Полный текст (7 463 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.
стр. 5986
(إن) شرطية، فالفعل: ﴿تَأْتِيَهُمْ﴾ شرطها، وهو مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، وعليه؛ فالجملة لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (قد): حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال. ﴿جاءَ:﴾ ماض. ﴿أَشْراطُها:﴾ فاعله، و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها تعليلية.
﴿فَأَنّى:﴾ الفاء: حرف استئناف على اعتبار (أن) مصدرية، وواقعة في جواب: (إن) على اعتبارها شرطية. (أنّى): اسم استفهام بمعنى: كيف، أو بمعنى: من أين، فهو مبني على السكون في محل رفع خبر مقدم. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالمصدر: ﴿ذِكْراهُمْ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال منه. ﴿ذِكْراهُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وأجيز تعليق: ﴿لَهُمْ﴾ بمحذوف خبر (أنّى) على اعتباره مبتدأ، واعتبار (أن) مصدرية، وفي محل جزم جوابها على اعتبارها شرطية. هذا؛ وقال السمين: ويجوز أن يكون المبتدأ محذوفا؛ أي: أنّى لهم الخلاص؟ ويكون ذكراهم فاعلا ب: ﴿جاءَتْهُمْ﴾ ولا تنس أنّ (إذا)، ومدخولها كلام معترض، وجوابها محذوف، التقدير: كيف لهم التذكر إذا جاءتهم الساعة؛ فكيف يتذكرون؟
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ (١٩)﴾
الشرح: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، وأورد على هذا: أنه ﷺ كان عالما بالله، وأنه لا إله إلا هو؛ فما فائدة هذا الأمر؟ وأجيب عنه: بأن معناه: دم على ما أنت عليه من العلم. فهو كقول القائل للجالس: اجلس؛ أي: دم على ما أنت عليه من الجلوس، أو يكون معناه: ازدد علما إلى علمك. وقيل: إن هذا الخطاب، وإن كان للنبي ﷺ ، فالمراد به غيره من أمته. انتهى. خازن.
﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ:﴾ قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: يحتمل وجهين: أحدهما: يعني:
استغفر الله أن يقع منك ذنب. الثاني: استغفر الله ليعصمك من الذنوب. انتهى. أقول: وعليه فالمعنى عليها استعذ بالله، واعتصم به، والتجئ إليه. وقيل: لما ذكر له حال الكافرين، والمؤمنين أمره بالثبات على الإيمان؛ أي: اثبت على ما أنت عليه من التوحيد، والإخلاص، والحذر عمّا تحتاج معه إلى استغفار. وقيل: كان ﷺ يضيق صدره من كفر الكافرين، والمنافقين، فنزلت الاية: أي فاعلم: أنه لا كاشف يكشف ما بك إلاّ الله، فلا تعلق قلبك بأحد سواه. وقيل: أمر بالاستغفار؛ لتقتدي به الأمة. وقيل: الخطاب له، والمراد به الأمة. انظر ما
стр. 5987
ذكرته في الاية رقم [١٠٦] من سورة (النساء)، وفي الاية رقم [٤٣] من سورة (التوبة) من جواب للرد على من يرى جواز صدور الذنب من النبي ﷺ ، وانظر أول سورة (الفتح) الاتية.
ولا يفوتني أن أذكر: أن الرسول ﷺ كان يكثر من الاستغفار تعليما لأمته، فعن أبي هريرة ﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّي لأستغفر الله، وأتوب إليه في اليوم سبعين مرّة». رواه البخاري، وفي رواية: «أكثر من سبعين مرة». وفي الصحيح أيضا: أنّ رسول الله ﷺ كان يقول: «اللهمّ اغفر لي خطيئتي، وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به منّي! اللهمّ اغفر لي هزلي، وجدّي، وخطئي، وعمدي! وكل ذلك عندي»، وفي الصحيح أيضا أنه كان يقول في آخر الصلاة: «اللهمّ اغفر لي ما قدّمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت إلهي، لا إله إلاّ أنت». ولا تنس أن في أمر النبي ﷺ بالاستغفار للمؤمنين والمؤمنات إكراما لهم.
وكان ﷺ يحثّ أصحابه على الاستغفار، وهو تعليم لأمته إلى يوم القيامة، فعن أنس بن مالك-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أدلكم على دائكم ودوائكم، ألا إنّ داءكم الذنوب، ودواءكم الاستغفار». رواه البيهقي. وعن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من لزم الاستغفار جعل الله له من كلّ همّ فرجا، ومن كلّ ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب». رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وغير ذلك كثير.
﴿وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ﴾ أي: يعلم تصرفكم في نهاركم، ومستقركم في ليلكم، كقوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٦٠]: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ وقوله تعالى في سورة (هود) رقم [٦]: ﴿*وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وهذا القول هو اختيار ابن جرير، وعن ابن عباس-﵄: متقلبكم في الدنيا، ومثواكم في الدنيا والاخرة. وقال السدي: متقلبكم في الدنيا، ومثواكم في قبوركم.
وقيل: متقلبكم من أصلاب الاباء إلى أرحام الأمهات، وبطونهن، ومثواكم في الدنيا، وفي القبور. والمعنى: أنه تعالى عالم بجميع أحوالكم، فلا يخفى عليه شيء منها، وإن دقّ وخفي.
هذا؛ و (مثواكم) بمعنى: مقركم، ومقامكم، وهو مشتق من ثوى بالمكان: إذا أقام به، يثوي ثواء، وثويا، مثل مضى، يمضي، مضاء، ومضيّا، ولو كان من: أثوى؛ لكان: مثوى، وهذا يدلّ على أن ثوى هي اللغة الفصيحة، وحكى أبو عبيد أثوى، وأنشد قول الأعشى من قصيدته التي نظمها في مدح النبي ﷺ : [الكامل] أثوى وقصّر ليلة ليزوّدا... ومضى وأخلف من قتيلة موعدا
والأصمعي لا يعرف إلا ثوى، ويروي البيت (أثوى) على الاستفهام. وأثويت غيري يتعدى، ولا يتعدى. هذا؛ ومثوى بمعنى مأوى، والفرق بينهما: أن المثوى مكان الإقامة المنبئة
стр. 5988
عن المكث، وأما المأوى فهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان، ولو مؤقتا، وقدم المأوى على المثوى في قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٥١]: ﴿وَمَأْواهُمُ النّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ؛﴾ لأنه على الترتيب الوجودي، يأوي، ثم يثوي.
الإعراب: ﴿فَاعْلَمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وقيل: الفصيحة، ولا وجه له. (اعلم): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها ﴿لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ انظر إعرابها في الاية رقم [٨] من سورة الدخان، والجملة الاسمية في محل خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي (اعلم)، وجملة:
(اعلم...) إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَاسْتَغْفِرْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿لِذَنْبِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما.
﴿وَالْمُؤْمِناتِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من كاف الخطاب، وما عطف عليه؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير. ﴿مُتَقَلَّبَكُمْ:﴾ مفعول به.
﴿وَمَثْواكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف فيهما في محل جر بالإضافة.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (٢٠)﴾
الشرح: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ أي: يقول المؤمنون الصادقون المخلصون:
هلا... إلخ، وذلك أن المؤمنين كانوا حراصا على الجهاد في سبيل الله، فقالوا: هلاّ أنزلت سورة تأمرنا بالجهاد لكي نجاهد. ﴿فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ أي: لا نسخ فيها. قال قتادة: كل سورة ذكر فيها الجهاد، فهي محكمة، وهي أشد القرآن على المنافقين. وقيل لها: محكمة؛ لأن النسخ لا يرد عليها من قبل أن القتال قد نسخ ما كان من الصفح، والمهادنة، وهو غير منسوخ إلى يوم القيامة. ﴿وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ﴾ أي: فرض فيها الجهاد، وشجعت عليه، ووعدت بالثواب العظيم للمجاهدين الصابرين. ﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: شك، ونفاق، فهو يمرض قلوبهم؛ أي: يضعفها، وذلك بضعف الإيمان فيها، والمرض حقيقة فيما يعرض للبدن، فيخرجه عن الاعتدال اللائق به، ويوجب الخلل في أفعاله، وقد يؤدي إلى الموت واستعير هنا لما في
стр. 5989
قلوبهم من الجهل، وفساد العقيدة. ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ أي: نظر مغموصين مغتاظين بتحديد، وتحديق، كمن يشخص بصره عند الموت، وذلك لجبنهم عن القتال جزعا، وهلعا ولميلهم في السرّ إلى الكفار. ﴿فَأَوْلى لَهُمْ:﴾ فيه وعيد، وتهديد، وهو معنى قولهم في التهديد: ويلك! وقاربك ما تكره! قال الشاعر: [الوافر] فأولى ثمّ أولى ثمّ أولى... وهل للدّرّ يحلب من مردّ؟!
قال الأصمعي: معناه: قاربه ما يهلكه؛ أي: نزل به، وأنشد: [الوافر] فعادى بين هاديتين منها... وأولى أن يزيد على الثّلاث
وانظر الشاهد رقم [٦٩٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». وما يتعلق به. وانظر ما ذكرته في سورة (القيامة) رقم [٣٤]. هذا؛ والمراد ب: ﴿سُورَةٌ﴾ في هذه الاية: الطائفة من القرآن؛ التي أقلها ثلاث آيات، منقولة من: سور المدينة؛ لأنها محيطة بطائفة من القرآن، محتوية على أنواع من العلم، احتواء سور المدينة على ما فيها، أو من السّورة، وهي الرتبة؛ لأنّ السور كالمراتب، والمنازل، يرتقي فيها القارئ، ولها مراتب في الطول، والقصر، والفضل، والشرف، وثواب القراءة. قال النابغة في مدح النعمان بن المنذر: [الطويل] ألم تر أنّ الله أعطاك سورة... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب
والحكمة في تفصيل القرآن، وتقطيعه سورا كثيرة: منها: أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع، واشتمل على أصناف؛ كان أحسن من أن يكون بيانا واحدا. ومنها أن القارئ إذا ختم سورة، ثم أخذ في أخرى كان أنشط له، وأبعث على القراءة منه، لو استمرّ على القرآن بطوله، ومن ثمّ جزّئ القرآن أسباعا، وأجزاء، وعشورا، وأخماسا. ومنها: أن الحافظ إذا حفظ سورة، اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها، لها فاتحة، وخاتمة، فيعظم عنده ما حفظه، ويجلّ في نفسه، ومنه حديث أنس-﵁: «كان الرجل إذا قرأ البقرة، وآل عمران جلّ فينا» أي: عظم. ولذا أنزل الله التوراة، والإنجيل، والزبور، وسائر ما أوحاه إلى أنبيائه مسورة مترجمة السور، وبوب المصنّفون في كل فنّ من كتبهم أبوابا موشحة الصّدور بالتراجم. انتهى.
نسفي في غير هذه السورة بتصرف كبير مني.
الإعراب: ﴿وَيَقُولُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يقول): فعل مضارع. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَوْلا:﴾ حرف تحضيض، بمعنى هلاّ. ﴿نُزِّلَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث حرف لا محلّ له. ﴿سُورَةٌ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: (يقول...) إلخ مستأنفة. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا):
стр. 5990
انظر الاية رقم [٤]. ﴿أُنْزِلَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿سُورَةٌ:﴾ نائب فاعل. ﴿مُحْكَمَةٌ:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿وَذُكِرَ:﴾ الواو: حرف عطف. (ذكر): ماض مبني للمجهول. ﴿فِيهَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْقِتالُ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿رَأَيْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَرَضٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ متعلقين بمحذوف صلة الموصول، و ﴿مَرَضٌ﴾ فاعلا متعلق الجار والمجرور؛ فهو وجه صحيح، لا غبار عليه.
﴿يَنْظُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الاسم الموصول، والرابط: الضمير فقط. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿رَأَيْتَ..﴾. إلخ، جواب (إذا)، لا محلّ لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له. ﴿نَظَرَ:﴾ مفعول مطلق مبيّن للنوع، وهو مضاف، و ﴿الْمَغْشِيِّ﴾ مضاف إليه، وهناك محذوفان؛ إذ التقدير: ينظرون نظرا مثل نظر المغشي. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (المغشيّ)، أو هما في محل رفع نائب فاعله؛ لأنه اسم مفعول. ﴿مِنَ الْمَوْتِ:﴾ متعلقان ب: (المغشيّ).
﴿فَأَوْلى:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (أولى): فعل ماض، أو اسم فعل ماض. قاله الأصمعي، والمبرد، معناه: قربه ما يهلكه، وفاعله مضمر يدل عليه السياق، كأنه قيل: فأولى هو. وقد ارتضى هذا الرأي ثعلب، فقال: لم يقل أحد في (أولى) أحسن مما قاله الأصمعي.
والأكثرون: أنها اسم، وعليه في إعرابه أوجه: أحدها: أنه مبتدأ، خبره الجار والمجرور، التقدير: فالهلاك لهم. والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، تقديره: العقاب، أو الهلاك أولى لهم.
والثالث: أنه مبتدأ، و ﴿لَهُمْ﴾ متعلقان به، واللام بمعنى الباء، و (طاعة) خبره، والتقدير: فأولى بهم طاعة دون غيرها. انتهى. سمين والجملة على الاعتبارين: الفعلية، والاسمية معطوفة على جواب: (إذا)، لا محلّ لها مثله.
