← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

من أمر القيامة، والبعث بعد الموت باطل. وقيل: هو جواب لقولهم: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ والمعنى: أعلموا: أن محمدا ﷺ يموت قبلهم. ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ:﴾ قال ابن عباس-﵄: معناه أم عندهم اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه، ويخبرون الناس به. ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً﴾ أي: يريد أهل مكة بك يا محمد مكرا، وحيلة، وغدرا في دار الندوة ليهلكوك، وهو ما عزموا عليه في ليلة الهجرة الشريفة من الأمور الثلاثة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ..﴾. إلخ رقم [٣٠] من سورة (الأنفال). ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ أي: المجزيون بكيدهم، والمعنى: أن ضرر كيدهم يعود عليهم ويحيق مكرهم بهم، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ رقم [٤٣] من سورة (فاطر)، وقد انتقم الله منهم؛ حيث قتلوا في غزوة بدر، فكانوا عبرة لمن يعتبر، وما يعتبر إلا أولو الألباب، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْبَناتُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَلَكُمُ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْبَنُونَ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿تَسْئَلُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به أول. ﴿أَجْراً:﴾ مفعول به ثان والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَهُمْ:﴾ (الفاء): حرف عطف. (هم): مبتدأ. ﴿مِنْ مَغْرَمٍ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿مُثْقَلُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿عِنْدَهُمُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْغَيْبُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (هم): مبتدأ. ﴿يَكْتُبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله والمفعول محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿يُرِيدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿كَيْداً:﴾ مفعول به، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَالَّذِينَ:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَفَرُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. وقيل: معطوفة على ما قبلها، والأول أقوى.

стр. 6197

﴿أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ (٤٣)﴾ الشرح: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ:﴾ يخلق، ويرزق، ويعطي، ويمنع، يرفع، ويضع، يعز، ويذل... إلخ. ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ:﴾ نزه الله نفسه أن يكون له شريك. قال الخليل-رحمه الله تعالى-: كل ما في سورة (الطور) من ذكر ﴿أَمْ﴾ فكلمة استفهام، وليس بعطف. وأقول: فهذا في المعنى، وهو مفيد للإنكار، والتوبيخ، والتقريع، ولكن في الإعراب لا بد من اعتبارها عاطفة صناعة. هذا؛ و ﴿سُبْحانَ﴾ اسم مصدر. وقيل: هو مصدر، مثل: غفران، وليس بشيء؛ لأن الفعل «سبّح» بتشديد الباء، والمصدر: تسبيح، ولا يكاد يستعمل إلاّ مضافا منصوبا بإضمار فعله، مثل: معاذ الله. وقد أجري علما على التسبيح بمعنى التنزيه على الشذوذ في قول الأعشى: [السريع] قد قلت لمّا جاءني فخره... سبحان من علقمة الفاخر وتصدير الكلام به اعتذار عن الاستفسار، والجهد بحقيقة الحال، ولذلك جعل مفتاح التوبة، فقد قال الله تعالى، حكاية عن قول موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ،﴾ وقد نزه الله ذاته في كثير من الايات بنفسه تنزيها يليق بجلاله وعظمته. وجملة القول فيه: هو اسم موضوع موضع المصدر، وهو غير متمكن؛ لأنه لا يجري بوجوه الإعراب، من رفع وجر، ولا تدخل عليه الألف واللام، ولم يجئ من لفظه فعل، وذلك مثل: قعد القرفصاء، ولم ينصرف؛ لأن في آخره زائدتين: الألف والنون، ومعناه: التنزيه والبراءة لله من كل نقص، فهو ذكر عظيم لله تعالى، لا يصلح لغيره. وقد روي عن طلحة الخير بن عبيد الله، أحد العشرة المبشرين بالجنة-﵃ أجمعين-أنه قال للنبي ﷺ : ما معنى سبحان الله؟ فقال: «تنزيه الله من كلّ سوء». والعامل فيه على مذهب سيبويه، الفعل الذي من معناه، لا من لفظه؛ إذ لم يجر له من لفظه فعل، وذلك مثل: قعد القرفصاء، فالتقدير عنده: أنزه الله تنزيها، فوقع سبحان الله مكان قولك: تنزيها لله. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿إِلهٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿غَيْرُ:﴾ صفة ﴿إِلهٌ﴾ وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿سُبْحانَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف كما رأيت في الشرح، و ﴿سُبْحانَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والفعل المقدر، والمصدر جملة فعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿سُبْحانَ،﴾ و (ما) تحتمل

стр. 6198

الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: عن الذي، أو عن شيء يشركونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن) التقدير: عن شركهم. ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ (٤٤)﴾ الشرح: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً:﴾ هذا جواب لما حكى الله من قولهم: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ﴾ الاية رقم [١٨٧] من سورة (الشعراء)، وأيضا قوله تعالى: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً﴾ رقم [٩٢] من سورة (الإسراء). هذا؛ و ﴿كِسْفاً﴾ يقرأ هنا وفي غير هذه الاية بفتح السين، وسكونها. قال الأخفش: من قرأ بالسكون جعله واحدا، ومن قرأه بالفتح جعله جمعا، وقال المهدوي: ومن أسكن السين جاز أن يكون كسفة، وجاز أن يكون مصدرا، من: كسفت الشيء: إذا غطيته، فكأنهم قالوا حين طلبوا ذلك: أسقطها علينا طبقا واحدا. وفي القاموس المحيط: الكسفة بالكسر: القطعة من الشيء، والجمع كسف وكسف وجمع الجمع: أكساف، وكسوف. وفي القرطبي: و «الكسف» جمع: كسفة، وهي القطعة من الشيء. ﴿يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ أي: بعضه فوق بعض سقط علينا، وليس سماء. وهذا فعل المعاند، أو فعل من استولى عليه التقليد، وكان في المشركين القسمان. هذا؛ والسحاب: الغيوم التي تراها العيون في السماء، وهو واحد في اللفظ، ولكن معناه الجمع. وقيل: السحاب: اسم جنس، واحده: سحابة، فلذلك وصف بالجمع، وهو ﴿الثِّقالَ﴾ في آية (الرعد) رقم [١٢]، وهي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ وأيضا في سورة (الأعراف) رقم [٥٦]: ﴿حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً﴾. هذا؛ وتجمع السحابة على: سحاب، وسحائب، وسحب، وهو غربال الماء، قال تعالى في سورة (النور) رقم [٤٣]: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ قاله علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه. هذا؛ وقيل: السحاب: الغيم فيه ماء، أو لم يكن فيه ماء، ولهذا قيل: سحاب جهام، وهو الخالي من الماء. وأصل السحب: الجر، وسمي السحاب سحابا، إما لجر الريح له، أو لجره الماء، أو لانجراره في سيره. ووصفه الله ب: ﴿الثِّقالَ﴾ في آية (الرعد) وآية (الأعراف) لثقله بالماء؛ الذي يحمله إلى حيث شاء الله الخلاق العظيم. الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَرَوْا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿كِسْفاً:﴾ مفعول به، واكتفى الفعل به؛ لأنه بصري. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾

стр. 6199

جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿كِسْفاً﴾. ﴿ساقِطاً:﴾ صفة ثانية ل: ﴿كِسْفاً﴾ أو حال منه، بعد وصفه بما تقدم، وجملة: ﴿يَرَوْا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يَقُولُوا:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب شرط جازم، ولم تقترن بالفاء، أو ب: «إذا» الفجائية. ﴿سَحابٌ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هذا سحاب. ﴿مَرْكُومٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وإن ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿فَذَرْهُمْ حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥)﴾ الشرح: ﴿فَذَرْهُمْ:﴾ اتركهم، وأعرض عنهم، والخطاب للنبي ﷺ ، وهذا كان في مكة قبل الهجرة، وقبل الأمر بالقتال. ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أي: يموتون، ويهلكون، وذلك عند النفخة الأولى نفخة الصاعقة، وهي المذكورة في الاية رقم [٦٨] من سورة (الزمر)، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ..﴾. إلخ. وقيل: المراد: يوم بدر. وهو ضعيف. هذا؛ و (ذر) بمعنى: اترك، وأعرض، والمستعمل من هذه المادة المضارع، والأمر بكثرة في القرآن الكريم، وفي الكلام العربي، ومثله: (دع) ومضارعه: «يدع» فكلا المادتين ناقص التصرف، وهما بمعنى الترك، وقد سمع الماضي منهما سماعا نادرا، فقالوا: وذر، وودع، بوزن: وضع، إلا أن ذلك شاذ في الاستعمال؛ لأن العرب كلهم إلا قليلا منهم قد أميت هذا الماضي من لغاتهم، وليس المعنى أنهم لم يتكلموا به ألبتة، بل تكلموا به دهرا طويلا، ثم أماتوه بإهمالهم استعماله، فلما جمع العلماء ما وصل إليهم من لغات العرب؛ وجدوه مماتا إلا ما سمع منه سماعا نادرا. هذا؛ وقال قطة العدوي-رحمه الله تعالى-: قال بعض المتقدمين: زعم النحاة: أن العرب أماتت ماضي (ودع) ومصدره، واسم فاعله، واسم مفعوله، مع أنه قد قرأ عروة بن الزبير، وابنه هشام-﵄-قوله تعالى في سورة (الضحى): ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ بتخفيف الدال، بمعنى ما تركك، وكذا قرأ مقاتل، وابن أبي عبلة، وقال الرسول ﷺ : «شرّ الناس من ودعه الناس اتقاء شرّه» وقال ﷺ : «دعوا الحبشة ما ودعوكم» ورواه الجمل: (ذروا الحبشة ما وذرتكم) وقال أبو العتاهية الصوفي: [المنسرح] أثروا فلم يدخلوا قبورهم... شيئا من الثروة التي جمعوا وكان ما قدّموا لأنفسهم... أعظم نفعا من الذي ودعوا

стр. 6200

وقال آخر: [الطويل] وثمّ ودعنا آل عمرو وعامر... فرائس أطراء المثقفة السّمر وقال أنس بن رؤيم: [الرمل] ليت شعري عن خليلي ما الّذي... غاله في الحب حتّى ودعه؟ فها هو الماضي قد ورد عن أفصح العرب قراءة، وحديثا، وكذا في شعر العرب، وورد المصدر أيضا في قول النبي ﷺ : «لينتهينّ قوم عن ودعهم الجمعات» وفي رواية: (الجماعات)، «أو ليختمنّ الله على قلوبهم، ثمّ ليكوننّ من الغافلين». أخرجه مسلم وغيره، وورد اسم المفعول، واسم الفاعل من: «ودع» في قول خفاف بن ندبة-﵁: [الطويل] إذا ما استحمّت أرضه من سمائه... جرى وهو مودوع ووادع مصدق فكيف يقال: إن العرب أماتته، فالصواب القول بقلة الاستعمال لا بالإماتة. انتهى. بتصرف كبير. وقريب منه ما ذكره محب الدين الخطيب شارح شواهد الكشاف. هذا؛ وما قيل في: «وذر» ومضارعه: «يذر»، وما قيل في: «ودع» ومضارعه: «يدع»، يقال في: «وعم»، ومضارعه «يعم»، وأمره: «عم» وانظر الشاهد رقم [٣٠٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿فَذَرْهُمْ:﴾ (الفاء): هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (ذرهم): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط يقدر ب: «إذا» التقدير: إذا بلغوا في الكفر والعناد إلى هذا الحد، وتبين: أنهم لا يرجعون عن الكفر؛ فدعهم حتى يموتوا عليه. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها: «أن» مضمرة. ﴿يُلْقُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والفعل ﴿يُلْقُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿يَوْمَهُمُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: ﴿يَوْمَهُمُ﴾. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿يُصْعَقُونَ:﴾ مضارع يقرأ بالبناء للفاعل، وللمفعول، والواو فاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦)﴾ الشرح: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ:﴾ لا ينفعهم. ﴿كَيْدُهُمْ﴾ أي: ما كادوا به النبي ﷺ في الدنيا. ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ:﴾ يمنعون من عذاب الله تعالى.

