← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.

стр. 6511

﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اُكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦)﴾ الشرح: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ﴾ أي: مثل المنافقين مع بني النضير، وخذلانهم إياهم، كمثل الشيطان؛ ﴿إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ﴾ اكفر: وذلك ما روي عن عطاء، وغيره عن ابن عباس-﵄-قال: كان راهب في الفترة، يقال له: برصيصا يعبد الله في صومعة له سبعين سنة، لم يعص الله فيها طرفة عين، وإن إبليس أعياه في أمره الحيل، فجمع ذات يوم مردة الشياطين، وقال: ألا أحد منكم يكفيني أمر برصيصا؟! فقال الأبيض، وهو صاحب الأنبياء، وهو الذي تصدى للنبي ﷺ ، وجاءه في صورة جبريل ليوسوس له على وجه الوحي، فلحقه جبريل ﵇، فدفعه إلى أقصى أرض الهند. فقال الأبيض لإبليس: أنا أكفيك أمره، فانطلق، فتزين بزينة الرهبان، وحلق وسط رأسه، وأتى صومعة برصيصا، فناداه، فلم يجبه، وكان لا ينفتل عن صلاته، إلا في كل عشرة أيام يوما، ولا يفطر إلا في كل عشرة أيام مرة، فلما رأى الأبيض: أنه لا يجيبه أقبل على العبادة في أصل الصومعة، فلما انفتل برصيصا من صلاته؛ اطلع من صومعته، فرأى الأبيض قائما يصلي في هيئة حسنة على هيئة الرهبان، فلما رأى ذلك من حاله ندم في نفسه؛ أي: لام نفسه حين لم يجبه، فقال له: ناديتني، وكنت مشتغلا عنك، فما حاجتك؟ قال الأبيض: حاجتي أني جئت لأكون معك، فأتأدّب بأدبك، وأقتبس من عملك، ونجتمع على العبادة، فتدعو لي، وأدعو لك! قال برصيصا: إني لفي شغل عنك، فإن كنت مؤمنا فإن الله سيجعل لك فيما للمؤمنين نصيبا؛ إن استجاب لي، ثم أقبل على صلاته، وترك الأبيض، وأقبل الأبيض يصلي، فلم يلتفت إليه برصيصا أربعين يوما، فلما انفتل بعدها رآه قائما يصلي، فلما رأى برصيصا شدة اجتهاد الأبيض. قال له: ما حاجتك؟ قال: حاجتي أن تأذن لي، فأرتفع إليك، فأذن له، فارتفع إليه في صومعته، فأقام حولا يتعبد لا يفطر إلا في كل أربعين يوما مرة، ولا ينفتل عن صلاته إلا كذلك، وربما مد إلى الثمانين، فلما رأى برصيصا اجتهاده، تقاصرت إليه نفسه، وأعجبه شأن الأبيض، فلما حال الحول. قال الأبيض لبرصيصا: إني منطلق، فإن لي صاحبا غيرك، ظننت أنك أشد اجتهادا مما رأيت، وكان يبلغنا عنك غير الذي رأيت، فدخل من ذلك على برصيصا أمر شديد، وكره مفارقته لما رأى من كثرة اجتهاده، ولمّا ودعه الأبيض؛ قال له: إن عندي دعوات أعلمكها تدعو بهنّ، فهو خير لك مما أنت فيه، يشفي الله بها السقيم، ويعافي بها المبتلى، والمجنون. قال برصيصا: أنا أكره تلك المنزلة؛ لأن لي في نفسي لشغلا، وإني أخاف إن علم الناس شغلوني عن العبادة، فلم يزل به الأبيض حتى علمه، ثم انطلق حتى أتى إبليس: فقال: قد والله

стр. 6512

أهلكت الرجل. قال: فانطلق الأبيض. فتعرض لرجل، فخنقه، ثم جاء في صورة رجل متطبب فقال لأهله: إن بصاحبكم جنونا، أفأعالجه. قالوا: نعم، فعالجه، فلم يفد، فقال لهم: إني لا أقوى على جنته. ولكن سأرشدكم إلى من يدعو الله، فيعافيه، انطلقوا إلى برصيصا، فإن عنده الاسم الذي إذا دعا به أجيب! قال: وانطلقوا إليه، فسألوه ذلك، فدعا بتلك الدعوات، فذهب عنه الشيطان، فكان الأبيض يفعل ذلك بالناس، ويرشدهم إلى برصيصا، فيدعو لهم، فيعافون، فانطلق الأبيض: فتعرض لجارية من بنات ملوك بني إسرائيل، ولها ثلاثة إخوة، وكان أبوهم هو الملك. فلما مات؛ استخلف أخاه، فكان عم تلك الجارية ملك بني إسرائيل، فخنقها، وعذبها، ثم جاء إليهم كما كان يأتي الناس في صورة متطبب، فقال لهم: أعالجها. قالوا: نعم، فقال: إن الذي عرض لها مارد لا يطاق، ولكن سأرشدكم إلى من تثقون به تدعونها عنده، فإذا جاء شيطانها دعا لها، فإذا علمتم: أنها قد عوفيت تردونها صحيحة. قالوا: ومن هو؟ قال: برصيصا. قالوا: وكيف لنا أن يجيبنا إلى هذا، وهو أعظم شأنا من ذلك؟! قال: فانطلقوا، فابنوا صومعة إلى جنب صومعته حتى تشرف عليه، فإن قبلها، وإلا فضعوها في صومعتها، وقولوا له هذه أمانة عندك، فاحتسب أمانتك. قال: فانطلقوا، فسألوه ذلك، فأبى عليهم، فبنوا صومعة على ما أمرهم الأبيض، ثم انطلقوا، فوضعوا الجارية، في صومعتها، وقالوا: يا برصيصا هذه أختنا أمانة عندك، فاحتسب فيها، ثم انصرفوا، فلما انفتل برصيصا! عن صلاته عاين الجارية، وما هي عليه من الجمال، فوقعت في قلبه، ودخل عليه أمر عظيم، فجاءها الشيطان، فخنقها، فدعا برصيصا بتلك الدعوات، فذهب الشيطان عنها، ثم أقبل برصيصا على صلاته، فجاءها الشيطان فخنقها، فكانت تكشف عن نفسها، وتتعرض لبرصيصا، فجاءه الشيطان، وقال له: ويحك واقعها، فلم تجد مثلها، وستتوب بعد ذلك، فتدرك ما تريد من الأمر، فلم يزل به حتى واقعها. فلم يزل كذلك يأتيها حتى حملت، وظهر حملها، فقال له الشيطان: ويحك يا برصيصا قد افتضحت، فهل لك أن تقتلها وتتوب؟ فإن سألوك، فقل: ذهب بها شيطانها، فلم أقف عليه! فقتلها، ثم انطلق بها، فدفنها إلى جانب الجبل، فجاء الشيطان، وهو يدفنها بالليل، فأخذ بطرف إزارها، فبقي خارجا من التراب، ثم رجع برصيصا إلى صومعته، وأقبل على صلاته؛ إذ جاء إخوتها، يتعاهدون أختهم، وكانوا يجيئون في بعض الأيام يسألون عنها، ويوصونه بها. فقالوا: يا برصيصا! ما فعلت أختنا؟ قال: قد جاء شيطانها، فذهب بها، ولم أطقه! فصدقوه وانصرفوا، فلما أمسوا، وهم مكروبون جاء الشيطان إلى أكبرهم في منامه، فقال: ويحك إن برصيصا فعل بأختك كذا، وكذا، وإنه دفنها في موضع كذا، وكذا، فقال: هذا حلم، وهو من الشيطان، إن برصيصا خير من ذلك، فتتابع عليه ثلاث ليال، فلم يكترث به، فانطلق

стр. 6513

الشيطان إلى أوسطهم، فقال الأوسط مثل ما قال الأكبر، ولم يخبر به أحدا، فانطلق إلى أصغرهم بمثل ذلك، فقال الأصغر لأخويه: والله لقد رأيت كذا، وكذا، فقال الأوسط: أنا والله رأيت مثله، فقال الأكبر: وأنا والله قد رأيت مثله. فانطلقوا إلى برصيصا، فقالوا: يا برصيصا! ما فعلت أختنا؟ فقال: أليس قد أعلمتكم بحالها؟! فكأنكم قد اتهمتموني. فقالوا: لا والله لا نتهمك، واستحيوا منه، وانصرفوا، فجاءهم الشيطان، وقال: ويحكم إنها لمدفونة في موضع كذا، وكذا، وإن طرف إزارها خرج من التراب، فانطلقوا، فرأوا أختهم على ما رأواه في المنام. فمشوا في مواليهم، وغلمانهم معهم الفؤوس، والمساحي، فهدموا صومعة برصيصا، وأنزلوه منها وكتفوه، ثم انطلقوا به للملك، فأقر على نفسه، وذلك: أن الشيطان أتاه، فوسوس له، فقال له: تقتلها، ثم تكابر يجتمع عليك أمران: قتل ومكابرة، اعترف، فلما اعترف؛ أمر الملك بقتله، وصلبه على خشبة، فلما صلب؛ أتاه الأبيض. فقال: يا برصيصا! أتعرفني؟ فقال: لا! قال: أنا صاحبك الذي علمتك الدعوات، وكنت إذا دعوت بهن يستجاب لك، ويحك ما اتقيت الله في أمانتك، خنت أهلها، وزعمت: أنك أعبد بني إسرائيل، أما استحيت؟ فلم يزل يعيره ويعنفه؛ حتى قال في آخر ذلك: ألم يكفك ما صنعت حتى أقررت على نفسك، وفضحت أشباهك من الناس، وفضحت نفسك، فإن مت على هذه الحال لن تفلح أبدا، ولن يفلح أحد من نظرائك. قال: وكيف أصنع؟ قال: تطيعني في خصلة واحدة حتى أخلصك مما أنت فيه، فآخذ بأعينهم، وأخرجك من مكانك. قال: وما هي؟ قال: تسجد لي. قال: ما أستطيع أن أفعل. قال: بطرفك افعل، فسجد له برصيصا، فقال: يا برصيصا هذا الذي أردت منك، صارت عاقبتك إلى أن كفرت بربك. انتهى. خازن، ومثله في القرطبي. هذا؛ وفي حاشية الجمل: المراد به برصيصا العابد، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «الإنسان الذي قال له الشيطان: اكفر، راهب نزلت عنده امرأة أصابها لمم، ليدعو لها، فزين له الشيطان، ووطئها، فحملت، ثم قتلها خوفا من أن يفتضح، فدل الشيطان قومها على موضعها، فجاؤوا، فاستنزلوا الراهب، ليقتلوه، فجاءه الشيطان، فوعده إن سجد له أن ينجيه منهم، فسجد له، فتبرأ منه». انتهى. نقلا من الخطيب. هذا؛ وأبعد الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي حيث قالوا: والمراد من الإنسان الجنس. وقيل: هو أبو جهل؛ قال له إبليس يوم بدر: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ﴾. انتهى. بيضاوي، أقول: انظر الاية رقم [٤٨] من سورة (الأنفال). هذا؛ ولا تنس التشبيه التمثيلي في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ﴾ حيث وجه الشبه منتزع من متعدد، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ﴾ الاية رقم [٢٤] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.