﴿طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ (٢١)﴾
الشرح: ﴿طاعَةٌ﴾ أي: الطاعة، والامتثال لما يأمر الله به، والانصياع لما يطلب منهم خير لهم، وأجمل بهم، وأليق من المخالفة لأمر الله تعالى، وعدم الانصياع لأوامر الرسول ﷺ . ﴿وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أي: كلام جميل، ولطيف، واعتذار مقبول كذلك خير لهم، وأولى
стр. 5991
بهم. ﴿فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ أي: جدّ القتال، أو وجب فرض القتال؛ كرهوه، وأمر الله ورسوله به؛ تبرموا به وأعرضوا عنه. وانظر ﴿عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ في الاية رقم [٤٣] من سورة (الشورى).
﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ﴾ أي: فيما زعموا من الحرص على الجهاد، أو: فلو صدقوا في إيمانهم، ووافقت قلوبهم فيه ألسنتهم. ومعنى الاية، وسابقتها: أن المؤمنين تمنوا شرعية الجهاد، فلما فرضه الله، وأمر به، نكل عنه كثير من الناس، وهم المنافقون؛ الذين يجبنون عند ملاقاة الأعداء، فهو كقوله في سورة (النساء) رقم [٧٧]: ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾.
والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿طاعَةٌ:﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه خبر: (أولى) على ما تقدم، الثاني: أنه صفة ل: ﴿سُورَةٌ﴾ ذكره مكي، وأبو البقاء. وفيه بعد لكثرة الفواصل. الثالث: أنه مبتدأ، و (قول) عطف عليه، والخبر محذوف، تقديره: أمثل بكم من غيرهما. وقدره مكي: منّا طاعة، فقدره مقدما. الرابع: أن يكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: أمرنا طاعة. الخامس: أن ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم، و ﴿طاعَةٌ﴾ مبتدأ مؤخر، والوقف، والابتداء يعرفان مما قدمته، فتأمل. انتهى. جمل نقلا من السمين. ﴿مَعْرُوفٌ:﴾ صفة: (قول). ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): انظر الاية رقم [٤]. ﴿عَزَمَ الْأَمْرُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها، وجوابها محذوف، قدره القرطبي: فكرهوه، وقدره أبو البقاء: فإذا عزم الأمر؛ فاصدق. وقيل: جوابها قوله: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا﴾ نحو قولك: إذا جاءني طعام فلو جئتني؛ أطعمتك.
﴿فَلَوْ:﴾ الفاء: حرف عطف على تقدير جواب (إذا) محذوفا، وواقعة في جواب: (إذا) على اعتبار (لو) ومدخولها جوابا لها. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿صَدَقُوا:﴾
ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَكانَ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو).
(كان): فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الصدق المفهوم من:
﴿صَدَقُوا﴾. ﴿خَيْراً:﴾ خبر (كان). ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَيْراً،﴾ وجملة: ﴿لَكانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ جواب (لو)، لا محل لها، و (لو) ومدخولها كلام لا محلّ له على الوجهين المعتبرين في الفاء. تأمّل، وتدبّر، وربك أعلم.
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢)﴾
الشرح: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ:﴾ يقرأ هنا وفي سورة (البقرة) رقم [٢٤٦] بكسر السين، وفتحها، والاستفهام ب: (هل) هنا للتقرير. قال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: «عسى» طمع،
стр. 5992
وترج، وتوقع، وذلك على الله محال؛ لأنه تعالى عالم بكل شيء، فما معناه؟ قلت: قال بعضهم: معناه: يفعل بكم فعل المترجي المبتلي. وقال بعضهم: معناه كل من ينظر إليهم يتوقع منهم ذلك. هذا؛ ولعل، وعسى، وسوف في مواعيد الملوك البشرية كالجزم بها، وإنما يطلقونها إظهارا لوقارهم، وإشعارا بأن الرمزة منهم كالتصريح من غيرهم، وعليه يجري وعد الله، ووعيده، بل هو أولى، وآكد إن شاء الله تعالى. ﴿إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي: أعرضتم عن سماع القرآن، وفارقتم أحكامه ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وتعودوا إلى جاهليتكم. وقال قتادة-رحمه الله تعالى-:
كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله، ألم يسفكوا الدم الحرام، وقطعوا الأرحام، وعصوا الرحمن؟! وقيل: هو من الولاية، وعليه فالمعنى: فهل عسيتم إن توليتم الحكم، فجعلتم حكاما أن تفسدوا في الأرض بأخذ الرشا، والظلم، والمعاصي، وقطع الأرحام. وعن يعقوب:
﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي: إن تولاكم ظلمة؛ خرجتم معهم، وساعدتموهم في الإفساد، وقطيعة الرحم، وهذا على قراءة الفعل بالبناء للمجهول، وقد قرأ بها علي-﵁.
هذا؛ و (الأرحام) جمع: رحم، وهو كل من يمتّ إليك بصلة القرابة من جهة الأب، أو الأم، وقد أكد الله حقها بهاتين الايتين، والرسول ﷺ رغّب في صلة الرحم، وحذّر من قطعها، فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله خلق الخلق؛ حتى إذا فرغ منهم قامت الرّحم، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى! قال: فذاك لك! ثمّ قال رسول الله ﷺ : اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ..﴾. إلخ الايتين». رواه البخاري ومسلم.
والمعنى والله أعلم: أنّ الرحم لو كانت إنسانا يتكلم؛ لقال: يا رب! هذا مقام العائذ بك من القطيعة! كما أنه لا يبعد أن يكون المراد قيام ملك من الملائكة تعلق بالعرش، وتكلم على لسانها بذلك أمر الله تعالى. وسواء أكانت الرحم تستجير بالله من قطيعتها على لسان الملائكة أو بلسان الحال الذي هو أبلغ من لسان المقال في كثير من الأحوال، فإن المراد توجيه النفوس إلى مكانة ذوي الأرحام، والقيام بواجبها من البر، والصلة، والود، والوفاء، والحب، والمعاونة، وأنها عند الله تعالى بمكان عظيم؛ حيث استجارت به من القطيعة؛ التي يترتب عليها الحقد، والحسد، والعداوة، والبغضاء، والفساد في الأرض، كما هو مشاهد في بعض الأسر؛ التي مزّقت فيها أواصر الرحم المقدسة.
الإعراب: ﴿فَهَلْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام. ﴿عَسَيْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّيْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، ومتعلقه محذوف، كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب
стр. 5993
الشرط محذوف، لدلالة ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ عليه، أو هو نفس: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ عند من يرى تقديمه، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تُفْسِدُوا﴾ في محل نصب خبر (عسى)، ولا بدّ من تحويل المصدر إلى اسم فاعل «مفسدين»؛ لأن المصدر لا يخبر به عن الجثة، والجملة الشرطية معترضة بين اسم: (عسى) وخبرها، ومثل هذه الاية في إعرابها الاية رقم [٢٤٦] من سورة (البقرة). ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَتُقَطِّعُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (تقطعوا): معطوف على:
﴿تُفْسِدُوا،﴾ فهو منصوب مثله، وعلامة نصبهما حذف النون؛ لأنهما من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. ﴿أَرْحامَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿عَسَيْتُمْ..﴾. إلخ، مستأنفة، لا محلّ لها.
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (٢٣)﴾
الشرح: ﴿أُولئِكَ:﴾ إشارة إلى الذين قطعوا أرحامهم. ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ:﴾ طردهم من رحمته، وحرمهم من جوده، وفضله، وإحسانه. ﴿فَأَصَمَّهُمْ﴾ أي: أذهب سمعهم. فلم يقل جلّت قدرته: فأصم آذانهم، كما قال: وأعمى أبصارهم، ولم يقل: وأعماهم؛ لأنه لا يلزم من ذهاب الأذن ذهاب السماع، فلم يتعرض لها، والأعين يلزم من ذهابها ذهاب الأبصار، ﴿فَأَصَمَّهُمْ﴾ أي: عن الحق. ﴿وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ﴾ أي: عن الحق، وأبعدهم عن الخير، فأتبع الله الأخبار بأن من فعل ذلك؛ حقّت عليه لعنته، وسلبه الانتفاع بسمعه، وبصره؛ حتى لا ينقاد للحق، وإن سمعه بأذنه، ورآه بعينه، فجعله كالبهيمة؛ التي لا تعقل، قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٨]: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ وقال جلّ ذكره في سورة (الأعراف) رقم [١٧٩]: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ..﴾. إلخ.
هذا؛ وعن عبد الرحمن بن عوف-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله : «أنا الله، وأنا الرحمن، خلقت الرّحم، وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها؛ وصلته، ومن قطعها؛ قطعته، أو قال: بتتّه». رواه أبو داود، والترمذي. وعن أبي هريرة-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سرّه أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره؛ فليصل رحمه». رواه البخاري. وعن عائشة-﵂-عن النبي ﷺ قال: «الرّحم معلّقة بالعرش، تقول: من وصلني؛ وصله الله، ومن قطعني؛ قطعه الله». رواه البخاري، ومسلم. واللفظ له. وعن أبي بكرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من ذنب أجدر أن يعجّل الله لصاحبه العقوبة في الدّنيا مع ما يدّخره له في الاخرة من البغي، وقطيعة الرّحم». رواه ابن ماجه، والترمذي؛ وقال: حديث حسن صحيح، والأحاديث في «الترغيب والترهيب» في ذلك كثيرة مشهورة ومسطورة.
стр. 5994
هذا؛ ولقد كرّر الله لعن الكافرين في الاية رقم [١٦١] من سورة (البقرة)، كما لعن الظالمين، والكاذبين، والناقضين للعهد، والميثاق في آيات متفرقة، وهو دليل قاطع على أن من مات على كفره، فقد استحق اللعن من الله، والملائكة، والناس أجمعين، وأمّا الأحياء من الكفار؛ فقد قال العلماء: لا يجوز لعن كافر معين؛ لأنّ حاله لا يعلم عند الوفاة، فلعله يؤمن، ويموت على الإيمان، وقد قيد الله في آية البقرة إطلاق اللعنة على من مات على الكفر، ويجوز لعن الكفار جملة بدون تعيين، كما في قولك: لعن الله الكافرين، يدلّ عليه قول النبي ﷺ : «لعن الله اليهود حرّمت عليهم الشحوم، فجمّلوها، وباعوها».
وذهب بعضهم إلى جواز لعن إنسان معين من الكفار، بدليل جواز قتاله، وهو الصحيح، كيف لا؟ وقد لعن حسان بن ثابت-﵁-أبا سفيان وزوجه هندا قبل أن يسلما في شعره، ولم ينكر عليه النبي ﷺ خذ قوله: [الكامل] لعن الإله وزوجها معها... هند الهنود طويلة البظر
وقد لعن الفاروق-﵁-أبا سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، وأبا الأعور السلمي، وغيرهم؛ الذين قدموا المدينة المنورة بعد غزوة أحد، وقد أعطاهم النبي ﷺ الأمان على أن يكلموه، فقام معهم جماعة من المنافقين، وقالوا للنبي ﷺ : ارفض ذكر آلهتنا بسوء، وقل: إن لها شفاعة لمن عبدها، وندعك وربك! فشق ذلك على سيد الخلق، وحبيب الحق، فقال الفاروق: يا رسول الله! ائذن لي في قتلهم، فقال: «إني أعطيتهم الأمان!». فقال الفاروق-﵁: اخرجوا في لعنة الله، وغضبه، ولم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك، كيف لا؟ وآية النور رقم [٧] تأمر المسلم أن يلعن نفسه إن كان من الكاذبين، والرسول ﷺ لعن عبد الله بن أبي ابن سلول وبني قينقاع لمّا تشفع فيهم، وألحّ عليه، فقال ﷺ : «خلّوهم لعنهم الله، ولعنه معهم»؛ وقال له:
«خذهم لا بارك الله لك فيهم». زيني دحلان. هذا؛ وقال بكر المزني: نزلت الايتان في الحرورية، والخوارج؛ وفيه بعد. وقال ابن حيان: نزلت في قريش. ونحوه قال المسيب بن شريك، والفراء؛ قالا: نزلت في بني أمية وبني هاشم. ودليل هذا التأويل ما روى عبد الله بن مغفل، قال سمعت النبي ﷺ يقول: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ..﴾. إلخ ثم قال: «هم الحيّ من قريش أخذ الله عليهم إن ولوا الناس؛ ألاّ يفسدوا في الأرض، ولا يقطعوا أرحامهم». انتهى. قرطبي، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ:﴾ انظر الاية رقم [١٦] فالإعراب لا يتغير. ﴿لَعَنَهُمُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فَأَصَمَّهُمْ:﴾
الفاء: حرف عطف. (أصمهم): فعل ماض، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محلّ لها أيضا.
стр. 5995
﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤)﴾
الشرح: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ أي: يتفهمونه، فيعلمون ما أعد الله للذين لم يتولوا عن الإسلام. أو المعنى: يتفكرون فيه، وفي مواعظه، وزواجره، وأصل التدبر: التفكر في عاقبة الشيء، وما يؤول إليه أمره. وتدبر القرآن لا يكون إلاّ مع حضور القلب، وجمع الهمّ وقت تلاوته. ويشترط فيه تقليل الغذاء من الحلال الصرف، وخلوص النية. ﴿أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ أي: بل على قلوب أقفالها، أقفلها الله عليهم، فهم لا يعقلون. وهذا يرد على القدرية، والإمامية، والمعتزلة مذهبهم، وفي حديث مرفوع: أنّ النبي ﷺ قال: «إنّ عليها أقفالا كأقفال الحديد حتّى يكون الله يفتحها». وقال أبو معاذ: الرّين أن يسودّ القلب من الذنوب، والطبع أن يطبع على القلب، وهو أشد من الرّين، والأقفال أشد من الطبع، وهو أن يقفل على القلب.