стр. 6201

الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ بدل من ﴿يَوْمَهُمُ﴾ بدل كل من كل، أو هو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني يوم. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُغْنِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَيْدُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به، والجملة: ﴿لا يُغْنِي..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): نافية. ﴿عَنْهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُنْصَرُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٧)﴾ الشرح: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: كفروا، والكفر أقسى أنواع الظلم، وأقبحه، وأشنعه. ﴿عَذاباً دُونَ ذلِكَ﴾ أي: قبل موتهم. قال ابن زيد-رحمه الله تعالى-: مصائب الدنيا من الأوجاع، والأسقام، والبلايا، وذهاب الأموال، والأولاد. وقال مجاهد-رحمه الله تعالى-: هو الجوع، والجهد سبع سنين. وقال ابن عباس-﵄: هو القتل يوم بدر. وعنه أيضا: عذاب القبر. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ:﴾ أن العذاب نازل بهم. وذكر الأكثر إما لأن بعضهم لا يعرف الحق لنقصان عقله، أو لتقصيره في النظر، أو لم تقم عليه الحجة؛ لأنه لم يبلغ حد التكليف، أو لأنه يقوم مقام الكل. هذا؛ و ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ هنا من المعرفة لا من العلم اليقيني، والفرق بينهما: أن المعرفة تكتفي بمفعول واحد، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] لعلم عرفان وظنّ تهمه... تعدية لواحد ملتزمه بخلافه من العلم اليقيني، فإنه ينصب مفعولين، أصلهما مبتدأ، وخبر. وأيضا: فالمعرفة تستدعي سبق جهل، وأن متعلقها الذوات دون النسب بخلاف العلم، فإن متعلقه المعاني، والنسب. وتفصيل ذلك: أنك إذا قلت: عرفت زيدا؛ فالمعنى أنك عرفت ذاته، ولم ترد: أنك عرفت وصفا من أوصافه، فإذا أردت هذا لم يتجاوز مفعولا واحدا؛ لأن العلم، والمعرفة تناول الشيء نفسه، ولم يقصد إلى غير ذلك، وإذا قلت: علمت زيدا قائما؛ لم يكن المقصود: أن العلم تناول نفس زيد فحسب، وإنما المعنى: أن العلم تناول كون زيد موصوفا بهذه الصفة. الإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) تقدم على اسمها. وجملة: ﴿ظَلَمُوا﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿عَذاباً:﴾ اسم (إنّ) مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿دُونَ:﴾ ظرف مكان

стр. 6202

متعلق بمحذوف صفة ﴿عَذاباً،﴾ و ﴿دُونَ﴾ مضاف، و ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿وَلكِنَّ:﴾ (الواو): حرف عطف. (لكنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَهُمْ:﴾ اسم (لكنّ) والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لكنّ) والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَاِصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨)﴾ الشرح: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ:﴾ لقضاء ربك فيما حمّلك من الرسالة. وقيل: لبلائه فيما ابتلاك به من قومك مع إمهالهم حتى يقع بهم ما يستحقون من العقاب الشديد، والعذاب الأليم. ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا﴾ أي: بمرأى منا، نرى، ونسمع ما تقول، وتفعل. وقيل: معناه: إنك بحيث نراك، ونحفظك، ونحوطك، ونحرسك، ونرعاك، فلا يصلون إليك بمكروه. وهذه الاية من المتشابهات، وفي ذلك مذهبان: مذهب السلف: التفويض، يقولون: لله عين تليق به، لا نعلمها. ومذهب الخلف: التأويل، يؤولونها بما ذكرته، وانظر الاية رقم [٤٧] من سورة (الذاريات)، والمحال عليهما بسورة (الفتح) وسورة (ص)، والله ولي التوفيق. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ:﴾ اختلف في تأويله، فقال عبد الله بن مسعود-﵁ وغيره: يسبح الله حين يقوم من مجلسه، فيقول: سبحان الله، وبحمده، أو سبحانك اللهم، وبحمدك، فإن كان المجلس خيرا؛ ازددت ثناء حسنا، وإن كان غير ذلك؛ كان كفارة له. ودليل هذا التأويل ما خرجه الترمذي عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من جلس مجلسا، فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك؛ إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك». وقال أبو الجوزاء، وحسان بن عطية: المعنى: حين تقوم من منامك. قال حسان: ليكون مفتتحا لعمله بذكر الله. وعن ابن عباس-﵄-قال: كان النبيّ ﷺ إذا قام من الليل يتهجّد قال: «اللهمّ لك الحمد، أنت نور السموات والأرض، ومن فيهنّ، ولك الحمد، أنت قيوم السموات والأرض، ومن فيهنّ، ولك الحمد، أنت ربّ السموات والأرض، ومن فيهنّ، ولك الحمد، أنت الحقّ، ووعدك الحقّ، وقولك الحقّ، ولقاؤك الحقّ، والجنة حقّ، والنار حقّ، والساعة حقّ، والنبيون حقّ، ومحمد حقّ. اللهمّ لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت، وما أخّرت، وما أسررت، وما أعلنت، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، ولا إله غيرك». متفق عليه. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

стр. 6203

الإعراب: ﴿وَاصْبِرْ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (اصبر): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِحُكْمِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (حكم) مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَإِنَّكَ:﴾ (الفاء): حرف تعليل. (إنك): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه، ﴿بِأَعْيُنِنا:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها، وجملة: ﴿وَاصْبِرْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَسَبِّحْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (سبح): فعل أمر، وفاعله: أنت، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿بِحَمْدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر التقدير: ملتبسا بحمد ربك. و (حمد) مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة... إلخ. ﴿حِينَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله. ﴿تَقُومُ:﴾ مضارع، والفاعل تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿حِينَ﴾ إليها. ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩)﴾ الشرح: لا أرى حاجة إلى المزيد على ما ذكرته في آخر سورة (ق) غير أني أضيف هنا ما يلي: عن عائشة-﵂-قالت: لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشدّ معاهدة منه على ركعتين قبل الصبح. أخرجه البخاري، ومسلم، وغيرهما. وعن أبي هريرة ﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تدعوا ركعتي الفجر، ولو طردتكم الخيل». رواه أبو داود. وعن عبد الله بن عمر-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن، و ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ تعدل ربع القرآن». وكان يقرؤهما في ركعتي الفجر، وقال: «هاتان الركعتان فيهما رغب الدّهر». رواه الطبراني في الكبير، وأبو يعلى بإسناد حسن. هذا؛ و (إدبار النجوم) أي: جنوحها للغيبوبة. هذا؛ ويقرأ ﴿وَإِدْبارَ﴾ بكسر الهمزة على أنه مصدر، وهي قراءة السبعة، وقرأ سالم بن أبي الجعد، ومحمد بن السميقع بفتح الهمزة على أنه جمع دبر، ودبر الأمر، ودبره: آخره وانظر شرح التسبيح، وما قيل في الاية رقم [٩] من سورة (الفتح) وما ذكرته في آخر سورة (ق) جيد جدا جدا. وأما في الترغيب في التسبيح؛ فخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «كلمتان خفيفتان على اللّسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما. وعن ابن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لقيت إبراهيم ﵇ ليلة أسري بي، فقال: يا محمد! أقرئ أمتك مني السّلام، وأخبرهم: أنّ الجنة طيبة

стр. 6204

التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» رواه الترمذي، والطبراني، وزاد: «ولا حول ولا قوة إلاّ بالله». الإعراب: ﴿وَمِنَ:﴾ (الواو): حرف عطف. (من الليل): متعلقان بما بعدهما. ﴿فَسَبِّحْهُ:﴾ (الفاء): صلة لتحسين اللفظ إلا إذا قدرت فعلا محذوفا قبل: (من الليل) فتكون حرف عطف، والفعلان: المحذوف والمذكور معطوفان على (سبح) السابق. (سبحه): أمر، وفاعله: أنت، والهاء مفعول به، ﴿وَإِدْبارَ:﴾ معطوف على محل (من الليل) فهو منصوب بنزع الخافض، و (إدبار) مضاف، و ﴿النُّجُومِ﴾ مضاف إليه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم. انتهت سورة (الطور) بحمد الله وتوفيقه، شرحا وإعرابا. والحمد لله رب العالمين.

стр. 6205

سورة النجم بسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (النجم) وهي مكية. وقال ابن عباس، وقتادة: إلا آية منها، وهي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ..﴾. إلخ وهي اثنتان وستون آية، وثلاثمئة وستون كلمة، وألف وأربعمئة وخمسة أحرف. انتهى. خازن. وفي البخاري: عن ابن عباس-﵄-أن النبي ﷺ سجد بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون، والجن والإنس. وعن عبد الله بن عمر-﵄-أن النبي ﷺ قرأ سورة (النجم) فسجد لها، فما بقي أحد من القوم إلا سجد، فأخذ رجل من القوم كفا من حصباء أو من تراب، فرفعه إلى وجهه، وقال: يكفيني هذا. قال عبد الله: فلقد رأيته بعد قتل كافرا. متفق عليه. الرجل يقال له: أمية بن خلف. انتهى. قرطبي. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧)﴾ الشرح: ﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى﴾ أي: مال، وسقط، وغاب. والهوي: النزول، والسقوط. يقال: هوى، يهوي هويا، مثل مضى، يمضي مضيا. قال أبو بكر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة: [الخفيف] بينما نحن بالبلاكث فالقا... ع سراعا والعيس تهوي هويا خطرت خطرة على القلب من ذك... راك، وهنا، فما استطعت مضيّا كان هذا الشاعر متوجها إلى الشام، فلما كان بالبلاكث (مكان) تذكر زوجته، وكان شغوفا بها، فكرّ راجعا، وقال الأبيات التي منها هذان البيتان. هذا؛ وقال الأصمعي: هوى بالفتح، يهوي هويا؛ أي: سقط إلى أسفل. قال: وكذلك انهوى في السير: إذا مضى فيه، وهوى، وانهوى فيه، لغتان بمعنى، وقد جمعهما يزيد بن الحكم الثقفي في قوله: [الطويل]

стр. 6206

وكم موطن لولاي طحت كما هوى... بأجرامه من قلّة النّيق منهوي والمراد ب: (النجم) هنا الثريا، والعرب تسمي الثريا نجما، وإن كانت في العدد نجوما، يقال: إنها سبعة أنجم. وهذا قول ابن عباس، وقتادة-﵄. وعن مجاهد-رحمه الله تعالى- أن المعنى: والقرآن إذا نزل؛ لأنه كان ينزل نجوما؛ أي: مفرقا على حسب مقتضيات الأحوال. وقيل: المراد: نجوم السماء كلها حين تغرب. وهو قول الحسن؛ قال: أقسم الله بالنجوم إذا غابت. ولا يمتنع أن يعبر عنها بلفظ واحد، ومعناه جمع كقول الراعي النميري: [الطويل] فباتت تعدّ النجم في مستحيرة... سريع بأيدي الاكلين جمودها وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الخفيف] أحسن النّجم في السماء الثريّا... والثّريّا في الأرض زين النّساء وقيل: أراد ب: (النجم) النبات، الذي ليس له ساق، و ﴿هَوى﴾ سقط على الأرض، وقال جعفر الصادق: يعني بالنجم محمدا ﷺ ، ومعنى ﴿إِذا هَوى:﴾ إذا نزل من السماء ليلة المعراج. والمعتمد الأول. ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ﴾ أي: ما ضل محمد ﷺ عن الحق، وما حاد عنه. ﴿وَما غَوى﴾ أي: ما صار غاويا. والغي: ضد الرشد، والفرق بين الضلال والغي: أن الضلال هو أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقا أصلا، والغواية أن يكون له إلى مقصده طريق مستقيم، ولكن يحيد عنه، ويتركه، والمعنى: إن محمدا ﷺ مهتد راشد، وليس كما تزعمون من نسبتكم إياه إلى الضلال، والغي. ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى﴾ أي: ما يقول محمد ﷺ قولا عن هوى، وغرض. ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى﴾ أي: إن ما يقوله محمد ﷺ وحي من الله لا زيادة فيه، ولا نقصان، كما روى الإمام أحمد-﵁-عن عبد الله بن عمرو-﵁، قال: كنت أكتب كلّ شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب، والرضا، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ . فقال: «اكتب فو الّذي نفسي بيده ما خرج مني إلاّ الحقّ». أخرجه أحمد وأبو داود، وقال ﷺ : «ما أخبرتكم أنه من عند الله، فهو الذي لا شك فيه». وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا أقول إلاّ حقا» قال بعض أصحابه: إنك تداعينا يا رسول الله! قال: «إنّي لا أقول إلا حقا». أخرجه الإمام أحمد. ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى﴾ يعني: جبريل ﵇ في قول سائر المفسرين، وهو الذي كان ينقل القرآن إلى النبي ﷺ ، وكونه شديد القوى: لأنه اقتلع قرى قوم لوط، وحملها على جناحه حتى بلغ بها السماء، ثم قلبها، وصاح صيحة بقوم ثمود، فأصبحوا جاثمين، وكان هبوطه بالوحي

