛ لأنّ القلب إذا صلح؛ صلح سائر الجسد. وقال ابن عباس-﵄: عصمهم الله أيام حياتهم. يعني: أنّ الإصلاح يعود إلى إصلاح أعمالهم؛ حتى لا يعصوا. هذا؛ والبال كالمصدر، ولا يعرف منه فعل، ولا تجمعه العرب إلاّ في ضرورة الشعر، فيقولون فيه: بالات. هذا؛ وقال الرازي في مختاره: البال: القلب، يقال: ما يخطر فلان

стр. 5960

ببالي؛ أي: بقلبي، والبال: رخاء النفس. يقال: فلان رخيّ البال. والبال: الحال، يقال: ما بالك؟ أي: ما حالك؟ والبال: الشأن، يقال: ما باله لا يفعل كذا؟ انتهى. وقد كان النبي ﷺ كثيرا ما كان يعرض بمن ينكر عليهم بعض أعمالهم، فيقول: «ما بال أقوام يفعلون كذا، وكذا؟» وقال القرطبي: والبال: الحوت العظيم من حيتان البحر. وفي القاموس: لا زعنفة له على ظهره، وقد يبلغ طوله [٥٠ - ٦٠] قدما، والكلمة غير عربية، والبالة: القارورة وعاء الطيب. والبالة: حزمة المنسوجات. هذا؛ وقد قال البغدادي-رحمه الله تعالى-: وقد التزم بعده ذكر حال يفسره غالبا، وقد يأتي بدونها، كقوله تعالى في سورة (طه) رقم [٥١]: ﴿قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى﴾ وقد تتبعت استعمال هذه الحال في كلام العرب، ولم أر من سبقني إليه، فرأيتهم يستعملونها على وجوه شتى، منها: أنها ماضوية مقرونة ب: «قد»، وماضوية بدون «قد»، ومضارعية مثبتة، ومضارعية منفية، وتكون مفردة، وتكون اسمية غير مقترنة بواو، ومقترنة بالواو. وأورد لكل وجه مثالا شعريا، وانظر الشاهدين [٥٣٧] و [٦٧٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». هذا؛ و ﴿مُحَمَّدٍ﴾ اسم عربي، وهو مفعل من الحمد، والتكرير فيه للتكثير، كما تقول: كرّمته، فهو مكرم، وعظّمته فهو معظم؛ إذا فعلت ذلك مرة بعد مرة، وهو منقول من الصفة على سبيل التفاؤل: أنه سيكثر حمد الناس له، وكان كذلك ﷺ . روي: أنّ النبي ﷺ لما ولد أمر عبد المطلب بجزور، فنحرت، ودعا رجال قريش، وكانت سنتهم في المولود إذا ولد في استقبال الليل، كفؤوا عليه قدرا حتى يصبح، ففعلوا ذلك بالنبي ﷺ ، فأصبحوا وقد انشقت عنه القدر، وهو شاخص إلى السماء، فلما حضرت رجال قريش، وطعموا؛ قالوا لعبد المطلب: ما سميت ابنك هذا؟ قال: سميته محمدا، قالوا: ما هذا من أسماء آبائك، قال: أردت أن يحمد في السموات، والأرض. وقد حقق الله رجاءه. قال الأعشى في قصيدته التي نظمها في مدح النبي ﷺ : [الطويل] إليك أبيت اللعن كان كلالها... إلى الواحد الفرد الجواد المحمّد وقد سمى جماعات من العرب أولادهم محمدا بلغوا سبعة، منهم محمد بن حمران الجعفي الشاعر، وكان في عصر امرئ القيس، وسماه: شويعرا، ومحمد بن خولي الهمداني، ومحمد بن بلال بن أحيحة. وكان زوج سلمى بنت عمرو جدة رسول الله ﷺ أم جده، ومحمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، وأبو محمد بن أوس بن زيد شهد بدرا، وقال في «السيرة الحلبية»: وقد عدّ بعضهم من سمّي بمحمد ستة عشر، ونظمهم في قوله: [الكامل] إن الذين سموا بإسم محمّد... من قبل خير الخلق ضعف ثمان ابن البراء مجاشع بن ربيعة... ثمّ ابن مسلم يحمدي حرماني

стр. 5961

ليثي السّليمي وابن أسامة... سعدى وابن سواءة همداني وابن الجلاح مع الأسيدي يا فتى... ثمّ الفقيمي هكذا الحمراني قال بعضهم: وفاته آخران، لم يذكرهما، وهما محمد بن الحارث، ومحمد بن عمر بن مغفل بضم أوله، وسكون المعجمة، وكسر الفاء، ثم لام. ووقع النزاع الكثير، والخلاف الشهير في أول من سمي بذلك الاسم منهم، وسبب كثرة التسمية بمحمد ما ذكر بعضهم؛ قال: سمعت محمد بن عدي، وقد قيل له: كيف سماك أبوك في الجاهلية محمدا؟ قال: سألت أبي عما سألتني عنه، فقال: خرجت رابع أربعة من تميم نريد الشام، فنزلنا عند غدير عند دير، فأشرف علينا الديراني، وقال: إن هذه للغة قوم ما هي لغة أهل هذه البلد، فقلنا له: نحن قوم من مضر، فقال لنا: إن الله سيبعث فيكم نبيا وشيكا، فسارعوا إليه، وخذوا حظكم، ترشدوا، فإنه خاتم النبيين، فقلنا له: ما اسمه؟ قال: محمد، ثم دخل ديره فو الله ما بقي أحد منا إلا زرع قوله في قلبه، فأضمر كل واحد منا إن رزقه الله غلاما سماه محمدا رغبة فيما قاله، قال: فلما انصرفنا ولد لكل واحد منا غلام. فسماه محمدا رجاء أن يكون أحدهم هو، والله أعلم حيث يجعل رسالته. انتهى. السيرة الحلبية بتصرف كبير. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): مبتدأ، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿نُزِّلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل تقديره: «هو» يعود إلى (ما)، وهو العائد، أو الرابط. هذا؛ وعلى قراءة الفعل بالبناء للمعلوم (نزّل) فالفاعل يعود إلى الله، والعائد محذوف، التقدير: بالذي أنزله الله. ﴿عَلى مُحَمَّدٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿آمَنُوا..﴾. إلخ، معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الاعتراض. (هو): مبتدأ. ﴿الْحَقُّ:﴾ خبره. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الحق، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية معترضة بين المبتدأ والخبر مؤكدة لإيجاب الإيمان، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الموصول؛ فيظهر فيها معنى التأكيد أيضا، ويكون الرابط: الواو، والضمير. ﴿كَفَّرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، وهو يؤكد بناء (نزّل) للمعلوم. ﴿عَنْهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿سَيِّئاتِهِمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَفَّرَ..﴾. إلخ، في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة: ﴿وَأَصْلَحَ بالَهُمْ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.

стр. 5962

﴿ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اِتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنّاسِ أَمْثالَهُمْ (٣)﴾ الشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى ما ذكر من الإضلال بالنسبة للكافرين، وتكفير السيئات، وإصلاح العمل بالنسبة للمؤمنين. ﴿بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. إلخ: أي بسبب اتباع هؤلاء الباطل، واتباع هؤلاء الحق، وهو تصريح بما أشعر به ما قبلها، ولذلك تسمى هذه الاية تفسيرا. ﴿كَذلِكَ﴾ أي: مثل ذلك الضرب ﴿يَضْرِبُ اللهُ لِلنّاسِ أَمْثالَهُمْ:﴾ يبيّن لهم أحوال الفريقين، أو أحوال الناس، أو يضرب أمثالهم بأن جعل اتباع الباطل مثلا لعمل الكفار، والإضلال مثلا لخيبتهم، واتباع الحق مثلا للمؤمنين، وتكفير السيئات مثلا لفوزهم. هذا؛ والكفر: ستر الحق بالجحود، والإنكار، وكفر فلان النعمة، يكفرها كفرا، وكفورا، وكفرانا: إذا جحدها، وسترها وأخفاها، قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ رقم [٧]. وكفر الشيء: ستره، وغطّاه، وسمي الكافر: كافرا؛ لأنه يغطي نعم الله بجحدها، وعبادته غيره. وسمي الزارع كافرا؛ لأنه يلقي البذر في الأرض، ويغطيه، ويستره بالتراب، قال تعالى في تشبيه حال الدنيا: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ رقم [٢٠] من سورة (الحديد). وسمّي الليل: كافرا؛ لأنه يغطي، ويستر كل شيء بظلمته، قال لبيد بن ربيعة الصحابي-﵁ في معلقته رقم [٦٥]. [الكامل] حتّى إذا ألقت يدا في كافر... وأجنّ عورات الثّغور ظلامها هذا؛ وأطلق لفظ الكافر على النهر، قال المتلمس حين ألقى الصحيفة في النهر: [الطويل] وألقيتها بالثّني من جنب كافر... كذلك ألقي كلّ رأي مضلّل رضيت لها بالماء لمّا رأيتها... يجول بها التيّار في كلّ جدول ﴿الْباطِلَ:﴾ ضد الحق، والباطل: الفاسد، والمراد به هنا: الشرك. وقيل: الشيطان. وجاء بمعنى العبث في سورة (ص) رقم [٢٧]، وذلك بقوله تعالى: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً﴾ والبطلان: عبارة عن عدم الشيء، إما بعدم ذاته، وإما بعدم فائدته، ونفعه. هذا؛ وبطل من باب: دخل، والبطل بفتحتين: الشجاع، والبطل بضم فسكون: الباطل، والكذب، والبطالة: التعطل، والتفرغ من العمل، ويجمع باطل على: أباطيل شذوذا، كما شذّ: أحاديث، وأعاريض، وأفاظيع في جمع: حديث، وعريض، وفظيع. هذا؛ ومبطل: اسم فاعل من: أبطل الرباعي. وانظر شرح ﴿الْحَقَّ﴾ في الاية رقم [٢٢] من سورة (الجاثية).