فإن قيل: قد أخبر الله تعالى بأنه أصمهم، وأعمى أبصارهم، فكيف يوبخهم على ترك التدبر، فهذا كقولك للأعمى: أبصر، وللأصم: اسمع؟! وقد أجيب بوجوه: الأول: أنّ التكليف بما لا يطاق جائز، وقد أمر الله من علم: أنّه لا يؤمن بالإيمان، فلذلك وبّخهم على ترك التدبر مع كونه أصمّهم، وأعمى أبصارهم، والله يفعل ما يريد.
الثاني: أنّ قوله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ﴾ راجع للناس، لا بقيد كونه أعماهم، وأصمّهم. الثالث:
أن يقال: إنّ هذه الاية وردت محققة لمعنى الاية المتقدمة، كأنه تعالى قال: أولئك الذين لعنهم الله؛ أي: أبعدهم عنه، أو عن الصدق، أو الخير، أو غير ذلك من الأمور الحسنة، فأصمهم لا يسمعون حقيقة الكلام، وأعماهم لا يبصرون طريقة الإسلام، فإذا هم بين أمرين: إما لا يتدبرون القرآن، فيبعدون عنه؛ لأنّ الله لعنهم وأبعدهم عن الخير، والصدق-والقرآن منهما، بل أشرف، وأعلى منهما-وإما يتدبرون، ولكن لا تدخل معانيه في قلوبهم لكونها مقفلة. انتهى. جمل نقلا من الخطيب. هذا؛ وانظر شرح: ﴿أَفَلا﴾ في الاية رقم [٥١] من سورة (الزخرف).
هذا؛ وتدبر القرآن: التأمل في معانيه، والتبصر بما فيه، وأصل التدبر: النظر في عواقب الأمور، والتفكر في أدبارها، ثم استعمل في كل تدبر، وتأمل. والتفكر: تصرف القلب بالنظر في الدلائل. وهذا يرد قول من زعم من الروافض: أنّ القرآن لا يفهم معناه إلاّ بتفسير الرسول ﷺ ، والإمام المعصوم. هذا؛ وقال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: والله ما تدبّره بحفظ حروفه، وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: والله لقد قرأت القرآن، فما أسقطت منه حرفا، وقد أسقطه، والله كله! ما يرى للقرآن عليه أثر في خلق، ولا عمل! وقال الزمخشري في كشافه:
وتدبر الايات القرآنية: التفكر فيها، والتأمل الذي يؤدي إلى معرفة ما يدبر ظاهرها من التأويلات
стр. 5996
الصحيحة، والمعاني الحسنة؛ لأنّ من اقتنع بظاهر المتلو؛ لم يحل منه بكثير طائل، وكان مثله كمثل من له لقحة درور، لا يحلبها، ومهرة نثور، لا يستولدها. انتهى.
هذا؛ وقد استدلّ بهذه الاية وأمثالها من يجيز التفسير بالرأي، والاجتهاد. قالوا: والتدبر، والتفكر، والتذكر لا يكون إلاّ بالغوص عن أسرار القرآن، والاجتهاد في فهم معانيه، فهل يعقل أن يكون تأويل ما لم يستأثر الله بعلمه محظورا على العلماء مع أنه طريق العلم، وسبيل المعرفة؟!. انتهى. علوم القرآن للصابوني.
هذا؛ ولا تنس الاستعارة بقوله: ﴿عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ حيث شبّه قلوبهم بالصناديق المغلقة، واستعار لها شيئا من لوازمها، وهي الأقفال المختصة بها، لاستبعاد فتحها، واستمرار انغلاقها.
الإعراب: ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. الفاء: حرف استئناف، أو هي عاطفة على محذوف. (لا): نافية، ﴿يَتَدَبَّرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله.
﴿الْقُرْآنَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها على الوجهين المعتبرين في الفاء. ﴿أَمْ:﴾
حرف عطف بمعنى (بل). ﴿عَلى قُلُوبٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَقْفالُها:﴾ مبتدأ مؤخر، و (ها): في محلّ جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها.
﴿إِنَّ الَّذِينَ اِرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (٢٥)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ..﴾. إلخ: قال قتادة: هم كفار أهل الكتاب، كفروا بالنبي ﷺ بعد ما عرفوا نعته عندهم، قاله ابن جريج. وقال ابن عباس، والضحاك، والسدي:
هم المنافقون قعدوا عن القتال بعد ما علموه من القرآن. انتهى. أقول: وهو يعمّ كل من تبيّن له الهدى، ووضح الحق له، ثم هو ينحرف إلى الباطل، ولا سيما في هذا الزمن الذي كثرت فيه العلوم، وظهرت فيه الدلائل على أحقية الإسلام، ولا سيما المسلمون؛ الذين ارتدوا عن الإسلام، ودخل الإلحاد في قلوبهم، وعشّش فيها، ولا يخلو بيت مسلم من هذا في هذا الزمن.
﴿الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ أي: زين لهم الشيطان سوء أعمالهم، وإلحادهم، وضلالهم. ﴿وَأَمْلى لَهُمْ:﴾ قرئ الفعل بضم الهمزة، وكسر اللام، وفتح الياء بالبناء للمجهول، بمعنى: أمهلوا، ومدّ لهم في العمر. وقراءة العامة بفتح الهمزة واللام، بمعنى: أملى لهم الشيطان بأن مدّ لهم في الأمل، قال الخازن-رحمه الله تعالى-:
فإن قلت: الإملاء، والإمهال لا يكونان إلاّ من الله تعالى؛ لأنّه الفاعل المطلق، وليس للشيطان فعل قطّ على مذهب أهل السنة فما معنى القراءة؟ قلت: إن المسوّل، والمحلي هو الله
стр. 5997
تعالى في الحقيقة وليس للشيطان فعل، وإنما أسند ذلك إليه من حيث إن الله تعالى قدر ذلك على لسانه ويده، فالشيطان يمنّيهم، ويزين لهم القبيح، ويقول لهم: في آجالكم فسحة، فتمتعوا بدنياكم، ورياستكم إلى آخر العمر. انتهى. بحروفه. هذا؛ وقرئ الفعل بضم الهمزة وسكون الياء على أنه مضارع. هذا؛ واختار أبو عبيد قراءة العامة؛ قال: لأنّ المعنى معلوم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وانظر الإعراب يتضح لك المعنى.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿اِرْتَدُّوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محلّ لها. ﴿عَلى أَدْبارِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وليس بالوجه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان به أيضا. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿تَبَيَّنَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان به. ﴿الْهُدَى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، و ﴿ما﴾ المصدرية، والفعل: ﴿تَبَيَّنَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه.
﴿الشَّيْطانُ:﴾ مبتدأ. ﴿سَوَّلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الشَّيْطانُ﴾. ﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿الشَّيْطانُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ، لا محلّ لها لأنّها ابتدائية، أو مستأنفة.
﴿وَأَمْلى:﴾ الواو: حرف عطف. (أملى): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ﴾.
﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، وهذه هي قراءة العامة، وعلى قراءة الفعل بالبناء للمجهول؛ فالجار والمجرور في محل رفع نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا لا محلّ لها. هذا؛ وعلى اعتباره مضارعا؛ فهو مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: وأنا أملي لهم، والجملة الاسمية هذه مستأنفة، لا محلّ لها. وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير المجرور باللام؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير.
﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (٢٦)﴾
الشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى التسويل، والإملاء. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ أي: بأن أهل الكتاب، أو المنافقين. ﴿قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ﴾ أي: وهم مشركو قريش، ومن حالفهم من قبائل العرب على الكفر، والضلال. ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ يعني: من التعاون على عداوة محمد
стр. 5998
صلّى الله عليه وسلّم، وترك الجهاد معه، والقعود عنه، وكانوا يقولون ذلك سرا، فأخبر الله نبيه محمدا ﷺ خبرهم. هذا؛ وجزم أبو السعود بأن الكارهين ما نزل الله هم اليهود مع علمهم بأنه من عند الله تعالى حسدا وطمعا في نزوله عليهم وأنّ القائلين: ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ هم المنافقون، كما حكى الله عنهم في سورة (الحشر): ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا..﴾. إلخ، كما ستعرفه هناك إن شاء الله تعالى. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ:﴾ يقرأ بفتح الهمزة على أنه جمع سر، وبكسرها على أنه مصدر مثل قوله تعالى في سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً﴾ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له... إلخ، وانظر باقي الإعراب في الاية رقم [٩] فهو مثله بلا فارق. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿قالُوا،﴾ وجملة: ﴿كَرِهُوا..﴾. إلخ، صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: كرهوا الذي نزّله الله. ﴿سَنُطِيعُكُمْ:﴾ السين: حرف استقبال. (نطيعكم): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر: (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ... إلخ. ﴿فِي بَعْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿بَعْضِ﴾ مضاف، و ﴿الْأَمْرِ﴾ مضاف إليه. والكلام: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ، مستأنف، لا محلّ له. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف.
(الله): مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿إِسْرارَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (الله...) إلخ مستأنفة، لا محلّ لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة في ﴿قالُوا﴾ فالمعنى لا يأباه، وعليه؛ فالرابط: الواو، والضمير.
﴿فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ (٢٧)﴾
الشرح: ﴿فَكَيْفَ..﴾. إلخ أي: فكيف حالهم، أو كيف يعملون إذا جاءتهم الملائكة لقبض أرواحهم، وتعاصت الأرواح في أجسادهم، واستخرجتها الملائكة بالعنف، والقهر، والضرب؟! كما قال تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٥٠]: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ وقال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٩٣]: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ..﴾.
إلخ انظر شرح الايتين في محلهما.
стр. 5999
الإعراب: ﴿فَكَيْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (كيف): اسم استفهام مبني على الفتح في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فكيف حالهم، أو هو في محل نصب حال عامله فعل محذوف، التقدير: فكيف يصنع هؤلاء، أو كيف يعملون؟. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرد عن الشرطية مبني على السكون في محل نصب متعلق بمضمون المبتدأ، والخبر من هول الأمر وتعظيم الشأن، على الوجه الأول في: (كيف)، أو هو متعلق بالفعل المقدر على الوجه الثاني في: (كيف). ﴿تَوَفَّتْهُمُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة؛ التي هي حرف لا محلّ له، والهاء مفعول به. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿يَضْرِبُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الضمير فقط.
﴿وُجُوهَهُمْ:﴾ مفعول به. ﴿وَأَدْبارَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أدبارهم): معطوف على ما قبله، والهاء فيهما في محل جر بالإضافة، والكلام ﴿فَكَيْفَ..﴾. إلخ، مستأنف، لا محلّ له.
﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اِتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٢٨)﴾
الشرح: ﴿ذلِكَ﴾ أي: ذلك الضرب، والتوفي المذكور في الاية السابقة. ﴿بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللهَ:﴾ قال ابن عباس-﵄: هو كتمانهم ما في التوراة من نعت محمد ﷺ ، وإن حملت على المنافقين فهو إشارة إلى ما أضمروا عليه من الكفر. ﴿وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ﴾ يعني: كرهوا ما فيه رضوان الله، ، وهو الإيمان والطاعة، والجهاد مع رسول الله ﷺ .
﴿فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ﴾ أي: إنّ اتباعهم ما أسخط الله، وكراهيتهم رضوانه أحبط أعمالهم؛ التي عملوها من أعمال البر؛ لأنها لم تكن لله، ولا لمرضاته.
الإعراب: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا:﴾ انظر الإعراب في الاية رقم [٩] فهو مثله بلا فارق.
﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أَسْخَطَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿ما،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها.
﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملتان: ﴿وَكَرِهُوا..﴾. إلخ معطوفتان على جملة الصلة لا محلّ لهما مثلها، وإعرابهما واضح إن شاء الله تعالى.
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ (٢٩)﴾
الشرح: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: شك، ونفاق، وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٢٠]. ﴿أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ﴾ أي: يظهر أحقادهم على المؤمنين، فيبديها حتى يعرف
стр. 6000
المؤمنون نفاقهم، واحدها: ضغن، وهو الحقد الشديد. وقال ابن عباس-﵄:
حسدهم. وقال قطرب: عداوتهم. وأنشد قول الشاعر: [الكامل] قل لابن هند ما أردت بمنطق... ساء الصّديق وشيّد الأضغانا
وقيل: أحقادهم. واحدها: ضغن، قال عمرو بن كلثوم في معلّقته رقم [٣٧]: [الوافر] وأنّ الضّغن بعد الضّغن يفشو... عليك ويخرج الداء الدّفينا
وقال الجوهري: الضغن، والضغينة: الحقد. ولا تنس: أنّ الله قد أخرج أضغان المنافقين، وكشف سترهم، وفضح سرائرهم في سورة (التوبة) وفي سورة (الأحزاب) وفي سورة (المنافقون) المسمّاة باسمهم، ولا سيما في سورة (النور) حيث قذفوا عائشة-﵂ بالزنى، وبرّأها الله وطهّرها تطهيرا مما قالوا، وافتروا.
الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف بمعنى «بل» والهمزة، فهي منقطعة عمّا قبلها. ﴿حَسِبَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله مبني على الفتح في محل رفع. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَرَضٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محلّ لها. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين بمحذوف صلة الموصول، و ﴿مَرَضٌ﴾ فاعلا بالجار والمجرور؛ أي: بمتعلقهما؛ فهو وجه صحيح، لا غبار عليه. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل مخفّف من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي ونصب واستقبال. ﴿يُخْرِجَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ﴾. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنْ﴾ المخففة من الثقيلة، و ﴿أَنْ﴾ واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي: ﴿حَسِبَ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة بعد ﴿أَمْ﴾ المنقطعة، لا محلّ لها. ﴿أَضْغانَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠)﴾
الشرح: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ:﴾ قال الخازن-رحمه الله تعالى-: لما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ﴾ فكأنّ قائلا قال: لم لم يخرج أضغانهم، ويظهرها، فأخبر تعالى: أنه إنما أخّر ذلك لمحض المشيئة، لا لخوف منهم، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ﴾ لا مانع لنا من ذلك، والإرادة بمعنى التعريف، والعلم. انتهى.
هذا؛ ولكن الله لم يفعل ذلك في جميع المنافقين سترا منه على خلقه، وحملا للأمور على ظاهر السلامة، وردا للسرائر إلى عالمها. هذا؛ والسيما: العلامة.
стр. 6001
قال أنس-﵁: ما خفي على النبي ﷺ بعد هذه الاية أحد من المنافقين كان يعرفهم بسيماهم. وقد كنّا في غزاة، وفيها سبعة من المنافقين يشكّ فيهم الناس، فأصبحوا ذات ليلة، وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب هذا منافق، فذلك سيماهم. ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ أي: في معنى القول وفحواه ومقصده، ولحن القول أسلوبه وإمالته إلى جهة تعريض، وتورية عن التصريح إلى المعنى، قال الشاعر: [الكامل] ولقد لحنت لكم لكيما تفهموا... واللحن يعرفه ذوو الألباب
وهذا محمود من حيث البلاغة، ومنه قوله ﷺ : «فلعلّ بعضكم ألحن بحجّته من بعض» وإليه قصد بقوله: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ وأمّا اللحن المذموم؛ فظاهر، وهو صرف الكلام عن الصواب إلى الخطأ بإزالة الإعراب، أو التصحيف، ومعنى الاية: وإنك يا محمد لتعرفن المنافقين فيما يعرّضون به من القول، من تهجين أمرك، وأمر المسلمين، وتقبيحه، والاستهزاء به. فكان بعد هذا لا يتكلّم منافق عند النبي ﷺ إلا عرفه بقوله، ويستدلّ بفحوى كلامه على فساد باطنه، ونفاقه. هذا؛ ولحنت بفتح الحاء ألحن لحنا: إذا قلت له قولا يفهمه عنك، ويخفى على غيره. ولحنه هو عنّي بكسر الحاء يلحنه لحنا؛ أي: فهمه، وألحنته أنا إياه، ولا حنت الناس فاطنتهم، قال الفزاري: [الخفيف] وحديث ألذّه هو ممّا... ينعت النّاعتون يوزن وزنا
منطق رائع وتلحن أحيا... نا وخير الحديث ما كان لحنا
يريد أنها تتكلم بشيء، وهي تريد غيره، وتعرّض في حديثها، فتزيله عن جهته من فطنتها، وذكائها، وقد قال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ وقال القتّال الكلابي: [الكامل] ولقد وحيت لكم لكي تتفهّموا... ولحنت لحنا ليس بالمرتاب
وقال مرار الأسدي، وكله من القرطبي: [الطويل] لحنت بلحن فيه غشّ ورابني... صدودك ترضين الوشاة الأعاديا
وقد ورد في الحديث تعيين جماعة من المنافقين، قال عقبة بن عامر-﵁:
خطبنا رسول الله ﷺ خطبة، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «إنّ منكم منافقين، فمن سمّيت؛ فليقم» ثم قال: «قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان» حتى سمّى ستّة وثلاثين رجلا ثم قال:
«إنّ فيكم، أو منكم منافقين، فاتّقوا الله». قال: فمرّ عمر-﵁-برجل ممن سمّى مقنّع قد كان يعرفه، فقال: مالك؟ فحدثه بما قال رسول الله ﷺ ، فقال: بعدا لك سائر اليوم! ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ:﴾ فيجازيكم على حسب قصدكم؛ إذ الأعمال بالنيات، ولا يخفى عليه شيء منها.
стр. 6002
الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.
﴿نَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَأَرَيْناكَهُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو).
(أريناكهم): فعل، وفاعله، ومفعولاه، والجملة الفعلية جواب (لو)، لا محلّ لها، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف. ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. اللام: واقعة في جواب (لو) تقديرا. (عرفتهم): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (لو)، لا محلّ لها مثلها. وكررت اللام للتأكيد. ﴿بِسِيماهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف.
اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (تعرفنهم): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم لا محلّ لها، والقسم وجوابه كلام معطوف على (لو) ومدخولها لا محل له مثله. ﴿فِي لَحْنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال؛ أي: حال كونهم لاحنين. و ﴿لَحْنِ﴾ مضاف، و ﴿الْقَوْلِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، ﴿أَعْمالَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير المنصوب؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو فقط.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (٣١)﴾
الشرح: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ أي: ولنختبرنكم بالأمر بالجهاد، وسائر التكاليف الشّاقّة. وقال الخازن: يعني: ولنعاملنكم معاملة المختبر، فإن الله تعالى عالم بجميع الأشياء قبل كونها، ووجودها. ﴿حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ﴾ أي: نأمركم بالجهاد؛ حتى يظهر المجاهد، ويتبين من يبادر منكم، ويصبر عليه من غيره؛ لأنّ المراد من قوله: ﴿حَتّى نَعْلَمَ﴾ أي: علم الوجود، والظهور؛ أي: علما شهوديا يشهده غيرنا مطابقا لما كنا نعلمه علما غيبيا في قديم الأزل. ﴿وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ يعني: نظهرها، ونكشفها؛ ليتبين من يأبى القتال، ولا يصبر على الجهاد. هذا؛ وتقرأ الأفعال الثلاثة بالنون والياء، ويقرأ: «(نبلو)» بسكون الواو على تقدير: ونحن نبلو. وعن الفضيل بن عياض: أنه كان إذا قرأ هذه الاية بكى، وقال: اللهم لا تبتلينا، فإنك إذا بلوتنا فضحتنا، وهتكت أستارنا.
الإعراب: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، أو نقسم. (نبلونكم):
стр. 6003
فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والكاف مفعول به، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن». ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿نَعْلَمَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ والفاعل تقديره: «نحن»، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما، وجملة (لنبلونكم) جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه معطوف على ما قبله، لا محلّ له أيضا. ﴿الْمُجاهِدِينَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بالمجاهدين. ﴿وَالصّابِرِينَ:﴾
معطوف على: ﴿الْمُجاهِدِينَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبهما الياء لأنهما جمعا مذكر سالمان، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَنَبْلُوَا:﴾ فعل مضارع معطوف على ﴿نَعْلَمَ﴾ منصوب مثله، والفاعل تقديره: «نحن». هذا؛ وعلى قراءة الأفعال الثلاثة بالياء؛ فالفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (الله)، ويبقى التأويل، والتقدير، والعطف كما هو، وعلى قراءة تسكين واو «(نبلو)» فهو مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: ونحن نبلو، والجملة الاسمية هذه في محل نصب حال من الفاعل المستتر في الفعلين السابقين، والرابط: الواو، والضمير. ﴿أَخْبارَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ (٣٢)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ بالله، ورسوله، ودين الإسلام، وتعاليمه. ﴿وَصَدُّوا﴾ أي:
منعوا الناس. ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ:﴾ عن دين الإسلام. ﴿وَشَاقُّوا الرَّسُولَ:﴾ خالفوه، وعاندوه، وآذوه وحاربوه. قيل: هم المنافقون. وقيل: هم اليهود: قريظة، والنضير. وقال ابن عباس-﵄: هم المطعمون يوم بدر، نظيرها قوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٣٦]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾.
أقول: وخصوص السبب لا يمنع التعميم، فهو عام إلى يوم القيامة، وانظر ما أذكره في الاية التالية. ﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى:﴾ يعني من بعد ما ظهر لهم أدلة الهدى، وصدق الرسول ﷺ ، وأحقية الإسلام. ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً:﴾ بكفرهم، ومخالفتهم الرسول ﷺ بعد أن عرفوا صدقه، وإنما يضرون أنفسهم بذلك، والله منزّه عن ذلك. ﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ﴾ أي: سيبطل ثواب أعمالهم، التي يرون: أنها صالحة، من صلة رحم، وبر والدين، وحسن جوار، كما رأيت في سورة (النور) رقم [٣٩] وسورة (الفرقان) رقم [٢٣]. هذا؛ وتبيّن الشيء، وبان، وأبان، واستبان كله واحد، وهو لازم، وقد يستعمل بعضها متعديا.
стр. 6004
الإعراب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ انظر مثل هذه الكلمات في الاية رقم [٢٥]. ﴿وَصَدُّوا:﴾ الواو:
حرف عطف. (صدوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿عَنْ سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محلّ لها مثلها، وجملة: ﴿وَشَاقُّوا الرَّسُولَ:﴾ معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿تَبَيَّنَ:﴾ ماض. ﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْهُدى:﴾
فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، و ﴿ما﴾ والفعل: ﴿تَبَيَّنَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة: ﴿بَعْدِ﴾ إليه، التقدير: من بعد تبيّن الهدى لهم. ﴿لَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿يَضُرُّوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿اللهِ:﴾
منصوب على التعظيم. ﴿شَيْئاً:﴾ نائب مفعول مطلق، التقدير: ضرا شيئا، أو هو صفة له كما ترى. ﴿وَسَيُحْبِطُ:﴾ الواو: حرف عطف. السين: حرف استقبال. (يحبط): مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ﴾. ﴿أَعْمالَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (٣٣)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي: فيما يأمران به، وينهيان عنه.
هذا؛ وقد قرن الله طاعته بطاعة رسوله ﷺ ، كما هو معلوم في كثير من الايات، من ذلك قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٨٠]: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾. ومن القرطبي: وفي حديث: أن النبي ﷺ قال: «من فرّق بين ثلاث فرّق الله بينه وبين رحمته يوم القيامة: من قال:
أطيع الله، ولا أطيع الرسول، والله تعالى يقول: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ،﴾ ومن قال: أقيم الصلاة، ولا أوتي الزكاة، والله تعالى يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ،﴾ ومن فرّق بين شكر الله، وشكر والديه، والله يقول: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ﴾. انتهى. وينبغي أن تعلم:
أنّه لما ذكر الله- -الكفار بسبب مشاقتهم لرسول الله ﷺ ؛ أمر الله المؤمنين بطاعته، وطاعة رسوله ﷺ .
﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ:﴾ قال عطاء: يعني: بالشرك، والنفاق. والمعنى: داوموا على ما أنتم عليه من الإيمان، والطاعة، ولا تشركوا، فتبطل أعمالكم. وقيل: لا تبطلوا أعمالكم بترك طاعة رسول الله ﷺ ، كما أبطل أهل الكتاب أعمالهم بتكذيب رسول الله ﷺ ، وعصيانه. وقال الكلبي: لا تبطلوا أعمالكم بالرياء، والسمعة؛ لأن الله لا يقبل من الأعمال إلاّ ما كان خالصا لوجهه الكريم. وقال الحسن: لا تبطلوا أعمالكم بالمعاصي، والكبائر.
стр. 6005
قال أبو العالية: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرون: أنّه لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، فنزلت هذه الاية، فخافوا من الكبائر أن تحبط أعمالهم، واستدلّ بهذه الاية من يرى إحباط الطاعات بالمعاصي (وهم: المعتزلة، والخوارج) ولا حجة لهم فيها، وذلك لأن الله تعالى يقول في سورة (الزلزلة): ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. وقال تعالى في سورة (النساء) رقم [٤٠]: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ بعد أن قال: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ فالله تعالى أعدل وأكرم من أن يبطل طاعات سنين عديدة بمعصية واحدة.
وروي عن ابن عمر-﵄-أنه قال: كنا نرى أنه لا شيء من حسناتنا إلاّ مقبولا حتى نزل: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ﴾ فقلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر، والفواحش؛ حتى نزل: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ الاية رقم [٤٨ و ١١٦] من سورة (النساء)، فكففنا عن ذلك القول، وكنا نخاف على من أصاب الكبيرة، ونرجو لمن لم يصبها.
واستدلّ بهذه الاية من لا يرى إبطال النوافل (وهم الحنفية، والمالكية) حتى لو دخل في صلاة تطوع، أو صوم تطوع، لا يجوز له إبطال ذلك العمل، والخروج منه، ولا دليل لهم في الاية، ولا حجة؛ لأنّ السنة مبيّنة للكتاب، وقد ثبت في الصحيحين: أنّ النبي ﷺ أصبح صائما، فلمّا رجع إلى البيت وجد حيسا، فقال لعائشة-﵂: «قرّبيه فلقد أصبحت صائما». فأكل، وهذا معنى الحديث، وليس بلفظه، وفي الصحيحين أيضا: أنّ سلمان الفارسي زار أبا الدرداء-﵄، فصنع له طعاما، فلما قرّبه إليه، قال: كل فإني صائم، قال:
لست بآكل؛ حتى تأكل! فأكل معه. أقول: والحديث: «المتطوع أمير نفسه مشهور» انتهى. إلا في الحج لا يجوز له إبطاله؛ ولو كان تطوعا. خازن.
وقال مقاتل في معنى الاية: لا تمنوا على رسول الله ﷺ ، فتبطل أعمالكم. نزلت في بني أسد، وسنذكر القصة في سورة (الحجرات) إن شاء الله تعالى. انتهى. خازن بتصرف مني. هذا؛ وقد ذكر الزمخشري في كشافه أدلة تدعم مذهبه في الاعتزال وهو أنّ الكبيرة تحبط العمل، وقد فندها له محشي الكشاف الإمام ناصر الدين أحمد بن محمد بن المنير الإسكندري المالكي.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الاية رقم [٧]. ﴿أَطِيعُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية ابتدائية كالجملة الندائية قبلها، لا محلّ لها مثلها، وجملة: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تُبْطِلُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَعْمالَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا.
