← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

﴿تَنْزِعُ النّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢)﴾ الشرح: ﴿تَنْزِعُ النّاسَ:﴾ تقلعهم من مواضعهم. قيل: قلعتهم من تحت أقدامهم اقتلاع النخلة من أصولها. وقال مجاهد-رحمه الله تعالى-: كانت تقلعهم من الأرض، فترمي بهم على رؤوسهم، فتندق أعناقهم، وتبين رؤوسهم عن أجسادهم. وقيل: حفروا حفرا، ودخلوها، فكانت الريح تنزعهم منها، وتكسرهم، وتبقى تلك الحفر كأنها أصول نخل هلك ما كان فيها، فتبقى مواضعها منقعرة. ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ:﴾ جمع: عجز، وهو مؤخر الشيء. هذا؛ والعجوز: المرأة الطاعنة في السن، وجمعها: عجائز، وعجز. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٢٩] من سورة (الذاريات) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ:﴾ منقلع، ومنقطع من أصله. يقال: قعرت الشجرة قعرا: قلعتها من أصلها، فانقعرت. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٧]. هذا؛ ويقال هنا أيضا: أجرى (منقعر) على لفظ ﴿نَخْلٍ﴾ وهو من الجمع الذي يذكر، ويؤنث. هذا؛ وقال الجلال: ذكّر هنا، وأنّث في (الحاقة) مراعاة للفواصل في الموضعين، ولا تنس التشبيه التمثيلي في الاية الكريمة حيث شبههم بأعجاز النخل المنقعر. وقال أبو بكر بن الأنباري: سئل المبرد بحضرة إسماعيل القاضي عن ألف مسألة هذه من جملتها، فقيل له: ما الفرق بين قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً﴾ رقم [٨١] من سورة (الأنبياء)، وبين قوله تعالى: ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾ رقم [٢٢] من سورة (يونس)، وما الفرق بين قوله تعالى في سورة (الحاقة): ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ،﴾ وقوله تعالى في سورة (القمر): ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ؟﴾ فقال: كل ما ورد عليك من هذا الباب، فإن شئت رددته إلى اللفظ تذكيرا، أو إلى المعنى تأنيثا. هذا؛ و ﴿نَخْلٍ:﴾ اسم جنس جمعي، يفرق بينه وبين واحده بالتاء، وهو: نخلة، كتمر وتمرة. وفي مختار الصحاح: النخل، والنخيل بمعنى واحد، والواحدة: نخلة. وما ألطف قول الشاعر في التورية: [الوافر] رأيت بها قضيبا فوق دعص... عليه النّخل أينع والكروم فقد ورّى عن المرأة بالقضيب، وعن الحلي بالنخل، وعن قلائدها بالكروم، والدعص بكسر الدال: قطعة من الرمل مستديرة. هذا؛ وفائدة التكرير في هاتين الايتين ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أن يجدد الكفار، والفجار عند سماع كل نبأ اتعاظا، وهذا حكم التكرير بقوله تعالى في سورة (الرحمن): ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ عند كل نعمة عدها، وقوله تعالى في سورة (المرسلات): ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ عند كل آية أوردها، وكذا تكرير القصص في القرآن، مثل قصة (عاد) و (ثمود) ونحوهما، لتكون العبرة حاضرة، مصورة للأذهان، غير منسية في كل أوان. انتهى. جمل بتصرف مني.

стр. 6267

هذا؛ و ﴿النّاسَ﴾ اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: قوم، ورهط... إلخ، واحده إنسان من غير لفظه، وهو يطلق على الإنس، والجن، ولكن غلب استعماله في الإنس، قال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ وأصله: الأناس، حذفت منه الهمزة تخفيفا على غير قياس، وحذفها مع لام التعريف كاللازم، لا يكاد يقال: الأناس، وقد نطق القرآن الكريم بهذا الأصل، ولكن بدون لام التعريف، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ رقم [٧١] من سورة (الإسراء). وقيل: إن أصله: النّوس، ولم يحذف منه شيء، وإنما قلبت الواو ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها. الإعراب: ﴿تَنْزِعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الريح). ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿رِيحاً،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفة بما ذكر، والرابط على الاعتبارين: الضمير. ﴿كَأَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿أَعْجازُ:﴾ خبر (كأنّ)، و ﴿أَعْجازُ﴾ مضاف، و ﴿نَخْلٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مُنْقَعِرٍ:﴾ صفة ﴿أَعْجازُ،﴾ وانظر ما ذكرته في الشرح، أو صفة ل: ﴿نَخْلٍ﴾ وهو الظاهر، والأقوى، وجملة: ﴿كَأَنَّهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل ﴿تَنْزِعُ﴾ المستتر، والرابط: الضمير فقط، وتقدم إعراب الايتين التاليتين فيما تقدم. ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَراً مِنّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)﴾ الشرح: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ:﴾ هم قوم صالح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام- كذبوا الرسل، ونبيّهم، أو كذبوا بالايات التي هي النذر. هذا؛ وقد تقدمت قصة صالح مع قومه في كثير من السور. ﴿فَقالُوا أَبَشَراً مِنّا واحِداً نَتَّبِعُهُ:﴾ قال الزمخشري: فإن قلت: كيف أنكروا أن يتبعوا بشرا منهم واحدا؟ قلت: قالوا: ﴿أَبَشَراً﴾ إنكارا؛ لأن يتبعوا مثلهم في الجنسية، وطلبوا أن يكون من جنس أعلى من جنس البشر، وهم الملائكة، وقالوا: ﴿مِنّا؛﴾ لأنه إذا كان منهم؛ كانت المماثلة أقوى، وقالوا: ﴿واحِداً﴾ إنكارا؛ لأن تتبع الأمة رجلا واحدا، أو أرادوا واحدا من أفنائهم، ليس بأشرافهم، وأفضلهم، ويدل عليه قولهم: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا﴾. ﴿إِنّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ أي: ذهاب عن الصواب. ﴿وَسُعُرٍ﴾ أي: جنون: من قولهم: ناقة مسعورة؛ أي: كأنها من شدة نشاطها مجنونة. ذكره ابن عباس-﵄، قال الشاعر: [الطويل] تخال بها سعرا إذا السّفر هزّها... ذميل، وإيقاع من السّير متعب وقال ابن عباس-﵄: أيضا: السّعر: العذاب، وقاله الفراء. وقال مجاهد: بعد الحق. وقال السّدّي: في احتراق، قال طرفة بن العبد: [الرمل] أضحوت اليوم أم شاقتك هرّ... ومن الحبّ جنون مستعر

стр. 6268

هذا؛ وبشر يطلق على الإنسان ذكرا، كان أو أنثى، مفردا كان، أو جمعا، مثل كلمة الفلك، تطلق على المفرد والجمع، وسمّي بنو آدم بشرا لبدوّ بشرتهم؛ التي هي ظاهر الجلد، بخلاف أكثر المخلوقات، فإنها مكسوة بالشعر، أو بالصوف، أو بالريش. هذا؛ وبشر يطلق على الواحد، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا﴾ الاية رقم [١٧] من سورة (مريم)؛ ولذا ثني في قوله تعالى: ﴿فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ الاية رقم [٤٧] من سورة (المؤمنون)، كما يطلق على الجمع كما في قوله تعالى: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً﴾ الاية رقم [٢٥] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. وقوله تعالى في سورة (المدثر) حكاية عن قول الوليد الخبيث: ﴿إِنْ هذا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾. الإعراب: ﴿كَذَّبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء حرف للتأنيث، لا محل له. ﴿ثَمُودُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِالنُّذُرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَقالُوا:﴾ (الفاء): حرف عطف. (قالوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَبَشَراً:﴾ (الهمزة): حرف استفهام إنكاري. (بشرا): منصوب على الاشتغال بفعل محذوف، يفسره المذكور بعده، وهو الراجح لتقدم أداة هي بالفعل أولى. ﴿مِنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (بشرا). ﴿واحِداً:﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه نعت ل: (بشرا) إلا أنه يشكل عليه تقديم الصفة المؤولة على الصريحة، ويجاب: بأن ﴿مِنّا﴾ حينئذ ليس وصفا، بل حالا من ﴿واحِداً﴾ قدم عليه، والثاني: أن ﴿واحِداً﴾ حال من هاء ﴿نَتَّبِعُهُ﴾ وهو مخلص من الإعراب المتقدم إلا أن المرجح لكونه صفة قراءتهما مرفوعين: (أبشر منا واحد نتبعه) أي: على المبتدأ، والخبر. فهذا يرجح كون ﴿واحِداً﴾ نعتا ل: (بشرا) لا حالا. انتهى. جمل نقلا عن السمين. ﴿نَتَّبِعُهُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل: نحن، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها مفسرة على قراءة النصب، وفي محل رفع خبر: (بشر) على قراءة الرفع. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل. (ونا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿إِذاً:﴾ حرف جواب، وجزاء، أو هو ظرف متعلق بما بعده، والتنوين نائب عن الجملة التي تضاف «إذ» إليها، وأصل الكلام إنا لفي ضلال إذا اتبعناه. ﴿لَفِي:﴾ (اللام): هي المزحلقة. (في ضلال): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). ﴿وَسُعُرٍ:﴾ الواو: حرف عطف. (سعر): معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول مثل الكلام الذي قبلها، وجملة: ﴿فَقالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ (٢٦)﴾ الشرح: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا﴾ أي: خص صالح بالوحي، والرسالة من بين آل ثمود؛

стр. 6269

وفيهم من هو أكثر مالا، وأحسن حالا؟! ﴿بَلْ هُوَ كَذّابٌ أَشِرٌ﴾ أي: ليس كما يدعي، وإنما يريد أن يتعاظم، ويلتمس التكبر علينا من غير استحقاق. والأشر: بفتح العين: المرح والتجبر، والنشاط، يقال: فرس أشر: إذا كان مرحا نشيطا. وقيل: ﴿أَشِرٌ﴾ بطر، والأشر: البطر، قال الشاعر: [الطويل] أشرتم بلبس الخزّ لمّا لبستم... ومن قبل ما تدرون من فتح القرى وقد أشر بالكسر، يأشر أشرا، فهو أشر، وأشران، وقوم أشارى مثل: سكران، وسكارى. قالت مية بنت ضرار الضبي ترثي أخاها: [المتقارب] تراه على الخيل ذا قدمة... إذا سربل الدّم أكفالها وخلّت وعولا أشارى بها... وقد أزهف الطّعن أبطالها وقرأ أبو جعفر، وأبو قلابة «(أشرّ)» بفتح الشين وتشديد الراء يعني به: أشرنا، وأخبثنا. ومثله في الاية التالية، وهو الأصل، كما ستقف عليه في الاية رقم [٤٣] الاتية. قال أبو حاتم: لا تكاد العرب تتكلم بالأشرّ والأخير إلا في ضرورة الشعر، كقول رؤية: [الرجز] يا قاسم الخيرات، وابن الأخير... ما ساسنا مثلك من مؤمّر ﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً﴾ أي: سيرون العذاب في الدنيا، والاخرة. ففيه تهديد، ووعيد، والسين لتقريب مضمون الجملة، وتأكيده، و «غدا» يفيد التقريب أيضا على عادة الناس في قولهم للعواقب: إن مع اليوم غدا. قال الشاعر: [البسيط] للموت فيها سهام غير مخطئة... من لم يكن ميّتا في اليوم مات غدا والمراد ب: (غد) على الأكثر اليوم الذي بعد يومك على الأثر، وأصله: غدو، فحذفت منه الواو لغير علة تصريفية، وهو ما يسمى الحذف اعتباطا، وقد ردها لبيد بن ربيعة الصحابي-﵁-في قوله: [الطويل] وما النّاس إلاّ كالدّيار وأهلها... بها يوم حلّوها، وغدوا بلاقع الإعراب: ﴿أَأُلْقِيَ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام إنكاري. (ألقي): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿الذِّكْرُ:﴾ نائب فاعل. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ بَيْنِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور محلا ب: (على). (ونا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وانتقال. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَذّابٌ:﴾ صفة لموصوف محذوف هو خبر المبتدأ. ﴿أَشِرٌ:﴾ صفة ثانية، والجملة الاسمية معطوفة على ما

стр. 6270

قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿سَيَعْلَمُونَ:﴾ (السين): حرف استقبال. (يعلمون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿غَداً:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله. ﴿مِنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿الْكَذّابُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو صفة لموصوف محذوف أيضا، وأل فيه للعهد الذكري، مثل قوله تعالى في سورة (المزمل): ﴿إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (١٥) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ..﴾. إلخ. ﴿الْأَشِرُ:﴾ صفة ثانية للموصوف، والجملة الاسمية: ﴿مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ في محل نصب سدت مسد مفعول (يعلمون) وهو من المعرفة، وليس قلبيا. وقيل: بل هو قلبي، والمعنى: سيعلمون غدا أيّ فريق هو الكذاب الأشر. أهو هم، أم صالح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام؟! والجملة الفعلية: ﴿سَيَعْلَمُونَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف؛ إذ هي من قول الله تعالى، وليست من مقولهم. ﴿إِنّا مُرْسِلُوا النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاِصْطَبِرْ (٢٧)﴾ الشرح: ﴿إِنّا مُرْسِلُوا النّاقَةِ﴾ أي: باعثوها، ومخرجوها من الهضبة التي سألوا، وذلك: أنهم تعنتوا على صالح، ﵇. فقالوا له: نريد أن نعرف المحق منا بأن ندعو آلهتنا، وتدعو إلهك، فمن أجابه إلهه علمنا: أنه المحق، فدعوا أوثانهم، فلم تجبهم، فقالوا: ادع أنت، فقال: فما تريدون؟ قالوا: تخرج لنا من هذه الصخرة ناقة عشراء وبراء! فأجابهم إلى ذلك بشرط الإيمان، فوعدوه بذلك، وأكدوا، فكذبوا بعد ما كذبوا في أن آلهتهم تجيبهم، وصدق هو ﵇ في كل ما قال، فأخبره ربه : أنه يجيبهم إلى إخراجها، ﴿فِتْنَةً لَهُمْ:﴾ اختبارا، وامتحانا. ﴿فَارْتَقِبْهُمْ﴾ أي: انتظر ما يصنعون. وفي آخر سورة (الدخان) قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾. ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ أي: اصبر على أذاهم، وأصل الطاء في اصطبر تاء، فتحولت طاء لتكون موافقة للصاد في الإطباق. الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل. (ونا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها، ﴿مُرْسِلُوا:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وهو مضاف، و ﴿النّاقَةِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه تقديره: «نحن»، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿فِتْنَةً:﴾ مفعول لأجله. وقيل: حال. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿فِتْنَةً،﴾ أو بمحذوف صفة له، ﴿فَارْتَقِبْهُمْ:﴾ (الفاء): هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فارتقبهم. وهذا فعل أمر، وفاعله مستتر وجوبا تقديره: «أنت»، والهاء