стр. 6207

على الأنبياء أسرع من رجعة الطرف. ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أي: ذو قوة شديدة. وقال ابن عباس-﵄: ذو منظر حسن. وفي البيضاوي: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أي: حصافة في عقله، ورأيه، والحصافة بمعنى الاستحكام، وهي مخصوصة بالعقل، والتدبير، وهو بيان لما وضع له اللفظ؛ لأن العرب تقول لكل قوي العقل والرأي: ذو مرة، من أمررت الحبل: إذا أحكمت فتله، وفي السمين: والمرة بالكسر: مزاج من أمزجة البدن، وقوة الخلق، وشدته، والعقل، والأصالة، والإحكام، والقوة، وطاقة الحبل. انتهى. جمل. هذا؛ ورجل مرير؛ أي: قوي، قال العباس بن مرداس، وينسب لكثير عزة: [الوافر] ترى الرجل النحيف فتزدريه... وحشو ثيابه أسد مرير وقال لقيط: [البسيط] حتى استمرّت على شذر مريرته... مرّ العزيمة لا قحما ولا ضرعا ومنه قول خفاف بن ندبة-﵁: [الكامل] إنّي امرؤ ذو مرّة فاستبقني... فيما ينوب من الخطوب صليب هذا؛ وقال تعالى في وصفه في سورة التكوير: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾. ﴿فَاسْتَوى﴾ أي: فاستقام جبريل على صورته الحقيقية، دون الصورة؛ التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي، وكان ينزل في صورة دحية الكلبي، وذلك: أن رسول الله ﷺ أحب أن يراه في صورته التي جبل عليها، فاستوى له في الأفق الأعلى، وهو أفق الشمس، فملأ الأفق. وقيل: ما رآه أحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام في صورته الحقيقية، سوى محمد ﷺ رآه مرتين: مرة في الأرض، ومرة في السماء، أما التي في الأرض؛ فإن النبي ﷺ سأل جبريل ﵇ أن يراه في صورته، فسد الأفق، فذلك قوله تعالى في سورة (التكوير): ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ وأما التي في السماء كانت ليلة الإسراء والمعراج عند سدرة المنتهى، كما تراه في الايات التالية. روى الإمام أحمد عن عبد الله-﵁-أنه قال: رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته وله ستمئة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق، فخر رسول الله ﷺ مغشيا عليه، فنزل جبريل ﵇ في صورة الادميين، فضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه، وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾. هذا؛ وانظر شرح (صاحب) في الاية رقم [١٤] من سورة (الأحقاف)، وانظر سورة (التكوير) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك إن شاء الله تعالى. الإعراب: ﴿وَالنَّجْمِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، وانظر ما ذكرته في أول سورة (الذاريات) بهذا الصدد. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرد عن الشرطية مبني على

стр. 6208

السكون في محل نصب وفي عامله أوجه، وعلى كل واحد منها إشكال: أحد الأوجه: أنه متعلق بفعل القسم المحذوف، التقدير: أقسم بالنجم وقت هويه. قاله أبو البقاء، وغيره، وهو مشكل، فإن فعل القسم إنشاء، والإنشاء حال، و ﴿إِذا﴾ لما يستقبل من الزمان، فكيف يتلاقيان؟!. الثاني: أن العامل فيه مقدر على أنه حال من (النجم) أي: أقسم به حال كونه مستقرا في زمان هويه، وهو مشكل من وجهين: أحدهما: أن النجم جثة، والزمان لا يكون حالا منها، كما لا يكون خبرا عنها. والثاني: أن ﴿إِذا﴾ للمستقبل، فكيف يكون حالا؟! وقد أجيب عن الأول بأن المراد بالنجم القطعة من القرآن، والقرآن قد نزل منجما في عشرين سنة، وهذا على تفسير ابن عباس، وغيره، وعن الثاني بأنها حال مقدرة. الثالث: أن العامل نفس النجم؛ إذا أريد به القرآن. قاله أبو البقاء. وفيه نظر؛ لأن القرآن لا يعمل في الظرف إذا أريد به أنه اسم لهذا الكتاب المخصوص. وقد يقال: إن النجم بمعنى المنجّم، كأنه قيل: والقرآن المنجّم في هذا الوقت. انتهى. جمل. ﴿هَوى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى النجم، تقديره: «هو»، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿ضَلَّ:﴾ فعل ماض. ﴿صاحِبُكُمْ:﴾ فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ (الواو): حرف عطف. (ما): نافية. ﴿غَوى:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿صاحِبُكُمْ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿يَنْطِقُ:﴾ مضارع والفاعل يعود إلى ﴿صاحِبُكُمْ﴾ أيضا. ﴿عَنِ الْهَوى:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى «ما». ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿وَحْيٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يُوحى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿وَحْيٌ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿وَحْيٌ﴾. ﴿عَلَّمَهُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿شَدِيدُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و (القوى) مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿عَلَّمَهُ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿وَحْيٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، والرابط على الاعتبارين محذوف، التقدير: علمه إياه، و ﴿شَدِيدُ﴾ صفة لموصوف محذوف، التقدير: علمه إياه ملك ﴿شَدِيدُ الْقُوى﴾. ﴿ذُو:﴾ صفة ثانية للموصوف المحذوف مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذُو﴾ مضاف، و ﴿مِرَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿فَاسْتَوى:﴾ الفاء: حرف عطف. (استوى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿شَدِيدُ الْقُوى﴾

стр. 6209

والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع، أو نصب مثلها. ﴿وَهُوَ:﴾ (الواو): واو الحال. (هو): مبتدأ. ﴿بِالْأُفُقِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿الْأَعْلى:﴾ صفة (الأفق) مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل (استوى) المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ دَنا﴾ أي: دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض. ﴿فَتَدَلّى﴾ فنزل على النبي ﷺ بالوحي، والمعنى: أنه لما رأى النبي ﷺ من عظمة جبريل ما رأى، وهاله ذلك؛ رده الله إلى صورة آدمي حين قرب من النبي ﷺ بالوحي. وعن ابن عباس-﵄-أن معناه: أن الله ﵎ دنا من محمد ﷺ فتدلى. وروى نحوه أنس-﵁-عن النبي ﷺ ، والمعنى: دنا منه أمره، وحكمه. وهذا يعني: أن في الكلام تقديما، وتأخيرا. وبه قال القرطبي. وأصل التدلي: النزول إلى الشيء؛ حتى يقرب منه، فوضع موضع القرب، قال لبيد-﵁: [الرمل] فتدلّيت عليه قافلا... وعلى الأرض غيايات الطّفل ﴿فَكانَ قابَ﴾ أي: مقدار. ﴿قَوْسَيْنِ:﴾ تثنية قوس، وقال سعيد بن المسيب-رحمه الله تعالى-: (القاب) صدر القوس العربية، حيث يشدّ عليه السير، الذي يتنكبه صاحبه، ولكل قوس قاب واحد. فأخبر الله: أن جبريل قرب من محمد كقرب قاب قوسين. وقال سعيد بن جبير، وعطاء، وأبو إسحاق الهمداني، وغيرهم: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ﴾ أي: قدر ذراعين، والقوس: الذراع يقاس بها كل شيء، وهي لغة بعض الحجازيين. والقوس يذكر، ويؤنث، فمن أنث قال في تصغيرها: قويسة، ومن ذكر قال: قويس، والجمع: قسيّ، وأقواس، وقياس، والقوس أيضا: بقية التمر في الوعاء. والقوس برج في السماء. هذا؛ وقال الزمخشري: وقد جاء التقدير بالقوس، والرمح، والسوط، والذراع، والباع، والخطوة، والشبر، والفتر، والأصبع. ﴿أَوْ أَدْنى:﴾ أو أقل من قاب قوسين. هذا؛ وقال القاضي عياض: فمن جعل الضمير عائدا إلى الله تعالى، لا إلى جبريل كان عبارة عن نهاية القرب، ولطف المحل، وإيضاح المعرفة، والإشراف على الحقيقة من محمد ﷺ ، وعبارة عن إجابة الرغبة، وقضاء المطالب، وهذه الاية كقوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [١٤٣]: ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ لأن المعنى: فكان بأحد هذين المقدارين في

стр. 6210

رأي الرائي؛ أي: لتقارب ما بينهما يشك الرائي في ذلك. هذا؛ وتقدير الكلام: فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين. فحذفت هذه المتضايفات، كما قال أبو علي الفارسي في قول كلحبة العرني اليربوعي وهو الشاهد رقم [١٠٥٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] فأدرك إرقال العرادة ظلعها... وقد جعلتني من حزيمة إصبعا هذا؛ وقال الكسائي، ونقله عنه الجوهري: أن المراد قوس واحد، فقلبت التثنية بالإفراد، فكان أصله (قابي قوس) ومثل الاية قول الشاعر، وهو الشاهد [١١٩٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] إذا أحسن ابن العمّ بعد إساءة... فلست لشرّي فعله بحمول فأصل الكلام (فلست لشر فعليه). ﴿فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى:﴾ الضمير المجرور بالإضافة يرجع إلى الرسول ﷺ . وقيل: إلى جبريل، ﵇. هذا؛ وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: أوحى الله إلى جبريل، وأوحى جبريل إلى محمد ﷺ . ثم قيل: هذا الوحي، هل هو مبهم؟ لا نطلع عليه نحن، وتعبدنا بالإيمان به على الجملة، أو هو معلوم مفسر؟ قولان، وبالثاني قال سعيد بن جبير-﵁-قال: أوحى الله إلى محمد ﷺ : «ألم أجدك يتيما فآويتك؟ ألم أجدك ضالاّ فهديتك؟ ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟» ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ..﴾. إلخ وقيل: أوحى الله إليه: أن الجنة حرام على الأنبياء حتى تدخلها يا محمد! وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك. وهذا الإبهام كثير في الايات القرآنية، مثل قوله تعالى في سورة (طه): ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾. ﴿ما كَذَبَ الْفُؤادُ﴾ أي: قلب محمد ﷺ ، ويقرأ الفعل بالتخفيف، والتشديد. قال الأخطل التغلبي، وهو الشاهد رقم [٦١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الكامل] كذبتك عينك أم رأيت بواسط... غلس الظلام من الرّباب خيالا ورحم الله من قال للجاحظ في مرضه الذي توفي فيه: [الوافر] أترجو أن تكون وأنت شيخ... كما قد كنت أيّام الشّباب؟ لقد كذبتك نفسك ليس ثوب... جديد كالدّريس من الثّياب ﴿ما رَأى﴾ أي: بعينه تلك الليلة، بل صدقه، وحققه. واختلفوا في الذي رآه. فقيل: رأى جبريل على صورته الحقيقية؛ التي ذكرتها لك فيما سبق. وهو قول ابن عباس، وابن مسعود، وعائشة. وقيل: هو الله ، ثم اختلفوا في معنى الرؤية، فقيل: جعل بصره في فؤاده،

стр. 6211

وهو قول ابن عباس-﵄-قال: رآه بفؤاده مرتين، وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه حقيقة، وهو قول أنس بن مالك والحسن وعكرمة. وكانت عائشة-﵂-تقول: لم ير رسول الله ﷺ ربه، وتحمل الاية على رؤية جبريل ﵇، فعن مسروق-﵁-قال: قلت لعائشة: يا أماه! هل رأى محمد ربه؟ فقالت: لقد قفّ شعري مما قلت؛ أين أنت من ثلاث؟ من حدثكهن فقد كذب، من حدثك أن محمدا رأى ربه؛ فقد كذب، ثم قرأت الاية: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ..﴾. إلخ رقم [١٠٣] من سورة (الأنعام)، وقرأت: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْياً..﴾. إلخ الاية رقم [٥١] من سورة (الشورى)، ومن حدثك: أن محمدا يعلم ما في غد؛ فقد كذب، ثم قرأت: ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً..﴾. إلخ آخر آية في سورة (لقمان)، ومن حدثك أن محمدا كتم أمرا؛ فقد كذب، ثم قرأت: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ..﴾. إلخ الاية رقم [٦٧] من سورة (المائدة)، ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين. أخرجه البخاري، ومسلم. هذا؛ وفي صحيح مسلم عن أبي ذر-﵁-قال: سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ قال: «نور أنّى أراه؟». المعنى: غلبني من النور، وبهرني منه ما منعني من رؤيته. وروى أبو العالية قال: سئل رسول الله ﷺ ، هل رأيت ربك؟ قال: «رأيت نهرا، ورأيت وراء النهر حجابا، ورأيت وراء الحجاب نورا، لم أر غير ذلك». ﴿أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ أي: أتجادلونه على ما يرى، وذلك: أنهم جادلوه حين أسري به، وقالوا له: صف لنا بيت المقدس، وأخبرنا عن عيرنا في الطريق وغير ذلك مما جادلوه به. هذا؛ وقرأ حمزة، والكسائي: «(أفتمرونه)» بفتح التاء من غير ألف على معنى: أفتجحدونه؟ يقال: مراه حقه؛ أي: جحده، ومريته أنا، قال الشاعر: [البسيط] لئن هجرت أخا صدق ومكرمة... لقد مريت أخا ما كان يمريكا هذا؛ والمماراة، والمراء: الملاحاة، والمخاصمة، والمجادلة. قال تعالى لنبيه ﷺ في سورة (الكهف) رقم [٢٣]: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاّ مِراءً ظاهِراً﴾. الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿دَنا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى جبريل ﵇، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَتَدَلّى:﴾ (الفاء): حرف عطف. (تدلى): فعل ماض، والفاعل يعود إلى جبريل أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَكانَ:﴾ (الفاء): حرف عطف. (كان): ماض ناقص، واسمه يعود إلى جبريل. ﴿قابَ:﴾ خبر (كان). وانظر ما قدرته في الشرح، و ﴿قابَ﴾ مضاف، و ﴿قَوْسَيْنِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد،