стр. 5963

هذا؛ والإيمان الصحيح هو: الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان. ولما سئل رسول الله ﷺ عن الإيمان، قال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الاخر، والقدر، خيره، وشرّه من الله تعالى». والإيمان يزيد، وينقص على المعتمد، كما رأيت في الاية رقم [٢] من سورة (الأنفال)، وله شعب كثيرة، وهي سبع وسبعون شعبة، أعلاها: لا إله إلاّ الله... إلخ، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، وهو بفتح الهمزة جمع: يمين بمعنى الحلف بالله، أو بصفة من صفاته، أو اسم من أسمائه. قال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ﴾ واليمين أيضا اليد اليمنى، وتجمع أيضا على: أيمان، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ وهو كثير في القرآن الكريم، ولا يجمع بالمعنى الأول؛ لأنه مصدر. هذا؛ و ﴿أَمْثَلُهُمْ﴾ في هذه الاية جمع: مثل بفتحتين، والمثل: عبارة عن قول في شيء يشبه قولا في شيء آخر بينهما مشابهة ليتبيّن أحدهما من الاخر، ويصوره. وقيل: هو تشبيه شيء بشيء آخر، وبالجملة: هو القول السائر بين الناس، والذي فيه غرابة من بعض الوجوه، والممثل بمضربه؛ أي: هو الحالة الأصلية، التي ورد الكلام فيها. وما أكثر الأمثال في اللغة العربية! علما بأن الأمثال لا تغير، تذكيرا، وتأنيثا، إفرادا، وتثنية، وجمعا، بل ينظر فيها دائما إلى مورد المثل؛ أي: أصله، مثل: (الصّيف ضيّعت اللّبن) فإنه يضرب لكل من فرط في تحصيل شيء في أوانه، ثم طلبه بعد فواته. وانظر (مثل) بكسر الميم وسكون الثاء في الاية رقم [١٠] الاتية. الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّ:﴾ الباء: حرف جر. (أنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم (أنّ). وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿اِتَّبَعُوا الْباطِلَ﴾ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في الإعراب، والتأويل. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْحَقَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: يضرب الله للناس أمثالهم ضربا كائنا مثل الضرب الذي يضربه الله لقريش، وأمثالهم من الكفار. ﴿يَضْرِبُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان به، ﴿أَمْثَلُهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها.

стр. 5964

﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤)﴾ الشرح: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: في المحاربة، والمقاتلة، وإنما قال: ﴿لَقِيتُمُ..﴾. إلخ ولم يقل: إذا لقيكم الذين كفروا، وهو أبين في الكلام؛ لأنّ ما لقيك فقد لقيته، وما لقيته فقد لقيك، قال الله تعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ قرئ برفع ﴿آدَمُ﴾ ونصب ﴿كَلِماتٍ،﴾ وقرئ بالعكس، والمعنى لا يتغير، فمعنى القراءتين واحد، كما قرئ قوله تعالى: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ قرئ بالواو والياء، قال الفراء: معنى القراءتين واحد؛ لأنّ ما نلته فقد نالك، وما نالك فقد نلته. ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ:﴾ أصله: فاضربوا الرقاب ضربا، فحذف الفعل، وقدم المصدر، وأنيب منابه مضافا إلى المفعول ضمّا إلى تأكيد الاختصار، والتعبير به عن القتل، إشعار بأنه ينبغي أن يكون بضرب الرقبة حيث أمكن، وتصوير له بأبشع صورة وأشنعها، وهو حزّ العنق، وإطارة العضو، الذي هو رأس البدن وعلوه وأوجه أعضائه، ولقد زاد في هذه الغلظة في قوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [١٢]: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ﴾. هذا؛ وفي قوله: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ مجاز مرسل، علاقته ذكر الجزء، وإرادة الكل؛ لأنّ ضرب الرقاب كناية عن القتل، وبما أن قتل الإنسان أكثر ما يكون بضرب الرقبة؛ وقع عبارة عن القتل. ﴿حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أي: أكثرتم القتل فيهم، وأغلظتموه. من: الثخين، وهو الغليظ. قال تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٦٧]: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾. أو المعنى: أثقلتموهم بالقتل، والجراح؛ حتى أضعفتموهم عن النهوض إلى القتال. ﴿فَشُدُّوا الْوَثاقَ﴾ أي: أؤسروهم وشدّوا وثاقهم حتى لا يفلتوا منكم، والوثاق بفتح الواو، وكسرها: اسم لما يوثق به؛ أي: يربط به من حبل، ونحوه. والجمع: وثق، مثل: رباط، وربط، وعناق، وعنق. ﴿فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً:﴾ والمعنى التخيير بعد الأسر بين أن يمنوا عليهم، فيطلقوهم، وبين أن يفادوهم، فإن قلت: كيف حكم أسارى المشركين؟ قلت: أما عند أبي حنيفة-رحمه الله تعالى- وأصحابه؛ فأحد أمرين: إما قتلهم، وإما استرقاقهم؛ أيهما رأى الإمام، ويقولون في المنّ، والفداء المذكورين في الاية: نزل ذلك في يوم بدر، ثم نسخ. وعن مجاهد: ليس اليوم منّ، ولا فداء، وإنما هو الإسلام، أو ضرب العنق. ويجوز أن يراد بالمن، أن يمنّ عليهم بترك القتل، ويسترقوا، أو يمنّ عليهم فيخلّوا لقبولهم الجزية، وكونهم من أهل الذمة، وبالفداء أن يفادى

стр. 5965

بأسراهم أسارى المشركين، فقد رواه الطحاوي مذهبا عن أبي حنيفة، والمشهور: أنه لا يرى فداءهم لا بمال، ولا بغيره خيفة أن يعودوا حربا للمسلمين. وأما الشافعي فيقول: للإمام أن يختار أحد أربعة على حسب ما اقتضاه نظره للمسلمين، وهي: القتل، والاسترقاق، والفداء بأسارى المسلمين، والمن. ويحتج بأن النبي ﷺ منّ على أبي عزة الجمحي، وعلى ثمامة بن أثال الحنفي، وفادى رجلا برجلين من المشركين، وإليه ذهب ابن عمر، وبه قال الحسن، وعطاء، وأكثر الصحابة، والعلماء، وهو قول الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. قال ابن عباس-﵄: لما كثر المسلمون، واشتدّ سلطانهم أنزل الله في الأسارى: ﴿فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً﴾ وهذا القول هو الصحيح؛ ولأنه به عمل النبي ﷺ والخلفاء بعده. وقال أبو حنيفة ومن وافقه من العلماء: هذه الاية منسوخ حكمها بقوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٥٧]: ﴿فَإِمّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ،﴾ وبقوله في سورة (التوبة) رقم [٥]: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ..﴾. إلخ. ﴿حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها:﴾ يعني أثقالها، وأحمالها، والمراد: أهل الحرب، يعني: حتى يضعوا أسلحتهم، ويمسكوا عن القتال، وأصل الوزر: ما يحمله الإنسان، فسمى الأسلحة وزرا؛ لأنها تحمل. قال الأعشى: [المتقارب] وأعددت للحرب أوزارها... رماحا طوالا وخيلا ذكورا وسميت أوزارها؛ لأنه لمّا لم يكن لها بد من جرها، فكأنها تحملها، وتستقل بها، فإذا انقضت، فكأنها وضعتها، كما قال الاخر: [الطويل] فألقت عصاها واستقرّت بها النّوى... كما قرّ عينا بالإياب المسافر وفي الجملة استعارة تصريحية ظاهرة. طرفة: روي عن بعضهم: أنه قال: كنت واقفا على رأس الحجاج حين أتي بالأسرى من أصحاب عبد الرحمن بن الأشعث، وهم أربعة آلاف، وثمانمئة، فقتل منهم نحوا من ثلاثة آلاف حتى قدم إليه رجل من كندة، فقال: يا حجاج لا جازاك الله عن السنة، والكرم خيرا، قال: ولم ذاك؟ قال: لأنّ الله تعالى قال: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. إلخ، في حق الذين كفروا، فو الله ما مننت، ولا فديت، وقد قال شاعركم فيما وصف به قومه من مكارم الأخلاق: [الطويل] ولا نقتل الأسرى، ولكن نفكّهم... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم فقال الحجاج: أفّ لهذه الجيف! أما كان فيهم من يحسن مثل هذا الكلام؟ خلوا سبيل من بقي، فخلّي عن بقية الأسرى، وهم زهاء ألفين بقول ذلك الرجل. هذا؛ وقد أغرب مجاهد، وسعيد بن جبير-﵄-حيث قالا: هو خروج عيسى على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.

стр. 5966

﴿ذلِكَ﴾ أي: الأمر فيهم ما ذكر من القتل، أو الأسر، وما بعده من المن، والفداء. وهي كلمة يستعملها الفصيح عند الخروج من كلام إلى كلام، كقوله تعالى في سورة (ص) رقم [٥٥]: ﴿هذا وَإِنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾. ﴿وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ:﴾ لانتقم منهم بالاستئصال، وأهلكهم بغير قتال ببعض أسباب: من خسف، أو رجفة، أو حاصب، أو غرق، أو موت جارف. وقال ابن عباس-﵄: لأهلكهم بجند من الملائكة. ﴿وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ:﴾ ولكن أمركم بالحرب؛ ليختبر المؤمنين بالكافرين بأن يجاهدوهم، ويقاتلوهم، فيستحقوا الثواب العظيم، والمقام الكريم، ويمتحن الكافرين بالمؤمنين بأن يعاجلهم على أيديهم ببعض عذابهم؛ كي يرتدع بعضهم عن الكفر. ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ يريد قتلى أحد من المؤمنين. ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ:﴾ فلن يضيعها، بل يوفيهم ثواب أعمالهم، التي عملوها في الدنيا. قال قتادة-رحمه الله تعالى-: ذكر لنا: أن هذه الاية نزلت يوم أحد، ورسول الله في الشعب، وقد فشت فيهم الجراحات، والقتل، وقد نادى المشركون: اعل هبل! ونادى المسلمون: الله أعلى، وأجلّ! وقال المشركون: يوم بيوم بدر، والحرب سجال. فقال النبي ﷺ : «قولوا: لا سواء، قتلانا في الجنة أحياء عند ربهم يرزقون، وقتلاكم في النار يعذبون». فقال المشركون: لنا العزّى، ولا عزّى لكم. فقال المسلمون: الله مولانا ولا مولى لكم، وقد تقدّم ذكر هذا في سورة (آل عمران). والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿لَقِيتُمُ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿فَضَرْبَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (ضرب): مفعول مطلق نائب عن فعله؛ إذ أصله: فاضربوا الرقاب ضربا، فحذف الفعل، وأقيم المصدر مقامه مضافا إلى المفعول، لذا ففاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، والجملة جواب (إذا)، لا محلّ لها. ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء، ويعتبرها الأخفش في مثل ذلك جارة ل: ﴿فَإِذا﴾. ﴿فَإِذا:﴾ مثل سابقتها. ﴿أَثْخَنْتُمُوهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿فَإِذا﴾ إليها. ﴿فَشُدُّوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب ﴿فَإِذا﴾. (شدوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب ﴿فَإِذا،﴾ لا محل لها. ﴿الْوَثاقَ:﴾ مفعول به، و ﴿فَإِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له، وعلى قول الأخفش، ف: ﴿حَتّى﴾ ومجرورها متعلقان بالمصدر: (ضرب).