стр. 6271

مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب: «إذا»، وجملة: ﴿وَاصْطَبِرْ:﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، والكلام كله في محل نصب مقول القول. ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩)﴾ الشرح: ﴿وَنَبِّئْهُمْ:﴾ أخبرهم. ﴿أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين آل ثمود، وبين الناقة، لها يوم، ولهم يوم، كما قال تعالى في سورة (الشعراء) رقم [١٥٥]: ﴿قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾. قال ابن عباس-﵄ «كان يوم شربهم لا تشرب الناقة شيئا من الماء، وتسقيهم لبنا، وكانوا في نعيم، وإذا كان يوم الناقة شربت الماء كله، فلم تبق لهم شيئا». وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٤٩] من سورة (النمل) وفي سورة (الشعراء) تجد ما يسرك. وإنما قال تعالى: ﴿بَيْنَهُمْ؛﴾ لأن العرب إذا أخبروا عن بني آدم مع البهائم غلّبوا بني آدم. ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ:﴾ الشرب بالكسر: الحظ، والنصيب من الماء، وهو بمعنى المشروب، كالطحن بمعنى المطحون. ومعنى «محتضر»: يحضره من هو له، فالناقة تحضر الماء يوم وردها، وتغيب عنهم يوم وردهم، قاله مقاتل. وقال مجاهد: إن ثمود يحضرون الماء يوم غبها، فيشربون، ويحضرون اللبن يوم وردها، فيحتلبون. ﴿فَنادَوْا صاحِبَهُمْ﴾ هو قدار بن سالف، قال الأفوه الأودي: [البسيط] أو قبله كقدار حين تابعه... على الغواية أقوام فقد بادوا والعرب تسمّي الجزار قدارا، تشبيها بقدار بن سالف مشؤوم آل ثمود، قال مهلهل بن ربيعة: [الكامل] إنّا لنضرب بالسيوف رؤوسهم... ضرب القدار نقيعة القدّام ﴿فَتَعاطى فَعَقَرَ:﴾ فاجترأ على تعاطي عقرها، فقتلها، أو فتعاطى السيف، فقتلها، والتعاطي: تناول الشيء بتكلف، من قولهم: عطوت؛ أي: تناولت، ومنه قول حسان-﵁: [الكامل] كلتاهما حلب العصير فعاطني... بزجاجة أرخاهما للمفصل وقال بعض بني يشكر-وهو الشاهد رقم [٤٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] ويوما توافينا بوجه مقسّم... كأن ظبية تعطو إلى وارق السّلم هذا؛ واسم الفاعل من: تعاطى: معاط، قال أوس بن حجر التميمي الجاهلي، وهو الشاهد رقم [٤٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] فأمهله حتّى إذا أن كأنّه... معاطي يد في لجّة الماء غامر

стр. 6272

هذا؛ وروى أبو الزبير عن جابر-﵄-قال: لما نزلنا الحجر في مغزى رسول الله ﷺ تبوك، قال: «أيها الناس! لا تسألوا في هذه الايات، هؤلاء قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث لهم ناقة، فبعث الله إليهم الناقة، فكانت ترد من ذلك الفج، فتشرب ماءهم يوم وردها، ويحلبون منها مثل الذي كانوا يشربون يوم غبها». وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ،﴾ ومعنى قوله في سورة (الشعراء): ﴿لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾. الإعراب: ﴿وَنَبِّئْهُمْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (نبئهم): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنت»، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْماءَ:﴾ اسم ﴿أَنَّ﴾. ﴿قِسْمَةٌ:﴾ خبر ﴿أَنَّ﴾. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿قِسْمَةٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، والهاء في محل جر بالإضافة، و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (نبئ) الثاني، والثالث. ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿شِرْبٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مُحْتَضَرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية تعليلية، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿فَنادَوْا:﴾ (الفاء): حرف عطف. (نادوا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فتماروا على ذلك. و «زاده» اعتبر الفاء فصيحة، وقدر قبلها كلاما كثيرا. ﴿صاحِبَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَتَعاطى:﴾ الفاء: حرف عطف. (تعاطى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى صاحبهم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَعَقَرَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (عقر): فعل ماض، والفاعل يعود إلى صاحبهم أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢)﴾ الشرح: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ:﴾ انظر الاية رقم [١٦]. ﴿إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً:﴾ يريد صيحة جبريل ﵇. فكانت في اليوم الرابع من عقر الناقة؛ لأنه كان في يوم الثلاثاء، ونزول العذاب بهم كان في يوم السبت. ﴿فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ:﴾ يقرأ بكسر الظاء على أنه اسم الفاعل، وبفتحها على أنه اسم المفعول. قال ابن عباس-﵄: هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة من الشجر، والشوك دون السباع، فما سقط من ذلك، فداسته الغنم فهو الهشيم. وقيل: هو الشجر البالي الذي يهشم، حين تذروه الرياح. والمعنى: أنهم صاروا كيبيس الشجر إذا بلي، وتحطم. وقيل: كالعظام النخرة المحترقة.

стр. 6273

تنبيه: أذكر أنّ الناقة ولدت ولدا مثلها، ومكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر، وترد الماء غبا، فما ترفع رأسها من البئر حتى تشرب كل ماء فيها، ثم تتفحج، فيحلبون ما شاؤوا؛ حتى تمتلئ أوانيهم، فيشربون، ويدخرون، وكانت تصيف بظهر الوادي، فتهرب منها أنعامهم إلى بطنه، وتشتو ببطنه، فتهرب مواشيهم إلى ظهره، فشق ذلك عليهم، وزينت لهم عقرها عنيزة أم غنم، وصدقة بنت المختار، فعقروها، واقتسموا لحمها. فرقى ولدها جبلا اسمه قارة، فرغا ثلاثا، فقال لهم صالح: أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب، فلم يقدروا عليه؛ إذ انفرجت الصخرة بعد رغائه، فدخلها، فقال لهم صالح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: تصبح وجوهكم غدا مصفرة، وبعد غد محمرة، وفي اليوم الثالث مسودة، ثم يصبحكم العذاب، فلما رأوا العلامات؛ طلبوا أن يقتلوه فأنجاه الله إلى أرض فلسطين، ولما كانت صحوة اليوم الرابع تحنطوا وتكفنوا بالأنطاع، فأتتهم صيحة جبريل ﵇، فتقطعت قلوبهم، فهلكوا. انتهى. بيضاوي في غير هذا الموضع. وعن ابن عمر-﵄-قال: لما مر رسول الله ﷺ بالحجر، قال: «لا تدخلوا مساكن الّذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلاّ أن تكونوا باكين، ثم قنّع رأسه، وأسرع السّير حتى جاوز الوادي». متفق عليه، والحجر هي بلاد ثمود، قال تعالى في سورة (الحجر): ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾. وعن ابن عمر أيضا: أن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ على الحجر أرض ثمود، فاستقوا من آبارها، وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوه، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر؛ التي كانت تردها الناقة، رواه الشيخان. هذا؛ وكانت الفرقة المؤمنة من قوم صالح أربعة آلاف، خرج بهم صالح ﵊ بعد هلاك قومه من فلسطين إلى حضرموت، فلما دخلوها؛ مات صالح، فسمّي حضرموت، ثم بنوا فيها أربعة آلاف مدينة، وسمّوها حاضوراء. وقال قوم من أهل العلم: توفي صالح بمكة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وأقام في قومه عشرين سنة. انتهى. خازن في غير هذا الموضع. الإعراب: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ:﴾ انظر الاية رقم [١٦] فالإعراب فيها كاف واف. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت ألفها دليلا عليها. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿صَيْحَةً:﴾ مفعول به. ﴿واحِدَةً:﴾ صفة لها. (كانوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿كَهَشِيمِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان) وإن اعتبرت الكاف اسما؛ فهي الخبر، و (الكاف) مضاف، و (هشيم) مضاف إليه، و (هشيم) مضاف، و ﴿الْمُحْتَظِرِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ مستأنفة، أو ابتدائية، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا..﴾. إلخ إعراب هذه الجملة موجود في الاية رقم [١٧] وما يحال عليها.

стр. 6274

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)﴾ الشرح: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ:﴾ هو مثل الاية رقم [٢٣]. هذا؛ ولوط هو ابن أخي إبراهيم ﵇ آمن به، وهاجر معه من بلاد العراق إلى فلسطين، قال تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [٢٦]: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي..﴾. إلخ؛ فأقام إبراهيم ﵇ في فلسطين، وأقام لوط-﵇-في الأردن، فأرسله الله إلى أهل سدوم يدعوهم إلى الله، وينهاهم عن فعلهم القبيح، وهو إتيان الرجال في أدبارهم، وقد ذكرت قصة لوط بتمامها في عدة سور باختلاف يسير، وبعضها يكمل بعضا، وتتلخص: أن قوم لوط كانوا من الشر بمكان، وأنهم كانوا يقطعون السبيل على المارة، وقد ذهب الحياء من وجوههم، فلا يستقبحون قبيحا، ولا يرغبون في حسن، كما قال تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ وكانوا قد ابتدعوا من المنكرات ما لم يسبقهم إليه أحد من خلق الله، وذلك: أنهم كانوا يأتون الذكران من العالمين شهوة من دون النساء، يستعلنون بذلك، ولا يستسرّون، ولا يرون ذلك سوآ، أو قبيحا، وإن لوطا ﵇ قد وعظهم، ونصحهم، ونهاهم، وخوفهم بأس الله تعالى، فلم يأبهوا، ولم يرتدعوا، فلما ألح عليهم بالعظات، والإنذار؛ هددوه، وتوعدوه تارة بالرجم، وتارة بالإخراج من بينهم إلى أن جاء لوطا الملائكة؛ الذين ذكرهم الله في سورة (الحجر) وسورة (العنكبوت) وغيرها، وقد جاؤوا إلى لوط بهيئة غلمان مرد حسان الوجوه، فجاء أهل القرية إلى بيت لوط طالبين ضيوفه الكرام، ليفعلوا فيهم الفاحشة؛ التي اعتادوها، وقد جهد لوط في ردهم، وبالغ في ذلك حتى طلب إليهم أن يأخذوا بناته بدل ضيوفه، فلم يصغوا إليه. حينئذ التفت لوط إلى ضيوفه الكرام، وقال لهم: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ أي: لجاهدتهم بكم، وأوقعت بهم ما يستحقون، وكان لا يعلم: أنهم ملائكة إلى ذلك الحين، وحينئذ أعلمه الملائكة بحقيقة أمرهم، وأنهم جاؤوا للتنكيل بأولئك القوم الخبثاء، ولما حاول أهل القرية أخذ أولئك المردان بالقوة، وهجموا على بيت لوط؛ طمس الله أعينهم، فلم يبصروا، ولم يهتدوا إلى مكان يقتحمون منه على لوط، وعلى من معه، كما ذكر الله في الاية التالية. وأخرج الملائكة لوطا، وابنتيه، وزوجه من القرية، وأمروهم أن لا يلتفت منهم أحد، وأن يحضروا حيث يؤمرون، فامتثلوا الأمر إلا امرأته، فقد التفتت إلى القرية لترى ما يحل بها، وكانت خبيثة هواها مع أهل القرية دون لوط فحل بها من السخط والعذاب ما حل بهم، وكانت كافرة غير مؤمنة، فأمطر الله عليهم حجارة من سجيل، وقلبت ديار القوم، قال تعالى في سورة (هود) الاية رقم [٨٢]: ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾. انتهى. من قصص الأنبياء للنجار بتصرف.

стр. 6275

ثم قال-رحمه الله تعالى-: وأعتقد: أن البحر الميت المعروف الان ببحر لوط، أو بحيرة لوط لم يكن موجودا قبل هذا الحادث، وإنما حدث من الزلزال الذي جعل عالي البلاد سافلها، وصارت أخفض من سطح البحر بنحو أربعمئة متر، وقد جاءت الأخبار في السنتين الماضيتين بأنهم اكتشفوا آثار مدن لوط على حافة البحر الميت. انتهى. يا سبحان الله! كيف زل النجار حيث عزا ما وقع في قرى قوم لوط إلى الزلزال؟! وإنما حصل ذلك بفعل جبريل ﵇ حيث وضع جناحه تحت القرى، ورفعها إلى السماء، ثم جعل عاليها سافلها، ولا زلزال، ولا بحر، ولا بحيرة، وكان هذا العمل الجبار الذي كان من قدرة الواحد القهار، فاعتبروا يا أولي الأبصار!. هذا؛ ويقول ابن كثير-رحمه الله تعالى-في تفسيره: وجعل الله تعالى مكان تلك البلاد بحرة منتنة، لا ينتفع بمائها، ولا بما حولها من الأراضي المتاخمة لفنائها لردائتها، ودناءتها، فصارت عبرة، ومثلة، وعظة، وآية على قدرة الله تعالى، وعظمته، وعزته في انتقامه ممن خالف أمره، وكذب رسله، واتبع هواه، وعصى مولاه. انتهى. النبوة والأنبياء للصابوني. ﴿إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً﴾ يعني: الحصباء، وهي الحجارة التي هي دون ملء الكف. وقد يكون (الحاصب) الرامي، فعلى هذا يكون المعنى: إنا أرسلنا عليهم عذابا يحصبهم؛ أي: يرميهم بالحجارة. انتهى. خازن. وفي القرطبي، والكشاف: ريحا ترميهم بالحصباء، وهي الحصى، قال النضر: الحاصب: الحصباء في الريح. والحاصب: الريح الشديدة التي تثير الحصباء، وكذلك الحصبة، قال لبيد-﵁: [الرجز] جرّت عليها أن خوت من أهلها... أذيالها كلّ عصوف حاصبه ﴿إِلاّ آلَ لُوطٍ﴾ يعني: من تبعه على دينه، ولم يكن معه إلا ابنتاه. ﴿نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ:﴾ السحر هو ما بين آخر الليل، وطلوع الفجر، وهو مفاد قوله تعالى في سورة (هود) رقم [٨١]: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾. هذا؛ وصرف (سحر) لأنه نكرة، ولو أراد سحر يوم بعينه لما أجراه، ونظيره قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٦١]: ﴿اِهْبِطُوا مِصْراً﴾ لمّا نكره؛ صرفه، فلما عرّفه بقوله تعالى في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام الاية رقم [٩٩]: ﴿اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ منعه من الصرف. قال مكي: إنما انصرف؛ لأنه نكرة، ولو كان معرفة لم ينصرف؛ لأنه إذا كان معرفة فهو معدول عن الألف، واللام؛ إذ تعرف بغيرهما، وحق هذا الصنف أن يتعرف بهما، فلما لم يتعرف بهما صار معدولا عنهما، فثقل مع ثقل التعريف، فلم ينصرف، فإن نكر انصرف. انتهى. خذ قول ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] والعدل والتعريف مانعا سحر... إذا به التعيين قصدا يعتبر