стр. 6514

الإعراب: ﴿كَمَثَلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: مثل المنافقين في إغراء اليهود على القتال كمثل... إلخ، و (مثل) مضاف، و ﴿الشَّيْطانِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بمثل، أو هو بدل منه بدل اشتمال. وقيل: متعلق بالخبر المحذوف. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الشَّيْطانِ﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿لِلْإِنْسانِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿اُكْفُرْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿فَلَمّا:﴾ (الفاء): حرف تفريع واستئناف. (لمّا): حرف وجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة ظرف زمان بمعنى: حين، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿اُكْفُرْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى «برصيصا» والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانِ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب (لما)، و (لما) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، والياء اسمها. ﴿بَرِيءٌ:﴾ خبرها، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿مِنْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿بَرِيءٌ﴾. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، والياء اسمها. ﴿أَخافُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول وفيها معنى التعليل. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿رَبَّ:﴾ صفة لفظ الجلالة، أو بدل منها، و ﴿رَبَّ﴾ مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ (١٧)﴾ الشرح: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما..﴾. إلخ: أي: نتيجة، وعاقبة الشيطان، وذلك الإنسان؛ حيث صارا إلى النار المؤبدة. وعاقبة المنافقين، واليهود مثل عاقبة الشيطان، والذي أغواه. ﴿وَذلِكَ﴾ أي: الخلود في النار. ﴿جَزاءُ الظّالِمِينَ:﴾ مجازاة ومعاقبة كل ظالم فاجر منتهك لحرمات الله والدين. هذا؛ وقال القرطبي: والتثنية ظاهرة فيمن جعل الاية مخصوصة في الراهب، والشيطان، ومن جعلها في الجنس، فالمعنى: وكانت عاقبة الفريقين، أو الصنفين. الإعراب: ﴿فَكانَ:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿عاقِبَتَهُما:﴾ خبر كان مقدم. ﴿أَنَّهُما:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، والميم والألف حرفان دالان على

стр. 6515

التثنية. ﴿فِي النّارِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع اسم كان مؤخر. هذا؛ وقرأ الحسن برفع ﴿عاقِبَتَهُما﴾ على الضد من ذلك، وهي قراءة شاذة. ﴿خالِدَيْنِ:﴾ حال من ألف التثنية منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وقرأ الأعمش: «(خالدان)» على أنه خبر (أنّ) على إلغاء الجار والمجرور: ﴿فِي النّارِ،﴾ أو إلغاء: ﴿فِيها﴾ وهي قراءة شاذة. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خالِدَيْنِ،﴾ وجملة: (كان...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَذلِكَ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (ذلك): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿جَزاءُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الظّالِمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ الشرح: لما انقضى الكلام على المنافقين، واليهود، وضرب الأمثال لهم؛ وعظ المؤمنين موعظة حسنة؛ تحذيرا من أن يكونوا مثل من تقدم ذكرهم؛ لأن الموعظة بعد المصيبة أوقع في النفس لرقة القلوب، والحذر مما يوجب العقاب. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ هذا نداء من الله تعالى للمؤمنين بأكرم وصف، وألطف عبارة؛ أي: يا من صدقتم الله، ورسوله، وتحليتم بالإيمان؛ الذي هو زينة الإنسان. ﴿اِتَّقُوا اللهَ:﴾ خافوا الله في أوامره، فلا تخالفوها، وفي حدوده، فلا تعتدوها. ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ أي: لينظر كل واحد منكم أيّ شيء قدم لنفسه من الأعمال الصالحة، أو من الأعمال السيئة التي تهلكه، وتوقعه في العذاب الأليم. والمراد ب: (غد) يوم القيامة. والعرب تكني عن المستقبل بالغد. وقيل: ذكر الغد تنبيها على أن الساعة قريبة. قال قراد بن أجدع للنعمان بن المنذر: [الوافر] فإن يك صدر هذا اليوم ولّى... فإنّ غدا لناظره قريب وانظر شرح ﴿غَداً﴾ في الاية رقم [٢٦] من سورة (القمر). ﴿وَاتَّقُوا اللهَ:﴾ هذه الجملة مؤكدة لما قبلها، تأكيدا لفظيا. وقيل: معنى الأول: اتقوا الله في أداء الواجبات. ومعنى الثاني: واتقوا الله، فلا تأتوا المنهيات. وقيل: التقوى الأولى: التوبة فيما مضى من الذنوب، والثانية: اتقاء المعاصي في المستقبل. ﴿إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ:﴾ محيط بأعمالكم صغيرها، وكبيرها، خيرها، وشرها، فيجازيكم به بالخير خيرا، وبالسوء سوآ. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر الاية رقم [٩] من سورة (المجادلة) فالإعراب نفسه، لا يتغير. ﴿اِتَّقُوا اللهَ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ولفظ

стр. 6516

الجلالة منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية مثل الجملة الندائية قبلها. ﴿وَلْتَنْظُرْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لتنظر): مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿نَفْسٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿قَدَّمَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿نَفْسٌ،﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو شيئا قدمته. ﴿لِغَدٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ:﴾ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ:﴾ انظر الاية رقم [٣] من سورة (المجادلة)، فالإعراب مثله لا يتغير، والجملة الاسمية هنا تعليل للأمر. ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩)﴾ الشرح: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ﴾ أي: نسوا طاعة الله، وأهملوا أوامره. ﴿فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ:﴾ فجعلهم ناسين حق أنفسهم من رحمة الله ورضوانه؛ حيث لم يقدموا عملا صالحا يستحقون به ما ذكر من فضله تعالى، وجوده، وإحسانه. ﴿أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ:﴾ الخارجون عن طاعة الله، المخالفون أوامره. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٤٦] من سورة (الذاريات) بشأن الفسق. هذا؛ والمراد بالفاسقين هنا: اليهود، والمنافقون؛ الذين مر ذكرهم في هذه السورة مفصلا، وانظر شرح «النسيان» في الاية رقم [١٩] من سورة (المجادلة). الإعراب: ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق، ﴿كَالَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿تَكُونُوا،﴾ وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى: مثل؛ فهي الخبر، وتكون مضافة، و (الذين) اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿نَسُوا اللهَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: (لا تكونوا...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَأَنْساهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أنساهم): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والهاء مفعول به أول. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. ﴿أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ انظر إعراب مثلها في الاية رقم [٨]: ﴿أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾. ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠)﴾ الشرح: لما أرشد الله المؤمنين إلى ما يصلحهم في الاية رقم [١٨] وهدد الكافرين، والمنافقين في الاية السابقة بيّن الفريقين بقوله جل شأنه: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ﴾

стр. 6517

يعني: الذين هم في العذاب الدائم، ﴿وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾ يعني: الذين هم في النعيم المقيم، ثم أتبعه بقوله تعالت حكمته: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ ومعلوم: أن من جعل له النعيم المقيم؛ فقد فاز فوزا عظيما. انتهى. خازن. وفي الكشاف: هذا تنبيه للناس، وإيذان لهم بأنهم لفرط غفلتهم، وقلة فكرهم في العاقبة، وتهالكم على إيثار العاجلة، واتباع الشهوات كأنهم لا يعرفون الفرق بين الجنة، والنار، والبون العظيم بين أصحابها، وأن الفوز مع أصحاب الجنة، فمن حقهم أن يعلموا ذلك، وينبهوا عليه، كما تقول لمن يعق أباه: هو أبوك، تجعله بمنزلة من لا يعرفه، فتنبهه بذلك على حق الأبوة؛ الذي يقتضي البر، والتعطف، وقد استدل أصحاب الشافعي-رحمه الله تعالى-بهذه الاية على أن المسلم لا يقتل بالكافر، وأن الكفار لا يملكون أموال المسلمين بالقهر، وانظر شرح ﴿يَسْتَوِي﴾ في سورة (الحديد) رقم [١٠] وشرح ﴿أَصْحابُ﴾ في سورة الواقعة [٩٠]. هذا؛ وفحوى هذه الاية مثل قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [١٠٠]: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ وفي سورة (السجدة) رقم [١٨]: ﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ﴾ وفي سورة (ص) رقم [٢٨]: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ،﴾ وفي سورة (الجاثية) رقم [٢١]: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ وفي سورة (ن) [٣٥]: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَوِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿أَصْحابُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿النّارِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ انظر إعراب مثلها في الاية رقم [٩]. ﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ الشرح: ﴿لَوْ أَنْزَلْنا..﴾. إلخ: أي: لو خلقنا في الجبل عقلا، وتمييزا، كما خلقنا للإنسان، وأنزلنا عليه هذا القرآن بوعده، ووعيده: لخشع، وخضع، وتشقق، خوفا من الله تعالى، ومهابة له. وهذا تصوير لعظمة قدر القرآن، وقوة تأثيره، وأنه بحيث لو خوطب به جبل-على شدته وصلابته-لرأيته ذليلا متصدعا من خشية الله. والمراد منه: توبيخ الإنسان بأنه لا يتخشع عند تلاوة القرآن، بل يعرض عما فيه من عجائب، وعظائم. فهذه الاية في بيان عظمة القرآن، ودناءة حال الإنسان. والغرض توبيخ الإنسان على قسوة قلبه، وعدم تأثره بهذا الذي لو أنزل على

стр. 6518

جبل؛ لتخشع، وتصدع. وإذا كان الجبل على عظمته، وتصلبه يعرض له الخشوع، والتصدع، فابن آدم كان أولى بذلك، لكنه على حقارته، وضعفه لا يتأثر. انتهى. صابوني. وقال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: إذا كانت الجبال الصم لو سمعت كلام الله، وفهمته؛ لخشعت، وتصدعت من خشيته، فكيف بكم؛ وقد سمعتم وفهمتم؟! وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى﴾ الاية رقم [٣١] من سورة (الرعد) انظر شرحها هناك. هذا؛ وقال الخازن وغيره: وهذا تمثيل؛ لأن الجبل لا يتصور منه الخشوع، والخشية إلا أن يخلق الله تعالى له تمييزا، وعقلا يدل على أنه تمثيل. انتهى. أقول: انظر قوله تعالى في آخر سورة (الأحزاب): ﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ..﴾. إلخ ففيها بحث قيم. ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: وتلك الأمثال نفصلها، ونوضحها للناس لعلهم يتفكرون في آثار قدرة الله، وواحدانيته، فيؤمنون. وقال الخازن: أي الغرض من هذا التمثيل التنبيه على فساد قلوب هؤلاء الكفار، وقساوتها، وغلظ طباعهم. انتهى. وخذ قوله تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [٤٣]: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾. هذا؛ والخشوع: الخضوع، والتواضع، والتذلل بوجه عام. وهو في الصلاة جوهرها ولبها، ويكون في القلب والجوارح، أما خشوع القلب فهو الخوف من الله، وحضوره معه حينما يقول المصلي: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وملاحظة: أنه بين يديه تعالى في جميع حركاته، وسكناته، وأما خشوع الجوارح؛ فعدم الالتفات في الصلاة، وعدم رفع البصر إلى السماء، وعدم العبث بشيء من جسده، وثيابه. وخذ ما يلي. فعن عائشة-﵂ وعن أبويها-. قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة، فقال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد». متفق عليه، والاختلاس: السرقة، والاختلاف. وعن أبي ذر-﵁-عن النبي ﷺ قال: «لا يزال الله مقبلا على العبد، وهو في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت؛ أعرض عنه». أخرجه أبو داود، والنسائي. وعن أنس بن مالك-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السّماء في صلاتهم». فاشتد قوله في ذلك؛ حتى قال: «لينتهنّ عن ذلك، أو لتخطفنّ أبصارهم!». خرجه البخاري. وروي: أن النبي ﷺ أبصر رجلا يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: «لو خشع قلب هذا؛ لخشعت جوارحه». ذكره البغوي بغير سند. هذا؛ والخشية: خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، وهو المراد منه بخشية عباد الله المؤمنين المتكررة في القرآن الكريم. هذا؛ والماضي: خشي، والمصدر: خشية، والرجل خشيان، والمرأة خشيا، وهذا المكان أخشى من ذلك؛ أي: أشد خوفا. هذا؛ وقد يأتي الفعل خشي بمعنى علم القلبية. قال الشاعر المسلم: [الكامل]

стр. 6519

ولقد خشيت بأنّ من تبع الهدى... سكن الجنان مع النبيّ محمّد قالوا: معناه علمت، وقوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٨٠]: ﴿فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً﴾ قال الأخفش: معناه: كرهنا. والله أعلم بمراده. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ:﴾ وإذا تفكروا؛ اتعظوا، وإذا اتعظوا؛ آمنوا، وعبدوا الله. والتفكر في صنع الله أعظم عبادة يقوم بها العبد، وقد ورد: لتفكّر ساعة في صنع الله أفضل من عبادة ستّين سنة. وورد: «تفكّروا في آلاء الله، ولا تفكّروا في الله، فإنه لا تحيط به الفكرة». وروي عن رسول الله ﷺ : أنه قال: «لا عبادة كالتفكّر»؛ لأنه المخصوص بالقلب، والمقصود من الخلق. وعنه ﷺ أنه قال: «بينما رجل مستلق على فراشه؛ إذ رفع رأسه، فنظر إلى السماء، والنجوم، فقال: أشهد أنّ لك ربّا، وخالقا، اللهمّ اغفر لي! فنظر الله إليه، فغفر له». هذا؛ والفكر: تصرف القلب في طلب الأشياء. وقال صاحب المفردات: الفكر: قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم. والتفكر: جريان تلك القوة بحسب نظر العقل. وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا يقال إلا فيما يمكن أن يكون له صورة في القلب. انتهى. هذا؛ والفكر يؤدي إلى الوقوف على المعاني المطلوبة من التآنس، والتجانس بين الأشياء كالزّوجين. وانظر الترجي في الاية رقم [٤٩] من سورة (الذاريات). الإعراب: ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿هذَا:﴾ (الهاء): حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿الْقُرْآنَ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، أو هو نعت له. ﴿عَلى جَبَلٍ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَنْزَلْنا،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَرَأَيْتَهُ:﴾ (اللام): واقعة في جواب ﴿لَوْ﴾. (رأيته): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها. ﴿خُشَّعاً:﴾ حال من الضمير المنصوب، أو هو مفعول به ثان على اعتبار الفعل قلبيا. ﴿مُتَصَدِّعاً:﴾ حال ثانية، أو هو من تعدد المفعول الثاني. ﴿مِنْ خَشْيَةِ:﴾ متعلقان ب: ﴿خُشَّعاً﴾ أو ب: ﴿مُتَصَدِّعاً﴾ على التنازع، و ﴿خَشْيَةِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وَتِلْكَ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (تلك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿الْأَمْثالُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، أو نعت له. ﴿نَضْرِبُها:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، (وها): مفعول به. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿الْأَمْثالُ﴾ خبرا للمبتدأ فالجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الْأَمْثالُ﴾