стр. 5967

﴿فَإِمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف وتفريع، (إما): أداة شرط وتفصيل، وهي هنا مفيدة للتخيير. ﴿مَنًّا:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: تمنون منا. ﴿بَعْدُ:﴾ ظرف زمان مبني على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى في محل نصب متعلق بالمصدر قبله. ﴿وَإِمّا:﴾ الواو: حرف عطف. (إمّا): معطوفة على ما قبلها. وقيل: عاطفة. ﴿فِداءً:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: تفادون فداء. هذا؛ والفعل المقدر يؤول بمصدر في محل رفع مبتدأ، خبره محذوف، وإذا قدرت: إما أن تمنوا منا، وإما أن تفادوا فداء؛ وضح الأمر، وزال الخفاء، ويكون التقدير: فإمّا منّكم موجود منكم، وإما فداؤهم. أو وإما فداؤكم موجود منكم أيضا، والجملة الاسمية الحاصلة من هذا التقدير مستأنفة لا محلّ لها، أو هي معطوفة على جملة: (شدوا...) إلخ، لا محلّ لها أيضا. هذا؛ وقد قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] وما لتفصيل كإمّا منّا... عامله يحذف حيث عنّا قال ابن عقيل-﵀: يحذف عامل المصدر وجوبا إذا وقع تفصيلا لعاقبة ما تقدمه، وذكر الاية التي نحن بصدد شرحها. وأجاز أبو البقاء أن يكونا مفعولين لفعل محذوف، التقدير: أولوهم منا، واقبلوا منهم فداء، وهو ضعيف جدا. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿تَضَعَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾. ﴿الْحَرْبُ:﴾ فاعله. ﴿أَوْزارَها:﴾ مفعول به، و (ها): في محل جر بالإضافة، وأن المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل المقدر، أو بالمصدر المذكور. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو في محل خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: أي: الأمر ذلك، أو هو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: افعلوا ذلك، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له، والجملة على الاعتبارين مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿يَشاءُ اللهُ:﴾ مضارع وفاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لانْتَصَرَ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (انتصر): فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية جواب (لو)، لا محلّ لها. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل، لا عمل له. ﴿لِيَبْلُوَا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿بَعْضَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بِبَعْضٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: ولكن أمركم بالقتال؛ ليبلو... إلخ، والجملة هذه معطوفة على جواب (لو)، لا محل لها مثلها.

стр. 5968

﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): مبتدأ، وجملة: ﴿قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها، ﴿قُتِلُوا:﴾ ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء: حرف صلة. (لن): حرف ناصب. ﴿يُضِلَّ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (لن) والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿أَعْمالَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، وزيدت الفاء في الخبر؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (٦)﴾ الشرح: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ:﴾ الضمير يعود إلى الذين قتلوا في سبيل الله، ومن المعلوم: أن المقتول لا يوصف بذلك، وفي ذلك أجوبة، فقال بعضهم: سيهدي من بقي منهم؛ أي: يحقق لهم الهداية، وهذا ضعيف. وقال ابن زياد: سيهديهم إلى محاجة منكر ونكير في القبر؛ أي: بمعنى يوفقهم للجواب حينما يسألون في القبر. وقال أبو المعالي: وقد ترد الهداية، والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان، والطرق المفضية إليها، من ذلك قوله تعالى في صفة المجاهدين: ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ ومنه قوله تعالى في الكافرين، والفاسدين المفسدين: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ﴾ وهو فحوى قوله تعالى: ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ وخذ ما يلي: قال مجاهد: يهتدي أهلها إلى بيوتهم، ومساكنهم، وحيث قسم الله لهم منها، لا يخطئون، كأنهم ساكنوها منذ خلقوا. وقال محمد بن كعب القرظي: يعرفون بيوتهم؛ إذا دخلوا الجنة، كما تعرفون بيوتكم؛ إذا انصرفتم من الجمعة. وقال مقاتل: بلغنا: أن الملك الذي كان وكّل بحفظ عمله في الدنيا، يمشي بين يديه في الجنة، ويتبعه ابن آدم حتى يأتي أقصى منزل هو له، فيعرّفه كلّ شيء أعطاه الله تعالى في الجنة، فإذا انتهى إلى أقصى منزله في الجنة؛ دخل إلى منزله، وأزواجه، وانصرف الملك عنه، وقد ورد الحديث الصحيح بذلك: فعن أبي سعيد الخدري-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا خلص المؤمنون من النار؛ حبسوا بقنطرة بين الجنّة والنار، يتقاضون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتّى إذا هذّبوا، ونقّوا؛ أذن لهم في دخول الجنّة، والّذي نفسي بيده، إنّ أحدهم بمنزله في الجنة، أهدى منه بمنزله الّذي كان في الدّنيا» أخرجه البخاري. وقال ابن عباس-﵄: ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ أي: طيّبها لهم بأنواع الملاذ. مأخوذ من العرف، وهو الرائحة الطيبة. وطعام معرّف؛ أي: مطيّب، ورحم الله أبا تمام؛ إذ يقول: [الكامل] وإذا أراد الله نشر فضيلة... طويت أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار فيما جاورت... ما كان يعرف طيب عرف العود

стр. 5969

الإعراب: ﴿سَيَهْدِيهِمْ:﴾ السين: حرف استقبال، وتسويف، وهي في حق الله تعالى تفيد تحقيق الوقوع، وتنفيذ الموعود. (يهديهم): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿الْجَنَّةَ:﴾ مفعول به ثان، وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٧٠] من سورة (الزخرف). ﴿عَرَّفَها:﴾ ماض، ومفعوله، وفاعله يعود إلى (الله) أيضا. ﴿يُدْخِلُهُمُ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الفاعل المستتر، أو من الجنة، والرابط على الاعتبارين: الضمير فقط، و «قد» قبلها مقدرة، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محلّ لها. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (٧)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ: هذا وعد من العزيز الحكيم بأنه ينصر عباده المؤمنين؛ إن هم نصروا دينه، ونصروا نبيه بالأموال، والأرواح، والله لا يخلف وعده، فقد شرط لنصره عباده المؤمنين ذلك، وإذا لم ينصروا دين الله؛ فكيف ينصرهم على أعدائهم؟! ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ أي: في الميدان؛ إذا التحم القتال، والتقى السنان بالسنان. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٥١] من سورة (غافر) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. وقال تعالى في سورة (الحج) رقم [٤٠]: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. هذا؛ والمراد ب: (الأقدام) الذوات بتمامها، وعبّر بذلك؛ لأنّ الثبات، والتزلزل يظهران فيها، فهو من التعبير بالجزء عن الكل مجازا. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو، أو: أنادي. (أيها): منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب بأداة النداء، و (ها): حرف تنبيه لا محلّ له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدل من (أيها)، وانظر الاية رقم [١٣] من سورة (الحجرات)، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَنْصُرُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يَنْصُرْكُمْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام لا محلّ له؛ لأنه مبتدأ مثل الجملة الندائية قبله. ﴿وَيُثَبِّتْ:﴾ الواو: حرف عطف. (يثبت): مضارع معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، وانظر الاية رقم [٣٦] الاتية، وفاعله يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿أَقْدامَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة.

стр. 5970

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (٨)﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ:﴾ فهلاكا، وعثارا، وانحطاطا. وهو نقيض لعا له، قال الأعشى: [البسيط] كلّفت مجهولها نفسي وشايعني... همّي عليها إذا ما آلها لمعا بذات لوث عفرناة إذا عثرت... فالتّعس أولى لها من أن يقال: لعا وقال ابن دريد في مقصورته-وهو الشاهد رقم [١٠٤٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الرجز] فإن عثرت بعدها إن وألت... نفسي من هاتا فقولا: لا لعا يقول الأعشى: كلفت نفسي سير المجهول من المفازة، وعاودني عزمي على سيرها وقت لمعان آلها، وهو السراب، الذي يرى عند شدة الحر، كأنه ماء، مع أن سير الهاجرة أشد من سير الليل، ثم قال: مع ناقة صاحبة قوة، ويطلق اللوث على الضعف أيضا، فهو من الأضداد. وعفرناة: غليظة، ويقال للعاثر: «لعا لك» دعاء له بالسلامة، والانتعاش، و «تعسا له» دعاء عليه بالسقوط يريد: أنها لا تعثر، ولو عثرت، فالدعاء عليها أحقّ بها من الدعاء لها، و «لعا» اسم فعل ماض. هذا؛ وقد تعس بفتح العين يتعس تعسا، وأتعسه الله. قال مجمّع بن هلال: [الطويل] تقول وقد أفردتها من خليلها... تعست كما أتعستني با مجمّع ومنه حديث أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «تعس عبد الدينار، والدرهم، وعبد الخميصة، إن أعطي؛ رضي، وإن لم يعط؛ سخط، تعس، وانتكس، وإذا شيك؛ فلا انتقش... إلخ». رواه البخاري. هذا؛ والخميصة: ثوب خز، ونحوه. شيك: أصابته شوكة. فلا انتقش: فلا خرجت الشوكة من رجله، ونحوها بالمنقاش. هذا؛ وفي قوله تعالى: (أضل أعمالهم) استعارة مكنية. فقد شبه أعمالهم الصالحة بالشيء الضائع في الأرض الفلاة، لا صاحب يحفظه، ويعتني به. أو بالماء الذي يضل في اللبن ويستهلك فيه، والمعنى: أنّ الكفار ضلت أعمالهم الصالحة في جملة أعمالهم السيئة من الكفر، والمعاصي، وحتى صار صالحهم مستهلكا في غمار سيئهم، ومقابله في المؤمنين: ستر الله لأعمالهم السيئة في كنف أعمالهم الصالحة من الإيمان، والطاعة؛ حتى صار سيئهم مكفرا ممحقا في جنب صالح أعمالهم. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (الذين): مبتدأ. وجوز القرطبي نصبه على الاشتغال بفعل محذوف. ورده ابن هشام بقوله: لأنّ ﴿لَهُمْ﴾ ليس متعلقا بالمصدر، وقال مكي: ويجوز في الكلام الرفع على الابتداء، و ﴿لَهُمْ﴾ الخبر، والجملة خبر عن

