Полный текст (7 463 стр.). Показаны 6546–6585 · переход к 6551.
стр. 6546
﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. ﴿تُمْسِكُوا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿بِعِصَمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهو مضاف، و ﴿الْكَوافِرِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَسْئَلُوا:﴾
الواو: حرف عطف. (اسألوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: اسألوا الذي، أو شيئا أنفقتموه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَلْيَسْئَلُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (ليسألوا): مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿ما أَنْفَقُوا:﴾ انظر مثله، وجملة: ﴿وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا:﴾ معطوفة على ما قبلها.
﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿حُكْمُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿اللهُ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يَحْكُمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من: ﴿حُكْمُ اللهِ،﴾ والرابط محذوف، التقدير: يحكم الله به. هكذا قدر بعضهم الضمير. هذا؛ وأرى صحة مجيء الحال من لفظ الجلالة؛ لأن المضاف كجزئه، وخذ قول ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] ولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله
أو كان جزأ ماله أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا
﴿وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)﴾
الشرح: روى الزهري عن عروة بن الزبير، عن عائشة-﵂-قالت: حكم الله بين المسلمين، وبين الكافرين، فقال جل ثناؤه: ﴿وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا﴾ فكتب إليهم المسلمون: قد حكم الله بيننا وبينكم بأنه إن جاءتكم امرأة منا أن توجهوا إلينا بصداقها، وإن جاءتنا امرأة منكم وجهنا إليكم بصداقها. فكتبوا إليهم: أما نحن فلا نعلم لكم عندنا شيئا، فإن كان لنا عندكم شيء فوجهوا به إلينا، فأنزل الله : ﴿وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ..﴾.
إلخ انتهى. قرطبي.
﴿وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفّارِ﴾ أي: وإن فرت زوجة أحد من المسلمين، ولحقت بالكفار. ﴿فَعاقَبْتُمْ:﴾ معناه: غزوتم، فغنمتم، وأصبتم من الكفار عقبى، وهي الغنيمة. وقيل:
стр. 6547
معناه ظهرتم، وكانت العاقبة لكم. ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ:﴾ إلى الكفار. ﴿مِثْلَ ما أَنْفَقُوا:﴾
معناه أعطوا الذين ذهبت أزواجهم منكم إلى الكفار مرتدات مثل ما أنفقوا عليها من الغنائم؛ التي صارت في أيديكم من أموال الكفار.
قال ابن عباس-﵄: لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ست نسوة: أم الحكم بنت أبي سفيان، وكانت تحت عياض بن أبي شداد الفهري. وفاطمة بنت أبي أمية بن المغيرة، أخت أم سلمة، وكانت تحت عمر بن الخطاب-﵁. فلما أراد عمر أن يهاجر بها أبت، وارتدت. وبروع بنت عقبة، وكانت تحت شماس بن عثمان. وعبدة بنت عبد العزى بن نضلة، وتزوجها عمرو بن عبد ود. وهند بنت أبي جهل بن هشام، وكانت تحت هشام بن العاص بن وائل، وأم كلثوم بنت جرول، وكانت تحت عمر بن الخطاب-﵁. فكلهن رجعن عن الإسلام، فأعطى رسول الله ﷺ أزواجهن مهور نسائهم من الغنائم؛ التي امتن بها على المؤمنين الصادقين فيما بعد.
﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ أي: راقبوا الله في جميع أقوالكم، وجميع أفعالكم، واحذروا عذابه، وانتقامه إن خالفتم أوامره، وعصيتموه. ﴿الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ أي: الذي آمنتم بوجوده، واعترفتم بقدرته، وعظمته، فإن من مستلزمات الإيمان تقوى الرحمن، وامتثال أمره، واجتناب نهيه. هذا؛ وذكر القرطبي-رحمه الله تعالى-: أن النساء المرتدات، اللاتي لحقن بالمشركين، لم يكن منهن قرشية غير أم الحكم بنت أبي سفيان، ثم عادت إلى الإسلام، وانظر اللاتي لحقن بالمسلمين في الاية السابقة.
الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿فاتَكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والكاف مفعول به. ﴿شَيْءٌ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مِنْ أَزْواجِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة ﴿شَيْءٌ،﴾ التقدير: وإن فاتكم شيء من مهور أزواجكم. ﴿إِلَى الْكُفّارِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿فاتَكُمْ﴾. وقيل: متعلقان بمحذوف حال.
﴿فَعاقَبْتُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (عاقبتم): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَآتُوا:﴾ (الفاء): واقعة في جواب الشرط. (آتوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول، والجملة بعده صلته، ﴿مِثْلَ:﴾ مفعول به ثان، و ﴿مِثْلَ:﴾ مضاف، و ﴿ما:﴾
اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْفَقُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والجملة الفعلية صلة ما، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: مثل الذي، أو مثل شيء أنفقوه، وجملة: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ:﴾ معطوفة على جملة جواب الشرط. ﴿الَّذِي:﴾ اسم
стр. 6548
موصول مبني على السكون في محل نصب صفة لفظ الجلالة، أو بدل منه. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُؤْمِنُونَ:﴾
خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها.
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاِسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ..﴾. إلخ: لمّا فتح رسول الله ﷺ مكة؛ جاء نساء أهل مكة يبايعنه على الإسلام، كما بايعه الرجال، وكان على الصفا، وعمر بن الخطاب أسفل منه يبلغهن عنه، وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متنقبة متنكرة مع النساء خوفا من رسول الله ﷺ أن يعرفها، وكانت قد شقت بطن الحمزة-﵁-يوم أحد، وقد نزلت الاية الكريمة التي نحن بصدد شرحها.
هذا؛ ويقرأ بالهمز: «(يا أيها النبيء)» ومعناه: يا أيها المخبر عنا، المأمون على أسرارنا، المبلغ خطابنا إلى أحبابنا، وإنما لم يقل: يا محمد، كما قال: يا آدم، يا نوح، يا موسى... إلخ، تشريفا له، وتنويها بفضله، وتصريحه باسمه في قوله جل ذكره: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ﴾ الاية الأخيرة من سورة (الفتح) ونحوها، لتعليم الناس بأنه رسول الله. انتهى. نسفي في غير هذا الموضع، وينبغي أن تعلم: أن الله لم يناد نبيه ﷺ بلفظ الرسول إلا في سورة (المائدة) رقم [٤١ و ٦٧].
فقال رسول الله: أبايعهنّ ﴿عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً﴾. فرفعت هند رأسها، وقالت: والله إنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيناك أخذته على الرجال-وكان قد بايع الرجال يومئذ على الإسلام، والجهاد فقط-فقال النبي ﷺ : ﴿وَلا يَسْرِقْنَ﴾ فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح، وإني أصيب من ماله قوتا، فلا أدري أيحل لي أم لا؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر فهو حلال، فضحك النبي ﷺ ، وعرفها، وقال لها: «وإنك لهند بنت عتبة؟». قالت:
نعم فاعف عما سلف عفا الله عنك، والمحفوظ أن النبي ﷺ قال لها حين قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح: «خذي ما يكفيك وبنيك بالمعروف».
فقال النبي ﷺ : ﴿وَلا يَزْنِينَ﴾ فقالت هند: أو تزني الحرة؟ فهذا استنكار منها أن تزني المرأة الشريفة؛ لأن الزنى لا تفعله إلا الدنيئة الخبيثة المعدن كالعبدة ونحوها. فلا حول ولا قوة إلا بالله! فقال النبي ﷺ : ﴿وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ فقالت هند: ربيناهم صغارا، وقتلتموهم كبارا، فأنتم وهم أعلم، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدر كافرا، وكان بكرها، فضحك عمر ﵁-حتى استلقى، وتبسم رسول الله ﷺ .
