Полный текст (7 463 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.
стр. 6231
﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿واسِعُ:﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ وهو مضاف، و ﴿الْمَغْفِرَةِ﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعله، التقدير: واسعة مغفرته، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ تعليل لاستثناء اللمم، لا محل لها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿بِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ وهو بمعنى: عالم، ففاعله مستتر فيه، تقديره:
«هو». ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿أَعْلَمُ﴾ أيضا. ﴿أَنْشَأَكُمْ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكَ،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿مِنَ الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من كاف الخطاب، التقدير: مخرجين من الأرض. ﴿وَإِذْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (إذ):
معطوفة على ما قبلها، والجملة الاسمية: ﴿أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ﴾ في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿فِي بُطُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿أَجِنَّةٌ،﴾ و ﴿بُطُونِ﴾ مضاف، و ﴿أُمَّهاتِكُمْ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة.
﴿فَلا:﴾ (الفاء): هي الفصيحة كما رأيت في الاية رقم [٢٩]. (لا): ناهية، ﴿تُزَكُّوا:﴾
مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء.
﴿أَنْفُسَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿هُوَ أَعْلَمُ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية تعليل للنهي، لا محل لها. ﴿بِمَنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ وفاعله مستتر فيه. ﴿اِتَّقى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (من)، وهو العائد، والمفعول محذوف للفاصلة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، التقدير:
بالذي اتقاه.
﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلّى (٣٣) وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٣٥)﴾
الشرح: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلّى:﴾ قال مجاهد، وابن زيد، ومقاتل: نزلت الاية في الوليد بن المغيرة، وكان قد اتبع رسول الله ﷺ على دينه، فعيره بعض المشركين، وقال: لم تركت دين الأشياخ، وضللتهم، وزعمت: أنهم في النار؟ قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له إن هو أعطاه شيئا من ماله، ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله، فأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له، ثم بخل، ومنعه، فأنزل الله هذه الاية. وهذه الرواية ذكرها السيوطي من غير
стр. 6232
تعيين للذي أسلم، وقال مقاتل: كان الوليد قد مدح القرآن، ثم أمسك عنه، فأنزل الله: ﴿وَأَعْطى قَلِيلاً﴾ أي: من الخير بلسانه ﴿وَأَكْدى﴾ أي: قطع ذلك، وأمسك عنه. وهذا الذي أعتمده، كما ستقف عليه في سورة (المدثر) إن شاء الله تعالى فإنه سمع القرآن من النبي ﷺ ، ثم أتى مجلس قومه من بني مخزوم، فقال: والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما، ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو وما يعلى عليه. هذا؛ وذكر السيوطي روايتين في أسباب النزول لا أعتمدهما. وذكر الزمخشري، والقرطبي: أنها نزلت في عثمان بن عفان-﵁-كان يتصدق، وينفق في الخير، فقال له أخوه من الرضاعة عبد الله بن أبي سرح: ما هذا الذي تصنع؟ يوشك ألا يبقى لك شيء. فقال عثمان: إن لي ذنوبا، وخطايا، وإني أطلب بما أصنع رضا الله تعالى، وأرجو عفوه! فقال له عبد الله: أعطني ناقتك برحلها، وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها. فأعطاه، وأشهد عليه، وأمسك عن بعض ما كان يصنع من الصدقة، فأنزل الله تعالى الايتين، فعاد عثمان إلى أحسن ذلك، وأجمله. فهذه الرواية باد عليها الضعف.
هذا؛ ومعنى (أرأيت) أخبرني، ومعنى ﴿تَوَلّى:﴾ أعرض عن الإيمان بعد أن شارفه، وقاربه، ومعنى (أكدى): قطع، ومنع، وأصله من الكدية، يقال لمن حفر بئرا، ثم بلغ إلى حجر، لا يتهيأ له فيه حفر: قد أكدى، ثم استعملته العرب لمن أعطى، ولم يتمم، ولمن طلب شيئا، ولم يبلغ آخره، قال الحطيئة: [الطويل] فأعطى قليلا ثمّ أكدى عطاءه... ومن يبذل المعروف في الناس يحمد
قال الكسائي، وغيره: أكدى الحافر، وأجبل: إذا بلغ في حفره كدية، أو جبلا، فلا يمكنه أن يحفر. قال الزمخشري: ثم استعير، فقيل: أجبل الشاعر: إذا أفحم. ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾ أي: أعند هذا المكدي علم ما غاب عنه من أمر العذاب؟! ﴿فَهُوَ يَرى﴾ أي: يعلم ما غاب عنه من أمر الاخرة، وما يكون من أمره؛ حتى يضمن حمل العذاب عن غيره. وفي الكلام استعارة تصريحية؛ لأنه استعير الإعراض، والإدبار لعدم الدخول في الإيمان، وهو في الأصل يكون في الأجسام. وأيضا يوجد استعارة بقوله: (أكدى).
الإعراب: ﴿أَفَرَأَيْتَ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام إنكاري. (الفاء): حرف استئناف. وقيل:
عاطفة على محذوف. (رأيت): فعل، وفاعل. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول. ﴿تَوَلّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الذي، وهو العائد، والمتعلق محذوف، التقدير: تولى عن الإيمان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَأَعْطى:﴾ الواو: حرف عطف.
(أعطى): ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾. ﴿قَلِيلاً:﴾ مفعول به، وقيل: صفة مفعول مطلق
стр. 6233
محذوف، وعليه فقد حذف المفعولان، وعلى الأول حذف المفعول الأول فقط. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَأَكْدى﴾ معطوفة أيضا على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَعِنْدَهُ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام توبيخي إنكاري. (عنده): ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عِلْمُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به ثان ل: (رأيت)، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، و ﴿عِلْمُ﴾ مضاف، و ﴿الْغَيْبِ﴾ مضاف إليه. ﴿فَهُوَ:﴾ (الفاء): حرف عطف. (هو): مبتدأ.
﴿يَرى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل يعود إلى ما قبله، والمفعول به محذوف، التقدير: يرى أن غيره يتحمل عنه عذاب الاخرة. والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (هو...) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها، قال أبو البقاء: (فهو يرى) جملة اسمية واقعة موقع الفعلية، والأصل: «أعنده علم الغيب فيرى» ولو جاء على ذلك لكان نصبا في جواب الاستفهام. قال الجمل: ولا ضرورة إلى دعوى وضع هذه الجملة موضع الفعلية، بل هي معطوفة على قوله: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾ فهي داخلة في خبر الاستفهام، وتكون استفهامية خرجت مخرج الإنكار. قاله السفاقسي. انتهى.
﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى (٣٧) أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (٤١)﴾
الشرح: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ:﴾ يخبر. ﴿بِما فِي صُحُفِ مُوسى﴾ أي: أسفار التوراة. ﴿وَإِبْراهِيمَ﴾ أي:
ويخبر بما في صحف إبراهيم بدليل قوله تعالى في سورة (الأعلى): ﴿صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى﴾. ﴿الَّذِي وَفّى﴾ أي: كمل، وتمم ما أمر به. وقيل: عمل بما أمر به، وبلغ رسالات ربه إلى خلقه، ويشهد له قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً﴾ رقم [١٢٤] انظر شرحها هناك، فإنه جيد يسرك، ويثلج صدرك. فقام بجميع الأوامر، وترك جميع النواهي، وبلغ الرسالة على التمام والكمال، فاستحق بهذا أن يكون إماما، يقتدى به، قال تعالى في سورة (النحل) رقم [١٢٣]: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
روى ابن أبي حاتم عن أبي أمامة-﵁-قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الاية ﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ قال: أتدري ما وفّى؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «وفّى عمل يومه بأربع ركعات من أول النهار». وعن سهل بن سعد الساعدي عن أبيه-﵄-عن رسول الله ﷺ : أنه قال:
«ألا أخبركم لم سمّى الله تعالى إبراهيم خليله الذي وفّى؟» إنه كان يقول كلما أصبح وأمسى:
﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ حتى ختم الاية من سورة (الروم) رقم [١٧].
стр. 6234
﴿أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أي: كل نفس ظلمت نفسها بكفر، أو شيء من الذنوب، فإنما عليها وزرها، لا يحمله عنها أحد، كما قال تعالى في سورة (فاطر) رقم [١٨]: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ والمعنى: لا تؤخذ نفس بإثم غيرها. وفي هذا إبطال قول من ضمن للوليد بن المغيرة: أنه يحمل عنه الإثم، وانظر شرح الاية في سورة (فاطر).
وقال ابن عباس-﵄: كانوا قبل إبراهيم يأخذون الرجل بذنب غيره، ويأخذون الولي بالولي في القتل، والجراحة، فيقتل الرجل بأبيه، وابنه وأخيه، وعمه وخاله، وابن عمه، وقريبه، وزوجته، وزوجها وعبده، حتى كان إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-فنهاهم عن ذلك، وبلغهم عن الله تعالى: ﴿أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾.
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ أي: إلا ما عمل، وهذا في صحف إبراهيم، وموسى أيضا.
قال ابن عباس-﵄: هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة بقوله تعالى في سورة (الطور) رقم [٢١]: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الاباء. وقيل: كان ذلك لقوم إبراهيم وموسى، فأما هذه الأمة؛ فلها ما سعوا، وما سعى لهم غيرهم، لما روي عن ابن عباس-﵄-أن امرأة رفعت صبيّا لها، فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: «نعم، ولك أجرا». أخرجه مسلم. وعنه: أن رجلا قال لرسول الله ﷺ : إن أمي توفّيت؛ أينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم». وعن عائشة-﵂ قالت: إن رجلا قال لرسول الله ﷺ : إن أمي افتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم». أخرجاه في الصحيحين.
وفي حديث ابن عباس-﵄-دليل لمذهب الشافعي، ومالك، وأحمد، وجماهير العلماء: أن حج الصبي منعقد صحيح يثاب عليه، وإن كان لا يجزيه عن حجة الإسلام، بل يقع تطوعا. وقال أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-: لا يصح حجه، وإنما يكون ذلك تمرينا للعبادة. وفي الحديثين الاخرين دليل على أن الصدقة عن الميت، تنفع الميت ويصله ثوابها، وهو إجماع العلماء، وكذلك أجمعوا على وصول الدعاء، وقضاء الدين للنصوص الواردة في ذلك، ويصح الحج عن الميت حجة الإسلام، وكذا لو أوصى بحج تطوع على الأصح عند الشافعي.
واختلف العلماء في الصوم إذا مات، وعليه صوم، فالراجح جوازه عنه للأحاديث الصحيحة فيه، والمشهور من مذهب الشافعي: أن قراءة القرآن لا يصله ثوابها. وقال جماعة من أصحابه:
يصله ثوابها، وبه قال الإمام أحمد، وأرجو من الله أن يصله ثوابها، وأما الصلوات وسائر التطوعات؛ فلا يصله عند الشافعي، والجمهور. وقال أحمد: يصله ثواب الجميع. والله أعلم.
انتهى. خازن.
стр. 6235
هذا؛ وقال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-: قال الشيخ تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية: من اعتقد: أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله؛ فقد خرق الإجماع، وذلك من وجوه كثيرة، وسردها الجمل واحدا وعشرين وجها، ثم قال في آخرها: ومن تأمل العلم وجد من انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى، فكيف يجوز أن نتأول الاية الكريمة على خلاف صريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة؟!.
﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى:﴾ أن يريه الله تعالى جزاءه يوم القيامة، قال تعالى في سورة (التوبة) رقم [١٠٥]: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: فيجزيكم عليه أتم الجزاء، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وهكذا قال هاهنا: ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى﴾. قال الأخفش: يقال:
جزيته سعيه، وجزيته بسعيه، لا فرق بينهما، قال الشاعر-وقد جمع بين اللغتين-: [الكامل] إن أجز علقمة بن سعد سعيه... لم أجزه ببلاء يوم واحد
هذا فإن قيل: كيف يرى العمل؟ أجيب بأنه يرى على صورة جميلة إن كان صالحا، فيريه الله أعماله الصالحة؛ ليفرح بها، ويريه الله أعماله الخبيثة قبيحة سوداء، فيزداد هما، وغما، وبلاء. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف بمعنى: «بل» والهمزة. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم.
﴿يُنَبَّأْ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ ونائب فاعله مستتر فيه وجوبا تقديره:
«هو». ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما وهما في محل نصب مفعول ثان له. ﴿فِي صُحُفِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، و ﴿صُحُفِ﴾ مضاف، و ﴿مُوسى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَإِبْراهِيمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (إبراهيم): معطوف على ﴿مُوسى﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة (إبراهيم)، أو هو بدل منه، أو عطف بيان عليه، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره أعني، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي. ﴿وَفّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَلاّ:﴾ (أن): مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. (لا): نافية. ﴿تَزِرُ:﴾ فعل مضارع.
﴿وازِرَةٌ:﴾ فاعله، ﴿وِزْرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿أُخْرى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أن)، و (أن) المخففة، واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بدلا من (ما)، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني أن لا تزر... إلخ، والجملة على الاعتبارين مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من (ما).
стр. 6236
﴿وَأَنْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (أن): مخففة من الثقيلة أيضا، واسمها ضمير الشأن محذوف أيضا. ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لِلْإِنْسانِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿سَعى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الإنسان، و ﴿ما﴾ والفعل ﴿سَعى﴾ في تأويل مصدر في محل رفع اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿ما﴾ موصولا؛ فهي الاسم، والجملة الفعلية صلتها، والعائد محذوف، التقدير: إلا الذي سعاه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أن)، والمصدر المؤول من (أن) المخففة، واسمها، وخبرها معطوف على سابقه على جميع الوجوه المعتبرة فيه. ﴿وَأَنْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (أنّ):
حرف مشبه بالفعل. ﴿سَعْيَهُ:﴾ اسمها، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿سَوْفَ:﴾ حرف تسويف، واستقبال. ﴿يُرى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل تقديره: «هو» يعود إلى ﴿سَعْيَهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر معطوف على المصدر المؤول السابق.
