Полный текст (7 463 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.
стр. 6301
هما: فاطمة، وعلي-﵄-والبرزخ (أي: الحاجز): محمد ﷺ ، و (اللؤلؤ):
الحسن، و (المرجان): الحسين-﵄. هذا؛ وخروج اللؤلؤ والمرجان مجاز عقلي؛ لأنه لا يخرج بنفسه، بل لا بد له من مخرج، كما هو معروف. وقال: ﴿مِنْهُمَا﴾ ولم يقل من أحدهما؛ لأنهما لما التقيا وصارا كالشيء الواحد ساغ أن يقول: منهما. ﴿وَلَهُ الْجَوارِ:﴾
السفن، الكبار. ﴿الْمُنْشَآتُ﴾ أي: المرفوعات؛ التي يرفع خشبها بعضه على بعض. وقيل: هي ما رفع قلعها من السفن، أما ما لم يرفع قلعها، فليست من المنشآت المحدثات المخلوقات المسخرات. ﴿كَالْأَعْلامِ﴾ أي: كالجبال في كبرها وما فيها من المتاجر، والمكاسب المنقولة من قطر إلى قطر، ومن إقليم إلى إقليم. مما فيه صلاح الناس في جلب ما يحتاجون إليه من سائر أنواع البضائع، ولهذا قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وانظر (الشورى) رقم [٣٢].
عن عمر بن سويد؛ قال: كنت مع علي-﵁-على شاطئ الفرات؛ إذ أقبلت سفينة مرفوع شراعها، فبسط علي-﵁-يديه، ثم قال: يقول الله : ﴿وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ والذي أنشأها تجري في بحوره ما قتلت عثمان، ولا مالأت على قتله.
أخرجه ابن أبي حاتم. هذا؛ و (الأعلام) جمع علم وهو الجبل الطويل. قال جرير: [الرجز] إذا قطعن علما بدا علم... حتّى تناهين بنا إلى الحكم
هذا؛ ولا تنس تشبيه السفن؛ وهي تمخر عباب البحر رائحة جائية بالجبال.
الإعراب: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ:﴾ انظر الاية رقم [١٣]. ﴿يَخْرُجُ:﴾ فعل مضارع. ﴿مِنْهُمَا:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿اللُّؤْلُؤُ:﴾ فاعل ﴿يَخْرُجُ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من ألف الاثنين، والرابط: الضمير فقط. ﴿وَالْمَرْجانُ:﴾ الواو: حرف عطف. (المرجان): معطوف على ما قبله.
﴿وَلَهُ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (له): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْجَوارِ:﴾
مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿الْمُنْشَآتُ:﴾ صفة ﴿الْجَوارِ﴾. ﴿فِي الْبَحْرِ:﴾ متعلقان ب: ﴿الْمُنْشَآتُ﴾. ونائب فاعله يعود إلى:
﴿الْجَوارِ﴾. ﴿كَالْأَعْلامِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في ﴿الْمُنْشَآتُ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت الكاف اسما، فالمحل لها، وهي مضافة و (الأعلام) مضاف إليه.
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٥) كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٨)﴾
الشرح: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ﴾ أي: على الأرض، والضمير عائد على ذكرها في الاية رقم [١٠] والمراد ب: ﴿مَنْ﴾ كل من على وجه الأرض من إنسان، وحيوان، وهوام، وغير ذلك. وإنما
стр. 6302
ذكره بلفظة ﴿مَنْ﴾ تغليبا للعقلاء على غيرهم. ﴿فانٍ:﴾ هالك. قال ابن عباس-﵄: لما نزلت هذه الاية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض، فنزلت: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ رقم [٨٨] من سورة (القصص) فأيقنت الملائكة بالهلاك. ووجه النعمة في فناء الخلق:
التسوية بينهم في الموت، ومع الموت تستوي الأقدام. وقيل: وجه النعمة: أن الموت سبب النقل من دار الفناء إلى دار الجزاء، والثواب. ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي: ويبقى الله؛ فالوجه عبارة عن وجوده وذاته، قال الشاعر: [مخلع البسيط] قضى على خلقه المنايا... فكلّ شيء سواه فاني
وفي المخاطب وجهان: أحدهما: أنه كل واحد، والمعنى: ويبقى وجه ربك أيها الإنسان السامع. والوجه الثاني: أنه يحتمل: أن الخطاب مع النبي ﷺ . ﴿ذُو الْجَلالِ﴾ أي: صاحب العظمة، والكبرياء، الحقيق بصفات المدح، يقال: جلّ الشيء؛ أي: عظم، وأجللته؛ أي:
عظمته، و ﴿الْجَلالِ﴾ اسم من: جلّ، ومعناه: الذي يجله الموحدون عن التشبيه. ﴿وَالْإِكْرامِ﴾ أي:
هو أهل لأن يكرم عما لا يليق به من الشرك، كما تقول: أنا أكرمك عن هذا، وهو المكرم لأنبيائه، وأوليائه، وجميع خلقه بلطفه، وإحسانه إليهم مع جلاله، وعظمته، وروى أنس-﵁-أن النبي ﷺ قال: «ألظّوا بياذا الجلال والإكرام». أخرجه الترمذي، ومعناه الزموا ذلك في الدعاء. وعن سعيد المقبري: أن رجلا ألحّ، فجعل يقول: اللهم يا ذا الجلال، والإكرام! اللهم يا ذا الجلال والإكرام! فنودي: إني قد سمعت؛ فما حاجتك؟
هذا؛ و ﴿فانٍ﴾ أصله: فاني بضمة على الياء علامة للرفع وبتنوين الصرف، لكن استثقلت الضمة على الياء بعد كسرة، فسكنت الياء، فالتقى ساكنان: الياء والتنوين، فحذفت الياء لعلة الالتقاء، وبقيت النون مكسورة على ما كانت عليه قبل الإعلال، فقيل: (فان) بالكسر، وإنما لم يقل بالرفع؛ لأن الياء محذوفة لعلة الالتقاء، فهي كالثابتة، فتمنع الرفع للدال، وهكذا قل في إعلال كل اسم منقوص، مثل: مهتد، وهاد، ونحوهما.
الإعراب: ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿فانٍ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَيَبْقى:﴾ الواو: حرف عطف. (يبقى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَجْهُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، وربك مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿ذُو:﴾
صفة وجه مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذُو:﴾
مضاف، و ﴿الْجَلالِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْإِكْرامِ:﴾ الواو: حرف عطف. (الإكرام): معطوف على ما قبله، وجملة: (يبقى...) إلخ معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محل لها مثلها.
стр. 6303
﴿يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾
الشرح: ﴿يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ يعني: من ملك، وإنس، وجن، فلا يستغني عن فضله أهل السموات، والأرض. قال ابن عباس-﵄: فأهل السموات يسألونه المغفرة، وأهل الأرض يسألونه المغفرة والرزق. وقيل: كل أحد يسأله الرحمة، وما يحتاجه في دينه أو دنياه. وفيه إشارة إلى كمال قدرة الله تعالى، وأن كل مخلوق وإن جل وعظم؛ فهو عاجز عن تحصيل ما يحتاج إليه، مفتقر إلى الله تعالى. انتهى. خازن. هذا؛ ومن أهم ما ينبغي أن يسأل المؤمن ربه التوفيق للطاعة، والمعونة على العبادة، وتسديد الخطى على الصراط المستقيم.
﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ:﴾ في أمر يظهره على وفق ما قدره في الأزل، من إحياء، وإماتة وإعزاز، وإذلال، وإغناء، وإفقار، وإجابة داع، وإعطاء سائل، وغير ذلك. وروى أبو الدرداء ﵁-عن النبي ﷺ ، قال: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: «من شأنه أن يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع قوما، ويضع آخرين». وعن ابن عمر-﵄-عن النبي ﷺ في قول الله : ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: «يغفر ذنبا، ويكشف كربا، ويجيب داعيا».
وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس-﵄-أنه قال: إن مما خلق الله لوحا من درة بيضاء، دفتاه من ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر الله فيه كل يوم ثلاثمئة وستين نظرة، يخلق، ويرزق، يحيي، ويميت، يعز، ويذل، ويفعل ما يشاء، فذلك قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾. وقال الحسين بن الفضل: هو سوق المقادير إلى المواقيت، ومعناه: أن الله- -كتب ما يكون في كل يوم، وقدر ما هو كائن، فإذا جاء ذلك الوقت، فعلقت إرادته بالفعل، فيوجده في ذلك الوقت. هذا؛ وقيل: نزلت الاية ردا على اليهود حين قالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت شأنا أو شيئا.
فائدة: يروى أن ابن الشجري كان في مجلس وعظه، وإرشاده، والناس حوله يستمعون إليه، فرفع أحد الحاضرين يده، وقال: سؤال يا فضيلة الشيخ، فقال له: ما السؤال؟ فقال: الله يقول: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ ما شأن ربك الان؟ فقال: غدا آتيك بالجواب إن شاء الله، فذهب إلى بيته فلم يهتد إلى الجواب، فنام مهموما مكروبا، فرأى النبي ﷺ في المنام، فقال:
يا رسول الله! عرض عليّ سؤال، فلم أهتد إلى جوابه، وذكر السؤال. فقال النبي ﷺ : السائل لك الخضر، والجواب: شأن ربك الان أمور يبديها، ولا يبتديها، يرفع أقواما، ويضع آخرين.
وفي اليوم الثاني جلس الشيخ في مجلس وعظه، فرفع السائل يده، وقال: الجواب يا أستاذ! فقال له: شأن ربك الان أمور يبديها... إلخ. فقال له: صل وسلم على من علمك. انتهى.
باجوري على جوهرة التوحيد. والله أعلم، وأجل، وأكرم.
стр. 6304
هذا؛ وسأل بعض الملوك وزيره عن معنى الاية، فاستمهله إلى الغد، وذهب كئيبا يفكر فيها، فقال له غلام أسود: يا مولاي! أخبرني ما أصابك؛ لعل الله يسهل لك على يدي؟! فأخبره، فقال:
أنا أفسرها للملك، فأعلمه. فقال: أيها الملك شأن الله أن يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويشفي سقيما، ويسقم سليما، ويبتلي معافى، ويعافي مبتلى، ويعز ذليلا، ويذل عزيزا، ويفقر غنيا، ويغني فقيرا، فقال الملك:
أحسنت، وأمر الوزير أن يخلع عليه ثياب الوزارة. فقال: يا مولاي هذا من شأن الله!.
وقيل: إن عبد الله بن طاهر دعا الحسين بن الفضل، وقال له: أشكلت عليّ ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي. قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ رقم [٣١] من سورة (المائدة) وقد صح أن الندم توبة. وقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ وقد صح: أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة. وقوله تعالى في سورة (النجم) الاية رقم [٣٩]: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى،﴾ فما بال الأضعاف؟ فقال الحسين: يجوز أن لا يكون الندم توبة في تلك الأمة، ويكون توبة في هذه الأمة. وقيل: إن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله. وأما قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فإنها شؤون يبديها، لا شؤون يبتديها. وأما قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ فمعناه: ليس له إلا ما سعى عدلا، ولي أن أجزيه بواحدة ألفا فضلا. فقام عبد الله وقبل رأسه وسوغ خراجه. انتهى. قرطبي، وكشاف، ونسفي.
الإعراب: ﴿يَسْئَلُهُ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف للتعميم. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ الواو: حرف عطف. (الأرض):
معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وأجيز اعتبارها في محل نصب حال من ﴿وَجْهُ رَبِّكَ﴾. ﴿كُلَّ:﴾ قال ابن الأنباري: منصوب على الظرفية، وهو معمول الظرف الذي هو ﴿فِي شَأْنٍ﴾. وقال الجمل: ﴿كُلَّ﴾ منصوب بالاستقرار، الذي تضمنه الخبر. وقال أبو البقاء: هو ظرف لما دل عليه: ﴿هُوَ فِي شَأْنٍ﴾. هذا؛ ويجوز تعليقه بالفعل ﴿يَسْئَلُهُ﴾ فيكون الوقف على ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ وما بعده جملة مستأنفة، و ﴿كُلَّ﴾ مضاف، و ﴿يَوْمٍ﴾ مضاف إليه. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ.
﴿فِي شَأْنٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره.
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٠) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٢)﴾
الشرح: ﴿فَبِأَيِّ..﴾. إلخ: انظر الاية رقم [١٣]. ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ:﴾ قيل: هذا وعيد من الله تعالى للخلق بالمحاسبة، وليس هو فراغا عن شغل؛ لأن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن. فهو كقول القائل: لمن يريد تهديده: لأتفرغن لك؛ وما به شغل. وهذا قول ابن عباس
стр. 6305
-﵄، وإنما حسن ذكر هذا الفراغ لسبق ذكر الشأن. وقيل: معناه سنقصدكم بعد الترك، والإمهال، ونأخذ في أمركم، فهو كقول القائل الذي لا شغل له: قد فرغت لك. وقيل:
معناه: إن الله وعد أهل التقوى، وأوعد أهل الفجور، فقال: سنفرغ لكم مما وعدناكم، وأخبرناكم، فنحاسبكم، ونجازيكم، فننجز لكم ما وعدناكم، فنتم ذلك، ونفرغ منه، فهو على طريق المثل، والاستعارة، مثل قول الرجل لمن يتهدده: سأفرغ لك، يريد سأتجرد للإيقاع بك من كل ما يشغلني. وأراد بالثقلين: الإنس، والجن، سمّيا ثقلين؛ لأنهما ثقلا على الأرض أحياء، وأمواتا. وقيل: كل شيء له قدر ووزن ينافس فيه، فهو ثقل، ومنه قول النبي ﷺ : «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي» فجعلهما ثقلين إعظاما لقدرهما. وقال جعفر بن محمد الصادق: سمّي الإنس، والجن ثقلين؛ لأنهما مثقلان بالذنوب. هذا؛ وقال: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ فجمع، ثم قال: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ لأنهما فريقان، وكل فريق جمع، وكذا قوله تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ ولم يقل: إن استطعتما؛ لأنهما فريقان في حال الجمع، كقوله تعالى: ﴿فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ الاية رقم [٤٥] من سورة (النمل)، وقوله تعالى: ﴿هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ الاية رقم [١٩] من سورة (الحج).
تنبيه: قرأ الجمهور ﴿أَيُّهَ﴾ بفتح الهاء، وبدون ألف، وقرأ ابن عامر بضمها، ووجهه: أن تجعل الهاء من نفس الكلمة، فيكون إعراب المنادى فيها. وضعف أبو علي الفارسي ذلك جدا، وقال: آخر الاسم هو الياء الثانية من (أيّ) فالمضموم ينبغي أن يكون آخر الاسم، ولو جاز ضم الهاء هاهنا لاقترانها بالكلمة لجاز ضم الميم في: (اللهم) لاقترانها بالكلمة في كلام طويل.