стр. 6549
ثم قال النبي ﷺ : ﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾. فقالت هند: والله إن البهتان لقبيح، وما تأمرنا إلا بالرشد، ومكارم الأخلاق. هذا؛ وقيل: كنى بالبهتان المفترى عن اللقيط، وهي من لطائف الكنايات، وهذا قول الجمهور، فقد كانت المرأة تلتقط ولدا، فتلحقه بزوجها، وتقول: هذا ولدي منك. فكان هذا من البهتان والافتراء، فقد كنى بما بين يديها ورجليها عن الولد؛ لأن بطنها الذي تحمل فيه الولد بين يديها، وفرجها الذي تلد منه بين رجليها، وهذا عام في الإتيان بولد وإلحاقه بالزوج وإن سبق النهي عن الزنى.
ثم قال ﷺ : ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قالت هند: ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء. فأقر النسوة بما أخذ عليهن من البيعة. قال ابن الجوزي: وجملة من أحصي من المبايعات أربعمئة وسبعة وخمسون امرأة، ولم يصافح في البيعة امرأة، وإنما بايعهن بالكلام.
عن عائشة-﵂-قالت: كان رسول الله ﷺ يبايع النساء بالكلام بهذه الاية على أن لا يشركن بالله شيئا، وما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة لا يملكها. هذا؛ ومعنى: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ أي: في كل ما تأمرهن به، أو تنهاهن عنه. وقيل: في كل أمر وافق طاعة، وكل أمر فيه رشد. وقيل: هو النهي عن النوح، والدعاء بالويل، وتمزيق الثياب، وقص الشعر، ونتفه، وخمش الوجه، وأن لا تحدّث المرأة الرجال الأجانب، وأن لا تخلو برجل غير ذي محرم، ولا تسافر مع غير ذي محرم. قال ابن عباس-﵄-في قوله: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ إنما هو شرط شرطه الله على النساء. وأخرجه البخاري.
﴿فَبايِعْهُنَّ﴾ يعني: إذا بايعنك على هذه الشروط؛ فبايعهن. ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ﴾ أي: اطلب من الله أن يغفر لهن ما سلف من ذنوبهن، وأهم، وأعظم هذه الذنوب الشرك. وما فعلته هند بالحمزة-﵁-من عظائم الإثم. ومع هذا كله فقد أمر الله نبيه أن يعفو عنهن، ويتجاوز عن سيئاتهن، بل وأمره أن يستغفر لهن، ويلتمس من الله العفو عنهن، والمغفرة لذنوبهن، وما ذاك إلا؛ لأن الإسلام يجبّ ما قبله، فعن أميمة بنت أخت السيدة خديجة، وبنت خالة فاطمة الزهراء-﵅. قالت: بايعت رسول الله ﷺ في نسوة، فقال: «فيما استطعتنّ، وأطعتنّ». قلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا. قلنا: يا رسول الله! ألا تصافحنا؟ قال: «إنّي لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأة واحدة قولي لمئة امرأة». أخرجه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وعن سلمى بنت قيس، وكانت إحدى خالات رسول الله، وقد صلت معه إلى القبلتين.
قالت: جئت رسول الله ﷺ نبايعه في نسوة من الأنصار، فلما شرط علينا ألا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف؛ قال: «ولا تغششن أزواجكن». قالت: فبايعناه، ثم انصرفنا، فقلت لامرأة منهن:
ارجعي، فسلي رسول الله ﷺ : ما غشّ أزواجنا؟ قال: فسألته، فقال: «تأخذ ماله فتحابي به غيره». أخرجه الإمام أحمد.
стр. 6550
وعن أم عطية-﵂-قالت: بايعنا رسول الله ﷺ فقرأ علينا ﴿أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً﴾ ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة منّا يدها، فقالت: فلانة أسعدتني، فأريد أن أجزيها، فما قال لها رسول الله ﷺ شيئا، فانطلقت، ورجعت فبايعها، فما وفى منهن امرأة غيرها، وغير أم سليم ابنة ملحان. أخرجه البخاري، ومسلم، أما مبايعة الرجال؛ فخذها مما يلي:
فعن عبادة بن الصامت-﵁-قال: أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النساء: «ألاّ تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا يعضه بعضكم بعضا، ولا تعصوا في معروف أمركم به». ثم قال ﷺ : «فمن وفى منكم؛ فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا، فعوقب؛ فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا، فستره الله، فهو إلى الله، إن شاء عذّبه، وإن شاء غفر له منها». رواه البخاري. هذا؛ ومعنى: (يعضه): يسحر، والعضه: السحر.