стр. 6276

هذا؛ وأما ﴿آلَ﴾ فأصله: أهل، فأبدلت الهاء همزة ساكنة، فصار (أأل) ثم أبدلت الهمزة الثانية الساكنة مدا مجانسا لحركة الهمزة الأولى على القاعدة: «إذا اجتمع همزتان: الأولى متحركة والثانية ساكنة، قلبت الثانية مدا مجانسا لحركة الهمزة الأولى» وذلك مثل آدم، وإيمان، وأومن، فإن الأصل أأدم، وإإمان، وأؤمن. وقلب الهمزة سائغ مستعمل في أراق، فإن أصله: هراق، وهو كثير في الشعر العربي وغيره. وهذا مذهب سيبويه. وقال الكسائي: أصله: (أول) كجلّ من يؤول تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وقد صغروه على: (أهيل) وهو يشهد للأول، وعلى: (أويل) وهو يشهد للثاني. ولا يستعمل (آل) إلا فيما له خطر، وشأن، بخلاف أهل، يقال: آل النبي، وآل الملك، ولا يقال: آل الحجام، ولكن: أهله، ولا ينتقض ب: آل فرعون، فإن له شرفا في الدنيا. واختلف في جواز إضافته إلى المضمر، فمنعه الكسائي، والنحاس، وزعم أبو بكر الزبيدي: أنه من لحن العوام. والصحيح: جوازه كما في قول عبد المطلب بن هاشم جد النبي ﷺ : [مجزوء الكامل] لا همّ إنّ المرء يم... نع رحله، فامنع رحالك وانصر على آل الصلي... ب وعابديه اليوم آلك الإعراب: ﴿كَذَّبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿قَوْمُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و ﴿لُوطٍ﴾ مضاف إليه. ﴿بِالنُّذُرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿كَذَّبَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل. (ونا): اسمها. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿حاصِباً:﴾ مفعول به، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿آلَ:﴾ مستثنى ب: ﴿إِلاّ﴾ وهو مضاف، و ﴿لُوطٍ﴾ مضاف إليه. ﴿نَجَّيْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿آلَ لُوطٍ﴾ والرابط: الضمير فقط، و «قد» قبلها مقدرة. ﴿بِسَحَرٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، التقدير: حال كونهم ملتبسين بسحر. ﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦)﴾ الشرح: ﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا﴾ أي: إنعاما على لوط، وابنتيه. ﴿كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ أي: من آمن بالله، وأطاعه. ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ:﴾ خوفهم لوط. ﴿بَطْشَتَنا:﴾ عقوبتنا، وأخذنا إياهم بالعذاب الأليم. هذا؛ والبطش: الأخذ بقوة، وعنف، وبطشت اليد: إذا عملت، فهي باطشة. قال عمرو بن كلثوم التغلبي في معلقته رقم [١٠٧]. [الوافر]

стр. 6277

لنا الدّنيا ومن أضحى عليها... ونبطش حين نبطش قادرينا قال تعالى في سورة (الدخان) رقم [١٦]: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنّا مُنْتَقِمُونَ﴾. ﴿فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ أي: شكوا فيما أنذرهم، وخوفهم به لوط، ولم يصدقوه، وهو تفاعل من المرية. هذا؛ والفعل: «شكر» يتعدى بنفسه، وبحرف الجر، تقول: شكرته، وشكرت له، كما تقول: نصحته، ونصحت له. الإعراب: ﴿نِعْمَةً:﴾ مفعول لأجله، أو هو مفعول مطلق، عامله ﴿نَجَّيْناهُمْ﴾ لأن الإنجاء من العذاب من أجلّ النعم، ﴿مِنْ عِنْدِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿نِعْمَةً،﴾ أو بمحذوف صفة له. (ونا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق عامله ما بعده، التقدير: نجزي من شكر جزاء مثل ذلك الجزاء الذي جزينا به آل لوط، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿نَجْزِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر وجوبا تقديره: «نحن». ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿شَكَرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مِنْ﴾ وهو العائد، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿نَجْزِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الاية رقم [١٣] من سورة (النجم). ﴿أَنْذَرَهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به أول، والفاعل ضمير. ﴿بَطْشَتَنا:﴾ مفعول به ثان. (ونا): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ..﴾. إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿فَتَمارَوْا:﴾ الفاء: حرف عطف. (تماروا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِالنُّذُرِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ أي: أرادوا من لوط-﵇-أن يمكنهم ممن كان أتاه من الملائكة في هيئة الأضياف طلبا للفاحشة؛ التي عرفوا بها، وانظر شرح (ضيف) في الاية رقم [٢٤] من سورة (الذاريات). ﴿فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ:﴾ يروى: أن جبريل ﵇ ضربهم بجناحه فعموا. وقيل: صارت أعينهم كسائر الوجه، لا يرى لها شق، كما تطمس الريح الأعلام بما تسفي عليها من التراب، وذلك: أنهم لما قصدوا دار لوط؛ عالجوا الباب؛ ليدخلوا عليهم، فقالت الرسل للوط: خلّ بينهم وبين الدخول، فإنا رسل ربك، لن يصلوا إليك، فدخلوا الدار، فصفقهم جبريل بجناحه، فتركهم عميا بإذن الله يترددون متحيرين لا يهتدون إلى الباب،

стр. 6278

وأخرجهم لوط ﵇ عميا لا يبصرون. وقيل: طمس الله على أبصارهم، فلم يروا الرسل، فقالوا: لقد رأيناهم حين دخلوا، فأين ذهبوا؟ فرجعوا ولم يروهم. وهذا قول ضعيف. ﴿فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ﴾ أي: فقلنا لهم: ذوقوا... إلخ والمراد من هذا الأمر الخبر؛ أي: فأذقتهم عذابي، الذي أنذرهم به لوط. وانظر ذوقوا في الاية رقم [١٤] من سورة (الذاريات). الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الاية رقم [١٣] من سورة (النجم). ﴿راوَدُوهُ:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿عَنْ ضَيْفِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَطَمَسْنا:﴾ الفاء: حرف عطف. (طمسنا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَعْيُنَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَذُوقُوا:﴾ (الفاء): حرف عطف. (ذوقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَذابِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله. ﴿وَنُذُرِ:﴾ الواو: حرف عطف. (نذر): معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة... إلخ. وجملة: (ذوقوا...) إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: فقلنا لهم: ذوقوا... إلخ، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ﴾ أي: نزل بقوم لوط العذاب في الصباح الباكر، ومعنى (مستقر): دائم عام، استقر فيهم حتى يفضي بهم إلى عذاب الاخرة، وذلك العذاب كان قلب قريتهم عليهم، وجعل أعلاها أسفلها، يضاف إلى ذلك الحجارة التي أرسلها الله على مسافريهم، والذين لم يكونوا في القرية التي جعل عاليها سافلها، وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٨٢] من سورة (هود)، والاية رقم [٧٤] من سورة (الحجر). ﴿فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا..﴾. إلخ انظر شرح هاتين الايتين برقم [١٦] و [١٧] وانظر فائدة التكرير في الاية رقم [٢١] و [٢٢]. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الاية رقم [١٣] من سورة (النجم). ﴿صَبَّحَهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿بُكْرَةً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿عَذابٌ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿مُسْتَقِرٌّ:﴾ صفة ﴿عَذابٌ﴾. ﴿فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الاية رقم [٣٧]. ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ..﴾. إلخ: انظر إعراب هذه الاية في الاية رقم [١٧]، والله الموفق والمعين، وبه أستعين.

стр. 6279

﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ:﴾ فرعون وقومه. ﴿النُّذُرُ﴾ أي: موسى وهارون، وقد يطلق لفظ الجمع على الاثنين. وقيل: النذر الايات التي أنذرهم بها موسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها:﴾ معجزاتنا الدالة على واحدانيتنا، ونبوة أنبيائنا، وهي: العصا، واليد، والسنون، والطمسة، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. انظر (الأعراف) رقم [١٣٠] وما بعدها. ﴿فَأَخَذْناهُمْ﴾ أي: انتقمنا منهم بالعذاب. ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ:﴾ قوي غالب في أخذه، وانتقامه. ﴿مُقْتَدِرٍ:﴾ قادر على ما أراد، لا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الاية رقم [١٣] من سورة (النجم). ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض. ﴿آلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿فِرْعَوْنَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿النُّذُرُ:﴾ فاعل ﴿جاءَ،﴾ والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم، وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿كَذَّبُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِآياتِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، (ونا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿كُلِّها:﴾ توكيد معنوي، و (ها): في محل جر بالإضافة. وجملة: ﴿كَذَّبُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَخَذْناهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أخذناهم): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَخْذَ:﴾ مفعول مطلق. وهو مضاف، و ﴿عَزِيزٍ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿مُقْتَدِرٍ:﴾ بدل من ﴿عَزِيزٍ﴾. وقيل: صفة ﴿عَزِيزٍ﴾. والأول أقوى، وأولى. ﴿أَكُفّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤)﴾ الشرح: ﴿أَكُفّارُكُمْ:﴾ هذا خطاب لكفار قريش. ﴿خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ:﴾ الإشارة إلى الأمم السابقة الذين أهلكهم الله بذنوبهم، والمعنى: لستم أقوى، وأشد من الذين أحللت بهم نقمتي، مثل: قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وآل فرعون. ﴿أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ:﴾ أم نزلت إليكم يا أهل مكة براءة في الكتب المتقدمة: أن من كفر منكم، وكذب الرسل كان آمنا من عذاب الله، فآمنتم بتلك البراءة. هذا؛ و ﴿الزُّبُرِ:﴾ الكتب جمع: زبور. ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ:﴾ المعنى: هل يقول أهل مكة: نحن جماعة أمرنا واحد، وكلمتنا واحدة، فلا نغلب، ولا نقهر، ولا نضام، ولم يقل: «منتصرون» لموافقة رؤوس الاي. وقيل: معناه: نحن كل واحد منا منتصر، كما يقال: كلهم عالم؛ أي: كل واحد منهم عالم.

стр. 6280

هذا؛ و ﴿خَيْرٌ﴾ أفعل تفضيل، أصله: أخير، نقلت حركة الياء إلى الخاء؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثم حذفت الهمزة استغناء عنها بحركة الخاء. ومثله قل في: «حبّ» و «شر» اسمي تفضيل؛ إذ أصلهما: أحبب، وأشرر، فنقلت حركة الباء الأولى، والراء الأولى إلى ما قبلها، ثم أدغم الحرفان المتماثلان في بعضهما، ثم حذفت الهمزة من أولهما استغناء عنها بحركة الحاء والشين، وقد يستعمل خير وشر على الأصل، كقراءة بعضهم قوله تعالى: «(سيعلمون غدا من الكذاب الأشرّ)» بفتح الشين رقم [٢٦] ونحو قول رؤية بن العجاج: [الرجز] يا قاسم الخيرات وابن الأخير... ما ساسنا مثلك من مؤمّر وخير، وشرّ، وحبّ يستعملن بصيغة واحدة للمذكر، والمؤنث، والمفرد، والمثنى، والجمع؛ لأنهن بمعنى أفعل كما رأيت. الإعراب: ﴿أَكُفّارُكُمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام إنكاري توبيخي. (كفاركم): مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ أُولئِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَيْرٌ،﴾ والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿بَراءَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿فِي الزُّبُرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿بَراءَةٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف، يقوم مقام: «بل، والهمزة». ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿جَمِيعٌ:﴾ خبره. ﴿مُنْتَصِرٌ:﴾ صفة: ﴿جَمِيعٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾ الشرح: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ أي: جمع كفار مكة. ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أي: الأدبار، فوحد لأجل رؤوس الاي. وقيل: في الإفراد إشارة إلى أنهم في التولية كنفس واحدة، فلا يتخلف أحد عن الهزيمة، ولا يثبت أحد للزحف، فهم في ذلك كرجل واحد. وقال سعيد بن المسيب-رحمه الله تعالى-: سمعت عمر بن الخطاب-﵁-يقول: لما نزلت: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ كنت لا أدري أي جمع يهزم، فلما كان يوم بدر رأيت النبي ﷺ يثب في درعه، ويقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ فعلمت تأويلها. وروى سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-عن سعد بن أبي وقاص-﵁-مثله. وقد روي عن ابن عباس-﵄: أنه قال: كان بين نزول هذه الاية وبين بدر سبع سنين، وهذا يعد من الأمور المغيبة؛ التي أخبر عنها القرآن قبل

стр. 6281

وقوعها، وما أكثر ذلك! مثل الايات في أول سورة (الروم). قال الزمخشري: وهذه الاية من الايات البينة الشاهدة على صحة النبوة، وأن القرآن من عند الله؛ لأنها إنباء عن علم الغيب؛ الذي لا يعلمه إلا الله. هذا؛ ومثل هذه الاية قوله تعالى في سورة (ص) رقم [١١]: ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ﴾ فكلتا الايتين من المغيبات التي أخبر الله بها قبل وقوعها، وفيهما بشارة للنبي ﷺ ولأصحابه-ولا سيما المستضعفون منهم-بعزهم، ونصرهم، وقوة شوكتهم، وذل الكافرين، ودحرهم، وقد حقق الله وعده، ونصر المسلمين على الكافرين في غزوة بدر الكبرى، فيا لها من بشارة! ويا لها من تسلية للنبي ﷺ وأصحابه!. ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ:﴾ موعد عذابهم الحقيقي، وما يحيق بهم في الدنيا من مقدماته، وطلائعه. ﴿وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ أي: أعظم داهية وأشد مرارة من القتل، والأسر يوم بدر. هذا؛ و ﴿أَدْهى﴾ من الداهية، وهي الأمر العظيم، يقال: دهاه أمر كذا؛ أي: أصابه دهوا، ودهيا، وقال ابن السكيت: دهته داهية دهواء، ودهياء. الإعراب: ﴿سَيُهْزَمُ:﴾ (السين): حرف استقبال. (يهزم): مضارع مبني للمجهول. ﴿الْجَمْعُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَيُوَلُّونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يولون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿الدُّبُرَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿بَلِ:﴾ حرف عطف، وإضراب، ﴿السّاعَةُ:﴾ مبتدأ. ﴿مَوْعِدُهُمْ:﴾ خبر المبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَالسّاعَةُ:﴾ (الواو): حرف عطف. (الساعة): مبتدأ. ﴿أَدْهى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَأَمَرُّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أمرّ): معطوف على ما قبله. ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾ يعني: الكافرين. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ في بعد عن الحق. ﴿وَسُعُرٍ﴾ أي: نار تسعر عليهم؛ أي: يحترقون بها، وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٢٤]: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ أي: يوم يجرون على النار على وجوههم، تقول لهم الملائكة: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ أي: عذاب سقر، ومسّها: ما يجدون من الألم عند الوقوع فيها، والخطاب يكون في سقر لمن كان يكذب بآيات الله في الدنيا، ولا ينقاد لأوامر رسول الله. هذا؛ و ﴿سَقَرَ﴾ إحدى دركات النار، وهي سبع، وهي منازل أهلها، والجنة درجات، فالدرك إلى أسفل، والدرج إلى أعلى، فالعليا