стр. 6520

والرابط: الضمير فقط، والعامل في الحال اسم الإشارة، فتكون الجملة مثل قوله تعالى حكاية عن قول سارة زوج إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ رقم [٧٢] من سورة (هود). وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً﴾ رقم [١٥٣] من سورة (الأنعام). ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف ترج مشبه بالفعل، والهاء: اسمها، وجملة: ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، لا محل لها، والجملة الاسمية: (تلك الأمثال...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ الشرح: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ المعنى: أنه تعالى أعلم بما غاب عن العباد مما لم يعاينوه، ولم يعلموه، وعليم بما شاهدوه، وما علموه. وقيل: استوى في علمه تعالى السر، والعلانية، والموجود، والمعدوم. وقيل: علم حال الدنيا، والاخرة. هذا؛ والغيب: ما غاب عن الإنسان، ولم تدركه حواسه، قال الشاعر: [الطويل] وبالغيب آمنّا وقد كان قومنا... يصلّون للأوثان قبل محمّد ولا تنس الطباق بين ﴿الْغَيْبِ﴾ و ﴿وَالشَّهادَةِ﴾. ﴿هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ:﴾ هما اسمان. وقيل: صفتان مأخوذتان من الرحمة، ورحمة الله: إرادته الخير، والنعمة، والإحسان إلى خلقه. وهما في حقه بمعنى المحسن، أو مريد الإحسان، لكن الأول بمعنى: المحسن بجلائل النعم، والثاني بمعنى: المحسن بدقائق النعم، وإنما جمع بينهما هنا، وفي البسملة إشارة إلى أنه ينبغي أن يطلب منه تعالى النعم الحقيرة، كما يطلب منه النعم العظيمة. وقد يوصف بالرحيم المخلوقون، وأما الرحمن فلا يوصف به إلا الله تعالى، ومن وصف به مسيلمة الكذاب؛ فقد تعنّت حيث قال فيه: [البسيط] وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا الإعراب: ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿اللهُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة لفظ الجلالة. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿إِلهَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف، التقدير: موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿هُوَ:﴾ يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها اعتباره بدلا من اسم ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء. والثاني: اعتباره بدلا من ﴿لا﴾ واسمها؛ لأنهما في محل رفع بالابتداء. والثالث:

стр. 6521

اعتباره بدلا من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وهو الأقوى والأولى، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿عالِمُ:﴾ يجوز فيه أربعة أوجه: أحدها: أن يكون بدلا من (هو) بدل ظاهر من مضمر. الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو عالم، وحسن حذفه توالي اللفظ ب: ﴿هُوَ﴾ مرتين. الثالث: أن يكون خبرا ثانيا، لقوله: ﴿هُوَ﴾ الأول. الرابع: أن يكون صفة للضمير قبله، وذلك عند الكسائي، فإنه يجيز وصف الضمير الغائب بصفة مدح، فهو يشترط هذين الشرطين: أن يكون غائبا، وأن تكون الصفة صفة مدح، و ﴿عالِمُ﴾ مضاف، و ﴿الْغَيْبِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، ﴿وَالشَّهادَةِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ:﴾ مبتدأ، وخبران له. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، واعتبارها بدلا من سابقتها، لا بأس به. ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ الشرح: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ:﴾ هو بكسر اللام: الذي يستغني في ذاته، وصفاته عن كل موجود، ويحتاج إليه كل موجود. وقيل: من إذا شاء ملك، وإذا شاء أهلك. ﴿الْقُدُّوسُ﴾ بضم القاف، وقد تفتح، وهو قليل، وهو من أبنية المبالغة، ومعناه: المنزه عن كل نقص، والطاهر عن كل عيب. وقيل: هو من: تقدس عن الحاجات ذاته، وتنزه عن الافات صفاته، وحظ العبد منه التنزه عما يشينه في أمر دينه، ودنياه وآخرته. وهو من أسماء الله الحسنى، وكل فعّول مفتوح غير قدوس، وسبوح، وذروح، وفروج، فبالضم، ويفتحن ولم يذكر هذا الاسم إلا في هذه السورة وفي سورة الجمعة. ﴿السَّلامُ:﴾ قيل: هو الذي سلمت ذاته عن الحدوث والعيب، وصفاته عن النقص، وأفعاله عن الشر المحض، فيرجع إلى معنى التنزيه. وقيل: معناه: المسلم على عباده في الجنة. فيرجع إلى الكلام القديم. وقيل: معناه: المسلم عباده من المعاطب، والمهالك. فيرجع إلى القدرة. وقيل: غير ذلك. وحظ العبد منه بالمعنى الأول: أن ينزه نفسه عن كل لهو، ولسانه عن كل لغو، وقلبه عن كل غير، ويأتي ربه بقلب سليم. وبالمعنى الثاني: إفشاء السّلام. وبالمعنى الثالث: دفع المضار عن الناس. ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ أي: المصدق لرسله بإظهار معجزاته عليهم. ومصدق المؤمنين ما وعدهم به من الثواب. ومصدق الكافرين، والفاسدين المفسدين ما أوعدهم من العقاب. وقيل: إنه مأخوذ من الأمن، وهو المؤمن عباده من المخاوف، كما قال تعالى: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ فهو مؤمن. قال النابغة الذبياني في معلقته رقم [٣٨]: [البسيط]

стр. 6522

والمؤمن العائذات الطّير يمسحها... ركبان مكة بين الغيل والسّند وحظ العبد منه بالمعنى الأول: تحقيق اتصافه بحقائق الإيمان. وبالمعنى الثاني: أن يأمن غيره أذاه. قال رسول الله ﷺ : «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». أخرجه البخاري، ومسلم عن عبد الله بن عمرو-﵁. وقال ﷺ : «ليس بمؤمن من لم يأمن جاره بوائقه». رواه أبو يعلى، وغيره عن أنس-﵁. ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ أي: الرقيب المبالغ في المراقبة، والحفظ، من قولهم: هيمن الطير: إذا نشر جناحه على فرخه صيانة له. وقال ابن عباس-﵄: أي: الشهيد على عباده بأعمالهم؛ الذي لا يغيب عنه شيء. فيرجع إلى معنى العلم. قال تعالى في سورة (المائدة) [٤٨]: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾. انظر شرحها هناك. وقيل: هو القائم على خلقه يرزقه، وأنشد في معناه: [الطويل] ألا إنّ خير الناس بعد نبيّه... مهيمنه التّاليه في العرف والنكر أي: القائم على الناس بعده. وقيل: هو بمعنى العلي، ومنه قول العباس-﵁ يمدح النبي ﷺ في أبيات منها: [المنسرح] حتّى احتوى بيتك المهيمن من... خندف علياء زانها النطق وقيل: المهيمن اسم من أسماء الله تعالى، هو أعلم بتأويله، وأنشدوا في معناه: [الكامل] جلّ المهيمن عن صفات عبيده... ولقد تعالى عن عقول أولي النّهى راموا بزعمهم صفات مليكهم... والوصف يعجز عن مليك لا يرى ﴿الْعَزِيزُ﴾ أي: الذي لا يدركه طالبه، ولا يعجزه هاربه، فيرجع إلى القدرة. وقيل: هو العديم المثل، والنظير، فيرجع إلى التنزيه. والعزة في الأصل: القوة، والشدة، والغلبة. وحظ العبد منه أن يغلب نفسه، وسلطانه، بالاستقامة والاستعانة به تعالى. وقال ﷺ : «من تواضع لغنيّ لغناه فقد ذهب ثلثا دينه». وإنما كان كذلك؛ لأن الإيمان متعلق بثلاثة أشياء: المعرفة بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان، فإذا تواضع بلسانه، وأعضائه؛ فقد ذهب الثلثان، فلو انضم إليه القلب ذهب الكل. ﴿الْجَبّارُ:﴾ قال ابن عباس-﵄: الجبار: هو العظيم، وجبروت الله: عظمته. فعلى هذا هو صفة ذات، وهو صيغة مبالغة. وقيل: هو من الجبر، ومنه جبر العظم، وهو في الأصل إصلاح الشيء، وربنا يجبر قلوب عباده، يغني الفقير، ويجبر الكسير، ويكشف الهم، ويزيل الغم، فعلى هذا هو صفة فعل. وقيل: هو الذي يجبر الخلق، ويقهرهم على ما أراد، وسئل بعضهم عن معنى الجبار، فقال: هو القهار؛ الذي إذا أراد أمرا؛

стр. 6523

فعله، لا يحجزه عنه حاجز، والجبار في صفة الله تعالى مدح. وفي صفة الناس ذم، ولم يرد هذا الاسم الكريم إلا في هذه الاية من هذه السورة، وانظره في النهي عنه في حق العباد في آخر سورة (ق) فإنه جيد جدّا جدّا. ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾ أي: المتعالي العظيم؛ الذي تكبر بربوبيته، فلا شيء مثله. وقيل: المتكبر عن كل سوء، المتعظم عما لا يليق به من صفات الحدوث، وأصل الكبر، والكبرياء: الامتناع، وقلة الانقياد. قال حميد بن ثور الهلالي: [الطويل] عفت مثل ما يعفو الفصيل فأصبحت... بها كبرياء الصعب وهي ذلول وهو على الإطلاق لا يتصور إلا لله تعالى، فإنه المنفرد بالعظمة، والكبرياء بالنسبة إلى كل شيء من كل وجه، فعن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله جل وعلا: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما؛ ألقيته في النار». رواه ابن ماجه، وهو في حق الله مدح، وفي حق المخلوقين ذم، وانظر ما ذكرته في الاية رقم [٣٧] من سورة (الجاثية)، مع العلم: أن هذا اللفظ لم يرد في غير هذه الاية من هذه السورة. ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ:﴾ انظر الاية رقم [٤٣] من سورة (الطور) لشرحه، وإعرابه. الإعراب: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ:﴾ انظر الاية السابقة فالإعراب مثله فيها، والأسماء الاتية كلها بدل من لفظ الجلالة، وانظر إعراب: ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ في آخر سورة (الطور). ﴿هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ الشرح: ﴿هُوَ اللهُ:﴾ انظر شرحه في الاية رقم [٩] من سورة (الحديد). ﴿الْخالِقُ:﴾ من الخلق، وأصله: التقدير المستقيم، كقوله تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [١٤] بعد ذكر خلق الإنسان في ثلاثة أطوار: ﴿فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾. ويستعمل بمعنى الإبداع، وهو إيجاد الشيء من غير أصل، كقوله تعالى في كثير من الايات: ﴿خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾. وبمعنى التكوين، كقوله تعالى في كثير من الايات: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾. وقيل: الخالق الذي أظهر الموجودات بقدرته، وقدّر كلّ واحد منها بمقدار معين بإرادته. قال تعالى مخاطبا عيسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام في سورة (المائدة) رقم [١١٠]: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾. وقال زهير: [الكامل] ولأنت تفري ما خلقت وبع... ض القوم يخلق ثمّ لا يفري

стр. 6524

يقول: تقدر ما تقدر ثم تفريه؛ أي: تمضيه على وفق تقديرك، وغيرك يقدر ما لا يتم له، ولا يقع فيه مراده، إما لقصوره في تصور تقديره، أو لعجزه عن تمام مراده. ﴿الْبارِئُ:﴾ المنشئ المخترع. وقيل: مأخوذ من البرء، وأصله: خلوص الشيء عن غيره، إما على سبيل التقصي منه، ومنه قولهم: برئ فلان من مرضه، أو المديون من دينه، وإما على سبيل الإنشاء منه، ومنه برأ الله النسمة، وهو البارئ لها. ﴿الْمُصَوِّرُ:﴾ المبدع لصور المخترعات، ومزيناها، ومرتبها. وقيل: المصور الذي سوى قامتك، وعدل خلقتك. قال تعالى في سورة (التين): ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ وقيل: معنى التصوير: التخطيط، والتشكيل. قال النابغة: [المنسرح] الخالق البارئ المصوّر في ال... أرحام ماء حتّى يصير دما ﴿لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ أي: لله الأسماء الحسنى، ومعنى كونها أحسن الأسماء: أنها مشتملة على معاني التقديس، والتعظيم، والتمجيد، وعلى صفات الجلال، والجمال. و ﴿الْحُسْنى:﴾ مؤنث الأحسن؛ الذي هو أفعل تفضيل، لا مؤنث أحسن المقابل لامرأة حسناء. والحسنى: ضد السوأى، وقد وصف الجمع الذي لا يعقل بما توصف به الواحدة، كقوله تعالى حكاية عن قول موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ وهو فصيح، ولو جاء على المطابقة للجمع، لكان التركيب الحسن على وزن الاخر. كقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ؛﴾ لأن جمع ما لا يعقل يخبر عنه، ويوصف بوصف المؤنثات، وإن كان المفرد مذكرا، وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «إنّ الله تسعة وتسعين اسما، مئة إلا واحدا-إنه وتر يحبّ الوتر-من أحصاها دخل الجنّة. وهي: هو الله الذي لا إله إلا هو، الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السّلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المغيث، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الاخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور» رواه الطبراني في جامعه.