قال القرطبي ﵀: ذكر الله- -ورسوله ﷺ في صفة البيعة خصالا شتى، صرح فيهن بأركان النهي في الدين، ولم يذكر أركان الإيمان، وهي ستة أيضا: الشهادة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحجّ، والاغتسال من الجنابة، وذلك؛ لأن النهي دائم في كل الأزمان وكل الأحوال، فكان التنبيه على اشتراط الدائم آكد. وقيل: إن هذه المناهي كان في النساء كثير من يرتكبها، ولا يحجزهن عنها شرف النسب، فخصّت بالذكر لهذا.
تنبيه: كان قتل الأولاد فاشيا في الجاهلية، لذا فقد نهى الله عنه في كثير من الايات، ولكن هذا القتل هل كان يقتصر على البنات، أو يتعدى إلى الذكور؟ المعروف: أن عامتهم كانوا يكرهون البنات، وأن الكثير منهم كانوا يئدون البنات؛ حتى نتج عن ذلك نقص في الإناث في بعض القبائل العربية، ولذا اضطر الواحد منهم إلى التزوج من قبيلة أخرى بمهر كثير، وأما قتل الذكور، فكان قليلا جدا، وكان لا يقع إلا في حالات شدة المعيشة، والفقر الشديد؛ لأنهم كانوا يتكثرون بالذكور، ويعتزون بهم، كما هو معروف، ومشهور.
هذا؛ ويكثر السؤال في هذه الأيام عن منع الحمل، بل، وعن إسقاط الجنين باستعمال بعض العقاقير. والجواب يكون بعونه تعالى كما يلي: منع الحمل إذا كان على اتفاق بين الزوجين قبل العلوق، ولسبب من الأسباب، كضعف الزوجة، وعجزها عن القيام بخدمة الأولاد، فهو من المباحات؛ التي لا حرج فيها، وأما إذا كان هربا من نفقات الأولاد، وتكاليف الحياة، فهو مكروه كراهة شديدة، فإن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وهو يدخل تحت قول الرسول ﷺ : «العزل هو الوأد الخفيّ». وإسقاط الجنين بعد التخلق مكروه كراهة شديدة، ما لم يكن هناك خطر على المرأة، كما يحدث في بعض الحالات، فهو من المباحات، أما إسقاطه بعد نفخ الروح؛ فهو قتل نفس، ويدخل تحت الوعيد الشديد؛ الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ..﴾. إلخ الاية رقم [٩٣] من سورة (النساء) ما لم تكن هناك ضرورة شديدة تدعو لإسقاطه، والله أعلم.
стр. 6551
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ:﴾ انظر الاية رقم [١] و [١٠]. ﴿يُبايِعْنَكَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، والنون فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الْمُؤْمِناتُ،﴾ وهي حال مقدرة؛ أي: حال كونهن طالبات للمبايعة. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُشْرِكْنَ:﴾
فعل مضارع مبني على السكون، وهو في محل نصب ب: ﴿أَنْ،﴾ والنون فاعله، و ﴿أَنْ﴾ والفعل ﴿يُشْرِكْنَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بعلى، التقدير: على عدم الشرك، أو عدم شركهن، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بِاللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿شَيْئاً:﴾
مفعول به، أو هو مفعول مطلق. ﴿وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ﴾ هذه الأفعال معطوفة على: ﴿لا يُشْرِكْنَ﴾ فهي مثله في الإعراب، وداخلة معه في التأويل بمصدر. ﴿أَوْلادَهُنَّ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿وَلا يَأْتِينَ:﴾ معطوف على: ﴿أَنْ لا يُشْرِكْنَ﴾. ﴿بِبُهْتانٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿يَفْتَرِينَهُ:﴾ مضارع مبني على السكون، والنون فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة (بهتان)، أو هي في محل نصب حال من نون النسوة في ﴿يَأْتِينَ﴾. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله. وقيل: متعلق بمحذوف حال من الضمير المنصوب. و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿أَيْدِيهِنَّ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿وَأَرْجُلِهِنَّ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَلا يَعْصِينَكَ﴾ معطوف على: ﴿أَنْ لا يُشْرِكْنَ﴾ فهو مثله في إعرابه، وداخل معه في المصدرية بسبب العطف. ﴿فِي مَعْرُوفٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فَبايِعْهُنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا﴾. (بايعهن): فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها، وإذا ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وَاسْتَغْفِرْ:﴾ الواو: حرف عطف. (استغفر): فعل أمر، وفاعله:
أنت، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَرْجُلِهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿بِاللهِ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿بِاللهِ:﴾ اسمها.
﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ خبران ل: ﴿أَنْ،﴾ والجملة الاسمية تعليل للأمر ولا محل لها.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾
الشرح: ينهى الله ﵎ عن موالاة الكافرين في آخر هذه السورة، كما نهى عنها في أولها. قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: اليهود، والنصارى، وسائر الكفار ممن غضب الله عليه، ولعنه، واستحق من الله الطرد، والإبعاد، فكيف توالونهم،
стр. 6552
وتتخذونهم أصدقاء، وأخلاء، وهم قوم مغضوب عليهم؟! وهذا يفيد: أن الاية عامة في جميع الكفار. وقال الحسن البصري: هم اليهود والنصارى. وقال ابن عباس-﵄: هم كفار قريش؛ لأن كل كافر عليه غضب من الله. انتهى. صفوة التفاسير، ومختصر ابن كثير.
وفي القرطبي، والكشاف، والخازن: إن ناسا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود بأخبار المؤمنين، ويواصلونهم، فيصيبون بذلك من ثمارهم، فنهوا عن ذلك. وقال السيوطي في أسباب النزول: كان عبد الله بن عمر، وزيد بن الحارث يوادان رجالا من يهود، فأنزل الله الاية. هذا؛ وقال أحمد محشي الكشاف: قد كان الزمخشري ذكر في قوله تعالى: ﴿وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا﴾ الاية رقم [١٢] من سورة (فاطر): أن آخر الاية استطراد، وهو فن من فنون البيان، مبوب عليه عند أهله، وآية الممتحنة هذه ممكنة أن تكون من هذا الفن جدا، فإنه ذم اليهود، واستطرد ذمهم بذم المشركين على نوع حسن من النسبة، وهذا لا يمكن أن يوجد للفصحاء في الاستطراد أحسن، ولا أمكن منه، ومما صدروا هذا الفن به قول الشاعر: [الطويل] إذا ما اتقى الله الفتى، وأطاعه... فليس به بأس وإن كان من جرم
وقول حسان بن ثابت-﵁-في هجاء الحارث بن هشام، وكان هرب في غزوة بدر الكبرى [الكامل] إن كنت كاذبة الّتي حدّثتني... فنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبّة أن يقاتل دونهم... ونجا برأس طمرّة ولجام
﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ أي: من أن يكون لهم حظ في الاخرة لعنادهم رسول الله ﷺ ، وهم يعلمون: أنه الرسول المنعوت في التوراة. ﴿كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ﴾ أي: كما يئس الكفار المكذبون بالبعث والنشور من أمواتهم أن يعودوا إلى الحياة مرة ثانية بعد أن يموتوا، فقد كانوا يقولون إذا مات لهم قريب، أو صديق: هذا آخر العهد به، ولن يبعث أبدا. وهذا قول ابن عباس، وقتادة، والحسن، وقال مجاهد: معناه: أنهم يئسوا من نعيم الاخرة، كما يئس الكفار الذين هم في القبور من كل خير. والأول أظهر، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا؛ واليأس: القنوط، وقطع الأمل، والطماعية في الشيء. قال تعالى في سورة (يوسف) حكاية عن قول يعقوب لأولاده: ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾. هذا؛ والفعل: ﴿يَيْأَسُ﴾ بياء المضارعة قد يأتي بمعنى:
يعلم، وبه فسر قوله تعالى في سورة (الرعد) رقم [٣١]: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعاً﴾. قال الكلبي: هو بمعنى: أفلم يعلم. وهي لغة النخع. وقيل: هي لغة هوازن.