стр. 6282

من طبقات، أو دركات النار لعصاة المسلمين، وهي: جهنم، تكون بعد خروجهم منها خرابا، لا نار فيها، والثانية: لظى للنصارى، والثالثة: الحطمة لليهود، والرابعة: السعير للصابئين، والخامسة: سقر للمجوس، والسادسة: الجحيم لأهل الشرك، والسابعة: الهاوية، (وهي الدرك الأسفل) للمنافقين، قال تعالى في سورة (النساء) رقم [١٤٥]: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ وإنما كان عقابهم كذلك؛ لأنهم أخبث من الكفرة؛ لأنهم ضموا إلى الكفر استهزاء بالإسلام، وخداعا للمؤمنين. هذا؛ وبالمقابل انظر درجات الجنان في الاية رقم [٧٣] من سورة (الزمر). هذا؛ وجاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة-﵁-قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر، فنزلت: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ هذا؛ وانظر (ذوقوا) في الاية رقم [١٤] من سورة (الذاريات). ﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ أي: مقدور مكتوب في اللوح المحفوظ. وقيل: معناه قدر الله لكل شيء من خلقه قدره الذي ينبغي له. وقال ابن عباس-﵄: كل شيء بقدر؛ حتى وضعك يدك على خدك. هذا؛ والذي عليه أهل السنة: أن الله قدر الأشياء؛ أي: علم مقاديرها، وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه، فلا يحدث حدث في العالم العلوي، والسفلي، إلا وهو صادر عن علمه تعالى، وقدرته، وإرادته دون خلقه، وأن الخلق ليس لهم فيها إلا نوع اكتساب، ومحاولة، ونسبة، وإضافة، وأن ذلك كله إنما حصل لهم بتيسير الله تعالى، وبقدرته، وتوفيقه، وإلهامه، سبحانه لا إله إلا هو، ولا خالق غيره، كما نص عليه القرآن، والسنة، لا كما قالت القدرية، وغيرهم من أن الأعمال إلينا، والاجال بيد غيرنا، فنزلت هذه الاية إلى قوله: ﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ فقالوا: يا محمد! يكتب علينا الذنب، ويعذبنا، فقال: أنتم خصماء الله يوم القيامة. انتهى. قرطبي بتصرف. وخذ ما يلي: عن عبد الله بن عمرو بن العاص-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتب الله مقادير الخلائق كلها قبل أن يخلق السّموات والأرض بخمسين ألف سنة. قال: وعرشه على الماء». أخرجه مسلم. وعن عبد الله بن عمر-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ «كلّ شيء بقدر حتى العجز، والكيس». أخرجه مسلم. وعن علي بن أبي طالب-﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله بعثني بالحق. ويؤمن بالموت، وبالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر». أخرجه الترمذي. وله عن جابر-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره، وشرّه، وحتى يعلم: أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه». وقال: حديث غريب. وفي حديث جبريل المتفق عليه: «وتؤمن بالقدر خيره، وشرّه. قال: صدقت». ففيه ذم

стр. 6283

القدرية، وما قاله الرسول ﷺ لعمر-﵁-في ابن صياد: «إن يكنه؛ فلن تسلّط عليه، وإن لا يكنه؛ فلا خير لك في قتله» يثبت: أن ما قدره الله نافذ لا مرد له، ولا محيص عنه. وعن حذيفة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر. من مات منهم؛ فلا تشهدوا جنازته، ومن مرض منهم؛ فلا تعودوه، وهم من شيعة الدّجّال، وحقّ على الله أن يلحقهم بالدّجّال». أخرجه أبو داود. وله عن أبي هريرة-﵁-مثله، وزاد: «فلا تجالسوهم، ولا تفاتحوهم في الكلام». وروى ابن الجوزي في تفسيره عن عمر بن الخطاب-﵁-عن رسول الله ﷺ : قال: «إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة؛ أمر مناديا، فينادي نداء يسمعه الأولون، والاخرون: أين خصماء الله؟ فتقوم القدريّة، فيأمر بهم إلى النار: يقول الله: ﴿ذُوقُوا مَسَّ..﴾. إلخ» قال ابن الجوزي: وإنما قيل: خصماء الله؛ لأنهم يخاصمون في أنه لا يجوز أن يقدر المعصية على العبد، ثم يعذبه عليها. وروي عن الحسن-رحمه الله تعالى-، قال: والله لو أن قدريّا صام؛ حتى يصير كالحبل، وصلى حتى يصير كالوتر، ثم أخذ ظلما؛ حتى يذبح بين الركن، والمقام؛ لكبّه الله على وجهه في سقر، ثم قيل له: ذق مس سقر، إنا كل شيء خلقناه بقدر. قال الشيخ محيي الدين النووي-رحمه الله تعالى-: اعلم: أن مذهب أهل الحق إثبات القدر، ومعناه: أن الله تعالى قدر الأشياء في القدم، وعلم سبحانه، وتعالى: أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه، وتعالى، وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها الله تعالى. وأنكرت القدرية هذا، وزعمت: أنه لم يقدرها، ولم يتقدم علمه بها، وأنها مستأنفة العلم؛ أي: إنما يعلمها الله بعد وقوعها، وكذبوا على الله سبحانه، وتعالى عن أقوالهم الباطلة علوا كبيرا. وسميت هذه الفرقة قدرية، لإنكارها القدر. انتهى. خازن. وفي صحيح مسلم: أن ابن عمر تبرأ منهم، ولا يتبرأ إلا من كافر، ثم أكد هذا بقوله: والذي يحلف به عبد الله بن عمر: لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا، فأنفقه؛ ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر. وهذا مثل قوله تعالى في المنافقين: ﴿وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ رقم [٥٤] من سورة (التوبة)، وهذا واضح. وقال أبو هريرة-﵁-قال النبي ﷺ : «الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن». انتهى. قرطبي. وأخيرا أقول: ما أكثر الذين يقولون في هذه الأيام: إذا كان قدر الله علينا المعاصي، والذنوب؛ فكيف يعذبنا؟! فهؤلاء خصماء الله في هذه الأيام، انظر ما ذكرته آنفا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْمُجْرِمِينَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، أو مبتدأة، لا محل لها على

стр. 6284

الاعتبارين. ﴿وَسُعُرٍ:﴾ الواو: حرف عطف. (سعر): معطوف على ما قبله، ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بفعل محذوف، انظر تقديره فيما يأتي. ﴿يُسْحَبُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿فِي النّارِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَلى وُجُوهِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ذُوقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مَسَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿سَقَرَ﴾ مضاف إليه مجرور وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. وقيل: للعلمية والتأنيث. والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: ويقال لهم يوم يسحبون... : ذوقوا مس سقر؛ أي: عذاب سقر. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده، والجملة الفعلية المقدرة في محل رفع خبر (إنّ)، و ﴿كُلَّ:﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿خَلَقْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية مفسرة، لا محل لها عند الجمهور، وقال الشلوبين بحسب ما تفسره، وأرجحه هنا، وعليه: فهي في محل رفع مثل التي تفسرها. ﴿بِقَدَرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الهاء، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مستأنفة، أو مبتدأة. تنبيه: قراءة ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ بالنصب هي قراءة الجمهور، وقرأ أبو السّمّال بالرفع، وهي قراءة شاذة، وقد رجح الناس النصب، بل أوجبه بعضهم. قال: لأن الرفع يوهم ما لا يجوز على قواعد أهل السنة، وذلك: أنه إذا رفع: «كلّ شيء» كان مبتدأ، و ﴿خَلَقْناهُ﴾ صفة ل: «كلّ» أو ل: «شيء»، و: «بقدر» خبره، وحينئذ يكون له مفهوم لا يخفى على متأوله، فيلزم أن يكون هناك شيء ليس مخلوقا لله تعالى، وليس بقدر. كذا قرره بعضهم. وقال أبو البقاء: وإنما كان النصب أولى لدلالته على عموم الخلق، والرفع لا يدل على عمومه، بل يفيد: أن كل شيء مخلوق، فهو بقدر وإنما دل نصب ﴿كُلَّ﴾ على العموم؛ لأن التقدير: إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر، فخلقناه تأكيد، وتفسير ل: «خلقنا» المضمر الناصب ل: ﴿كُلَّ شَيْءٍ،﴾ فهذا لفظ عام يعم جميع المخلوقات، ولا يجوز أن يكون ﴿خَلَقْناهُ﴾ صفة ل: ﴿شَيْءٍ؛﴾ لأن الصفة والصلة، لا يعملان فيما قبل الموصول ولا الموصوف، ولا تكون تفسيرا لما يعمل فيما قبلهما، فإذا لم يبق: ﴿خَلَقْناهُ﴾ صفة، لم يبق إلا أنه تأكيد، وتفسير للمضمر الناصب، وذلك يدل على العموم. وأيضا فإن النصب هو الاختيار؛ لأن ﴿إِنّا﴾ عندهم تطلب الفعل، فهي أولى به، فالنصب عندهم في: ﴿كُلَّ﴾ هو الاختيار، فإذا انضم إليه معنى العموم، والخروج عن الإيهام؛ كان

стр. 6285

النصب أولى من الرفع. وقال قوم: إذا كان الفعل يتوهم فيه الوصف، وأن ما بعده يصلح للخبر، وكان المعنى على أن يكون الفعل هو الخبر؛ اختير النصب في الاسم الأول؛ حتى يتضح: أن الفعل ليس بوصف، ومنه هذا الموضع؛ لأن قراءة الرفع تخيل: أن الفعل وصف، وأن الخبر: ﴿بِقَدَرٍ﴾ و ﴿بِقَدَرٍ﴾ على قراءة النصب متعلق بالفعل الناصب، وفي قراءة الرفع في محل رفع؛ لأنه خبر ل: (كلّ)، و (كل) وخبرها في محل رفع خبر ل: (إنّ) وسيأتي قريبا عكس هذا من اختيار الرفع في قوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢)﴾ فإنه لم يختلف في رفعه، قالوا: لأن نصبه يؤدي إلى فساد المعنى؛ لأن الواقع خلافه. وذلك: أنك لو نصبته؛ لكان التقدير: فعلوا كل شيء في الزبر، وهو خلاف الواقع؛ إذ في الزبر أشياء كثيرة جدا، لم يفعلوها، وأما قراءة الرفع فتؤدي إلى أن كل شيء فعلوه هو ثابت في الزبر، وهو المقصود، ولذلك اتفق على رفعه، وهذان الموضعان من نكت المسائل العربية؛ التي اتفق مجيئها في سورة واحدة في مكانين متقاربين. انتهى. جمل نقلا من السمين. ﴿وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١)﴾ الشرح: ﴿وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ﴾ أي: وما أمرنا إلا مرّة واحدة. وقيل: معناه: وما أمرنا للشيء إذا أردنا تكوينه إلا بكلمة واحدة: كن فيكون، لا مراجعة فيه، فعلى هذا: إذا أراد الله -شيئا؛ قال له: كن، فيكون، فهنا بان فرق بين الإرادة، والقول، فالإرادة قدر، والقول قضاء، وقوله: ﴿واحِدَةٌ﴾ فيه بيان: أنه لا حاجة إلى تكرير القول، بل هو إشارة إلى نفاذ الأمر. انتهى. خازن. ﴿إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ:﴾ قال ابن عباس-﵄: يريد: أن قضائي في خلقي أسرع من لمح البصر؛ أي: لا يتأخر طرفة عين، وما أحسن قول الشاعر: [الطويل] إذا ما أراد الله أمرا فإنّما... يقول له: كن-قولة-فيكون وفي سورة (النحل) رقم [٧٧]: ﴿وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ والمعنى: ﴿وَما أَمْرُ السّاعَةِ﴾ أي: وما أمر قيام القيامة في سرعته، وسهولته إلا كلمح البصر؛ أي: كرجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها، واللمح: النظر بالعجلة. ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ﴾ يعني: أمثالكم، وأشباهكم، وأسلافكم من الأمم السابقة المكذبة بالرسل، فهو كقوله تعالى في سورة (سبأ) رقم [٥٤]: ﴿كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾. ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي: فهل من متعظ بما أخزى الله أولئك الأقوام، فيعرف: أن ذلك حق، فيخاف، ويعتبر. وانظر إعلال (مدّكر) فيما تقدم. هذا؛ و (أشياع) جمع: شيعة، وكل قوم اجتمعوا على أمر، فهم شيعة، وأشياع، وأصله من التشييع، وهو التحزب، ومعنى الشيعة: الجماعة الذين يتبع

стр. 6286

بعضهم بعضا. وقيل: الشيعة هم الذين يتقوى بهم الإنسان. وفي «القاموس المحيط»: وشيعة الرجل (بالكسر): أتباعه، وأنصاره، والفرقة على حدة، وتقع على الواحد، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى عليّ بن أبي طالب وأهل بيته، ﵃ أجمعين-، حتى صار اسما لهم خاصة، قال الكميت: [الطويل] وما لي إلاّ آل أحمد شيعة... وما لي إلاّ مذهب الحقّ مذهب الإعراب: ﴿وَما:﴾ (الواو): واو الحال. (ما): نافية. ﴿أَمْرُنا:﴾ مبتدأ، و (نا): في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿واحِدَةٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الواو، والضمير. ﴿كَلَمْحٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من متعلق الأمر، وهو الشيء المأمور بالوجود؛ أي: حال كونه يوجد سريعا بالمرة من الأمر، ولا يتراخى عنها. ﴿بِالْبَصَرِ:﴾ متعلقان ب: (لمح)؛ لأنه مصدر. ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر إعرابه في الاية رقم [١٣] من سورة (النجم). ﴿أَهْلَكْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿أَشْياعَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ:﴾ انظر الاية رقم [١٥] فالإعراب مثله هناك. ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ الشرح: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ أي: جميع ما فعلته الأمم قبلهم من خير، أو شر كان مكتوبا عليهم. وهذا بيان قوله تعالى: ﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ والمراد ب: (الزبر) اللوح المحفوظ. وقيل: المراد: ما عملوه مسجل في كتب الحفظة؛ الذين يحفظون أعمالهم. ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ:﴾ من الأعمال التي يعملها العبد. ﴿مُسْتَطَرٌ:﴾ مسجل على عامله قبل أن يفعله، فيجازى به، ومسجل عليه إذا فعله؛ ليحاسب عليه، قال تعالى في سورة (ق): ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ:﴾ الذين آمنوا وعملوا الصالحات على اختلاف درجاتها وتفاوت مراتبها. ﴿فِي جَنّاتٍ:﴾ في حدائق، وبساتين، ﴿وَنَهَرٍ﴾ أي: أنهار. وإنما وحده لموافقة رؤوس الاي، وأراد: أنهار الجنة من الماء، والخمر، واللبن، والعسل المذكورة في سورة (محمد ﷺ رقم [١٥]. وقيل: معناه: في ضياء وسعة، ومنه: النهار. ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ أي: مجلس حق، وكرامة، لا لغو فيه، ولا تأثيم، وهو الجنة، بخلاف مجالس الدنيا؛ التي فيها الهذر، والنذر، والخوض في الباطل. ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ:﴾ مبالغة ملك؛ أي: عند عزيز الملك واسعه ﴿مُقْتَدِرٍ،﴾ قادر لا يعجزه شيء وهو الله تعالى، و ﴿عِنْدَ﴾ هاهنا عندية القربة، والزلفة،