стр. 6525

هذا؛ وفي رواية: المقيت بدل: المغيث. وفسر بالمقتدر، فيرجع لمعنى القادر. قال تعالى في سورة (النساء) رقم [٨٥]: ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾ وقيل: معناه: من شاهد النجوى، فأجاب وعلم، فكشف واستجاب فيرجع إلى معنى (المغيث). وقول الرسول ﷺ (من أحصاها) قال الإمام النووي-رحمه الله تعالى-: معناه: من حفظها. هكذا فسره البخاري، والأكثرون، ويؤيده: أن في رواية الصحيح: «من حفظها دخل الجنّة». وقيل: معناه: من عرف معانيها، وآمن بها. وقيل: معناه: من أحصاها بحسن الرعاية لها، والتخلق بما يمكنه من العمل بمعانيها. تنبيه: هناك أسماء مشهورة لم تذكر بين أسماء الله الحسنى، مثل: (المعطي، الجواد، الستار، الساتر، الحنّان، المنّان) وعند التأمل تجد: أن هذه الأسماء تعود معانيها إلى بعض الأسماء المذكورة، مثلا: المعطي، والجواد يعود معناهما إلى الوهاب. والحنان، والمنان يعود معناهما إلى الرؤوف. والستار، والساتر يعود معناهما إلى العفو. وخذ ما يلي: «اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكلّ اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علّمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور بصري، وجلاء حزني، وذهاب همي». فهذا دعاء مأثور، فلعل الأسماء المذكورة هي مما علمه الله بعض العباد فنطقوا به بإلهام منه جل ذكره، وتقدست أسماؤه. وهناك أسماء كثيرة استأثر الله بها، فلم يعلمها أحدا من خلقه. الإعراب: ﴿هُوَ اللهُ:﴾ مبتدأ، وخبر. ﴿الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ:﴾ خبر ثان، وثالث، أو هما خبران لمبتدأين محذوفين. ﴿اللهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْأَسْماءُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر رابع للمبتدأ الأول. ﴿يُسَبِّحُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر خامس، أو هي مستأنفة، وهو أقوى. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا باللام، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (الحشر)، شرحا وإعرابا. والحمد لله رب العالمين.

стр. 6526

سورة الممتحنة بسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (الممتحنة) مدنية في قول الجميع، وهي ثلاث عشرة آية، وثلاثمئة وثمان وأربعون كلمة، وألف وخمسمئة وعشرة أحرف. هذا؛ والممتحنة بكسر الحاء معناها: المختبرة، أضيف الفعل إليها مجازا، كما سميت سورة (براءة) المبعثرة، والفاضحة؛ لما كشفت من عيوب المنافقين. ومن قال في هذه السورة (الممتحنة) بفتح الحاء، فإنّه أضافها إلى المرأة التي نزلت فيها، وهي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط. قال الله تعالى: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ..﴾. إلخ الاية رقم [١٠] وهي امرأة عبد الرحمن بن عوف-﵁-ولدت له إبراهيم بن عبد الرحمن. انتهى. قرطبي. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَاِبْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١)﴾ الشرح: سبب نزول هذه الاية ذكره الإمام علي-﵁-بقوله: بعثني رسول الله ﷺ أنا، والزبير، والمقداد، فقال: «انطلقوا؛ حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة، معها كتاب، فخذوه منها». قال: فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا، حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب، أو لتلقين الثياب! فأخرجته من عقاصها، فأتينا به النبي ﷺ فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر النبي ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : «يا حاطب ما هذا؟!». فقال: يا رسول الله! لا تعجل عليّ، إني كنت امرآ ملصقا في قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم، وأموالهم بمكة، فأحببت؛ إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي، وما فعلته كفرا، ولا ارتدادا عن ديني، ولا أرضى بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول

стр. 6527

الله ﷺ : «إنّه قد صدقكم». فقال عمر-﵁: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق! فقال الرسول ﷺ : «إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعلّ الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». فأنزل الله الاية. روضة خاخ: موضع بقرب حمراء الأسد من المدينة. وقيل: إنه موضع قريب من مكة، والأول أصح. والظعينة: المرأة المسافرة، سميت بذلك لملازمتها الهودج، وجمعها: ظعائن، والعقاص: الشعر المضفور. وهذه المرأة اسمها سارّة مولاة لأبي عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف، أتت المدينة، والرسول ﷺ يتجهز لفتح مكة، فقال لها رسول الله ﷺ : «أمسلمة جئت؟». قالت: لا. قال: «أمهاجرة جئت؟». قالت: لا. قال: «فما جاء بك؟». قالت: كنتم الأهل، والعشيرة، والموالي، وقد ذهبت مواليّ، وقد احتجت حاجة شديدة، فقدمت إليكم لتعطوني، وتحملوني، فقال لها: «وأين أنت من شباب مكة؟!». وكانت مغنية نائحة. قالت: ما طلب مني شيء بعد وقعة بدر. فحث النبي ﷺ بني عبد المطلب على إعطائها، فأعطوها نفقة، وكسوة، وحملوها. فأتاها حاطب بن أبي بلتعة، حليف بني أسد بن عبد العزى، وهو من أهل اليمن، فكتب معها إلى أهل مكة، وأعطاها عشرة دنانير، وكساها بردا على أن توصل الكتاب إلى أهل مكة، وكتب في الكتاب: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة: إن رسول الله ﷺ يريدكم، فخذوا حذركم! فخرجت سارّة ونزل جبريل ﵇، فأخبر النبي ﷺ بما فعل... إلخ. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ هذا نداء من الله تعالى للمؤمنين بأكرم وصف، وألطف عبارة؛ أي: يا من صدقتم الله، ورسوله، وتحليتم بالإيمان؛ الذي هو زينة الإنسان. وذكر: أن حاطبا-﵁-لما سمع هذا النداء؛ غشي عليه من الفرح بخطاب الإيمان. ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ:﴾ أصدقاء وأحباء، فهو جمع ولي، وهو من يتولى شؤون غيره، والنصير: المعين، والمساعد. والفرق بينهما: أن الولي قد يضعف عن النصرة، والمعاونة، والنصير قد يكون أجنبيا من المنصور، فبينهما عموم، وخصوص من وجه. هذا؛ وعدو: ضد الصديق، وهو على وزن فعول بمعنى فاعل، مثل: صبور، وشكور، وما كان من هذا الوزن يستوي فيه المفرد، والمثنى، والجمع. والمذكر، والمؤنث، إلا لفظا واحدا جاء نادرا. قالوا: هذه عدوّة الله. قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ فعبر به عن مفرد، وقال تعالى في سورة (الشعراء): ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ فقد عبر به عن جمع، ومثل ذلك صديق، وجمع عدو: أعداء، وأعاد، وعدات، وعدى. وقيل: أعاد جمع: أعداء، فيكون جمع الجمع. وفي القاموس المحيط: والعدا بالضم والكسر: اسم الجمع. هذا؛ وسمي العدو عدوا لعدوه عليك عند أول فرصة تسنح له للإيقاع بك، والقضاء عليك، كما سمي الصديق صديقا؛ لصدقه فيما يدعيه لك من الألفة، والمودة، والمحبة.

стр. 6528

﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ:﴾ تخبرونهم بسرائر المسلمين، وتنصحونهم. وهذا ينم عن مودة، ومحبة بينكم، وبينهم. ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ:﴾ من القرآن، والدين الصحيح؛ الذي جاء به محمد ﷺ . ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيّاكُمْ﴾ أي: من مكة بسبب إيذائهم لكم. ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ﴾ أي: فعلوا ما فعلوا من الإيذاء، والإخراج؛ لأنكم آمنتم بالله ربكم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ:﴾ من أوطانكم. ﴿جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي﴾ أي: لأجل الجهاد ولابتغاء وطلب مرضاتي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فلا تتخذوا عدوي... إلخ. ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ:﴾ أي تفضون إليهم بمودتكم، أو تسرون إليهم أسرار رسول الله ﷺ ، بسبب المودة والمحبة لهم، والنصيحة لهم في الكتابة إليهم. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وهذا كله معاتبة لحاطب-﵁، وهو يدل على فضله وكرامته، ونصيحته لرسول الله ﷺ ، وصدق إيمانه، فإن المعاتبة لا تكون إلا من محب لحبيبه، كما قال الشاعر: [الوافر] أعاتب ذا المودّة من صديق... إذا ما رابني منه اجتناب إذا ذهب العتاب فليس ودّ... ويبقى الودّ ما بقي العتاب ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ:﴾ من المودة للكفار. ﴿وَما أَعْلَنْتُمْ﴾ أظهرتم بألسنتكم من المودة لهم. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ﴾ أي: الإسرار، أو الإعلان بالمودة، والنصيحة لهم. ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أي: أخطأ طريق الهدى، وخرج عن جادة الحق، والصواب. بعد هذا انظر ما ذكرته في آخر سورة (المجادلة)، فالايتان بمعنى واحد. وقد جاء النهي عن موالاة الكفار في كثير من الايات، مثل قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٢٨]: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ،﴾ وأيضا رقم [١١٨] منها: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ،﴾ وقوله تعالى في سورة (النساء) رقم [١٤٤]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٥١]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ﴾ وغير ذلك كثير. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء. (وها): حرف تنبيه لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ولا يجوز اعتبار الهاء ضميرا في محل جر بالإضافة؛ لأنه حينئذ يجب نصب المنادى. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدلا من لفظ (أيها)، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لا تَتَّخِذُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَدُوِّي:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من

стр. 6529

ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَعَدُوَّكُمْ:﴾ معطوف عليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية مثل الجملة الندائية قبلها، وتقدير فعل محذوف ينصبها مستبعد. ﴿تُلْقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿بِالْمَوَدَّةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والمفعول به محذوف، التقدير: تلقون إليهم أخبار الرسول ﷺ بسبب المودة؛ التي بينكم وبينهم. وجوز الباء صلة، و (المودة) مفعول به مجرور لفظا، منصوب محلا. والجملة الفعلية فيها أربعة أوجه: أحدها: أنها تفسير لموالاتهم إياهم. الثاني: أنها استئناف، فلا محل لها على هذين الوجهين. الثالث: أنها حال من واو الجماعة. الرابع: أنها صفة ﴿أَوْلِياءَ﴾. انتهى. جمل نقلا من السمين. ﴿وَقَدْ:﴾ (الواو): واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كَفَرُوا:﴾ ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالباء. ﴿جاءَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنَ الْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل جاء و ﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في (ما). ﴿يُخْرِجُونَ:﴾ مضارع، وفاعله. ﴿الرَّسُولَ:﴾ مفعول به. ﴿وَإِيّاكُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل نصب معطوف على الرسول، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي مفسرة لكفرهم، ولا محل لها على هذين الوجهين. ويجوز أن تكون حالا من واو الجماعة. والرابط: الضمير فقط. ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا:﴾ منصوب ب: «أن»، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والمصدر المؤول منهما في محل نصب بنزع الخافض، أو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لأجل إيمانكم، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يُخْرِجُونَ﴾. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبِّكُمْ:﴾ بدل مما قبله، أو صفة له، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿خَرَجْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كُنْتُمْ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿جِهاداً:﴾ مفعول لأجله، أو هو حال على تأويله ب: «مجاهدين»؛ لأن المصدر لا يخبر به عن جثة. وقيل: هو مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: جاهدتم جهادا، وتعود هذه الجملة في

стр. 6530

محل نصب حال من تاء الفاعل، أو في محل نصب خبر ثان ل: (كان). ﴿فِي سَبِيلِي:﴾ متعلقان ب: ﴿جِهاداً،﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿وَابْتِغاءَ:﴾ معطوف على ﴿جِهاداً،﴾ وهو مضاف، و ﴿مَرْضاتِي﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، وعلامة الجر كسرة مقدرة... إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم خرجتم... فلا تتخذوا عدوي... إلخ، و ﴿أَنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف، أو معترض بين البدل، والمبدل منه كما ستقف عليه. ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ بلا فارق، وهي بدل منها، بدل بعض من كل؛ لأن إلقاء المودة أعم من السر، والجهر. أو هي مستأنفة، لا محل لها، والاعتراض بالجملة الشرطية يكون على اعتبار البدلية. ﴿وَأَنَا:﴾ (الواو): واو الحال. (أنا): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو أفعل تفضيل. وجوز اعتباره فعلا مضارعا، وفاعله مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير الذي ترى تقديره عائدا إلى الموصول، أو هي حال من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير، وهو واضح، ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿أَخْفَيْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والمتعلق محذوف، التقدير: في صدوركم، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: أعلم بالذي، أو بشيء أخفيتموه. وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: أعلم بإخفائكم القول، والفعل. وفيه ضعف كما ترى. ﴿وَما أَعْلَنْتُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والمتعلق محذوف؛ إذ التقدير: والذي، أو شيء أعلنتموه؛ أي: أظهرتموه بألسنتكم. هذا؛ وقد قيل: إن الباء صلة على اعتبار ﴿أَعْلَمُ﴾ فعلا مضارعا. ﴿وَمَنْ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَفْعَلْهُ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من)، والهاء مفعول به. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و (من) بيان لما أبهم في (من). ﴿فَقَدْ:﴾ (الفاء): واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿ضَلَّ:﴾ فعل ماض. والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿سَواءَ:﴾ مفعول به وهذا على أن ﴿ضَلَّ﴾ متعد، فإن اعتبرته لازما ف: ﴿سَواءَ﴾ يكون ظرفا متعلقا ب: ﴿ضَلَّ؛﴾ أي: ظرف مكان. وهو مضاف، و ﴿السَّبِيلِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور،