هذا؛ وقرئ بكسر الهمزة على الاستئناف. وكذا ما بعدها، فلا يكون مضمون الجمل في الصحف على الثاني. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يُجْزاهُ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، ونائب الفاعل يعود ل: (الإنسان) أيضا، وهو المفعول الأول، والهاء مفعوله الثاني. ﴿الْجَزاءَ:﴾
قال أبو البقاء: هو مفعول: ﴿يُجْزاهُ،﴾ وليس بمصدر؛ لأنه وصف ب: ﴿الْأَوْفى﴾ وذلك من صفة المجزي به، لا من صفة الفعل. قال السفاقسي: لا يمنع ذلك من بقائه مصدرا؛ لأن الفعل قد يوصف بذلك مبالغة. هذا؛ وقال الزمخشري: ﴿الْجَزاءَ﴾ مفسر للضمير العائد على مصدر الفعل (يجزى)، أو هو بدل منه كقوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. وهذا الذي أرتضيه، وأعتمده، والله الموفق والمعين، وبه أستعين.
﴿وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى (٤٦)﴾
الشرح: ﴿وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى﴾ أي: المرجع، والمرد، والمصير، فيعاقب، ويثيب. وقيل:
منه ابتداء المنة، وإليه انتهاء الأمان. وعن أبي بن كعب-﵁-قال: قال النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى﴾ قال: «لا فكرة في الرّبّ». وعن أنس-﵁-قال:
قال النبي ﷺ : «وإذا ذكر الله فانته». ومثله ما روي عن أبي هريرة-﵁-مرفوعا:
«تفكّروا في الخلق، ولا تفكّروا في الخالق، فإنه لا تحيط به الفكرة». ومعناه: لا فكرة في
стр. 6237
الرب؛ أي: انتهى الأمر إليه؛ لأنك إذا نظرت إلى سائر الموجودات الممكنة؛ علمت: أنه لا بد لها من موجد، وإذا علمت: أن موجدها هو الله تعالى، فقد انتهى الأمر إليه، ومن هذا المعنى قول النبي ﷺ : «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربّك؟! فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله، ولينته» أخرجه مسلم عن أبي هريرة-﵁ ولقد أحسن من قال: [الطويل] ولا تفكرن في ذي العلا عزّ وجهه... فإنّك تردى إن فعلت وتخذل
ودونك مصنوعاته فاعتبر بها... وقل مثل ما قال الخليل المبجّل
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى﴾ أي: إن الله هو القادر على إيجاد الضدين في محل واحد:
الضحك والبكاء، ففيه دليل على أن جميع ما يعمله الإنسان، فبقضاء الله وقدره وخلقه حتى الضحك والبكاء، قيل: أضحك أهل الجنة في الجنة، وأبكى أهل النار في النار. وقيل:
أضحك الأرض بالنبات، وأبكى السماء بالمطر. وقيل: أفرح وأحزن؛ لأن الفرح يجلب الضحك، والحزن يجلب البكاء. فعن جابر بن سمرة-﵁-قال: جالست النبي ﷺ أكثر من مئة مرة، وكان أصحابه يتناشدون الشعر، ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية، وهو ساكت، وربما تبسم معهم إذا ضحكوا، أخرجه الترمذي. وسئل ابن عمر-﵄، هل كان أصحاب رسول الله ﷺ يضحكون، قال: نعم، والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبل.
وقال ذو النون: أضحك قلوب المؤمنين، والعارفين بشمس معرفته، وأبكى قلوب الكافرين، والعاصين بظلمة مخالفته، ومعصيته. وقال بسام بن عبد الله: أضحك أسنانهم، وأبكى قلوبهم، وأنشد: [البسيط] السّنّ تضحك والأحشاء تحترق... وإنما ضحكها زور ومختلق
يا ربّ باك بعين لا دموع لها... وربّ ضاحك سنّ ما به رمق
وقيل: إن الله تعالى خص الإنسان بالضحك، والبكاء من بين سائر الحيوان. وقد قيل:
القرد وحده يضحك، ولا يبكي، وإن الإبل وحدها تبكي، ولا تضحك. وقال يوسف بن الحسين: سئل طاهر المقدسي أتضحك الملائكة؟ فقال: ما ضحكوا، ولا كل من دون العرش منذ خلقت جهنم.
هذا؛ والبكا بالقصر إسالة الدمع من غير رفع صوت، وبالمد (البكاء) إسالة الدمع مع رفعه.
قال الخليل-رحمه الله تعالى-: من قصر البكاء ذهب به إلى معنى الحزن، ومن مده ذهب به إلى معنى الصوت، قال كعب بن مالك الأنصاري-﵁: [الوافر] بكت عيني وحقّ لها بكاها... وما يغني البكاء ولا العويل
стр. 6238
هذا؛ وكما يكون البكاء من الحزن، يكون كذلك من الفرح، فقد بكى الصديق-﵁ حينما سأل الرسول ﷺ الصحبة، والرفقة في الهجرة. فقال له ﷺ : «نعم». قالت عائشة-﵂: وما كنت أحسب أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر، ورحم الله من قال: [الكامل] ورد الكتاب من الحبيب بأنّه... سيزورني فاستعبرت أجفاني
غلب السرور عليّ حتى إنني... من فرط ما قد سرني أبكاني
يا عين صار الدمع عندك عادة... تبكين من فرح ومن أحزان
وكذلك لما قال الرسول ﷺ لأبي بن كعب-﵁: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ..﴾. إلخ». بكى من الفرح. وقال: وسماني؟! قال:
«نعم». وفي سفر السعادة قال العلماء: البكاء على عشرة أنواع: بكاء فرح، وبكاء حزن لما فات، وبكاء رحمة، وبكاء خوف لما يحصل، وبكاء كذب، كبكاء النائحة، فإنها تبكي بشجو غيرها، وبكاء موافقة بأن يرى جماعة يبكون، فيبكي مع عدم علمه بالسبب، وبكاء المحبة، والشوق، وبكاء الجزع من حصول ألم لا يحتمله، وبكاء الخور والضعف، وبكاء النفاق، وهو أن تدمع العين؛ والقلب قاس.
وأما التباكي، فهو: تكلف البكاء، وهو نوعان: محمود، ومذموم، فالأول: ما يكون لاستجلاب رقة القلب، وهو المراد بقول سيدنا عمر-﵁-لما رأى المصطفى ﷺ وأبا بكر-﵁-يبكيان في شأن أسارى بدر: أخبرني ما يبكيك يا رسول الله، فإن وجدت بكاء بكيت، وإلا تباكيت؟ ومن ثم لم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك. والثاني: ما يكون لأجل الرياء، والسمعة. انتهى. السيرة الحلبية.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ ولم يقل: وأنه هو خلق الزوجين؟ كما قال: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ،﴾ ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا﴾ فالجواب: أن الضحك، والبكاء ربما يتوهم أنهما بفعل الإنسان، وكذا الإماتة، والإحياء، وإن كان ذلك التوهم فيهما أبعد، لكن ربما يقول به جاهل، كما قال من حاج إبراهيم: (أنا أحيي وأميت) فأكد ذلك بالفصل، وأما خلق الذكر والأنثى من النطفة؛ فلا يتوهم أحد: أنه بفعل أحد من الناس، فلم يؤكد بالفصل. انتهى. جمل نقلا من كرخي.
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا﴾ أي: قضى أسباب الموت، والحياة. وقيل: خلق الموت، والحياة، كما قال تعالى في سورة (الملك): ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ﴾. وقيل: أمات الكافر بالكفر، وأحيا المؤمن بالإيمان، قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٢٢]: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا..﴾.
إلخ، وقال تعالى في سورة (الأنعام) أيضا رقم [٣٦]: ﴿إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ﴾
стр. 6239
﴿اللهُ﴾. وقيل: أمات في الدنيا، وأحيا للبعث. وقيل: أمات الاباء، وأحيا الأبناء. وهذان ضعيفان. ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ أي: من كل حيوان، وهو أيضا من جملة المتضادات التي تتوارد على النطفة، فيخلق بعضها ذكرا، وبعضها أنثى. وهذا شيء لا يصل إليه فهم العقلاء، ولا يعلمونه، وإنما هو بقدرة الله تعالى، وخلقه لا بفعل الطبيعة. وانظر ما ذكرته في سورة (الذاريات) رقم [٤٩]. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى﴾ أي: تصب في الرحم، وتراق. يقال: منى الرجل، وأمنى، من المني، وسميت منى-موضع بمكة-بهذا الاسم لما يمنى فيها من الدماء؛ أي: يراق. وقيل: تقدّر، قاله أبو عبيدة. يقال: منيت الشيء: إذا قدرته، ومني له؛ أي: قدر له. قال أبو قلابة الهذلي: [البسيط] ولا تقولن لشيء سوف أفعله... حتّى تلاقي ما يمني لك الماني
أي: ما يقدر لك القادر. وفي هذا تنبيه على كمال قدرته جل شأنه؛ لأن النطفة شيء واحد، خلق الله منها أعضاء مختلفة، وطباعا متباينة، وخلق منها الذكر، والأنثى. وهذا من عجيب صنعته، وكمال قدرته. هذا؛ ولا تنس الطباق، بل المقابلة بين: أضحك، وأبكى، وبين: أمات، وأحيا، وبين الذكر، والأنثى. وخذ قوله تعالى في سورة (القيامة): ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى﴾.
الإعراب: ﴿وَأَنَّ:﴾ (الواو): حرف عطف. (أنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿إِلى رَبِّكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (أنّ) تقدم على اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْمُنْتَهى:﴾ اسم (أنّ) مؤخر منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر معطوف على سابقه على الوجهين المعتبرين فيه. ﴿وَأَنَّهُ:﴾ (الواو): حرف عطف. (أنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَضْحَكَ:﴾
فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (أن)، والمصدر المؤول معطوف على سابقه. ﴿وَأَبْكى:﴾ الواو:
حرف عطف. (أبكى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير فصلا لا محل له، أو اعتبرته توكيدا لاسم (أنّ) على المحل؛ فالجملة: ﴿أَضْحَكَ وَأَبْكى﴾ في محل رفع خبر (أنّ)، و ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه، وتأويله. ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ﴾ معطوف أيضا على ما قبله. ﴿الزَّوْجَيْنِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿الذَّكَرَ:﴾ بدل من ﴿الزَّوْجَيْنِ﴾ منصوب مثله. ﴿وَالْأُنْثى:﴾ الواو: حرف عطف. (الأنثى): معطوف عليه منصوب مثله، وعلامة نصبه
стр. 6240
فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿خَلَقَ﴾. ﴿إِذا:﴾ ظرف متعلق بالفعل ﴿خَلَقَ﴾ أيضا مبني على السكون في محل نصب. ﴿تُمْنى:﴾ مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿نُطْفَةٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها.
﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى (٥٠) وَثَمُودَ فَما أَبْقى (٥١)﴾
الشرح: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى﴾ أي: إعادة الأرواح في الأشباح للبعث، والحشر، والحساب. هذا؛ وقال الزمخشري: وقال: ﴿عَلَيْهِ﴾ لأنها واجبة عليه في الحكمة؛ ليجازي على الإحسان، والإساءة. قال أحمد محشي الكشاف: هذا من فساد اعتقاد المعتزلة، الذين يسمونه مراعاة للصلاح، والحكمة. وأي فساد أعظم مما يؤدي إلى اعتقاد الإيجاب على رب الأرباب، تعالى الله عن ذلك. ومثل هذه القاعدة-التي عفت البراهين القاطعة رسمها، وأبطلت حكمها- لا يكفي فيها كلمة محتملة هي لو كانت ظاهرة؛ لوجب تنزيلها على ما يوفق بينها، وبين القواطع. والذي حملت عليه لفظة: ﴿عَلَيْهِ﴾ غير هذا المعنى، وهو: أنّ المراد أن أمر النشأة الأخرى يدور على قدرته وإرادته، كما يقال: دارت قضية فلان على يدي، وقول المحدثين: على يدي دار الحديث؛ أي: هو الأصل فيه، والسند. والله أعلم. انتهى. هذا؛ وقال البيضاوي: المراد: الإحياء بعد الموت وفاء بوعده.
هذا؛ وقال أحمد محشي الكشاف: ﴿الْأُخْرى﴾ تأنيث الاخر، ولا شك: أنه في الأصل مشتق من التأخير الوجودي، إلا أن العرب عدلت به عن الاستعمال في التأخير الوجودي إلى الاستعمال حيث يتقدم ذكر مغاير لا غير؛ حتى سلبته دلالته على المعنى الأصلي بخلاف: آخر.
وآخرة على وزن: فاعل، وفاعلة، فإن إشعارهما بالتأخير الوجودي ثابت، لم يغير، ومن ثم عدلوا عن أن يقولوا: ربيع الاخر على وزن الأفعل، وجمادى الأخرى، إلى ربيع الاخر على وزن فاعل، وجمادى الاخرة على وزن فاعلة؛ لأنهم أرادوا أن يفهموا التأخير الوجودي؛ لأن الأفعل، والفعلى من هذا الاشتقاق مسلوب الدلالة على غرضهم، فعدلوا عنهما إلى الاخر، والاخرة، والتزموا ذلك فيهما، وهذا البحث مما كان الشيخ أبو عمرو بن الحاجب-رحمه الله تعالى-قد حرره آخر مدته، وهو الحق إن شاء الله تعالى، وحينئذ يكون المراد الإشعار بتقدم مغاير في الذكر مع ما نعتقده في الوفاء بفاصلة رأس الاية. والله أعلم. انظره في حاشية الكشاف عند الاية رقم [٢٠] من هذه السورة.
هذا؛ وفي القاموس المحيط: والاخر خلاف الأول، والمؤنثة آخرة، وبفتح الخاء بمعنى غير، والجمع بالواو والنون، وأخر، والأنثى: أخرى، وأخراة، والجمع أخريات وأخر. وفي المختار ما يشبهه وانظر سورة (الصافات) رقم [٨٢] إن أردت الزيادة.
стр. 6241
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى﴾ أي: ملّك عباده المال، وجعله قنية لهم، مقيما عندهم، لا يحتاجون إلى بيعه، فهذا تمام النعمة عليهم. وقال ابن زيد: أغنى من شاء، وأفقر من شاء، ثم قرأ:
﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ وفي الكشاف: أقنى: أعطى القنية، وهي المال الذي تأثلته، وعزمت أن لا تخرجه من يدك. انتهى. وقال سفيان: أغنى بالقناعة، وأقنى بالرضا.