стр. 6287

والمكانة، والرتبة، والكرامة، والمنزلة، قال جعفر الصادق: مدح الله المكان الصدق، فلا يقعد فيه إلا أهل الصدق. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَكُلُّ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (كلّ): مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿فَعَلُوهُ:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿شَيْءٍ،﴾ أو في محل رفع صفة (كلّ). ﴿فِي الزُّبُرِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَكُلُّ:﴾ الواو: حرف عطف. (كل): مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿صَغِيرٍ﴾ مضاف إليه، ﴿وَكَبِيرٍ:﴾ الواو: حرف عطف. (كبير): معطوف على: (صغير). ﴿مُسْتَطَرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْمُتَّقِينَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿فِي جَنّاتٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿وَنَهَرٍ:﴾ الواو: حرف عطف. (نهر): معطوف على ما قبله. ﴿فِي مَقْعَدِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو هما بدل من قوله: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ و ﴿مَقْعَدِ﴾ مضاف، و ﴿صِدْقٍ﴾ مضاف إليه، من إضافة الموصوف إلى صفته. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ثالث ل: ﴿إِنَّ،﴾ و ﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و ﴿مَلِيكٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مُقْتَدِرٍ:﴾ بدل من ﴿مَلِيكٍ﴾ ويقال: صفة له، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها مستأنفة، أو مبتدأة. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم، والحمد لله رب العالمين. انتهت سورة (القمر) شرحا وإعرابا بحمد الله وتوفيقه. والحمد لله رب العالمين.

стр. 6288

سورة الرّحمن بسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (الرحمن) علا، وعزّ، وجل، وهي مكية في قول الحسن، وعروة بن الزبير، وعكرمة، وعطاء، وجابر-﵃ أجمعين-. وقال ابن عباس-﵄: إلا آية منها هي قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ..﴾. إلخ رقم [٢٩]. وقال ابن مسعود، ومقاتل: هي مدنية كلها. والقول الأول أصح لما روى عروة بن الزبير-﵁-قال: أول من جهر بالقرآن بمكة بعد النبي ﷺ ابن مسعود-﵁. وذلك: أن الصحابة قالوا: ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر به قطّ، فمن رجل يسمعهموه؟ فقال ابن مسعود: أنا، فقالوا: إنا نخشى عليك، وإنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه، فأبى، ثم قام عند المقام، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ ثم تمادى رافعا بها صوته، وقريش في أنديتها، فتأملوا، وقالوا: ما يقول ابن أم عبد؟ قالوا: هو يقول الذي يزعم محمد: أنه أنزل عليه، ثم ضربوه؛ حتى أثروا في وجهه. انتهى. قرطبي. أقول: وهذا ينفي نفيا قاطعا ما نسب إلى ابن مسعود آنفا. وصح: أنه ﷺ قام يصلي الصبح بنخلة، فقرأ سورة ﴿الرَّحْمنُ﴾ ومر النفر من الجن فآمنوا به، انظر ما ذكرته في الاية رقم [٢٩] من سورة (الأحقاف). وفي الترمذي عن جابر-﵁-قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه، فقرأ عليهم سورة (الرحمن) من أولها إلى آخرها، فسكتوا، فقال: «لقد قرأتها على الجنّ ليلة الجنّ، فكانوا أحسن ردا منكم، كنت كلّما أتيت على قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ قالوا: لا بشيء من نعمك ربّنا نكذب، فلك الحمد». قال: هذا حديث غريب، وفي هذا دليل على أنها مكية. والله أعلم. وروي: أن قيس بن عاصم المنقري-﵁-قال للنبي ﷺ : اتل عليّ مما أنزل عليك، فقرأ عليه سورة (الرحمن) فقال: أعدها، فأعادها ثلاثا، فقال: والله إن له لطلاوة، وإن عليه لحلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وما يقول هذا بشر، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. وروي عن علي-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لكلّ شيء عروس، وعروس القرآن سورة الرحمن». انتهى. قرطبي. هذا؛ وطلاوة بتثليث الطاء.

стр. 6289

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤)﴾ الشرح: ﴿الرَّحْمنُ:﴾ قال سعيد بن جبير، وعامر الشعبي: ﴿الرَّحْمنُ﴾ فاتحة ثلاث سور؛ إذا جمعن كنّ اسما من أسماء الله تعالى (الر) و (حم) و (ن) فيكون مجموع هذه (الرحمن). هذا؛ وقد يوصف بالرحيم المخلوقون، وأما الرحمن فلا يوصف به إلا الله تعالى، ومن وصف به مسيلمة الكذاب؛ فقد تعنّت، حيث قال فيه: [البسيط] وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ أي: علمه نبيه ﷺ حتى أدّاه إلى جميع الناس، وأنزلت حين قالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمنُ﴾ وقيل: نزلت جوابا لأهل مكة حين قالوا: ﴿إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ وهو رحمن اليمامة: يعنون: مسيلمة الكذاب، وهذه هفوة من القرطبي-رحمه الله تعالى-انظر شرح الاية رقم [١٠٣] من سورة (النحل) تجد: أنه لا ذكر لمسيلمة الكذاب هناك. وقال الزجاج: معنى ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ سهله؛ لأن يذكر، ويقرأ، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾. ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ:﴾ يعني آدم ﵊. قاله ابن عباس-﵄. وقيل: المراد: جنس الإنسان؛ أي: جميع الناس. ﴿عَلَّمَهُ الْبَيانَ:﴾ أسماء كل شيء. وقيل: علمه اللغات كلها، فكان آدم يتكلم بسبعمئة لغة أفضلها العربية. وقيل: أراد بالإنسان محمدا ﷺ ، و ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ يعني: بيان ما كان، وما يكون؛ لأنه ﷺ ينبئ عن خبر الأولين؛ والاخرين، وعن يوم الدين. وقيل: علمه بيان الأحكام من الحلال، والحرام، والحدود، والأحكام، وبيان النافع، والضار. هذا؛ والبيان في اللغة: المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير. وفي الاصطلاح: أحد فنون البلاغة الثلاثة، وهو يبحث في التشبيه، والاستعارة، والمجاز، والكناية. وقد مر معنا كثير من ذلك في هذا الكتاب. تنبيه: عدد الله في أول هذه السورة آلاءه، ونعمه، فأراد أن يقدم أول شيء ما هو أسبق قدما من ضروب آلائه، وصنوف نعمائه، وهي نعمة الدين، فقدم من نعمة الدين ما هو سنام في أعلى مراتبها، وأقصى مراقيها، وهو إنعامه بالقرآن، وتنزيله، وتعليمه؛ لأنه أعظم وحي الله رتبة، وأعلاه منزلة، وأحسنه في أبواب الدين أثرا، وهو سنام الكتب السماوية، ومصداقها، والعيار عليها، وأخر ذكر خلق الإنسان عن ذكره، ثم أتبعه إياه؛ ليعلم: أنه إنما خلقه للدين، وليحيط علما بوحيه، وكتبه، وقدم ما خلق الإنسان من أجله عليه، ثم ذكر ما يميزه عن سائر الحيوان من البيان، وهو المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير. انتهى. نسفي والكشاف. الإعراب: ﴿الرَّحْمنُ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه خبر مبتدأ مضمر، التقدير: الله الرحمن. الثاني: أنه مبتدأ، وخبره محذوف؛ أي: الرحمن ربنا، وهذان الوجهان عند من يرى:

стр. 6290

أن الرحمن آية مع هذا المضمر، فإنهم عدوا ﴿الرَّحْمنُ﴾ آية، ولا يتصور ذلك إلا بانضمام خبر، أو مخبر عنه إليه؛ إذ الاية لا بد أن تكون مفيدة. الثالث: أنه ليس بآية، وأنه مع ما بعده كلام واحد، وهو مبتدأ خبره: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾. انتهى. جمل نقلا من السمين. ﴿عَلَّمَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الرحمن) وهو متعد لاثنين، الأول محذوف تقديره: علم جبريل، أو علم محمدا، أو علم الإنسان. وهذا أولى لعمومه، والمفعول الثاني هو القرآن. وقيل: ﴿عَلَّمَ﴾ من العلامة، فلا ينصب مفعولين، والجملة الفعلية مستأنفة على الوجهين في ﴿الرَّحْمنُ،﴾ وفي محل رفع خبره على الوجه الثالث فيه، والجملتان: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ﴾ مستأنفتان أيضا، أو هما من تعدد الخبر، وهو جملة. قال النسفي تبعا للزمخشري: وهذه الأفعال مع ضمائرها أخبار مترادفة، وإخلاؤها من العاطف لمجيئها على نمط التعديد، كما تقول: زيد أغناك بعد فقر، أعزك بعد ذل، كثرك بعد قلة، فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد، فما تنكر من إحسانه؟. انتهى. وهو مفاد كلام ابن هشام في المغني. ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٦) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧) أَلاّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨)﴾ الشرح: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ:﴾ قال ابن عباس-﵄: يجريان بحسبان ومنازل لا يتعديانها. وقيل: يعني بهما حساب الأوقات، والاجال، ولولا الليل والنهار، والشمس والقمر لم يدر أحد كيف يحسب ما يريد، قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ انظر شرحها هناك، فإنه جيد، والحمد لله، وانظر شرح الاية رقم [٣٨] من سورة (يس) وما بعدها؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ ويجوز في (حسبان) وجهان: أحدهما: أنه مصدر مفرد بمعنى الحساب، فيكون كالغفران والكفران. والثاني: أنه جمع حساب، كشهاب، وشهبان، ورغيف، ورغفان. انتهى. سمين. ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ:﴾ قال ابن عباس، وغيره: النجم: ما لا ساق له، والشجر: ما له ساق، وأنشد ابن عباس-﵄-قول صفوان بن أسد التميمي: [الطويل] لقد أنجم القاع الكبير عضاهه... وتمّ به حيّا تميم ووائل وقال زهير بن أبي سلمى المزني: [البسيط] مكلّل بأصول النجم تنسجه... ريح الجنوب لضاحي مائه حبك واشتقاق النجم من: نجم الشيء، ينجم بالضم نجوما: ظهر وطلع، وسجودهما بسجود ظلالهما. وقال الزجاج: سجودهما دوران الظل معهما، كما قال تعالى: ﴿يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ﴾

стр. 6291

﴿الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ﴾. وقيل: النجم: هو الكوكب، وسجوده: طلوعه. والقول الأول أظهر؛ لأنه ذكره مع الشجر في مقابلة الشمس، والقمر، ولأنهما أرضيان في مقابلة سمائيين. ومعنى ﴿يَسْجُدانِ﴾ ينقادان لله تعالى فيما خلقا له تشبيها بالساجد من المكلفين في انقياده، واتصلت هاتان الجملتان ب: ﴿الرَّحْمنُ﴾ بالوصل المعنوي، لما علم: أن الحسبان حسبانه، والسجود له، لا لغيره، كأنه قيل: الشمس والقمر بحسبانه، والنجم والشجر يسجدان له، ولم يذكر العاطف في الجمل الأول، ثم جيء به بعد؛ لأن الأول وردت على سبيل التعديد تبكيتا لمن أنكر آلاءه، كما يبكت منكر أيادي المنعم عليه من الناس بتعديدها عليه في المثال المذكور، ثم رد الكلام إلى منهاجه بعد التبكيت في وصل ما يجب وصله للتناسب، والتقارب بالعطف، وبيان التناسب: أن الشمس، والقمر سماويان، والنجم، والشجر أرضيان، فبين القبيلين تناسب من حيث التقابل، وأن السماء، والأرض لا تزالان تذكران قرينتين، وأن جري الشمس، والقمر بحسبان من جنس الانقياد لأمر الله تعالى، فهو مناسب لسجود الشمس، والقمر. ﴿وَالسَّماءَ رَفَعَها:﴾ خلقها مرفوعة محلا، ومرتبة، فإنها منشأ أقضيته، ومتنزل أحكامه، ومحل ملائكته، الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه، ونبه بذلك على كبرياء شأنه، وملكه، وسلطانه. ﴿وَوَضَعَ الْمِيزانَ﴾ أي: كل ما توزن به الأشياء، وتعرف مقاديرها من ميزان، ومكيال ومقياس؛ أي: خلقه موضوعا على الأرض، حيث علق به أحكام عباده من التسوية، والتعديل في أخذهم، وإعطائهم. ﴿أَلاّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ﴾ أي: لا تجاوزوا العدل، ولئلا تميلوا، وتظلموا، وتجوروا بأكل أموال الناس بالباطل. هذا؛ والطغيان في كل شيء مجاوزة الحد، ومنه قوله تعالى في سورة (الحاقة): ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿الشَّمْسُ:﴾ مبتدأ. ﴿وَالْقَمَرُ:﴾ الواو: حرف عطف. (القمر): معطوف على ما قبله. ﴿بِحُسْبانٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، التقدير: يجريان بحسبان، قال ابن هشام في المغني: فإن قدرت الكون قدرت مضافا؛ أي: جريان الشمس والقمر كائن بحسبان، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالنَّجْمُ:﴾ الواو: حرف عطف. (النجم): مبتدأ. ﴿وَالشَّجَرُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿يَسْجُدانِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والألف فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَالسَّماءَ:﴾ مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور، وهو ما يسمى بالاشتغال، وقرئ بالرفع على أنه مبتدأ. ﴿رَفَعَها:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الرَّحْمنُ،﴾ (وها): مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها مفسرة على نصب (السماء)، وفي محل رفع خبره على رفعه، وعلى الاعتبارين فالجملة معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، وجملة ﴿وَوَضَعَ الْمِيزانَ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها. ﴿أَلاّ تَطْغَوْا:﴾ فالفعل منصوب ب: «أن» على اعتبارها مصدرية، و (لا) نافية، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال

стр. 6292

الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و (أن) والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: أي: لئلا تطغوا، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (وضع). هذا؛ وقيل: (أن) مفسرة، و (لا) ناهية جازمة، والفعل مجزوم ب: (لا) منصوب. وردّ بأن شرط المفسرة تقدم جملة عليها فيها معنى القول دون حروفه، ﴿وَوَضَعَ الْمِيزانَ﴾ ليس فيها معنى القول. وقد يجاب عنه بتوهم: أنّ وضع الميزان يستدعي كلاما في الأمر بالعدل فيه، فجاءت (أن) مفسرة بهذا الاعتبار. انتهى. جمل نقلا من كرخي. ﴿فِي الْمِيزانِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١٢)﴾ الشرح: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ،﴾ قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٣٥]: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾. ﴿وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ﴾ أي: لا تنقصوا الميزان، ولا تبخسوا الكيل، والوزن. وهذا كقوله تعالى في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ﴾ رقم [٨٤]. أمر الله بالتسوية، وإقامة الحق والعدل، ونهى عن الطغيان؛ الذي هو اعتداء وزيادة، وعن الخسران، الذي هو تطفيف، ونقصان، وكرر لفظ الميزان تشديدا للوصية به، وتقوية للأمر باستعماله، والحث عليه. هذا؛ وأصل ميزان: موزان، فقلبت الواو ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها، ومثله: ميعاد، وميراث، ونحوهما. ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ﴾ أي: بسط الأرض، وأرساها بالجبال الشامخات؛ لتستقر بما على وجهها من الأنام، وهم الخلائق المختلفة أنواعهم، وأشكالهم وألوانهم في سائر أقطارها، وأرجائها، وتشمل الخلائق الإنس، والجن. وقيل: تشمل كل ما ظهر على ظهرها من دابة. ﴿فِيها:﴾ في الأرض. ﴿فاكِهَةٌ﴾ أي: كل ما يتفكه به الإنسان من ألوان الثمار. ﴿وَالنَّخْلُ:﴾ انظر الاية رقم [٢٠] من سورة (القمر). ﴿ذاتُ الْأَكْمامِ﴾ أي: صاحبة الأكمام. و ﴿الْأَكْمامِ﴾ جمع: كم بكسر الكاف. قال الجوهري: والكمّة، والكمامة بكسر الكاف فيهما: وعاء الطلع، وغطاء النّور، والجمع: كمام، وأكمّة، وأكمام، والأكاميم أيضا. هذا؛ وكل شيء ستر شيئا فهو كم. واقتصر على ذكر النخل من بين سائر الشجر؛ لأنه أعظمها وأكثرها بركة. ﴿وَالْحَبُّ﴾ أي: جميع الحبوب؛ التي يقتات بها، كالحنطة، والشعير، ونحوهما، وإنما أخر ذكر الحب على سبيل الارتقاء إلى الأعلى؛ لأن الحب أنفع من النخل، وأعم وجودا في الأماكن. ﴿ذُو الْعَصْفِ:﴾ قال ابن عباس-﵄: يعني: التبن، وعنه: أنه ورق الزرع الأخضر؛ إذا قطع رؤوسه، ويبس. وقيل: هو ورق كل شيء يخرج منه الحب. ﴿وَالرَّيْحانُ﴾ يعني: الورق. وقيل: العصف: الورق أول ما ينبت الزرع بقلا، والريحان: الورق؛ يعني: إذا أدجن، وانعقد فيه الحب، كما قال زيد بن عمرو بن نفيل في قصيدته المشهورة: [الطويل]

стр. 6293

وقولا له: من ينبت الحبّ في الثّرى؟ ... فيصبح منه البقل يهتزّ رابيا ويخرج منه حبّه في رؤوسه... ففي ذاك آيات لمن كان واعيا الإعراب: ﴿وَأَقِيمُوا:﴾ (الواو): حرف عطف. (أقيموا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. هذا هو المشهور، والأصل أن يقال في مثل هذا الفعل: فعل أمر مبني على سكون مقدر على آخره، منع من ظهوره إرادة التخلص من التقاء الساكنين، وحرك بالضمة لمناسبة واو الجماعة. وما أجدرك أن تلاحظ هذا في كل فعل أمر مسند إلى واو الجماعة، أو إلى ألف الاثنين، مثل أقيما، وقد حرك بالفتحة لمناسبة ألف الاثنين، أو إلى ياء المؤنثة المخاطبة، مثل اعبدي، وقد حرك بالكسرة لمناسبة ياء المخاطبة. ﴿الْوَزْنَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، على اعتبار (لا) ناهية، وهي مستأنفة على اعتبار (لا) نافية، و (أن) ناصبة الفعل المضارع، ﴿بِالْقِسْطِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تُخْسِرُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْمِيزانَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، ولم يقرأ بالرفع مثل السماء في الاية رقم [٧]. ﴿وَضَعَها:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الرَّحْمنُ،﴾ (وها): مفعول به، والجملة الفعلية مفسرة للمحذوفة، لا محل لها. ﴿لِلْأَنامِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهو المعتمد. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فاكِهَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وجوز اعتبارها حالا من (الأرض) والرابط: الضمير، كما جوز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف حال من (الأرض)، واعتبار (فاكهة) فاعلا بالجار والمجرور؛ أي: بمتعلقهما. ﴿وَالنَّخْلُ:﴾ (الواو): حرف عطف. (النخل): معطوف على فاكهة. ﴿ذاتُ:﴾ صفة (النخل) وهو مضاف، و ﴿الْأَكْمامِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْحَبُّ:﴾ معطوف على ﴿فاكِهَةٌ﴾ أيضا. ﴿ذُو:﴾ صفة (الحب) مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذُو﴾ مضاف، و ﴿الْعَصْفِ﴾ مضاف إليه، ﴿وَالرَّيْحانُ:﴾ معطوف على ما قبله. هذا؛ وقرئ بنصب الثلاثة على تقدير: خلق الحب... إلخ. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥)﴾ الشرح: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ خطاب للإنس والجن؛ لأن الأنام واقع عليهما، وهذا قول الجمهور. وقيل: لما قال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ،﴾ ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ﴾ دل ذلك على أن ما تقدم،

стр. 6294

وما تأخر لهما. وأيضا قال: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ وهو خطاب للإنس، والجن، وقد قال في هذه السورة: ﴿\يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾. هذا؛ والالاء: النعم، واحدها: إلى، وألى، وإلي، وألي. أربع لغات حكاها النحاس. قال: وفي واحد ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾ ثلاث تسقط منها المفتوحة الألف، المسكّنة اللام. وقال ابن زيد: إنها القدرة، وتقدير الكلام: فبأي قدرة... إلخ؟ ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ:﴾ لما ذكر الله سبحانه خلق العالم الكبير من السماء، والأرض، وما فيهما من الدلالات على واحدانيته، وقدرته؛ ذكر خلق العالم الصغير، فقال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ﴾ والمراد به آدم باتفاق أهل العلم. ﴿مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ﴾ يعني: من طين يابس له صلصلة، وهو الصوت منه إذا نقر. ﴿كَالْفَخّارِ:﴾ يعني الطين المطبوخ بالنار، وهو الخزف. هذا؛ واختلفت العبارات في صفة خلق الإنسان، الذي هو آدم، فقال في كثير من الايات: ﴿مِنْ تُرابٍ،﴾ وقال في سورة (الحجر): ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ،﴾ وقال في سورة (الصافات): ﴿مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ وقال هنا: ﴿مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ﴾ وعند التأمل يظهر لك: أنه لا يوجد بين هذه العبارات اختلاف، ولكن مرّ خلق آدم بأدوار، وذلك أن الله خلقه أولا من تراب، ثم جعله طينا لازبا لما اختلط بالماء، ثم حمأ مسنونا، وهو الطين الأسود المنتن، فلما يبس صار صلصالا كالفخار. وكل دور من هذه الأدوار، بل وكل طور من هذه الأطوار يقدر بأربعين عاما. تنبيه: وأما صفة خلق آدم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-فإني أنقلها لك من الخازن بحروفه، وذلك من سورة (البقرة) فقد قال وهب بن منبه-رحمه الله تعالى-: لما أراد الله تعالى أن يخلق آدم؛ أوحى إلى الأرض: أني خالق منك خليقة، منهم من يطيعني، ومنهم من يعصيني، فبكت الأرض، فانفجرت منها العيون إلى يوم القيامة، فبعث الله إليها جبريل ﵇ ليأتيه بقبضة منها، من أحمرها، وأسودها، وطيبها، وخبيثها، فلما أتاها ليقبض منها، قالت: أعوذ بعزة الله الذي أرسلك إليّ ألاّ تأخذ مني شيئا يكون للنار فيه نصيب، فرجع إلى مكانه، وقال: يا رب استعاذت بك مني، فكرهت أن أقدم عليها، فقال الله لميكائيل-﵇: انطلق فائتني بقبضة منها، فلما أتاها ليأخذ منها، قالت له: مثل ما قالت لجبريل، فرجع إلى ربه، فقال: ما قالت له. فقال لعزرائيل-﵇: انطلق فائتني بقبضة من الأرض، فلما أتاها؛ ليقبض منها، قالت له مثل ما قالت لجبريل، وميكائيل، فقال: وأنا أعوذ بعزته أن أعصي له أمرا، فقبض منها قبضة من جميع بقاعها، من عذبها، ومالحها، وحلوها، ومرها، وأبيضها، وأسودها، وطيبها، وخبيثها، وصعد بها إلى السماء. فسأله ربه -وهو أعلم بما صنع-فأخبره بما قالت الأرض، وبما رد عليها. فقال الله : وعزتي وجلالي لأخلقن مما جئت به خلقا، ولأسلطنك على قبض أرواحهم لقلة رحمتك، ثم جعل الله تلك القبضة، نصفها في الجنة، ونصفها في النار، ثم تركها ما شاء الله، ثم

стр. 6295

أخرجها، فعجنها طينا لازبا مدة، ثم حمأ مسنونا مدة، ثم صلصالا مدة، ثم جسدا هامدا، وألقاه على باب الجنة، فكانت الملائكة يعجبون من صفة صورته؛ لأنهم لم يكونوا رأوا مثله، وكان إبليس يمر عليه، ويقول: لأمر ما خلق هذا، ونظر إليه فإذا هو أجوف، فقال: هذا خلق لا يتمالك، وقال يوما للملائكة: إن فضل هذا عليكم فما تصنعون؟ فقالوا: نطيع ربنا، ولا نعصيه. فقال إبليس في نفسه: لئن فضل علي؛ لأعصينه، ولئن فضلت عليه؛ لأهلكنه، فلما أراد الله أن ينفخ فيه الروح أمرها أن تدخل في جسد آدم، فنظرت، فرأت مدخلا ضيقا، فقالت: يا رب كيف أدخل هذا الجسد؟ قال الله : ادخليه كرها، وستخرجين منه كرها، فدخلت في يافوخه، فوصلت إلى عينيه، فجعل ينظر إلى سائر جسده طينا، فسارت إلى أن وصلت إلى منخريه، فعطس، فلما بلغت لسانه؛ قال: الحمد لله رب العالمين، وهي أول كلمة قالها، فناداه الله تعالى: رحمك الله يا أبا محمد! ولهذا خلقتك، ولما بلغت الروح الركبتين؛ هم ليقوم، قال الله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. فلما بلغت إلى الساقين، والقدمين؛ استوى قائما بشرا سويا، لحما، ودما، وعظاما، وعروقا، وعصبا، وأحشاء، وكسي لباسا من ظفر، يزداد جسده جمالا، وحسنا كل يوم، وجعل في جسده تسعة أبواب، سبعة في رأسه، وهما الأذنان يسمع بهما، والعينان يبصر بهما، والمنخران يشم بهما، والفم فيه اللسان يتكلم به، والأسنان يطحن بها ما يأكله، ويجد لذة المطعومات بها، وبابين في أسفله، وهما: القبل والدبر، يخرج منهما ثفل طعامه، وشرابه، وجعل عقله في دماغه، وفكره، وصرامته في قلبه، وشرهه في كليته، وغضبه في كبده، ورغبته في رئته، وضحكه في طحاله، وفرحه، وحزنه في وجهه، فسبحان من جعله يسمع بعظم، ويبصر بشحم، وينطق بلحم ويعرف بدم! وركب فيه الشهوة، وحجزه بالحياء. فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «خلق الله آدم ﵇، وطوله ستون ذراعا، ثم قال: اذهب فسلّم على أولئك النفر من الملائكة، فاستمع ما يحيونك به، فإنها تحيتك، وتحية ذريتك، فقال: السّلام عليكم، فقالوا: السّلام عليك ورحمة الله، فزادوه رحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص حتى الان». متفق عليه. وعن أنس بن مالك-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لمّا صوّر الله آدم تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطوف به ينظر ما هو؟ فلما رآه أجوف عرف: أنه لا يتمالك». رواه مسلم. وعن أبي موسى الأشعري-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ﵎ خلق آدم من قبضة قبضها من الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض. منهم الأحمر، والأبيض، والأسود، وبين ذلك، والسهل، والحزن، والخبيث، والطيّب» أخرجه الترمذي وأبو داود. انتهى. خازن.