والصحيح: أنه إذا ثبت عن النبي ﷺ قراءة، فليس إلا اعتقاد الصحة في اللغة، فإن القرآن هو الحجة، وأنشد الفراء: [الرجز] يا أيّه القلب اللجوج النّفس... أفق من البيض الحسان اللّعس
وبعضهم يقف: ﴿أَيُّهَ﴾ وبعضهم يقف: (أيها) بالألف؛ لأن علة حذفها في الوصل، إنما هو سكونها وسكون اللام، فإذا كان الوقف ذهبت العلة، فرجعت الألف، وهذا الاختلاف الذي ذكرته، كذلك هو في الاية رقم [٣١] من سورة (النور): ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وأيضا الاية رقم [٤٩] من سورة (الزخرف) وهي: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا السّاحِرُ ادْعُ..﴾.
إلخ، وقد رسمت الهاء في هذه المواضع الثلاثة بدون ألف، وثبتت في غير هذه المواضع حملا على الأصل، كما تراه في جميع آيات القرآن.
الإعراب: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ:﴾ انظر الاية رقم [١٣]. ﴿سَنَفْرُغُ:﴾ (السين): حرف استقبال. (نفرغ): فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَيُّهَ:﴾ نكرة مقصودة مبنية
стр. 6306
على الضم في محل نصب بأداة النداء المحذوفة والهاء حرف تنبيه لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الثَّقَلانِ:﴾ نعت ل: (أيّ) أو بدل منه مرفوع تبعا للفظ (أيّ) وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الندائية مستأنفة مثل التي قبلها.
﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاّ بِسُلْطانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٤)﴾
الشرح: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ..﴾. إلخ: أي: إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السموات، والأرض هاربين من الله، فارين من قضائه، وتخرجوا من ملكه؛ فافعلوا، وقدم الجن على الإنس في هذه الاية؛ لأنهم أقدر على النفوذ، والهرب من الإنس، وأقوى على ذلك، فعلى هذا يكون في الدنيا. وذكر ابن المبارك؛ قال: وأخبرنا جويبر عن الضحاك؛ قال: إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا، فتشققت بأهلها، فتكون الملائكة على حافاتها حتى يأمرهم الرب، فينزلون إلى الأرض، فيحيطون بالأرض ومن فيها، ثم يأمر الله السماء التي تليها كذلك، فينزلون صفا من خلف ذلك الصف، ثم السماء الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة، فينزل الملك الأعلى في بهائه، وملكه، ومجنبته اليسرى جهنم، فيسمعون زفيرها، وشهيقها، فلا يأتون قطرا من أقطارها إلا وجدوا صفوفا من الملائكة، فذلك قوله تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ..﴾. إلخ فعلى هذا يكون في الاخرة. انتهى. قرطبي.
أقول: ويؤيده قوله تعالى في سورة (الفجر) الاية رقم [٢٢]: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ وعلى القول الأول فهو مثل قوله تعالى في سورة (العنكبوت) الاية رقم [٢٢]: ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ الاية رقم [٢٢] ويؤيد الأول الايات التالية. وقال ابن عباس-﵄: المعنى إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات وما في الأرض؛ فاعلموه، ولن تعلموه إلا بسلطان؛ أي: ببينة من الله تعالى نصبها لكم، فتعرجون عليها بأفكاركم، وعقولكم.
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ أي: من التنبيه، والتحذير، والمساهلة، والعفو مع كمال القدرة، أو مما نصب من المصاعد العقلية، والمعارج النقلية، فتنفذون بها إلى ما فوق السموات العلى.
انتهى. بيضاوي. أقول: والذي رفع السموات، وبسط الأرضين بقدرته ما جاب الناس الفضاء في هذه الأيام إلا بهداية الله لهم، وتعليمه إياهم.
بعد هذا ف: (معشر) اسم جمع لا واحد له من لفظه مثل: رهط، ونفر، وأهل... إلخ.
وقال الزمخشري: إن كل ما فاؤه نون وعينه فاء يدل على معنى الخروج، والذهاب، مثل: نفق، ونفذ، ونفخ... إلخ، وانظر شرح (سلطان) في الاية رقم [٣٨] من الذاريات.
стр. 6307
فإن قيل: ما الحكمة في تقديم الجن على الإنس هاهنا، وتقديم الإنس على الجن في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ﴾ الاية رقم [٨٨] من سورة (الإسراء)؟! أجيب: بأن النفوذ من أقطار السموات، والأرض بالجن أليق إن أمكن، والإتيان بمثل القرآن بالإنس أليق إن أمكن، فقدم في كل موضع ما يناسبه. فإن قيل: لم جمع الضمير هنا. وثني في الاية التالية؟ قلت: جمع هنا نظرا إلى معنى الثقلين؛ لأن كلاّ منهما تحته أفراد كثيرة، وثني في ذاك نظرا إلى اللفظ. انتهى. جمل نقلا من كرخي.
تنبيه: ما ذكر في هذه السورة، وفي سورة (الأحقاف)، وسورة: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ..﴾. إلخ يدل على أن الجن مخاطبون، مكلفون، مأمورون، منهيون، مثابون، معاقبون كالإنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم، لا فرق بيننا، وبينهم في شيء من ذلك. انتهى. قرطبي.
الإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (معشر): منادى، وهو مضاف، و (الجن) مضاف إليه. ﴿وَالْإِنْسِ:﴾ الواو: حرف عطف. (الإنس): معطوف على ما قبله، والجملة الندائية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنِ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿اِسْتَطَعْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿إِنِ:﴾ حرف مصدري، ونصب، واستقبال. ﴿تَنْفُذُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و (أن) والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْ أَقْطارِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و ﴿أَقْطارِ:﴾ مضاف، و ﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه.
﴿وَالْأَرْضِ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فَانْفُذُوا:﴾ (الفاء): واقعة في جواب الشرط. (انفذوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و ﴿إِنِ﴾ الشرطية ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿لا:﴾ نافية.
﴿تَنْفُذُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية تعليل للأمر، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.
﴿بِسُلْطانٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال.
﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٦)﴾
الشرح: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ..﴾. إلخ: أي: لو خرجتم أرسل عليكم شواظ من نار، وأخذكم العذاب المانع من النفوذ. وقيل: ليس هذا متعلقا بالنفوذ بل أخبر: أنه يعاقب العصاة عذابا
стр. 6308
بالنار. وقيل: يحاط على الخلائق بالملائكة، وبلسان من نار، ثم ينادون: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ فتلك النار قوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ﴾ و (الشواظ) في قول ابن عباس، وغيره:
اللهب الذي لا دخان له. و (النحاس): الدخان الذي لا لهب فيه، والعرب تسمي الدخان نحاسا. روى الطبراني عن الضحاك: أن نافع بن الأزرق، سأل ابن عباس-﵄ عن الشواظ، فقال: هو اللهب الذي لا دخان معه، فسأله شاهدا على ذلك من اللغة، فأنشده قول أمية بن أبي الصلت في حسان-﵁-قال القرطبي: كذا وقع في تفسير الثعلبي والماوردي: بن أبي الصلت، وفي الصحاح والوقف والابتداء لابن الأنباري: أمية بن خلف.
قال: [الوافر] ألا من مبلع حسّان عني... مغلغلة تدبّ إلى عكاظ؟
أليس أبوك فينا كان قينا... لدى القينات فسلا في الحفاظ؟
يمانيّا يظلّ يشدّ كيرا... وينفخ دائبا لهب الشّواظ
فأجابه حسان-﵁-فقال: [الوافر] هجوتك فاختضعت لها بذلّ... بقافية تأجّج كالشّواظ
قال نافع: صدقت؛ فما النحاس؟ قال: هو الدخان الذي لا لهب له، قال: فهل تعرفه العرب؟ قال: نعم أما سمعت قول النابغة الجعدي-﵁-يقول: [المتقارب] يضيء كضوء سراج السّلي... ط لم يجعل الله فيه نحاسا
هذا؛ والمغلغلة: الرسالة. وقين: عبد، وفسل: ضعيف عابر. والسليط: الزيت، الذي يوضع في السراج. هذا؛ والنحاس يقرأ بضم النون، وكسرها، وهو أيضا: الطبيعة، والأصل، يقال: فلان كريم النّحاس والنّحاس؛ أي: كريم النّجار والأصل، كما يقرأ شواظ بضم الشين، وكسرها، وهما لغتان. ﴿فَلا تَنْتَصِرانِ:﴾ فلا تمتنعان؛ أي: لا ينصر بعضكم بعضا. والمخاطب:
الجن، والإنس. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ:﴾ انظر الشرح والإعراب في الاية رقم [١٣] والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿يُرْسَلُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿عَلَيْكُما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والميم والألف حرفان دالان على التثنية.
﴿شُواظٌ:﴾ نائب فاعل ﴿يُرْسَلُ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ نارٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿شُواظٌ﴾. ﴿وَنُحاسٌ:﴾ الواو: حرف عطف. (نحاس): معطوف على ﴿شُواظٌ﴾ ويقرأ بالجر عطفا على ﴿نارٍ﴾. ﴿فَلا:﴾ (الفاء): حرف عطف. (لا): نافية.
стр. 6309
﴿تَنْتَصِرانِ﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿فَإِذَا اِنْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٨)﴾
الشرح: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ أي: تصدعت يوم القيامة، فصارت أبوابا لنزول الملائكة، ومثل هذه الاية قوله تعالى في سورة (الحاقة): ﴿وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ،﴾ وقال جل ذكره في سورة (الفرقان): ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً﴾ وقال جل وعلا: ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ،﴾ وقال ﵎ في سورة (الانفطار): ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾.
﴿فَكانَتْ وَرْدَةً:﴾ فصارت كلون الورد الأحمر. وقيل: أصل لون السماء الحمرة، ولكن ترى الان زرقاء لبعدها، وكثرة الحواجز بيننا، وبينها. ﴿كَالدِّهانِ﴾ أي: تذوب كما يذوب الدّردي، والفضة في السبك، وتتلون كما تتلون الأصباغ التي يدهن بها، فتارة حمراء، وتارة صفراء، وتارة زرقاء، وتارة خضراء، وذلك من شدة الأمر، وعظيم هول يوم القيامة، وشبهوا ذلك بعروق البدن، وهي حمراء كحمرة الدم، وترى بالحائل زرقاء، فإن كان هذا صحيحا، فإن السماء لقربها من النواظر يوم القيامة، وارتفاع الحواجز ترى حمراء؛ لأنه أصل لونها، وعلى كل حال فالاية فيها تشبيه تمثيلي لا يخفى.
الإعراب: ﴿فَإِذَا:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿اِنْشَقَّتِ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿السَّماءُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها.
﴿فَكانَتْ:﴾ (الفاء): حرف عطف، (كانت): فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث. ﴿وَرْدَةً:﴾ خبر (كانت) واسمها ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى (السماء)، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها، وجوابها محذوف التقدير: فما أعظم الهول! وقيل: الجواب قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ..﴾. إلخ. ﴿كَالدِّهانِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف صفة ﴿وَرْدَةً،﴾ أو بمحذوف حال من اسم (كانت) المستتر، وإن اعتبرت الكاف اسما؛ فالمحل لها على جميع الوجوه، وتكون مضافة، و (الدهان) مضاف إليه.
﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٠)﴾
الشرح: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ أي: فيوم تنشق السماء. ﴿لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ:﴾ قيل: لا يسألون عن ذنوبهم؛ لتعلم من جهتهم؛ لأن الله تعالى قد علمها منهم، وكتبتها الحفظة عليهم.
وهذه رواية عن ابن عباس-﵄. وعنه أيضا: لا تسأل الملائكة المجرمين؛ لأنهم
стр. 6310
يعرفون بسيماهم. دليله ما بعده. وعنه أيضا في الجمع بين هذه الاية، وبين قوله تعالى في سورة (الحجر) رقم [٩٢]: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [٢٤]: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ قال: لا يسألهم: هل عملتم كذا، وكذا؛ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكنه يسألهم: لم عملتم كذا، وكذا؟ وعنه أيضا قال: لا يسألون سؤال رحمة، وشفقة، وإنما يسألون سؤال تقريع، وتوبيخ. وقيل: لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم.
وقيل: إنها مواطن، فيسأل في بعضها، ولا يسأل في بعضها. وانظر شرح الايتين في محلهما.
هذا؛ ومفرد إنس: إنسي، ومفرد جان: جني، مثل: زنج زنجي، وقال الزمخشري: فوضع الجانّ الذي هو أبو الجن موضع الجن، كما يقال: هاشم ويراد ولده. انتهى.
هذا؛ وقال قتادة: قد كانت مسألة، ثم ختم على أفواه القوم، وتكلمت أيديهم، وأرجلهم بما كانوا يعملون. انتهى. وانظر الاية رقم [٢٢] من سورة (فصلت). وفي حديث أبي هريرة ﵁-عن النبي ﷺ . وفيه قال: «فيلقى العبد، فيقول: أي فل! ألم أكرمك، وأسوّدك، وأزوّجك، وأسخّر لك الخيل، والإبل، وأذرك ترأس، وتربع؟ فيقول: بلى! فيقول:
أفظننت أنك ملاقيّ؟ فيقول: لا، فيقول: إني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثاني، فيقول له: مثل ذلك بعينه، ثم يلقى الثالث، فيقول له مثل ذلك، فيقول: يا ربّ آمنت بك، وبكتابك، وبرسولك، وصليت، وصمت، وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع، فيقول: هاهنا إذا، ثم يقال له: الان نبعث شاهدنا عليك، فيتفكر في نفسه من هذا الذي يشهد عليّ؟ فيختم على فيه، ويقال لفخذه، ولحمه، وعظامه: انطقي، فتنطق فخذه، ولحمه، وعظامه بعمله، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق وذلك الذي يسخط الله عليه». انتهى. قرطبي.
الإعراب: ﴿فَيَوْمَئِذٍ:﴾ (الفاء): حرف استئناف، أو هي واقعة في جواب الشرط، كما رأيت والأول أقوى. (يومئذ): ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، (وإذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة والتنوين عوض عن جملة محذوفة، انظر تقديرها في الشرح. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُسْئَلُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿عَنْ ذَنْبِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله الثاني، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِنْسٌ:﴾ نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي، والجملة الفعلية حسب ما ذكرته في الفاء. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ..﴾. إلخ انظر الاية رقم [١٣].
﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٢)﴾
الشرح: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ:﴾ قال الحسن: هي سواد الوجوه، وزرقة الأعين. قال تعالى في سورة (طه) رقم [١٠٢]: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً،﴾ وقال جل وعلا في سورة
стр. 6311
(آل عمران) رقم [١٠٦]: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾. هذا؛ ويعرف المؤمنون يوم القيامة بالغرة والتحجيل من آثار الوضوء. ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ﴾ أي: تأخذ الملائكة بنواصيهم؛ أي:
بشعور مقدم رؤوسهم، وأقدامهم، فيقذفونهم في النار. والنواصي: جمع ناصية. وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته، وقدميه في سلسلة من وراء ظهره. وعنه: يؤخذ برجلي الرجل، فيجمع بينهما وبين ناصيته حتى يندق ظهره، ثم يلقى في النار. وقيل: يفعل ذلك به ليكون أشد لعذابه، وأكثر لتشويهه. وقيل: تسحبهم الملائكة إلى النار، تارة تأخذ بناصيته، وتجره على وجهه، وتارة تأخذ بقدميه، وتسحبه على وجهه.
هذا؛ والمراد بالمجرمين في هذه الاية: الكافرون، وكثيرا ما يعبر القرآن الكريم عن الكافرين بالظالمين، والمجرمين، والمعتدين، والفاسقين، والمسرفين ونحو ذلك، ويتهددهم بالعذاب الأليم، ويتوعدهم بالعقاب الشديد، وإننا نجد الكثير من المسلمين يتصفون بهذه الصفات، فهل يوجه إليهم هذا التهديد، وهذا الوعيد؟ الحق أقول: نعم يوجه إليهم ما ذكر، وهم أحق بذلك، ولا سيما من قرأ القرآن منهم، واطلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم مع رسلهم، وكيف نكل الله بهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين، وما يتذكر إلا أولو الألباب.
والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿يُعْرَفُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿الْمُجْرِمُونَ:﴾ نائب فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم. ﴿بِسِيماهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:
﴿يُعْرَفُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَيُؤْخَذُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (يؤخذ): فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿بِالنَّواصِي:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء. ﴿وَالْأَقْدامِ:﴾ الواو: حرف عطف. (الأقدام): معطوف على ما قبله. والجملة الفعلية: (يؤخذ...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٥)﴾
الشرح: ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي..﴾. إلخ أي: يقال لهم: هذه النار التي أخبرتم بها، فكذبتم بوجودها، فها هي حاضرة تشاهدونها عيانا. يقال لهم ذلك تقريعا، وتوبيخا، وتحقيرا. ومثل هذه الاية قوله تعالى في سورة (الطور): ﴿هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (يس) رقم [٦٢]: ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اِصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.
﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي: تارة يعذبون في الجحيم، وتارة يسقون من الحميم، وهو
стр. 6312
الشراب الذي هو كالنحاس المذاب يقطع الأمعاء، والأحشاء، قال تعالى في سورة (محمد ﷺ :
﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾ ومعنى ﴿آنٍ﴾ شديد الحرارة، والمعنى: أنهم يسعون بين الحميم، وبين الجحيم فإذا استغاثوا من النار جعل عذابهم الحميم الاني، الذي صار كالمهل، قال تعالى في سورة (الكهف) رقم [٢٩]: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾. هذا؛ وإعلال ﴿آنٍ﴾ مثل إعلال ﴿فانٍ﴾ في الاية رقم [٢٦].
فإن قلت: هذه الأمور المذكورة في هذه الايات من قوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ﴾ إلى هنا ليست نعما، فكيف عقبها بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟﴾ قلت: المذكور في هذه الايات مواعظ، وزواجر، وتخويف، وكل ذلك نعمة من الله تعالى، لأنها تزجر العبد عن المعاصي، فصارت نعما، فحسن ختم كل آية منها بقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ..﴾. إلخ. انتهى. خازن.
هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الأنبياء): ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ ومعلوم: أن النبي ﷺ بعث بشيرا لمن آمن، ونذيرا لمن كفر، فجعل الإنذار رحمة، كما جعل التبشير رحمة.
والايات التي نحن بصدد شرحها من هذا القبيل، كما جعل سبحانه، وتعالى التحذير رأفة، فقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾ الاية رقم [٣٠] من سورة (آل عمران).
هذا؛ و (بين) ظرف مكان بمعنى: وسط بسكون السين، لا يقع إلا بين متعدد لفظا، وحكما تقول: جلست بين القوم، كما تقول: جلست وسط القوم. هذا؛ والبين: الفراق، والبعاد، وهو أيضا: الوصل، فهو من الأضداد، كالجون يطلق على الأسود، والأبيض. ومن استعماله بمعنى الوصل، ما قرئ به في سورة (الأنعام) رقم [٩٤]: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ حيث قرئ برفعه، ومن استعماله بمعنى الفراق، والبعاد قول كعب بن زهير-﵁-من قصيدته؛ التي مدح بها النبي ﷺ وهو الشاهد رقم [٨٠٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط] وما سعاد غداة البين إذ رحلوا... إلاّ أغنّ غضيض الطّرف مكحول
الإعراب: ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿جَهَنَّمُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: فيقال لهم: هذه جهنم، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يُعْرَفُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة ﴿جَهَنَّمُ﴾. ﴿يُكَذِّبُ:﴾
فعل مضارع. ﴿بِهَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْمُجْرِمُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿يَطُوفُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الْمُجْرِمُونَ،﴾ والرابط: الضمير فقط، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿بَيْنَها:﴾ ظرف مكان
стр. 6313
متعلق بالفعل قبله، (وها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَ:﴾ الواو: حرف عطف.
(بين): معطوف على ما قبله، وهو مضاف، و ﴿حَمِيمٍ﴾ مضاف إليه. ﴿آنٍ:﴾ صفة ﴿حَمِيمٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ..﴾.
إلخ: انظر إعرابها في الاية رقم [١٣].
﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٧) ذَواتا أَفْنانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٩)﴾
الشرح: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ يعني: جنة عدن، وجنة النعيم. وقيل: جنة بخوفه ربه، وجنة بتركه شهوته. وقيل: إن الجنتين جنته التي خلقت له وجنة يرثها من الكافر. وقيل: إحدى الجنتين منزله، والأخرى منزل أزواجه، كما يفعله رؤساء الدنيا. وقيل: إحدى الجنتين مسكنه، والأخرى بستانه. وقال الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي: جنة للخائف الإنسي، وجنة للخائف الجني، فإن الخطاب للفريقين، والمعنى لكل خائفين منكما، أو لكل واحد جنة لعقيدته، وأخرى لعمله. أو جنة لفعل الطاعات، وأخرى لترك المعاصي. أو جنة يثاب بها، والأخرى يتفضل بها عليه. أو روحانية، وجسمانية، وكذا ما جاء مثنى بعد.
هذا؛ وجاء في أسباب النزول للسيوطي عن عطاء: أن أبا بكر-﵁-ذكر ذات يوم القيامة، والموازين، والجنة، والنار، فقال: وددت أني كنت خضراء من هذه الخضر، تأتي عليّ بهيمة، وتأكلني، وأني لم أخلق، فنزلت: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾.
﴿ذَواتا أَفْنانٍ﴾ أي: أغصان، واحدها: فنن، وهو الغصن المستقيم طولا. قال النابغة: [الوافر] بكاء حمامة تدعو هديلا... مفجّعة على فنن تغنّي
وقال شاعر آخر: [البسيط] ما هاج شوقك من هديل حمامة... تدعو على فنن الغصون حماما
تدعو أبا فرخين صادف طائرا... ذا مخلبين من الصّقور قطاما
وقال آخر يصف طائرين: [البسيط] باتا على غصن بان في ذرى فنن... يردّدان لحونا ذات ألوان
وخص الأفنان بالذكر؛ لأنها هي التي تورق وتثمر، ومنها تمتد الظلال، ومنها تجتنى الثمار.
والفنن: جمعه أفنان، ثم أفانين. وقيل: المعنى: ذواتا ظلال، وهو ظل الأغصان على الحيطان. وقال ابن عباس-﵄: ذواتا ألوان، يعني: ألوان الفاكهة؛ أي: له فيهما ما تشتهي الأنفس، وتلذ الأعين. قال الشاعر: [الطويل]
стр. 6314
ومن كلّ أفنان اللذاذة والصّبا... لهوت به والعيش أخضر ناضر
وجمع عطاء بين القولين: فقال: في كل غصن فنون من الفاكهة. ومعنى ﴿مَقامَ رَبِّهِ:﴾ موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب. أو المعنى: وقوف العبد بين يدي الله تعالى في يوم القيامة لعلمه بأنه راجع إليه تعالى في ذلك اليوم الذي يفر المرء فيه من أخيه، وأمه، وأبيه، وصاحبته، وبنيه؛ لأن المقام للعبد، لا لله؛ لتنزهه عن المكان، وأضيف إليه تعالى؛ لملابسته له تعالى من حيث كونه بين يديه، ومقاما لحسابه.
هذا؛ و ﴿مَقامَ﴾ قرئ به في سورة (الدخان) بفتح الميم، وضمها. وقال الكسائي: المقام:
المكان. والمقام: الإقامة. وقال الجوهري: وأما المقام، والمقام؛ فقد يكون كل واحد منهما بمعنى: الإقامة، وقد يكون بمعنى: موضع القيام؛ لأنك إن جعلته من الثلاثي؛ فمفتوح، وإن جعلته من الرباعي؛ فمضموم، ويمكن أن يكون مصدرا ميميا، ويقدر فيه المضاف؛ أي: في موضع إقامة. هذا؛ وأصله (مقوم) فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها.
ثم قل: تحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها الان، فقلبت ألفا.
هذا؛ والخوف من الله شعار المقربين، وقرين المهتدين الصالحين، وهو بشير النجاة، والأمان الأكبر عند الله، وهو طريق لهداية القلوب النافرة، وسبيل لسلوك النفوس الحائرة، من استضاء بنوره؛ وصل، ومن تمسك بحبله؛ رشد، ومن أخذ نفسه به؛ هدي إلى صراط مستقيم، من خاف؛ سلم، ومن أطاع مولاه؛ غنم، ومن خاف ربه، وخشي ذنبه؛ استقام، واهتدى؛ لأنه علم: أن العمل اليوم، وأن الحساب غدا، لذلك كان الخوف من الله طريق الأنبياء، وحلية الأصفياء من الأتقياء، وكان رسول الله ﷺ أشدّ الناس خوفا من ربه مع شدة قربه من خالقه، فكان يختلي وحده، ويقول: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، وما تلذّذتم بطعام، ولا بشراب، ولا جلستم إلى نساء في فراش، ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون، وتدعون إلى الله حتى تلقوه». وكان يجمع أصحابه، ويخوفهم في الله، ويقول لهم: «لا أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي، ولا بكم غدا». وانظر ما ذكرته في سورة: (النجم) رقم [٦٠] وخذ ما يلي:
فعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه-جل وعلا-: أنه قال:
«وعزّتي وجلالي لا أجمع على عبدي خوفين، وأمنين! إذا خافني في الدّنيا؛ أمّنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدّنيا؛ أخفته في الاخرة». رواه ابن حبان في صحيحه. وعن واثلة بن الأسقع-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من خاف الله خوّف الله منه كلّ شيء، ومن لم يخف الله؛ خوّفه الله من كلّ شيء». رواه أبو الشيخ في كتاب الثواب. ولا تنس قوله تعالى في سورة (النازعات): ﴿فَأَمّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩) وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى﴾
стр. 6315
﴿النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى﴾ هذا؛ ولما ذكر الله أحوال أهل النار؛ ذكر ما أعده للأبرار، وهذا من باب المقابلة. انظر ما ذكرته في الاية رقم [١٥] من سورة (الذاريات).
الإعراب: ﴿وَلِمَنْ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (لمن): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿خافَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد. ﴿مَقامَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و (ربه) مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿جَنَّتانِ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿ذَواتا:﴾ صفة ﴿جَنَّتانِ،﴾ أو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هما ذواتا، فهو مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، و ﴿ذَواتا﴾ مضاف، و ﴿أَفْنانٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية المقدرة: «هما ذواتا أفنان» في محل رفع صفة ﴿جَنَّتانِ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ..﴾. إلخ: انظر الإعراب في الاية رقم [١٣].
﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥١) فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٣)﴾
الشرح: ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ أي: في الجنتين المذكورتين عينان تجريان بالماء الزلال إحداهما: التسنيم، والأخرى: السلسبيل. قاله ابن عباس، والحسن. وعن ابن عباس-﵄: عينان مثل الدنيا أضعافا مضاعفة، حصباؤهما الياقوت الأحمر، والزبرجد الأخضر، وترابهما الكافور، وحمأتهما المسك الأذفر، وحافتاهما الزعفران. وانظر أنواع الأنهار وماءها في الاية رقم [١٥] من سورة (محمد ﷺ . وقال أبو بكر الوراق: ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ،﴾ لمن كانت عيناه تجريان في الدنيا من مخافة الله ، وخذ ما يلي:
عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «كلّ عين باكية يوم القيامة إلاّ عين غضّت عن محارم الله، وعين سهرت في سبيل الله، وعين خرج منها مثل الذباب من خشية الله ». رواه الأصبهاني.
﴿فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ أي: صنفان، وكلاهما حلو يستلذ به. قال ابن عباس-﵄: ما في الدنيا شجرة حلوة، ولا مرة، إلا وهي في الجنة؛ حتى الحنظل إلا أنه حلو.
وقيل: ضربان: رطب، ويابس، لا يقصر هذا عن ذلك في الفضل، والطيب. وقيل: أراد تفضيل هاتين الجنتين على الجنتين اللتين دونهما، فإنه ذكرها هنا عينين جاريتين، وذكر هناك عينين تنضخان بالماء، والنضخ دون الجري، فكأنه قال: في تينك الجنتين من كل فاكهة نوع، وفي هذه الجنة من كل فاكهة نوعان.