والفصل بالضمير للتأكيد على أن المعطي، والمانع هو الله سبحانه لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع.
﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى:﴾ وهي الكوكب المضيء الذي يطلع بعد الجوزاء، وطلوعه في شدة الحر، وهما الشعريان: العبور، والأخرى: الغميصاء سميت بذلك لأنها أخفى من العبور، والمجرة بينهما، وتزعم العرب: أنهما أختا سهيل، وإنما ذكر: أنه رب الشعرى، وإن كان ربا لغيره؛ لأن العرب كانت تعبده، فأعلمهم الله أن الشعرى مربوب، وليس برب.
واختلف فيمن كان يعبده، فقال السدي: كانت تعبده حمير، وخزاعة. وقال غيره: أول من عبده أبو كبشة أحد أجداد النبي ﷺ ، من قبل أمهاته، ولذلك كان مشركو قريش يسمون النبي ﷺ ابن أبي كبشة، وقد كان من لا يعبد الشعرى من العرب يعظمها، ويعتقد تأثيرها في العالم، قال الشاعر: [الوافر] مضى أيلول وارتفع الحرور... وأخبت نارها الشّعرى العبور
وهذا يفيد: أن العرب كانوا يعرفون تسمية الأشهر الميلادية، وهو غير موافق للحقيقة، وإنما كانوا لا يعرفون إلا الأشهر القمرية، والتسمية العربية المعروفة الان. ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى:﴾ وهم قوم هود، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، أهلكوا بريح صرصر، وكان لهم عقب، فكانوا عادا أخرى. وقيل: الأخرى إرم المذكورة في سورة (الفجر)، وقال ابن زيد: قيل لها عادا الأولى؛ لأنها أول أمة أهلكت بعد نوح ﵇. وقال ابن إسحاق: هما عادان: فالأولى أهلكت بالريح الصرصر، ثم كانت الأخرى، فأهلكت بالصيحة. ﴿وَثَمُودَ فَما أَبْقى:﴾ ثمود هم قوم صالح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، أهلكهم الله بالصيحة فما أبقى منهم أحدا، وقد تقدمت قصة قوم عاد، وقوم ثمود مبسوطة في كثير من السور، مثل (الأعراف) وسورة (هود) وسورة (الشعراء) وغير ذلك، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَأَنَّ:﴾ (الواو): حرف عطف. (أنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (أنّ)، تقدم على اسمها. ﴿النَّشْأَةَ:﴾ اسم (أنّ) مؤخر.
﴿الْأُخْرى:﴾ صفة ﴿النَّشْأَةَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف، والمصدر المؤول من (أنّ) واسمها، وخبرها معطوف على ما قبله. ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى﴾ إعراب هذه الاية مثل إعراب: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى﴾ بلا فارق بينهما. ﴿وَأَنَّهُ:﴾ (الواو): حرف عطف، (أنه):
стр. 6242
حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
﴿رَبُّ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿الشِّعْرى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (أنّ). هذا؛ وإن اعتبرت الضمير فصلا ف: ﴿رَبُّ﴾ هو خبر (أنّ) وعلى الاعتبارين فالمصدر المؤول من (أنّ) واسمها، وخبرها معطوف على ما قبله، وكذلك المصدر المؤول من (أنه أهلك عادا) معطوف أيضا على ما قبله. ﴿الْأُولى:﴾ صفة ﴿عاداً﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَثَمُودَ:﴾ الواو: حرف عطف.
(ثمود): معطوف على ﴿عاداً﴾. وقيل: مفعول به لفعل محذوف، التقدير: وأهلك ثمود.
﴿فَما:﴾ (الفاء): حرف عطف. (ما): نافية. ﴿أَبْقى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّكَ،﴾ والمفعول محذوف للفاصلة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَهْلَكَ عاداً﴾ فهي في محل رفع مثلها.
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣) فَغَشّاها ما غَشّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (٥٥)﴾
الشرح: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: وأهلك قوم نوح من قبل عاد، وثمود بالغرق. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى﴾ أي: أظلم وأفسد من قوم عاد، وثمود، وذلك لطول مدة نوح فيهم، حتى كان الرجل منهم يأخذ بيد ابنه، فينطلق به إلى نوح ﵇، فيقول: احذر هذا، فإنه كذاب، وإن أبي قد مشى بي إلى هذا، وقال لي مثل ما قلت لك؛ ليموت الكبير على الكفر، وينشأ الصغير على وصية أبيه. وقيل: إن الكناية ترجع إلى كل من ذكر من عاد، وثمود، وقوم نوح؛ أي:
كانوا أكفر من مشركي العرب، وأطغى، فيكون فيه تسلية، وتعزية للنبي ﷺ ، فكأنه يقول له:
فاصبر أنت؛ فالعاقبة الحميدة لك.
﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى﴾ يعني: مدائن قوم لوط-﵇-ائتفكت بهم؛ أي: انقلبت بهم، وصار عاليها سافلها، وذلك: أن جبريل ﵇، رفعها إلى السماء، ثم أهوى بها.
﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ أي: ألبسها ما ألبسها من الحجارة، قال تعالى في سورة (هود): ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ رقم [٨٢]، ومثلها في الاية رقم [٤] من سورة (الحجر). ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ أي: فبأي نعم ربك تشك أيها الإنسان المكذب؛ ونعم الله كثيرة لا تعد، ولا تحصى. وقيل: أراد بآلائه ما عدّد في هذه السورة، وغيرها من النعم، والنقم، وسماها الله نعما؛ وإن كانت نعما، ونقما؛ لأن النعمة ظاهرة، وأما النقمة ففيها من العبر، والمواعظ للمعتبرين، والانتقام من الكافرين للأنبياء، والمؤمنين، وانظر رقم [١٣] من سورة (الرحمن).
стр. 6243
الإعراب: ﴿وَقَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قوم) معطوف على ﴿عاداً﴾ و (ثمود) وهو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: وأهلك قوم، فيكون العطف عطف جملة فعلية على مثلها، و (قوم) مضاف، و ﴿نُوحٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل المقدر، والأولى على تأويل الجماعة لمراعاة الفواصل، وإلا فكان مقتضى الظاهر أن يقال: الأول. وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانُوا:﴾
فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ ضمير منفصل لا محل له من الإعراب، أو هو توكيد لواو الجماعة. ﴿أَظْلَمَ:﴾ خبر كان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ تعليل لإهلاكهم. (أطغى): معطوف على ﴿أَظْلَمَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف. ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ:﴾ الواو: حرف عطف. (المؤتفكة): مفعول به مقدم. ﴿أَهْوى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ربك، تقديره: «هو»، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَهْلَكَ عاداً..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها. ﴿فَغَشّاها:﴾ الفاء: حرف عطف. (غشاها): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. (وها): مفعول به أول. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، ﴿غَشّى:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ والمفعولان محذوفان، التقدير: الذي غشاها إياه. ﴿فَبِأَيِّ:﴾ (الفاء): هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا وواقعا؛ فبأي... إلخ. (بأي): جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، و (أي) مضاف، و ﴿آلاءِ:﴾ مضاف إليه، و ﴿آلاءِ:﴾ مضاف، و ﴿رَبِّكَ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.
﴿تَتَمارى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». تأمل، وتدبر. وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ (٥٨)﴾
الشرح: ﴿هذا نَذِيرٌ..﴾. إلخ: قال ابن جريج، ومحمد بن كعب: يريد: أن محمدا ﷺ نذير بالحق، الذي أنذر به الأنبياء قبله، فإن أطعتموه؛ أفلحتم، وإلا؛ حل بكم ما حل بمكذبي الرسل السالفة. هذا؛ وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ..﴾. إلخ رقم [٩] من سورة (الأحقاف)، وقال قتادة: يريد القرآن، وأنه نذير بما أنذرت به الكتب الأولى. هذا؛ و ﴿النُّذُرِ﴾ في قول العرب بمعنى: الإنذار كالنكر بمعنى الإنكار؛ أي: هذا إنذار لكم. وقيل: متعلقان بمحذوف
стр. 6244
حال، وهو ضعيف. ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ أي: قربت الساعة، ودنت القيامة، وسماها الله آزفة لقرب قيامها عنده، كما قال: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (٦) وَنَراهُ قَرِيباً﴾ وقيل: سماها: آزفة؛ لدنوها من الناس، وقربها منهم؛ ليستعدوا لها؛ لأن كل ما هو آت قريب. قال النابغة الذبياني: [الكامل] أزف التّرحّل غير أنّ ركابنا... لمّا تزل برحالنا وكأن قد
وهذا هو الشاهد رقم [٣١٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وكان بعضهم يتمثل، ويقول معترفا بتقصيره بطاعة الله تعالى: [الكامل] أزف الرّحيل وليس لي من زاد... غير الذّنوب لشقوتي ونكادي
هذا؛ وقد قال الله تعالى في سورة (غافر) رقم [١٨]: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ،﴾ وقال تعالى في أول سورة (النحل): ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ،﴾ وقال في أول سورة (الأنبياء): ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾. ﴿لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾ أي: ليس لها من دون الله من يؤخرها، أو يقدمها. وقيل: كاشفة؛ أي: انكشاف؛ أي: لا يكشف عنها، ولا يبديها إلا الله تعالى، فالكاشفة على هذا اسم بمعنى المصدر، مثل: العاقبة، والعافية، والداهية، والباقية، قال تعالى في سورة (الحاقة): ﴿فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ،﴾ أو المعنى: ليس لها نفس قادرة على كشفها إذا وقعت إلا الله، لكنه لا يكشفها، أو المعنى: ليس لها كاشفة لوقتها إلا الله؛ إذ لا يطلع عليها أحد سواه. قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٨٧]: ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ﴾.
هذا؛ و ﴿دُونِ﴾ بمعنى: غير، وسوى هنا، وأصله من الدنو، وهو القرب، ومنه تدوين الكتب؛ لأنه إدناء؛ أي: تقريب البعض من البعض. ثم استعير للرتب، فيقال: زيد دون عمرو؛ أي: في الشرف، والسيادة، وعلو المنزلة، ثم اتسع فيه، فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد.
هذا؛ ويأتي «دون» بمعنى: قدام، قال الشاعر: [الطويل] تريك القذى من دونها وهي دونه... إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق
هذا؛ ومثله: «أدنى» وألفه منقلبة عن واو؛ لأنه من: دنا، يدنو: إذا قرب، وله معنيان:
أحدهما: أن يكون المعنى ما تقرب قيمته بخساسته، ويسهل تحصيله. والثاني: أن يكون بمعنى القريب منكم؛ لكونه في الدنيا، والذي هو خير ما كان من امتثال أوامر الله تعالى؛ لأن نفعه متأخر إلى الاخرة، خذ قوله تعالى لليهود اللؤماء، حكاية عن قول موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ من سورة (البقرة) رقم [٦١].
وقيل: الألف مبدلة من همزة؛ لأنه مأخوذ من: دنؤ يدنؤ، فهو دنيء، والمصدر: الدناءة، وهو من الشيء الخسيس، فأبدلت الهمزة ألفا. وقيل: أصله: أدون من الشيء الدون، فأخرت الواو، فانقلبت ألفا، فوزنه الان: أفلع. انتهى. عكبري في إعراب الاية [٦١] من سورة (البقرة).
стр. 6245
الإعراب: ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿نَذِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنَ النُّذُرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿نَذِيرٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، ﴿الْأُولى:﴾ صفة ﴿النُّذُرِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿أَزِفَتِ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿الْآزِفَةُ:﴾
فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بالخبر المحذوف، وتعليقهما ب: ﴿كاشِفَةٌ﴾ لا بأس به، و ﴿دُونِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿كاشِفَةٌ:﴾ اسم ليس مؤخر، والجملة الفعلية مستأنفة. وقيل: في محل نصب حال من ﴿الْآزِفَةُ﴾.
﴿أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلّهِ وَاُعْبُدُوا (٦٢)﴾
الشرح: ﴿أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ﴾ يعني: القرآن، وانظر ما ذكرته في سورة (الذاريات) رقم [٢٤] ورقم [٣٤] من سورة (الطور). ﴿تَعْجَبُونَ﴾ أي: تتعجبون إنكارا من أن يكون صحيحا أنزله الله على رجل فقير، لا يملك شيئا من عرض الدنيا. هذا؛ والعجب (بفتح العين، والجيم): انفعال نفساني، يعتري الإنسان عند استعظامه، أو استطرافه، أو إنكاره ما يرد عليه. وقال الراغب:
العجب: حيرة تعرض للإنسان بسبب الشيء، وليس هو شيئا له في ذاته حالة حقيقية، بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب، ومن لا يعرفه، وحقيقة أعجبني كذا: ظهر لي ظهورا لم أعرف سببه. هذا؛ والعجب، والتعجّب في حق الله تعالى ليس هو كالتعجب من الادميين؛ لأن العجب من الناس محمول على إنكار الشيء، وتعظيمه، والعجب، والتعجب في حق الله تعالى محمول على تعظيم تلك الحالة، فإن كانت قبيحة يترتب عليها العقاب، وإن كانت حسنة يترتب عليها الثواب. هذا؛ وقد ورد العجب، والتعجب من الله تعالى في بعض الايات القرآنية مثل قوله تعالى في سورة (الرعد) رقم [٥٠]: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾. وفي بعض الأحاديث الشريفة، مثل قول الرسول ﷺ لمن أقرى الضيف المجهود: «قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما». رواه مسلم، وغيره عن أبي هريرة-﵁، وقوله ﷺ : «يعجب ربّك من راعي غنم في رأس شظيّة للجبل يؤذّن بالصّلاة، ويصلّي». رواه أبو داود، والنسائي عن عقبة بن عامر-﵁. هذا؛ وسئل الجنيد-رحمه الله تعالى-عن آية (الصافات) رقم [١٢]:
﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ حيث قرئ بضم التاء، فقال: إن الله لا يعجب من شيء، ولكن وافق رسوله، ولما عجب رسوله ﷺ ، قال: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾.