стр. 6531

والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢)﴾ الشرح: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ﴾ أي: إن يظفروا بكم، ويتمكنوا منكم. والمادة بمعنى: يجدونكم، ويصادفونكم. قال تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٦١]: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا،﴾ وقال في سورة (البقرة) رقم [١٩١]: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾. هذا؛ والثقف في الأصل: الحذق في إدراك الشيء علما كان، أو عملا، فهو يتضمن معنى الغلبة. ﴿يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً:﴾ يظهروا ما في قلوبهم من العداوة الشديدة لكم. ولا ينفعكم إلقاء المودة لهم. ﴿وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ﴾ أي: يمدوا إليكم أيديهم بالضرب، والقتل، وألسنتهم بالشتم والسب. ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ أي: أحبوا، وتمنوا أن تكفروا؛ لتكونوا مثلهم، فلا تناصحوهم، فإنهم لا يناصحونكم. قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١١٨]: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً﴾. قال الزمخشري في الكشاف: فإن قلت: كيف أورد جواب الشرط مضارعا مثله، ثم قال: ﴿وَوَدُّوا﴾ بلفظ الماضي؟ قلت: الماضي وإن كان يجري في باب الشرط مجرى المضارع في باب الإعراب، فإن فيه نكتة: كأنه قيل: وودوا قبل كل شيء كفركم، وارتدادكم. يعني: أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين جميعا من قتل الأنفس، وتمزيق الأعراض، وردكم كفارا أسبق المضار عندهم، وأولها؛ لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم؛ لأنكم بذالون لها دونه، والعدو أهم شيء عنده أن يقصد أعز شيء عند صاحبه. انتهى. وخذ قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٨٩]: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿يَثْقَفُوكُمْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يَكُونُوا:﴾ مضارع ناقص جواب الشرط مجزوم... إلخ، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿أَعْداءً:﴾ خبر ﴿يَكُونُوا،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و ﴿إِنْ﴾

стр. 6532

ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وَيَبْسُطُوا:﴾ معطوف على ﴿يَكُونُوا،﴾ فهو مجزوم مثله، ويجوز أن يكون منصوبا ب: «أن» مضمرة بعد الواو على أنها واو المعية، كما يجوز رفعه، ولكن لم يقرأ برفعه، وهذا على القاعدة: «إذا عطف مضارع بالواو، أو بالفاء على جواب الشرط؛ جاز رفعه، ونصبه، وجزمه، وإذا عطف على فعل الشرط بالواو، أو بالفاء؛ جاز نصبه وجزمه» قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] والفعل من بعد الجزا إن يقترن... بالفا، أو الواو يتثليث قمن وجزم أو نصب لفعل إثر فا... أو واو إن بالجملتين اكتنفا هذا وقد قرئ في الاية رقم [٢٨٤] من سورة (البقرة) قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ..﴾. إلخ برفع (يغفر) ونصبه، وجزمه. والواو فاعله. ﴿أَيْدِيَهُمْ:﴾ مفعول به. ﴿وَأَلْسِنَتَهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالسُّوءِ:﴾ متعلقان بالفعل (يبسطوا) مثل ﴿إِلَيْكُمْ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ﴾. ﴿وَوَدُّوا:﴾ (الواو): حرف عطف. (ودوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿لَوْ:﴾ حرف مصدري. ﴿تَكْفُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، و ﴿لَوْ﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: ودوا كفركم، ومثلها آية (النساء) الانفة الذكر. والجملة الفعلية معطوفة على جملة الشرط والجزاء، ويكون تعالى قد أخبر بخبرين بما تضمنته الجملة الشرطية، وبودادتهم كفر المؤمنين. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)﴾ الشرح: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ..﴾. إلخ: لما اعتذر حاطب-﵁-بأن له أولادا، وأرحاما بين المشركين؛ بين الله : أن الأولاد، والأرحام لا ينفعون شيئا يوم القيامة؛ إن عصي من أجلهم، وبسببهم. والمعنى: لا يحملنكم الذين في مكة من قراباتكم على معصية الله، وخيانة الرسول ﷺ والمؤمنين، وترك مناصحتهم، ونقل أخبارهم إلى أعدائهم. ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ أي: في ذلك اليوم العصيب يحكم الله بين المؤمنين، والكافرين، فيدخل المؤمنين جنات النعيم، ويدخل المجرمين دار الجحيم. وفي النسفي: يفصل بينكم، وبين أقاربكم، وأولادكم: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ فما لكم ترفضون حق الله مراعاة لحق من يفر منكم غدا. ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: مطلع على جميع أقوالكم، وأعمالكم، فيجازيكم بها، إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا؛ فشرّ.

стр. 6533

الإعراب: ﴿لَنْ:﴾ حرف نصب، ونفي، واستقبال. ﴿تَنْفَعَكُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ،﴾ والكاف مفعول به. ﴿أَرْحامُكُمْ:﴾ فاعل. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي. ﴿أَوْلادُكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وعليه: فالوقف على القيامة، أو هو متعلق بالفعل بعده، وعليه: فالوقف على ﴿أَوْلادُكُمْ،﴾ و ﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿يَفْصِلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله) تقديره: «هو»، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ:﴾ انظر إعراب مثلها مفصلا في الاية رقم [٣] من سورة (المجادلة). ﴿قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلاّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤)﴾ الشرح: ﴿قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أي: قدوة صالحة؛ أي: اقتدوا به، وسيروا على سيرته، ونهجه. ﴿فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أي: وأتباعه الذين آمنوا معه، وساروا سيرته من الأنبياء، والمرسلين. والمعروف: أنه لم يؤمن به من قومه، ولم يهاجر معه سوى امرأته وابن أخيه لوط، وهو فحوى قوله تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [٢٦]: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي﴾ انظر شرحها هناك. ﴿إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾ أي: المشركين. ﴿إِنّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: بريئون منكم، ومن معبوداتكم. ﴿كَفَرْنا بِكُمْ﴾ أي: وبما تعبدون من دون الله، بمعنى: لا نعتد بشأنكم، ولا بشأن آلهتكم، وما أنتم عندنا على شيء. فقد كاشفوهم بالعداوة، وأظهروا لهم البغضاء، والمقت، وصرحوا بأن سبب عداوتهم، وبغضائهم ليس إلا كفرهم بالله، وما دام هذا السبب قائما؛ كانت العداوة قائمة، حتى إذا أزالوه، وآمنوا بالله وحده؛ انقلبت العداوة موالاة، والبغضاء محبة، والمقت رضا. وهذا محض الإخلاص. ﴿إِلاّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ المعنى: لكم أن تتأسوا بإبراهيم، وتقتدوا به في جميع أموره، إلا في الاستغفار لأبيه المشرك، فلا تتأسوا به؛ فإن إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-كان قد قال لأبيه: لأستغفرن لك؛ لما وعده أن يؤمن، فلما تبين له إقامته على الكفر تبرأ منه، وهو صريح قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [١١٤]: ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ﴾.

стр. 6534

﴿وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ:﴾ هذا من قول إبراهيم ﵇ لأبيه؛ يعني: ما أغني عنك شيئا، ولا أدفع عنك عذاب الله؛ إن عصيته وأشركت به. ﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا﴾. هذا من دعاء إبراهيم، ﵇ وأصحابه. وقيل: علّم الله المؤمنين أن يقولوا هذا؛ أي: تبرؤوا من الكفار، وتوكلوا على الله، وقولوا: ﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا﴾ أي: اعتمدنا في جميع أمورنا عليك، وفوضناها إليك. ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع، والماب. هذا؛ وتقديم الجار والمجرور في هذه الجملة لإفادة الحصر. الإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كانَتْ:﴾ فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان) تقدم على اسمها. ﴿أُسْوَةٌ:﴾ اسم (كان) مؤخر. ﴿حَسَنَةٌ:﴾ صفة له. وجملة: ﴿قَدْ كانَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فِي إِبْراهِيمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أُسْوَةٌ،﴾ ومنعه أبو البقاء؛ لأن ﴿أُسْوَةٌ﴾ قد وصفت. ولا يبالى به؛ لأنه يغتفر في الظرف ما لا يغتفر في غيره. أو هما متعلقان ب: ﴿حَسَنَةٌ﴾ تعلق الظرف بالعامل، أو هما متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل: ﴿أُسْوَةٌ،﴾ أو بمحذوف حال منها بعد وصفها ب: ﴿حَسَنَةٌ،﴾ أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في ﴿حَسَنَةٌ﴾ لأنها صفة مشبهة، أو هما متعلقان بمحذوف خبر (كان)، و ﴿لَكُمْ﴾ متعلقان بكانت. انتهى. جمل بتصرف كبير مني. وعلامة جر ﴿إِبْراهِيمَ﴾ الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر معطوف على ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِذْ:﴾ بدل من ﴿إِبْراهِيمَ﴾ بدل اشتمال، فهو مبني على السكون في محل نصب. وقال السمين: فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق بمحذوف خبر (كان). والثاني: أنه هو الخبر. قالهما أبو البقاء، ومن جوز في (كان) أن تعمل في الظرف علقه بها، ويصح أن يكون بيانا للمضاف المقدر في قوله: ﴿فِي إِبْراهِيمَ﴾ أي في قول إبراهيم، وفعله. انتهى. جمل بتصرف. والمعتمد الأول. ﴿قالُوا:﴾ ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِقَوْمِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿بُرَآؤُا:﴾ خبرها، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿مِنْكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿بُرَآؤُا﴾. ﴿وَمِمّا:﴾ جار ومجرور معطوفان على ﴿مِنْكُمْ،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والمصدرية ضعيفة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: محذوف، التقدير: من الذي، أو من شيء تعبدونه. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (ما)، و ﴿تَعْبُدُونَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.

стр. 6535

﴿كَفَرْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿بُرَآؤُا،﴾ والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير: «قد» قبلها، أو الجملة في محل رفع خبر ثان ل: (إنّ)، وقيل: مفسرة للتبرؤ. ﴿بِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَبَدا:﴾ الواو: حرف عطف. (بدا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف. ﴿بَيْنَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَكُمُ:﴾ الواو: حرف عطف. (بينكم): معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْعَداوَةُ:﴾ فاعل (بدا)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَالْبَغْضاءُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿أَبَداً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل (بدا)، أو هو متعلق بمحذوف حال من ﴿الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ﴾. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿تُؤْمِنُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل (بدا) أيضا. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، ﴿وَحْدَهُ:﴾ حال من لفظ الجلالة، والهاء في محل جر بالإضافة، وساغ ذلك؛ لأنه بمعنى: منفردا. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿قَوْلَ إِبْراهِيمَ:﴾ قال السمين: فيه وجهان: أحدهما: أنه استثناء متصل من قوله: ﴿فِي إِبْراهِيمَ﴾ ولكن لا بد من تقدير مضاف محذوف ليصح الكلام، تقديره: في مقالات إبراهيم، إلا قوله: كيت. وكيت. الثاني: أنه مستثنى من ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وجاز ذلك؛ لأن القول أيضا من جملة الأسوة؛ لأن الأسوة: الاقتداء بالشخص في أقواله، وأفعاله، فكأنه قيل: لكم فيه أسوة في جميع أحواله من قول، وفعل إلا قوله: كذا. وهذا عندي واضح غير محوج إلى تقدير مضاف، وغير مخرج للاستثناء من الاتصال؛ الذي هو أصله إلى الانقطاع، ولذلك لم يذكر الزمخشري غيره. انتهى. جمل. و ﴿قَوْلَ﴾ مضاف، و ﴿إِبْراهِيمَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿لِأَبِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالمصدر، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة. ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ:﴾ (اللام): واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله. (أستغفرن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها، والقسم، وجوابه في محل نصب مقول القول للمصدر. ﴿وَما:﴾ (الواو): واو الحال. (ما): نافية. ﴿أَمْلِكُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل: استغفرن المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿شَيْءٍ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.