стр. 5971

(الذين). انتهى. ولكن لم يقرأ بالرفع، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿فَتَعْساً:﴾ الفاء: حرف صلة. (تعسا): مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: فتعسوا تعسا. وهذه الجملة في محل رفع خبر المبتدأ، وزيدت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: (تعسا)، مثل: سقيا لك. ﴿وَأَضَلَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أضل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿أَعْمالَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ لا محلّ لها على الاعتبارين في الواو. ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٩)﴾ الشرح: ﴿ذلِكَ﴾ أي: ذلك الإضلال، والإتعاس. ﴿بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ أي: القرآن وما فيه من التكاليف، والأحكام؛ لأنهم ألفوا الإهمال، وإطلاق العنان في الشهوات، والملاذ، فشقّ عليهم ذلك، وتعاظمهم. ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ﴾ أي: أبطل ثواب أعمالهم؛ التي عملوها من عمارة مسجد، وقرى ضيف، وصلة رحم؛ لأنّ عمل الخير لا يقبل إلاّ إذا قرن بالإيمان. هذا؛ و «حبط» الثلاثي لازم، و «أحبط» الرباعي متعد بالهمزة. وفي المصباح المنير: حبط العمل، يحبط من باب: تعب حبطا بالسكون، وحبوطا: فسد، وهدر. وحبط، يحبط من باب: ضرب لغة، وقرئ بها في الشواذ. وحبط دم فلان حبطا من باب: تعب: هدر، وأحبطت العمل، والدم بالألف: أهدرته. وفي مختار الصحاح: والحبط بفتحتين أن تأكل الماشية، فتكثر، حتى تنتفخ لذلك بطونها، ولا يخرج عنها ما فيها. وقيل: هو أن ينتفخ بطنها عن أكل الذرق، وهو الحندقوق، وفي الحديث الشريف: «إنّ ممّا ينبت الربيع ما يقتل حبطا، أو يلمّ». انتهى. واسم هذا الداء: حباط. الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: الأمر ذلك، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: فعل الله بهم ذلك، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿بِأَنَّهُمْ:﴾ الباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كَرِهُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: كرهوا الذي، أو شيئا أنزله الله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ على الوجه الأول في ذلك، أو هما متعلقان بالفعل المحذوف، على الوجه الثالث فيه، أو متعلقان بمحذوف حال

стр. 5972

من ذلك على الوجه الثاني فيه، وجملة: ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ﴾ معطوفة على جملة: ﴿كَرِهُوا..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (١٠)﴾ الشرح: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ أي: أفلم يمش كفار مكة في نواحي الأرض، وجهاتها؛ ليروا مصارع الأمم؛ التي كذبت رسلها، وما حلّ بها من الهلاك، والدمار، فيعتبروا بهم؟! وفيه ردع، وزجر للكافرين المكذبين، وللفاسقين الظالمين بأن الله سيهلكهم كما أهلك من قبلهم، فهو حض؛ لينظروا نظرة تبصر، واعتبار، لا نظرة غفلة وإهمال، ينظرون إلى مساكن الأمم الماضية، وديارهم، وآثارهم: كيف أهلكهم الله بذنوبهم، كما قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١١] وغيرها كثير: ﴿ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. هذا؛ وعاقبة كل شيء: آخره، ونتيجته، ومصيره، وماله، ولم يؤنث الفعل ﴿كانَ﴾ لأنّ (عاقبة) مؤنث مجازي وما كان منه يستوي فيه التذكير، والتأنيث للفعل، أو لأن (عاقبة) اكتسب التذكير من المضاف إليه. وهذا باب من أبواب النحو. انظر الشاهد رقم [٩٠١] وما بعده من كتابنا: «فتح القريب المجيب» تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: دمر الله عليهم ما اختصّ بهم من أنفسهم، وأموالهم، وأولادهم، وكل ما كان لهم. هذا؛ ودمّره: أهلكه، ودمر عليه: أهلك عليه ما يختص به. ﴿وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها:﴾ الضمير يعود إلى العاقبة المذكورة، أو للهلكة؛ لأنّ التدمير يدلّ عليها، أو للسنة لقوله : ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾. هذا؛ و ﴿أَمْثالُها﴾ جمع: مثل بكسر الميم وسكون الثاء، ومثله: مثيل، وشبه، وشبيه. وهو اسم متوغل في الإبهام، فلا يتعرف بإضافته إلى الضمير ونحوه من المعارف، ولذلك نعتت به النكرة في قوله تعالى في سورة (المؤمنون) حكاية عن قول فرعون وقومه: ﴿فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ويوصف به المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وهو واضح في مواضعه، وتستعمل على ثلاثة أوجه: الأول: بمعنى الشبيه، كما في الاية الكريمة، ونحوها. والثاني: بمعنى نفس الشيء وذاته، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ عند بعضهم؛ حيث قال: المعنى ليس كذاته شيء. الثالث: زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي بما آمنتم به، وانظر شرح: (مثل) برقم [٣]. الإعراب: ﴿أَفَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي إنكاري. الفاء: حرف استئناف، أو هي عاطفة على مقدر؛ أي: أعجزوا فلم... إلخ؟. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَسِيرُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية لا محلّ لها على

стр. 5973

الوجهين المعتبرين في الفاء. ﴿فَيَنْظُرُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم على اعتبار الفاء عاطفة، وهو منصوب على اعتبار الفاء للسببية، و «أن» مضمرة بعدها، وعلامة الجزم، أو النصب حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى اعتبار الفعل منصوبا يؤول مع «أن» المضمرة الناصبة له بمصدر، معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، ويكون التقدير: فهلا حصل منهم سير في الأرض، فنظر في عاقبة الذين من قبلهم؟! هذا؛ ومثل هذه الاية في جواز اعتبار الفعل مجزوما، أو منصوبا بعد الفاء قول زهير بن أبي سلمى المزني-وهو الشاهد رقم [١٦٧] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الطويل] ومن لا يقدّم رجله مطمئنّة... فيثبتها في مستوى الأرض يزلق ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر: ﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها، وهو معلق للفعل قبله عن العمل لفظا. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عاقِبَةُ:﴾ اسمها، و ﴿عاقِبَةُ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿كانَ﴾ تامة فالمعنى لا يأباه، ويكون ﴿عاقِبَةُ﴾ فاعلها، و ﴿كَيْفَ﴾ في محل نصب حال من: ﴿عاقِبَةُ،﴾ والعامل ﴿كانَ،﴾ وهي بمعنى: حدث، وعلى الاعتبارين فالجملة الفعلية في محل نصب سدّت مسدّ مفعول الفعل قبلها. ﴿دَمَّرَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله محذوف، كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية مستأنفة، وهي بمنزلة جواب لسؤال مقدر، أو ل: ﴿كَيْفَ﴾ المذكورة. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَلِلْكافِرِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (للكافرين): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَمْثالُها:﴾ مبتدأ مؤخر، و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال؛ فلست مفندا. ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (١١)﴾ الشرح: ﴿ذلِكَ﴾ أي: الإهلاك، والذل، والهوان. ﴿بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ وليهم وناصرهم، وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٤] شرح: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ ففيها الكفاية. ﴿وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ أي: لا ناصر لهم، ولا معين لهم، يدفع عنهم العذاب، وهذا لا يخالف قوله تعالى في الاية رقم [٦٢] من سورة (الأنعام): ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ..﴾. إلخ فإن المولى فيه بمعنى: المالك، كما يأتي المولى بمعنى: الحليف، والصديق، وابن العم. وانظر ما ذكرته في سورة (الدخان) رقم [٤١]. الإعراب: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ:﴾ هو مثل الاية رقم [٩] إعرابا، وتأويلا. ﴿مَوْلَى:﴾ خبر: (أنّ) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، و ﴿مَوْلَى﴾ مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول

стр. 5974

مبني على الفتح في محل جر بالإضافة وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَأَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ اسم: (أنّ) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿مَوْلَى:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ والجملة الاسمية في محل رفع خبر: (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر معطوف على ما قبله، فهو في محل جر مثله. ﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٢)﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ﴾ يعني: في الدنيا بشهواتها ولذاتها. ﴿وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ﴾ يعني: ليس لهم همة إلا بطونهم، وفروجهم، وهم مع ذلك لاهون ساهون عما يراد بهم في غدهم، ولهذا شبههم بالأنعام؛ لأن الأنعام لا عقل لها، ولا تمييز، وكذلك الكافر لا عقل له، ولا تمييز؛ لأنه لو كان له عقل ما عبد ما يضره، ولا ينفعه. قيل: المؤمن في الدنيا يتزود، والمنافق يتزين، والكافر يتمتع، وإنما وصف الكافر بالتمتع؛ لأنها جنته، وهي سجن المؤمن بالنسبة إلى ما أعده الله له في الاخرة من النعيم العظيم الدائم. ﴿وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ أي: مقام، ومنزل. فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «المسلم يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء». رواه مالك، والبخاري، ومسلم، وغيرهم. هذا؛ والتمتع: التلذذ بالشيء، والانتفاع به، ومثله: الاستمتاع، والاسم: المتعة، فهنيئا لمن تمتع واستمتع بالمباح الحلال، وويل، ثم ويل لمن تمتع، واستمتع بالحرام! هذا؛ والمتعة بكسر الميم وضمها: اسم للتمتيع، والزاد القليل، وما يتمتع به من الصيد، والطعام، ومتعة المرأة ما وصلت به بعد الطلاق من نحو قميص، وإزار، وملحفة، قال تعالى في سورة (البقرة): ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. هذا؛ والأنعام: ما يؤكل من البهائم من بقر، وغنم، وما عز، وإبل. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يُدْخِلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وانظر الاية رقم [٧٠] من سورة (الزخرف). وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿جَنّاتٍ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة:

стр. 5975

﴿يُدْخِلُ..﴾. إلخ، في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية هذه لا محلّ لها؛ لأنها مستأنفة، أو ابتدائية. ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل: ﴿تَجْرِي،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿جَنّاتٍ﴾. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿يَتَمَتَّعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة: ﴿وَيَأْكُلُونَ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿تَأْكُلُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْأَنْعامُ:﴾ فاعل، و (ما) المصدرية، والفعل: ﴿تَأْكُلُ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، يقع مفعولا مطلقا، التقدير: يأكلون أكلا مثل أكل الأنعام، وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٣٥] من سورة (الأحقاف)، والجملة الاسمية: (الذين كفروا...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. (النار): مبتدأ. ﴿مَثْوىً:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مَثْوىً﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها أيضا. ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ (١٣)﴾ الشرح: قال قتادة، وابن عباس-﵄: لما خرج النبي ﷺ من مكة إلى الغار في ليلة الهجرة؛ التفت إلى مكة، وقال: «اللهمّ أنت أحبّ البلاد إلى الله، وأنت أحبّ البلاد إليّ، ولولا المشركون أهلك أخرجوني؛ لما خرجت منك» فنزلت الاية. ذكره الثعلبي. وهو حديث صحيح. انتهى. قرطبي. وهذا ينفي ما ذكرته في المقدمة من أنّ الاية نزلت بعد حجة الوداع، وهو المعتمد، وذكره السيوطي في أسباب النزول. ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أي: من أهل قرية، فلذا جمع الضمير فيما يأتي. ﴿هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد ب: ﴿قَرْيَتِكَ﴾ مكة المكرمة. ﴿الَّتِي أَخْرَجَتْكَ:﴾ أخرجك أهلها منها، وكان ذلك بالهجرة منها إلى المدينة المنورة. ﴿أَهْلَكْناهُمْ﴾ أي: بأنواع البلاء والهلاك الذي نزل بالأمم السابقة؛ التي كذبت رسلها. ﴿فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ أي: من العذاب، والهلاك، وهذه الجملة جارية مجرى الحال المحكية، كأنه قال: أهلكناهم، فهم لا ينصرون. هذا؛ و (كأيّن) أصلها: أيّ الاستفهامية، دخلت عليها كاف التشبيه، فصارت بمعنى «كم» الخبرية التكثيرية، وهي كناية عن عدد مبهم، مثل: كم، وكذا، وفيها خمس لغات، كلها قرئ