ويؤيده ما روي: أنّ عليا، وابن عباس، وجماعة من الصحابة والتابعين-رضوان الله عليهم
стр. 6553
أجمعين-قرؤوا أفلم يتبين وهو تفسيره. وإنما استعمل اليأس بمعنى العلم؛ لأنه مسبب عن العلم بأن الميئوس منه لا يكون. وقال الليث، وأبو عبيدة: هو بمعنى: ألم يعلم. واستدلوا لهذه اللغة بقول سحيم بن وثيل اليربوعي، وقال القرطبي: هو لمالك بن عوف النصري: [الطويل] أقول لهم بالشّعب إذ ييسرونني: ... ألم تيأسوا أنّي ابن فارس زهدم
زهدم: اسم فرس سحيم، وقال رباح بن عدي: [الطويل] ألم ييأس الأقوام أنّي أنا ابنه... وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا؟
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً:﴾ انظر الاية رقم [١]. ﴿غَضِبَ:﴾ فعل ماض.
﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿قَوْماً﴾. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿يَئِسُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿قَوْماً،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿مِنَ الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿كَما:﴾ (الكاف):
حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿يَئِسَ الْكُفّارُ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿مِنْ أَصْحابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وأجاز الجمل تعليقهما بمحذوف حال من ﴿الْكُفّارُ،﴾ واعتبر ﴿مِنَ﴾ تبعيضية، وقدر الكلام: كما يئس الكفار حال كونهم بعض أصحاب القبور. و ﴿أَصْحابِ﴾ مضاف، و ﴿الْقُبُورِ﴾ مضاف إليه. هذا؛ و (ما) المصدرية، والفعل ﴿يَئِسَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، التقدير: قد يئسوا من الاخرة يأسا كائنا مثل يأس الكفار. وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم. وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
انتهت سورة (الممتحنة) بحمد الله وتوفيقه شرحا وإعرابا.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 6554
سورة الصّفّ
بسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (الصف) مدنية في قول الجميع فيما ذكره الماوردي. وقيل: إنها مكية. ذكره النحاس عن ابن عباس-﵄. وهي أربع عشرة آية، ومئتان وإحدى وعشرون كلمة، وتسعمئة حرف. انتهى. خازن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾
انظر شرح هذه الاية، وإعرابها في أول سورة (الحديد). هذا؛ وسميت السورة ب: (الصف)؛ أي: صف القتال في الحرب.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢)﴾
الشرح: قيل: سبب نزول الاية وما بعدها ما روي عن عبد الله بن سلام-﵁ قال: قعدنا نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ، فتذاكرنا، فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله؛ لعملناه؟ فأنزل الله الايات. قال عبد الله بن سلام-﵁: فقرأها علينا رسول الله ﷺ . أخرجه الترمذي. وقال المفسرون: إن المؤمنين قالوا: لو علمنا أحب الأعمال إلى الله لعملناه، ولبذلنا فيها أموالنا، وأنفسنا، فأنزل الله : ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ وأنزل الله: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ..﴾. إلخ رقم [١٠] الاتية، فابتلوا يوم أحد، فولّوا مدبرين، وكرهوا الموت، وأحبوا الحياة، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ..﴾.
إلخ وهذا يفيد: أن صدر السورة الكريمة متأخر في النزول عن الايات المذكورة.