стр. 6006
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ (٣٤)﴾
الشرح: قيل: نزلت هذه الاية في أهل القليب، وهم: أبو جهل، وأصحابه الذين قتلوا ببدر، وألقوا في قليب بدر. وحكمها عام في كل كافر مات على كفره، فإن الله لا يغفر له لقوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٤٨]: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ ويدلّ بمفهومه على أنه قد يغفر لمن لم يمت على كفره سائر ذنوبه. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ:﴾ انظر الاية رقم [٣٢] والمحال عليها برقم [٢٥] فإن الإعراب لا يتغير. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿ماتُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محلّ لها مثلها.
﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿كُفّارٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء: حرف صلة. (لن): حرف ناصب. ﴿يَغْفِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (لن). ﴿اللهِ:﴾ فاعله. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر:
﴿إِنَّ،﴾ وزيدت الفاء في الخبر؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ، ابتدائية، أو مستأنفة لا محلّ لها.
تنبيه: زيدت الفاء في الخبر في هذه الاية، ولم تزد في الاية رقم [٣٢]؛ لأن عدم المغفرة في هذه الاية مسبب عن كفرهم بالله، وصدهم الناس عن سبيل الله، وموتهم على الكفر، بخلاف الاية السابقة فإنهم لم يضروا الله في حال من الأحوال، ومهما صنعوا من الكفر، وغيره؛ فإنهم لم، ولن يضروا الله مثقال ذرة، كما جاء في الحديث القدسي: «يا عبادي لو أنّ أوّلكم، وآخركم، وإنسكم، وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم؛ ما نقص ذلك من ملكي شيئا». والعكس مثله، وهو ما أفادته الجملة السابقة في الحديث: «يا عبادي لو أنّ أولكم، وآخركم، وإنسكم، وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم؛ ما زاد ذلك في ملكي شيئا».
﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥)﴾
الشرح: ﴿فَلا تَهِنُوا﴾ أي: فلا تضعفوا عن القتال، والجهاد، وفي (آل عمران) رقم [١٣٩]:
﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ والوهن: الضعف، والخور، وقد وهن الإنسان، ووهنه غيره، يتعدى، ولا يتعدى، فهو من باب: وعد، وهي اللغة الفصحى، ومن باب: ورث، يرث لغة فيه، ومن باب: فرح، يفرح لغة شاذة، وقد حذفت الواو من مضارعه في: جميع اللغات، كما في وعد، يعد، ووجد، يجد... إلخ.
стр. 6007
﴿وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ أي: المسالمة، والمهادنة، قرئ بفتح السين، وكسرها، كما في الاية رقم [٢٠٧] من سورة (البقرة)، والاية رقم [٦١] من سورة (الأنفال) وإن كانت آية (البقرة) بمعنى الإسلام. هذا؛ وأنّث الضمير العائد إلى السلم في آية (الأنفال) بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها..﴾. إلخ لحملها على نقيضها، وهو الحرب، والعداوة. قال العباس بن مرداس السلمي الصحابي من أبيات يخاطب بها أبا خراشة خفاف بن ندبة الصحابي أيضا ﵄: [البسيط] السّلم تأخذ منها ما رضيت به... والحرب يكفيك من أنفاسها جرع
﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ أي: أنتم أعلى منهم شأنا، فإنكم على الحق، وهم على الباطل، وقتالكم لله، وقتالهم للشيطان، وقتلاكم في الجنة، وقتلاهم في النار. أو: أنتم الأعلون في العاقبة، فيكون بشارة لهم بالنصر، والغلبة؛ لأنهم مؤمنون، وإن غلبوا في الظاهر في بعض الأحوال.
هذا؛ و ﴿الْأَعْلَوْنَ﴾ جمع: الأعلى، فحذفت الألف عند الجمع لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، وبقيت الفتحة على اللام لتدلّ عليها. هذا في حالة الرفع، وخذ في حالة النصب قوله تعالى في سورة (ص) رقم [٤٧]: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ﴾. وأصل الأول: الأعلوون (بواوين) الأولى لام الكلمة، والثانية واو جمع المذكر السالم، والتي تقلب ياء في حالتي النصب، والجر، فيقال: تحركت الواو الأولى، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فالتقى ساكنان، فحذفت الألف الأولى لالتقاء الساكنين.
﴿وَاللهُ مَعَكُمْ﴾ أي: بالنصر والمعونة، والتأييد، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وفي كثير من الايات: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾. ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ﴾ أي: لن ينقصكم أعمالكم؛ أي: ينقص ثوابها، بل يوفيكم ثوابها كاملا، ومنه الموتور الذي قتل له قتيل، فلم يدرك بدمه، تقول منه: وتره، يتره وترا، وترة.
فعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلّوا على نبيهم؛ إلاّ كان عليهم ترة، فإن شاء؛ عذبهم، وإن شاء؛ غفر لهم». رواه أبو داود، والترمذي، واللفظ له، وقال: حديث حسن. وقال ﷺ : «من فاتته صلاة العصر؛ فكأنّما وتر أهله، وماله».
الإعراب: ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: أي: إذا تبين لكم ما تلي عليكم، فلا تهنوا، فإن من كان الله عليه لا يفلح. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَهِنُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب: «إذا»، والجملة الشرطية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَتَدْعُوا:﴾ الواو: حرف عطف. وقيل: هي واو المعية بعدها
стр. 6008
«أن» مضمرة. (تدعوا): مضارع مجزوم، أو منصوب، وعلامة الجزم، أو النصب حذف النون... إلخ، والواو فاعله، فعلى الجزم فالجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وعلى النصب، فتؤول «أن» المضمرة والفعل بمصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لا يكن منكم وهن، ودعوة. ﴿إِلَى السَّلْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَأَنْتُمُ:﴾ الواو: واو الحال.
(أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿الْأَعْلَوْنَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.
﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (الله): مبتدأ. ﴿مَعَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿وَلَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لن): حرف ناصب. ﴿يَتِرَكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (لن) والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به أول. ﴿أَعْمالَكُمْ:﴾ مفعول به ثان، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال أيضا، وإن كانت (لن) للاستقبال؛ فساغ ذلك بسبب العطف.
﴿إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (٣٦)﴾
الشرح: ﴿إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا:﴾ في هذا الحصر إشارة إلى تحقير الدنيا، كيف لا؟ وهي لا تزن عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تزن عند الله جناح بعوضة؛ ما سقى الكافر منها جرعة ماء، ولقد وصف الله تعالى في هذه الاية وغيرها الحياة التي يحياها ابن آدم بالدنيا؛ لدناءتها، وحقارتها، وأنها لا تساوي عنده جناح بعوضة، ورحم الله الحريري إذ يقول: [الكامل] يا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنها... شرك الرّدى وقرارة الأكدار
دار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار
أو: هي من الدنو، وهو القرب؛ لأنها في متناول يد الإنسان ما دام حيا.
﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أي: كما يلعب، ويلهو به الصبيان، ويجتمعون عليه، ويبتهجون به ساعة، ثم يتفرقون متعبين، واللعب: العبث، واللهو: الاستمتاع بلذات الدنيا. وقيل: هو الاشتغال بما لا يعني الإنسان، وما لا يهمه. والمعنى: ليس ما أعطاه الله الأغنياء من حطام الدنيا، إلاّ وهو يضمحل، ويزول كاللعب، واللهو؛ الذي لا حقيقة له، ولا ثبات. وقال الخازن: واللعب: ما يشغل الإنسان، وليس فيه منفعة في الحال، ولا في المال، ثم إذا استعمله الإنسان، ولم يشغله
стр. 6009
عن غيره، ولم ينسه أشغاله المهمة؛ فهو اللعب، وإن أشغله عن مهمات نفسه؛ فهو اللهو، وقال بعضهم: إن بقيت لك الدنيا؛ لم تبق لها، وأنشد: [الطويل] تروح لنا الدنيا بغير الذي غدت... وتحدث من بعد الأمور أمور
وتجري الليالي باجتماع وفرقة... وتطلع فيها أنجم وتغور
فمن ظنّ أنّ الدهر باق سروره... فذاك محال لا يدوم سرور
عفا الله عمّن صيّر الهمّ واحدا... وأيقن أنّ الدائرات تدور
وما أحسن قول الشافعي-﵁: [الطويل] وما هي إلاّ جيفة مستحيلة... عليها كلاب همّهنّ اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها... وإن تجتذبها نازعتك كلابها
﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا:﴾ بالله، ورسوله، وتنقادوا لأوامرهما. ﴿وَتَتَّقُوا:﴾ الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. ﴿يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ أي: يوفكم أجور أعمالكم، وثوابها في الاخرة. ﴿وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ﴾ أي: لا يأمركم بإخراج جميعها في الزكاة، بل أمر بإخراج البعض، وهو ربع العشر من أموالكم، وهو زكاة أموالكم، ثم ترد عليكم، ليس لله، ورسوله فيها حاجة، إنما فرضها الله تعالى في أموال الأغنياء، وردها على الفقراء، فطيبوا بإخراج الزكاة بأنفسكم. وإلى هذا القول ذهب سفيان بن عيينة.
وقيل: المعنى: لا يسألكم أموالكم لنفسه، أو لحاجة منه إليها، إنما يأمركم بالإنفاق في سبيله؛ ليرجع ثوابه إليكم. وقيل: لا يسألكم أموالكم، إنما يسألكم أموالكم، إنما يسألكم أمواله؛ لأنه المالك لها، وهو المنعم بإعطائها. وقيل: لا يسألكم محمد أموالكم أجرا على تبليغ الرسالة، كما قال تعالى في كثير من الايات: ﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾. انتهى. خازن، وقرطبي. بتصرف كبير.
الإعراب: ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿الْحَياةُ:﴾ مبتدأ. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة: ﴿الْحَياةُ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لَعِبٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿وَلَهْوٌ:﴾ معطوف عليه، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن):
حرف شرط جازم. ﴿تُؤْمِنُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. (تتقوا): فعل مضارع معطوف على ما قبله مجزوم مثله، أو هو منصوب ب: «أن» مضمرة بعد واو المعية، وعليه يؤول الفعل مع «أن» المضمرة بمصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: وإن يحصل منكم إيمان، وتقاة. ومثل الاية قول الشاعر-وهو الشاهد رقم [١٦٦] من كتابنا: «فتح رب البرية-: [الطويل]
стр. 6010
ومن يقترب منّا ويخضع نؤوه... ولا يخش ظلما ما أقام ولا هضما
﴿يُؤْتِكُمْ:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى الله، والكاف مفعول به أول. ﴿أُجُورَكُمْ:﴾
مفعول به ثان، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية.
﴿يَسْئَلْكُمْ:﴾ مضارع معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، والكاف مفعول به أول، والفاعل يعود إلى الله، أو إلى الرسول ﷺ . ﴿أَمْوالَكُمْ:﴾ مفعول به ثان، والكاف في محل جر بالإضافة.
هذا؛ ويجوز في العربية نصب الفعل: ﴿يَسْئَلْكُمْ﴾ ورفعه، ولكن لم أجد من قرأ هنا بهما وقد قرئ بالأوجه الثلاثة: ﴿فَيَغْفِرُ﴾ في الاية رقم [٢٨٤] من سورة (البقرة) وهي قوله تعالى: ﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وما ذكرته في الاية الكريمة من وجوه الإعراب مقرر في القواعد النحوية، كما يلي: إذا عطف مضارع بالواو، أو بالفاء على فعل الشرط يجوز جزمه ونصبه، وإذا عطف على الجواب مضارع بالواو، أو بالفاء، يجوز جزمه ونصبه ورفعه، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] والفعل من بعد الجزا إن يقترن... بالفا أو الواو بتثليث قمن
وجزم أو نصب لفعل إثر فا... أو واو إن بالجملتين اكتنفا
ومن شواهد المسألة الأولى في قول ابن مالك قول الشاعر: [الوافر] فإن يهلك أبو قابوس يهلك... ربيع الناس والشّهر الحرام
ونأخذ بعده بذناب عيش... أجبّ الظّهر ليس له سنام
حيث روي «نأخذ» بالأوجه الثلاثة؛ أي: الرفع، والنصب، والجزم.
﴿إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (٣٧)﴾
الشرح: ﴿إِنْ يَسْئَلْكُمُوها﴾ أي: يسألكم الأموال كلها، ويدعوكم إلى إنفاقها كلها.
﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ أي: يجهدكم، ويشق عليكم، ويطلبها كلها، والإحفاء: المبالغة، وبلوغ الغاية في كل شيء، يقال: أحفاه في المسألة: إذا لم يترك شيئا من الإلحاح، وأحفى شاربه: استأصله.
هذا؛ وأحفى بالمسألة، وألحف، وألحّ بمعنى واحد. قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٨٧]: ﴿يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ وفي سورة (مريم) رقم [٤٧]: قوله تعالى حكاية من قول إبراهيم لأبيه: ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾. ﴿تَبْخَلُوا:﴾ يعني:
стр. 6011
بالمال، فلا تعطوه. ﴿وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ:﴾ يعني بغضكم، وعداوتكم لشدة محبتكم للمال. قال قتادة-رحمه الله تعالى-: علم الله: أنّ الإحفاء بمسألة الأموال مخرج للأضغان. انتهى. وهذا من حيث محبة الأموال بالجبلة، والطبيعة، ومن نوزع في حبيبه ظهرت طويته؛ التي كان يسرها، ولا يصرف المال إلاّ فيما هو أحب إلى الشخص منه. هذا؛ والفعل يقرأ بالياء، والتاء، والنون، وانظر شرح (الضغن) في الاية رقم [٢٩] ولم يذكر في غير هذه السورة.
الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿يَسْئَلْكُمُوها:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (الله) أو إلى (الرسول)، والكاف مفعول به أول، والميم علامة جمع الذكور، فحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، و (ها): مفعول به ثان، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَيُحْفِكُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف.
(يحفكم): مضارع معطوف على فعل الشرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل تقديره: «هو» مثل سابقه، والكاف مفعول به. ﴿تَبْخَلُوا:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية. ﴿وَيُخْرِجْ:﴾ الواو: حرف عطف. (يخرج): معطوف على ما قبله، والفاعل يعود إلى ما عاد إليه ما قبله، أو إلى البخل المفهوم من تبخلوا ولعله أرجح.
وعلى قراءته بالنون؛ فالفاعل تقديره: «نحن»، و ﴿أَضْغانَكُمْ:﴾ مفعول به، وعلى قراءته بالتاء؛ فالفاعل: ﴿أَضْغانَكُمْ﴾. هذا؛ ويجوز في هذه الاية ما جاز في الاية السابقة من أوجه الإعراب.
بقي أن تعرف: أنّه اتصل بالفعل (يسأل) ضميران منصوبان: ضمير خطاب، وضمير غيبة، والأول أعرف، فيجوز في مثل ذلك الفصل، والوصل أرجح، ومثل هذه الاية قوله تعالى في سورة (هود) على حبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوها﴾ رقم [٢٨]. وأيضا قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ﴾ رقم [١٣٧] قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] صل أو افصل هاء سلنيه وما... أشبهه في كنته الخلف انتمى
﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣٨)﴾
الشرح: ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ﴾ أي: أنتم يا هؤلاء المخاطبون الموصوفون بما يذكر. ﴿تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: يطلب منكم أن تبذلوا المال في وجوه الخير، كلما دعاكم داع إلى
стр. 6012
ذلك. ﴿فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ:﴾ بعض منكم يبخل بما فرض الله عليه إخراجه من الزكاة، أو ندب إلى إنفاقه في وجوه البر؛ أي: ومنكم من يجود، فحذف هذا المقابل؛ لأنّ المراد الاستدلال على البخل. ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ:﴾ يعني بالصدقة، وأداء الفريضة؛ فلا يتعداه ضر بخله. ﴿فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: على نفسه؛ أي: يحرمها الأجر والثواب، ومرضاة رب العالمين. ﴿وَاللهُ الْغَنِيُّ﴾ أي: عن صدقاتكم، وطاعاتكم؛ لأنه الغني المطلق؛ الذي له ملك السموات، والأرض.
﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ﴾ أي: إليه وإلى ما عنده من الخيرات، والثواب في الدنيا، والاخرة. ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ أي: تعرضوا عن طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ، وعن القيام بما أمركم به، وألزمكم إياه.
﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ:﴾ يكونون أطوع لله، ولرسوله ﷺ منكم. قال الكلبي: هم كندة، والنخع من عرب اليمن. وقال الحسن: هم العجم. وقال عكرمة: هم فارس، والروم، فعن أبي هريرة-﵁-قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الاية: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا..﴾. إلخ، قالوا: ومن يستبدل بنا؟ قال: فضرب رسول الله ﷺ على منكب سلمان الفارسي-﵁-ثم قال:
«هذا وأصحابه». أخرجه الترمذي، وقال: حديث غريب، وفي إسناده مقال، وله رواية أخرى عن أبي هريرة-﵁-قال: قال ناس من أصحاب رسول الله ﷺ : يا رسول الله! من هؤلاء الذين ذكر الله إن تولينا؛ استبدلوا منا، ثم لا يكونوا أمثالنا؟ قال: وكان سلمان بجنب رسول الله ﷺ ، فضرب رسول الله ﷺ فخذ سلمان، فقال: «هذا وأصحابه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا؛ لتناوله رجال من فارس!». ولهذا الحديث طرق في الصحيح.
هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (المائدة) رقم [٥٤]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ..﴾. إلخ، انظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وفي الجملة: هذا إخبار عن القدرة، وتخويف لهم، لا أن في الوجود من هو خير من أصحاب رسول الله ﷺ .
﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ أي: في البخل بالإنفاق في سبيل الله، وحكي عن أبي موسى الأشعري-﵁-أنه لما نزلت هذه الاية فرح بها رسول الله ﷺ ، وقال: «هي أحبّ إليّ من الدنيا». والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وخذ ما يلي:
عن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «خلق الله جنة عدن بيده، ودلّى فيها أثمارها، وشق فيها أنهارها، ثم نظر إليها، فقال لها: تكلّمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون، فقال: وعزّتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل». رواه الطبراني في الكبير، والأوسط بإسنادين، أحدهما جيد. وعن الحسن-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أراد الله بقوم خيرا؛ ولّى أمرهم الحكماء، وجعل المال عند السّمحاء. وإذا أراد الله بقوم شرّا؛ ولّى أمرهم السفهاء، وجعل المال عند البخلاء». رواه أبو داود في مراسيله.
стр. 6013
الإعراب: ﴿ها أَنْتُمْ:﴾ (ها): حرف تنبيه لا محلّ له. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿هؤُلاءِ:﴾ الهاء: حرف تنبيه أيضا. (أولاء): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محلّ لها.
﴿تُدْعَوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة مقررة لما قبلها. هذا؛ ويعتبر الكوفيون ﴿هؤُلاءِ﴾ اسما موصولا خبر المبتدأ، والجملة الفعلية صلة له، لا محل لها، ولم يجزه البصريون؛ لأنّ ﴿هؤُلاءِ﴾ اسم إشارة، ولا يكون بمعنى: «الذين» هذا؛ وجه للإعراب.
الوجه الثاني: الضمير مبتدأ، والجملة الفعلية خبره، و ﴿هؤُلاءِ﴾ منادى بأداة نداء محذوفة، والجملة الندائية معترضة بين المبتدأ والخبر، وهذا عند الكوفيين، واستدلّوا بقول ذي الرمّة، -وهو الشاهد رقم [١٠٩٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] إذا هملت عيني لها قال صاحبي... بمثلك هذا لوعة وغرام
فإنه أراد: (يا هذا) والبصريون يعتبرون حذف حرف النداء من اسمي الجنس، والإشارة شاذا، وابن هشام يقول بقولهم، أما ابن مالك فلم يعتبره شاذا لوروده في الشعر العربي خذ قوله: [الرجز] وغير مندوب ومضمر وما... جا مستغاثا قد يعرّى فاعلما
وذاك في اسم الجنس والمشار له... قلّ ومن يمنعه فانصر عاذله
الوجه الثالث: اعتبار ﴿هؤُلاءِ﴾ مفعولا به لفعل محذوف، أعني: ﴿هؤُلاءِ،﴾ والجملة الفعلية معترضة بين المبتدأ، والخبر.
الوجه الرابع: ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ﴾ مبتدأ، وخبر على تقدير مضاف محذوف، التقدير: ها أنتم مثل هؤلاء، كقولك: أبو يوسف أبو حنيفة، فعلى هذا جملة: ﴿تُدْعَوْنَ﴾ في محل نصب حال من ﴿هؤُلاءِ﴾ والعامل في الحال معنى التشبيه.
الوجه الخامس اعتبار هؤلاء مبتدأ ثانيا، والجملة الفعلية خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول، وهو الضمير. ﴿لِتُنْفِقُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، و «أن» المضمرة، والفعل في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف. و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.
﴿فَمِنْكُمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (منكم): متعلقان بمحذوف خبر مقدّم.
﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿يَبْخَلُ:﴾ مضارع،
стр. 6014
والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، وانظر ما ذكرته في الاية رقم [١٦]، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَبْخَلُ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.
(إنما): كافة ومكفوفة. ﴿يَبْخَلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من). ﴿عَنْ نَفْسِهِ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، وجملتا الشرط، والجواب في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.
﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله الغني): مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها، والجملة الاسمية بعدها معطوفة عليها. هذا؛ وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير في الجملة الثانية. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو:
حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَتَوَلَّوْا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية لا محلّ لها... إلخ. ﴿يَسْتَبْدِلْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء ولا ب: «إذا» الفجائية. ﴿قَوْماً:﴾
مفعول به. ﴿غَيْرَكُمْ:﴾ صفة: ﴿قَوْماً،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، و (إن) ومدخولها معطوف على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا..﴾. إلخ، وما بينهما كلام معترض. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف النون، والواو اسمه. ﴿أَمْثالَكُمْ:﴾ خبر: ﴿يَكُونُوا،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. تأمل وتدبر، والله أعلم، وأجلّ، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
انتهت سورة (محمد ﷺ ، شرحا وإعرابا، بحمد الله وتوفيقه.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 6015
سورة الفتح
بسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (الفتح) وهي مدنية بالإجماع، وآياتها تسع وعشرون آية نزلت ليلا بين مكة والمدينة في شأن الحديبية من أولها إلى آخرها. وفي البخاري: عن أسلم-﵁-أنّ رسول الله ﷺ كان يسير في بعض أسفاره، وعمر بن الخطاب-﵁-كان يسير معه ليلا، فسأله عمر-﵁-عن شيء، فلم يجبه، ثم سأله، فلم يجبه، ثم سأله، فلم يجبه، فقال عمر: ثكلتك أمك يا عمر! كررت على رسول الله ﷺ ثلاث مرات، كل ذلك لا يجيبك! قال عمر-﵁: فحركت بعيري حتى تقدمت أمام الناس، وخشيت أن ينزل فيّ قرآن، فما لبثت أن سمعت صارخا يصرخ بي، فقلت: لقد خشيت أن يكون نزل فيّ قرآن، فجئت رسول الله ﷺ ، فسلّمت عليه، فقال: «لقد أنزل عليّ اللّيلة سورة لهي أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس» ثمّ قرأ: ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ..﴾. إلخ. وأخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح غريب وزاد فيه: وكان في بعض أسفاره بالحديبية.
وعن أنس-﵁-قال: لما نزلت: ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ..﴾. إلى قوله تعالى: ﴿فَوْزاً عَظِيماً﴾ مرجعه من الحديبية، وهم مخالطهم الحزن، والكآبة، وقد نحر الهدي بالحديبية. قال رسول الله ﷺ : «لقد أنزلت عليّ آية هي أحبّ إليّ من الدّنيا جميعا» فقال أصحاب رسول الله ﷺ : هنيئا مريئا، فما لنا؟ فأنزل الله : ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٩] من سورة (الأحقاف). هذا؛ وقال المسعودي: بلغني أنه من قرأ سورة (الفتح) في أول ليلة من رمضان في صلاة التطوع؛ حفظه الله ذلك العام.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١)﴾
الشرح: الخطاب للنبي ﷺ وحده، والمعنى: إنا قضينا لك فتحا مبينا ظاهرا بغير قتال، ولا تعب. واختلفوا في هذا الفتح، فروى قتادة عن أنس-﵁: إنه فتح مكة، وقال مجاهد: إنه فتح خيبر. وقيل: هو فتح فارس، والروم، وسائر بلاد الإسلام، التي يفتحها الله له. والتعبير بلفظ الماضي عن المستقبل جريا على عادة الله تعالى في أخباره؛ لأنها في تحققها، وتيقنها بمنزلة الكائنة الموجودة، كأنه تعالى قال: إنا فتحنا لك في حكمنا، وتقديرنا، وما قدره،
стр. 6016
وحكم به؛ فهو كائن لا محالة. وقال أكثر المفسرين، والمحدثين: إن المراد بهذا الفتح صلح الحديبية، وهو الأصح، وهو رواية عن أنس-﵁. ومعنى الفتح: فتح المغلق المستصعب، وكان الصلح مع المشركين يوم الحديبية مستصعبا متعذرا؛ حتى فتحه الله- ويسره، وسهله بقدرته، ولطفه.
فعن البراء بن عازب-﵁-قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، ولقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع رسول الله ﷺ أربع عشرة مئة، والحديبية بئر، فنزحناها، ولم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتاها، فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء، فتوضأ، ثم تمضمض، ودعا، ثم صبّه فيها، فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا، وماشيتنا، وركابنا.
وقال الشعبي في قوله تعالى: ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ قال: فتح الحديبية، وغفر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخر، وأطعموا نخل خيبر، وبلغ الهدي محله، وظهرت الروم على فارس، ففرح المسلمون بظهور أهل الكتاب على المجوس. وقال الزهري: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية. وذلك: أن المشركين اختلطوا بالمسلمين، فسمعوا كلامهم، فتمكن الإسلام في قلوبهم، فأسلم في ثلاث سنين خلق كثير، فعزّ الإسلام بذلك، وأكرم الله رسوله ﷺ .
انتهى. خازن. أقول: أسلم بسبب هذا الصلح خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة الحجبي، وغيرهم من رجالات قريش المعدودين، فرجحت بذلك كفة المسلمين على كفة المشركين، وقال الرسول ﷺ : «رمتكم مكة بأفلاذ كبدها».
الإعراب: ﴿إِنّا﴾ حرف مشبه بالفعل. و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿فَتَحْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿فَتْحاً:﴾ مفعول مطلق. ﴿مُبِيناً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية ابتدائية، لا محلّ لها من الإعراب.
﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢) وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً (٣)﴾
الشرح: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ..﴾. إلخ،: قيل: اللام في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ﴾ لام «كي» والمعنى فتحنا لك فتحا مبينا؛ لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة بالفتح. وقال الحسن بن الفضل:
هو مردود إلى قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ،﴾ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ و ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ..﴾. إلخ.
стр. 6017
وقال ابن جرير: هو راجع إلى قوله في سورة (النصر): ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّاباً﴾ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾. وقيل: إن الفتح لم يجعل سببا للمغفرة، ولكن لاجتماع ما قدر له من الأمور الأربعة المذكورة، وهي: المغفرة، وإتمام النعمة، وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز، كأنه قال: يسّرنا لك الفتح، ونصرناك على عدوك، وغفرنا لك ذنبك، وهديناك صراطا مستقيما؛ ليجتمع لك عزّ الدارين، وأغراض العاجل، والاجل.
وقيل: يجوز أن يكون الفتح سببا للغفران؛ لأنه جهاد للعدو، وفيه الثواب، والمغفرة مع الظفر بالعدو، والفوز بالفتح. وقيل: لما كان هذا الفتح سببا لدخول مكة، والطواف بالبيت؛ كان ذلك سببا للمغفرة. ومعنى الاية: ليغفر لك الله جميع ما فرط منك ما تقدم من ذنبك.
يعني: قبل النبوة، ﴿وَما تَأَخَّرَ﴾ يعني: بعدها، وهذا على قول من يجوّز الصغائر على الأنبياء.
وقال عطاء الخراساني: ﴿ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ يعني: من ذنب أبويك: آدم، وحواء ببركتك.
﴿وَما تَأَخَّرَ﴾ من ذنوب أمتك بدعائك لهم. أقول: وهذا لا وجه له ألبتّة. وقال سفيان الثوري: ﴿ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ ما كان منك قبل النبوة. ﴿وَما تَأَخَّرَ﴾ يعني: كل شيء لم تعمله. ويذكر مثل هذا على طريق التأكيد، كما تقول: أعط من تراه، ومن لم تره، واضرب من لقيت، ومن لم تلقه. فيكون المعنى: ما وقع لك من ذنب، وما لم يقع فهو مغفور لك. وهذا مثل سابقه لا وجه له.
وقيل: المراد منه: ما كان من سهو، وغفلة، وتأول؛ لأنّ النبي ﷺ لم يكن له ذنب كذنوب غيره، فالمراد بذكر الذنب هنا ما عسى أن يكون وقع منه من سهو، ونحو ذلك؛ لأنّ حسنات الأبرار سيئات المقربين، فسماه ذنبا، فما كان من هذا القبيل وغيره فهو مغفور له، فأعلمه الله بذلك، وأنه مغفور له؛ ليتم نعمته عليه. انتهى. خازن.
أقول: وهذا هو المعتمد، وبالله التوفيق، وقد يكون من باب الأولى كالذي صدر منه ﷺ في الإذن للمنافقين في التخلف في غزوة تبوك، وأخذه الفداء من أسرى بدر، وهمه قطع يد اليهودي في قصة طعمة بن أبيرق، انظر الاية رقم [١٠٦] من سورة (النساء) ورقم [٤٣] من سورة (التوبة) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ:﴾ بالنبوة والحكمة، وما أعطاك من الفتح المبين، والنصر، والتمكين، وخضوع من استكبر، وطاعة من تجبّر. ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ أي: يثبتك الله على الصراط المستقيم، وهو الإسلام، والمعنى: ليجمع لك الله مع الفتح تمام النعمة بالمغفرة، والهداية إلى دين الإسلام. ﴿وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾ أي: قويا غالبا منيعا، لا يتبعه ذل، واستكانة. وقد حقّق الله وعده، ونصر عبده، وأعزّ جنده. ومعنى:
﴿عَزِيزاً:﴾ ذا عزّ لا ذلّ معه. وهذا جواب عمّا يقال: كيف أسند العزيز إلى ضمير النصر؟! مع أنّ العزيز من له النصر، وتقرير الجواب: أنّ صيغة فعيل هنا للنسبة، فالعزيز بمعنى: ذي العزة، فالمعنى نصرا ذا عزة، ومنعة لا ذل فيه، وكونه ذا منعة يمنعه عن أن يصيبه مكروه، فإسناده العزيز بهذا المعنى إلى ضمير النصر حقيقة. انتهى. جمل نقلا من زاده. وخذ ما يلي:
стр. 6018
فعن المغيرة بن شعبة-﵁-قال: قام النبي ﷺ حتى تورّمت قدماه، فقيل له: قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك، وما تأخّر! قال: «أفلا أكون عبدا شكورا». أخرجه الشيخان.
الإعراب: ﴿لِيَغْفِرَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (يغفر). ﴿اللهُ:﴾ فاعله، و «أن» المضمرة والفعل: (يغفر) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالمصدر ﴿فَتْحاً،﴾ أو بالفعل: ﴿فَتَحْنا﴾.
﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿تَقَدَّمَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿ما،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنْ ذَنْبِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل: ﴿تَقَدَّمَ،﴾ العائد إلى: ﴿ما،﴾ و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): معطوفة على ما قبلها. ﴿تَأَخَّرَ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (ما)، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة (ما).
﴿وَيُتِمَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (يتم): معطوف على (يغفر) منصوب مثله، والفاعل يعود إلى الله. ﴿نِعْمَتَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَيَهْدِيَكَ:﴾ معطوف على: (يغفر) منصوب مثله، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف في محل نصب مفعول به. ﴿صِراطاً:﴾ منصوب بنزع الخافض. وقيل: هو مفعول به ثان للفعل قبله، ومثلها الاية رقم [٦٨] من سورة (النساء). ﴿مُسْتَقِيماً:﴾ صفة: ﴿صِراطاً﴾.
﴿وَيَنْصُرَكَ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب أيضا، والكاف مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿نَصْراً:﴾
مفعول مطلق. ﴿عَزِيزاً:﴾ صفة له.
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (٤)﴾
الشرح: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أي: الطمأنينة، والوقار، والرحمة، والهدوء في قلوب المؤمنين لئلا تنزعج نفوسهم. قال ابن عباس-﵄: كل سكينة في القرآن طمأنينة إلا التي في سورة (البقرة) رقم [٢٤٨]. وقد تقدّم تفسيرها في موضعها. وقد ذكرت في سورة (التوبة) برقم [٢٦ و ٤٠] بمعنى الطمأنينة، كما هنا. ﴿لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ﴾ أي: يقينا مع يقينهم، وذلك بما فرض الله من فروع الشريعة مقرونا بالتوحيد، والإيمان، والإخلاص. فعن ابن عباس-﵄: إن أول ما أتاهم به النبي ﷺ التوحيد، فلما آمنوا بالله وحده، وصدقوه؛ زادهم الصلاة، ثم الصوم، ثم الزكاة، ثم الحج، ثم الجهاد؛ حتى أكمل لهم دينهم، فكلما أمروا بشيء، وصدقوه؛ ازدادوا تصديقا إلى تصديقهم، هذا بالإضافة إلى تصديقهم بالبعث والحشر بعد الموت، والجنة، والنار، والميزان والحساب والصراط مما يتعلق بأمور الاخرة،
стр. 6019
وهو من لوازم العقيدة الصحيحة، وهذا يدل على أنّ الإيمان يزيد، وينقص، كما ذكرت في الاية رقم [٢] من سورة (الأنفال)، انظرها تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
﴿وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ لما قال الله : ﴿وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾ وكان المؤمنون في قلة من العدد والعدد؛ فكأنّ قائلا قال: كيف ينصره؟ فأخبر الله أنّ له جنود السموات والأرض، وهو قادر على نصر رسوله ﷺ ببعض جنوده، بل هو قادر على أن يهلك عدوه بصيحة، ورجفة، وصاعقة، ونحو ذلك، فلم يفعل، بل أنزل سكينة في قلوبكم أيها المؤمنون؛ ليكون نصر رسول الله ﷺ ، وإهلاك أعدائه على أيديكم، فيكون لكم الثواب، ولهم العقاب. وفي جنود السموات، والأرض وجوه: الأول: أنهم ملائكة السموات، والأرض.
الثاني: أنّ جنود السموات: الملائكة، وجنود الأرض: الحيوانات. الثالث: أن جنود السموات: مثل الصاعقة، والصيحة، والحجارة. وجنود الأرض: مثل الزلازل، والخسف، والغرق، ونحو ذلك.
وفي الكشاف، وتبعه البيضاوي، والنسفي في قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ يدبر أمرها، فيسلّط بعضها على بعض تارة، ويوقع فيما بينهم السلم أخرى، كما تقتضيه حكمته، ولذا قال: ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً﴾ بمصالح عباده. ﴿حَكِيماً:﴾ فيما قدر، ودبر.
الإعراب: ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محلّ لها، وجملة: ﴿أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿فِي قُلُوبِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿قُلُوبِ:﴾ مضاف. و ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ. ﴿لِيَزْدادُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿أَنْزَلَ﴾ أيضا. ﴿إِيماناً:﴾ مفعول به. وقيل: تمييز جملة. ولا بأس به. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة: ﴿إِيماناً،﴾ و ﴿مَعَ﴾ مضاف، و ﴿إِيمانِهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿وَلِلّهِ:﴾ الواو: حرف استئناف، وقيل: عاطفة. (لله): متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
﴿جُنُودُ:﴾ مبتدأ مؤخر، و ﴿جُنُودُ﴾ مضاف، و ﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: واو الحال. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿عَلِيماً:﴾ خبر أول. ﴿حَكِيماً:﴾ خبر ثان لكان، والجملة الفعلية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، وإعادة اللفظ الكريم وإن كان الموضع موضع إضمار للتفخيم، والتعظيم.
стр. 6020
﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزاً عَظِيماً (٥)﴾
الشرح: ﴿لِيُدْخِلَ..﴾. إلخ: هذا يستدعي محذوفا مقدرا، قدره الجلال: أمر بالجهاد؛ ليدخل. وقدره الخازن: هو الذي أنزل السكينة على قلوب المؤمنين؛ ليدخلهم. وقيل: تقديره:
إن من علمه، وحكمته أن سكّن قلوب المؤمنين بصلح الحديبية، ووعدهم الفتح، والنصر؛ ليشكروه على نعمه، فيثيبهم، ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار. وقد تقدم ما روي عن أنس-﵁-أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً..﴾. إلخ قال الصحابة -رضوان الله عليهم-: هنيئا مريئا لك يا رسول الله! قد بيّن الله لك ما يفعل بك، فما لنا؟ فأنزل الله هذه الاية تطمينا لقلوبهم.
﴿خالِدِينَ فِيها:﴾ في الجنات. ﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ:﴾ يمحوها، ويغطيها، فلم يظهرها لهم لا عقابا، ولا عتابا. وتقديم الإدخال في الذكر على التكفير، مع أن الترتيب في الوجود على العكس للمسارعة إلى بيان ما هو المطلب الأعلى. ﴿وَكانَ ذلِكَ﴾ أي: الإدخال، والتكفير.
﴿عِنْدَ اللهِ﴾ أي: في علمه الأزلي، وقضائه الأبدي.
هذا؛ و (كان) في القرآن الكريم تأتي على أوجه: تأتي بمعنى: الأزل، والأبد، وبمعنى:
المضي المنقطع، وهو الأصل في معناها، وبمعنى الحال، وبمعنى الاستقبال، وبمعنى: صار، وبمعنى: حضر، وحصل، ووجد. وترد للتأكيد، وهي الزائدة، وهي هنا بمعنى الاستمرار، فليست على بابها من المضي، وإن المعنى: كان، ولم يزل كائنا إلى يوم القيامة، وإلى أبد الابدين في الدنيا، والاخرة.
الإعراب: ﴿لِيُدْخِلَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى (الله)، و «أن» المضمرة والفعل في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ.
﴿وَالْمُؤْمِناتِ:﴾ معطوف على ما قبله، منصوب مثله. ﴿جَنّاتٍ:﴾ مفعول به ثان منصوب مثل (المؤمنات)، وعلامة النصب فيهما الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنهما جمعا مؤنث سالمان، وانظر:
﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ في الاية رقم [٧٠] من سورة (الزخرف). ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل: ﴿تَجْرِي،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿جَنّاتٍ﴾.
﴿خالِدِينَ:﴾ حال من: ﴿الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء، وفاعله مستتر فيه.
﴿فِيها:﴾ متعلقان ب: ﴿خالِدِينَ﴾. (يكفر): معطوف على: (يدخل) منصوب مثله، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿عَنْهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿سَيِّئاتِهِمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه
стр. 6021
الكسرة... إلخ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَكانَ:﴾ الواو: واو الاعتراض. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع اسم: (كان)، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من: ﴿فَوْزاً،﴾ كان صفة له... إلخ، و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿فَوْزاً:﴾ خبر (كان). ﴿عَظِيماً:﴾
صفة له، وجملة: (كان...) إلخ معترضة بين الفعلين المتعاطفين. وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الإدخال والتكفير المفهومين؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير.
﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (٦)﴾
الشرح: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ..﴾. إلخ: يريد المنافقين، والمنافقات من أهل المدينة، والمشركين، والمشركات من أهل مكة. وإنما قدم المنافقين على المشركين في هذه الاية، وفي آخر سورة (الأحزاب) وغيرهما من المواضع؛ لأن المنافقين كانوا أشد على المؤمنين من الكافرين؛ لأن الكافر يمكن أن يحترز منه، ويجاهد؛ لأنه عدو مبين، والمنافق لا يمكن أن يحترز منه، ولا يجاهد، فلهذا كان شرّه أكثر من شرّ الكافر، فكان تقديم المنافق بالذكر أولى.