стр. 5976

بها: إحداها: كأيّن، وهي الأصل، وبها قرأ الجماعة إلاّ ابن كثير. والثانية: كائن بوزن كاعن، وبها قرأ ابن كثير، وجماعة، وهي أكثر استعمالا من (كأين) وإن كانت الأصل، وهو كثير في الشعر العربي. والثالثة: (كئين) بوزن: كريم. الرابعة: (كيئن) بياء ساكنة وهمزة مكسورة. الخامسة: (كأن) بوزن: كفن. هذا؛ والجلال المحلي اعتبر كأيّن بسيطة غير مركبة، وأن آخرها نون من نفس الكلمة لا تنوين؛ لأن هذه الدعاوى المتقدمة لا يقوم عليها دليل، والشيخ-رحمه الله تعالى-سلك في ذلك الطريق الأسهل، والنحويون ذكروا هذه الأشياء محافظة على أصولهم مع ما ينضم إلى ذلك من الفوائد، وتشحين الذهن، وتمرينه. انتهى. جمل. الإعراب: ﴿وَكَأَيِّنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كأين): اسم كناية بمعنى: كثير مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وأجاز السمين اعتباره مفعولا به لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿قَرْيَةٍ:﴾ تمييز ل: (كأيّن) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَشَدُّ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل جر على اللفظ، أو في محل نصب على المحل صفة: ﴿قَرْيَةٍ﴾. ﴿قُوَّةً:﴾ تمييز. ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَشَدُّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة: ﴿قَرْيَتِكَ﴾. ﴿أَخْرَجَتْكَ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّتِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿أَهْلَكْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو: (كأين)، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. هذا؛ وعلى اعتبار (كأين) مفعولا به فالجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها مفسرة، وعليه تكون جملة «أهلكنا كأين» المقدرة فعلية لا اسمية. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف تعليل. (لا ناصر لهم) إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿لا مَوْلى لَهُمْ﴾ في الاية رقم [١١] وهي هنا تعليلية، أو معطوفة، لا محلّ لها من الإعراب ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاِتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٤)﴾ الشرح: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: على ثبات، ويقين، وهدى، ونور من دينه، وهو محمد ﷺ والمؤمنون معه. ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ:﴾ وهذا هو الكافر أبو جهل، ومن حذا حذوه من الضالين المضلين من يومه إلى يومنا هذا، وإلى يوم القيامة. والمزين في الحقيقة هو الله تعالى عند أهل السنة، والجماعة، وليس للشيطان إلاّ الوسوسة، وهذا بخلاف رأي المعتزلة. انظر ما ذكرته في سورة (غافر) رقم [٣٧] تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ أي: ما تزينه لهم نفوسهم من الكفر، والمعاصي، والسيئات. هذا؛ وقد روعي لفظ (من) في: ﴿رَبِّهِ﴾ ﴿لَهُ﴾ ﴿عَمَلِهِ،﴾ وروعي معناها بقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ وانظر الاية رقم [١٨] من سورة (الجاثية).

стр. 5977

الإعراب: ﴿أَفَمَنْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام داخلة على مقدر محذوف، يقتضيه المقام، التقدير: أليس الأمر كما ذكر فمن كان مستقرا على حجة ظاهرة، وبرهان بيّن كمن زيّن له... إلخ. الفاء: حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى: (من)، وهو العائد. ﴿عَلى بَيِّنَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية صلة (من) لا محل لها. ﴿مِنْ رَبِّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿بَيِّنَةٍ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿كَمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وإن اعتبرت الكاف اسما؛ فهي الخبر، وتكون مضافة، و (من): اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿زُيِّنَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿سُوءُ:﴾ نائب فاعل: ﴿زُيِّنَ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، و ﴿سُوءُ﴾ مضاف، و ﴿عَمَلِهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، والكلام ﴿أَفَمَنْ..﴾. إلخ، مستأنف، لا محل له. ﴿وَاتَّبَعُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (اتبعوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَهْواءَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محلّ لها مثلها. هذا؛ ومثل الاية في إعرابها الاية رقم [١٩] من سورة (الرعد). ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥)﴾ الشرح: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ أي: صفة الجنة، التي هي مثل في الغرابة. ووقوع المثل بمعنى الصفة موجود في قوله تعالى في آخر سورة (الفتح): ﴿ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ وأنكر أبو علي الفارسي المثل بمعنى الصفة، وقال: إنما معناه: الشبه، ألا تراه يجري مجراه في مواضعه، ومتصرفاته، كقولك: مررت برجل مثلك، كما تقول: مررت برجل شبهك. وقال الفراء: المثل مقحم للتوكيد. ﴿الْمُتَّقُونَ:﴾ جمع: متق، وهو من لم يفعل كبيرة، ولم يصرّ على صغيرة. هذا؛ ولما بين الله حال الفريقين في الاهتداء، والضلال؛ بين في هذه الاية ما أعدّ لكل واحد من الفريقين من الجزاء؛ الذي يستحقه في الاخرة. ﴿فِيها أَنْهارٌ:﴾ جمع نهر، وقد قسمها العلي القدير، وبينها أربعة أنواع: النوع الأول: ﴿أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ أي: غير متغير، ولا منتن، يقال: أسن الماء، وأجن: إذا تغير طعمه، وريحه، ولونه، وقرئ: «(أسن)» بالقصر، وأنشدوا ليزيد بن معاوية. [البسيط] لقد سقتني رضابا غير ذي أسن... كالمسك فتّ على ماء العناقيد

стр. 5978

النوع الثاني: ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ أي: لم يحمض بطول المقام، كما تتغير ألبان الدنيا إلى الحموضة، فلا يعود قارصا، ولا حاذرا، ولا ما يكره من الطعوم. النوع الثالث: ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ أي: لم تدنسها الأرجل ولم ترنّقها الأيدي، كخمر الدنيا، فهي لذيذة الطعم، طيبة الشرب، لا يتكرّهها الشاربون. والمعنى: ما فيها إلا التلذذ الخالص، ليس معه ذهاب عقل، ولا خمار، ولا صراع، ولا آفة من آفات الخمر الموجودة في الدنيا. قال تعالى في سورة (الصافات): ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ رقم [٤٧]. النوع الرابع: ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ أي: من الشمع، والقذى، خلقه الله كذلك، لم يطبخ على نار ولا دنسه النحل، بل هو خالص صاف من جميع شوائب عسل الدنيا. هذا؛ و (العسل) يذكر، ويؤنث. انظر كتب اللغة. فعن حكيم بن معاوية عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «إنّ في الجنّة بحر الماء، وبحر العسل، وبحر اللّبن، وبحر الخمر، ثمّ تشّقّق الأنهار بعد». أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وعن أبي هريرة-﵁-قال، قال رسول الله ﷺ : «سيحان، وجيحان، والفرات، والنيل، كلّ من أنهار الجنّة». رواه مسلم. قال الشيخ محيي الدين النووي في شرح مسلم: فأما كون هذه الأنهار من ماء الجنة ففيه تأويلان: أحدهما: أن الإيمان عم بلادها، أو الأجسام المتغذية بمائها صائرة إلى الجنة. الثاني-وهو الصحيح-: أنها على ظاهرها، وأن لها مادة من الجنة، فالجنة مخلوقة موجودة اليوم. هذا مذهب أهل السنة. انتهى. خازن بتصرف، وقريب منه في القرطبي، أما الزمخشري فلم يذكر في كشافه شيئا من ذلك؛ لأنه معتزلي. فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى في الخمر: ﴿لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ولم يقل في اللبن: لم يتغير طعمه للطاعمين، ولا قال في العسل: مصفى للناظرين؟ أجاب الرازي بأنّ اللذة تختلف باختلاف الأشخاص، فرب طعام يلتذ به شخص، ويعافه الاخر، فلذلك قال: لذة للشاربين بأسرهم، ولأن الخمر كريهة الطعم في الدنيا، فقال: لذة؛ أي: لا يكون في خمر الاخرة كراهة طعم، وأمّا الطعم، واللون؛ فلا يختلفان باختلاف الناس، فإن الحلو، والحامض، وغيرهما يدركه كل أحد، لكن قد يعافه بعض الناس، ويلتذ به البعض مع اتفاقهم: أن له طعما واحدا، وكذلك اللبن، فلم يكن للتصريح بالتعميم حاجة. انتهى. جمل. ﴿وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ:﴾ في ذكر الثمرات بعد المشروب إشارة إلى أن مأكول أهل الجنة للذة، لا لحاجة، فلهذا ذكر الثمار بعد المشروب؛ لأنها للتفكه، واللذة. ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ فإن قلت: المؤمن المتقي لا يدخل الجنة إلا بعد المغفرة، فكيف يكون لهم فيها المغفرة، قلت: ليس بلازم أن يكون المعنى: ولهم مغفرة فيها؛ لأنّ الواو لا تقتضي الترتيب، فيكون المعنى: ولهم فيها من كل الثمرات، ولهم مغفرة قبل دخولهم إليها، وجواب آخر وهو أن المعنى: ولهم