стр. 6316
هذا؛ و ﴿عَيْنانِ﴾ تثنية: عين، وتطلق على الماء الجاري، أو النابع من الأرض، كما رأيت، وجمعها في القلة: أعين، وفي الكثرة: عيون. قال تعالى في سورة (الذاريات) وغيرها: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ وتجمع أيضا في الكثرة: أعيان، وهذا غير مشهور، وقليل الاستعمال، كما تطلق العين على العين الباصرة، وهو أشهر، وأكثر ما تستعمل في ذلك، كما تطلق على الجاسوس، كما في قولك: بث الأمير عيونه في المدينة؛ أي: جواسيسه، كما تطلق على ذات الشخص، كما في قولك: جاء محمود عينه. وتطلق على الشمس، وعين الشيء: خياره، وتطلق على النقد من ذهب، وغيره، وإليك قول الشاعر: [البسيط] واستخدموا العين مني وهي جارية... وقد سمحت بها أيّام وصلهم
فالمراد بالعين نفسه وذاته، والمراد ب: «جارية» عينه الباصرة التي تجري بالدمع، والمراد بقوله (بها) نقد الذهب، وهذا يسمى في فن البديع: استخداما. وتطلق العين على أشياء كثيرة، وعلى المطر الهاطل من السحاب، قال عنترة في معلقته رقم [٢٩] وهو الشاهد رقم [٣٥٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الكامل] جادت عليه كلّ عين ثرّة... فتركن كلّ حديقة كالدّرهم
هذا؛ وأعيان القوم: أشرافهم، وبنو الأعيان: الإخوة من الأبوين.
الإعراب: ﴿فِيهِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والميم، والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿عَيْنانِ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿تَجْرِيانِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والألف ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿عَيْنانِ﴾. ﴿فِيهِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾
متعلقان بمحذوف حال من ﴿زَوْجانِ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿فاكِهَةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿زَوْجانِ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية مستأنفة.
﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٥)﴾
الشرح: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ أي: مضطجعين، أو متربعين، وفي القاموس: توكأ عليه: تحامل، واعتمد. واتكأ: جعل له متّكأ، وقوله ﷺ : «أمّا أنا فلا آكل متّكئا» أي: جالسا جلوس المتمكن
стр. 6317
المتربع، ونحوه من الهيئات المستدعية لكثرة الأكل، بل كان جلوسه ﷺ للأكل مستوفزا، مقعيا غير متربع، ولا متمكن، وليس المراد الميل على شق، كما يظنه عوام الطلبة.
﴿عَلى فُرُشٍ:﴾ جمع فراش. ﴿بَطائِنُها:﴾ جمع بطانة، وهي التي تحت الظهارة. هذا؛ وبطانة الرجل: هو الذي يطلعه الرجل على أسراره ثقة به، قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١١٨]:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ..﴾. إلخ. ﴿مِنْ إِسْتَبْرَقٍ:﴾ هو ما غلظ من الديباج، والسندس هو الرقيق من الديباج، واحده: سندسة، والإستبرق موشى بالذهب، واحده:
إستبرقة. وهل هو عربي الأصل مشتق من البريق، أو هو معرب، أصله: إستبره؟ خلاف بين اللغويين، وفي سورة (الكهف) رقم [٣١]: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾.
هذا؛ وقال ابن مسعود، وأبو هريرة-﵄: إذا كانت البطانة التي تلي الأرض هكذا، فما ظنك بالظهارة؟ وقيل لسعيد بن جبير-﵁: البطائن من إستبرق؛ فما الظواهر؟ قال: هذا مما قال الله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. وقال ابن عباس-﵄: إنما وصف لكم بطائنها؛ لتهتدي إليه قلوبكم، فأما الظواهر فلا يعلمها إلا الله. وفي الخبر عن النبي ﷺ : أنه قال «ظواهرها نور يتلألأ». وهذا يدل على نهاية شرف هذه الفرش؛ لأنه ذكر: أن بطائنها من إستبرق، ولا بد أن تكون الظهائر خيرا من البطائن، فهو مما لا يعلمه البشر.
﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ:﴾ الجنى: ما يجتنى من الشجر. يقال: «أتانا بجناة طيبة» لكل ما يجتنى، وثمر جنيّ (على فعيل) حين جني. قال عمرو بن عدي اللخمي ابن أخت جذيمة الأبرش: [الرجز] هذا جناي وخياره فيه... إذ كلّ جان يده إلى فيه
و ﴿دانٍ﴾ قريب. قال ابن عباس-﵄: تدنو الشجرة؛ حتى يجتنيها ولي الله إن شاء قائما، وإن شاء قاعدا، وإن شاء مضطجعا، لا يرد يده بعد، ولا شوك. وخذ قوله تعالى في سورة (الحاقة): ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ،﴾ وفي سورة (الدهر): ﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً﴾.
هذا؛ وإعلال ﴿دانٍ﴾ مثل إعلال ﴿فانٍ﴾ في الاية رقم [٢٦] مع العلم: أن أصله: (دانو)؛ لأنه من: دنا، يدنو، فهو واوي بخلاف ﴿فانٍ﴾ فإنه يائي من: فنى، يفنى.
الإعراب: ﴿مُتَّكِئِينَ:﴾ حال عامله محذوف، التقدير: يتنعمون، فهو حال من واو الجماعة، أو هو حال من: الخائفين؛ لأنّ: (من خاف) في معنى الجمع. وقيل: هو منصوب على المدح للخائفين بفعل محذوف. وفاعله مستتر فيه؛ لأنه جمع: متكئ. ﴿عَلى فُرُشٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾. ﴿بَطائِنُها:﴾ مبتدأ، و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ إِسْتَبْرَقٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جر صفة ﴿فُرُشٍ﴾.
﴿وَجَنَى:﴾ (الواو): حرف استئناف. (جنى): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف
стр. 6318
للتعذر، و (جنى) مضاف، و ﴿الْجَنَّتَيْنِ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿دانٍ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال؛ ففيه ضعف ظاهر. وقيل: معطوفة على ما قبلها.
﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٧)﴾
الشرح: ﴿فِيهِنَّ:﴾ في الجنتين المذكورتين. قال الزجاج: وإنما قال: ﴿فِيهِنَّ﴾ ولم يقل:
فيهما؛ لأنه عنى الجنتين، وما أعد لصاحبهما من النعيم. وقيل: ﴿فِيهِنَّ﴾ يعود على الفرش التي بطائنها من إستبرق؛ أي: في هذه الفرش.
﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ:﴾ قصرن أعينهن على أزواجهن لا يرين ولا ينظرن غيرهم. قال ابن زيد -رحمه الله تعالى-: تقول الواحدة منهن لزوجها: وعزة ربي ما أرى في الجنة أحسن منك، فالحمد لله الذي جعلك زوجي، وجعلني زوجتك. فقاصرات اسم فاعل من قولهم: اقتصر على كذا إذا اقتنع به، وعدل عن غيره. قال امرؤ القيس: [الطويل] من القاصرات الطّرف لو دبّ محول... من الذّرّ فوق الإتب منها لأثّرا
ويروى (فوق الخدّ) والأول أبلغ، والإتب القميص، والمحول الصغير من الذر، وأما الطرف فهو تحريك جفن العين؛ إذا نظرت، فوضع موضع النظر، ولما كان الناظر موصوفا بإرسال الطرف في نحو قول الشاعر: [الطويل] وكنت إذا أرسلت طرفك رائدا... لقلبك يوما أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كلّه أنت قادر... عليه ولا عن بعضه أنت صابر
وقد وصف آصف سليمان برد الطرف، ووصف الطرف بالارتداد بقوله تعالى حكاية عن قول آصف: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ في الاية رقم [٤٠] من سورة (النمل) وقد يراد بالطرف الجفن خاصة كما في قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل] أشارت بطرف العين خيفة أهلها... إشارة محزون ولم تتكلّم
فأيقنت أنّ الطرف قد قال: مرحبا... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم
هذا؛ وفي المختار: الطرف: العين، ولا يثنى، ولا يجمع؛ لأنه في الأصل مصدر، فيكون واحدا جمعا، قال تعالى: ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ﴾ الاية رقم [٤٣] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ومثله قولهم: قوم عدل وصوم.
стр. 6319
﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ أي: لم يجامعهن قبل أزواجهن هؤلاء أحد. والطمث:
الافتضاض، وهو النكاح بالتّدمية، وطمث، يطمث من الباب الأول، والثاني طمثا إذا افتضها، ومنه قيل: امرأة طامث؛ أي: حائض، والطمث: الحيض، ومن الأول قول الفرزدق: [الوافر] خرجن إليّ لم يطمثن قبلي... وهنّ أصحّ من بيض النعام
فبتن بجانبيّ مصرّعات... وبتّ أفضّ أغلاق الختام
وعن الفرزدق: أن سليمان بن عبد الملك لما سمع البيتين، قال له: قد وجب عليك الحد يا فرزدق! قال: يا أمير المؤمنين قد درأ الله عنّي الحد بقوله: ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ الايات من آخر سورة (الشعراء). وفي هذه الاية دليل على أن الجني يجامع الإنسي، وتدخل الجنّ الجنة. وسئل ضمرة بن حبيب: هل للجن ثواب؟ فقال: نعم، وقرأ هذه الاية، ثم قال الإنسيات للإنس، والجنيات للجن. وقال مجاهد في هذه الاية: إذا جامع الرجل المسلم، ولم يسم انطوى الجني على إحليله، فجامع معه، أقول: وقد بينات هذا في سورة (الإسراء) رقم [٦٤].
واختلف في هؤلاء اللواتي لم يطمثن، فقيل: هن الحور العين؛ لأنهن خلقن في الجنة لم يمسهن أحد قبل أزواجهن. وقيل: إنهن من نساء الدنيا، أنشئن خلقا آخر أبكارا، كما وصفهن لم يمسهن منذ أنشئن خلقا آخر أحد. وقيل: هن الادميات اللاتي متن أبكارا. ومعنى الاية المبالغة في نفي الطمث عنهن؛ لأن ذلك أقر لأعين أزواجهن إذا لم يغشهن أحد غيرهم. وانظر ما أذكره في سورة (الواقعة). هذا؛ وقد ذكرت فيما مضى: أن أبا حنيفة-رحمه الله تعالى-يقول: إن الجن المؤمنين لا يدخلون الجنة، وإن جزاءهم على طاعاتهم عدم دخول النار فبعد حضورهم الموقف يوم القيامة، ومحاسبتهم يصيرون ترابا كالبهائم. والمعتمد الأول. وبالله التوفيق وبه أستعين.
هذا؛ والإنس: البشر، الواحد: إنسي بكسر الهمزة فيهما، وجمع الإنسي: أناس، كما في قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٧١]: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ..﴾. إلخ، وأناسيّ، كما في قوله تعالى في سورة (الفرقان): ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً﴾ ويقال: أناسية، مثل: صيارفة وصياقلة. هذا؛ وسمي بنو آدم إنسا لظهورهم، وأنهم يؤنسون؛ أي: يبصرون، كما سمي الجن جنا لاجتنانهم؛ أي: لاختفائهم عن أعين البشر، وسمّي بنو آدم بشرا لبدوّ بشرتهم، كما رأيت في الاية رقم [٢٤] من سورة (القمر)، وانظر شرح ﴿النّاسَ﴾ في الاية رقم [٢٤] من سورة (الحديد). والله أعلم بمراده.
الإعراب: ﴿فِيهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿قاصِراتُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿الطَّرْفِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم
стр. 6320
الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَطْمِثْهُنَّ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿إِنْسٌ﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من المحذوف الموصوف ب: ﴿قاصِراتُ،﴾ أو في محل رفع صفة ثانية للموصوف المحذوف؛ إذ أصل الكلام: فيهن نساء قاصرات... إلخ.
﴿قَبْلَهُمْ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلا:﴾ (الواو):
حرف عطف. (لا): نافية، ويقال: صلة لتأكيد النفي. ﴿جَانٌّ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ..﴾. إلخ: انظر إعرابها في الاية رقم [١٣].
﴿كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٩) هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦١)﴾
الشرح: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ:﴾ أراد صفاء الياقوت في بياض المرجان، وهو صغار اللؤلؤ وأشده بياضا. وقيل: شبه لونهن ببياض اللؤلؤ مع حمرة الياقوت؛ لأن أحسن الألوان البياض المشوب بحمرة، والأصح: أنه شبههن بالياقوت لصفائه؛ لأنه حجر لو أدخلت فيه سلكا، ثم استصفيته؛ لرأيت السلك من ظاهره لصفائه. وقال عمرو بن ميمون: إن المرأة من الحور العين لتلبس سبعين حلة، فيرى مخ ساقها من وراء الحلل، كما يرى الشراب الأحمر من الزجاجة البيضاء. يدل على صحة ذلك ما روي عن ابن مسعود-﵁-عن النبي ﷺ قال: «إنّ المرأة من نساء أهل الجنّة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلّة حتّى يرى مخّها، وذلك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ﴾ فأما الياقوت؛ فإنّه حجر لو أدخلت فيه سلكا، ثمّ استصفيته لأريته من ورائه». أخرجه الترمذي. وقد روي عن ابن مسعود بمعناه، ولم يرفعه، وهو أصح. انتهى. خازن. والياقوت جوهر نفيس أحمر اللون، يقال: إن النار لا تؤثر فيه، قال بعضهم: [الخفيف] ألقني في لظى فإن غيّرتني... فتيقّن أن لست بالياقوت
ومن خواصه: أنه يقطع جميع الحجارة إلا الماس، فإنه يقطعه لصلابته، وقلة مائه، وشدة الشعاع، والثقل والصبر على النار. ففي الاية الكريمة تشبيه مرسل لوجود الأداة، أما وجه الشبه؛ فهو الصفاء، والبريق، واللمعان.
وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر». زاد في رواية: «ثمّ الذين يلونهم على أشدّ كوكب درّي في السماء إضاءة، لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوطون، آنيتهم الذهب والفضة، وأمشاطهم الذهب، ومجامرهم الألوّة، ورشحهم المسك، ولكلّ واحد منهم زوجتان، يرى مخ سوقهما من
стр. 6321
وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم، ولا تباغض، قلوبهم قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا». متفق عليه. وللبخاري: قلوبهم على قلب رجل واحد. وزاد فيه: «ولا يسقمون».
مجامرهم الألوة يعني: بخورهم العود. هذا؛ والياقوت جوهر نفيس، يقال: إن النار لا تؤثر فيه، ومن المعلوم: أن الياقوت أحمر اللون. فهذا التشبيه يقتضي: أن لون أهل الجنة البياض المشرب بحمرة، فبينا في المقرر المعلوم من أنه البياض المشرب بصفرة. وعن أم سلمة-﵂-قالت: قلت لرسول الله ﷺ : أخبرني عن قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ﴾ قال:
«صفاؤهن كصفاء الدرّ، الذي في الأصداف، الذي لا تمسّه الأيدي».
﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ أي: ما جزاء من أحسن العمل في الدنيا إلا أن يحسن الله إليه في الاخرة بدخول الجنة، والرضا عنه، كما قال تعالى في سورة (يونس) رقم [٢٦]: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ،﴾ وقال في سورة (النجم) رقم [٣١]: ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾. وعن ابن عباس-﵄-أن النبي ﷺ قرأ هذه الاية فقال: «يقول الله: هل جزاء من أنعمت عليه بمعرفتي وتوحيدي إلا أن أسكنه جنتي، وحظيرة قدسي برحمتي».
وقال محمد بن الحنفية، والحسن البصري-﵄: هي مسجلة للبر، والفاجر؛ أي: مرسلة، يعني أن كل من أحسن أحسن الله إليه، وكل من أساء أسيء إليه، وخذ قول النبي ﷺ وهو من شواهد النحو على حذف كان مع اسمها، أو على حذفها مع خبرها فمن الأول:
«الناس مجزيّون بأعمالهم، إن خيرا؛ فخير وإن شرا فشرّ». أي: إن كان عملهم خيرا؛ فجزاؤهم خير، وإن كان عملهم شرا؛ فجزاؤهم شرّ. ومن الثاني وهي رواية أخرى: «إن خير فخيرا، وإن شرّ فشرا». أي: إن كان في عملهم خير فسيجزون خيرا. وإن كان في عملهم شر فسيجزون شرا. ولا تنس جواب الرسول ﷺ لجبريل ﵇ لما سأله عن الإحسان، فقال له:
«الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
بعد هذا ف: «هل» تأتي على أوجه: تكون بمعنى قد، كما في قوله تعالى في سورة (الإنسان) رقم [١]: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ..﴾. إلخ، وتكون بمعنى الاستفهام، كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا..﴾. إلخ رقم [٤٤] من سورة (الأعراف)، وتكون بمعنى الأمر، كقوله تعالى:
﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ رقم [٩١] من سورة (المائدة)، وتكون بمعنى التمني، كما في قوله تعالى:
﴿فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا﴾ رقم [٥٣] من سورة (الأعراف)، وتكون بمعنى النفي كما في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ رقم [٣٥] من سورة (النحل)، والنفي في الاية التي نحن بصدد شرحها لا يخفى، وانظر مبحث ﴿هَلْ﴾ وشواهدها في كتابنا: «فتح القريب المجيب».
الإعراب: ﴿كَأَنَّهُنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿الْياقُوتُ:﴾ خبر (كأنّ)، والجملة الاسمية في محل رفع صفة للموصوف ب: ﴿قاصِراتُ﴾
стр. 6322
وهو محذوف، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، التقدير: مشبهات الياقوت
إلخ. ﴿وَالْمَرْجانُ:﴾ الواو: حرف عطف. (المرجان): معطوف على ما قبله. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام بمعنى (ما) النافية. ﴿جَزاءُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْإِحْسانِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْإِحْسانِ:﴾ خبر المبتدأ، وهو في المعنى فاعل بالمصدر ﴿جَزاءُ﴾. تأمل. وانظر إعراب: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ..﴾. إلخ في الاية رقم [١٣]. والجملة:
﴿هَلْ جَزاءُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٣) مُدْهامَّتانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٥)﴾
الشرح: ﴿وَمِنْ دُونِهِما﴾ أي: ومن دون الجنتين الأوليين جنتان أخريان. وقال ابن عباس ﵄: ومن دونهما في الدّرج. وقال ابن زيد: ومن دونهما في الفضل. وقال أبو موسى الأشعري-﵁: جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من فضة للتابعين. وقال ابن جريج: هن أربع جنان: جنتان للمقربين السابقين، فيهما من كل فاكهة زوجان. وجنتان لأصحاب اليمين، والتابعين فيهما فاكهة، ونخل، ورمان. وعن أبي موسى الأشعري-﵁-أن النبي ﷺ قال: «جنتان من فضة آنيتهما، وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما، وما فيهما، وما بين القوم، وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن».
وقال الكناني: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ يعني: أمامهما وقبلهما، يدل عليه قول الضحاك:
الجنتان الأوليان من ذهب، وفضة، والجنتان الأخريان من ياقوت، وزبرجد، وهما أفضل من الأوليين، انتهى. خازن وغيره، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
﴿مُدْهامَّتانِ﴾ أي: خضراوان، أو سوداوان من ريهما، وشدة خضرتهما؛ لأن الخضرة إذا اشتدت ضربت إلى السواد، والدهمة في اللغة السواد، يقال: فرس أدهم، وبعير أدهم، وناقة دهماء؛ أي: اشتدت زرقته حتى ذهب البياض الذي فيه، والعرب تقول لكل أخضر: أسود، قال لبيد-﵁-يرثي قتلى هوازن: [الطويل] وجاؤوا به في هودج ووراءه... كتائب خضر في نسيج السّنوّر
ويعني (به) قتادة بن مسلمة الحنفي، والسنور: لبوس من قدّ كالدرع. وسميت قرى العراق سوادا لكثرة خضرتها، ويقال للّيل المظلم: أخضر، ويقال: أباد الله خضراءهم؛ أي: سوادهم.
هذا؛ والجنة في الأصل: البستان الكثير الأشجار، وسميت بذلك؛ لأنها تجن؛ أي: تستر من يدخل فيها لكثرة أشجارها، وكثافتها، قال أبو عمر الداني: ولا أعلم كلمة هي وحدها آية إلا قوله تعالى في سورة (الرحمن): ﴿مُدْهامَّتانِ﴾.
стр. 6323
الإعراب: ﴿وَمِنْ:﴾ (الواو): حرف عطف، أو حرف استئناف. (من دونهما): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿جَنَّتانِ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الفاء. ﴿مُدْهامَّتانِ:﴾ صفة ﴿جَنَّتانِ﴾ مرفوع مثله... إلخ، وانظر إعراب قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ..﴾. إلخ في الاية [١٣].
﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٧) فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٩)﴾
الشرح: ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ أي: فوارتان بالماء، قاله ابن عباس-﵄.
والنضخ بالخاء أكثر من النضح بالحاء، والجري أقوى من النضخ، وقال ابن عباس، والضحاك:
تنضخان بالخير والبركة على أهل الجنة. وقال ابن مسعود، وابن عباس وأنس-﵃:
تنضخان بالمسك، والكافور، والعنبر على أولياء الله في دور الجنة كطش المطر. وقيل: المعنى:
ممتلئتان، ولا تنقطعان. ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمّانٌ:﴾ أفردهما بالذكر لشرفهما على غيرهما، كقوله تعالى في التنويه بشأن الصلاة الوسطى: ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾ رقم [٢٣٨] من سورة (البقرة)، وكقوله في التنويه بشأن جبريل وميكائيل: ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ﴾ الاية رقم [٩٧] من سورة (البقرة). وقال بعض العلماء: ليس الرمان، والنخل من الفاكهة؛ لأن الشيء لا يعطف على نفسه، وإنما يعطف على غيره، وهذا ظاهر الكلام. وقيل: إنما أفردهما بالذكر؛ لأن النخل، والرمان كانا عندهم في ذلك الوقت بمنزلة البر عندنا؛ لأن النخل عامة قوتهم، والرمان كالثمرات، فكان يكثر غرسهما عندهم لحاجتهم إليهما، وكانت الفواكه عندهم من ألوان الثمار التي يعجبون بها، فإنما ذكر الفاكهة، ثم ذكر النخل والرمان لعمومهما وكثرتهما عندهم من المدينة إلى مكة، إلى ما والاها من أرض اليمن، فأخرجهما في الذكر من الفواكه، وأفرد الفواكه على حدتها. وقيل: أفردا بالذكر؛ لأن النخل ثمرة فاكهة، وطعام، والرمان فاكهة، ودواء، فلم يخلصا للتفكه، ولذا قال أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-: إذا حلف أن لا يأكل فاكهة، فأكل رمانا، أو رطبا؛ لم يحنث. وخالفه صاحباه، والناس في ذلك.
هذا؛ وروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري-﵁-أن رسول الله ﷺ قال:
«نظرت إلى الجنّة فإذا الرّمّانة من رمّانها كالبعير المقتّب» وفي بعض الأخبار: نخل الجنة نضيد، من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال القلال، كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، وإن ماءها ليجري في غير أخدود، والعنقود اثنا عشر ذراعا.
стр. 6324
وعن عمر بن الخطاب-﵁-قال: جاء أناس من اليهود إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا محمد! أفي الجنة فاكهة؟ قال: «نعم فيها فاكهة ونخل ورمّان» قالوا: أفيأكلون كما يأكلون في الدنيا؟ قال: «نعم وأضعاف». قالوا: فيقضون الحوائج؟ قال: «لا؛ ولكنّهم يعرقون، ويرشحون فيذهب ما في بطونهم من أذى» أخرجه عبد بن حميد في مسنده. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿فِيهِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿عَيْنانِ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿نَضّاخَتانِ:﴾ صفة ﴿عَيْنانِ﴾ مرفوع مثله، وعلامة الرفع فيهما الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فِيهِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿فاكِهَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، وما بعده معطوف عليه، والجملة الاسمية مستأنفة مثل التي قبلها، لا محل لها، وانظر إعراب: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ..﴾. إلخ في الاية رقم [١٣].
﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٧٤)﴾
الشرح: ﴿فِيهِنَّ﴾ أي: في الجنان الأربع. ﴿خَيْراتٌ حِسانٌ:﴾ عن أم سلمة-﵂ قالت قلت: لرسول الله ﷺ : أخبرني عن قوله تعالى: ﴿خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ قال: «خيرات الأخلاق حسان الوجوه». رواه الطبراني في الكبير، والأوسط، وإذا كان الله قد وصفهن بكرم الأخلاق وحسن الوجوه؛ فمن هذا الذي يعرف مقدار ذلك.
وفي الحديث: «إن الحور يأخذ بعضهن بأيدي بعض، ويتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بأحسن منها، ولا بمثلها: نحن الراضيات، فلا نسخط أبدا، ونحن المقيمات، فلا نظعن أبدا، ونحن الخالدات، فلا نموت أبدا، ونحن الناعمات، فلا نبؤس أبدا، ونحن خيرات حسان حبيبات لأزواج كرام». خرجه الترمذي بمعناه من حديث علي-﵁. وقالت عائشة ﵂: إن الحور العين إذا قلن هذه المقالة أجابهن المؤمنات من نساء أهل الدنيا:
نحن المصليات، وما صليتنّ، ونحن الصائمات، وما صمتنّ، ونحن المتوضئات، وما توضأتنّ، ونحن المتصدقات، وما تصدقتنّ. فقالت عائشة-﵂: فغلبنهنّ والله!.
﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ:﴾ ﴿مَقْصُوراتٌ:﴾ محبوسات، مستورات، ﴿فِي الْخِيامِ:﴾ في الحجال لسن بالطوافات في الطرق. هذا؛ وقد قال تعالى في الأوليين: ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أي قصرن طرفهن على الأزواج، ولم يذكر: أنهن مقصورات، فدل على أن المقصورات أعلى،
стр. 6325
وأفضل. وفي الصحاح: وقاصرات الشيء، أقصره قصرا: حبسته، وامرأة قصيرة، وقصورة؛ أي:
مقصورة في البيت بمعنى: مخدرة لا تترك أن تخرج، قال كثير عزة يخاطبها: [الطويل] وأنت التي حبّبت كلّ قصيرة... إليّ وما تدري بذاك القصائر
عنيت قصيرات الحجال ولم أرد... قصار الخطى شرّ النّساء البحاتر
﴿فِي الْخِيامِ:﴾ جمع: خيمة، قيل: خيام الجنة من درّ ولؤلؤ، وزبرجد، مجوف، تضاف إلى القصور في الجنة. وعن أبي موسى الأشعري-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوّفة، طولها في السماء ستّون ميلا، للمؤمن فيها أهلون، يطوف عليهم المؤمن، فلا يرى بعضهم بعضا». رواه البخاري، ومسلم، والترمذي.
﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ..﴾. إلخ: انظر الاية رقم [٥٦].
الإعراب: ﴿فِيهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿خَيْراتٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿حِسانٌ:﴾ صفة ﴿خَيْراتٌ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿حُورٌ:﴾ بدل من ﴿خَيْراتٌ،﴾ أو هو مبتدأ خبره محذوف، التقدير: فيهن حور، وعليه فالجملة الاسمية مستأنفة مثل سابقتها، لا محل لها. ﴿مَقْصُوراتٌ:﴾ صفة ﴿حُورٌ﴾. ﴿فِي الْخِيامِ:﴾ متعلقان ب: ﴿مَقْصُوراتٌ﴾. ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ..﴾. إلخ انظر إعرابها في الاية رقم [٥٦].
والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿حُورٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه، بما تقدم، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلست مفندا.
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٧) تَبارَكَ اِسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٧٨)﴾
الشرح: ﴿مُتَّكِئِينَ:﴾ انظر الاية رقم [٥٤]. ﴿عَلى رَفْرَفٍ:﴾ الرفرف: رياض الجنة. ﴿خُضْرٍ:﴾
مخصبة، ويروى هذا عن ابن عباس-﵄. وقيل: إن الرفرف البسط. وقيل: الفرش المرتفعة. وقيل: كل ثوب عريض عند العرب فهو رفرف، قال ابن مقبل: [الطويل] وإنا لنزّالون تغشى نعالنا... سواقط من أصناف ريط ورفرف
وقال عاصم الجحدري: الرفرف: الوسائد، وهو قول الحسن البصري. هذا؛ وقال الترمذي:
فالرفرف أعظم خطرا من الفرش، فذكر في الأوليين: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ وقال هنا: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ فالرفرف هو شيء إذا استوى عليه الولي رفرف به؛ أي: طار به هكذا وهكذا حيث ما يريد كالمرجاح. هذا؛ ورفرف اسم للجمع، فلذلك نعت ب: ﴿خُضْرٍ﴾ وهو جمع: أخضر، فهو كقولك: رهط كرام، وقوم لئام. وقيل: هو جمع، واحده: رفرفة.
стр. 6326
﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ:﴾ قيل: هي الزرابي، والطنافس الثخان. وقيل: هي الطنافس الرقاق.
وقيل: كل ثوب موشى عند العرب، فهو عبقري. قاله العتبي. وقال أبو عبيد: هو منسوب إلى أرض يعمل فيها الوشي، فينسب إليها كل وشي حبك، قال ذو الرمة: [البسيط] حتّى كأنّ رياض القفّ ألبسها... من وشي عبقر تجليل وتنجيد
وقال الخليل: كل جليل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم فهو عبقري عند العرب، ومنه قول النبي ﷺ في عمر: «فلم أر عبقريّا يفري فريّه» وأصل هذا فيما قيل: إنه نسب إلى عبقر، وهي أرض يسكنها الجن، فصار مثلا لكل منسوب إلى شيء رفيع عجيب، وذلك: أن العرب تعتقد في الجن كل صفة عجيبة، وأنهم يأتون بكل أمر عجيب، ولما كانت عبقر معروفة بسكنى الجن؛ نسبوا إليها كل شيء عجيب. هذا؛ وقد قال أبو عمرو بن العلاء، وقد سئل عن قول النبي ﷺ في عمر-﵁: «فلم أر عبقريّا يفري فريّه» فقال: العبقري رئيس قوم وجليلهم.