стр. 6212

وجملة: (كان...) إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَدْنى:﴾ معطوف على ﴿قابَ﴾ فهو منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿فَأَوْحى:﴾ (الفاء): حرف عطف. (أوحى): فعل ماض، والفاعل يعود مثل سابقه. ﴿إِلى عَبْدِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: الذي أوحاه. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كَذَبَ:﴾ فعل ماض. ﴿الْفُؤادُ:﴾ فاعله. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على نزع الخافض التقدير في الذي رآه، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: مفعول به صريح. وقيل: إن الفعل: «كذب» بالتخفيف ينصب مفعولين: فيقال: كذبه الحديث؛ إذا نقل الكذب، فإذا شددت الذال ينصب مفعولا واحدا، وهذا من عكس التعدية. والجملة بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: الذي رآه، وجملة: ﴿ما كَذَبَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَفَتُمارُونَهُ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام. (الفاء): حرف عطف، أو استئناف. (تمارونه): مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الفاء. ﴿عَلى ما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وجملة ﴿يَرى﴾ صلة ﴿ما﴾ والعائد محذوف، التقدير: على الذي يراه. وقيل: (ما) مصدرية، وهو ضعيف. ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ:﴾ الفاعل يعود إلى النبي ﷺ ، واختلف في عود الضمير المنصوب مثل سابقه، قال ابن عباس-﵄: رأى محمد ﷺ ربه مرة أخرى بقلبه، فإنه كان له صعود، ونزول مرارا بحسب أعداد الصلوات المفروضة، فلكلّ عرجة نزلة. وقال ابن مسعود، وأبو هريرة-﵄: إنه جبريل ﵇ رآه مرة في الأفق، والثانية عند سدرة المنتهى. وقال ابن مسعود-﵁: قال رسول الله ﷺ : «رأيت جبريل بالأفق الأعلى، له ستمئة جناح، يتناثر من ريشه الدرّ والياقوت». وسدرة المنتهى في السماء السادسة، وجاء: أنها في السابعة، والحديث بهذا في صحيح مسلم. الأول: ما رواه مرّة عن عبد الله، قال: لما أسري برسول الله ﷺ انتهي به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها، فيقبض منها، فأعطي رسول الله ﷺ ثلاثا: أعطي الصلوات

стр. 6213

الخمس، وأعطي خواتيم سورة (البقرة)، وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات. (المقحمات: الذنوب العظام؛ التي تقحم أصحابها في النار؛ أي: تلقيهم فيها. والثاني: رواه قتادة عن أنس-﵁-أن النبي ﷺ قال: «لما رفعت إلى سدرة المنتهى في السماء السابعة. نبتها مثل قلال هجر، وورقها مثل آذان الفيلة، يخرج من ساقها نهران ظاهران، ونهران باطنان، قلت: يا جبريل ما هذا؟ قال: أمّا الباطنان ففي الجنة، وأمّا الظاهران فالنيل والفرات». روى الحديثين مسلم في صحيحه. هذا؛ والسدر: شجر النبق، والنبق ثمر السدر واحده: نبقة. ﴿عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى:﴾ الإضافة تعريف بموضع جنة المأوى، وأنها عند سدرة المنتهى. قال الحسن: هي التي يصير إليها المتقون. وقيل: إنها الجنة التي يصير إليها أرواح الشهداء. قاله ابن عباس-﵁-وهي عن يمين العرش. هذا؛ وانظر ما ذكرته بشأن الجنات في الاية رقم [٧٣] من سورة (الزمر). ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى:﴾ في هذه الاية تفخيم جنة المأوى، وتفخيم سدرة المنتهى. قال القشيري: وسئل رسول الله ﷺ ما غشيها؟ قال: فراش من ذهب. وفي خبر آخر: «غشيها نور من الله حتى ما يستطيع أحد أن ينظر إليها». وقيل غير ذلك. هذا؛ وفي إبهام الموصول تعظيم الأمر، ومثله: ﴿فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى﴾. وقال الماوردي في معاني القرآن: فإن قيل: لم اختيرت السدرة لهذا الأمر دون غيرها من الشجر؟ قيل: لأن السدرة تختص بثلاثة أوصاف: ظل مديد، وطعم لذيذ، ورائحة ذكية، فشابهت الإيمان الذي يجمع قولا، وعملا، ونية. انتهى. قرطبي بتصرف كبير. هذا؛ وسدرة المنتهى هي شجرة طوبى المذكورة في سورة (الرعد) رقم [٣١]: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾. ﴿ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى﴾ أي: ما مال بصر النبي ﷺ في ذلك المقام، وفي تلك الحضرة المقدسة الشريفة يمينا، وشمالا، ولا جاوز ما رأى. وقيل: ما أمر به. وهذا؛ وصف أدبه ﷺ في ذلك المقام الشريف؛ إذ لم يلتفت إلى شيء سوى ما أمر به. هذا وجه لتأويل الاية، والوجه الثاني: ما زاغ البصر بصعقة، ولا غشية، كما أخبر الله عن موسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام بقوله في سورة (الأعراف) رقم [١٤٣]: ﴿وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً﴾ وذلك أنه لما تجلى رب العزة، وظهر نوره على الجبل، قطع نظره، وغشي عليه، ونبينا ﷺ ثبت في ذلك المقام العظيم؛ الذي تحار فيه العقول، وتزل فيه الأقدام، وتزيغ فيه الأبصار. فوصف الله قوة نبينا، وثباته في ذلك المقام العظيم بقوله: ﴿ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى﴾ وما أحسن قول القائل: [الطويل]

стр. 6214

رأى جنة المأوى وما فوقها ولو... رأى غيره ما قد رآه لتاها ﴿لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى:﴾ قال ابن عباس-﵄: رأى رفرفا سد الأفق، فقد خرج الترمذي عن عبد الله-﵁-قال: رأى رسول الله ﷺ جبريل ﵇ في حلّة من رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض. وقال: حديث حسن صحيح، وقد تقدم: أنه رآه في صورته له ستمئة جناح. تنبيه: هذه الايات صريحة في أن النبي ﷺ عرج به إلى السموات العلى، ورأى ما رأى في ملكوت السموات من الايات العظام، فلم يبق مجال للقول: إن الإسراء ثبت بآية (الإسراء) وهي قوله تعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ..﴾. إلخ، وإن المعراج ثبت بالأحاديث، بل كلاهما قد ثبت بالايات القرآنية، وصار الحكم على منكر واحد منهما بالكفر حقيقة لا شك فيها، والله الموفق والمعين. والحمد لله رب العالمين. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ (الواو): حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. هذا؛ وبعضهم يعتبر الواو عاطفة، وبعضهم يعتبرها حرف استئناف. وبعضهم يعتبر الواو واو الحال، ويعتبرون الجملة الاتية جوابا لقسم محذوف. ولا أسلمه أبدا؛ لأنه على هذا يكون قد حذف واو القسم، والمقسم به، ويصير التقدير: وو الله أقسم، أو وأقسم والله، واللام واقعة في جواب القسم المحذوف، وبعضهم يقول: اللام موطئة للقسم، والموطئة معناها المؤذنة، وهذه اللام إنما تدخل على «إن» الشرطية، لتدل على القسم المتقدم على الشرط، وتكون الجملة الاتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدم على الشرط حكما، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ الاية رقم [١٢] من سورة (الحشر) افهم هذا؛ واحفظه، فإنه جيد. والله ولي التوفيق. فإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به، وبقاء حرف القسم، فالجواب: أنه قد حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السور، مثل قوله: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ فإن التقدير: ورب النجم، ورب الشمس... إلخ، الدليل على ذلك التصريح به في قوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ الاية رقم [٢٣] من سورة (الذاريات)، وحذف المقسم به ظاهر في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ الاية رقم [٧١] من سورة (مريم)، وأظهر منه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ الاية رقم [٧٣] من سورة (المائدة)، فالواو في الايتين حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف بلا ريب. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿رَآهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل تقديره: «هو»، يعود إلى الرسول ﷺ ، والهاء مفعول به. ﴿نَزْلَةً:﴾ فيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها منصوبة على الظرف. قال الزمخشري نصب الظرف الذي هو

стр. 6215

مرة؛ لأن الفعلة اسم للمرة من الفعل، فكانت في حكمها. قلت: وهذا ليس مذهب البصريين، وإنما هو مذهب الفراء، نقله عنه مكي. الثاني: أنها منصوبة نصب المصدر الواقع موقع الحال، قال مكي: أي رآه نازلا نزلة أخرى، وإليه ذهب الحوفي، وابن عطية. والثالث: أنه منصوب على المصدر المؤكد، فقدره أبو البقاء: مرة أخرى، أو رؤية أخرى. قلت: وفي تأويل نزلة برؤية نظر، و ﴿أُخْرى﴾ تدل على سبق رؤية قبلها. انتهى. جمل نقلا من السمين. ﴿أُخْرى:﴾ صفة ﴿نَزْلَةً﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿نَزْلَةً،﴾ أو بالفعل رأى، أو بمحذوف حال من الفاعل، أو من المفعول به، أو منهما معا، و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿سِدْرَةِ﴾ مضاف إليه، و ﴿سِدْرَةِ﴾ مضاف، و ﴿الْمُنْتَهى:﴾ مضاف إليه. ﴿عِنْدَها:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، (وها): في محل جر بالإضافة. ﴿جَنَّةُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿الْمَأْوى﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿سِدْرَةِ الْمُنْتَهى،﴾ والرابط: الضمير فقط. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان بمعنى: «حين» مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل رأى. ﴿يَغْشَى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿السِّدْرَةَ:﴾ مفعول به. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿يَغْشَى:﴾ فعل مضارع مرفوع، والفاعل يعود إلى ﴿ما﴾ وهو العائد، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿زاغَ:﴾ فعل ماض. ﴿الْبَصَرُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ (الواو): حرف عطف. (ما): نافية. ﴿طَغى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى ﴿الْبَصَرُ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لَقَدْ:﴾ (اللام): واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: وعزتي وجلالي. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿رَأى:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى الرسول ﷺ . ﴿مِنْ آياتِ:﴾ جار ومجرور في محل نصب مفعول به، وقدر أبو البقاء المفعول محذوفا شيئا، فيكون الجار والمجرور متعلقين بمحذوف صفة له، وهذا لا يجوز عند سيبويه؛ لأنه لا يجوز حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه إلا في مواضع معينة، وليس هذا منها، و ﴿آياتِ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، ﴿الْكُبْرى:﴾ صفة ﴿آياتِ رَبِّهِ﴾ فهو مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. هذا؛ وأجيز اعتباره مفعولا به، واعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف حال من ﴿الْكُبْرى،﴾ تقدمت الحال عليها. انتهى. جمل نقلا عن السمين.