стр. 5979

مغفرة فيها برفع التكاليف عنهم فيما يأكلون، ويشربون بخلاف الدنيا، فإن مأكولها يترتب عليه حساب، وعقاب، ونعيم الجنة لا حساب عليه، ولا عقاب فيه. انتهى. من الخازن. ﴿كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النّارِ﴾ يعني: من هو في هذا النعيم المقيم الدائم كمن هو في النار خالد فيها، يتجرع من حميمها، ويصلى سعيرها؟! وقال ابن كيسان: مثل هذه الجنة التي فيها الثمار، والأنهار كمثل النار التي فيها الحميم والزقوم؟! ومثل أهل الجنة في النعيم المقيم كمثل أهل النار في العذاب المقيم؟! ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيماً:﴾ شديد الحر، قد استعرت عليه جهنم منذ خلقت؛ إذا دنا منهم؛ شوى وجوههم، ووقعت فروة رؤوسهم (ف): إذا شربوه (قطع أمعاءهم) يعني: فخرجت من أدبارهم. والأمعاء جمع: معى، وتثنيته: معيان، وهو جميع ما في البطن من الحوايا. وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «إنّ الحميم ليصبّ على رؤوسهم، فينفذ حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه؛ حتّى يمرق من قدميه، وهو الصّهر، ثمّ يعاد كما كان». أخرجه الترمذي، والبيهقي. هذا؛ وقال تعالى في سورة (الحج) رقم [١٩ و ٢٠]: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾. عن أبي أمامة-﵁-عن النبي ﷺ في قوله تعالى من سورة (إبراهيم) رقم [١٧]: ﴿وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ﴾ قال: يقرّب إلى فيه، فيكرهه، فإذا أدني منه؛ شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه؛ قطّع أمعاءه؛ حتى يخرج من دبره، يقول الله تعالى: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾ ويقول: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ﴾. رواه أحمد، والترمذي، وقال: حديث غريب. وهذه الاية من سورة (الكهف) رقم [٢٩] انظر شرح الايات في محالها تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿مَثَلُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْجَنَّةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة: ﴿الْجَنَّةِ﴾. ﴿وُعِدَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿الْمُتَّقُونَ:﴾ نائب فاعل مرفوع... إلخ، وهو المفعول الأول. والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، وهو المفعول الثاني، التقدير: التي وعدها المتقون. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿أَنْهارٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مِنْ ماءٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَنْهارٌ﴾. ﴿غَيْرِ:﴾ صفة: ﴿ماءٍ،﴾ وهو مضاف، و ﴿آسِنٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿فِيها..﴾. إلخ، في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو ﴿مَثَلُ﴾. واعترض هذا الإعراب بأن الخبر جملة، ولا رابط فيها يعود على المبتدأ، ويمكن أن يجاب بأن الخبر عين المبتدأ؛ لأن اشتمالها على أنها من كذا، وكذا صفة لها. وفي السمين: قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ:﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه مبتدأ، وخبره مقدر، قدره النضر بن شميل: مثل الجنة ما تسمعون، ف: «ما تسمعون خبره» و ﴿فِيها أَنْهارٌ﴾ مفسر له، وقدره

стр. 5980

سيبويه: فيما يتلى عليكم مثل الجنة، والجملة بعدها أيضا مفسرة للمثل. الثاني: أن ﴿مَثَلُ﴾ زائدة، تقديره: الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار. الثالث: أنّ ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ مبتدأ، والخبر قوله: ﴿فِيها أَنْهارٌ﴾ وهذا ينبغي أن يمتنع؛ إذ لا عائد من الجملة إلى المبتدأ، ولا ينفع كون الضمير عائدا إلى ما أضيف إليه المبتدأ. الرابع: أنّ ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ مبتدأ، خبره: ﴿كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النّارِ﴾ فقدره ابن عطية: أمثل أهل الجنة، كمن هو خالد؟! فقدّر حرف الإنكار، ومضافا؛ ليصح. وقدّره الزمخشري: كمثل جزاء من هو خالد؟! والجملة من قوله: ﴿فِيها أَنْهارٌ..﴾. إلخ، على هذا فيها ثلاثة أوجه: أحدها: هي حال من ﴿الْجَنَّةِ﴾ أي: مستقرة فيها أنهار. الثاني: أنها خبر لمبتدأ مضمر؛ أي: هي فيها أنهار. كأنّ قائلا قال: ما مثلها، فقيل: فيها أنهار. الثالث: أن يكون من تكرير الصلة؛ لأنها في حكمها. ألا ترى أنه يصح قولك: التي فيها أنهار، وإنما عرّي من حرف الإنكار. انتهى. جمل بحروفه. وأنت ترى أن الإعراب الأول أسهل، وأخصر. ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ:﴾ معطوف على سابقه، وهو مثله في إعرابه. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَتَغَيَّرْ:﴾ مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾. ﴿طَعْمُهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿لَبَنٍ﴾. ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ:﴾ معطوف أيضا على سابقه. ﴿لَذَّةٍ:﴾ قال الزمخشري، وتبعه البيضاوي: قرئ بالحركات الثلاث، فالجر على أنه صفة (الخمر)، والرفع على أنه صفة (الأنهار)، والنصب على أنه مفعول لأجله. ﴿لِلشّارِبِينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿لَذَّةٍ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق. ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة مبتدأ محذوف، التقدير: ولهم فيها أصناف من كل الثمرات. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿مِنْ﴾ صلة، و ﴿كُلِّ﴾ مبتدأ مؤخرا، فهو مجرور لفظا مرفوع محلا، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. وإن اعتبرتها معطوفة على ما قبلها؛ فلا محلّ لها. ﴿وَمَغْفِرَةٌ:﴾ معطوف على المبتدأ في الجملة السابقة على الاعتبارين فيه؛ أي: المقدار، أو المذكور. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان ب: (مغفرة)، أو بمحذوف صفة له، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ وأجيز اعتبار (مغفرة) مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: ولهم مغفرة، فيكون العطف عطف جملة اسمية على مثلها. ﴿كَمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف أيضا، التقدير: أمن هو في هذا النعيم كمن... إلخ. انتهى. جلال. وقدره الكواشي: أمثل هذا الجزاء الموصوف كمثل جزاء من هو خالد في النار؟! وهو مأخوذ من اللفظ فهو أحسن. وقيل: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ مبتدأ خبره: ﴿كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النّارِ﴾ وما بينهما اعتراض. وقال أبو البقاء: الكاف في موضع رفع؛ أي: حالهم كحال من

стр. 5981

هو خالد في الإقامة الدائمة. وقيل: هو في موضع نصب؛ أي: يشبهون من هو خالد فيما ذكرناه. وكلا القولين لم يقل بهما أحد، وقد أغرب القرطبي حيث قال: ﴿كَمَنْ﴾ بدل من قوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾. ولو قال: بدل من قوله: ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ لكان أقرب إلى الصواب. ﴿هُوَ خالِدٌ:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محلّ لها. ﴿فِي النّارِ:﴾ متعلقان ب: ﴿خالِدٌ﴾ لأنه اسم فاعل؛ لذا فاعله مستتر فيه. ﴿وَسُقُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (سقوا): فعل ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿ماءٍ:﴾ مفعول به ثان. ﴿حَمِيماً:﴾ صفة: ﴿ماءٍ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محلّ لها مثلها. ﴿فَقَطَّعَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قطع): فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿ماءٍ﴾. ﴿أَمْعاءَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي من جملة الصلة، فهو عطف صلة فعلية على صلة اسمية، وفي المعطوف مراعاة معنى (من) وفي المعطوفة عليه مراعاة لفظها. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاِتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٦)﴾ الشرح: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ أي: من هؤلاء الذين يتمتعون، ويأكلون، كما تأكل الأنعام، وزين لهم سوء عملهم قوم يستمعون إليك، وهم المنافقون، كانوا يحضرون الخطبة يوم الجمعة، فإذا سمعوا ذكر المنافقين فيها؛ أعرضوا عنه، فإذا خرجوا؛ سألوا عنه. قاله الكلبي، ومقاتل. وقيل: كانوا يحضرون عند رسول الله ﷺ مع المؤمنين، فيستمعون منه ما يقول، فيعيه المؤمن، ولا يعيه الكافر. انتهى. قرطبي. والخطاب للنبي ﷺ . ﴿حَتّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي: إذا فارقوا مجلسك. ﴿قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي: لعلماء الصحابة-منهم: ابن مسعود، وابن عباس-استهزاء، وسخرية. ﴿ماذا قالَ﴾ أي: الرسول ﷺ ؟ ﴿آنِفاً:﴾ يقرأ بمد الهمزة، وقصرها لغتان بمعنى واحد، وهما اسما فاعل، كحاذر وحذر، وآسن، وأسن؛ إلاّ أنه لم يستعمل لهما فعل مجرد، بل المستعمل: ائتنف، يأتنف، واستأنف، يستأنف. والائتناف، والاستئناف: الابتداء، قال الزجاج: هو من: استأنفت الشيء: إذا ابتدرته، ومعنى: ﴿آنِفاً:﴾ سالفا. أو المعنى: ماذا قال في أول وقت يقرب منا. هذا؛ وأنف الثلاثي بمعنى: كره الشيء، وأنف من العار: ترفع، وتنزه عنه. ومنه: أمر أنف، وروضة أنف؛ أي: لم يرعها أحد. وكأس أنف؛ إذا لم يشرب منها شيء. قال لقيط بن زرارة: [الرجز] إنّ الشّواء والنشيل والرّغف... والقينة الحسناء والكأس الأنف

стр. 5982

وأنف كل شيء: أوله، بل وأعلاه، قال الحطيئة في مدح آل بغيض بن شماس: [البسيط] قوم هم الأنف والأذناب غيرهم... ومن يساوي بأنف النّاقة الذّنبا؟! ﴿أُولئِكَ﴾ أي: الموصوفون بما ذكر، وهم المنافقون. ﴿الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ المعنى: ختم عليها؛ إذا الطبع الختم، وهو التأثير في الطين، ونحوه، فاستعير هنا لعدم فهم القلوب ما يلقى عليها، وإذا طبع على قلب إنسان؛ فلا تؤثر فيه حينئذ الموعظة، ولا تجدي معه النصيحة. قال تعالى في كثير من الايات: ﴿فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ والطبع: السجية، والخلق الذي طبع عليه الإنسان، والطبيعة مثله، وجمع الأول: طباع، وجمع الثاني: طبائع. هذا؛ والطبع: تدنس العرض، وتلطخه. يقال: طبع السيف: إذا دخله الجرب من شدة الصدأ، وطبع الرجل، فهو طبع: إذا أتى عيبا، يقال: نعوذ بالله من طمع؛ يدني إلى طبع؛ أي: إلى دنس. قال ثابت بن قطنة: [البسيط] لا خير في طمع يدني إلى طبع... وغفّة من قوام العيش تكفيني هذا؛ وقال قتادة في هؤلاء المنافقين: الناس رجلان: رجل عقل عن الله، فانتفع بما سمع، ورجل لم يعقل، ولم ينتفع بما سمع. وكان يقال: الناس ثلاثة: فسامع عامل، وسامع عاقل، وسامع غافل تارك. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [١٢]. هذا؛ وقد روعي لفظ ﴿مَنْ﴾ في فاعل يستمع ومعناها في الضمائر الباقية في الاية. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَمِنْهُمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (منهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. هذا هو الإعراب الظاهر، والمتعارف عليه في مثل هذا التركيب، والأصح: أنّ مضمون الجار والمجرور: (منهم) مبتدأ، و ﴿مَنْ﴾ هي الخبر؛ لأنّ (من) الجارة دالة على التبعيض؛ أي: فبعض المنافقين يستمع إليك، وجمع الضمير يؤيد ذلك، ولا استبعاد في وقوع الظرف بتأويل معناه مبتدأ، يرشدك إلى ذلك قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١١٠]: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ فعطف: (أكثرهم) على ﴿مِنْهُمْ﴾ يؤيد: أن معناه: بعضهم، وخذ قول الحماسي: [الكامل] منهم ليوث لا ترام وبعضهم... ممّا قمشت وضم حبل الحاطب حيث قابل لفظ: «منهم» بما هو مبتدأ، أعني لفظة «بعضهم» وهذا مما يدل على أن مضمون «منهم» مبتدأ. هذا؛ وليوث: جمع ليث، وهو السبع. لا ترام: لا تقصد، قمشت: جمعت من هنا، وهناك، والمراد: رذالة الناس، والقمش: الرديء من كل شيء. ﴿يَسْتَمِعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ،﴾ أو صفتها على اعتبارها نكرة موصوفة. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ..﴾. إلخ، مستأنفة لا محلّ لها. ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء، ويعتبرها الأخفش جارة ل: ﴿إِذا﴾ وهو ضعيف. ﴿إِذا:﴾