﴿الظّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ:﴾ والمراد ظنهم: أن الله لا ينصر الرسول ﷺ والمؤمنين، ولا يرجعهم إلى مكة ظاهرين فاتحيها عنوة، وقهرا. وقال القرطبي: يعني: ظنهم: أن النبي ﷺ لا يرجع إلى المدينة، ولا أحد من أصحابه حين خرج إلى الحديبية، وأن المشركين يستأصلونهم، كما قال تعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً﴾ الاية رقم [١٢] الاتية.
وهو أقوى. ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ أي: عليهم دائرة الهلاك، والوبال في الدنيا بالقتل، والسبي، والأسر، وفي الاخرة بجهنم. والدائرة في الأصل: عبارة عن الخط المحيط بالمركز، ثم استعملت في الحادثة المحيطة بمن وقعت عليه. وقرئ بضم السين، وفتحها لغتان: كالكره، والكره والضّعف، والضّعف؛ إلاّ أنّ المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمّه من كل شيء، وأنّ المضموم جرى مجرى الشر، وكلاهما في الأصل مصدر. انتهى. بيضاوي، ونسفي. هذا؛ و ﴿السَّوْءِ:﴾ الشر، والفساد، والجمع أسواء، وهو بضم السين من ساءه، وهو بفتح السين المصدر، تقول: رجل سوء بالإضافة، ورجل السّوء، ولا تقول: الرجل السّوء. وتأنيثه:
السوأى، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى﴾ رقم [١٠] من سورة (الروم).
﴿وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ:﴾ زيادة في تعذيبهم، وهلاكهم. ﴿وَلَعَنَهُمْ:﴾ أبعدهم وطردهم من رحمته. ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ﴾ أي: هيأها لهم في الاخرة، وهذا يفيد أنها مخلوقة الان ومعدة لمن
стр. 6022
يدخلها من المنافقين والكافرين، وكذلك الجنة موجودة الان، لقوله تعالى في كثير من الايات ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي..﴾. إلخ.
هذا؛ والمنافق سمي منافقا أخذا من: نافقاء اليربوع، وهو جحره الذي يقيم فيه، فإنه يجعل له بابين، يدخل من أحدهما، ويخرج من الاخر، وكذلك المنافق: يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا مؤمن، ويدخل مع الكفّار بقوله: أنا معكم. هذا؛ وقد يتصف مؤمن بصفات المنافقين، فيكذب، ويخلف الوعد، ويخون في الأمانة، ويفجر في الخصومة، وما أكثرهم في هذا الزمن! فهذا يقال له: نفاق العمل، وأما الأول فيقال له: نفاق العقيدة؛ لأنه يظهر الإسلام، ويبطن الكفر، وهو أخبث من الكفر، وعقابه أشد منه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ وقد حذّر الرسول ﷺ من نفاق العمل، والاتصاف به؛ لأنّه يجرّ إلى نفاق العقيدة، فعن أبي هريرة ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان، وإن صام، وصلى، وحجّ، واعتمر، وقال: إني مسلم». أخرج بعضه البخاري، وبعضه مسلم، وآخره أبو يعلى من حديث أنس-﵁.
الإعراب: ﴿وَيُعَذِّبَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يعذب): معطوف على (يدخل) منصوب مثله، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿الْمُنْفِقِينَ:﴾ مفعول به. (المنافقات): معطوف على ما قبله منصوب مثله. ﴿وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿الظّانِّينَ:﴾ صفة للجميع منصوب مثلهن، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿الظّانِّينَ﴾. ﴿ظَنَّ:﴾ مفعول مطلق.
وهو مضاف، و ﴿السَّوْءِ:﴾ مضاف إليه.
﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿دائِرَةُ:﴾ مبتدأ مؤخر، و ﴿دائِرَةُ﴾ مضاف، و ﴿السَّوْءِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها وهي دعائية. ﴿وَغَضِبَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محلّ لها مثلها.
﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. (لعنهم): ماض ومفعوله، وفاعله يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا، وما بعدها معطوفة أيضا. ﴿وَساءَتْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ساءت): فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله مستتر فسره التمييز، وهو: ﴿مَصِيراً﴾ والمخصوص بالذم محذوف، تقديره: هي جهنم، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها.
﴿وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (٧)﴾
الشرح: تقدّم تفسيرها في الاية رقم [٤]. بقي أن تعلم ما فائدة التكرير، ولم قدم ذكر جنود السموات والأرض على إدخال المؤمنين والمؤمنات الجنة؟ ولم أخّر ذكر جنود السموات
стр. 6023
والأرض هنا بعد تعذيب المنافقين والكافرين؟ فنقول: فائدة التكرار للتأكيد، وجنود السموات والأرض منهم من هو للرحمة، ومنهم من هو للعذاب، فقدّم ذكر جنود السموات والأرض قبل إدخال المؤمنين الجنة ليكون مع المؤمنين جنود الرحمة، فيثبتوهم على الصراط، وعند الميزان، فإذا دخلوا الجنة؛ أفضوا إلى جوار الله تعالى، ورحمته، والقرب منه، فلا حاجة لهم بعد ذلك إلى شيء. وأخّر ذكر جنود السموات والأرض بعد تعذيب الكافرين، والمنافقين ليكون معهم جنود السخط، فلا يفارقوهم أبدا.
فإن قلت: قال في الاية الأولى: ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ وقال في هذه الاية: ﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ فما معناه؟ قلت: لما كان في جنود السموات والأرض من هو للرحمة، ومن هو للعذاب، وعلم الله ضعف المؤمنين؛ ناسب أن تكون خاتمة الأولى: ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ ولما بالغ في وصف تعذيب الكافر، والمنافق، وشدته؛ ناسب أن تكون خاتمة الاية الثانية: ﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ فهو كقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ؟﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ انتهى. بحروفه من الخازن، والمراد في الموضعين: التخويف، والتهديد، فلو أراد الله إهلاك المنافقين، والمشركين؛ لم يعجزه ذلك، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وانظر الإعراب في الاية رقم [٤] ففيها الكفاية.
﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٨)﴾
الشرح: الخطاب في هذه الاية للنبي ﷺ ذكره في معرض الامتنان عليه؛ حيث شرّفه بالرسالة، وبعثه إلى الناس كافة، شاهدا على أعمال أمته، ومبشرا لمن آمن به، وأطاعه بالثواب، ونذيرا لمن خالفه، وعصى أمره بالعقاب. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٤٣]:
﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ وقال تعالى في سورة (النساء) رقم [٤١]: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾.
الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَرْسَلْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿شاهِداً:﴾ حال، وما بعده معطوف عليه، وهذه الحال مقدرة. وخذ ما يلي:
الحال بالنسبة للزمان على ثلاثة أقسام: حال مقارنة، وهي الغالبة، نحو قوله تعالى حكاية عن قول امرأة إبراهيم-عليه، وعلى نبينا ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾.
وحال مقدرة، وهي المستقبلة، نحو قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ وكما في هذه الاية. وحال محكية، وهي الماضية، نحو جاء زيد أمس راكبا. وهناك الحال الموطئة، وهي التي تذكر توطئة
стр. 6024
للصفة بعدها، بمعنى أنّ المقصود الصفة، وهذا كثير في القرآن الكريم، خذ قوله تعالى:
﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ وقوله جلّ شأنه: ﴿إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾. ثم الحال تنقسم إلى قسمين: إما مؤسسة، وإما مؤكدة، فالأولى: هي التي لا يستفاد معناها بدونها، نحو: جاء زيد راكبا، وأكثر ما تأتي الحال من هذا النوع، والمؤكدة: هي التي يستفاد معناها بدونها، وإنما يؤتى بها للتوكيد، وهي ثلاثة أنواع:
١ - ما يؤتى بها لتوكيد عاملها، وهي التي توافقه معنى فقط، أو معنى ولفظا. فالأول، نحو قوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها،﴾ ومنه قوله تعالى في كثير من الايات: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. والثاني، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً﴾.
٢ - ما يؤتى بها لتوكيد مضمون جملة مقصودة من اسمين معرفتين جامدين، نحو: «هو الحقّ بيّنا، أو صريحا». وقول سالم بن دارة اليربوعي، وهذا هو الشاهد رقم [٣٨٥] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [البسيط] أنا ابن دارة معروفا بها نسبي... وهل بدارة يا للنّاس من عار؟
٣ - ما يؤتى بها لتوكيد صاحبها، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ وهناك الحال اللازمة في قراءة من قرأ قوله تعالى في سورة (ص) رقم [٢٩]: ﴿(كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ)﴾ لأنّ البركة لا تفارقه.
﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٩)﴾
الشرح: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ولأمته. وتقرأ الأفعال كلها بالتاء، والياء، وانظر (الإيمان) في الاية رقم [٢] من سورة (محمد ﷺ . ﴿وَتُعَزِّرُوهُ:﴾ وتقووه بتقوية دينه، وتنصروه على أعدائه. والتعزير: نصر عظيم. ﴿وَتُوَقِّرُوهُ:﴾ تعظموه، وتفخموه، والتوقير:
التعظيم. قال القرطبي: والهاء فيهما للنبي ﷺ ، وهنا وقف تام، ثم تبتدئ: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ أي:
تسبحوا الله. وقيل: الضمائر كلها لله تعالى، فعلى هذا يكون تأويل: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ أي:
تثبتوا له صحة الربوبية، وتنفوا عنه أن يكون له ولد، أو شريك. واختار هذا القول القشيري، وهو اختيار الزمخشري في الكشاف أيضا.
هذا؛ والتعزير: التوقير، والتعظيم، وهو أيضا: التأديب، ومنه: التعزير؛ الذي هو دون الحد، فهو من الأضداد. وانظر الأضداد في الاية رقم [١٠] من سورة (الجاثية). هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (المائدة) رقم [١٢]: ﴿*وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾
стр. 6025
﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ..﴾. إلخ. وقال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٥٧] في مدح وبيان أتباع محمد ﷺ :
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ..﴾. إلخ. ﴿وَتُسَبِّحُوهُ:﴾ معناه: إذا ذكرتموه ينبغي أن يكون ذكركم إياه على وجه التعظيم، والتقديس، والتنزيه عن كل سوء. ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ أي: أول النهار، وآخره. وخصّا بالذكر؛ لأنّ ملائكة الليل، وملائكة النهار يجتمعون في هذين الوقتين، كما في الحديث الشريف الصحيح: «يتعاقبون فيكم ملائكة باللّيل وملائكة بالنّهار... إلخ».
وإنّما اختصّ التسبيح بالذكر من بين أنواع الذكر لبيان فضله على سائر الأذكار، كما اختص جبريل، وميكائيل بالذكر من بين الملائكة لبيان فضلهما؛ لأن معنى التسبيح: تنزيه الله تعالى عما لا يجوز عليه من الصفات، ويجوز أن يراد بالذكر، والتسبيح، والإكثار منهما تكثير الطاعات، والعبادات، فإنها من جملة الذكر، ثم خصّ من ذلك التسبيح بكرة، وهي صلاة الفجر، وأصيلا وهي صلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء لمزيد الاهتمام بشأن الصلاة. هذا؛ والتسبيح يأتي بمعنى الدعاء، قال جرير: [الطويل] فلا تنس تسبيح الضّحى إنّ يوسفا... دعا ربّه فاختاره حين سبّحا
وإنّما خصّ هذين الوقتين بالذكر؛ لأنّ الإنسان يقوم بالغداة من النوم الذي هو أخو الموت، فاستحبّ له أن يستقبل حالة الانتباه من النوم، وهو وقت الحياة من موت النوم بالذكر؛ ليكون أول أعماله ذكر الله ، وأمّا وقت الأصيل، وهو آخر النهار، فإنّ الإنسان يريد أن يستقبل النوم، الذي هو أخو الموت، فيستحب له أن يستقبله بالذكر؛ لأنه حالة تشبه الموت، ولعله لا يقوم من تلك النومة، فيكون موته على ذكر الله .
هذا؛ وقد جاء لفظ التسبيح في القرآن الكريم بالماضي أحيانا، وبالمضارع أحيانا، وبالأمر أحيانا، وبالمصدر أحيانا أخرى، استيعابا لهذه المادة من جميع جهاتها، وألفاظها، وهي أربع:
المصدر، والماضي، والمضارع، والأمر. وهذا الفعل بألفاظه الأربعة، قد عدّي باللام تارة، مثل قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ،﴾ وقوله جلّت حكمته: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ..﴾. إلخ، وبنفسه أخرى، مثل قوله تعالى شأنه في هذه الاية: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ،﴾ وفي سورة (الأحزاب) رقم [٤٢]:
﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً،﴾ وقوله جلّت قدرته في آخر سورة (ق): ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ وأصله التعدي بنفسه؛ لأنّ معنى سبّحته بعدته من السوء، منقول من سبح: إذا ذهب، وبعد، فاللام إمّا أن تكون مثل: نصحته، ونصحت له، وشكرته، وشكرت له، وإما أن يراد يسبح لله: اكتسب التسبيح لأجل الله، ولوجهه خالصا.
هذا؛ والبكرة بمعنى: الغدوة، يقال: بكّر بالتشديد، وابتكر، وأبكر، وباكر، وبكر بالتخفيف خرج في وقت البكرة، قال زهير في معلّقته رقم [١٣]: [الطويل] بكرن بكورا واستحرن بسحرة... فهنّ ووادي الرّسّ كاليد في الفم
следующие страницы →