والحديث بتمامه كما يلي، قال النبي ﷺ : «بينا أنا نائم رأيتني على قليب، عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة، فنزع منها ذنوبا، أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف، والله يغفر له، ثم استحالت غربا؛ فأخذها ابن الخطاب فاستحالت في يده غربا، فلم أر عبقريّا من الناس يفري فريّه؛ فنزع عمر، حتى ضرب الناس بعطن». (القليب): البئر.
(الذنوب): الدلو العظيمة. (غربا): دلوا كبيرا. وفي نزعه ضعف: إشارة إلى مدة خلافته، وهي سنتان. (ضرب الناس بعطن): حتى اتخذ الناس حولها بركا لإبلهم لغزارة مائها. أخرج الحديث البخاري من حديث عبد الله بن عمر-﵄، وقال زهير بن أبي سلمى: [الطويل] بخيل عليها جنّة عبقرية... جديرون يوما أن ينالوا فيستعلوا
أقول: وبالجملة فالعبقري من كل نوع، ومن أي شيء ما يجمع فضائل ذلك النوع، وفضائل ذلك الشيء مثل لفظ: (كريم) فإنه صفة جليلة لكل ما يرضي في بابه. انظر الاية رقم [١١] من سورة (الحديد). وقال الجوهري: العبقري: موضع تزعم العرب أنه من أرض الجن، قال لبيد ﵁: [الطويل] ومن ساد من إخوانهم وبنيهم... كهول وشبّان كجنّة عبقر
وقال آخر: [المتقارب] فوارس ذبيان تحت الحدي... د كالجنّ يوفضن من عبقر
ثم نسبوا إليه كل شيء يعجبون من حذقه، وجودة صنعته، وقوته، فقالوا: عبقري، وهو واحد وجمع. هذا؛ وروى أبو بكر-﵁-أن رسول الله ﷺ قرأ: «(متكئين على رفارف خضر وعباقر حسان)».
стр. 6327
تنبيه بل فائدة: يقول الغربيون، والشرقيون عن النبي ﷺ : عبقري، ولا يقولون: نبي، ورسول؛ لأنهم لا يعترفون بنبوته، ورسالته، ويريدون أن يلفتوا أنظار الناس عن الغرض الأسمى، والغاية العظمى من اتباعه والاهتداء بهديه. ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ..﴾. إلخ: تكاثر خيره من البركة، وهي كثرة الخير، وزيادته، ومعنى «تبارك الله»: تزايد خيره، وتكاثر، أو تزايد عن كل شيء، وتعالى عنه في صفاته، وأفعاله، وهي كلمة تعظيم، وتقديس، لم تستعمل إلا لله وحده، وهو ملازم للماضي، لا يأتي منه مضارع، ولا أمر، قال الطّرمّاح: [الطويل] تباركت لا معط لشيء منعته... وليس لما أعطيت يا ربّ مانع
وقال آخر: [الطويل] تباركت ما تقدر يقع ولك الشّكر
أي ما تقدّر من القضاء، والقدر. والمعنى: تعالى اسمه من حيث إنه مطلق على ذاته، فما بالك بذاته؟ وقيل: ﴿اِسْمُ﴾ بمعنى الصفة، أو هو مقحم، قال لبيد بن ربيعة العامري-﵁-من أبيات قالها لابنتيه قرب وفاته: [الطويل] إلى الحول ثمّ اسم السّلام عليكما... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
هذا؛ وقال القرطبي: أي: هذا الاسم، الذي افتتح به هذه السورة، كأنه يعلمهم أن هذا كله خرج لكم من رحمتي، فمن رحمتي خلقتكم، وخلقت لكم السماء، والأرض، والخلق، والخليقة، والجنة، والنار، فهذا كله لكم من اسم الرحمن، فمدح اسمه، ثم قال: ﴿ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ أي: جليل في ذاته، كريم في أفعاله. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٢٧]. هذا؛ وقيل:
لما ختم الله نعم الدنيا بقوله: ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ وفيه إشارة إلى أن الباقي هو الله تعالى وأن الدنيا فانية؛ ختم نعمة الاخرة بهذه الاية، وهو إشارة إلى تمجيده، وتحميده.
هذا؛ وعن ثوبان-﵁-قال: كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته؛ استغفر ثلاثا، وقال: «اللهمّ أنت السّلام، ومنك السّلام، تباركت يا ذا الجلال، والإكرام». أخرجه مسلم. وعن عائشة-﵂-قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سلم من الصلاة؛ لم يقعد إلا مقدار ما يقول: «اللهمّ أنت السّلام، ومنك السّلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام». أخرجه أبو داود، والنسائي.
الإعراب: ﴿مُتَّكِئِينَ:﴾ حال عامله محذوف على مثال ما رأيت في الاية رقم [٥٤] إذ التقدير:
يتنعمون متكئين، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَلى رَفْرَفٍ:﴾ متعلقان بمتكئين. ﴿خُضْرٍ:﴾ صفة ﴿رَفْرَفٍ﴾.
﴿وَعَبْقَرِيٍّ:﴾ الواو: حرف عطف. (عبقري): معطوف على ﴿رَفْرَفٍ﴾. ﴿حِسانٍ:﴾ صفة (عبقري). ﴿تَبارَكَ:﴾ فعل ماض. ﴿اِسْمُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف
стр. 6328
في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿ذِي:﴾ صفة ﴿رَبِّكَ﴾ مجرور مثله، وقرأ ابن عامر: «(ذو)» بالواو صفة للاسم، وعلامة الجر الياء، أو علامة الرفع الواو نيابة عن الكسرة، أو الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذِي﴾ مضاف، و ﴿الْجَلالِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْإِكْرامِ:﴾ الواو: حرف عطف. (الإكرام): معطوف على ما قبله. وجملة: ﴿تَبارَكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
خاتمة: ذكرت لك في مقدمة هذه السورة الحديث الذي رواه جابر عن النبي ﷺ ، وذكرت لك: أن الاية ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ..﴾. إلخ كررت في هذه السورة إحدى وثلاثين مرة، وتفصيلها هنا: أن ثمانية منها ذكرت عقب آيات فيها تعداد عجائب خلق الله، وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق، ومعادهم، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار، وشدائدها على عدد أبواب جهنم، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلهما على عدد أبواب الجنة، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين اللتين دونهما، فمن اعتقد الثمانية الأولى، وعمل بموجبها، فتحت له أبواب الجنة، وأغلقت عنه أبواب جهنم، نعوذ بالله منها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.
انتهت سورة (الرحمن) شرحا وإعرابا بحمد الله وتوفيقه.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 6329
سورة الواقعة
بسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (الواقعة) وهي مكية في قول الحسن، وعكرمة، وجابر، وعطاء. وقال ابن عباس، وقتادة: إلا آية منها نزلت بالمدينة، وهي قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾. وهي سبع وتسعون آية، وثلاثمئة وثمان وسبعون كلمة، وألف وسبعمئة وثلاثة أحرف.
قال مسروق-رحمه الله تعالى-: من أراد أن يعلم نبأ الأولين، والاخرين، ونبأ أهل الجنة، ونبأ أهل النار، ونبأ أهل الدنيا، ونبأ أهل الاخرة؛ فليقرأ سورة (الواقعة). وذكر أبو عمر بن عبد البر في «التمهيد»: أن عثمان-﵁-دخل على ابن مسعود-﵁، يعوده في مرضه الذي مات فيه، فقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي، قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي، قال: أفلا ندعو لك طبيبا؟ قال: الطبيب أمرضني، قال: أفلا نأمر لك بعطائك؟ قال: لا حاجة لي فيه، حبسته عني في حياتي، وتدفعه لي عند مماتي، قال: يكون لبناتك من بعدك، قال:
أتخشى على بناتي الفاقة من بعدي، إني أمرتهن أن يقرأن سورة (الواقعة) كل ليلة، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ سورة الواقعة كلّ ليلة لم تصبه فاقة أبدا». أخرجه البغوي.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣) إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (٦)﴾
الشرح: ﴿إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ﴾ أي: إذا قامت القيامة، والواقعة: اسم للقيامة، مثل الازفة، وسميت بذلك لتحقق وجودها، ووقوعها، كما قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ﴾ وسميت بذلك لكثرة ما يقع فيها من الشدائد، والمراد: النفخة الأخيرة؛ التي يخرج الناس فيها من قبورهم للحساب، والجزاء.
﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ أي: نفس كاذبة؛ أي: لا تكون حين تقع القيامة نفس تكذب على الله، وتكذب في تكذيب الغيب؛ لأن كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات، فهي كقوله تعالى في سورة (غافر): ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾ رقم [٨٤] وقوله تعالى:
﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ رقم [٥٥] من سورة (الحج).
стр. 6330
﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ أي: تخفض المتكبرين، وترفع المستضعفين. وقال عمر بن الخطاب-﵁: خفضت أعداء الله في النار، ورفعت أولياء الله في الجنة. وقال محمد بن كعب القرظي:
خفضت أقواما كانوا في الدنيا مرفوعين ورفعت أقواما كانوا في الدنيا مخفوضين. والخفض، والرفع يستعملان عند العرب في المكان، والمكانة، والعز، والمهانة، ونسب سبحانه الخفض، والرفع للقيامة، توسعا ومجازا على عادة العرب في إضافتها الفعل إلى المحل، والزمان، وغيرهما مما لم يكن منه الفعل، يقولون: ليل نائم، ونهار صائم. قال تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ رقم [٣٣] من سورة (سبأ) والخافض، والرافع على الحقيقة إنما هو الله تعالى وحده، فرفع أولياءه في أعلى الدرجات، وخفض أعداءه في أسفل الدركات، وبينهما مطابقة.
﴿إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ أي: إذا حركت، وزلزلت زلزالا، قال تعالى في سورة (الزلزلة): ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها..﴾. إلخ، وذلك: أن الله إذا أوحى إليها اضطربت فرقا، ووجلا. قال المفسرون: ترتج كما يرتج الصبي في المهد حتى ينهدم كل ما عليها، وينكسر كل شيء عليها من الجبال، وغيرها. وعن ابن عباس-﵄: الرجة: الحركة الشديدة يسمع لها صوت.
﴿وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا﴾ أي: فتتت حتى صارت كالدقيق المبسوس، والبسيسة: السويق، أو الدقيق يلتّ بالسمن، أو بالزيت، ثم يؤكل، ولا يطبخ، وقد يتخذ زادا. قال الراجز: [الرجز] لا تخبزا خبزا وبسّا بسّا... ولا تطيلا بمناخ حبسا
وقال الحسن: ﴿وَبُسَّتِ﴾ قلعت من أصلها، فذهبت. نظيره قوله تعالى في سورة (طه) رقم [١٠٥]: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (١٠٥) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً﴾.
﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ أي: غبارا متفرقا منتشرا كالذي يرى في شعاع الشمس من كوة في بيت مظلم، قال تعالى في حق أعمال الكفار الصالحة ونتيجتها يوم القيامة الاية رقم [٢٣] من سورة (الفرقان): ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ انظر شرحها هناك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وانظر ما ذكرته في سورة (النمل) رقم [٨٨] تجد ما يسرك ويثلج صدرك، وقد أعدته في سورة (النبأ).
الإعراب: ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب، متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر وقت وقعت الواقعة. وقيل: هي ظرف مجرد عن الشرطية مثل سابقه متعلق ب: ﴿لَيْسَ﴾ من حيث ما فيها من معنى النفي. وقيل: هي شرطية، وجوابها محذوف، التقدير: إذا وقعت الواقعة؛ كان كيت، وكيت. وقيل: هي شرطية، والعامل فيها الفعل الذي بعدها، ويليها. وقيل: هي في محل رفع مبتدأ، وخبرها: ﴿إِذا رُجَّتِ﴾. وقيل: هي ظرفية مجردة عن الشرطية متعلقة ب: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ وقيل: متعلقة ب: ﴿رُجَّتِ﴾. وقيل: متعلقة بما دل عليها: ﴿فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾. وقيل: متعلقة
стр. 6331
بقوله: ﴿فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ هذا؛ وقال الجرجاني: (إذا) صلة؛ أي: وقعت الواقعة، مثل:
﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ و ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾. انتهى. جمل نقلا من هنا، وهناك، وقد تصرفت فيه كثيرا.
﴿وَقَعَتِ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿الْواقِعَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على بعض الأقوال المتقدمة، وهو المشهور المرجوح، وابتدائية لا محل لها على بعض الأقوال، ولا سيما قول الجرجاني. ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص.
﴿لِوَقْعَتِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ تقدم على اسمها، (وها): في محل جر بالإضافة. ﴿كاذِبَةٌ:﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ على بعض الأقوال المتقدمة، ومستأنفة على بعضها الاخر. ﴿خافِضَةٌ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي خافضة.
﴿رافِعَةٌ:﴾ خبر ثان للمبتدأ المحذوف، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿الْواقِعَةُ،﴾ ويقرأ بنصب الاسمين على أنهما حالان من ﴿الْواقِعَةُ﴾ أيضا، والفراء قدر: «وقعت خافضة رافعة». واستبعد مكي الأول؛ لأن الحال في أكثر أحوالها إنما تكون لما يمكن أن يكون، ويمكن ألا يكون، والقيامة لا شك في أنها ترفع قوما إلى الجنة، وتخفض آخرين إلى النار، لا بد من ذلك، فلا فائدة في الحال، أقول: وهو فحوى قول ابن مالك في ألفيته: [الرجز] وكونه منتقلا مشتقّا... يغلب لكن ليس مستحقا
﴿إِذا:﴾ بدل من قوله: ﴿إِذا وَقَعَتِ﴾ وقيل: تأكيد لها، أو خبر لها على أنها مبتدأ، ويجوز أن تكون متعلقة ب: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ أي: تخفض، وترفع وقت رج الأرض، وبس الجبال؛ لأنه عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع، ويرتفع ما هو منخفض. وقيل: أي: وقعت الواقعة إذا رجت الأرض.