стр. 6216

﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى (١٩) وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢)﴾ الشرح: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى:﴾ لما ذكر الله الوحي إلى النبي ﷺ ، وذكر من آثار قدرته ما ذكر؛ وبخ المشركين، وقرعهم بهذه الايات؛ إذ عبدوا ما لا يعقل، فقال: أفرأيتم هذه الالهة التي تعبدونها، أوحين إليكم شيئا، كما أوحي إلى محمد ﷺ . وكانت اللات لبني ثقيف بالطائف، والعزى لقريش، وبني كنانة، ومناة لبني هلال. وقال هشام: فكانت مناة لهذيل، وخزاعة، وكانت اللات صخرة بيضاء مربعة، وكان سدنتها من ثقيف، وكانوا قد سووا عليها بناء، له أستار، وسدنة، يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش، فكانت قريش وجميع العرب تعظمها، وبها كانت العرب تسمي: زيد اللات، وتيم اللات، فلم تزل كذلك إلى أن أسلمت ثقيف، فبعث رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة، فهدمها، وحرقها بالنار، وكانوا قد اشتقوا اسمها من اسم الله، فقالوا: اللات، يعنون مؤنثة منه. تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا! وعن ابن عباس-﵄-قال: كان اللات رجلا يلتّ السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه، تعظيما له ولعمله. قال شداد بن عارض الجشمي من أبيات قالها حين هدمت اللات، وحرقت، ينهي ثقيفا عن العود إليها والغضب لها. [البسيط] لا تنصروا اللاّت إنّ الله مهلكها... وكيف ينصركم من ليس ينتصر؟ أما العزى؛ فكانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة، وهي بين مكة، والطائف، كانت قريش تعظمها، كما قال أبو سفيان يوم أحد: لنا العزى، ولا عزى لكم! فقال رسول الله ﷺ : «قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم». وكانوا قد اشتقوا اسمها من اسم العزيز، فقالوا: العّزى، يعنون مؤنثة منه، قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٨٠]: ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ﴾. انظر شرحها هناك تجد ما يسرك ويثلج صدرك، فبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد ﵁-إلى العزى، فقطعها، وحطمها، وجعل يضربها بالفأس، ويقول: [الرجز] يا عزّ كفرانك لا سبحانك... إنّي رأيت الله قد أهانك فخرجت منها شيطانة، ناشرة شعرها، داعية بويلها، واضعة يدها على رأسها، ثم ضربها ففلق رأسها، فإذا هي حممة، ثم أتى النبي ﷺ ، فأخبره فقال: «تلك العزى، ولن تعبد أبدا». وكانوا يسمون عبد العزّى، فأبو لهب عم النبي ﷺ كان اسمه: عبد العزى. أما مناة فهي اسم صنم لهذيل، وخزاعة بقديد بين مكة، والمدينة، وكذلك قريش تعظمها أيضا، وسميت بذلك؛ لأنهم كانوا يريقون عندها الدماء، يتقربون بذلك إليه، وبذلك سميت منى في الجاهلية

стр. 6217

يعظمونها، ويهلون منها للحج إلى الكعبة. وكان للعرب أصنام كثيرة، وإنما أفردت هذه بالذكر؛ لأنها أشهر من غيرها، فلما دخل الرسول ﷺ مكة فاتحا كان حول الكعبة ثلاثمئة وستون صنما. هذا؛ والعرب لا تقول للثالثة أخرى، وإنما ﴿الْأُخْرى﴾ نعت للثانية، واختلفوا في وجهها، فقال الخليل-رحمه الله تعالى-: إنما قال ذلك لوفاق رؤوس الاي؛ كقوله تعالى: ﴿وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ ولم يقل: أخر. وقال الحسين بن الفضل: في الاية تقديم، وتأخير، مجازها: أفرأيتم اللات والعزى الأخرى، ومناة الثالثة. وقيل: إنما قال: ﴿وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى﴾ لأنها كانت مرتبة عند المشركين في التعظيم بعد اللات، والعزى، فالكلام على نسقه. وقيل: هي صفة ذم كأنه تعالى قال: ومناة الثالثة المتأخرة الذليلة، فعلى هذا فالأصنام ترتب مراتب، وذلك؛ لأن اللات كان صنما على صورة آدمي، والعزى شجرة، فهي نبات، ومناة صخرة، فهي جماد، فهي في أخريات المراتب. انتهى. خازن. ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى:﴾ استفهام توبيخي تقريعي، حيث قالوا: الملائكة بنات الله، والأصنام بنات الله، مع أنهم يكرهون الإناث، قال تعالى في سورة (النحل) رقم [٦٢]: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ،﴾ وقال تعالى في سورة (الصافات) رقم [١٥٣] موبخا ومؤنبا لهم: ﴿أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ،﴾ وقال في سورة (الطور): ﴿أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾. ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ أي: جائرة عن العدل، خارجة عن الصواب، مائلة عن الحق، حيث جعلتم لربكم ما تكرهون لأنفسكم، يقال: ضاز في الحكم؛ أي: جار، وضازه حقه، يضيزه ضيزا؛ أي: نقصه وبخسه. قال امرؤ القيس: [الرجز] ضازت بنو أسد في حكمهم... إذ يجعلون الرأس كالذنب هذا؛ ويقرأ: «(ضئزى)» بهمزة ساكنة، ومعنى ضأزه، يضأزه: نقصه حقه ظلما، وجورا، وهو بمعنى الأول، وفي المختار: ضاز في الحكم: جار، وضازه فيه: نقصه، وبخسه، وبابهما: باع. قال محمد علي الصابوني: وفي القرآن لفظة غريبة، هي أغرب ما فيه، وما حسنت في كلام قط إلا في موقعها فيه، وهي كلمة: ﴿ضِيزى﴾ ومع ذلك فإن حسنها في نظم الكلام من أغرب الحسن، ومن أعجبه، ولو أردت اللغة العربية ما صلح لهذا الموضع غيرها، فإن السورة التي هي منها، وهي سورة (النجم) مفصلة كلها على الياء، فجاءت الكلمة فاصلة من الفواصل، ثم هي في معرض الإنكار على العرب؛ إذ وردت في ذكر الأصنام، وزعمهم في قسمة الأولاد، فإنهم جعلوا الملائكة، والأصنام بنات لله، مع وأدهم للبنات، فقال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ فكانت غرابة اللفظ أشد الأشياء ملاءمة لغرابة هذه القسمة؛ التي أنكرها، وكانت الجملة كلها كأنها تصور في هيئة النطق بها، الإنكار في الأولى، والتهكم في

стр. 6218

الأخرى، وكان هذا التصوير أبلغ ما في البلاغة، وخاصة في اللفظة الغريبة التي تمكنت في موضعها من الفصل. انتهى. علوم القرآن. هذا؛ ولابن الأثير كلام جيد في الرد على من أنكر استعمال لفظة ﴿ضِيزى﴾ في القرآن، فقال: إذا جئنا بلفظة في معنى هذه اللفظة، قلنا: قسمة جائرة، أو ظالمة، لا شك أن جائرة، أو ظالمة أحسن من ضيزى، إلا أننا إذا نظمنا الكلام، فقلنا (ألكم الذكر وله الأنثى، تلك إذا قسمة ظالمة) لم يكن النظم كالنظم الأول، وصار الكلام كالشيء المعوز، الذي يحتاج إلى تمام، وهذا لا يخفى على من له ذوق، ومعرفة بنظم الكلام، فلما سمع ذلك الرجل ما أوردته عليه ربا لسانه في فمه إفحاما، ولم يكن عنده في ذلك شيء سوى العناد. هذا ما قاله ابن الأثير، وهو جيد يدل على ذوق، وفهم، ولكنه لا يخرج عن الحدود اللفظية، وسنذكر ما سنح للخاطر من أمر معنوي يتعلق بهذا الكلام، فنقول: لما كان الغرض تهجين قولهم، وتفنيد قسمتهم، والتشنيع عليها، اختيرت لها لفظة مناسبة للتهجين، والتشنيع، كأنما أشارت خساسة اللفظة إلى خساسة أفهامهم، وهذا من أعجب ما ورد في القرآن الكريم من مطابقة الألفاظ لمقتضى الحال. انتهى. باختصار من الدرويش. الإعراب: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام، وتوبيخ. (الفاء): حرف استئناف، وقيل: عاطفة على كلام محذوف، انظر الشرح لتقدير هذا المحذوف. (رأيتم): فعل، وفاعل. ﴿اللاّتَ:﴾ مفعوله الأول. (العزى): معطوف عليه منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. (مناة): معطوف أيضا على ما قبله. ﴿الثّالِثَةَ:﴾ صفة (مناة). ﴿الْأُخْرى:﴾ صفة (العزى) وانظر الشرح، والمفعول الثاني محذوف، قدره الجلال، كما يلي: ألهذه الأصنام قدرة على شيء، فتعبدونها دون الله القادر على ما تقدم ذكره. وقيل: إن الثاني هو المذكور بقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى﴾. ﴿أَلَكُمُ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام إنكاري توبيخي. (لكم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الذَّكَرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة على اعتبار المفعول الثاني محذوفا، أو هي في محل نصب مفعوله الثاني كما رأيت، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿إِذاً:﴾ حرف جواب، وجزاء مهمل، لا عمل له، ﴿قِسْمَةٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿ضِيزى:﴾ صفة ﴿قِسْمَةٌ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة. تنبيه: فإن قيل: ما فائدة الفاء في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ﴾ وقد وردت في مواضع بغير فاء، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ..﴾. إلخ رقم [٤] من سورة (الأحقاف)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ..﴾. إلخ الاية رقم [٤٠] من سورة (فاطر)؟ فالجواب: أنه لما تقدم عظمة الله في ملكوته، وأن رسوله إلى الرسل يسد الافاق ببعض أجنحته، ويهلك المدائن بشدته وقوته، ولا

стр. 6219

يمكنه مع هذا أن يتعدى السدرة في مقام جلال الله، وعزته؛ قال: أفرأيتم هذه الأصنام مع ذلتها، وحقارتها شركاء لله مع ما تقدم، فقال بالفاء؛ أي: عقيب ما سمعتم من عظمة آيات الله الكبرى، ونفاذ أمره في الملأ الأعلى، وما تحت الثرى، انظروا إلى اللات والعزى تعلموا فساد ما ذهبتم إليه. انتهى. جمل نقلا من كرخي. ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (٢٣)﴾ الشرح: ﴿إِنْ هِيَ﴾ أي: ما هذه الأصنام ﴿إِلاّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ﴾ والمعنى: أنكم سميتموها آلهة، وليست بآلهة حقيقة، ولا بمعبودة حقيقة. وقيل: المعنى: قلتم لبعضها: عزى، ولا عزة لها فلا يكون لها مسمى حقيقة. ومثل هذه الاية قوله تعالى في سورة (يوسف) رقم [٤٠]: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٧١]: ﴿أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ﴾. وانظر شرح ﴿سُلْطانٍ﴾ في سورة (الذاريات) رقم [٣٨]. هذا؛ وأسماء جمع: اسم، أصله: أسماو، فقل في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ:﴾ إلا توهم أن ما هم عليه حق، تقليدا، أو توهما باطلا. ﴿وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ:﴾ وما تشتهيه أنفسهم، وتزينه لهم شياطينهم. وفي الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة، انظر الالتفات في سورة (الذاريات) رقم [٥٦]. ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى﴾ أي: البيان المنزل، والنبي المرسل: أن الحجارة، والأوثان ليست بآلهة، وأن العبادة لا تصلح إلا لله الواحد القهار، فتركوا الدليل الواضح إلى الشيء المتوهم؛ الذي لا حقيقة له، وليس له أي مستند، وانظر الظن في سورة (الحجرات) رقم [١٢] فإنه جيد. الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَسْماءٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿سَمَّيْتُمُوها:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع. و (ها): مفعوله الأول، والثاني محذوف، تقديره: آلهة. وقيل بالعكس. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع توكيد لتاء الفاعل المتحركة. ﴿وَآباؤُكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (آباؤكم): معطوف على تاء الفاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿أَسْماءٌ﴾. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَنْزَلَ:﴾ ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿سُلْطانٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره،

стр. 6220

منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿أَسْماءٌ،﴾ أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿يَتَّبِعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿الظَّنَّ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ (الواو): حرف عطف. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على (الظن) والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: والذي تهواه الأنفس. ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الاية رقم [١٣]. ﴿جاءَهُمْ:﴾ ماض، والهاء مفعوله. ﴿مِنْ رَبِّهِمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْهُدى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ..﴾. إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، أو هو معترض بين المتعاطفات، وقيل: في محل نصب حال من واو الجماعة في ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ وهو ضعيف. ﴿أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنّى (٢٤) فَلِلّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى (٢٥)﴾ الشرح: ﴿أَمْ لِلْإِنْسانِ..﴾. إلخ: معناه: أيظن الإنسان الكافر أن ينال ما يتمنى من شفاعة الأصنام. وقيل: ما يتمنى من البنين. وقيل: ما يتمنى من النبوة. والمعنى: ليس كل من تمنى خيرا يحصل له، قال تعالى: ﴿فَلِلّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى﴾ أي: إن الأمر كله لله، مالك الدنيا، والاخرة، والمتصرف فيهما، يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، لا راد لعطائه، ولا معطي لما منعه. هذا؛ والمراد بالأولى: الحياة الدنيا الحاضرة؛ التي يحياها الإنسان، وهو حي، والمراد بالاخرة: الحياة التي تكون بعد الموت، وما فيها من عذاب، أو نعيم، و ﴿الْآخِرَةُ﴾ الحياة الثانية الأبدية؛ التي تكون بعد الموت، ثم البعث والنشور، والحساب والجزاء، وهي في الجنة لمن آمن وعمل صالحا، أو في النار لمن كفر، وعمل سيئا، ورحم الله من يقول: [البسيط] الموت باب وكلّ الناس داخله... فليت شعري بعد الباب ما الدّار؟! ورحم الله من أجابه بقوله: [البسيط] الدّار جنّة عدن إن عملت بما... يرضي الإله وإن خالفت فالنّار هما محلاّن ما للنّاس غيرهما... فانظر لنفسك ماذا أنت مختار؟ الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف بمعنى: «بل» والهمزة، وفيها إنكار، وتوبيخ. ﴿لِلْإِنْسانِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿تَمَنّى:﴾ فعل ماض، أو فعل مضارع حذفت منه تاء المضارعة، والفاعل على الاعتبارين يعود إلى الإنسان،