стр. 6296

تنبيه: من المقطوع به أن آدم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-من الأنبياء، وهو رأي جمهور العلماء، لم يخالف فيه أحد، وإنما الخلاف فيه، هل هو رسول، أم لا؟ ولمن أرسل؟ فيرى بعض العلماء: أنه رسول، وأنه أرسل إلى ذريته. ويرى الاخرون: أنه لم يكن رسولا، وإنما كان نبيا، ويستدل هؤلاء بحديث الشفاعة، الوارد في صحيح مسلم: أن الناس يذهبون إلى نوح على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، ويقولون له: أنت أول رسل الله إلى أهل الأرض، فلو كان آدم رسولا؛ لما ساغ هذا القول، والقائلون برسالة آدم يؤولون ذلك بأنه أول رسول بعد الطوفان. والله أعلم بحقيقة الأمر، والرأي الأرجح: أنه من الرسل. هذا؛ وقد عاش آدم ﵇ على ما ورد في بعض الاثار ألف عام، ثم مات بعد ذلك، ودفن على المشهور في الهند عند الجبل الذي أهبط فيه. وقيل: دفن بجبل أبي قبيس في مكة المكرمة، ولما حضرته الوفاة جاءته الملائكة بكفن، وحنوط من الجنة، وبعد أن غسلوه، وكفنوه، وحنطوه؛ حفروا له، وألحدوه، وصلوا عليه، ثم أدخلوه قبره، فوضعوه فيه، ثم حثوا عليه التراب، وقالوا: يا بني آدم هذه سنتكم. رحم الله آدم، وأسكنه فسيح جنته، وجمعنا معه في دار الخلد. آمين. والحمد لله رب العالمين. انتهى. النبوة والأنبياء للصابوني. هذا؛ وقد قال عبد الوهاب النجار-رحمه الله تعالى-في كتابه (قصص الأنبياء). هل آدم هذا أول البشر ولم يكن أحد قبله من جنسه؟ والجواب: أن العقل لا يجعل من المحال أن يكون الله خلق آدم غير آدم هذا، ولكن الله لم يذكر سوى آدم الذي نعرفه أبا البشر، فالقول بوجود غيره مجازفة بلا برهان، وقد وجد من البشر في الأزمان الغابرة، والحاضرة من يدعون: أن عمران بلادهم أقدم من خلق آدم، كأهل الهند، وقد كانوا في الزمان السابق يدّعون: أن آدم كان عبدا من عبيدهم هرب إلى الغرب، وجاء بأولاده، وإلى هذا يشير المعري بقوله: [الوافر] تقول الهند آدم كان قنّا... لنا فسعى إليه مخبّبوه وإلى القول بوجود أوادم سوى آدم يشير بقوله: [الخفيف] جائز أن يكون آدم هذا... قبله آدم على إثر آدم وقوله: [الطويل] وما آدم في مذهب العقل واحدا... ولكنّه عند القياس أوادم وهناك فريق من الناس يرجح: أنه ليس أول نوعه، ويستأنسون لذلك بقول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ الاية رقم [٣٠] من سورة (البقرة) ويقول: إن الملائكة لم يقولوا ذلك إلا لرؤيتهم من تقدموا قبل آدم من الخلق الذين على صورته قد فعلوا ذلك، وأن

стр. 6297

آدم ﵇ كان خليفة عن بشر كانوا من جنسه، وبادوا. وكل هذه الأقوال لا تستند إلى نص قطعي الثبوت، والدلالة. انتهى. بحروفه. وانظر ما ذكرته في آخر سورة (ص) فإنه جيد، والحمد لله. ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ:﴾ المارج: اللهب. وقال الليث: المارج: الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد. وعن ابن عباس-﵄-أنه اللهب الذي يعلو النار، فيختلط بعضه ببعض، أحمر، وأصفر، وأخضر، ونحوه عن مجاهد. هذا؛ وفي سورة (الحجر) رقم [٢٧] قوله تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ﴾ وأصل المرج: الإهمال، كما تمرج الدابة في المرعى، والمرج: أرض ذات نبات، ومرعى، والجمع مروج. هذا؛ والجان: أبو الجن، كما أن آدم أبو البشر. وقال قتادة: هو إبليس. وقيل: الجان أبو الجن، وإبليس أبو الشياطين، وفي الجن مسلمون، وكافرون يأكلون، ويشربون، ويحيون، ويموتون، ويتوالدون كبني آدم، وأما الشياطين فليس فيهم مسلمون، ولا يموتون إلا إذا مات إبليس أبوهم، والأصح: أن الشياطين نوع من الجن لاشتراكهم في الاستتار، سمّوا جنا لتواريهم، واستتارهم عن الأعين، من قولهم: جن الليل: إذا ستر بظلمته كل شيء. قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٢٧]: ﴿إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾. وانظر ما ذكرته في سورة (الجن) وفي سورة (الأحقاف). والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فَبِأَيِّ:﴾ (الفاء): هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا وواقعا؛ فبأي... إلخ. (بأي): جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، و (أي) مضاف، و ﴿آلاءِ﴾ مضاف إليه، و ﴿آلاءِ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّكُما﴾ مضاف إليه، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿تُكَذِّبانِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب: «إذا»، والجملة الشرطية مستأنفة، لا محل لها. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّكُما﴾. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ صَلْصالٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْإِنْسانَ﴾. ﴿كَالْفَخّارِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿صَلْصالٍ،﴾ وإن اعتبرت الكاف اسما فهي الصفة، وتكون الكاف مضافة، و (الفخار) مضاف إليه. ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ:﴾ مثل سابقتها في إعرابها، وهي معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿مِنْ نارٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿مارِجٍ﴾.

стр. 6298

﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧)﴾ الشرح: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ..﴾. إلخ: ذكرت هذه الاية في هذه السورة إحدى وثلاثين مرة: ثمانية منها ذكرت عقب آيات فيها تعداد عجائب خلق الله، وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق، ومعادهم، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها بعدد أبواب جهنم، وحسن ذكر الالاء عقبها؛ لأن من جملة الالاء رفع البلاء، وتأخير العذاب، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلهما بعدد أبواب الجنة، وثمانية أخرى بعدها في الجنتين اللتين هما دون الجنتين الأوليين، أخذا من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ فمن اعتقد الثمانية الأولى، وعمل بموجبها استحق هاتين الثمانيتين من الله ووقاه السبعة السابقة. انتهى. جمل عن شيخ الإسلام في متشابه القرآن. هذا؛ وفي الخازن قوله: وكرر هذه الاية في هذه السورة في أحد وثلاثين موضعا، تقريرا للنعمة، وتأكيدا في التذكير بها، ثم عدد على الخلق آلاءه، وفصل بين كل نعمتين بما ينبههم عليها، ليفهمهم النعم، وليقررهم بها، كقول الرجل لمن أحسن إليه، وتابع إليه بالأيادي، وهو ينكرها، ويكفرها: ألم تكن فقيرا، فأغنيتك؟ أفتنكر هذا؟ ألم تكن عريانا فكسوتك؟ أفتنكر هذا؟ ألم تكن خاملا فعززتك؟ أفتنكر هذا؟ ومثل هذا الكلام شائع في كلام العرب، حسن تقريرا؛ وذلك؛ لأن الله تعالى ذكر في هذه السورة ما يدل على واحدانيته، من خلق الإنسان، وتعليمه، والبيان، وخلق الشمس والقمر، والسماء والأرض إلى غير ذلك مما أنعم الله به على خلقه، وخاطب الجن والإنس، فقال: فبأي آلاء... إلخ من الأشياء المذكورة؛ لأنها كلها منعم بها عليكم. انتهى. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٢١] و [٢٢] من سورة (القمر). هذا؛ ومعنى ﴿تُكَذِّبانِ﴾ تكفران، والتعبير عن كفرهم المذكور بالتكذيب؛ لما أن دلالة الالاء المذكورة على وجوب الإيمان والشكر شهادة منها بذلك، فكفرهم بها تكذيب بها لا محالة؛ أي: فإذا كان الأمر كما فصل، فبأي فرد من أفراد آلاء مالككما ومربيكما بتلك الالاء تكذبان؟ مع أن كلا منها ناطق بالحق شاهد بالصدق. هذا؛ والاستفهام للتقرير بالنسبة للمؤمنين، وللتوبيخ، والتقريع بالنسبة للكافرين، والفاسقين من الإنس، والجن. ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ:﴾ فينبغي أن تعلم: أن الله تعالى قال في سورة (البقرة) رقم [١١٥] ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ فالمراد بهما ناحيتا الأرض، له سبحانه الأرض كلها، لا يختص به مكان دون مكان، وقال هنا: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ أي مشرقي الشتاء والصيف، ومغربيهما، وقال تعالى في سورة (المعارج): ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنّا لَقادِرُونَ﴾ فقد جمع المشرق والمغرب كما ترى باعتبار مشارق الشمس ومغاربها في السنة، وهي ثلاثمئة وخمس وستون كوة في مطلعها، ومثلها في مغربها على عدد أيام السنة الشمسية، تطلع كل يوم من كوة منها، وتغيب في

стр. 6299

كوة، لا تطلع، ولا تغرب في تلك الكوة إلا في ذلك اليوم من العام المقبل. قال أمية بن أبي الصلت، الذي قال فيه الرسول ﷺ : «آمن شعره وكفر قلبه». [الطويل] زحل وثور تحت رجل يمينه... والنّسر للأخرى وليث مرصد والشمس تطلع كلّ آخر ليلة... حمراء يصبح لونها يتورّد ليست بطالعة لهم في رسلها... إلاّ معذّبة وإلاّ تجلد قال عكرمة-رحمه الله تعالى-قلت لابن عباس-﵄: يا مولاي! أتجلد الشمس؟ فقال: إنما اضطره الروي إلى الجلد، لكنها تخاف العقاب. هذا؛ وكان من حق المشرق، والمغرب فتح العين، وهي الراء؛ لأن المصدر الميمي، واسمي الزمان، والمكان؛ إذا أخذ أحدهما من فعل ثلاثي مفتوح العين، أو مضمومها في المضارع أن يكون بفتح العين قياسا، ولكن التلاوة جاءت بكسرها. وأيضا جاء كثير بكسر العين، وهو مذكور في كتب النحو، واللغة، من ذلك: المسجد، والمنبت، والمسقط، والمرفق، والمنخر، والمجزر، والتحقيق: أنها أسماء نوعية غير جارية على فعلها، وإلا فلا مانع من الفتح. ولا تنس: أنه يقرأ: ﴿مَطْلِعَ﴾ بفتح اللام وكسرها. الإعراب: ﴿رَبُّ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو رب، و ﴿رَبُّ﴾ مضاف، و ﴿الْمَشْرِقَيْنِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، والإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ:﴾ معطوف على ما قبله. هذا؛ ويقرأ: ﴿رَبُّ﴾ بالجر على أنه بدل من ﴿رَبِّكُما﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠)﴾ الشرح: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ أي: أرسل البحرين: العذب، والملح متجاورين متلاقيين، لا فصل بين الماءين؛ لأن من شأنهما الاختلاط، وهو قوله: ﴿يَلْتَقِيانِ﴾ لكن الله تعالى منعهما عما في طبعهما بالبرزخ، وهو قوله تعالى: ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ﴾ أي: حاجز من قدرة الله تعالى. ﴿لا يَبْغِيانِ﴾ أي: لا يبغي أحدهما على صاحبه. وقيل: لا يختلطان، ولا يتغيران. وقيل: لا يطغيان على الناس بالغرق. وقيل: (مرج البحرين) يعني بحر الروم وبحر الهند، وأنتم الحاجز بينهما أي بلاد العرب. وقيل: بحر فارس، وبحر الروم بينهما برزخ، يعني: الجزائر. وقيل: بحر السماء، وبحر الأرض يلتقيان في كل عام. قاله ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير-﵃ أجمعين-وخذ قوله تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٥٣] ﴿*وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً﴾.

стр. 6300

الإعراب: ﴿مَرَجَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّكُما﴾. ﴿الْبَحْرَيْنِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يَلْتَقِيانِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الْبَحْرَيْنِ،﴾ والرابط: الضمير فقط. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿بَرْزَخٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من ألف الاثنين. والرابط: الضمير فقط. ويجوز أن يكون الظرف متعلقا بمحذوف حال. و ﴿بَرْزَخٌ﴾ فاعلا به، وهو أحسن لقربه من المفرد. وجملة: ﴿لا يَبْغِيانِ﴾ في محل نصب حال أخرى كالتي قبلها؛ أي: مرجهما غير باغيين، أو يلتقيان غير باغيين، أو بينهما برزخ في عدم بغيهما، وهذه الحال في قوة التعليل؛ إذ المعنى لئلا يبغيا. وقد تمحل بعضهم، وقال: أصل ذلك لئلا يبغيا، ثم حذف حرف العلة، وهو مطرد مع: «أن» و «أنّ» ثم حذفت «أن» أيضا وهو حذف مطرد، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ..﴾. إلخ الاية رقم [٢٤] من سورة (الروم)، فلما حذفت «أن» ارتفع الفعل، وهذا غير ممنوع إلا أنه يتكرر فيه الحذف، ولك أن تقول: قد جاء الحذف أكثر من ذلك فيما هو أخفى من هذا كما تقدم في: ﴿قابَ قَوْسَيْنِ،﴾ وكما سيأتي في قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ..﴾. إلخ الاية رقم [٨٢] من سورة (الواقعة) انتهى. جمل نقلا من السمين. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٢٤)﴾ الشرح: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ أي: من البحرين؛ أي: يخرج لكم من الماء اللؤلؤ والمرجان، كما يخرج من التراب الحب، والعصف، والريحان. قيل: إنما تخرج المعادن الثمينة من البحر الملح دون العذب، فهو كقوله تعالى في سورة (نوح): ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ وقيل: أراد يخرج من أحدهما، فحذف المضاف. وقيل: لما التقى البحران، فصارا كالشيء الواحد؛ جاز أن يقال: يخرج منهما، كما يقال: يخرج من البحر، ولا يخرج من جميع البحر، ولكن من بعضه. وقيل: يخرج من ماء السماء وماء البحر، قيل: إذا أمطرت السماء، تفتح الأصداف أفواهها، فحيثما وقعت قطرة صارت لؤلؤة على قدر القطرة، و ﴿اللُّؤْلُؤُ﴾ هو ما عظم من الدر، والمرجان صغاره. وقيل: بعكس ذلك. وقيل: (المرجان) هو الخرز الأحمر. وانظر ما ذكرته في سورة (فصلت) رقم [٣٩] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ ومن التفسير الشاذ الذي لا يقبله عقل، ولا يقره ذوق، فضلا عن عدم وجوده في كتب اللغة، حيث يقول ناس: البحران