стр. 6246
هذا؛ والعجب (بضم العين، وسكون الجيم): رؤية النفس، وحقيقته أن يرى الإنسان نفسه فوق غيره علما، أو ورعا، أو أدبا، أو غير ذلك، ويعتقد أن له منزلة لا يدانيه فيها أحد سواه، وهذا هو الكبر الذي يدخل صاحبه جهنم، وبئس المصير! وقد عده الرسول ﷺ من المهلكات في الحديث الذي رواه أنس-﵁ «وأمّا المهلكات؛ فشحّ مطاع، وهو متّبع، وإعجاب المرء بنفسه».
﴿وَتَضْحَكُونَ﴾ منه سخرية، واستهزاء، ﴿وَلا تَبْكُونَ:﴾ خوفا من الوعيد، والعقاب الشديد.
روي: أن النبي ﷺ ما رؤي بعد نزول هذه الاية ضاحكا إلا تبسما. وقال أبو هريرة: لما نزلت هذه الاية قال أهل الصفة: إنا لله، وإنا إليه راجعون، ثم بكوا؛ حتى جرت دموعهم على خدودهم، فلما سمع النبي ﷺ بكاءهم؛ بكى معهم، فبكينا لبكائه، فقال رسول الله ﷺ : «لا يلج النار من بكى من خشية الله، ولا يدخل الجنة مصرّ على معصية، ولو لم تذنبوا؛ لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون، فيغفر لهم، ويرحمهم، إنه هو الغفور الرحيم». رواه البيهقي.
وقال أبو حازم-﵁: نزل جبريل على النبي ﷺ ، وعنده رجل يبكي، فقال له: من هذا؟ قال: هذا فلان، فقال جبريل ﵇: «إنا نزن أعمال بني آدم كلها إلا البكاء، فإن الله تعالى ليطفئ بالدمعة الواحدة بحورا من جهنم». وانظر سورة (الرحمن) رقم [٤٦]، وانظر ما ذكرته في آخر سورة (الطارق) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك بعد الإعراب.
﴿وَأَنْتُمْ سامِدُونَ﴾ أي: لاهون معرضوان. وقيل: هو الغناء بالغة حمير، يقال: سمد له؛ أي:
غنى له، فكانوا إذا سمعوا القرآن يتلى غنوا، ولعبوا؛ حتى لا يسمعوا. وقيل: ﴿سامِدُونَ:﴾
شامخون متكبرون. وفي الصحاح: سمد سمودا: إذا رفع رأسه تكبرا، وكل رافع رأسه فهو سامد، قال رؤبة بن العجاج يصف إبلا: [الرجز] سوامد الليل، خفاف الأوراد
وقال المبرد: ﴿سامِدُونَ:﴾ خامدون. قال عبد الله بن الزّبير-بكسر الباء-وهذا هو الشاهد رقم [١٨] من كتابنا: «فتح رب البرية» إعراب شواهد جامع الدروس العربية-: [الوافر] رمى الحدثان نسوة آل حرب... بمقدار سمدن له سمودا
فردّ شعورهنّ السّود بيضا... وردّ وجوههنّ البيض سودا
﴿فَاسْجُدُوا لِلّهِ وَاعْبُدُوا:﴾ المراد به سجود تلاوة القرآن، وهو قول ابن مسعود-﵁ وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، رحمهما الله تعالى، وقد تقدم أول هذه السورة من حديث ابن عباس-﵄: أن النبي ﷺ سجد فيها، وسجد معه المسلمون، والمشركون، والجن، والإنس. وقيل: إنما سجد معه المشركون؛ لأنهم سمعوا صوت الشيطان في أثناء قراءة
стр. 6247
رسول الله ﷺ ، عند قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى (١٩) وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى﴾ وأنه قال: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى، كذا في رواية سعيد بن جبير-﵁: ترتجى، وفي رواية أبي العالية، وإن شفاعتهن ترتضى، ومثلهن لا ينسى.
ففرح المشركون، وظنوا: أنه من قول النبي ﷺ ، انظر ما ذكرته في سورة (الحج) رقم [٥٢] و [٥٣] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، فلما بلغ الخبر من كان بالحبشة من أصحاب النبي ﷺ رجعوا إلى مكة ظنا منهم أن أهل مكة آمنوا، فكان أهل مكة أشد عليهم، وأخذوا في تعذيبهم إلى أن كشف الله عنهم البلاء، وذلك بالهجرة إلى المدينة المنورة.
وقيل: المراد: سجود الصلاة، وهو قول ابن عمر-﵄-كان لا يراها من عزائم السجود، وبه قال الإمام مالك-رحمه الله تعالى-. وروى أبيّ بن كعب-﵁:
كان آخر فعل النبي ﷺ ترك السجود في المفصل. والأول أصح. وسجود التلاوة يسن للقارئ، والسامع، والمستمع. والدليل على ذلك سجود النبي ﷺ ، فعن عبد الله بن عمر-﵄: أن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة، فيسجد، ونسجد معه حتى ما يجد بعضنا موضعا لمكان جبهته في غير وقت صلاة، متفق عليه. وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قرأ ابن آدم السجدة، فسجد اعتزل الشيطان يبكي، ويقول:
يا ويلتا أمر ابن آدم بالسجود، فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار» رواه مسلم.
هذا؛ وشروط سجود التلاوة هي شروط الصلاة، وتزيد عند الشافعي بأنها تحتاج إلى نية كنية الصلاة، وسلام كسلام الصلاة، وهي فورية عند الشافعي، وعلى التراخي عند أبي حنيفة.
لذا إذا كان القارئ، أو السامع لا يستطيع السجود لعدم طهارته، أو لعدم قدرته على السجود لمانع يمنعه منه يكفيه أن يقول: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) أربع مرات، وهذا عند الشافعي، وأما عند أبي حنيفة، فيقضيها بعد التمكن من فعلها ولو بعد أيام، وإذا كانت في الصلاة؛ فلا تؤدى إلا بالسجود لها عند الشافعي، وعند أبي حنيفة تؤدى بركوع الصلاة إذا نواها معه.
الإعراب: ﴿أَفَمِنْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام توبيخي إنكاري. (الفاء): حرف استئناف.
(من هذا): جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، والهاء مقحمة بينهما. ﴿الْحَدِيثِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، وبعضهم يعربه صفة. ﴿تَعْجَبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، والجملتان بعدها معطوفتان عليها، لا محل لهما مثلها. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ (الواو): واو الحال. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿سامِدُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين
стр. 6248
في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿فَاسْجُدُوا:﴾ (الفاء): هي الفصيحة، وانظر الاية رقم [٢٩]. (اسجدوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها مستأنفة، أو هي جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا منكم؛ ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَاعْبُدُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (اعبدوا): فعل أمر مثل سابقه، ومفعوله محذوف، التقدير: اعبدوا لله دون الحجارة، وما أشبهها من المعبودات الباطلة. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
انتهت سورة (النجم) شرحا وإعرابا، بحمد الله وبتوفيقه.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 6249
سورة القمر
بسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (القمر)، وهي مكية في قول الجمهور، وهي خمس وخمسون آية، وثلاثمئة واثنتان وأربعون كلمة، وألف وأربعمئة، وثلاثة وعشرون حرفا. انتهى. خازن، وذكرت لك في أول سورة (ق) أن عمر بن الخطاب-﵁-سأل أبا واقد الليثي ما كان رسول الله ﷺ يقرأ في الأضحى والفطر، فقال: كان يقرأ فيهما ب: (ق) و (اقتربت). أخرجه مسلم وأصحاب السنن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)﴾
الشرح: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ أي: دنت وقربت مثل ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ في سورة (النجم) رقم [٥٧]. أي: فهي بالإضافة إلى ما مضى قريبة؛ لأنه قد مضى أكثر الدنيا، كما روى قتادة عن أنس ﵁-قال: خطب رسول الله ﷺ ، وقد كادت الشمس تغيب، فقال: «ما بقي من دنياكم فيما مضى إلاّ مثل ما بقي من هذا اليوم فيما مضى». وما نرى من الشمس إلا يسيرا.
هذا؛ وانظر شرح ﴿السّاعَةُ﴾ في الاية رقم [٦١] من سورة (الزخرف). هذا؛ وقال تعالى في أول سورة (النحل): ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ،﴾ وقال تعالى في أول سورة (الأنبياء): ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾. هذا؛ وقيل: في اقترب زيادة مبالغة في قرب.
﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ:﴾ انشقاق القمر آية من آيات رسول الله ﷺ الظاهرة، ومعجزاته الباهرة، يدل عليه ما روي عن أنس-﵁: أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر مرتين. أخرجه البخاري ومسلم، وزاد الترمذي، فنزلت: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ..﴾. إلخ. ولهما عن ابن مسعود-﵁، قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ شقتين، فقال رسول الله ﷺ : «اشهدوا». وفي رواية أخرى؛ قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ بمنى؛ إذ انفلق القمر فلقتين: فلقة فوق الجبل، وفلقة دونه، فقال لنا رسول الله ﷺ :
«اشهدوا!». وعن جبير بن مطعم-﵁-قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ ، فصار فرقتين، فقالت قريش: سحر محمد أعيننا. فقال بعضهم: لئن كان سحرنا؛ ما يستطيع أن
стр. 6250
يسحر الناس كلهم. أخرجه الترمذي. وزاد غيره: فكانوا يتلقّون الركبان، فيخبرونهم بأنهم قد رأوه، فيكذبونهم.
فهذه الأحاديث الصحيحة قد وردت بهذه المعجزة العظيمة مع شهادة القرآن المجيد بذلك، فإنه أدل دليل، وأقوى مثبت له، وإمكانه لا يشك فيه مؤمن؛ وقد أخبر عنه الصادق، فيجب الإيمان به، واعتقاد وقوعه.
وقال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم، قال الزجاج: وقد أنكرها بعض المبتدعة المضاهين لمخالفي الملة، وذلك لما أعمى الله قلوبهم، ولا إنكار للعقل فيها؛ لأن القمر مخلوق لله تعالى، يفعل فيه ما يشاء كما يفنيه، ويكوره في آخر أمره، فأما قول بعض الملاحدة:
لو وقع هذا؛ لنقل متواترا، واشترك أهل الأرض كلهم في رؤيتهم له، ومعرفته، ولم يختص بها أهل مكة. فأجاب العلماء عن هذا بأن الانشقاق حصل في الليل، ومعظم الناس نيام غافلون، والأبواب مغلقة، وهم مغطون بثيابهم، فقل من يتفكر في السماء، أو ينظر إليها إلا الشاذ النادر ومما هو مشاهد معتاد: أن كسوف القمر وغيره مما يحدث في السماء بالليل من العجائب، والأنوار الطوالع، والشهب العظام، ونحو ذلك مما يقع، ولا يتحدث به إلا آحاد الناس، ولا علم عند غيرهم بذلك، لما ذكرناه من غفلة الناس به، وكان هذا الانشقاق آية عظيمة، حصلت في الليل لقوم سألوها، والتزموا رؤيتها، فلم يتأهب غيرهم لها. انتهى. خازن بتصرف بسيط.
﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا:﴾ دليل على وجود هذه الاية العظيمة، وقد كان ذلك في زمن رسول الله ﷺ . والمعنى: وإن يروا آية تدل على صدق رسول الله ﷺ ، ومعنى ﴿يُعْرِضُوا﴾ أي: عن الإيمان، والتصديق بما جاء به رسول الله ﷺ . قال ابن عباس-﵄: اجتمع المشركون إلى رسول الله ﷺ ، وقالوا: إن كنت صادقا فاشقق لنا القمر فرقتين: نصفا على أبي قبيس، ونصفا على قعيقعان. فقال رسول الله ﷺ : «إن فعلت؛ تؤمنوا؟». قالوا: نعم، وكانت ليلة بدر، فسأل رسول الله ﷺ ربه أن يعطيه ما قالوا، فانشق القمر فرقتين، ورسول الله ﷺ ينادي المشركين: «يا فلان! يا فلان! اشهدوا!».
﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ:﴾ أي دائم مطرد، وكل شيء دام حاله قيل فيه: مستمر، وذلك لما رأوا تتابع المعجزات، وترادف الايات، فقالوا: هذا سحر مستمر. وقيل: مستمر؛ أي: قوي محكم شديد بعلوه، يعلو كل سحر. قال البحتري في وصف الذئب: [الطويل] طواه الطّوى حتّى استمرّ مريره... فما فيه إلاّ الروح والعظم والجلد
وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٦] من سورة (النجم). وقيل: معناه: مرّ من المرارة، يقال:
أمرّ الشيء صار مرا، وكذلك مرّ الشيء. وإنما قالوا ذلك تمنية لأنفسهم وتعليلا. هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ تقديم، وتأخير، وبه قال القرطبي-رحمه الله تعالى-.
стр. 6251
الإعراب: ﴿اِقْتَرَبَتِ:﴾ فعل ماض: والتاء للتأنيث. ﴿السّاعَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ﴿وَانْشَقَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (انشق القمر): ماض، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن):
حرف شرط جازم. ﴿يَرَوْا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿آيَةً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يُعْرِضُوا:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم... إلخ، والواو فاعله، ومتعلقه محذوف كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء ولا ب: «إذا» الفجائية، و (إن) ومدخولها معطوف على ما قبله لا محل له أيضا.
﴿وَيَقُولُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (يقولوا): معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله.
ويجوز في القواعد النحوية اعتباره منصوبا، ومرفوعا أيضا، لكن لم يقرأ بالرفع. وهذا على القاعدة التي قررها ابن مالك-رحمه الله تعالى-بقوله: [الرجز] والفعل من بعد الجزا إن يقترن... بالفا أو الواو بتثليث قمن
وقد قرئ بالأوجه الثلاثة قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٨٤]: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ﴾ حيث قرئ (فيغفر) برفعه، ونصبه، وجزمه.
﴿سِحْرٌ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هذا سحر. ﴿مُسْتَمِرٌّ:﴾ صفة ﴿سِحْرٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.