стр. 5983

انظر الاية رقم [٤]. ﴿خَرَجُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿مِنْ عِنْدِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿الْعِلْمَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿ماذا:﴾ (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى النبي ﷺ . ﴿آنِفاً:﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب على الحال، فقدره أبو البقاء: ماذا قال موئنفا؟ وقدره غيره مبتدئا. والثاني: أنه منصوب على الظرف؛ أي: ماذا قال الساعة؟ قاله الزمخشري، وأنكره الشيخ. قال: لأنا لم نعلم أحدا عدّه من الظروف. انتهى. جمل. والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، والعائد محذوف، التقدير: ما الذي قاله آنفا؟ والجملة الاسمية هذه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ، جواب: ﴿إِذا،﴾ لا محلّ لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿طَبَعَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَاتَّبَعُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (اتبعوا): ماض، وفاعله. ﴿أَهْواءَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿وَالَّذِينَ اِهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (١٧)﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ أي: والذين قصدوا الهداية؛ وفقهم الله تعالى لها، فهداهم إليها، وثبتهم عليها، وزادهم منها. ﴿وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ أي: ألهمهم رشدهم، وأعطاهم ثواب أعمالهم الصالحة. قال الخازن: -رحمه الله تعالى-: لما بين الله: أن المنافق يسمع، ولا ينتفع، بل هو مصر على متابعة الهوى؛ بيّن حال المؤمن المهتدي؛ الذي ينتفع بما يسمع، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ بهداية الله إياهم إلى الإيمان. هذا؛ والفعل «زاد» ضد نقص، يكون لازما، كقولك: زاد المال درهما، ويكون متعديا لمفعولين، كما في هذه الاية، وقولك: زاد الله خالدا خيرا بمعنى: جزاه الله خيرا، وأما قولك: زاد المال درهما، والبر مدا، فدرهما، ومدا تمييز، ومثله قل في: نقص، فمن المتعدي لمفعولين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً﴾.

стр. 5984

أما ﴿هُدىً﴾ فأصله: هديا، أو هدي بضم الهاء وفتح الدال، وتحريك الياء منونة، فقلبت الياء ألفا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان: الألف والتنوين، الذي يرسم ألفا في حالة النصب بحسب الأصل، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار: ﴿هُدىً﴾ وإنما أتوا بياء أخرى لتدل على الياء الأصلية المحذوفة، بخلاف ما إذا لم يأتوا بها، وقالوا: هدا فلا يوجد ما يدلّ عليها، وقل مثل هذا في كل اسم مقصور جرّد من: «أل» والإضافة، ونون. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): مبتدأ. ﴿اِهْتَدَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿زادَهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به أول، والفاعل تقديره: «هو»، يعود إلى (الله). ﴿هُدىً:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿وَآتاهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (آتاهم): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الله أيضا، والهاء مفعول به أول، ﴿تَقْواهُمْ:﴾ مفعول به ثان منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (١٨)﴾ الشرح: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ يعني: الكافرين، والمنافقين الذين قعدوا عن الإيمان بالله، ورسوله، وكتابه، فلم يؤمنوا، فالساعة تأتيهم بغتة تفجؤهم، وهم على كفرهم، ونفاقهم. فيه وعيد، وتهديد، والمعنى: لا ينتظرون إلاّ الساعة، والساعة آتية لا محالة. وسميت القيامة ساعة لسرعة قيامها. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٦١ و ٦٦] من سورة (الزخرف) وخذ ما يلي: عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «بادروا بالأعمال سبعا: فهل تنتظرون إلاّ فقرا منسيا، أو غنى مطغيا، أو مرضا مفسدا، أو هرما مقعدا، أو موتا مجهزا، أو الدجّال؛ فشرّ غائب ينتظر، أو الساعة؛ والساعة أدهى وأمرّ». أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن. هذا؛ والبغت: الفجأة، قال الشاعر: [الطويل] ولكنّهم بانوا ولم أدر بغتة... وأعظم شيء حين يفجؤك البغت ﴿فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها﴾ أي: أماراتها، وعلاماتها، واحدها: شرط، وأصله: الأعلام، ومنه قيل: الشّرط؛ لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها، ومنه الشّرط في البيع، وغيره، قال أبو الأسود الدؤلي: [الطويل]

стр. 5985

فإن كنت قد أزمعت بالصّرم بيننا... فقد جعلت أشراط أوّله تبدو ولما كان قيام الساعة أمرا مستبطأ في النفوس، وقد قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ فكأن قائلا قال: متى يكون قيام الساعة؟ فقال تعالى: ﴿فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها﴾ ومن أشراط الساعة: انشقاق القمر، وبعثة الرسول ﷺ ، كما رأيت في الاية رقم [١٧] من سورة (الشورى) وخذ ما يلي: فعن أنس-﵁-قال عند قرب وفاته: ألا أحدثكم حديثا عن النبي ﷺ ؛ لا يحدثكم به أحد غيري، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم السّاعة، أو قال: من أشراط السّاعة أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويشرب الخمر، ويفشو الزنى، ويذهب الرجال، ويبقى النساء حتّى يكون لخمسين امرأة قيّم». متفق عليه. وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ من أشراط السّاعة أن يتقارب الزمان، وينقص العلم، وتظهر الفتن، ويبقى الشحّ، ويكثر الهرج». قالوا: وما الهرج؟ قال: «القتل». متفق عليه. وعن أبي هريرة-﵁-قال: بينا رسول الله ﷺ في مجلس يحدّث القوم؛ إذ جاءه أعرابي، فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ في حديثه، فقال بعض القوم: سمع ما قال، فكره ما قال. وقال بعضهم: بل لم يسمع. حتى إذا قضى حديثه؛ قال: «أين السائل عن السّاعة؟». قال: ها أنذا يا رسول الله قال: «إذا ضيّعت الأمانة؛ فانتظر السّاعة». قال: وكيف إضاعتها؟ قال: «إذا وسّد الأمر إلى غير أهله؛ فانتظر السّاعة». رواه البخاري. هذا؛ ويروى عن الكلبي: أنه قال: كثرة المال، والتجارة، وشهادة الزور، وقطع الأرحام، وقلة الكرام، وكثرة اللئام. ﴿فَأَنّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ﴾ يعني: فمن أين لهم التذكر، والاتعاظ، والتوبة إذا جاءتهم الساعة بغتة؟! وقيل: معناه كيف يكون حالهم إذا جاءتهم الساعة بغتة؟! فلا تنفعهم الذكرى، ولا تقبل منهم التوبة، ولا يعتدّ بالإيمان في ذلك الوقت. انتهى. خازن، ومثل هذه الاية قوله تعالى في سورة (الفجر): ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى﴾. هذا؛ وقرئ: «(إن)» بكسر الهمزة أيضا على اعتبارها شرطية، وعليه فالوقف على (الساعة) تام. وانظر الإعراب. والله الموفق للحق، والصواب. الإعراب: ﴿فَهَلْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام بمعنى النفي. ﴿يَنْظُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿السّاعَةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَأْتِيَهُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن»، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى: ﴿السّاعَةَ،﴾ و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب بدل اشتمال من: ﴿السّاعَةَ﴾. ﴿بَغْتَةً:﴾ حال بمعنى: باغتة، أو هو مفعول مطلق، وانظر تفصيل ذلك في الاية رقم [٦٦] من سورة (الزخرف). هذا؛ وعلى اعتبار

стр. 5986

(إن) شرطية، فالفعل: ﴿تَأْتِيَهُمْ﴾ شرطها، وهو مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، وعليه؛ فالجملة لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (قد): حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال. ﴿جاءَ:﴾ ماض. ﴿أَشْراطُها:﴾ فاعله، و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها تعليلية. ﴿فَأَنّى:﴾ الفاء: حرف استئناف على اعتبار (أن) مصدرية، وواقعة في جواب: (إن) على اعتبارها شرطية. (أنّى): اسم استفهام بمعنى: كيف، أو بمعنى: من أين، فهو مبني على السكون في محل رفع خبر مقدم. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالمصدر: ﴿ذِكْراهُمْ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال منه. ﴿ذِكْراهُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وأجيز تعليق: ﴿لَهُمْ﴾ بمحذوف خبر (أنّى) على اعتباره مبتدأ، واعتبار (أن) مصدرية، وفي محل جزم جوابها على اعتبارها شرطية. هذا؛ وقال السمين: ويجوز أن يكون المبتدأ محذوفا؛ أي: أنّى لهم الخلاص؟ ويكون ذكراهم فاعلا ب: ﴿جاءَتْهُمْ﴾ ولا تنس أنّ (إذا)، ومدخولها كلام معترض، وجوابها محذوف، التقدير: كيف لهم التذكر إذا جاءتهم الساعة؛ فكيف يتذكرون؟ ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ (١٩)﴾ الشرح: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، وأورد على هذا: أنه ﷺ كان عالما بالله، وأنه لا إله إلا هو؛ فما فائدة هذا الأمر؟ وأجيب عنه: بأن معناه: دم على ما أنت عليه من العلم. فهو كقول القائل للجالس: اجلس؛ أي: دم على ما أنت عليه من الجلوس، أو يكون معناه: ازدد علما إلى علمك. وقيل: إن هذا الخطاب، وإن كان للنبي ﷺ ، فالمراد به غيره من أمته. انتهى. خازن. ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ:﴾ قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: يحتمل وجهين: أحدهما: يعني: استغفر الله أن يقع منك ذنب. الثاني: استغفر الله ليعصمك من الذنوب. انتهى. أقول: وعليه فالمعنى عليها استعذ بالله، واعتصم به، والتجئ إليه. وقيل: لما ذكر له حال الكافرين، والمؤمنين أمره بالثبات على الإيمان؛ أي: اثبت على ما أنت عليه من التوحيد، والإخلاص، والحذر عمّا تحتاج معه إلى استغفار. وقيل: كان ﷺ يضيق صدره من كفر الكافرين، والمنافقين، فنزلت الاية: أي فاعلم: أنه لا كاشف يكشف ما بك إلاّ الله، فلا تعلق قلبك بأحد سواه. وقيل: أمر بالاستغفار؛ لتقتدي به الأمة. وقيل: الخطاب له، والمراد به الأمة. انظر ما