стр. 6221

والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: الذي تمناه، أو الذي يتمناه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿فَلِلّهِ:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (لله): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْآخِرَةُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿وَالْأُولى:﴾ الواو: حرف عطف. (الأولى): معطوف على ما قبله فهو مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى (٢٦)﴾ الشرح: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ﴾ أي: ممن يعبدهم هؤلاء، ويرجون شفاعتهم عند الله. ﴿لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً﴾ المعنى: أن الملائكة مع علو منزلتهم، وكرامتهم على ربهم لا تنفع شفاعتهم شيئا؛ فكيف تقبل شفاعة الأصنام مع حقارتها، وصغارها؟! لأنها جمادات، لا تبصر، ولا تسمع، ولا تعقل شيئا. ﴿إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ:﴾ في الشفاعة ﴿لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى﴾ أي: من أهل الإيمان، والتوحيد. قال ابن عباس-﵄: يريد: لا تشفع الملائكة إلا لمن ﵁. وقيل: المعنى إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء من الملائكة في الشفاعة لمن شاء له الشفاعة. هذا؛ والاية هنا مثلها قوله تعالى في سورة (طه) رقم [١٠٩]: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ هذا؛ والقول المرضي عند الله قول لا إله إلا الله مقرونا بالعمل الصالح، كما قد نبهت عنه مرارا. وقال في سورة (الأنبياء) رقم [٢٨]: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى﴾. هذا؛ والشفاعة العظمى ثابتة للنبي ﷺ في الموقف العظيم، وبعده، وشفاعة المؤمنين ثابتة بعد الحساب والجزاء، وإدخالهم الجنة في ذويهم وأصحابهم في الدنيا؛ الذين دخلوا النار لشؤم معاصيهم، وسوء أعمالهم. هذا؛ والشفاعة معناها: التوسل، وابتغاء الخير، والذي يكون منه التوسل يسمى: الشفيع، والشفاعة في الاخرة لا تكون إلا حسنة؛ لأنها لطلب الخير الخالص، وأما في الدنيا، فتكون حسنة، وأكثرها سيئة، فالشفاعة الحسنة هي التي روعي فيها حق مسلم، أو دفع بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، لا في حد من حدود الله، ولا في حق من حقوق الناس، والسيئة كانت بخلاف ذلك، والدستور في ذلك قول الله في سورة (النساء) رقم [٨٥]: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها﴾. تنبيه: «كم» اسم كناية يكنى به عن الكثير، والقليل، يعبر به عن كل معدود كثيرا كان، أو قليلا، وسواء في ذلك: المذكر، والمؤنث، فيجرى في ذلك مجرى كل، وأي، ومن، وما في

стр. 6222

أنّ كل واحد منها يقع على التثنية، والجمع، وكثيرا ما يعود الضمير عليه مفردا نظرا للفظه، وكثيرا ما يعود عليه الضمير نظرا لمعناه مذكرا، أو مؤنثا، مفردا، أو مثنى، أو مجموعا، مثل الألفاظ: كل، وأي، ومن، وما. و «كم» تكون خبرية، واستفهامية، انظر أوجه الاتفاق، والافتراق بينهما في كتابنا: «فتح القريب المجيب» موجز الكلام على «كم» والله ولي التوفيق. الإعراب: ﴿وَكَمْ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (كم): خبرية بمعنى كثير مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿مَلَكٍ:﴾ تمييز منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿مَلَكٍ﴾. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُغْنِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿شَفاعَتُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال. ﴿أَنْ يَأْذَنَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن»، والمصدر المؤول منهما في محل جر بإضافة بعد إليه. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿يَشاءُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: للذي، أو لشخص يشاء الإذن له، ويرضاه له أيضا. ﴿وَيَرْضى:﴾ الواو: حرف عطف. (يرضى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله) أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (٢٧)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ يعني: الكفار الذين أنكروا البعث، والحساب، والجزاء. ﴿لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى﴾ أي: بتسمية الأنثى، حيث قالوا: إنهم بنات الله، وهم بنو مليح، وكانوا يعبدون الملائكة، قال تعالى في سورة (الصافات) رقم [١٥٠] موبخا، ومؤنبا لهم: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ﴾ وانظر ما ذكرته في سورة (الطور) رقم [٣٩]. فإن قيل: كيف يصح أن يقال: إنهم لا يؤمنون بالاخرة، مع أنهم كانوا يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وكان من عادتهم أن يربطوا مركوب الميت على قبره زعما منهم أنه يحشر عليه؟! أجيب بأنهم ما كانوا يجزمون، بل كانوا يقولون: لا حشر، ثم يقولون: وإن كان؛ فلنا شفعاء. بدليل أنه تعالى حكى عنهم: ﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ رقم [٥٠] من سورة (فصلت)، وحكاه الله عنهم بقوله: ﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً﴾ رقم [٣٧] من سورة (الكهف). وأيضا كانوا لا يؤمنون

стр. 6223

بالاخرة على الوجه الذي بينه الرسل، فهم لا يؤمنون بالاخرة؛ بل بما يزعمونه آخرة. انتهى. جمل. هذا؛ والملائكة أجسام نورانية، لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة حسنة، لا يأكلون، ولا يشربون، لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا ينامون، ولا يموتون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، لا يوصفون بذكورة ولا بأنوثة، فمن وصفهم بذكورة؛ فسق، ومن وصفهم بأنوثة؛ كفر، وهم كثيرون، لا يعلم عددهم إلا الله تعالى؛ حيث قال تعالى في سورة (المدثر) رقم [٣١]: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ يقومون بأعمال مختلفة، كلّ فيما وكل إليه من أعمال، رؤساؤهم عشرة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ورقيب، وعتيد، ومنكر، ونكير، ورضوان خازن الجنة، ومالك خازن النار، عليهم ألف صلاة، وألف سلام. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿بِالْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿لَيُسَمُّونَ:﴾ (اللام): هي المزحلقة. (يسمون): مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿الْمَلائِكَةَ:﴾ مفعول به. ﴿تَسْمِيَةَ:﴾ مفعول مطلق مبين للنوع، وهو مضاف، و ﴿الْأُنْثى﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (٢٨)﴾ الشرح: ﴿وَما لَهُمْ بِهِ﴾ أي: بما قالوه: إن الملائكة بنات. ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: إنهم لم يشاهدوا خلق الله الملائكة، ولم يسمعوا ما قالوه من رسول الله ﷺ ، ولم يروه في كتاب يعتد به، بل هو كذب، وزور، وكفر شنيع. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ:﴾ فهو كقوله تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٢٠]: ﴿ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾. ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ أي: لا يجدي شيئا، ولا يقوم مقام الحق أبدا، وقد ثبت في الحديث الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والظّنّ، فإنّ الظّنّ أكذب الحديث». هذا؛ وأصل الظن: إدراك الطرف الراجح، ولكن ظنهم إدراك الطرف المرجوح، بل الظن الباطل، وانظر شرح ﴿الْحَقِّ﴾ في الاية رقم [٢٢] من سورة (الجاثية). الإعراب: ﴿وَما:﴾ (الواو): حرف عطف. وقيل: واو الحال. (ما): نافية. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿عِلْمٍ﴾ بعدهما؛ لأنه مصدر. أو هما متعلقان بمحذوف حال منه. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿عِلْمٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع،

стр. 6224

وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي. ﴿يَتَّبِعُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الظَّنَّ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِنَّ:﴾ (الواو): واو الحال. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿الظَّنَّ:﴾ اسم (إنّ). ﴿إِلاَّ:﴾ نافية. ﴿يُغْنِي:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى الظن، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿الظَّنَّ،﴾ والرابط: الواو، وإعادة ﴿الظَّنَّ﴾ بلفظه. ﴿مِنَ الْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به، وله صفة محذوفة، التقدير: شيئا نافعا، ومثله قول العباس بن مرداس السلمي، وهو الشاهد رقم [١٠٦٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [المتقارب] وقد كنت في الحرب ذا تدرأ... فلم أعط شيئا، ولم أمنع ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا (٢٩)﴾ الشرح: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا﴾ أي: أعرض عن القرآن، والإيمان بمحمد ﷺ . ومن كان كذلك فأعرض أنت يا محمد عنه، فإن من تولى عن الله، وأعرض عن ذكره، وانهمك في الدنيا، بحيث كانت منتهى همه، ومبلغ علمه لا تزيده الدعوة إلا عنادا، وإصرارا على الباطل. وهذا قبل الأمر بالجهاد، وقبل الهجرة. ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ أي: إن همته مقصورة على الدنيا، وجمع حطامها الفاني، أما الاخرة؛ فليست في حسابه؛ لأنه لا يعتقد بها، ولا يعمل لها. وانظر شرح ﴿تَوَلّى﴾ في الاية رقم [٥٤] من سورة (الطور). الإعراب: ﴿فَأَعْرِضْ:﴾ (الفاء): حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (أعرض): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿عَنْ مَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿تَوَلّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿عَنْ ذِكْرِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والجملة الفعلية: ﴿فَأَعْرِضْ..﴾. إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء. ﴿وَلَمْ:﴾ (الواو): واو الحال. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُرِدْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من: (من)، والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْحَياةَ:﴾ مفعول به. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿الْحَياةَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر.

стр. 6225

﴿ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اِهْتَدى (٣٠)﴾ الشرح: ﴿ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي: ذلك نهاية علمهم، وقلة عقولهم أن آثروا الدنيا على الاخرة، فيكون كقوله تعالى في سورة (الروم) رقم [٧]: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾. وقيل: معناه: أنهم لم يبلغوا من العلم إلا ظنهم: أن الملائكة بنات الله، وأنهم يشفعون لهم، فاعتمدوا على ذلك، وأعرضوا عن القرآن، والإيمان. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي: حاد عن دينه، وخالف أوامره، ونواهيه. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى﴾ أي: هو الخالق لجميع المخلوقات، والعالم بمصالح عباده، وهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وذلك كله عن قدرته وإرادته وعلمه وحكمته، فلا تتعب نفسك يا محمد في دعوتهم؛ إذ ما عليك إلا البلاغ؛ وقد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة. وقد روي عن عائشة-﵂-أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «الدّنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له». رواه الشيخان، والإمام أحمد. وفي الدعاء المأثور: «اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا». هذا؛ ومثل هذه الاية رقم [٧] من سورة (القلم). الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿مَبْلَغُهُمْ:﴾ خبر المبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنَ الْعِلْمِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (مبلغ)؛ لأنه مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿هُوَ أَعْلَمُ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها تعليلية. ﴿بِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ فهو بمعنى عالم، وليس على بابه، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿ضَلَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من)، وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها. ﴿عَنْ سَبِيلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَهُوَ:﴾ (الواو): واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل ﴿أَعْلَمُ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. وإن عطفتها على ما قبلها؛ فهي في محل رفع مثلها، وهو الأقوى. ﴿بِمَنْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ﴾. ﴿اِهْتَدى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (من)، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها.

стр. 6226

﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ الشرح: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ ملكا، وخلقا، وعبيدا. وفيه تغليب غير العاقل على العاقل؛ لأنه أكثر كما هو مشاهد، وفيه إشارة إلى كمال قدرته، وسعة سلطانه. ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا:﴾ بعقاب ما عملوا من السوء، أو بمثله، أو بسبب ما عملوا من السوء. ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ أي: بالمثوبة الحسنى، وهي الجنة، و (الحسنى) مؤنث: «الأحسن» الذي هو أفعل تفضيل، لا مؤنث «أحسن» المقابل لامرأة حسناء، و (الحسنى) بالضم ضد «السوأى» والجمع: الحسن، والحسنيات، ولا يجوز النطق به إلا معرفا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَلِلّهِ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (لله): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله عطف مفرد على مفرد، وإن قدرت: «لله» قبله محذوفا، فيكون العطف عطف جملة على جملة. ﴿لِيَجْزِيَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (الله)، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بما دل عليه معنى الملك في قوله: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ..﴾. إلخ. وقيل: متعلقان بما دل عليه ﴿أَعْلَمُ﴾ وعليه فالجملة الاسمية: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ﴾ معترضة مقررة لما قبلها، فإن كون الكل مخلوقا لله تعالى يقرر علمه بأحوالهم، كأنه قيل: فيعلم ضلال من ضل، واهتداء من اهتدى، فيحفظهما؛ ليجزي... إلخ. هذا؛ واعتبر الزمخشري اللام للصيرورة والعاقبة؛ أي: عاقبة أمرهم جميعا للجزاء بما عملوا. انتهى. جمل نقلا عن السمين. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿أَساؤُا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (يجزي)، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء عملوه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملهم. ﴿وَيَجْزِيَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يجزي): معطوف على ما قبله فهو منصوب مثله، والفاعل يعود إلى الله أيضا. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿أَحْسَنُوا﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِالْحُسْنَى:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل (يجزي) وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر.