стр. 6536

﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والتقديم أفاد التخصيص. ﴿تَوَكَّلْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية من مقول إبراهيم أيضا، ومن معه، فهو من جملة المستثنى منه فيتأسى به فيه، فهو في المعنى مقدم على الاستثناء، وجملة الاستثناء اعتراضية في خلال المستثنى منه. هذا؛ ويحتمل أن تكون الجملة وما بعدها في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: قولوا: ربنا عليك توكلنا، فهو من مقول الله تعالى. ﴿وَإِلَيْكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (إليك): متعلقان بما بعدهما. ﴿أَنَبْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. (إليك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ﴿الْمَصِيرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاِغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥)﴾ الشرح: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: لا تنصر الكافرين علينا، فيكون ذلك فتنة لنا في الدين، أو لا تمتحنا بأن تعذبنا على أيديهم. وقال مجاهد: المعنى: لا تهلكنا بأيدي أعدائنا، ولا تعذبنا بعذاب من عندك، فيقول أعداؤنا: لو كانوا على حق؛ لم نسلط عليهم، فيفتنوا. وقال أبو مجلز، وأبو الضحاك: يعني: لا تظهرهم علينا، فيروا: أنهم خير منا، فيزدادوا طغيانا، وكفرا. وقيل: المعنى لا تسلطهم علينا، فيفتنونا، ويعذبونا. ﴿وَاغْفِرْ لَنا:﴾ ذنوبنا. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ:﴾ القوي القاهر، الغالب القادر. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ تفعل ما تشاء، ولا تفعل إلا ما فيه حكمة. فائدة: قال مكي بن أبي طالب القيسي-رحمه الله تعالى-: ونداء الرب قد كثر حذف (يا) النداء منه في القرآن الكريم، وعلة ذلك: أن في حذف (يا) من نداء الرب تعالى فيه معنى التعظيم له، والتنزيه، وذلك: أن النداء فيه ضرب من معنى الأمر؛ لأنك إذا قلت: يا زيد؛ فمعناه: تعال يا زيد، أدعوك يا زيد، فحذفت (يا) من نداء الرب ليزول معنى الأمر، وينقص؛ لأن (يا) تؤكده، وتظهر معناه، فكان في حذف (يا) التعظيم، والإجلال، والتنزيه للرب تعالى، فكثر حذفها في القرآن، والكلام العربي في نداء الرب لذلك المعنى. انتهى. أقول: والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء. (ونا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لا تَجْعَلْنا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و (نا) مفعول به أول، ﴿فِتْنَةً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية مستأنفة مع الجملة الندائية قبلها، لا محل لهما؛ لأنهما دعاء متعدد لا ارتباط لكلّ بسابقه، كالجمل المتعددة، وليس هو، وما بعده بدلا مما قبله، كما قيل؛ لعدم اتحاد المعنيين لا كلا، ولا

стр. 6537

جزآ، ولا ملابسة بينهما سوى الدعاء. انتهى. جمل نقلا عن الشهاب. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿فِتْنَةً،﴾ أو بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. وجملة: ﴿وَاغْفِرْ:﴾ مع المفعول المحذوف معطوفة على ما قبلها. ﴿تَجْعَلْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبَّنا:﴾ توكيد لفظي لما قبله. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير فصل، لا محل له، أو هو توكيد لاسم (إنّ) على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء. ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ:﴾ خبران ل: (إنّ)، وإن اعتبرت الضمير مبتدأ؛ فهما خبران له، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية تعليل للدعاء لا محل لها. ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦)﴾ الشرح: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ﴾ أي: في إبراهيم، والذين معه. ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أي: قدوة صالحة. وهذا التكرير لمزيد الحث على التأسي بإبراهيم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. و (الأسوة) بضم الهمزة، وكسرها، مثل: القدوة بضم القاف وكسرها، والمراد بالأسوة الحسنة: التبرؤ من الكفار. ﴿لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ﴾ أي: يرجو رحمته، ومثله: ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ﴾ أي: عذابه بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ﴾. ﴿وَالْيَوْمَ الْآخِرَ:﴾ هو آخر يوم من أيام الدنيا، فيه الحشر، والنشر، والميزان، والصراط إلى دخول أهل الجنة الجنة، ودخول أهل النار النار. هذا؛ والرجاء في الأصل: الأمل في الشيء، والطماعية فيه، قال الشاعر: [الوافر] أترجو أمة قتلت حسينا... شفاعة جدّه يوم الحساب وقد يأتي الرجاء بمعنى الخوف، وبه فسر قوله تعالى في سورة (العنكبوت) الاية رقم [٥]: ﴿مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ..﴾. إلخ وغيرها كثير، وهي لغة تهامة، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي في صفة عسّال؛ أي: الذي يقطف عسل النحل: [الطويل] إذا لسعته الدّبر لم يرج لسعها... وخالفها في بيت نوب عواسل وقال بعض العلماء: لا يقع الرجاء بمعنى الخوف إلا مع الجحد؛ أي: النفي، كقوله تعالى: ﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقاراً﴾ وقال بعضهم: بل يقع في كل موضع، دل عليه المعنى، وهو المعتمد. ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ أي: يعرض عن التأسي، والاقتداء بإبراهيم، والأنبياء، والمرسلين؛ الذين جاؤوا معه بالهدى، والنور، وامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه. ﴿فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ:﴾ عن عباده غير محتاج إليهم في شيء. ﴿الْحَمِيدُ:﴾ المحمود بكل لسان، الممجد في كل مكان على كل حال، وهو مستحق للحمد في ذاته، تحمده الملائكة، وتنطق بحمده ذرات المخلوقات. هذا؛ وانظر شرح (التولي) في سورة (الذاريات) رقم [٥٤].

стр. 6538

الإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ (اللام): لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله ونحوه. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِيهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿أُسْوَةٌ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر. ﴿حَسَنَةٌ:﴾ صفة له، وجملة: ﴿لَقَدْ كانَ..﴾. إلخ: مبتدأ، أو جواب القسم المقدر، لا محل لها على الاعتبارين. وفيها معنى التوكيد لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور بدل من ﴿لَكُمْ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف صفة ﴿حَسَنَةٌ﴾ وهو المعتمد عند البصريين؛ لأنهم لا يجيزون إبدال الغائب من المخاطب، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿كانَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى (من)، وهو العائد، أو الرابط. ﴿يَرْجُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان). ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. (اليوم): معطوف عليه. ﴿الْآخِرَ:﴾ صفة (اليوم) وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ صلة (من) أو صفتها. وهذا مذكور بحروفه في سورة (الأحزاب) رقم [٢١]. ﴿وَمَنْ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَتَوَلَّ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو»، والمتعلق محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿فَإِنَّ:﴾ (الفاء): واقعة في جواب الشرط. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ:﴾ خبران ل: (إنّ). هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ و ﴿الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ خبرين له. فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر (إنّ)، ورجح الأول؛ لأنه قرئ بإسقاط الضمير، والجملة الاسمية: (إن الله...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الاية رقم [١]. هذا؛ وإن اعتبرت جواب الشرط محذوفا، تقديره: ومن يتول عن الإيمان فلا يضر إلا نفسه، فلا بأس به، بل هو أجود؛ لأن الجملة الاسمية: (إن الله...) إلخ خالية من رابط يربطها باسم الشرط، كما هو واضح، وعليه تكون الجملة تعليلا لجواب الشرط المقدر، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وهذه الجملة مذكورة في الاية رقم [٢٤] من سورة (الحديد). ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧)﴾ الشرح: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ أي: لعل الله جل وعلا يجعل بينكم وبين الذين عاديتموهم من أقاربكم المشركين محبة، ومودة، محبة بعد البغضاء، وألفة بعد

стр. 6539

الشحناء، ومودة بعد النفار. قال في التسهيل: لما أمر الله المسلمين بعداوة الكفار، ومقاطعتهم على ما كان بينهم وبين الكفار من القرابة، والمودة، وعلم الله صدقهم؛ آنسهم بهذه الاية، ووعدهم بأن يجعل بينهم مودة؛ أي: محبة، وهذه المودة كملت في فتح مكة، فإنه أسلم حينئذ سائر قريش، وجمع الله الشمل بعد التفرق. وقال الرازي-رحمه الله تعالى-: و ﴿عَسَى﴾ وعد من الله تعالى، وقد حقق ما وعدهم به من اجتماع كفار مكة بالمسلمين، ومخالطتهم لهم حين فتح مكة، وقد قال تعالى ممتنّا: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً﴾ هذا؛ ومما يؤثر من قول علي-كرم الله وجهه ورضي عنه-: أحبب حبيبك هونا مّا؛ عسى أن يكون بغيضك يوما مّا، وأبغض بغيضك هونا مّا؛ عسى أن يكون حبيبك يوما مّا. ورحم الله من يقول: [الطويل] وأحبب إذا أحببت حبّا مقاربا... فإنك لا تدري متى أنت نازع؟ وأبغض إذا أبغضت بغضا مجانبا... فإنك لا تدري متى أنت راجع؟ هذا؛ ويذكر المفسرون من المودة زواج النبي ﷺ برملة أم حبيبة بنت أبي سفيان، فقال أبو سفيان، وهو مشرك حينئذ بلغه تزويج النبي ﷺ ابنته: ذلك الفحل لا يقدع أنفه. يقال: هذا الفحل لا يقدع أنفه؛ أي: لا يضرب أنفه، وذلك لشرفه، وأصالته، وكرامته. ﴿وَاللهُ قَدِيرٌ:﴾ قادر، لا يعجزه شيء، يقدر على تأليف القلوب، وتغيير الأحوال، وقلب البغض محبة، والعداوة صداقة، وألفة. ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ يغفر للكافرين كفرهم؛ إذا تابوا منه، وأنابوا إلى ربهم، وأسلموا له، وهو الرحيم بكل من تاب إليه من أي ذنب كان. وعن ابن شهاب: أن رسول الله ﷺ استعمل أبا سفيان على بعض اليمن، فلما قبض رسول الله ﷺ أقبل، فلقي ذا الخمار مرتدا، فقاتله، فكان أول من قاتل في الردة، وجاهد في الدين، وهو ممن أنزل الله فيه: ﴿عَسَى اللهُ..﴾. إلخ الاية. أخرجه ابن أبي حاتم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وانظر شرح (بين) في الاية رقم [٢٥] من سورة (الرحمن). الإعراب: ﴿عَسَى:﴾ فعل ماض جامد يدل على الرجاء مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿اللهُ:﴾ اسم ﴿عَسَى﴾. ﴿أَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿يَجْعَلَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ وهو بمعنى: يخلق، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب خبر ﴿عَسَى،﴾ ويجب تأويله باسم الفاعل جاعلا؛ لأن المصدر لا يخبر به عن الجثة، وجملة: ﴿عَسَى..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَ:﴾ ظرف مكان معطوف على ما قبله، وهو مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة.

стр. 6540

﴿عادَيْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: الذين عاديتموهم. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، العائد على الموصول، و (من) بيان لما أبهم في الموصول. ﴿مَوَدَّةً:﴾ مفعول به ليجعل، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ قَدِيرٌ﴾ مستأنفة، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ الشرح: قال ابن عباس-﵄: نزلت في خزاعة، وذلك: أنهم صالحوا رسول الله ﷺ ، على ألاّ يقاتلوه، ولا يعينوا عليه أحدا، فرّخص الله في برهم. انتهى. أي: وكانوا لا يزالون كفارا. وقال عبد الله بن الزبير-﵄: نزلت في أمه أسماء-﵂، وذلك أن أمها قتيلة بنت عبد العزّى، وكانت كافرة، وقد طلقها أبو بكر-﵁-حين أبت الإسلام، ويقال: طلقها في الجاهلية قبل الإسلام. وبقيت في مكة كافرة، قدمت على ابنتها أسماء-﵂-المدينة بهدايا، ضبابا، وأقطا، وسمنا، فقالت أسماء-﵂: لا أقبل منك هدية، ولا تدخلي عليّ بيتا؛ حتى أستأذن رسول الله ﷺ ، فسألته: فأنزل الله تعالى هذه الاية، فأمرها رسول الله ﷺ أن تدخلها منزلها، وأن تقبل هديتها، وتكرمها، وتحسن إليها. فعن أسماء-﵂-قالت: قدمت عليّ أمي، وهي مشركة في عهد قريش؛ إذ عاهدوا رسول الله ﷺ ، ومدّتهم مع أبيها فاستفتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! إن أمي قدمت عليّ، وهي راغبة؛ أفأصلها؟ قال: «نعم صليها». متفق عليه، زاد ابن عيينة في رواية: فأنزل الله فيها: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ..﴾. إلخ. أقول: الاية صريحة في إباحة معاملة المشركين الذين لا يناصبوننا العداء، بل وهي صريحة في الإحسان إليهم، والبر بهم، ومعنى (تقسطوا إليهم): تعطوهم قسطا من أموالكم على وجه الصلة، والإحسان لكن لا يكون هذا من مال الزكاة الواجبة، ولا من أموال الكفارات، والنذور، ومعنى ﴿الْمُقْسِطِينَ:﴾ المحسنين، وليس المراد به العدل المذكور في سورة (الحجرات) رقم [٩] تنبه لذلك، واحفظه. الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَنْهاكُمُ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿عَنِ﴾

стр. 6541

﴿الَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُقاتِلُوكُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، وهو العائد، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي الدِّينِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ﴾ معطوفة على جملة الصلة، وإعرابها مثلها. ﴿مِنْ دِيارِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَبَرُّوهُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن»، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والمصدر المؤول من المضارع وناصبه في محل جر بدل اشتمال من ﴿الَّذِينَ؛﴾ إذ المعنى: لا ينهاكم الله عن بر الذين لم يقاتلوكم. ﴿وَتُقْسِطُوا:﴾ معطوف على ما قبله فهو منصوب مثله، ومؤول مثله بمصدر، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنْ،﴾ والجملة الاسمية تعليل للنفي، لا محل لها. ﴿الْمُقْسِطِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ. ﴿إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٩)﴾ الشرح: ﴿إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ:﴾ خطاب للمؤمنين الصادقين في عهد النبي ﷺ ، ويعم كل مؤمن إلى يوم القيامة. ﴿عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ أي: حاربوكم، وآذوكم، وقاتلوكم من أجل إيمانكم بالله، وتصديقكم رسوله. والمراد بهم: كفار قريش، ويعم كذلك كل كافر يفعل فعلهم إلى يوم القيامة. ﴿وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ:﴾ في مكة؛ حيث ألجؤوكم إلى الهجرة إلى المدينة المنورة. ﴿وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ:﴾ وعاونوا على إخراجكم، وطردكم من دياركم. والمراد من تعاون مع كفار قريش، وتحالف معهم على إخراج المؤمنين من ديارهم. ﴿أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ أي: تتولوهم. فتتخذوهم أولياء، وأنصارا، وأحبابا. ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ:﴾ ومن يصادق أعداء الله، ويجعلهم أنصارا، وأحبابا، ويمنحهم مودته، وصداقته. ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ لأنفسهم بتعريضها للعذاب الشديد في نار الجحيم. هذا؛ وقال تعالى في سورة (المائدة) رقم [٥١]: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾. الإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿يَنْهاكُمُ:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، أو مبتدأة، لا محل لها. ﴿عَنِ الَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿قاتَلُوكُمْ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي الدِّينِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ﴾

стр. 6542

﴿دِيارِكُمْ:﴾ معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، والكاف مع الفعل مفعول به، ومع الاسم في محل جر بالإضافة. ﴿وَظاهَرُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (ظاهروا): ماض مبني على الضم والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة أيضا. ﴿عَلى إِخْراجِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿أَنْ تَوَلَّوْهُمْ:﴾ مثل ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ،﴾ والمصدر المؤول في محل جر بدل اشتمال من ﴿الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ﴾. إذ التقدير: ينهاكم الله عن تولي الذين قاتلوكم في الدين. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع. ﴿يَتَوَلَّهُمْ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (من)، تقديره: «هو»، والهاء مفعول به. ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ انظر إعراب مثلها في الاية رقم [٨] من سورة (الحشر)، والجملة الاسمية هنا في محل جزم جواب الشرط، وقل في خبر المبتدأ ما رأيته في الاية رقم [١]، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقد روعي لفظ: (من) برجوع الفاعل إليها، ومعناها في رجوع اسم الإشارة إليها. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ الشرح: قال المفسرون: كان صلح الحديبية الذي جرى بين رسول الله ﷺ وبين كفار مكة قد تضمن: أن من أتى أهل مكة من المسلمين؛ لم يردّ إليهم، ومن أتى المسلمين من أهل مكة المشركين؛ ردّ إليهم، وقد رأيت ذلك في سورة (الفتح) مفصلا، فجاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مهاجرة إلى رسول الله ﷺ ، فخرج في أثرها أخوالها: عمارة والوليد، فقالا للنبي ﷺ : ردها علينا بالشرط. فقال النبي ﷺ : «كان الشرط في الرجال، لا في النساء». وكانت متزوجة من عمرو بن العاص. وقيل: إن التي جاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية، وزوجها صيفي بن الراهب. وقيل: مسافر المخزومي. فلم يردها النبي ﷺ ، وأعطى زوجها مهرها، وما أنفق عليها، فتزوجها عمر بن الخطاب-﵁. وقيل: إن التي جاءت أميمة بنت بشر وأمّها رقيقة، وهي أخت السيدة خديجة، وخالة فاطمة الزهراء-﵅ جميعا-. وكانت أميمة عند ثابت بن الشّمراخ، ففرت منه، وهو يومئذ كافر، فتزوجها سهل بن حنيف ﵁-فولدت له عبد الله، والأكثر من أهل العلم: أنها أم كلثوم بنت عقبة، ونزلت

стр. 6543

الاية تؤيد ما عمل به رسول الله ﷺ من التفريق بين رد الرجال المؤمنين لقريش، وعدم ردّ النساء المؤمنات لقريش، وهذا التفريق لأمرين: أحدهما: أنهن ذوات فروج يحرمن عليهم، فيطؤوهنّ كرها. والثاني: أنهن أرق قلوبا، وأسرع تقلبا من الرجال، فأما المقيمة على شركها؛ فمردودة عليهم، وانظر اللاتي لحقن بالمشركين مرتدات في الاية التالية. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ:﴾ قيل: إنه كانت من أرادت منهن إضرار زوجها لكراهتها له؛ قالت: سأهاجر إلى محمد ﷺ ، فلذلك أمر رسول الله ﷺ بامتحانهن. قال ابن عباس-﵄: كانت المرأة تستحلف بالله: أنها ما خرجت بغضا لزوجها، ولا رغبة من أرض إلى أرض، ولا التماس دنيا، ولا عشقا لرجل منا، بل حبا لله، ورسوله، فإذا حلفت بالله الذي لا إله إلا هو على ذلك؛ أعطى النبي ﷺ زوجها مهرها، وما أنفق عليها، ولم يردّها. ﴿اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ﴾ أي: هذا الامتحان لكم، والله أعلم بإيمانهن منكم، فإنكم وإن رزتم أحوالهن لا تعلمون ذلك حقيقة، وعند الله حقيقة العلم به؛ لأنه متولي السرائر. ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّارِ:﴾ أي فإن تحققتم إيمانهن بعد امتحانهن؛ فلا تردوهن إلى أزواجهن الكفار ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ أي: لا حل بين المؤمنة، والمشرك؛ لوقوع الفرقة بينهما لاختلاف الدين. والثاني: للمنع عن الاستئناف بإعادة النكاح؛ إذا لم يسلم الزوج. ﴿وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا:﴾ أمر الله تعالى إذا أمسكت المرأة المسلمة، ومنعت من زوجها؛ أن يردّ عليه ما أنفق عليها، وذلك من الوفاء بالعهد؛ لأنه لما منع منها بحرمة الإسلام، أمر الله برد المال إليه، حتى لا يقع عليهم خسران من الوجهين: الزوجة، والمال. ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: مهورهن. أباح الله للمسلمين نكاح المهاجرات من دار الحرب إلى دار الإسلام، وإن كان لهن أزواج كفار في دار الحرب؛ لأن الإسلام فرق بينهن، وبين أزواجهن الكفار، ووقعت الفرقة بانقضاء عدتها، فإن أسلم الزوج قبل انقضاء عدتها؛ فهي زوجته، وبه قال الأوزاعي، والليث بن سعد، ومالك، والشافعي، وأحمد. وقال أبو حنيفة تقع الفرقة باختلاف الدارين. انتهى. خازن. فإن أسلمت قبل الدخول بها بطل النكاح في الحال، ولها التزوج من غير عدة تعتدها. ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ:﴾ جمع عصمة، والعصمة: عقد النكاح، وكل ما عصم به الشيء، فهو عصام، وعصمة، و ﴿الْكَوافِرِ﴾ جمع: كافرة، كضوارب في ضاربة. فقد نهى الله عن المقام على نكاح المشركات، والمعنى: من كانت له امرأة كافرة بمكة؛ فلا يعتدها، فقد انقطعت عصمة الزوجية بينهما. قال الزهري: لما نزلت هذه الاية طلق عمر بن الخطاب-﵁-امرأتين له كانتا بمكة مشركتين: قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة، فتزوجها معاوية بن أبي

стр. 6544

سفيان، وهما على شركهما في مكة، والأخرى: أم كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعية، وهي أم ابنه عبيد الله، فتزوجها أبو جهم بن حذافة بن غنم، وهما على شركهما، فلما ولي عمر-﵁-الخلافة قال أبو سفيان لمعاوية: طلق قريبة لئلا يرى عمر سلبه في بيتك، فأبى معاوية من ذلك. وكانت أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب تحت طلحة بن عبيد الله، فهاجر طلحة-﵁-وبقيت على دين قومها، ففرق الإسلام بينهما، فتزوجها بعده في الإسلام خالد بن سعيد بن العاص بن أمية. قال الشعبي: وكانت زينب بنت رسول الله ﷺ امرأة أبي العاص بن الربيع، فأسلمت وهاجرت، ولحقت بالنبي ﷺ ، وأقام أبو العاص بمكة مشركا، ثم أتى المدينة، فأمنته-﵂-ثم أسلم، فردها عليه النبي ﷺ . قيل: ردت إليه بعد سنتين. وقيل بعد ست سنين، وهو ابن أخت خديجة-﵂. وهذا الحكم يقع بين الزوجين إذا ارتد أحدهما عن الإسلام، فإن رجع المرتد إلى الإسلام قبل انقضاء عدة المرأة، فالنكاح يبقى بينهما، وإن ارتد أحدهما قبل الدخول تقع الفرقة في الحال؛ إذ لا عدة على غير المدخول بها؛ وإن كانا في دار واحدة. ﴿وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا﴾ قال المفسرون: كان من ذهب من المسلمات مرتدات إلى الكفار من أهل العهد، يقال للكفار: هاتوا مهرها، ويقال للمسلمين إذا جاء أحد من الكافرات مسلمة مهاجرة: ردوا إلى الكفار مهرها، وكان ذلك نصفا، وعدلا بين الحالتين، وكان هذا حكم الله مخصوصا بذلك الزمان في تلك النازلة خاصة بإجماع الأمة. قاله ابن العربي، أقول: وهذا يعني: أن هذا الحكم منسوخ. قال النسفي-رحمه الله تعالى-: وهو منسوخ، فلم يبق سؤال المهر لا منا، ولا منهم. انتهى. ﴿ذلِكُمْ حُكْمُ اللهِ﴾ أي: جميع ما ذكر في هذه الاية هو حكم الله لا اعتراض عليه. ﴿يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ:﴾ فيجب عليكم الرضا به، والانصياع له، وقد انصاع له المؤمنون، وأباه الكافرون، كما ستقف عليه في الاية التالية. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ:﴾ بمصالح العباد. ﴿حَكِيمٌ:﴾ في تشريعه لهم، لا يشرع إلا ما تقتضيه الحكمة البالغة. والله أعلم بمراده. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الاية رقم [١]. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿جاءَكُمُ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعول به. ﴿الْمُؤْمِناتُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿مُهاجِراتٍ:﴾ حال من ﴿الْمُؤْمِناتُ﴾ منصوب وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. هذا؛ و ﴿الْمُؤْمِناتُ﴾ صفة لموصوف محذوف، التقدير: النساء المؤمنات. ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا﴾. (امتحنوهنّ): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والنون في الجميع

стр. 6545

حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره. ﴿بِإِيمانِهِنَّ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معترضة، لا محل لها. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف عطف، أو استئناف، (إن): حرف شرط جازم. ﴿عَلِمْتُمُوهُنَّ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعوله الأول. ﴿الْمُؤْمِناتُ:﴾ مفعوله الثاني، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): ناهية. ﴿تَرْجِعُوهُنَّ:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿إِلَى الْكُفّارِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (إن) ومدخولها كلام لا محل له على الوجهين المعتبرين بالفاء. ﴿فَلا:﴾ نافية. ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿حِلٌّ:﴾ خبره. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿حِلٌّ،﴾ والجملة الاسمية تعليل للنهي لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿لَهُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿يَحِلُّونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿لَهُنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَآتُوهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (آتوهم): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله الأول. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿أَنْفَقُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: آتوهم الذي، أو شيئا أنفقوه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة جواب الشرط. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف استئناف. (لا): نافية للجنس تعمل عمل (إنّ). ﴿جُناحَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (لا)، ولا يجوز تعليقهما ب: ﴿جُناحَ؛﴾ لأنه يصير شبيها بالمضاف، فيجب حينئذ نصبه، وتنوينه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن»، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والمصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في نكاحهن، والجار والمجرور متعلقان بالخبر المحذوف. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرد عن الشرطية مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ﴾ بلا فارق، والجملة الفعلية هنا في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها.