قاله الزجاج، والجرجاني، وهذا يعني: أن ﴿إِذا﴾ متعلقة بالفعل ﴿وَقَعَتِ﴾. وقيل: متعلقة بفعل محذوف، تقديره: اذكر وقت رجت الأرض. ﴿رُجَّتِ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿الْأَرْضُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿رَجًّا:﴾
مفعول مطلق، وإعراب: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا﴾ مثل سابقتها بلا فارق، وهي معطوفة عليها، فهي في محل جر مثلها. ﴿فَكانَتْ:﴾ (الفاء): حرف عطف. (كانت): فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث، واسمها ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى ﴿الْجِبالُ﴾. ﴿هَباءً:﴾ خبر (كان). ﴿مُنْبَثًّا:﴾
صفة ﴿هَباءً﴾. وجملة: ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضا. تأمل.
﴿وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (٧) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩) وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾
الشرح: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً﴾ أي: أصنافا ثلاثة، كل صنف يشاكل ما هو منه، كما يشاكل الزوج الزوجة، وكل صنف يكون، أو يذكر مع صنف آخر فهو زوج، وانظر ما ذكرته في سورة
стр. 6332
(الذاريات) رقم [٤٩]. هذا؛ و (كان) في القرآن الكريم تأتي على أوجه: تأتي بمعنى الأزل، والأبد، وبمعنى المضي المنقطع، وهو الأصل في معناها، وبمعنى الحال، وبمعنى الاستقبال، وبمعنى «صار»، كما في هذه الاية، وسابقتها، وبمعنى حضر، وحصل، ووجد. وترد للتأكيد، وهي الزائدة، وهي بمعنى الاستمرار في نحو: ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ فليست على بابها من المضي، وإن المعنى: كان، ولم يزل كائنا إلى يوم القيامة، وإلى أبد الابدين في الدنيا والاخرة. وينبغي أن تعلم: أن الأفعال في هذه الايات قد جاءت بلفظ الماضي، والمراد المستقبل، وإنما جاءت بلفظ الماضي لتحقق الوقوع.
﴿فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ..﴾. إلخ: هذا شروع في تفصيل، وشرح أحوال الأزواج الثلاثة، فذكرت أحوالهم أولا على سبيل الإجمال بقوله: ﴿فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ..﴾. إلخ، ثم على سبيل التفصيل بقوله:
﴿أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ..﴾. إلخ، وبقوله: ﴿وَأَصْحابُ الْيَمِينِ..﴾. إلخ، وبقوله: ﴿وَأَصْحابُ الشِّمالِ..﴾. إلخ. هذا؛ وبين ﴿الْمَيْمَنَةِ﴾ و ﴿الْمَشْئَمَةِ﴾ مطابقة. ﴿فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، ﴿وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ﴾ هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل: (أصحاب الميمنة) هم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم، ﴿وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ﴾ هم الذين يؤتون كتبهم بشمائلهم. وقيل: (أصحاب الميمنة) هم الذين كانوا ميامين؛ أي: مباركين على أنفسهم، وكانت أعمالهم صالحة في طاعة الله، وهم التابعون لهم بإحسان، و (أصحاب المشأمة) هم المشائيم على أنفسهم، وكانت أعمالهم في المعاصي؛ لأن العرب تسمي اليد اليسرى الشؤمى. وقيل: (أصحاب الميمنة) هم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه، وقال الله تعالى: هؤلاء إلى الجنة، ولا أبالي.
و (أصحاب المشأمة) هم الذين كانوا على شمال آدم عند إخراج الذرية من صلبه، وقال الله تعالى:
هؤلاء إلى النار، ولا أبالي. قاله ابن عباس، والسدي.
والتكرير للتفخيم والتعجيب مثل قوله تعالى في سورة (الحاقة): ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ وفي سورة (القارعة): ﴿الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ﴾. والمراد: تكثير ما لأصحاب الميمنة من الثواب، وما لأصحاب المشأمة من العقاب.
﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ:﴾ روي عن النبي ﷺ أنه قال: «السّابقون الذين إذا أعطوا الحقّ قبلوه، وإذا سئلوه بذلوه، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم». ذكره المهدوي، وقال محمد بن كعب القرظي: إنهم الأنبياء. وقال الحسن، وقتادة: هم السابقون إلى الإيمان من كل أمة، لذا قيل:
إنهم أربعة، منهم سابق أمة موسى ﵇، وهو حزقيل مؤمن آل فرعون، وسابق أمة عيسى ﵇، وهو حبيب النجار صاحب أنطاكية، وسابقان في أمة محمد ﷺ ، وهما: أبو بكر، وعمر-﵄. قاله ابن عباس-﵄-حكاه الماوردي. أقول: إذا هم قليلون، والمعنى لا يؤيده؛ لذا فإني أعتمد ما يلي:
стр. 6333
قال شميط بن العجلان: الناس ثلاثة، فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه، ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا؛ فهذا هو السابق المقرب. ورجل ابتكر عمره بالذنوب، وطول الغفلة، ثم رجع بتوبته؛ فهذا صاحب اليمين، ورجل ابتكر الشر في حداثة سنه، ثم لم يزل عليه حتى خرج من الدنيا؛ فهذا صاحب الشمال.
أقول: ومن الأول بلا ريب الأنبياء، والصديقون، وهذا يعني: أن الأزواج الثلاثة هم من أتباع الرسل، وأما الكافرون، والمشركون؛ فيساقون إلى جهنم سوقا، كما قال تعالى في سورة (مريم) رقم [٨٦]: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً،﴾ ويؤيد هذا قوله تعالى في سورة (فاطر) رقم [٦٢]: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ انظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
والحكمة من تأخير السابقين في الذكر-وهم أولى بالتقديم-على أصحاب اليمين: أن الله جلت قدرته، وتعالت حكمته ذكر في أول السورة من الأمور الهائلة ما ذكر من العقاب، تخويفا لعباده، فإما محسن؛ فيزداد رغبة في الثواب، وإما مسيء؛ فيرجع عن إساءته خوفا من العقاب، فلذلك قدم أصحاب اليمين؛ ليسمعوا، ويرغبوا، ثم ذكر أصحاب الشمال ليرهبوا، ثم ذكر السابقين، وهم الذين لا يحزنهم الفزع الأكبر؛ ليجتهد أصحاب اليمين في القرب من درجتهم.
انتهى. خازن بتصرف كبير.
﴿أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي: من الله في جواره، وفي ظل عرشه، ودار كرامته، وهو قوله تعالى:
﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾. وقال ابن أبي حاتم: قالت الملائكة: يا رب جعلت لبني آدم الدنيا، فهم يأكلون، ويشربون، ويتزوجون، فاجعل لنا الاخرة، قال: لا أفعل، فراجعوا ثلاثا، فقال: لا أجعل من خلقت بيدي، كمن قلت له: كن فكان، ثم قرأ عبد الله بن عمرو بن العاص:
﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَكُنْتُمْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (كنتم): فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿أَزْواجاً:﴾ خبر (كان). ﴿ثَلاثَةً:﴾ صفة ﴿أَزْواجاً،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿فَأَصْحابُ:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (أصحاب): مبتدأ أول.
﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ ثان. ﴿فَأَصْحابُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿الْمَيْمَنَةِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر الأول، والرابط إعادة المبتدأ الأول بلفظه، وإنما ظهر الاسم الثاني؛ وحقه أن يكون مضمرا؛ لتقدم إظهاره ليكون أجل في التعظيم، والتعجب، وأبلغ، ومثله قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾. انتهى. مكي.
والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وإعراب: ﴿وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ..﴾. إلخ مثلها بلا فارق.
﴿وَالسّابِقُونَ:﴾ (الواو): حرف عطف. (السابقون): مبتدأ. ﴿السّابِقُونَ:﴾ خبره، وساغ وقوع الخبر
стр. 6334
بلفظ المبتدأ، لاختلافهما في التأويل، والمعنى؛ إذ المعنى السابقون إلى الإيمان السابقون إلى الجنة، أو السابقون إلى طاعة الله السابقون إلى رحمته، وفي حديث الشفاعة، تكرر قول الرسل:
«ربي نفسي نفسي» ومن هذه المشكاة قول أبي النجم العجلي: [الرجز] أنا أبو النجم وشعري شعري... لله درّي ما يجنّ صدري؟!
إذا المعنى: شعري المعروف بالفصاحة والبلاغة هو شعري لم يتغير عن حالته. وأيضا قول خالد بن صخر الهذلي: [الطويل] رفوني وقالوا: يا خويلد لا ترع... فقلت وأنكرت الوجوه هم هم
إذ المعنى: هم الكاملون في الشجاعة، والشهامة، والنجدة لم يتغيروا. هذا؛ وقيل:
﴿السّابِقُونَ﴾ الثاني تأكيد للأول، والخبر: ﴿أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ وقوى هذا مكي، والجلال. وقوى الأول الزمخشري، وأبو البقاء، وسليمان الجمل نقلا عن أبي السعود.
﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الْمُقَرَّبُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ورفع ما قبله الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿السّابِقُونَ﴾ على اعتبار الثاني تأكيدا، وفي محل رفع خبر ثان على اعتبار الثاني خبرا له، والاستئناف ممكن. تأمل.
﴿فِي جَنّاتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ثان لاسم الإشارة، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في ﴿الْمُقَرَّبُونَ،﴾ أو هما متعلقان به نفسه؛ لأنه اسم مفعول، أو هما متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم في جنات، ومحل الجملة الاسمية هذه:
خبر ثان، أو حال، أو هي مستأنفة، لا محل لها، و ﴿جَنّاتِ﴾ مضاف، و ﴿النَّعِيمِ﴾ مضاف إليه.
﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦)﴾
الشرح: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية غير محصورة العدد من لدن آدم إلى زمن نبينا، وحبيبنا، وشفيعنا ﷺ . ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ أي: ممن آمن بمحمد ﷺ . وسموا قليلا بالإضافة إلى من كان قبلهم؛ لأن الأنبياء المتقدمين كثروا، فكثر السابقون إلى الإيمان منهم، فزادوا على عدد من سبق إلى التصديق من أمتنا. وقيل: لما نزل هذا شق على أصحاب رسول الله ﷺ ، فنزل: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ فقال النبي ﷺ : «إنّي لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، بل ثلث أهل الجنة، بل نصف أهل الجنة، وتقاسمونهم في النصف الثاني». رواه أبو هريرة-﵁. ذكره الماوردي، وغيره، ومعناه ثابت في صحيح مسلم
стр. 6335
من حديث عبد الله بن مسعود-﵁. وانظر ما أذكره في الاية رقم [٣٩] و [٤٠] وكأنه أراد: أنها منسوخة، والأشبه: أنها محكمة؛ لأنها خبر، ولأن ذلك في جماعتين مختلفتين.
هذا؛ وعن ابن عباس-﵄-عن النبي ﷺ قال: «الثّلثان جميعا من أمتي».
وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق-﵁-حيث قال: «كلا الثّلّتين من أمة محمد ﷺ ، فمنهم من هو في أول أمته، ومنهم من هو في آخرها». وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ﴾ رقم [٣٢] من سورة (فاطر).
هذا؛ و ﴿ثُلَّةٌ﴾ بضم الثاء: الجماعة من الناس، والكثير من الدراهم، وقد تفتح الثاء، وبالكسر: الهلكة، والجمع: كعنب، وبفتح الثاء: جماعة الغنم، أو الكثير منها، أو من الضأن خاصة، والجمع: ثلل، وثلال، مثل: بدر، وسلال. انتهى. قاموس بتصرف. هذا؛ ومن الأول قول الشاعر: [الطويل] وجاءت إليهم ثلّة خندفيّة... بجيش كتيّار من السّيل مزبد
ومن الثاني قول الراجز، ويستشهد به على حذف «كان» مع معموليها: [الرجز] أمرعت الأرض لو أنّ مالا... لو أنّ نوقا لك أو جمالا
أو ثلّة من غنم إمّا لا
التقدير: أو ثلة من غنم إن كنت لا تجدين غيره.
﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ أي: مجالس السابقين على سرر، جمع: سرير، وهو ما يجعل للإنسان من المقاعد العالية الموضوعة للراحة، والكرامة. قال ابن عباس-﵄: منسوجة بالذهب. وعنه أيضا، قال: مصفوفة. كما قال في سورة (الطور): ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾.
وقيل: ﴿مَوْضُونَةٍ﴾ منسوجة بقضبان الذهب، مشبكة بالدر، والياقوت، والزبرجد، ودرع موضونة؛ أي: محكمة في النسج، مثل: مصفوفة. قال الأعشى: [المتقارب] ومن نسج داود موضونة... تساق مع الحي عيرا فعيرا
﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها﴾ أي: على السرر على الجنب، أو غيره، كحال من يكون على كرسي، فيوضع تحته شيء للاتكاء عليه، وانظر الاية رقم [٥٤] من سورة (الرحمن). ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ أي:
لا يرى بعضهم قفا بعض، بل تدور بهم الأسرة كيفما أرادوا، وهذا في المؤمن، وزوجته، وأهله. وقال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمئة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها؛ تواضعت، فإذا جلس عليها؛ ارتفعت. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿ثُلَّةٌ:﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هم ثلة، أو هو مبتدأ، خبره: ﴿عَلى سُرُرٍ﴾.
﴿مِنَ الْأَوَّلِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿ثُلَّةٌ﴾. ﴿وَقَلِيلٌ:﴾ الواو: حرف عطف.
стр. 6336
(قليل): معطوف على ﴿ثُلَّةٌ﴾. ﴿مِنَ الْآخِرِينَ:﴾ متعلقان ب: (قليل) أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر فيه وفي سابقه الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿عَلى سُرُرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿ثُلَّةٌ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم على سرر، على الوجه الأول في ﴿ثُلَّةٌ،﴾ والجملة هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿مَوْضُونَةٍ:﴾ صفة ﴿سُرُرٍ﴾. ﴿مُتَّكِئِينَ:﴾ حال من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور: ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ التقدير: استقروا عليها متكئين. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾. ﴿مُتَقابِلِينَ:﴾ حال ثانية. وقال أبو البقاء: حال من الضمير المستتر ب: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ وعليه فهي حال متداخلة، وفاعلهما ضمير مستتر فيهما، وعلامة نصبهما الياء... إلخ.