стр. 6227

﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اِتَّقى (٣٢)﴾ الشرح: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ:﴾ هذا نعت للمحسنين؛ أي: هم لا يرتكبون الإثم، وهو الشرك؛ لأنه أكبر الاثام. ﴿وَالْفَواحِشَ:﴾ الزنى، وقال مقاتل: ﴿كَبائِرَ الْإِثْمِ﴾ كل ذنب ختم بالنار،. ﴿وَالْفَواحِشَ﴾ كل ذنب فيه الحد، وجمع الإثم آثام. هذا؛ والإثم اسم من أسماء الخمرة، قاله الحسن وعطاء. قال الجوهري: وقد تسمى الخمر إثما، واستدل عليه بقول بعض الجاهليين: [الوافر] شربت الإثم حتّى ضلّ عقلي... كذاك الإثم يذهب بالعقول وبه فسر في قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٣٣]: ﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فيكون في ذلك إلقام حجر في فم كل من يقول: لم تذكر مادة حرم في تحريم الخمر. ﴿إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ أي: إلا ما قل، وصغر من الذنوب. وقيل: هي مقاربة المعصية، من قولك: ألممت بكذا: إذا قاربته من غير مواقعة. ومعنى الاية: إلا أن يلم بالفاحشة مرة، ثم يتوب، أو يقع الوقعة، ثم ينتهي. وهو قول أبي هريرة، ومجاهد، والحسن. وهو رواية عن ابن عباس ﵃ أجمعين-. وقال أبو صالح: سئلت عن قول الله : ﴿إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ فقلت: هو الرجل يلم بالذنب، ثم لا يعاوده، فذكرت ذلك لابن عباس-﵄-فقال: أعانك عليها ملك كريم. وعن ابن عباس أيضا: هو الرجل يلمّ بذنب، ثم يتوب. قال: ألم تسمع النبي ﷺ كان يقول؟: [الرجز] إن تغفر اللهمّ تغفر جمّا... وأيّ عبد لك لا ألمّا؟! أخرجه الترمذي بهذا الإسناد، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، والبيت لأمية بن أبي الصلت، قاله عند احتضاره، وتمثل به النبي ﷺ تمثلا، وهذا هو الشاهد رقم [٤٤٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». هذا؛ واللمم: صغار الذنوب، كالنظرة، والغمزة، والقبلة، ونحو ذلك مما هو دون الزنى. وهو قول ابن مسعود، وأبي هريرة، ومسروق، والشعبي. والرواية الأخرى عن ابن عباس-﵃ أجمعين-فقد قال ابن عباس: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «إنّ الله- -كتب على ابن آدم حظّه من الزّنى أدرك ذلك لا محالة، فزنى العينين النظر، وزنى اللسان النطق، والنفس تتمنّى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك، أو يكذبه». متفق عليه.

стр. 6228

ولمسلم، قال: «كتب على ابن آدم نصيبه من الزّنى، مدرك ذلك لا محالة، العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرّجل زناها الخطا، والقلب يهوى، ويتمنّى، ويصدق ذلك الفرج، أو يكذّبه». وقيل: اللمم على وجهين: أحدهما: أنه كل ذنب لم يذكر الله تعالى عليه حدا في الدنيا، ولا عذابا في الاخرة، فذلك الذي تكفره الصلوات الخمس، وصوم رمضان، ما لم يبلغ الكبائر، والفواحش، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ رقم [١١٤] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وقال تعالى في سورة (النساء) الاية رقم [٣١]: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ انظر شرحهما في محالهما. والوجه الثاني: هو الذنب العظيم يلم به المسلم المرة بعد المرة، فيتوب منه إذا قام بشروط التوبة؛ التي ذكرتها لك مرارا، وسأعيدها في سورة (التحريم) إن شاء الله تعالى. تنبيه: قال العلماء: أكبر الكبائر الشرك بالله، وهو ظاهر لا خفاء فيه لقوله تعالى في سورة (لقمان) رقم [١٣]: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. ويليه القتل بغير حق، فأما ما سواهما من الزنى واللواط، وشرب الخمر، وشهادة الزور، وأكل مال اليتيم بغير حق، والسحر وقذف المحصنات الغافلات، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وأكل الربا، وغير ذلك من الكبائر التي ورد بها النص، فلها تفاصيل، وأحكام تعرف بها مراتبها، ويختلف أمرها باختلاف الأحوال، والمفاسد المترتبة عليها، فعلى هذا يقال في كل واحدة منها: هي من أكبر الكبائر بالنسبة إلى ما دونها، وقد جاء عن ابن عباس-﵄: أنه سئل عن الكبائر أسبع هي؟ قال: بل هي إلى السبعين أقرب، وفي رواية إلى سبعمئة أقرب. وقد عرف ابن الصلاح الكبيرة في فتاويه: الكبيرة: كل ذنب كبر، وعظم بحيث يصح معه: أنه أطلق عليه اسم الكبيرة، ويوصف بكونه عظيما على الإطلاق، فهذا حد الكبيرة، ولها أمارات، منها: الحد. ومنها: الإيعاد عليها بالعذاب بالنار، ونحوها في الكتاب، أو السنة. ومنها: ما وصف فاعلها بالفسق، أو يضاف إليها اللعن كلعن الله من غيّر منار الأرض، ونحو ذلك، والله أعلم. هذا؛ واللمم: طرف من الجنون، ورجل ملموم؛ أي: به لمم. ويقال أيضا: أصابت فلانا لمة من الجن، وهي المسّ، والشيء القليل، قال ابن مقبل: [الكامل] فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن... إلاّ كلمّة حالم بخيال هذا؛ واللمم: القليل من: ألمّ بالمكان: إذا قل فيه لبثه، قال الشاعر: [الطويل] أراك إذا أيسرت خيّمت عندنا... زمانا وإن أعسرت زرت لماما فما أنت إلا البدر إن قلّ ضوءه... أغبّ وإن زاد الضياء أقاما

стр. 6229

وقال جرير من قصيدة يمدح بها هشام بن عبد الملك: [الوافر] فريشي منكم وهواي معكم... وإن كانت زيارتكم لماما ﴿إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ:﴾ قال ابن عباس-﵄: لمن فعل ذلك لمن تاب، وأناب. وروي عن عمر بن الخطاب-﵁-قال: لا كبيرة في الإسلام؛ أي: لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار. والمعنى: أن الكبيرة تمحى بالاستغفار، والتوبة، والصغيرة تصير كبيرة بالإصرار عليها. وقيل في حد الإصرار: هو أن يتكرر منه الصغيرة تكرارا يشعر بقلة مبالاته بذنبه. وخذ ما يلي. عن عبد الله بن مسعود-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إيّاكم ومحقّرات الذّنوب، فإنّهنّ يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه، وإنّ رسول الله ﷺ ضرب لهنّ مثلا، كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق، فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود؛ حتى جمعوا سوادا، وأجّجوا نارا، وأنضجوا ما قذفوا فيها». رواه الإمام أحمد، والطبراني، والبيهقي. وفي رواية: «إنّ الشيطان قد يئس أن تعبد الأصنام في أرض العرب، ولكنّه سيرضى منكم بدون ذلك بالمحقّرات، وهي الموبقات يوم القيامة». وعن عائشة-﵂: أن رسول الله ﷺ قال: «يا عائشة! إياك ومحقّرات الذنوب، فإن لها من الله طالبا». رواه النسائي، وابن ماجه، وانظر آخر سورة (الزلزلة). ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ أي: أعلم بأحوالكم منكم. ﴿إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: حين أنشأ أباكم آدم من الأرض، واستخرج ذريته من صلبه أمثال الذر، ثم قسمهم فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير. ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ أي: وقت كنتم في بطون أمهاتكم؛ حيث كتب الملك الموكل بكل واحد منكم رزقه، وأجله، وعمله، وشقي، أو سعيد. هذا؛ و ﴿أَجِنَّةٌ﴾ جمع: جنين، وهو الولد ما دام في بطن أمه، سمي جنينا؛ لاجتنانه، واستتاره، قال عمرو بن كلثوم التغلبي من معلقته رقم [١٧]: [الوافر] ذراعي حرّة أدماء بكر... هجان اللّون لم تقرأ جنينا ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ:﴾ فلا تثنوا عليها بصلاح العمل، وزيادة الخير، فإنه أبعد من الرياء، وأقرب إلى الخشوع. وقال الحسن: علم الله من كل نفس ما هي صانعة، وإلى ما هي صائرة، ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ:﴾ فلا تبرئوها من الاثام، ولا تمدحوها بحسن الأعمال، وقد ذم الله اليهود الذين كانوا يزكون أنفسهم، ورد عليهم بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ الاية رقم [٤٩] من سورة (النساء)، فقد نزلت الاية الكريمة في ناس كانوا يعملون أعمالا حسنة، ثم يقولون: صلاتنا، وصيامنا، وحجنا. وهذا النهي إذا كان على سبيل

стр. 6230

الإعجاب، أو الرياء، لا على سبيل الاعتراف بالنعمة، فإنه جائز؛ لأن المسرة بالطاعة طاعة، والتحدث بها شكر، قال تعالى مخاطبا نبيه: ﴿وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ من سورة (الضحى). ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ أي: أخلص النية في العمل، وخاف عقاب الله، وعمل لنجاته يوم القيامة من الحساب الشديد، والعذاب الأليم. وعلم الله بمن اتقى قديم أزلي قبل أن يخرجنا من صلب آدم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ وكما نهى الله أن يمدح العبد نفسه؛ نهاه أن يمدح غيره، ولا سيما إذا كان تزلفا، وتقربا، ورياء، وخداعا، فقد روي عن همام بن الحارث قال: جاء رجل إلى عثمان بن عفان-﵁، فأثنى عليه بوجهه، قال: فجعل المقداد بن الأسود-﵁-يحثو في وجهه التراب، ويقول: أمرنا رسول الله ﷺ إذا لقينا المداحين أن نحثو في وجوههم التراب. أخرجه مسلم، وأبو داود، وأحمد. وكذلك نهى النبي ﷺ أن يمدح الرجل الرجل في غيبته، فعن أبي بكر-﵁، قال: مدح رجل رجلا عند النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ «ويلك قطعت عنق صاحبك-مرارا-إذا كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة؛ فليقل: أحسب فلانا، والله حسيبه، ولا أزكّي على الله أحدا، أحسبه كذا، وكذا؛ إن كان يعلم ذلك». أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وأحمد، وابن ماجه. خاتمة: جاء في أسباب النزول للسيوطي ما يلي: روى ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد، عن ثابت بن الحارث الأنصاري الصحابي-﵁-قال: كانت اليهود تقول إذا هلك لهم صبي صغير: هذا صدّيق، شقيّ، أو سعيد، فأنزل الله عند ذلك قوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ..﴾. إلخ. ونحوه عن عائشة-﵂-وانظر شرح (أمهاتكم) في الاية رقم [٢] من سورة (المجادلة) إن شاء الله. الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ بدل من سابقه، أو عطف بيان، أو هو نعت له، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني الذين، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين. وهذان الوجهان على القطع. ﴿يَجْتَنِبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿كَبائِرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، والإثم مضاف إليه. ﴿وَالْفَواحِشَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الفواحش): معطوف على ما قبله. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿اللَّمَمَ:﴾ منصوب على الاستثناء المنقطع، وهو بمعنى: لكن اللمم. وقال الزمخشري: ولا يخلو قوله تعالى: ﴿إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ من أن يكون استثناء منقطعا، أو صفة كقوله تعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ﴾ الاية رقم [٢٢] من سورة (الأنبياء)، وعليه يكون الإعراب كما يلي: ﴿إِلاَّ:﴾ اسم بمعنى: «غير» ظهر إعرابه على ما بعده بطريق العارية، لكونه على صورة الحرف، و ﴿إِلاَّ﴾ مضاف، و ﴿اللَّمَمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة ﴿إِلاَّ﴾ التي على صورة الحرف.