﴿وَكَذَّبُوا وَاِتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣)﴾
الشرح: ﴿وَكَذَّبُوا﴾ أي: النبيّ ﷺ ، وما عاينوا من قدرة الله. ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ أي:
اتبعوا ما تزينه لهم نفوسهم، وتزينه لهم شياطينهم من الباطل، ودفع الحق بعد ظهوره. ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ أي: لكل أمر حقيقة، فما كان منه في الدنيا فسيظهر، وما كان منه في الاخرة فسيعرف. وقيل: (كل أمر مستقر) فالخير مستقر بأهله في الجنة، والشر مستقر بأهله في النار.
وقيل: يستقر قول المصدقين، والمكذبين حين يعرفون حقيقته بالثواب، أو العقاب. وقيل: هو جواب قولهم: سحر مستمر، يعني: ليس أمره بذاهب كما زعمتم، بل كل أمر من أموره مستقر، وإن أمر محمد رسول الله ﷺ ، سيظهر إلى غاية يتبين فيها: أنه حق. هذا؛ وقرئ بفتح القاف، فيكون المعنى: كل أمر ذو مستقر؛ أي: ذو استقرار، أو ذو موضع استقرار، أو زمان استقرار.
هذا؛ وانظر شرح (الهوى) في الاية رقم [١٨] من سورة (الجاثية).
стр. 6252
الإعراب: ﴿وَكَذَّبُوا:﴾ (الواو): حرف عطف. (كذبوا): ماض مبني على الفتح لاتصاله بواو الجماعة. والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَاتَّبَعُوا..﴾. إلخ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿أَهْواءَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَكُلُّ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (كل): مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿أَمْرٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مُسْتَقِرٌّ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لإقناطهم مما علقوا به أمانيهم الفارغة من عدم استقرار أمره ﷺ ، حيث قالوا: سحر مستمر ببيان ثباته، ورسوخه.
﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ﴾ أي: جاء أهل مكة في القرآن. ﴿مِنَ الْأَنْباءِ﴾ أي: أخبار الأمم السابقة؛ التي أهلكها بكفرها وسيّئ أعمالها. أو المراد: أخبار الاخرة، وما وصف القرآن من عذاب الكفار، والعصاة. ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أي: ما فيه واعظ، وزاجر عن الكفر، وارتكاب المعاصي، فهو مصدر ميمي، أو اسم مكان. يقال: زجره، وازدجره، فانزجر، وازدجر، وزجرته أنا فانزجر؛ أي: كففته، فكف، كما قال الشاعر: [المتقارب] فأصبح ما يطلب الغانيا... ت مزدجرا عن هواه ازدجارا
﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ أي: القرآن حكمة بالغة عالية، لا خلل فيها، فيه نهاية الصواب والحق والحكمة. ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ:﴾ إذا كذبوا، وعصوا، وأعرضوا، كما قال تعالى في الاية رقم [١٠١] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾. و ﴿النُّذُرُ﴾ يجوز أن يكون جمع: نذير بمعنى المنذر، أو المنذر منه، أو هو مصدر بمعنى الإنذار.
هذا؛ وجاء يجيء لازما، ومتعديا، فإن كان بمعنى: حضر، وأقبل فهو لازم مثل قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ ومثلها كثير، وإن كان بمعنى: بلغ، أو وصل فهو متعد، كما في هذه الاية، ومثلها كثير، أما (النبأ): فهو الخبر وزنا ومعنى، ويقال: النبأ أخص من الخبر؛ لأن النبأ لا يطلق إلا على كل ما له شأن، وخطر من الأنباء، وقال الراغب: النبأ: خبر ذو فائدة، يحصل به علم، أو غلبة ظن، ولا يقال للخبر في الأصل نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحقه أن يتعرى عن الكذب، كالمتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر الرسول ﷺ . هذا؛ والفعل منه من الأفعال التي تنصب ثلاثة مفاعيل، وقد يجيء الفعل منه غير مضمن معنى أعلم، فيتعدى لواحد بنفسه، وللاخر بحرف الجر، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما﴾
стр. 6253
﴿كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ رقم [١٤] من سورة (المائدة)، والاية رقم [٦] من سورة (المجادلة) وانظر الاية رقم [٣] من سورة (التحريم) تجد ما يسرك ويثلج صدرك. وهو كثير في كتاب الله تعالى.
﴿مُزْدَجَرٌ:﴾ الدال بدل من تاء، وهو مفتعل من الزجر، وإنما أبدلت الدال من التاء؛ لأن التاء مهموسة، والزاي مجهورة، ومخرجهما قريب من الاخر، فأبدلوا من التاء حرفا هو من مخرجها، يوافق الزاي في الجهر، وهي الدال. هذا؛ وقرئ: «(مزّجر)» بقلب تاء الأفعال زايا، وإدغامها في مثلها.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الاية رقم [١٣] من سورة (النجم) ففيها الكفاية. ﴿جاءَهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿مِنَ الْأَنْباءِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وعلقهما الجمل بمحذوف حال من ﴿ما﴾. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل فاعل، والجملة الفعلية (لقد جاءهم...) إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم، وجوابه كلام مستأنف.
هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين بمحذوف صلة (ما) أو بمحذوف صفتها؛ ف: ﴿مُزْدَجَرٌ﴾ يكون فاعلا بالمتعلق المحذوف. ﴿حِكْمَةٌ:﴾ بدل من ﴿ما،﴾ أو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو حكمة، والجملة الاسمية هذه في محل نصب حال من ﴿ما﴾. هذا؛ وقرئ: «(حكمة)» بالنصب على أنه حال من ﴿ما﴾. ﴿بالِغَةٌ:﴾ صفة ﴿حِكْمَةٌ﴾.
﴿فَما:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿تُغْنِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء. ﴿النُّذُرُ:﴾ فاعله. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) استفهامية، فهي في محل نصب مفعول به مقدم، التقدير: فأي شيء من الأشياء النافعة تغني النذر، أو هي في محل نصب مفعول مطلق، التقدير: فأي إغناء تغني النذر، والجملة الفعلية على جميع وجوه الإعراب لا محل لها؛ لأنها مستأنفة، أو معطوفة على جواب القسم.
تنبيه: حذفت الياء من ﴿فَما تُغْنِ﴾ إتباعا لرسم المصحف، ووجهه: إتباع الرسم للفظ، وهي في اللفظ قد حذفت لالتقاء الساكنين، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ﴾ لا ترسم في العين (واو) إتباعا لخط المصحف الإمام، وقوله: ﴿الدّاعِ﴾ لا يرسم في العين ياء، لأنها من ياآت الزوائد، وهي لا تثبت في الخط وإن كان في اللفظ يصح إثباتها، وحذفها، كما قرئ بهما في السبع، وكذا قوله فيما يأتي: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ﴾ لا ترسم فيه الياء لما ذكر. انتهى. جمل. هذا؛ وأما أنا فقد أثبت الواو والياء فيما ذكر ليتضح الإعراب، وعلل مكي هذا الحذف بقوله: لأن المصحف كتب بلفظ الإدراج، ووصل الكلام، ولم يكتب على حكم الأصل، والوقف.
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦)﴾
الشرح: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: أعرض عنهم. قيل: هذا منسوخ بآية السيف. وقيل: هو تمام الكلام؛ أي: أعرض عنهم لعلمك: أن الإنذار لا يغني فيهم، ولا يجدي فتيلا. ﴿يَوْمَ يَدْعُ﴾
стр. 6254
﴿الدّاعِ:﴾ هو إسرافيل ﵇، ينفخ في الصور قائما على صخرة بيت المقدس، ينادي: أيتها العظام البالية! أيتها اللحوم المتمزقة! أيتها الشعور المتفرقة! أيتها الأوصال المتقطعة! إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. قال تعالى في سورة (ق): ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾. ﴿إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ:﴾ منكر فظيع، تنكره النفوس؛ لأنها لم تعهد بمثله، وهو هول يوم القيامة، وما فيه من المتاعب والمصاعب.
الإعراب: ﴿فَتَوَلَّ:﴾ (الفاء): هي الفصيحة. (تول): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت».
﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: إذا لم يستجيبوا لك؛ فتول عنهم. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بفعل محذوف، التقدير: اذكر، وأجيز تعليقه ب: ﴿خُشَّعاً،﴾ أو ب: (يخرجون) والأول قاله الرماني والزمخشري، والثاني قاله الزمخشري أيضا، وأجيز تعليقه ب: ﴿فَما تُغْنِ﴾ أيضا. ﴿يَدْعُ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الواو. ﴿الدّاعِ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿إِلى شَيْءٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿نُكُرٍ:﴾ صفة ﴿شَيْءٍ﴾.
﴿خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (٧)﴾
الشرح: ﴿خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ:﴾ الخشوع في البصر: الخضوع، والذلة، وأضاف الخشوع إلى الأبصار؛ لأن أثر العز، والذل يتبين في ناظر الإنسان، قال تعالى في سورة (القلم) وسورة (المعارج): ﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ وقال في سورة (النازعات): ﴿أَبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ ويقال:
خشع، واختشع: إذا ذل. وخشع ببصرة؛ أي: غضه، وخشع جمع: خاشع. ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ﴾ أي: القبور جمع جدث، وقرئ «(من الأجداف)». ذكره الزمخشري، يقال: جدث، وجدف، واللغة الفصيحة: جدث بالثاء، والجمع: أجدث، وأجداث، قال المتنخل الهذلي: [الوافر] عرفت بأجدث فنعاف عرق... علامات كتحبير النّماط
﴿كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ:﴾ هذا؛ وفي سورة (القارعة): ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ﴾ فهما صفتان في وقتين مختلفين: أحدهما: عند الخروج من القبور، يخرجون فزعين، لا يهتدون أين يتوجهون؟ فيدخل بعضهم في بعض، فهم حينئذ كالفراش المبثوث، بعضه في بعض، لا جهة له يقصدها. الثاني: فإذا سمعوا المنادي؛ قصدوه، فصاروا كالجراد المنتشر؛ لأن الجراد له جهة يقصدها. هذا؛ والجراد مثل في الكثرة، والتموج، يقال في الجيش الكثير المائج بعضه في بعض جاؤوا كالجراد. ففيه تشبيه مرسل متصل؛ لأن الأركان الأربعة موجودة فيه. هذا،
стр. 6255
وقوله تعالى: ﴿مُنْتَشِرٌ﴾ جاء به مفردا؛ لأن اسم الجنس الذي يفرق بينه وبين مفرده بالتاء مثل:
الجراد، والحمام يجوز معاملته معاملة المفرد، ويجوز معاملته معاملة الجمع، وقد راعى الوجهين في الاية الكريمة. ومثل الاية قوله تعالى في الاية [٢٠] الاتية: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ وقال النابغة الذبياني: [البسيط] واحكم كحكم فتاة الحيّ إذ نظرت... إلى حمام سراع وارد الثّمد
الإعراب: ﴿خُشَّعاً:﴾ حال من واو الجماعة بقوله: ﴿يَخْرُجُونَ﴾. وقيل: من الضمير في:
﴿عَنْهُمْ﴾. وقيل: من الضمير المحذوف الواقع مفعول: «يدعوهم» المقدر. واعتبار الحال من الضمير في ﴿عَنْهُمْ﴾ ضعيف جدا. ﴿أَبْصارُهُمْ:﴾ فاعل ب: ﴿خُشَّعاً،﴾ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، ﴿يَخْرُجُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿مِنَ الْأَجْداثِ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة بقوله: ﴿أَبْصارُهُمْ﴾ وهذا على اعتبار: ﴿خُشَّعاً﴾ حالا من الضمير قبله، وجاز مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأن المضاف جزؤه، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] ولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله
أوكان جزء ما له أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا
وأما على اعتبار ﴿خُشَّعاً﴾ حالا من واو الجماعة؛ فالجملة الفعلية في محل نصب مفعول:
﴿يَدْعُ﴾ المحذوف. وقيل: مستأنفة، لا محل لها. وهو ضعيف. ﴿كَأَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿جَرادٌ:﴾ خبر: (كأنّ). ﴿مُنْتَشِرٌ:﴾ صفة ﴿جَرادٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، فهي حال متداخلة.
﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾
الشرح: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ:﴾ مسرعين إلى الداعي، وهو إسرافيل ﵇، قال الشاعر: [الوافر] بدجلة دارهم ولقد أراهم... بدجلة مهطعين إلى السّماع
قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ﴾ الاية رقم [٤٣] فعلى هذا المعنى: أن الغالب من حال من بقي بصره شاخصا من شدة الخوف أن يبقى واقفا باهتا. فبين الله في الايتين: أن أحوال أهل الموقف يوم القيامة بخلاف الحال المعتادة، فأخبر الله- : أنهم مع شخوص الأبصار يكونون مهطعين نحو الداعي. ﴿يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ يعني: يوم القيامة؛ لما ينالهم فيه من الشدة، فهو كقوله
стр. 6256
تعالى في سورة (المدثر): ﴿فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ هذا؛ والمراد ب: ﴿يَوْمٌ﴾ في الاية الكريمة: يوم القيامة، وهو مقدار ألف سنة من سني الدنيا، كما في الاية رقم [٤٧] من سورة (الحج)، وأما اليوم في الدنيا فهو الوقت من طلوع الشمس إلى غروبها، وهذا في العرف، وأما اليوم الشرعي؛ فهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، كما يطلق اليوم على الليل، والنهار معا، كما يراد في الاية رقم [٦] من سورة (الحديد) وقد يراد به الوقت مطلقا، تقول:
ذخرتك لهذا اليوم؛ أي: لهذا الوقت، والجمع أيّام، وأصله أيوام، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وجمع الجمع أياويم. وأيام العرب: وقائعها، وحروبها، وأيام الله: نعمه، ونقمه، قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ﴾ رقم [٥]. ويقال: فلان ابن الأيام؛ أي: العارف بأحوالها. ويقال: أنا ابن اليوم؛ أي: أعتبر حالي فيما أنا فيه.
الإعراب: ﴿مُهْطِعِينَ:﴾ حال أخرى من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه.
﴿إِلَى الدّاعِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء؛ لأنه اسم منقوص. ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْكافِرُونَ:﴾ فاعل مرفوع وعلامة رفعه الواو... إلخ. ﴿هذا:﴾
اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿يَوْمٌ:﴾ خبر المبتدأ، ﴿عَسِرٌ:﴾ صفة ﴿يَوْمٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُ..﴾.