стр. 6301

هما: فاطمة، وعلي-﵄-والبرزخ (أي: الحاجز): محمد ﷺ ، و (اللؤلؤ): الحسن، و (المرجان): الحسين-﵄. هذا؛ وخروج اللؤلؤ والمرجان مجاز عقلي؛ لأنه لا يخرج بنفسه، بل لا بد له من مخرج، كما هو معروف. وقال: ﴿مِنْهُمَا﴾ ولم يقل من أحدهما؛ لأنهما لما التقيا وصارا كالشيء الواحد ساغ أن يقول: منهما. ﴿وَلَهُ الْجَوارِ:﴾ السفن، الكبار. ﴿الْمُنْشَآتُ﴾ أي: المرفوعات؛ التي يرفع خشبها بعضه على بعض. وقيل: هي ما رفع قلعها من السفن، أما ما لم يرفع قلعها، فليست من المنشآت المحدثات المخلوقات المسخرات. ﴿كَالْأَعْلامِ﴾ أي: كالجبال في كبرها وما فيها من المتاجر، والمكاسب المنقولة من قطر إلى قطر، ومن إقليم إلى إقليم. مما فيه صلاح الناس في جلب ما يحتاجون إليه من سائر أنواع البضائع، ولهذا قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وانظر (الشورى) رقم [٣٢]. عن عمر بن سويد؛ قال: كنت مع علي-﵁-على شاطئ الفرات؛ إذ أقبلت سفينة مرفوع شراعها، فبسط علي-﵁-يديه، ثم قال: يقول الله : ﴿وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ والذي أنشأها تجري في بحوره ما قتلت عثمان، ولا مالأت على قتله. أخرجه ابن أبي حاتم. هذا؛ و (الأعلام) جمع علم وهو الجبل الطويل. قال جرير: [الرجز] إذا قطعن علما بدا علم... حتّى تناهين بنا إلى الحكم هذا؛ ولا تنس تشبيه السفن؛ وهي تمخر عباب البحر رائحة جائية بالجبال. الإعراب: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ:﴾ انظر الاية رقم [١٣]. ﴿يَخْرُجُ:﴾ فعل مضارع. ﴿مِنْهُمَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿اللُّؤْلُؤُ:﴾ فاعل ﴿يَخْرُجُ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من ألف الاثنين، والرابط: الضمير فقط. ﴿وَالْمَرْجانُ:﴾ الواو: حرف عطف. (المرجان): معطوف على ما قبله. ﴿وَلَهُ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (له): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْجَوارِ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿الْمُنْشَآتُ:﴾ صفة ﴿الْجَوارِ﴾. ﴿فِي الْبَحْرِ:﴾ متعلقان ب: ﴿الْمُنْشَآتُ﴾. ونائب فاعله يعود إلى: ﴿الْجَوارِ﴾. ﴿كَالْأَعْلامِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في ﴿الْمُنْشَآتُ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت الكاف اسما، فالمحل لها، وهي مضافة و (الأعلام) مضاف إليه. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٥) كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٨)﴾ الشرح: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ﴾ أي: على الأرض، والضمير عائد على ذكرها في الاية رقم [١٠] والمراد ب: ﴿مَنْ﴾ كل من على وجه الأرض من إنسان، وحيوان، وهوام، وغير ذلك. وإنما

стр. 6302

ذكره بلفظة ﴿مَنْ﴾ تغليبا للعقلاء على غيرهم. ﴿فانٍ:﴾ هالك. قال ابن عباس-﵄: لما نزلت هذه الاية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض، فنزلت: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ رقم [٨٨] من سورة (القصص) فأيقنت الملائكة بالهلاك. ووجه النعمة في فناء الخلق: التسوية بينهم في الموت، ومع الموت تستوي الأقدام. وقيل: وجه النعمة: أن الموت سبب النقل من دار الفناء إلى دار الجزاء، والثواب. ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي: ويبقى الله؛ فالوجه عبارة عن وجوده وذاته، قال الشاعر: [مخلع البسيط] قضى على خلقه المنايا... فكلّ شيء سواه فاني وفي المخاطب وجهان: أحدهما: أنه كل واحد، والمعنى: ويبقى وجه ربك أيها الإنسان السامع. والوجه الثاني: أنه يحتمل: أن الخطاب مع النبي ﷺ . ﴿ذُو الْجَلالِ﴾ أي: صاحب العظمة، والكبرياء، الحقيق بصفات المدح، يقال: جلّ الشيء؛ أي: عظم، وأجللته؛ أي: عظمته، و ﴿الْجَلالِ﴾ اسم من: جلّ، ومعناه: الذي يجله الموحدون عن التشبيه. ﴿وَالْإِكْرامِ﴾ أي: هو أهل لأن يكرم عما لا يليق به من الشرك، كما تقول: أنا أكرمك عن هذا، وهو المكرم لأنبيائه، وأوليائه، وجميع خلقه بلطفه، وإحسانه إليهم مع جلاله، وعظمته، وروى أنس-﵁-أن النبي ﷺ قال: «ألظّوا بياذا الجلال والإكرام». أخرجه الترمذي، ومعناه الزموا ذلك في الدعاء. وعن سعيد المقبري: أن رجلا ألحّ، فجعل يقول: اللهم يا ذا الجلال، والإكرام! اللهم يا ذا الجلال والإكرام! فنودي: إني قد سمعت؛ فما حاجتك؟ هذا؛ و ﴿فانٍ﴾ أصله: فاني بضمة على الياء علامة للرفع وبتنوين الصرف، لكن استثقلت الضمة على الياء بعد كسرة، فسكنت الياء، فالتقى ساكنان: الياء والتنوين، فحذفت الياء لعلة الالتقاء، وبقيت النون مكسورة على ما كانت عليه قبل الإعلال، فقيل: (فان) بالكسر، وإنما لم يقل بالرفع؛ لأن الياء محذوفة لعلة الالتقاء، فهي كالثابتة، فتمنع الرفع للدال، وهكذا قل في إعلال كل اسم منقوص، مثل: مهتد، وهاد، ونحوهما. الإعراب: ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿فانٍ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَيَبْقى:﴾ الواو: حرف عطف. (يبقى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَجْهُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، وربك مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿ذُو:﴾ صفة وجه مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذُو:﴾ مضاف، و ﴿الْجَلالِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْإِكْرامِ:﴾ الواو: حرف عطف. (الإكرام): معطوف على ما قبله، وجملة: (يبقى...) إلخ معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محل لها مثلها.

стр. 6303

﴿يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ الشرح: ﴿يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ يعني: من ملك، وإنس، وجن، فلا يستغني عن فضله أهل السموات، والأرض. قال ابن عباس-﵄: فأهل السموات يسألونه المغفرة، وأهل الأرض يسألونه المغفرة والرزق. وقيل: كل أحد يسأله الرحمة، وما يحتاجه في دينه أو دنياه. وفيه إشارة إلى كمال قدرة الله تعالى، وأن كل مخلوق وإن جل وعظم؛ فهو عاجز عن تحصيل ما يحتاج إليه، مفتقر إلى الله تعالى. انتهى. خازن. هذا؛ ومن أهم ما ينبغي أن يسأل المؤمن ربه التوفيق للطاعة، والمعونة على العبادة، وتسديد الخطى على الصراط المستقيم. ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ:﴾ في أمر يظهره على وفق ما قدره في الأزل، من إحياء، وإماتة وإعزاز، وإذلال، وإغناء، وإفقار، وإجابة داع، وإعطاء سائل، وغير ذلك. وروى أبو الدرداء ﵁-عن النبي ﷺ ، قال: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: «من شأنه أن يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع قوما، ويضع آخرين». وعن ابن عمر-﵄-عن النبي ﷺ في قول الله : ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: «يغفر ذنبا، ويكشف كربا، ويجيب داعيا». وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس-﵄-أنه قال: إن مما خلق الله لوحا من درة بيضاء، دفتاه من ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر الله فيه كل يوم ثلاثمئة وستين نظرة، يخلق، ويرزق، يحيي، ويميت، يعز، ويذل، ويفعل ما يشاء، فذلك قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾. وقال الحسين بن الفضل: هو سوق المقادير إلى المواقيت، ومعناه: أن الله- -كتب ما يكون في كل يوم، وقدر ما هو كائن، فإذا جاء ذلك الوقت، فعلقت إرادته بالفعل، فيوجده في ذلك الوقت. هذا؛ وقيل: نزلت الاية ردا على اليهود حين قالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت شأنا أو شيئا. فائدة: يروى أن ابن الشجري كان في مجلس وعظه، وإرشاده، والناس حوله يستمعون إليه، فرفع أحد الحاضرين يده، وقال: سؤال يا فضيلة الشيخ، فقال له: ما السؤال؟ فقال: الله يقول: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ ما شأن ربك الان؟ فقال: غدا آتيك بالجواب إن شاء الله، فذهب إلى بيته فلم يهتد إلى الجواب، فنام مهموما مكروبا، فرأى النبي ﷺ في المنام، فقال: يا رسول الله! عرض عليّ سؤال، فلم أهتد إلى جوابه، وذكر السؤال. فقال النبي ﷺ : السائل لك الخضر، والجواب: شأن ربك الان أمور يبديها، ولا يبتديها، يرفع أقواما، ويضع آخرين. وفي اليوم الثاني جلس الشيخ في مجلس وعظه، فرفع السائل يده، وقال: الجواب يا أستاذ! فقال له: شأن ربك الان أمور يبديها... إلخ. فقال له: صل وسلم على من علمك. انتهى. باجوري على جوهرة التوحيد. والله أعلم، وأجل، وأكرم.

стр. 6304

هذا؛ وسأل بعض الملوك وزيره عن معنى الاية، فاستمهله إلى الغد، وذهب كئيبا يفكر فيها، فقال له غلام أسود: يا مولاي! أخبرني ما أصابك؛ لعل الله يسهل لك على يدي؟! فأخبره، فقال: أنا أفسرها للملك، فأعلمه. فقال: أيها الملك شأن الله أن يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويشفي سقيما، ويسقم سليما، ويبتلي معافى، ويعافي مبتلى، ويعز ذليلا، ويذل عزيزا، ويفقر غنيا، ويغني فقيرا، فقال الملك: أحسنت، وأمر الوزير أن يخلع عليه ثياب الوزارة. فقال: يا مولاي هذا من شأن الله!. وقيل: إن عبد الله بن طاهر دعا الحسين بن الفضل، وقال له: أشكلت عليّ ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي. قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ رقم [٣١] من سورة (المائدة) وقد صح أن الندم توبة. وقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ وقد صح: أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة. وقوله تعالى في سورة (النجم) الاية رقم [٣٩]: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى،﴾ فما بال الأضعاف؟ فقال الحسين: يجوز أن لا يكون الندم توبة في تلك الأمة، ويكون توبة في هذه الأمة. وقيل: إن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله. وأما قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فإنها شؤون يبديها، لا شؤون يبتديها. وأما قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ فمعناه: ليس له إلا ما سعى عدلا، ولي أن أجزيه بواحدة ألفا فضلا. فقام عبد الله وقبل رأسه وسوغ خراجه. انتهى. قرطبي، وكشاف، ونسفي. الإعراب: ﴿يَسْئَلُهُ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف للتعميم. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ الواو: حرف عطف. (الأرض): معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وأجيز اعتبارها في محل نصب حال من ﴿وَجْهُ رَبِّكَ﴾. ﴿كُلَّ:﴾ قال ابن الأنباري: منصوب على الظرفية، وهو معمول الظرف الذي هو ﴿فِي شَأْنٍ﴾. وقال الجمل: ﴿كُلَّ﴾ منصوب بالاستقرار، الذي تضمنه الخبر. وقال أبو البقاء: هو ظرف لما دل عليه: ﴿هُوَ فِي شَأْنٍ﴾. هذا؛ ويجوز تعليقه بالفعل ﴿يَسْئَلُهُ﴾ فيكون الوقف على ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ وما بعده جملة مستأنفة، و ﴿كُلَّ﴾ مضاف، و ﴿يَوْمٍ﴾ مضاف إليه. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿فِي شَأْنٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٠) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٢)﴾ الشرح: ﴿فَبِأَيِّ..﴾. إلخ: انظر الاية رقم [١٣]. ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ:﴾ قيل: هذا وعيد من الله تعالى للخلق بالمحاسبة، وليس هو فراغا عن شغل؛ لأن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن. فهو كقول القائل: لمن يريد تهديده: لأتفرغن لك؛ وما به شغل. وهذا قول ابن عباس

стр. 6305

-﵄، وإنما حسن ذكر هذا الفراغ لسبق ذكر الشأن. وقيل: معناه سنقصدكم بعد الترك، والإمهال، ونأخذ في أمركم، فهو كقول القائل الذي لا شغل له: قد فرغت لك. وقيل: معناه: إن الله وعد أهل التقوى، وأوعد أهل الفجور، فقال: سنفرغ لكم مما وعدناكم، وأخبرناكم، فنحاسبكم، ونجازيكم، فننجز لكم ما وعدناكم، فنتم ذلك، ونفرغ منه، فهو على طريق المثل، والاستعارة، مثل قول الرجل لمن يتهدده: سأفرغ لك، يريد سأتجرد للإيقاع بك من كل ما يشغلني. وأراد بالثقلين: الإنس، والجن، سمّيا ثقلين؛ لأنهما ثقلا على الأرض أحياء، وأمواتا. وقيل: كل شيء له قدر ووزن ينافس فيه، فهو ثقل، ومنه قول النبي ﷺ : «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي» فجعلهما ثقلين إعظاما لقدرهما. وقال جعفر بن محمد الصادق: سمّي الإنس، والجن ثقلين؛ لأنهما مثقلان بالذنوب. هذا؛ وقال: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ فجمع، ثم قال: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ لأنهما فريقان، وكل فريق جمع، وكذا قوله تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ ولم يقل: إن استطعتما؛ لأنهما فريقان في حال الجمع، كقوله تعالى: ﴿فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ الاية رقم [٤٥] من سورة (النمل)، وقوله تعالى: ﴿هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ الاية رقم [١٩] من سورة (الحج). تنبيه: قرأ الجمهور ﴿أَيُّهَ﴾ بفتح الهاء، وبدون ألف، وقرأ ابن عامر بضمها، ووجهه: أن تجعل الهاء من نفس الكلمة، فيكون إعراب المنادى فيها. وضعف أبو علي الفارسي ذلك جدا، وقال: آخر الاسم هو الياء الثانية من (أيّ) فالمضموم ينبغي أن يكون آخر الاسم، ولو جاز ضم الهاء هاهنا لاقترانها بالكلمة لجاز ضم الميم في: (اللهم) لاقترانها بالكلمة في كلام طويل. والصحيح: أنه إذا ثبت عن النبي ﷺ قراءة، فليس إلا اعتقاد الصحة في اللغة، فإن القرآن هو الحجة، وأنشد الفراء: [الرجز] يا أيّه القلب اللجوج النّفس... أفق من البيض الحسان اللّعس وبعضهم يقف: ﴿أَيُّهَ﴾ وبعضهم يقف: (أيها) بالألف؛ لأن علة حذفها في الوصل، إنما هو سكونها وسكون اللام، فإذا كان الوقف ذهبت العلة، فرجعت الألف، وهذا الاختلاف الذي ذكرته، كذلك هو في الاية رقم [٣١] من سورة (النور): ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وأيضا الاية رقم [٤٩] من سورة (الزخرف) وهي: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا السّاحِرُ ادْعُ..﴾. إلخ، وقد رسمت الهاء في هذه المواضع الثلاثة بدون ألف، وثبتت في غير هذه المواضع حملا على الأصل، كما تراه في جميع آيات القرآن. الإعراب: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ:﴾ انظر الاية رقم [١٣]. ﴿سَنَفْرُغُ:﴾ (السين): حرف استقبال. (نفرغ): فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَيُّهَ:﴾ نكرة مقصودة مبنية
следующие страницы →