стр. 6546

﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. ﴿تُمْسِكُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿بِعِصَمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهو مضاف، و ﴿الْكَوافِرِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَسْئَلُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (اسألوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: اسألوا الذي، أو شيئا أنفقتموه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَلْيَسْئَلُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (ليسألوا): مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿ما أَنْفَقُوا:﴾ انظر مثله، وجملة: ﴿وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا:﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿حُكْمُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿اللهُ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يَحْكُمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من: ﴿حُكْمُ اللهِ،﴾ والرابط محذوف، التقدير: يحكم الله به. هكذا قدر بعضهم الضمير. هذا؛ وأرى صحة مجيء الحال من لفظ الجلالة؛ لأن المضاف كجزئه، وخذ قول ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] ولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله أو كان جزأ ماله أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا ﴿وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)﴾ الشرح: روى الزهري عن عروة بن الزبير، عن عائشة-﵂-قالت: حكم الله بين المسلمين، وبين الكافرين، فقال جل ثناؤه: ﴿وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا﴾ فكتب إليهم المسلمون: قد حكم الله بيننا وبينكم بأنه إن جاءتكم امرأة منا أن توجهوا إلينا بصداقها، وإن جاءتنا امرأة منكم وجهنا إليكم بصداقها. فكتبوا إليهم: أما نحن فلا نعلم لكم عندنا شيئا، فإن كان لنا عندكم شيء فوجهوا به إلينا، فأنزل الله : ﴿وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ..﴾. إلخ انتهى. قرطبي. ﴿وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفّارِ﴾ أي: وإن فرت زوجة أحد من المسلمين، ولحقت بالكفار. ﴿فَعاقَبْتُمْ:﴾ معناه: غزوتم، فغنمتم، وأصبتم من الكفار عقبى، وهي الغنيمة. وقيل:

стр. 6547

معناه ظهرتم، وكانت العاقبة لكم. ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ:﴾ إلى الكفار. ﴿مِثْلَ ما أَنْفَقُوا:﴾ معناه أعطوا الذين ذهبت أزواجهم منكم إلى الكفار مرتدات مثل ما أنفقوا عليها من الغنائم؛ التي صارت في أيديكم من أموال الكفار. قال ابن عباس-﵄: لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ست نسوة: أم الحكم بنت أبي سفيان، وكانت تحت عياض بن أبي شداد الفهري. وفاطمة بنت أبي أمية بن المغيرة، أخت أم سلمة، وكانت تحت عمر بن الخطاب-﵁. فلما أراد عمر أن يهاجر بها أبت، وارتدت. وبروع بنت عقبة، وكانت تحت شماس بن عثمان. وعبدة بنت عبد العزى بن نضلة، وتزوجها عمرو بن عبد ود. وهند بنت أبي جهل بن هشام، وكانت تحت هشام بن العاص بن وائل، وأم كلثوم بنت جرول، وكانت تحت عمر بن الخطاب-﵁. فكلهن رجعن عن الإسلام، فأعطى رسول الله ﷺ أزواجهن مهور نسائهم من الغنائم؛ التي امتن بها على المؤمنين الصادقين فيما بعد. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ أي: راقبوا الله في جميع أقوالكم، وجميع أفعالكم، واحذروا عذابه، وانتقامه إن خالفتم أوامره، وعصيتموه. ﴿الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ أي: الذي آمنتم بوجوده، واعترفتم بقدرته، وعظمته، فإن من مستلزمات الإيمان تقوى الرحمن، وامتثال أمره، واجتناب نهيه. هذا؛ وذكر القرطبي-رحمه الله تعالى-: أن النساء المرتدات، اللاتي لحقن بالمشركين، لم يكن منهن قرشية غير أم الحكم بنت أبي سفيان، ثم عادت إلى الإسلام، وانظر اللاتي لحقن بالمسلمين في الاية السابقة. الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿فاتَكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والكاف مفعول به. ﴿شَيْءٌ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مِنْ أَزْواجِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة ﴿شَيْءٌ،﴾ التقدير: وإن فاتكم شيء من مهور أزواجكم. ﴿إِلَى الْكُفّارِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿فاتَكُمْ﴾. وقيل: متعلقان بمحذوف حال. ﴿فَعاقَبْتُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (عاقبتم): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَآتُوا:﴾ (الفاء): واقعة في جواب الشرط. (آتوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول، والجملة بعده صلته، ﴿مِثْلَ:﴾ مفعول به ثان، و ﴿مِثْلَ:﴾ مضاف، و ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْفَقُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والجملة الفعلية صلة ما، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: مثل الذي، أو مثل شيء أنفقوه، وجملة: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ:﴾ معطوفة على جملة جواب الشرط. ﴿الَّذِي:﴾ اسم

стр. 6548

موصول مبني على السكون في محل نصب صفة لفظ الجلالة، أو بدل منه. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُؤْمِنُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاِسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ..﴾. إلخ: لمّا فتح رسول الله ﷺ مكة؛ جاء نساء أهل مكة يبايعنه على الإسلام، كما بايعه الرجال، وكان على الصفا، وعمر بن الخطاب أسفل منه يبلغهن عنه، وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متنقبة متنكرة مع النساء خوفا من رسول الله ﷺ أن يعرفها، وكانت قد شقت بطن الحمزة-﵁-يوم أحد، وقد نزلت الاية الكريمة التي نحن بصدد شرحها. هذا؛ ويقرأ بالهمز: «(يا أيها النبيء)» ومعناه: يا أيها المخبر عنا، المأمون على أسرارنا، المبلغ خطابنا إلى أحبابنا، وإنما لم يقل: يا محمد، كما قال: يا آدم، يا نوح، يا موسى... إلخ، تشريفا له، وتنويها بفضله، وتصريحه باسمه في قوله جل ذكره: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ﴾ الاية الأخيرة من سورة (الفتح) ونحوها، لتعليم الناس بأنه رسول الله. انتهى. نسفي في غير هذا الموضع، وينبغي أن تعلم: أن الله لم يناد نبيه ﷺ بلفظ الرسول إلا في سورة (المائدة) رقم [٤١ و ٦٧]. فقال رسول الله: أبايعهنّ ﴿عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً﴾. فرفعت هند رأسها، وقالت: والله إنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيناك أخذته على الرجال-وكان قد بايع الرجال يومئذ على الإسلام، والجهاد فقط-فقال النبي ﷺ : ﴿وَلا يَسْرِقْنَ﴾ فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح، وإني أصيب من ماله قوتا، فلا أدري أيحل لي أم لا؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر فهو حلال، فضحك النبي ﷺ ، وعرفها، وقال لها: «وإنك لهند بنت عتبة؟». قالت: نعم فاعف عما سلف عفا الله عنك، والمحفوظ أن النبي ﷺ قال لها حين قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح: «خذي ما يكفيك وبنيك بالمعروف». فقال النبي ﷺ : ﴿وَلا يَزْنِينَ﴾ فقالت هند: أو تزني الحرة؟ فهذا استنكار منها أن تزني المرأة الشريفة؛ لأن الزنى لا تفعله إلا الدنيئة الخبيثة المعدن كالعبدة ونحوها. فلا حول ولا قوة إلا بالله! فقال النبي ﷺ : ﴿وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ فقالت هند: ربيناهم صغارا، وقتلتموهم كبارا، فأنتم وهم أعلم، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدر كافرا، وكان بكرها، فضحك عمر ﵁-حتى استلقى، وتبسم رسول الله ﷺ .

стр. 6549

ثم قال النبي ﷺ : ﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾. فقالت هند: والله إن البهتان لقبيح، وما تأمرنا إلا بالرشد، ومكارم الأخلاق. هذا؛ وقيل: كنى بالبهتان المفترى عن اللقيط، وهي من لطائف الكنايات، وهذا قول الجمهور، فقد كانت المرأة تلتقط ولدا، فتلحقه بزوجها، وتقول: هذا ولدي منك. فكان هذا من البهتان والافتراء، فقد كنى بما بين يديها ورجليها عن الولد؛ لأن بطنها الذي تحمل فيه الولد بين يديها، وفرجها الذي تلد منه بين رجليها، وهذا عام في الإتيان بولد وإلحاقه بالزوج وإن سبق النهي عن الزنى. ثم قال ﷺ : ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قالت هند: ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء. فأقر النسوة بما أخذ عليهن من البيعة. قال ابن الجوزي: وجملة من أحصي من المبايعات أربعمئة وسبعة وخمسون امرأة، ولم يصافح في البيعة امرأة، وإنما بايعهن بالكلام. عن عائشة-﵂-قالت: كان رسول الله ﷺ يبايع النساء بالكلام بهذه الاية على أن لا يشركن بالله شيئا، وما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة لا يملكها. هذا؛ ومعنى: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ أي: في كل ما تأمرهن به، أو تنهاهن عنه. وقيل: في كل أمر وافق طاعة، وكل أمر فيه رشد. وقيل: هو النهي عن النوح، والدعاء بالويل، وتمزيق الثياب، وقص الشعر، ونتفه، وخمش الوجه، وأن لا تحدّث المرأة الرجال الأجانب، وأن لا تخلو برجل غير ذي محرم، ولا تسافر مع غير ذي محرم. قال ابن عباس-﵄-في قوله: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ إنما هو شرط شرطه الله على النساء. وأخرجه البخاري. ﴿فَبايِعْهُنَّ﴾ يعني: إذا بايعنك على هذه الشروط؛ فبايعهن. ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ﴾ أي: اطلب من الله أن يغفر لهن ما سلف من ذنوبهن، وأهم، وأعظم هذه الذنوب الشرك. وما فعلته هند بالحمزة-﵁-من عظائم الإثم. ومع هذا كله فقد أمر الله نبيه أن يعفو عنهن، ويتجاوز عن سيئاتهن، بل وأمره أن يستغفر لهن، ويلتمس من الله العفو عنهن، والمغفرة لذنوبهن، وما ذاك إلا؛ لأن الإسلام يجبّ ما قبله، فعن أميمة بنت أخت السيدة خديجة، وبنت خالة فاطمة الزهراء-﵅. قالت: بايعت رسول الله ﷺ في نسوة، فقال: «فيما استطعتنّ، وأطعتنّ». قلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا. قلنا: يا رسول الله! ألا تصافحنا؟ قال: «إنّي لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأة واحدة قولي لمئة امرأة». أخرجه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وعن سلمى بنت قيس، وكانت إحدى خالات رسول الله، وقد صلت معه إلى القبلتين. قالت: جئت رسول الله ﷺ نبايعه في نسوة من الأنصار، فلما شرط علينا ألا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف؛ قال: «ولا تغششن أزواجكن». قالت: فبايعناه، ثم انصرفنا، فقلت لامرأة منهن: ارجعي، فسلي رسول الله ﷺ : ما غشّ أزواجنا؟ قال: فسألته، فقال: «تأخذ ماله فتحابي به غيره». أخرجه الإمام أحمد.

стр. 6550

وعن أم عطية-﵂-قالت: بايعنا رسول الله ﷺ فقرأ علينا ﴿أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً﴾ ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة منّا يدها، فقالت: فلانة أسعدتني، فأريد أن أجزيها، فما قال لها رسول الله ﷺ شيئا، فانطلقت، ورجعت فبايعها، فما وفى منهن امرأة غيرها، وغير أم سليم ابنة ملحان. أخرجه البخاري، ومسلم، أما مبايعة الرجال؛ فخذها مما يلي: فعن عبادة بن الصامت-﵁-قال: أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النساء: «ألاّ تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا يعضه بعضكم بعضا، ولا تعصوا في معروف أمركم به». ثم قال ﷺ : «فمن وفى منكم؛ فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا، فعوقب؛ فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا، فستره الله، فهو إلى الله، إن شاء عذّبه، وإن شاء غفر له منها». رواه البخاري. هذا؛ ومعنى: (يعضه): يسحر، والعضه: السحر. قال القرطبي ﵀: ذكر الله- -ورسوله ﷺ في صفة البيعة خصالا شتى، صرح فيهن بأركان النهي في الدين، ولم يذكر أركان الإيمان، وهي ستة أيضا: الشهادة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحجّ، والاغتسال من الجنابة، وذلك؛ لأن النهي دائم في كل الأزمان وكل الأحوال، فكان التنبيه على اشتراط الدائم آكد. وقيل: إن هذه المناهي كان في النساء كثير من يرتكبها، ولا يحجزهن عنها شرف النسب، فخصّت بالذكر لهذا. تنبيه: كان قتل الأولاد فاشيا في الجاهلية، لذا فقد نهى الله عنه في كثير من الايات، ولكن هذا القتل هل كان يقتصر على البنات، أو يتعدى إلى الذكور؟ المعروف: أن عامتهم كانوا يكرهون البنات، وأن الكثير منهم كانوا يئدون البنات؛ حتى نتج عن ذلك نقص في الإناث في بعض القبائل العربية، ولذا اضطر الواحد منهم إلى التزوج من قبيلة أخرى بمهر كثير، وأما قتل الذكور، فكان قليلا جدا، وكان لا يقع إلا في حالات شدة المعيشة، والفقر الشديد؛ لأنهم كانوا يتكثرون بالذكور، ويعتزون بهم، كما هو معروف، ومشهور. هذا؛ ويكثر السؤال في هذه الأيام عن منع الحمل، بل، وعن إسقاط الجنين باستعمال بعض العقاقير. والجواب يكون بعونه تعالى كما يلي: منع الحمل إذا كان على اتفاق بين الزوجين قبل العلوق، ولسبب من الأسباب، كضعف الزوجة، وعجزها عن القيام بخدمة الأولاد، فهو من المباحات؛ التي لا حرج فيها، وأما إذا كان هربا من نفقات الأولاد، وتكاليف الحياة، فهو مكروه كراهة شديدة، فإن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وهو يدخل تحت قول الرسول ﷺ : «العزل هو الوأد الخفيّ». وإسقاط الجنين بعد التخلق مكروه كراهة شديدة، ما لم يكن هناك خطر على المرأة، كما يحدث في بعض الحالات، فهو من المباحات، أما إسقاطه بعد نفخ الروح؛ فهو قتل نفس، ويدخل تحت الوعيد الشديد؛ الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ..﴾. إلخ الاية رقم [٩٣] من سورة (النساء) ما لم تكن هناك ضرورة شديدة تدعو لإسقاطه، والله أعلم.
следующие страницы →