إلخ مستأنفة، لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: فما يكون حينئذ، فقيل:
يقول الكافرون... إلخ. وجوز بعضهم أن تكون الجملة حالا من فاعل يخرجون، وتعقب بأنها خالية من الرابط. ويجاب بأن الرابط يقدر: يقول الكافرون منهم. فعلى هذا فالأحوال الواو في:
﴿يَخْرُجُونَ﴾ أربعة واحد مقدم، وثلاثة مؤخرة. تأمل، وتدبر، وربك أجلّ، وأكرم.
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَاُزْدُجِرَ (٩)﴾
الشرح: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ:﴾ قبل قومك يا محمد. ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ أي: نوحا، والإضافة إضافة تشريف، وتعظيم، وتبجيل، وذكر العبودية مقام عظيم، ولو كان لنبينا، وحبيبنا محمد ﷺ أشرف منه لسماه به في تلك الحالة العلية، وهي ليلة الإسراء، والمعراج، وفي معناه أنشدوا: [السريع] يا قوم قلبي عند زهراء... يعرفه السامع والرّائي
لا تدعني إلا بيا عبدها... فإنه أشرف أسمائي
﴿وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ أي: زجروه على دعوته بالشتم والإيذاء، والوعيد بقولهم: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾. هذا؛ وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-. فإن قلت: ما معنى
стр. 6257
قوله: ﴿فَكَذَّبُوا﴾ بعد قوله: ﴿كَذَّبَتْ﴾ قلت: معناه كذبوا، فكذبوا عبدنا؛ أي: كذبوه تكذيبا على عقب تكذيب، كلما مضى منهم قرن مكذب؛ تبعه قرن مكذب، أو كذبت قوم نوح الرسل، فكذبوا عبدنا؛ أي: لما كانوا مكذبين بالرسل جاحدين للنبوة رأسا؛ كذبوا نوحا؛ لأنه من جملة الرسل. انتهى. هذا؛ وقيل: معنى (ازدجر) ازدجرته الجن، وتخبطته. هذا؛ وانظر شرح ﴿قَوْمُ﴾ في (الذاريات) رقم [٤٦].
الإعراب: ﴿كَذَّبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿قَبْلَهُمْ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿قَوْمُ:﴾ فاعل ﴿كَذَّبَتْ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، و ﴿قَوْمُ﴾ مضاف، و ﴿نُوحٍ﴾ مضاف إليه. ﴿فَكَذَّبُوا:﴾ (الفاء): حرف عطف. (كذبوا):
فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة. ويقال اختصارا: فعل، وفاعل. ﴿عَبْدَنا:﴾ مفعول به، و (نا): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَكَذَّبُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَقالُوا:﴾
الواو: حرف عطف. (قالوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿مَجْنُونٌ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هذا مجنون. والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَازْدُجِرَ:﴾ الواو: حرف عطف. (ازدجر): فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى نوح، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. وقيل:
معطوفة على الجملة الاسمية، فهي من جملة مقول القول. وهو ضعيف.
﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١)﴾
الشرح: ﴿فَدَعا﴾ أي: نوح. ﴿رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ:﴾ مقهور غلبني قومي بتمردهم. ﴿فَانْتَصِرْ﴾ أي:
فانتصر لي منهم. بمعنى: انتقم لي منهم. وهذا بعد صبره عليهم غاية الصبر؛ حيث مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى توحيد الله تعالى، فلم يجد فيهم شيئا، فكان الواحد منهم يلقاه، فيخنقه حتى يخر مغشيا عليه، ثم يقول بعد إفاقته: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
﴿فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ:﴾ قيل: هو على ظاهره، وللسماء أبواب تفتح، وتغلق، ولا يستبعد ذلك؛ لأنه قد صح في الحديث أن للسماء أبوابا. وقيل: هو على الاستعارة، فإن الظاهر أن يكون المطر من السحاب. والمعنى: فأجبنا دعاءه، وأمرناه باتخاذ السفينة، وفتحنا أبواب السماء ﴿بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ أي: كثير منصب انصبابا شديدا، لم ينقطع أربعين صباحا. قال الشاعر: [الطويل] أعينيّ جودا بالدّموع الهوامر... على خير باد من معدّ وحاضر
стр. 6258
وقيل: المنهمر: الغزير المتدفق، قال امرؤ القيس يصف غيثا: [الرمل] راح تمريه الصّبا ثمّ انتحى... فيه شؤبوب جنوب منهمر
الإعراب: ﴿فَدَعا:﴾ (الفاء): حرف عطف. (دعا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿نُوحٍ﴾ تقديره: «هو»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿رَبَّهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمه. ﴿مَغْلُوبٌ:﴾ خبر (أنّ)، ونائب فاعله تقديره: «أنا»، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأني، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (دعا). هذا؛ وقرئ بكسر الهمزة على إضمار القول؛ أي: فقال: إني مغلوب، أو هو على إجراء الدعاء مجرى القول، وهو مذهب الكوفيين.
﴿فَانْتَصِرْ:﴾ (الفاء): هي الفصيحة. (انتصر): فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فانتصر لي. ﴿فَفَتَحْنا:﴾ فعل ماض مبني على السكون لاتصاله ب: (نا)، و (نا) ضمير متصل في محل رفع فاعل، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذا اللفظ، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض كراهة توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة. وقل مثله في إعراب كل ماض اتصل به ضمير رفع متحرك، مثل فتحت وفتحن، ويقال اختصارا: فعل، وفاعل. ﴿أَبْوابَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿السَّماءِ﴾ مضاف إليه، ﴿بِماءٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال. ﴿مُنْهَمِرٍ:﴾ صفة (ماء)، وجملة: ﴿فَفَتَحْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣)﴾
الشرح: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً﴾ أي: وجعلنا الأرض كلها عيونا تسيل بالماء، فقد أوحى الله إلى الأرض، أن تخرج ماءها، فتفجرت بالعيون. ﴿فَالْتَقَى الْماءُ﴾ أي: ماء السماء، وماء الأرض. ﴿عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أي: على مقدار لم يزد أحدهما على الاخر، حكاه ابن قتيبة.
وقيل: المعنى قضي عليهم. قال قتادة: قدر لهم إذا كفروا أن يغرقوا. هذا؛ والالتقاء إنما يكون بين اثنين فصاعدا، وساغ ذلك في الاية الكريمة؛ لأن الماء يكون جمعا، وواحدا. وقيل:
لأنهما لما اجتمعا صارا ماء واحدا، وقرأ الجحدري: «(الماآن)» وهي قراءة غير سبعية. وقيل:
كان ماء السماء باردا مثل الثلج، وماء الأرض كان حارا مثل الحميم.
стр. 6259
﴿وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ﴾ أي: على سفينة ذات ألواح من خشب عريض. ﴿وَدُسُرٍ:﴾ قال قتادة: يعني: المسامير؛ التي دسرت بها ألواح السفينة؛ أي: شدت. وقيل: الدسر صدر السفينة. وقيل: هي عوارض السفينة، وأضلاعها. وقيل: الألواح: جانبا السفينة، والدسر:
أصلها، وطرفاها. وقال ابن عباس-﵄: الدّسر كلكل السفينة. والمتعمد الأول من هذه الأقوال، وهو الذي اقتصر عليه الجلال. هذا؛ وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-:
أراد بذات ألواح ودسر: السفينة، وهي من الصفات التي تقوم مقام الموصوفات، فتنوب منابها، وتؤدي مؤداها بحيث لا يفصل بينها وبينها، ونحوه قول الشاعر: [الخفيف] مفرشي صهوة الحصان ولك... نّ قميصي مسرودة من حديد
أراد: ولكن: قميصي درع، ألا ترى أنك لو جمعت بين السفينة وبين هذه الصفة لم يصح، وهذا من فصيح الكلام، وبديعه. هذا؛ والدسر: جمع دسار، وهو المسمار، فعال من: دسره:
إذا دفعه؛ لأنه يدسر به منفذه. انتهى. كشاف بتصرف.
تنبيه: قال العلماء بالسير: أرسل الله المطر أربعين يوما وليلة، بالإضافة لما خرج من الأرض، كما بينته هذه الايات. يعني: صار الماء نصفين: نصفا من السماء، ونصفا من الأرض، وارتفع الماء على أعلى جبل، وأطوله أربعين ذراعا. وقيل: خمسة عشر ذراعا حتى أغرق كل شيء. وهذا يعني: أنه عمّ جميع الأرض، وأضيف أنه ذكر في الأثر أن الله تعالى لا يخلي الأرض من مطر في عام، أو عامين، وأنه ما نزل من السماء ماء قط إلا بحفظ ملك موكل به إلا ما كان من ماء الطوفان، فإنه نزل منه ما لا يحفظه الملك، وذلك قوله تعالى في سورة (الحاقة): ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾.
قال عبد الوهاب النجار-رحمه الله تعالى-: ويقول بعض علماء الجيولوجيا: إننا كلما بحثنا في أعالي الجبال وجدنا بقايا حيوانية من الأحياء التي لا تعيش إلا في الماء، وهذا يشير إلى أن الطوفان عم جميع الأرض، ويستأنس لذلك بقوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [٧٧]:
﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ﴾ ويميل فريق إلى أن الطوفان لم يكن عامّا، بل طغيان الماء كان على الجهة التي كان يسكنها نوح، وقومه، ومال على ترجيح الثاني. وأرجح الأول، والله أعلم بمراده، وأسراره في كتابه.
تنبيه: قد يرد سؤال: كيف اقتضت الحكمة الإلهية إغراق من لم يبلغوا الحلم من الأطفال، ولم يدخلوا تحت التكليف بذنوب غيرهم، وكذلك إغراق البهائم، والهوام، والطير وغير ذلك من الحيوان، وإهلاك أطفال الأمم الكافرة مع آبائهم غير قوم نوح؟! والجواب الشافي عن هذا كله: أن الله متصرف في خلقه، وهو المالك المطلق يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. انتهى. خازن بتصرف كبير.
стр. 6260
هذا؛ و (نا) في قوله تعالى: (فتحنا) (فجرنا) (إنا) ونحو ذلك، فقد قال ابن تيمية-رحمه الله تعالى-في كتابه: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: وقوله تعالى: (جعلنا، وهبنا، نحن، إنا) لفظ يقع في جميع اللغات على من له شركاء، وأمثال، وعلى الواحد العظيم المطاع؛ الذي له أعوان يطيعونه، وإن لم يكونوا له شركاء، ولا نظراء والله تعالى خلق كل ما سواه، فيمتنع أن يكون له شريك، أو مثل، والملائكة وسائر العالمين جنوده، فإذا كان الواحد من الملوك يقول:
فعلنا، وإنا، ونحن... إلخ، ولا يريدون: أنهم ثلاثة ملوك، فمالك الملك رب العالمين، ورب كل شيء ومليكه هو أحق أن يقول: فعلنا، ونحن، وإنا... إلخ، مع أنه ليس له تعالى شريك، ولا مثل، بل له جنود السموات والأرض. انتهى.
أقول: و (نا) هذه تسمى نون العظمة، وليست دالة على الجماعة، كما يزعم الملحدون، والكافرون، فالله تعالى لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكثيرا ما يتكلم بها العبد ذكرا كان، أو أنثى، فيقول: أخذنا، وأعطينا... إلخ، وليس معه أحد، والغاية من هذا الكلام الرد على النصارى الذين يدخلون الشبهة على السذج من المسلمين بأن الإله ثلاثة أقانيم: الأب، والابن، وروح القدس، ويدعمون شبهتهم بهذه الألفاظ الموجودة في القرآن، والتي ظاهرها يفيد الجمع.
الإعراب: ﴿وَفَجَّرْنَا:﴾ الواو: حرف عطف. (فجرنا): فعل، وفاعل. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به.
﴿عُيُوناً:﴾ تمييز، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿فَالْتَقَى:﴾ (الفاء):
حرف عطف. (التقى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿الْماءُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿عَلى أَمْرٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْماءُ﴾. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿قُدِرَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿أَمْرٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿أَمْرٍ﴾. ﴿وَحَمَلْناهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (حملناه): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿عَلى ذاتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿ذاتِ﴾ مضاف، و ﴿أَلْواحٍ:﴾
مضاف إليه. ﴿وَدُسُرٍ:﴾ الواو: حرف عطف. (دسر): معطوف على ﴿أَلْواحٍ﴾.
﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)﴾
الشرح: ﴿تَجْرِي﴾ أي: تسير السفينة على وجه الماء. ﴿بِأَعْيُنِنا:﴾ بحفظنا، ورعايتنا. وقيل:
بمرأى منا. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٤٨] من سورة (الطور) ففيها الكفاية. ﴿جَزاءً﴾ أي:
فعلنا ذلك بنوح، وفعلنا بهم من العقاب ما فعلنا مجازاة، وثوابا لنوح ﵇؛ لأنه كفر به وجحد أمره، و ﴿كُفِرَ﴾ بمعنى: جحد سعيه، ودعوته، ورسالته، وجعله الله مكفورا؛ لأن كل
стр. 6261
رسول نعمة من الله ورحمة لمن أرسل إليهم، قال تعالى لنبينا ﷺ في سورة (الأنبياء): ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ فكان نوح نعمة مكفورة. هذا؛ وقرئ بفتح الكاف، والفاء بمعنى:
كان الغرق جزاء، وعقابا لمن كفر.
قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وما نجا من الغرق غير عوج بن عنق، كان الماء إلى حجزته. وسبب نجاته: أن نوحا ﵇ احتاج إلى خشبة الساج لبناء السفينة، فلم يمكنه حملها، فحمل عوج تلك الخشبة إليه من الشام، فشكر الله له ذلك، ونجاه من الغرق. انتهى. وفي قصص الأنبياء للثعالبي أنه عاش أربعة آلاف سنة، وفيه حكايات عن: «عوج» لا يقبلها العقل.
﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها﴾ أي: الفعلة التي فعلها الله بقوم نوح على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وقيل: أراد السفينة. قال قتادة: أبقاها الله تعالى بأرض الجزيرة عبرة، نظر إليها أوائل هذه الأمة. انتهى. خازن. هذا؛ وقال لي بعضهم: شاهدت آثار السفينة بعيني فوق جبل الجودي بأرض العراق. ﴿آيَةً:﴾ عبرة لمن يعتبر، وعظة لمن يتعظ، وما يتذكر إلا أولو الألباب.
﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي: متذكر، معتبر، متعظ خائف من مثل عقوبتهم. هذا؛ وأصله: مذتكر (مفتعل) من الذكر، لكن الذال حرف مجهور قوي، والتاء مهموسة ضعيفة، فأبدلوا من التاء حرفا من مخرجها، مما يوافق الدال في الجهر، وهو الدال، ثم أدغمت الدال في الدال. ويجوز «مذّكر» بالذال على إدغام الثاني في الأول، وبذلك قرأ قتادة، كما قرأ مذتكر على الأصل، وهما قراءتان شاذتان، عن ابن مسعود-﵁، قال: قرأت على رسول الله ﷺ «(مذّكر)» فردها عليّ، وفي رواية أخرى سمعته يقول: (مدّكر) دالا، متفق عليه.
الإعراب: ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى الموصوف المحذوف، والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية للموصوف المحذوف، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿بِأَعْيُنِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿تَجْرِي﴾ المستتر، التقدير: محفوظة، ونحوه، (ونا): في محل جر بالإضافة.
﴿جَزاءً:﴾ مفعول لأجله، عامله محذوف، كما رأيت تقديره في الشرح. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿جَزاءً؛﴾ لأنه مصدر، ﴿كانَ:﴾ ماض ناقص، واسمه يعود إلى (من). ﴿كُفِرَ:﴾
ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (من) أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾. وجملة: ﴿كانَ كُفِرَ:﴾ صلة (من) لا محل لها.
﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الاية رقم [١٣] من سورة (النجم) ففيها الكفاية. ﴿تَرَكْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿آيَةً:﴾ مفعول به ثان. ﴿فَهَلْ:﴾ (الفاء): حرف استئناف، أو هي الفصيحة. (هل):
حرف استفهام. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿مُدَّكِرٍ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على
стр. 6262
آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وخبره محذوف، التقدير:
موجود، والجملة الاسمية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الفاء.
﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾
الشرح: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ﴾ أي: كيف كان عذابي لمن كفر بي، وكذب رسلي، ولم يتعظ بما جاءت به نذري، وكيف انتصرت لهم، وأخذت لهم بالثأر ممن عاداهم، وآذاهم؟! والاستفهام بكيف للتعظيم، والتهويل، والتخويف، والوعيد. هذا؛ وقال الفراء: الإنذار، والنذر مصدران. وقيل: (نذر) جمع: نذير، ونذير بمعنى: الإنذار، كنكير بمعنى: الإنكار.
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أي: سهلناه للحفظ، وأعنا عليه من أراد حفظه. وقال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: ليس من كتب الله كتاب يقرأ كله ظاهرا إلا القرآن. وقال غيره: ولم يكن هذا لبني إسرائيل، ولم يكونوا يقرؤون التوراة إلا نظرا غير موسى، وهارون، ويوشع بن نون، وعزير، صلوات الله على نبينا، وحبيبنا، وعليهم أجمعين. وبذلك افتتنوا بعزير لما كتب لهم التوراة على ما تقدم بيانه في الاية رقم [٣٠] من سورة (التوبة)، والاية رقم [٢٥٨] من سورة (البقرة). هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الدخان) رقم [٥٨]: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ وقال جل ذكره في سورة (مريم) رقم [٨٧]: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا﴾ انظر شرح هاتين الايتين في محلهما.
﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي: متعظ بمواعظه. وفيه الحث على تعليم القرآن، والاشتغال به؛ لأن الله قد يسر حفظه، وسهله على من يشاء من عباده؛ بحيث يسهل حفظه على الصغير، والكبير، والعربي، والعجمي، وغيرهم.
الإعراب: ﴿فَكَيْفَ:﴾ (الفاء): حرف استئناف. وقيل الفصيحة، وليس بشيء. (كيف): اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، ﴿عَذابِي:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿كانَ﴾ تامة؛ ف: (كيف) تكون في محل نصب حال من ﴿عَذابِي﴾. ﴿وَنُذُرِ:﴾ الواو: حرف عطف. (نذر): معطوف على ﴿عَذابِي﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة لمناسبة رؤوس الاي.
﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الاية رقم [١٣] من سورة (النجم) ففيها الكفاية. ﴿يَسَّرْنَا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له.
стр. 6263
﴿الْقُرْآنَ:﴾ مفعول به. ﴿لِلذِّكْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب ما قبلها بلا فارق.
﴿كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨)﴾
الشرح: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ:﴾ هم قوم هود، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. انظر الاية رقم [٥٠] من سورة (النجم). هذا؛ وقال الجمل: لم يتعرض لكيفية تعذيبه لهم مسارعة إلى بيان ما نزل بهم من العذاب، فإن قيل: لم لم يقل: فكذبوا هودا، كما قال في قصة نوح:
﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا؟﴾ أجيب بأن تكذيب قوم نوح أبلغ لطول مقامه فيهم، وكثرة عنادهم. وإما لأن قصة عاد ذكرت مختصرة. انتهى. من هنا وهناك.
الإعراب: ﴿كَذَّبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿عادٌ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وتقدم إعراب: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ،﴾ فلا حاجة إلى إعادته.
﴿إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩)﴾
الشرح: ﴿إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً﴾ أي: ريحا باردة شديدة البرد، أو شديدة الصوت والهبوب، فمن الأول قول الحطيئة: [البسيط] المطعمون إذا هبّت بصرصرة... والحاملون إذا استودوا على النّاس
استودوا: سئلوا الدية. ومن الثاني (أي شدة الصوت) قوله تعالى في سورة (الذاريات) [٢٩]: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ..﴾. إلخ وقال مكي: أصله: (صرّرا) من صرّ الشيء إذا صوت، لكنهم أبدلوا من الراء الثانية صادا. ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ أي: مشؤوم من الشؤم، وهو ضد السعد، قال الشاعر: [الطويل] سواء عليه أيّ حين أتيته... أساعة نحس تتّقى أم بأسعد؟
هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (فصلت) رقم [١٦]: ﴿فِي أَيّامٍ نَحِساتٍ﴾ حيث فسر بمتتابعات، ومعنى ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ:﴾ دائم الشؤم استمر عليهم بنحوسه، واستمر عليهم فيه العذاب والهلاك، وكان يوم الأربعاء آخر الشهر. ويوم الأربعاء أرسل الله الرياح العاتية على جيش قريش يوم الأحزاب، وكان الرسول ﷺ قد دعا، وسأل الله من فضله في ذلك اليوم بقوله:
«يا صريخ المكروبين، يا مجيب المضطرّين، اكشف همّي، وغمّي، وكربي، فإنك ترى ما نزل بي، وبأصحابي». وكان ذلك بين الظهر، والعصر، فاستجيب له ﷺ . ومن ثمّ كان جابر بن عبد الله-﵄-يدعو في مهماته في ذلك اليوم، في ذلك الوقت، وكان يتحرّى ذلك
стр. 6264
اليوم، وأما الأحاديث التي جاءت بذم يوم الأربعاء محمولة على آخر أربعاء في الشهر، فإنه في ذلك اليوم ولد فرعون، وادعى الربوبية، وأهلكه الله فيه، وهو اليوم الذي أصيب فيه أيوب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-. انتهى. زيني دحلان بتصرف. هذا؛ وكان هلاكهم في أواخر فصل الشتاء، ولا تزال هذه الأيام إلى عصرنا هذا موسما للمطر والبرد الشديد ويطلق عليها أيام العجوز.
فإن قيل: فإذا كان يوم الأربعاء يوم نحس مستمر، فكيف يستجاب فيه الدعاء؟ وقد جاء: أن النبي ﷺ استجيب له فيما بين الظهر، والعصر، كما رأيت في حديث جابر-﵄ والجواب-والله أعلم-ما جاء في خبر يرويه مسروق-﵁-عن النبي ﷺ : أنه قال:
«أتاني جبريل، فقال: إن الله يأمرك أن تقضي باليمين مع الشاهد، وقال: يوم الأربعاء يوم نحس مستمرّ». ومعلوم: أنه لم يرد بذلك: أنه نحس على الصالحين، بل أراد: أنه نحس على الفجار، والمفسدين كما كانت الأيام النحسات المذكورة في سورة (فصلت) نحسات على الكفار من قوم عاد، لا على نبيهم، والمؤمنين منهم، وإذا كان كذلك لم يبعد أن يمهل الظالم من أول يوم الأربعاء إلى أن تزول الشمس، فإذا أدبر النهار، ولم يحدث رجعة، وتوبة استجيب دعاء المظلوم عليه، فكان اليوم نحسا على الظالم، ودعاء النبي ﷺ إنما كان على الكفار. انتهى. قرطبي.
هذا؛ وقوله: «إن الله يأمرك أن تقضي باليمين مع الشاهد» معناه: أن المدعي مطالب بالبينة لإثبات حقه وهي شاهدان مسلمان عدلان، فإن لم يكن له إلا شاهد واحد، فيحلف، فاليمين تقوم مقام الشاهد الثاني. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا؛ والريح في الأصل: الهواء المسخر بين السماء، والأرض، وهو جسم لطيف متحرك، ممتنع بلطفه من القبض عليه، يظهر للمس بحركته، ويخفى عن البصر بلطفه، وهو حياة كل نام، من إنسان، وحيوان، ونبات مثل الماء، بل الحاجة إليه أشد، وأصله الرّوح، قلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها، والجمع: أرواح، ورياح، وأصل رياح: رواح، فعل به كما فعل بأصل ريح، والأكثر في الريح التأنيث، كما في قوله تعالى: ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾ وقد تذكر على معنى الهواء. والرياح الأصول أربع: إحداها: الشمال، وتأتي من ناحية الشمال وهي يسار من استقبل مطلع الشمس، وهذه الريح حارة في الصيف، باردة في الشتاء. والثانية: الجنوب، وهي مقابلتها؛ أي: تأتي من جهة يمين من استقبل مطلع الشمس. وهي اليمانية. والثالثة: الصّبا بفتح الصاد، وتأتي من مطلع الشمس، وتسمى: القبول أيضا. والرابعة: الدّبور، وتأتي من مغرب الشمس.
وما أتى منها من بين تلك الجهات يقال لها: النّكباء، ثم إن خرجت من بين الجنوب والشرق؛ قيل لها: أزيب، بفتح الهمزة، وسكون الزاي، وفتح الياء، وإن خرجت من بين
стр. 6265
الشمال والغرب، قيل لها: جربيا، بكسر الجيم، وسكون الراء، وكسر الباء. وإن خرجت من بين الشمال والشرق؛ قيل لها: صابية. وإن خرجت من بين الجنوب والغرب، قيل لها: هيف، بفتح الهاء، وسكون الياء. وقد جمع النواجي الثمانية بقوله: [الطويل] صبا ودبور والجنوب وشمال... بشرق وغرب والتّيمّن والضّدّ
ومن بينها النّكباء أزيب جربيا... وصابية والهيف خاتمة العدّ
هذا؛ وأضيف أن ريح الصبا نصر الله بها نبينا ﷺ في غزوة الخندق، حيث فعلت بقريش العجائب، فارتدوا على أعقابهم خاسئين، كما رأيت في سورة (الأحزاب)، وأن ريح الدبور أهلك الله بها قوم عاد. ونبيّهم هود-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-كما رأيت في سورة (الأعراف) وغيرها.
هذا؛ ولا تنس: أن الريح تفسر بالدولة، والقوة، قال تعالى: ﴿وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ الاية رقم [٤٦] من سورة (الأنفال)، والمعنى: تذهب دولتكم، وقوتكم، شبهت في نفوذ أمرها، وتمشيه بالريح وهبوبها، ويقال: هبت رياح بني فلان: إذا كانت الدولة، والغلبة لهم، ونفذ أمرهم، وتقول: الريح لفلان: إذا كان غالبا في الأمر. قال الشاعر: [الوافر] إذا هبّت رياحك فاغتنمها... فإنّ لكلّ خافقة سكون
ولا تغفل عن الإحسان فيها... فما تدري السكون متى يكون؟!
فعن أبي هريرة-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الرّيح من روح الله تعالى، تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها؛ فلا تسبّوها، واسألوا الله خيرها، واستعيذوا بالله من شرّها». رواه الشافعي بطوله، وأخرجه أبو داود في المسند عنه. وعن عبد الله بن عمر-﵄-قال: «إن الرّياح ثمان: أربع منها عذاب، وهي: القاصف، والعاصف، والصّرصر، والعقيم. وأربع منها رحمة، وهي الناشرات، والمبشرات، والمرسلات، والذاريات».
الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿رِيحاً:﴾ مفعول به، ﴿صَرْصَراً:﴾ صفة له. ﴿فِي يَوْمِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿أَرْسَلْنا،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل: ﴿رِيحاً،﴾ و ﴿يَوْمِ﴾ مضاف، و ﴿نَحْسٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مُسْتَمِرٍّ:﴾ صفة ﴿نَحْسٍ﴾. وقيل: صفة ﴿يَوْمِ،﴾ وجملة:
﴿أَرْسَلْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.