стр. 6231

﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿واسِعُ:﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ وهو مضاف، و ﴿الْمَغْفِرَةِ﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعله، التقدير: واسعة مغفرته، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ تعليل لاستثناء اللمم، لا محل لها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ وهو بمعنى: عالم، ففاعله مستتر فيه، تقديره: «هو». ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿أَعْلَمُ﴾ أيضا. ﴿أَنْشَأَكُمْ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكَ،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿مِنَ الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من كاف الخطاب، التقدير: مخرجين من الأرض. ﴿وَإِذْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (إذ): معطوفة على ما قبلها، والجملة الاسمية: ﴿أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ﴾ في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿فِي بُطُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿أَجِنَّةٌ،﴾ و ﴿بُطُونِ﴾ مضاف، و ﴿أُمَّهاتِكُمْ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَلا:﴾ (الفاء): هي الفصيحة كما رأيت في الاية رقم [٢٩]. (لا): ناهية، ﴿تُزَكُّوا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿أَنْفُسَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿هُوَ أَعْلَمُ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية تعليل للنهي، لا محل لها. ﴿بِمَنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ وفاعله مستتر فيه. ﴿اِتَّقى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (من)، وهو العائد، والمفعول محذوف للفاصلة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، التقدير: بالذي اتقاه. ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلّى (٣٣) وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٣٥)﴾ الشرح: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلّى:﴾ قال مجاهد، وابن زيد، ومقاتل: نزلت الاية في الوليد بن المغيرة، وكان قد اتبع رسول الله ﷺ على دينه، فعيره بعض المشركين، وقال: لم تركت دين الأشياخ، وضللتهم، وزعمت: أنهم في النار؟ قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له إن هو أعطاه شيئا من ماله، ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله، فأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له، ثم بخل، ومنعه، فأنزل الله هذه الاية. وهذه الرواية ذكرها السيوطي من غير

стр. 6232

تعيين للذي أسلم، وقال مقاتل: كان الوليد قد مدح القرآن، ثم أمسك عنه، فأنزل الله: ﴿وَأَعْطى قَلِيلاً﴾ أي: من الخير بلسانه ﴿وَأَكْدى﴾ أي: قطع ذلك، وأمسك عنه. وهذا الذي أعتمده، كما ستقف عليه في سورة (المدثر) إن شاء الله تعالى فإنه سمع القرآن من النبي ﷺ ، ثم أتى مجلس قومه من بني مخزوم، فقال: والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما، ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو وما يعلى عليه. هذا؛ وذكر السيوطي روايتين في أسباب النزول لا أعتمدهما. وذكر الزمخشري، والقرطبي: أنها نزلت في عثمان بن عفان-﵁-كان يتصدق، وينفق في الخير، فقال له أخوه من الرضاعة عبد الله بن أبي سرح: ما هذا الذي تصنع؟ يوشك ألا يبقى لك شيء. فقال عثمان: إن لي ذنوبا، وخطايا، وإني أطلب بما أصنع رضا الله تعالى، وأرجو عفوه! فقال له عبد الله: أعطني ناقتك برحلها، وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها. فأعطاه، وأشهد عليه، وأمسك عن بعض ما كان يصنع من الصدقة، فأنزل الله تعالى الايتين، فعاد عثمان إلى أحسن ذلك، وأجمله. فهذه الرواية باد عليها الضعف. هذا؛ ومعنى (أرأيت) أخبرني، ومعنى ﴿تَوَلّى:﴾ أعرض عن الإيمان بعد أن شارفه، وقاربه، ومعنى (أكدى): قطع، ومنع، وأصله من الكدية، يقال لمن حفر بئرا، ثم بلغ إلى حجر، لا يتهيأ له فيه حفر: قد أكدى، ثم استعملته العرب لمن أعطى، ولم يتمم، ولمن طلب شيئا، ولم يبلغ آخره، قال الحطيئة: [الطويل] فأعطى قليلا ثمّ أكدى عطاءه... ومن يبذل المعروف في الناس يحمد قال الكسائي، وغيره: أكدى الحافر، وأجبل: إذا بلغ في حفره كدية، أو جبلا، فلا يمكنه أن يحفر. قال الزمخشري: ثم استعير، فقيل: أجبل الشاعر: إذا أفحم. ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾ أي: أعند هذا المكدي علم ما غاب عنه من أمر العذاب؟! ﴿فَهُوَ يَرى﴾ أي: يعلم ما غاب عنه من أمر الاخرة، وما يكون من أمره؛ حتى يضمن حمل العذاب عن غيره. وفي الكلام استعارة تصريحية؛ لأنه استعير الإعراض، والإدبار لعدم الدخول في الإيمان، وهو في الأصل يكون في الأجسام. وأيضا يوجد استعارة بقوله: (أكدى). الإعراب: ﴿أَفَرَأَيْتَ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام إنكاري. (الفاء): حرف استئناف. وقيل: عاطفة على محذوف. (رأيت): فعل، وفاعل. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول. ﴿تَوَلّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الذي، وهو العائد، والمتعلق محذوف، التقدير: تولى عن الإيمان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَأَعْطى:﴾ الواو: حرف عطف. (أعطى): ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾. ﴿قَلِيلاً:﴾ مفعول به، وقيل: صفة مفعول مطلق

стр. 6233

محذوف، وعليه فقد حذف المفعولان، وعلى الأول حذف المفعول الأول فقط. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَأَكْدى﴾ معطوفة أيضا على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَعِنْدَهُ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام توبيخي إنكاري. (عنده): ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عِلْمُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به ثان ل: (رأيت)، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، و ﴿عِلْمُ﴾ مضاف، و ﴿الْغَيْبِ﴾ مضاف إليه. ﴿فَهُوَ:﴾ (الفاء): حرف عطف. (هو): مبتدأ. ﴿يَرى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل يعود إلى ما قبله، والمفعول به محذوف، التقدير: يرى أن غيره يتحمل عنه عذاب الاخرة. والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (هو...) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها، قال أبو البقاء: (فهو يرى) جملة اسمية واقعة موقع الفعلية، والأصل: «أعنده علم الغيب فيرى» ولو جاء على ذلك لكان نصبا في جواب الاستفهام. قال الجمل: ولا ضرورة إلى دعوى وضع هذه الجملة موضع الفعلية، بل هي معطوفة على قوله: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾ فهي داخلة في خبر الاستفهام، وتكون استفهامية خرجت مخرج الإنكار. قاله السفاقسي. انتهى. ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى (٣٧) أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (٤١)﴾ الشرح: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ:﴾ يخبر. ﴿بِما فِي صُحُفِ مُوسى﴾ أي: أسفار التوراة. ﴿وَإِبْراهِيمَ﴾ أي: ويخبر بما في صحف إبراهيم بدليل قوله تعالى في سورة (الأعلى): ﴿صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى﴾. ﴿الَّذِي وَفّى﴾ أي: كمل، وتمم ما أمر به. وقيل: عمل بما أمر به، وبلغ رسالات ربه إلى خلقه، ويشهد له قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً﴾ رقم [١٢٤] انظر شرحها هناك، فإنه جيد يسرك، ويثلج صدرك. فقام بجميع الأوامر، وترك جميع النواهي، وبلغ الرسالة على التمام والكمال، فاستحق بهذا أن يكون إماما، يقتدى به، قال تعالى في سورة (النحل) رقم [١٢٣]: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. روى ابن أبي حاتم عن أبي أمامة-﵁-قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الاية ﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ قال: أتدري ما وفّى؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «وفّى عمل يومه بأربع ركعات من أول النهار». وعن سهل بن سعد الساعدي عن أبيه-﵄-عن رسول الله ﷺ : أنه قال: «ألا أخبركم لم سمّى الله تعالى إبراهيم خليله الذي وفّى؟» إنه كان يقول كلما أصبح وأمسى: ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ حتى ختم الاية من سورة (الروم) رقم [١٧].

стр. 6234

﴿أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أي: كل نفس ظلمت نفسها بكفر، أو شيء من الذنوب، فإنما عليها وزرها، لا يحمله عنها أحد، كما قال تعالى في سورة (فاطر) رقم [١٨]: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ والمعنى: لا تؤخذ نفس بإثم غيرها. وفي هذا إبطال قول من ضمن للوليد بن المغيرة: أنه يحمل عنه الإثم، وانظر شرح الاية في سورة (فاطر). وقال ابن عباس-﵄: كانوا قبل إبراهيم يأخذون الرجل بذنب غيره، ويأخذون الولي بالولي في القتل، والجراحة، فيقتل الرجل بأبيه، وابنه وأخيه، وعمه وخاله، وابن عمه، وقريبه، وزوجته، وزوجها وعبده، حتى كان إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-فنهاهم عن ذلك، وبلغهم عن الله تعالى: ﴿أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾. ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ أي: إلا ما عمل، وهذا في صحف إبراهيم، وموسى أيضا. قال ابن عباس-﵄: هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة بقوله تعالى في سورة (الطور) رقم [٢١]: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الاباء. وقيل: كان ذلك لقوم إبراهيم وموسى، فأما هذه الأمة؛ فلها ما سعوا، وما سعى لهم غيرهم، لما روي عن ابن عباس-﵄-أن امرأة رفعت صبيّا لها، فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: «نعم، ولك أجرا». أخرجه مسلم. وعنه: أن رجلا قال لرسول الله ﷺ : إن أمي توفّيت؛ أينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم». وعن عائشة-﵂ قالت: إن رجلا قال لرسول الله ﷺ : إن أمي افتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم». أخرجاه في الصحيحين. وفي حديث ابن عباس-﵄-دليل لمذهب الشافعي، ومالك، وأحمد، وجماهير العلماء: أن حج الصبي منعقد صحيح يثاب عليه، وإن كان لا يجزيه عن حجة الإسلام، بل يقع تطوعا. وقال أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-: لا يصح حجه، وإنما يكون ذلك تمرينا للعبادة. وفي الحديثين الاخرين دليل على أن الصدقة عن الميت، تنفع الميت ويصله ثوابها، وهو إجماع العلماء، وكذلك أجمعوا على وصول الدعاء، وقضاء الدين للنصوص الواردة في ذلك، ويصح الحج عن الميت حجة الإسلام، وكذا لو أوصى بحج تطوع على الأصح عند الشافعي. واختلف العلماء في الصوم إذا مات، وعليه صوم، فالراجح جوازه عنه للأحاديث الصحيحة فيه، والمشهور من مذهب الشافعي: أن قراءة القرآن لا يصله ثوابها. وقال جماعة من أصحابه: يصله ثوابها، وبه قال الإمام أحمد، وأرجو من الله أن يصله ثوابها، وأما الصلوات وسائر التطوعات؛ فلا يصله عند الشافعي، والجمهور. وقال أحمد: يصله ثواب الجميع. والله أعلم. انتهى. خازن.

стр. 6235

هذا؛ وقال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-: قال الشيخ تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية: من اعتقد: أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله؛ فقد خرق الإجماع، وذلك من وجوه كثيرة، وسردها الجمل واحدا وعشرين وجها، ثم قال في آخرها: ومن تأمل العلم وجد من انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى، فكيف يجوز أن نتأول الاية الكريمة على خلاف صريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة؟!. ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى:﴾ أن يريه الله تعالى جزاءه يوم القيامة، قال تعالى في سورة (التوبة) رقم [١٠٥]: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: فيجزيكم عليه أتم الجزاء، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وهكذا قال هاهنا: ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى﴾. قال الأخفش: يقال: جزيته سعيه، وجزيته بسعيه، لا فرق بينهما، قال الشاعر-وقد جمع بين اللغتين-: [الكامل] إن أجز علقمة بن سعد سعيه... لم أجزه ببلاء يوم واحد هذا فإن قيل: كيف يرى العمل؟ أجيب بأنه يرى على صورة جميلة إن كان صالحا، فيريه الله أعماله الصالحة؛ ليفرح بها، ويريه الله أعماله الخبيثة قبيحة سوداء، فيزداد هما، وغما، وبلاء. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف بمعنى: «بل» والهمزة. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُنَبَّأْ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ ونائب فاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «هو». ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما وهما في محل نصب مفعول ثان له. ﴿فِي صُحُفِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، و ﴿صُحُفِ﴾ مضاف، و ﴿مُوسى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِبْراهِيمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (إبراهيم): معطوف على ﴿مُوسى﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة (إبراهيم)، أو هو بدل منه، أو عطف بيان عليه، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره أعني، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي. ﴿وَفّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَلاّ:﴾ (أن): مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. (لا): نافية. ﴿تَزِرُ:﴾ فعل مضارع. ﴿وازِرَةٌ:﴾ فاعله، ﴿وِزْرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿أُخْرى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أن)، و (أن) المخففة، واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بدلا من (ما)، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني أن لا تزر... إلخ، والجملة على الاعتبارين مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من (ما).
следующие страницы →