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾
الشرح: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أي: غلمان لا يموتون، ولا يهرمون، ولا يتغيرون، ولا ينتقلون من حالة إلى حالة، ومنه قول امرئ القيس: [الطويل] وهل ينعمن إلاّ سعيد مخلّد... قليل الهموم ما يبيت بأوجال
وقال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: مخالدون مقرّطون، والخلد: القرط، وهو الحلقة تعلق في الأذن، قال الشاعر:
ومخلّدات باللّجين كأنّما... أعجازهنّ أقاوز الكثبان
فهم على سن واحدة، أنشأهم الله لأهل الجنة، يطوفون عليهم كما شاء من غير ولادة، وصححه الخازن، كما أن الحور العين خلقهن الله من غير ولادة. وقال علي بن أبي طالب ﵁، والحسن البصري: الولدان ها هنا: ولدان المسلمين، الذين يموتون صغارا، ولا حسنة لهم ولا سيئة. وقال سلمان الفارسي-﵁: أطفال المشركين هم خدم أهل الجنة. قال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: لم يكن لهم حسنات يجزون بها، ولا سيئات يعاقبون عليها، فوضعوا في هذا الموضع، والمقصود: أن أهل الجنة على أتم السرور، والنعمة، والنعمة إنما تتم باحتفاف الخدم، والولدان بالإنسان.
أقول: ما نسب إلى علي، والحسن ضعيف جدا؛ لأن أولاد المسلمين الصغار يكونون مع آبائهم، وأمهاتهم، وهو من جملة السرور، بل من أعظم السرور اجتماعهم بهم. قال تعالى في سورة (الطور): ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ رقم [٢١]. وتشبهها آية (الرعد) رقم [٢٣]؛ لأن من المؤمنين من لا ولد له، فلو خدمه ولد غيره كان منقصة بأبي الخادم. وقول
стр. 6337
سلمان الفارسي أقوى منه؛ لأنه قد اختلف في أولاد المشركين على ثلاثة مذاهب، فقال الأكثرون: هم في النار تبعا لابائهم، وتوقف فيهم طائفة، والمذهب الثالث-وهو الصحيح؛ الذي ذهب إليه المحققون-: أنهم من أهل الجنة، ولكل مذهب دليل، ليس هذا موضعه.
﴿بِأَكْوابٍ:﴾ جمع: كوب، وهو وعاء مدور، لا أذن له، ولا عروة بخلاف الإبريق، فإن له ذلك، والملاحظ: أن لفظ (أكواب) جاء بسورة (الزخرف)، وسورة (الدهر) و (الغاشية) جاء بلفظ الجمع، ولم يأت له مفرد قطعا؛ لأنه لا يتهيأ فيها ما يجعلها في النطق من الظهور، والرقة، والانكشاف، وحسن التناسب كلفظ (أكواب) الذي هو الجمع، وقل مثله في: أباريق، فإنه لم يستعمل منه مفرد، ولم يذكر إلا في هذه (السورة) ومفرده: إبريق، سمي بذلك؛ لأنه يبرق لونه من صفائه. ﴿وَكَأْسٍ:﴾ انظر الاية رقم [٢٣] من سورة (الطور).
و ﴿مَعِينٍ﴾ أي: ماء جار ظاهر للعيون، يقال: معين، ومعن، كما يقال: رغيف، ورغف، فهو فعيل من: معن الماء: إذا جرى. أو من الماعون، وهو المنفعة؛ لأنه نفّاع. أو هو مفعول من:
عانه: إذا أدركه بعينه؛ لأنه لظهوره مدرك بالعيون، فبين الله جلت قدرته، وتعالت حكمته: أنها ليست كخمر الدنيا؛ التي تستخرج بعصر، وتكلف، ومعالجة، وإنما هي فعيل من المعن وهو الكثرة. وانظر أنواع الماء في سورة (محمد ﷺ . ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ أي: لا تنصدع رؤوسهم من شربها؛ أي: إنها لذيذة بلا أذى بخلاف شراب الدنيا. ﴿وَلا يُنْزِفُونَ﴾ أي: لا تذهب عقولهم بشربها. يقال: نزف الرجل، ينزف، فهو منزوف، ونزيف: إذا سكر. قال الشاعر: [المتقارب] وإذ هي تمشي كمشي النّزي... ف يصرعه بالكثيب البهر
البهر: الكلال. وانقطاع النفس، وقال جميل بن معمر، وهو الشاهد رقم [١٥٩] من كتابنا «فتح القريب المجيب»: [الكامل] فلثمت فاها أخذا بقرونها... شرب النّزيف ببرد ماء الحشرج
وهذا على قراءة: «(ينزفون)» بفتح الزاي: وهو بكسر الزاي، بمعنى: لا ينفد شرابهم، ولا تفنى خمرهم. قال الشاعر: [الطويل] لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم... لبئس النّدامى كنتم آل أبجرا
وروى الضحاك عن ابن عباس-﵄-قال: في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول. فذكر الله خمر الجنة، فنزهها عن هذه الخصال. انتهى. ففي هاتين الايتين من البلاغة ما لا يخفى، وهو فن الإيجاز.
﴿وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يتخيرون ما شاؤوا لكثرتها. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ:﴾ روى الترمذي عن أنس-﵁-قال: سئل رسول الله ﷺ ما الكوثر؟ قال: «ذاك نهر أعطانيه
стр. 6338
الله تعالى، أشدّ بياضا من اللّبن، وأحلى من العسل، فيه طير، أعناقها كأعناق الجزر». قال عمر ﵁: إن هذه لناعمة. قال رسول الله ﷺ : «أكلتها أحسن منها». قال: حديث حسن. وقال ابن عباس-﵄: يخطر على قلبه لحم الطير، فيطير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. وقيل: إنه يقع على صحفة الرجل، فيأكل منه ما يشتهي، ثم يطير، وانظر شرح (لحم) في الاية رقم [٢٢] من سورة (الطور).
قال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: هل في تخصيص الفاكهة بالتخيير، واللحم بالاشتهاء بلاغة؟ قلت: نعم، وكيف لا؟ وفي كل حرف من حروف القرآن بلاغة، وفصاحة؟! والذي يظهر فيه: أن اللحم، والفاكهة إذا حضرا عند الجائع، تميل نفسه إلى اللحم، وإذا حضرا عند الشبعان تميل نفسه إلى الفاكهة، فالجائع مشته، والشبعان غير مشته، بل هو مختار، وأهل الجنة إنما يأكلون، لا من جوع، بل للتفكه، فميلهم إلى الفاكهة أكثر، فيتخيرونها، ولهذا ذكرت في مواضع كثيرة من القرآن بخلاف اللحم، وإذا اشتهاه حضر بين يديه على ما يشتهيه، فتميل نفسه إليه أدنى ميل، ولهذا قدم الفاكهة على اللحم، والله أعلم، وأجل، وأكرم.
الإعراب: ﴿يَطُوفُ:﴾ فعل مضارع. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿وِلْدانٌ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر ب: ﴿مُتَقابِلِينَ،﴾ فهي حال متداخلة، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿مُخَلَّدُونَ:﴾ صفة ﴿وِلْدانٌ﴾ فهو مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو... إلخ، ﴿بِأَكْوابٍ:﴾ متعلقان ب: ﴿يَطُوفُ﴾. ﴿وَأَبارِيقَ:﴾ الواو: حرف عطف. (أباريق): معطوف على (أكواب) مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف.
﴿وَكَأْسٍ:﴾ الواو: حرف عطف. (كأس): معطوف على ما قبله. ﴿مِنْ مَعِينٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (كأس). ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُصَدَّعُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا ب: (على)، والرابط: الضمير فقط. وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.
﴿عَنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف، (لا): نافية.
﴿يُنْزِفُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿وَفاكِهَةٍ:﴾ الواو: حرف عطف. (فاكهة): معطوف على (أكواب). ﴿مِمّا:﴾
جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (فاكهة)، والجملة الفعلية صلة (ما)، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: من الذي يتخيرونه. ﴿وَلَحْمِ:﴾ الواو: حرف عطف. (لحم): معطوف على (أكواب)، و (لحم): مضاف، و ﴿طَيْرٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿طَيْرٍ،﴾ أو صفة (لحم)، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: من الذي يشتهونه.
стр. 6339
﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (٢٥) إِلاّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً (٢٦)﴾
الشرح: ﴿وَحُورٌ:﴾ بيض، جمع: حوراء، وهي التي يرى ساقها من وراء ثيابها، ويرى الناظر وجهه في كعبها كالمرآة من دقة الجلد، وبضاضة البشرة، وصفاء اللون، وفي القاموس المحيط:
الحور بالتحريك: أن يشتد بياض العين، ويشتد سوادها، وتستدير حدقتها، وترق جفونها، ويبيض ما حواليها. ﴿عِينٌ:﴾ عظام العيون، شديدات بياضها، شديدات سوادها، ومنه قيل لبقر الوحش:
عين، والثور: أعين، والبقرة: عيناء. وانظر ما ذكرته في سورة (الرحمن) بشأن الحور العين، ففيه الكفاية. هذا؛ و ﴿عِينٌ﴾ جمع: عيناء وأصله: «عين» على وزن فعل، كقولك: حمراء وحمر، فكسرت العين لئلا تنقلب الياء واوا، فتشبه ذات الواو، وليس في كلام العرب ياء ساكنة، قبلها ضمة، ولا واو ساكنة قبلها كسرة، ومن العرب من يقول: «حير عين» على الاتباع.
﴿كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ:﴾ انظر الاية رقم [٢٤] من سورة (الطور) ففيه الكفاية. ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: فعلنا ذلك بهم مجازاة لأعمالهم الصالحة؛ التي كانوا يعملونها في الدنيا. ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها﴾ أي: في جنات النعيم. ﴿لَغْواً:﴾ باطلا من الكلام. واللغو: ما يرغب عنه من الكلام، ويستحق أن يلغى. وقيل: هو القبيح من القول. والمعنى: ليس فيها لغو فيسمع. ﴿وَلا تَأْثِيماً:﴾ قيل: معناه: أن بعضهم لا يقول لبعض: أثمت؛ لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم، كما يتكلم به أهل الدنيا. وقيل: معناه لا يأتون تأثيما؛ أي: ما هو سبب التأثيم من قول، أو فعل قبيح. ﴿إِلاّ قِيلاً:﴾ معناه: لكن يقولون قيلا، أو يسمعون قيلا. ﴿سَلاماً سَلاماً:﴾ يعني يسلم بعضهم على بعض. وقيل: تسلم الملائكة عليهم، أو يرسل الرب بالسلام إليهم. وفي سورة (الأحزاب) رقم [٤٤]: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ..﴾. إلخ وفي الايتين الأخيرتين تأكيد المدح بما يشبه الذم؛ لأن السّلام ليس من جنس اللغو والتأثيم، فهو مدح لهم بإفشاء السّلام. وهذا كقول القائل: لا ذنب لي إلا محبتك، وقال النابغة الذبياني: [الطويل] ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم... بهنّ فلول من قراع الكتائب
الإعراب: ﴿وَحُورٌ:﴾ (الواو): حرف عطف، أو حرف استئناف. (حور): يقرأ بالرفع، والنصب، والجر، فالرفع من وجهين: أحدهما وهو الأقوى: أنه مبتدأ خبره محذوف، التقدير:
ولهم، أو وعندهم حور، والثاني: أنه معطوف على ﴿وِلْدانٌ﴾ على المعنى، والنصب فعلى تقدير فعل؛ أي: يزوجون حورا عينا. وأما الجر فمن أوجه: أحدها: أنه عطف على ﴿فِي جَنّاتِ﴾ كأنه قيل: هم في جنات النعيم، وفاكهة، ولحم، وحور عين. قاله الزمخشري. الثاني: أنه معطوف على ﴿بِأَكْوابٍ﴾ وذلك بتجوز في قوله: ﴿يَطُوفُ﴾ إذ معناه: يتنعمون فيها بأكواب، وبكذا،
стр. 6340
وبحور. قاله الزمخشري أيضا. الثالث: أنه معطوف عليه حقيقة، وأن الولدان يطوفون عليهم بالحور أيضا، فإن فيه لذة لهم. انتهى. جمل نقلا من السمين.
هذا؛ وذكرت في آية (المائدة) رقم [٦] قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بأنه قرئ بجر (أرجلكم) على الجوار ل: (رؤوسكم) وقلت هناك: وله نظائر في القرآن الكريم، وفي الشعر العربي، وكلامه، فمن ذلك قوله تعالى في كثير من الايات ﴿عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ،﴾ وقوله تعالى: (وحور عين) بجر حور، فإن ﴿أَلِيمٌ﴾ صفة ﴿عَذابٌ،﴾ وقد جر لمجاورته ﴿يَوْمِ،﴾ و (حور) معطوف على: ﴿وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ وهو مرفوع، وقد جر لقربه من قوله تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ومن ذلك قول امرئ القيس في معلقته رقم [٨٨]: [الطويل] كأنّ أبانا في عرانين وبله... كبير أناس في بجاد مزمّل
فجر «مزمل» مع كونه صفة ل: «كبير» لمجاورته: «بجاد» وهذا البيت هو الشاهد رقم [٩٠٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، ومن ذلك قولهم: «هذا جحر ضب خرب» فجر «خرب» مع كونه صفة «جحر» المرفوع لمجاورته «ضب» والذي عليه المحققون: أن خفض الجوار يكون في النعت قليلا، وفي التوكيد نادرا، انظر الشاهد رقم [١١٦٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والكلام عليه، وعلى سابقه، وهو بيت امرئ القيس، ولا يكون في النسق إلا لحكمة واضحة؛ لأن العاطف يمنع من التجاور، ولذا بين الزمخشري الحكمة في آية الوضوء آية (المائدة) التي ذكرتها سابقا، انظر شرحها في محلها. وقيل: (حور) معطوف على (أكواب) باعتبار المعنى؛ إذ معنى: (يطوف عليهم ولدان مخالدون بأكواب... وحور) أي: ينعمون بأكواب... إلخ، وقال الراعي النميري:
إذا ما الغانيات برزن يوما... وزجّجن الحواجب والعيونا
وهذا هو الشاهد رقم [٦٦٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» انظر الكلام عليه تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿عِينٌ:﴾ صفة (حور).
﴿كَأَمْثالِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل: (حور)، أو بمحذوف حال منه بعد وصفه بما تقدم، وإن اعتبرت الكاف اسما؛ فالمحل لها، وتكون مضافة، و (أمثال) مضاف إليه، و (أمثال) مضاف، و ﴿اللُّؤْلُؤِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْمَكْنُونِ:﴾ صفة ﴿اللُّؤْلُؤِ﴾. ﴿جَزاءً:﴾ مفعول لأجله، أو مفعول مطلق، والعامل محذوف على الاعتبارين، التقدير: جعلنا لهم ما ذكر للجزاء، أو جزيناهم جزاء. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿جَزاءً﴾. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: جزاء بالذي كانوا يعملونه.
следующие страницы →