стр. 6266
﴿تَنْزِعُ النّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢)﴾
الشرح: ﴿تَنْزِعُ النّاسَ:﴾ تقلعهم من مواضعهم. قيل: قلعتهم من تحت أقدامهم اقتلاع النخلة من أصولها. وقال مجاهد-رحمه الله تعالى-: كانت تقلعهم من الأرض، فترمي بهم على رؤوسهم، فتندق أعناقهم، وتبين رؤوسهم عن أجسادهم. وقيل: حفروا حفرا، ودخلوها، فكانت الريح تنزعهم منها، وتكسرهم، وتبقى تلك الحفر كأنها أصول نخل هلك ما كان فيها، فتبقى مواضعها منقعرة. ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ:﴾ جمع: عجز، وهو مؤخر الشيء. هذا؛ والعجوز:
المرأة الطاعنة في السن، وجمعها: عجائز، وعجز. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٢٩] من سورة (الذاريات) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ:﴾ منقلع، ومنقطع من أصله. يقال:
قعرت الشجرة قعرا: قلعتها من أصلها، فانقعرت. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٧]. هذا؛ ويقال هنا أيضا: أجرى (منقعر) على لفظ ﴿نَخْلٍ﴾ وهو من الجمع الذي يذكر، ويؤنث. هذا؛ وقال الجلال: ذكّر هنا، وأنّث في (الحاقة) مراعاة للفواصل في الموضعين، ولا تنس التشبيه التمثيلي في الاية الكريمة حيث شبههم بأعجاز النخل المنقعر. وقال أبو بكر بن الأنباري: سئل المبرد بحضرة إسماعيل القاضي عن ألف مسألة هذه من جملتها، فقيل له: ما الفرق بين قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً﴾ رقم [٨١] من سورة (الأنبياء)، وبين قوله تعالى: ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾ رقم [٢٢] من سورة (يونس)، وما الفرق بين قوله تعالى في سورة (الحاقة): ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ،﴾ وقوله تعالى في سورة (القمر): ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ؟﴾ فقال: كل ما ورد عليك من هذا الباب، فإن شئت رددته إلى اللفظ تذكيرا، أو إلى المعنى تأنيثا. هذا؛ و ﴿نَخْلٍ:﴾ اسم جنس جمعي، يفرق بينه وبين واحده بالتاء، وهو: نخلة، كتمر وتمرة. وفي مختار الصحاح:
النخل، والنخيل بمعنى واحد، والواحدة: نخلة. وما ألطف قول الشاعر في التورية: [الوافر] رأيت بها قضيبا فوق دعص... عليه النّخل أينع والكروم
فقد ورّى عن المرأة بالقضيب، وعن الحلي بالنخل، وعن قلائدها بالكروم، والدعص بكسر الدال: قطعة من الرمل مستديرة. هذا؛ وفائدة التكرير في هاتين الايتين ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أن يجدد الكفار، والفجار عند سماع كل نبأ اتعاظا، وهذا حكم التكرير بقوله تعالى في سورة (الرحمن): ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ عند كل نعمة عدها، وقوله تعالى في سورة (المرسلات): ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ عند كل آية أوردها، وكذا تكرير القصص في القرآن، مثل قصة (عاد) و (ثمود) ونحوهما، لتكون العبرة حاضرة، مصورة للأذهان، غير منسية في كل أوان. انتهى. جمل بتصرف مني.
стр. 6267
هذا؛ و ﴿النّاسَ﴾ اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: قوم، ورهط... إلخ، واحده إنسان من غير لفظه، وهو يطلق على الإنس، والجن، ولكن غلب استعماله في الإنس، قال تعالى:
﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ وأصله: الأناس، حذفت منه الهمزة تخفيفا على غير قياس، وحذفها مع لام التعريف كاللازم، لا يكاد يقال: الأناس، وقد نطق القرآن الكريم بهذا الأصل، ولكن بدون لام التعريف، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ رقم [٧١] من سورة (الإسراء). وقيل: إن أصله: النّوس، ولم يحذف منه شيء، وإنما قلبت الواو ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها.
الإعراب: ﴿تَنْزِعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الريح). ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿رِيحاً،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفة بما ذكر، والرابط على الاعتبارين: الضمير. ﴿كَأَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿أَعْجازُ:﴾ خبر (كأنّ)، و ﴿أَعْجازُ﴾ مضاف، و ﴿نَخْلٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مُنْقَعِرٍ:﴾ صفة ﴿أَعْجازُ،﴾ وانظر ما ذكرته في الشرح، أو صفة ل: ﴿نَخْلٍ﴾ وهو الظاهر، والأقوى، وجملة: ﴿كَأَنَّهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل ﴿تَنْزِعُ﴾ المستتر، والرابط: الضمير فقط، وتقدم إعراب الايتين التاليتين فيما تقدم.
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَراً مِنّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)﴾
الشرح: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ:﴾ هم قوم صالح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام- كذبوا الرسل، ونبيّهم، أو كذبوا بالايات التي هي النذر. هذا؛ وقد تقدمت قصة صالح مع قومه في كثير من السور. ﴿فَقالُوا أَبَشَراً مِنّا واحِداً نَتَّبِعُهُ:﴾ قال الزمخشري: فإن قلت: كيف أنكروا أن يتبعوا بشرا منهم واحدا؟ قلت: قالوا: ﴿أَبَشَراً﴾ إنكارا؛ لأن يتبعوا مثلهم في الجنسية، وطلبوا أن يكون من جنس أعلى من جنس البشر، وهم الملائكة، وقالوا: ﴿مِنّا؛﴾ لأنه إذا كان منهم؛ كانت المماثلة أقوى، وقالوا: ﴿واحِداً﴾ إنكارا؛ لأن تتبع الأمة رجلا واحدا، أو أرادوا واحدا من أفنائهم، ليس بأشرافهم، وأفضلهم، ويدل عليه قولهم: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا﴾.
﴿إِنّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ أي: ذهاب عن الصواب. ﴿وَسُعُرٍ﴾ أي: جنون: من قولهم: ناقة مسعورة؛ أي: كأنها من شدة نشاطها مجنونة. ذكره ابن عباس-﵄، قال الشاعر: [الطويل] تخال بها سعرا إذا السّفر هزّها... ذميل، وإيقاع من السّير متعب
وقال ابن عباس-﵄: أيضا: السّعر: العذاب، وقاله الفراء. وقال مجاهد:
بعد الحق. وقال السّدّي: في احتراق، قال طرفة بن العبد: [الرمل] أضحوت اليوم أم شاقتك هرّ... ومن الحبّ جنون مستعر
стр. 6268
هذا؛ وبشر يطلق على الإنسان ذكرا، كان أو أنثى، مفردا كان، أو جمعا، مثل كلمة الفلك، تطلق على المفرد والجمع، وسمّي بنو آدم بشرا لبدوّ بشرتهم؛ التي هي ظاهر الجلد، بخلاف أكثر المخلوقات، فإنها مكسوة بالشعر، أو بالصوف، أو بالريش. هذا؛ وبشر يطلق على الواحد، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا﴾ الاية رقم [١٧] من سورة (مريم)؛ ولذا ثني في قوله تعالى: ﴿فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ الاية رقم [٤٧] من سورة (المؤمنون)، كما يطلق على الجمع كما في قوله تعالى: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً﴾ الاية رقم [٢٥] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. وقوله تعالى في سورة (المدثر) حكاية عن قول الوليد الخبيث: ﴿إِنْ هذا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾.
الإعراب: ﴿كَذَّبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء حرف للتأنيث، لا محل له. ﴿ثَمُودُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِالنُّذُرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿فَقالُوا:﴾ (الفاء): حرف عطف. (قالوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَبَشَراً:﴾ (الهمزة): حرف استفهام إنكاري. (بشرا): منصوب على الاشتغال بفعل محذوف، يفسره المذكور بعده، وهو الراجح لتقدم أداة هي بالفعل أولى. ﴿مِنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (بشرا). ﴿واحِداً:﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه نعت ل: (بشرا) إلا أنه يشكل عليه تقديم الصفة المؤولة على الصريحة، ويجاب: بأن ﴿مِنّا﴾ حينئذ ليس وصفا، بل حالا من ﴿واحِداً﴾ قدم عليه، والثاني: أن ﴿واحِداً﴾ حال من هاء ﴿نَتَّبِعُهُ﴾ وهو مخلص من الإعراب المتقدم إلا أن المرجح لكونه صفة قراءتهما مرفوعين: (أبشر منا واحد نتبعه) أي: على المبتدأ، والخبر. فهذا يرجح كون ﴿واحِداً﴾ نعتا ل: (بشرا) لا حالا. انتهى. جمل نقلا عن السمين. ﴿نَتَّبِعُهُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل: نحن، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها مفسرة على قراءة النصب، وفي محل رفع خبر: (بشر) على قراءة الرفع.
﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل. (ونا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿إِذاً:﴾ حرف جواب، وجزاء، أو هو ظرف متعلق بما بعده، والتنوين نائب عن الجملة التي تضاف «إذ» إليها، وأصل الكلام إنا لفي ضلال إذا اتبعناه. ﴿لَفِي:﴾ (اللام): هي المزحلقة. (في ضلال): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). ﴿وَسُعُرٍ:﴾ الواو: حرف عطف. (سعر): معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول مثل الكلام الذي قبلها، وجملة: ﴿فَقالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ (٢٦)﴾
الشرح: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا﴾ أي: خص صالح بالوحي، والرسالة من بين آل ثمود؛
стр. 6269
وفيهم من هو أكثر مالا، وأحسن حالا؟! ﴿بَلْ هُوَ كَذّابٌ أَشِرٌ﴾ أي: ليس كما يدعي، وإنما يريد أن يتعاظم، ويلتمس التكبر علينا من غير استحقاق. والأشر: بفتح العين: المرح والتجبر، والنشاط، يقال: فرس أشر: إذا كان مرحا نشيطا. وقيل: ﴿أَشِرٌ﴾ بطر، والأشر: البطر، قال الشاعر: [الطويل]
أشرتم بلبس الخزّ لمّا لبستم... ومن قبل ما تدرون من فتح القرى
وقد أشر بالكسر، يأشر أشرا، فهو أشر، وأشران، وقوم أشارى مثل: سكران، وسكارى.
قالت مية بنت ضرار الضبي ترثي أخاها: [المتقارب]
تراه على الخيل ذا قدمة... إذا سربل الدّم أكفالها
وخلّت وعولا أشارى بها... وقد أزهف الطّعن أبطالها
وقرأ أبو جعفر، وأبو قلابة «(أشرّ)» بفتح الشين وتشديد الراء يعني به: أشرنا، وأخبثنا. ومثله في الاية التالية، وهو الأصل، كما ستقف عليه في الاية رقم [٤٣] الاتية. قال أبو حاتم: لا تكاد العرب تتكلم بالأشرّ والأخير إلا في ضرورة الشعر، كقول رؤية: [الرجز]
يا قاسم الخيرات، وابن الأخير... ما ساسنا مثلك من مؤمّر
﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً﴾ أي: سيرون العذاب في الدنيا، والاخرة. ففيه تهديد، ووعيد، والسين لتقريب مضمون الجملة، وتأكيده، و «غدا» يفيد التقريب أيضا على عادة الناس في قولهم للعواقب: إن مع اليوم غدا. قال الشاعر: [البسيط]
للموت فيها سهام غير مخطئة... من لم يكن ميّتا في اليوم مات غدا
والمراد ب: (غد) على الأكثر اليوم الذي بعد يومك على الأثر، وأصله: غدو، فحذفت منه الواو لغير علة تصريفية، وهو ما يسمى الحذف اعتباطا، وقد ردها لبيد بن ربيعة الصحابي-﵁-في قوله: [الطويل]
وما النّاس إلاّ كالدّيار وأهلها... بها يوم حلّوها، وغدوا بلاقع
الإعراب: ﴿أَأُلْقِيَ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام إنكاري. (ألقي): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿الذِّكْرُ:﴾ نائب فاعل. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ بَيْنِنا:﴾
جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور محلا ب: (على). (ونا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وانتقال. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَذّابٌ:﴾ صفة لموصوف محذوف هو خبر المبتدأ. ﴿أَشِرٌ:﴾ صفة ثانية، والجملة الاسمية معطوفة على ما
стр. 6270
قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿سَيَعْلَمُونَ:﴾ (السين): حرف استقبال.
(يعلمون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿غَداً:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله. ﴿مِنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿الْكَذّابُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو صفة لموصوف محذوف أيضا، وأل فيه للعهد الذكري، مثل قوله تعالى في سورة (المزمل): ﴿إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (١٥) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ..﴾. إلخ. ﴿الْأَشِرُ:﴾ صفة ثانية للموصوف، والجملة الاسمية: ﴿مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ في محل نصب سدت مسد مفعول (يعلمون) وهو من المعرفة، وليس قلبيا. وقيل: بل هو قلبي، والمعنى: سيعلمون غدا أيّ فريق هو الكذاب الأشر. أهو هم، أم صالح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام؟! والجملة الفعلية: ﴿سَيَعْلَمُونَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف؛ إذ هي من قول الله تعالى، وليست من مقولهم.
﴿إِنّا مُرْسِلُوا النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاِصْطَبِرْ (٢٧)﴾
الشرح: ﴿إِنّا مُرْسِلُوا النّاقَةِ﴾ أي: باعثوها، ومخرجوها من الهضبة التي سألوا، وذلك: أنهم تعنتوا على صالح، ﵇. فقالوا له: نريد أن نعرف المحق منا بأن ندعو آلهتنا، وتدعو إلهك، فمن أجابه إلهه علمنا: أنه المحق، فدعوا أوثانهم، فلم تجبهم، فقالوا: ادع أنت، فقال: فما تريدون؟ قالوا: تخرج لنا من هذه الصخرة ناقة عشراء وبراء! فأجابهم إلى ذلك بشرط الإيمان، فوعدوه بذلك، وأكدوا، فكذبوا بعد ما كذبوا في أن آلهتهم تجيبهم، وصدق هو ﵇ في كل ما قال، فأخبره ربه : أنه يجيبهم إلى إخراجها، ﴿فِتْنَةً لَهُمْ:﴾
اختبارا، وامتحانا. ﴿فَارْتَقِبْهُمْ﴾ أي: انتظر ما يصنعون. وفي آخر سورة (الدخان) قوله تعالى:
﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾. ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ أي: اصبر على أذاهم، وأصل الطاء في اصطبر تاء، فتحولت طاء لتكون موافقة للصاد في الإطباق.
الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل. (ونا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها، ﴿مُرْسِلُوا:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وهو مضاف، و ﴿النّاقَةِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه تقديره: «نحن»، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول أيضا.
﴿فِتْنَةً:﴾ مفعول لأجله. وقيل: حال. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿فِتْنَةً،﴾ أو بمحذوف صفة له، ﴿فَارْتَقِبْهُمْ:﴾ (الفاء): هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فارتقبهم. وهذا فعل أمر، وفاعله مستتر وجوبا تقديره: «أنت»، والهاء
следующие страницы →