стр. 5987

ذكرته في الاية رقم [١٠٦] من سورة (النساء)، وفي الاية رقم [٤٣] من سورة (التوبة) من جواب للرد على من يرى جواز صدور الذنب من النبي ﷺ ، وانظر أول سورة (الفتح) الاتية. ولا يفوتني أن أذكر: أن الرسول ﷺ كان يكثر من الاستغفار تعليما لأمته، فعن أبي هريرة ﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّي لأستغفر الله، وأتوب إليه في اليوم سبعين مرّة». رواه البخاري، وفي رواية: «أكثر من سبعين مرة». وفي الصحيح أيضا: أنّ رسول الله ﷺ كان يقول: «اللهمّ اغفر لي خطيئتي، وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به منّي! اللهمّ اغفر لي هزلي، وجدّي، وخطئي، وعمدي! وكل ذلك عندي»، وفي الصحيح أيضا أنه كان يقول في آخر الصلاة: «اللهمّ اغفر لي ما قدّمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت إلهي، لا إله إلاّ أنت». ولا تنس أن في أمر النبي ﷺ بالاستغفار للمؤمنين والمؤمنات إكراما لهم. وكان ﷺ يحثّ أصحابه على الاستغفار، وهو تعليم لأمته إلى يوم القيامة، فعن أنس بن مالك-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أدلكم على دائكم ودوائكم، ألا إنّ داءكم الذنوب، ودواءكم الاستغفار». رواه البيهقي. وعن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من لزم الاستغفار جعل الله له من كلّ همّ فرجا، ومن كلّ ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب». رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وغير ذلك كثير. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ﴾ أي: يعلم تصرفكم في نهاركم، ومستقركم في ليلكم، كقوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٦٠]: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ وقوله تعالى في سورة (هود) رقم [٦]: ﴿*وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وهذا القول هو اختيار ابن جرير، وعن ابن عباس-﵄: متقلبكم في الدنيا، ومثواكم في الدنيا والاخرة. وقال السدي: متقلبكم في الدنيا، ومثواكم في قبوركم. وقيل: متقلبكم من أصلاب الاباء إلى أرحام الأمهات، وبطونهن، ومثواكم في الدنيا، وفي القبور. والمعنى: أنه تعالى عالم بجميع أحوالكم، فلا يخفى عليه شيء منها، وإن دقّ وخفي. هذا؛ و (مثواكم) بمعنى: مقركم، ومقامكم، وهو مشتق من ثوى بالمكان: إذا أقام به، يثوي ثواء، وثويا، مثل مضى، يمضي، مضاء، ومضيّا، ولو كان من: أثوى؛ لكان: مثوى، وهذا يدلّ على أن ثوى هي اللغة الفصيحة، وحكى أبو عبيد أثوى، وأنشد قول الأعشى من قصيدته التي نظمها في مدح النبي ﷺ : [الكامل] أثوى وقصّر ليلة ليزوّدا... ومضى وأخلف من قتيلة موعدا والأصمعي لا يعرف إلا ثوى، ويروي البيت (أثوى) على الاستفهام. وأثويت غيري يتعدى، ولا يتعدى. هذا؛ ومثوى بمعنى مأوى، والفرق بينهما: أن المثوى مكان الإقامة المنبئة

стр. 5988

عن المكث، وأما المأوى فهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان، ولو مؤقتا، وقدم المأوى على المثوى في قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٥١]: ﴿وَمَأْواهُمُ النّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ؛﴾ لأنه على الترتيب الوجودي، يأوي، ثم يثوي. الإعراب: ﴿فَاعْلَمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وقيل: الفصيحة، ولا وجه له. (اعلم): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها ﴿لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ انظر إعرابها في الاية رقم [٨] من سورة الدخان، والجملة الاسمية في محل خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي (اعلم)، وجملة: (اعلم...) إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَاسْتَغْفِرْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿لِذَنْبِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما. ﴿وَالْمُؤْمِناتِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من كاف الخطاب، وما عطف عليه؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير. ﴿مُتَقَلَّبَكُمْ:﴾ مفعول به. ﴿وَمَثْواكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف فيهما في محل جر بالإضافة. ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (٢٠)﴾ الشرح: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ أي: يقول المؤمنون الصادقون المخلصون: هلا... إلخ، وذلك أن المؤمنين كانوا حراصا على الجهاد في سبيل الله، فقالوا: هلاّ أنزلت سورة تأمرنا بالجهاد لكي نجاهد. ﴿فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ أي: لا نسخ فيها. قال قتادة: كل سورة ذكر فيها الجهاد، فهي محكمة، وهي أشد القرآن على المنافقين. وقيل لها: محكمة؛ لأن النسخ لا يرد عليها من قبل أن القتال قد نسخ ما كان من الصفح، والمهادنة، وهو غير منسوخ إلى يوم القيامة. ﴿وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ﴾ أي: فرض فيها الجهاد، وشجعت عليه، ووعدت بالثواب العظيم للمجاهدين الصابرين. ﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: شك، ونفاق، فهو يمرض قلوبهم؛ أي: يضعفها، وذلك بضعف الإيمان فيها، والمرض حقيقة فيما يعرض للبدن، فيخرجه عن الاعتدال اللائق به، ويوجب الخلل في أفعاله، وقد يؤدي إلى الموت واستعير هنا لما في

стр. 5989

قلوبهم من الجهل، وفساد العقيدة. ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ أي: نظر مغموصين مغتاظين بتحديد، وتحديق، كمن يشخص بصره عند الموت، وذلك لجبنهم عن القتال جزعا، وهلعا ولميلهم في السرّ إلى الكفار. ﴿فَأَوْلى لَهُمْ:﴾ فيه وعيد، وتهديد، وهو معنى قولهم في التهديد: ويلك! وقاربك ما تكره! قال الشاعر: [الوافر] فأولى ثمّ أولى ثمّ أولى... وهل للدّرّ يحلب من مردّ؟! قال الأصمعي: معناه: قاربه ما يهلكه؛ أي: نزل به، وأنشد: [الوافر] فعادى بين هاديتين منها... وأولى أن يزيد على الثّلاث وانظر الشاهد رقم [٦٩٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». وما يتعلق به. وانظر ما ذكرته في سورة (القيامة) رقم [٣٤]. هذا؛ والمراد ب: ﴿سُورَةٌ﴾ في هذه الاية: الطائفة من القرآن؛ التي أقلها ثلاث آيات، منقولة من: سور المدينة؛ لأنها محيطة بطائفة من القرآن، محتوية على أنواع من العلم، احتواء سور المدينة على ما فيها، أو من السّورة، وهي الرتبة؛ لأنّ السور كالمراتب، والمنازل، يرتقي فيها القارئ، ولها مراتب في الطول، والقصر، والفضل، والشرف، وثواب القراءة. قال النابغة في مدح النعمان بن المنذر: [الطويل] ألم تر أنّ الله أعطاك سورة... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب والحكمة في تفصيل القرآن، وتقطيعه سورا كثيرة: منها: أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع، واشتمل على أصناف؛ كان أحسن من أن يكون بيانا واحدا. ومنها أن القارئ إذا ختم سورة، ثم أخذ في أخرى كان أنشط له، وأبعث على القراءة منه، لو استمرّ على القرآن بطوله، ومن ثمّ جزّئ القرآن أسباعا، وأجزاء، وعشورا، وأخماسا. ومنها: أن الحافظ إذا حفظ سورة، اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها، لها فاتحة، وخاتمة، فيعظم عنده ما حفظه، ويجلّ في نفسه، ومنه حديث أنس-﵁: «كان الرجل إذا قرأ البقرة، وآل عمران جلّ فينا» أي: عظم. ولذا أنزل الله التوراة، والإنجيل، والزبور، وسائر ما أوحاه إلى أنبيائه مسورة مترجمة السور، وبوب المصنّفون في كل فنّ من كتبهم أبوابا موشحة الصّدور بالتراجم. انتهى. نسفي في غير هذه السورة بتصرف كبير مني. الإعراب: ﴿وَيَقُولُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يقول): فعل مضارع. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض، بمعنى هلاّ. ﴿نُزِّلَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث حرف لا محلّ له. ﴿سُورَةٌ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: (يقول...) إلخ مستأنفة. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا):

стр. 5990

انظر الاية رقم [٤]. ﴿أُنْزِلَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿سُورَةٌ:﴾ نائب فاعل. ﴿مُحْكَمَةٌ:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿وَذُكِرَ:﴾ الواو: حرف عطف. (ذكر): ماض مبني للمجهول. ﴿فِيهَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْقِتالُ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿رَأَيْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَرَضٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ متعلقين بمحذوف صلة الموصول، و ﴿مَرَضٌ﴾ فاعلا متعلق الجار والمجرور؛ فهو وجه صحيح، لا غبار عليه. ﴿يَنْظُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الاسم الموصول، والرابط: الضمير فقط. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿رَأَيْتَ..﴾. إلخ، جواب (إذا)، لا محلّ لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له. ﴿نَظَرَ:﴾ مفعول مطلق مبيّن للنوع، وهو مضاف، و ﴿الْمَغْشِيِّ﴾ مضاف إليه، وهناك محذوفان؛ إذ التقدير: ينظرون نظرا مثل نظر المغشي. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (المغشيّ)، أو هما في محل رفع نائب فاعله؛ لأنه اسم مفعول. ﴿مِنَ الْمَوْتِ:﴾ متعلقان ب: (المغشيّ). ﴿فَأَوْلى:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (أولى): فعل ماض، أو اسم فعل ماض. قاله الأصمعي، والمبرد، معناه: قربه ما يهلكه، وفاعله مضمر يدل عليه السياق، كأنه قيل: فأولى هو. وقد ارتضى هذا الرأي ثعلب، فقال: لم يقل أحد في (أولى) أحسن مما قاله الأصمعي. والأكثرون: أنها اسم، وعليه في إعرابه أوجه: أحدها: أنه مبتدأ، خبره الجار والمجرور، التقدير: فالهلاك لهم. والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، تقديره: العقاب، أو الهلاك أولى لهم. والثالث: أنه مبتدأ، و ﴿لَهُمْ﴾ متعلقان به، واللام بمعنى الباء، و (طاعة) خبره، والتقدير: فأولى بهم طاعة دون غيرها. انتهى. سمين والجملة على الاعتبارين: الفعلية، والاسمية معطوفة على جواب: (إذا)، لا محلّ لها مثله. ﴿طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ (٢١)﴾ الشرح: ﴿طاعَةٌ﴾ أي: الطاعة، والامتثال لما يأمر الله به، والانصياع لما يطلب منهم خير لهم، وأجمل بهم، وأليق من المخالفة لأمر الله تعالى، وعدم الانصياع لأوامر الرسول ﷺ . ﴿وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أي: كلام جميل، ولطيف، واعتذار مقبول كذلك خير لهم، وأولى
следующие страницы →