وقيل: لما أخبر الله تعالى رسول الله ﷺ بثواب أهل بدر؛ قالت الصحابة: لئن لقينا قتالا؛ لنفرغنّ فيه وسعنا! ففروا يوم أحد، فعيرهم الله بهذه الاية. وقيل: نزلت في شأن القتال، كان الرجل يقول: قاتلت، ولم يقاتل، وأطعمت، ولم يطعم، وضربت، ولم يضرب، فنزلت هذه الاية. وقال صهيب-﵁: كان رجل قد آذى المسلمين يوم بدر، وأنكاهم، فقتلته، فقال رجل: يا نبي الله إني قتلت فلانا! ففرح النبي ﷺ بذلك، فقال عمر، وعبد الرحمن بن عوف-﵄: يا صهيب! أما أخبرت رسول الله ﷺ : أنك قتلت فلانا، فإن فلانا
стр. 6555
انتحل قتله! فأخبره: فقال: «أكذلك يا أبا يحيى؟!». قال: نعم، والله يا رسول الله! فأنزل الله الاية في المنتحل. وقال ابن زيد-رحمه الله تعالى-: نزلت في المنافقين، كانوا يقولون للنبي ﷺ وأصحابه: إن خرجتم، وقاتلتم؛ خرجنا معكم، وقاتلنا. فلما خرجوا؛ نكصوا عنهم، وتخلفوا، وهذا حصل منهم في غزوة أحد، وفي غزوة تبوك، وغيرهما. هذا فيكون نداؤهم بالإيمان على زعمهم، وادعائهم.
هذا؛ وقد حكى الله عنهم مثل ذلك في سورة (النساء) بقوله: ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ﴾ رقم [٧٧]، وأيضا قوله تعالى في سورة محمد ﷺ : ﴿فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ رقم [٢٠].
﴿لِمَ:﴾ كلمة مؤلفة من حرف، واسم، فالحرف: اللام الجارة، والاسم: (ما) الاستفهامية، وقد حذفت ألفها، كما تحذف مع كل جار، نحو قوله تعالى في سورة (النازعات):
﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها﴾ وقوله في سورة (الحجر) رقم [٥٤]: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ،﴾ وقوله في سورة (النبأ): ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ،﴾ وكما في الاية التي نحن بصدد شرحها، والاية رقم [٥] الاتية، وذلك للفرق بين الموصولة، والاستفهامية. ويقال: للفرق بين الخبر، والاستخبار، ومن شواهدها الشعرية قول الكميت-وهو الشاهد رقم [٥٥٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، إعراب شواهد مغني اللبيب-: [الطويل] فتلك ولاة السّوء قد طال مكثهم... فحتّام حتّام العناء المطوّل؟
وأيضا قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي المذحجي-﵁-وهو الشاهد [٢٥٠] من الكتاب المذكور: [الطويل] علام تقول الرمح يثقل عاتقي... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرّت؟
هذا؛ وقد ثبتت ألفها مع دخول الجار عليها في ضرورة الشعر، ومنه قول حسان بن ثابت-﵁-يهجو به رجلا من بني مخزوم، وهو الشاهد رقم [٥٥٦] من الكتاب المذكور: [الوافر] على ما قام يشتمني لئيم... كخنزير تمرّغ في دمان؟
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، و (ها) حرف تنبيه لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يجوز اعتبار الهاء ضميرا في محل جر بالإضافة؛ لأنه حينئذ يجب نصب المنادى. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدلا من لفظ (أيها). ﴿آمَنُوا:﴾
فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع المتعلق
стр. 6556
المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لِمَ:﴾ (اللام): حرف جر. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل جر باللام، والسكون هو الألف المحذوفة كما رأيت في الشرح، والجار والمجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿تَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: تقولون الذي، أو شيئا لا تفعلونه.
﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣)﴾
الشرح: ﴿كَبُرَ مَقْتاً:﴾ عظم مقتا عند الله قولكم الذي لا تفعلونه، والفعل ﴿كَبُرَ﴾ محول إلى صيغة فعل بضم العين التي هي للذم هنا، وتكون للمدح أيضا، كقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ إذ كل فعل ثلاثي متصرف يمكن تحويله إلى صيغة فعل للذم، أو للمدح. وفي الكشاف:
قصد في ﴿كَبُرَ﴾ التعجب من غير لفظه، ومعنى التعجب: تعظيم الأمر في قلوب السامعين؛ لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره، وأشكاله. ونصب ﴿مَقْتاً﴾ على التمييز دلالة على أن قولهم ما لا يفعلون مقت خالص، لا شوب فيه؛ لفرط تمكن المقت منه، واختير لفظ (المقت) لأنه أشد البغض، وأبلغه، ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ أبلغ من ذلك؛ لأنه إذا ثبت كبر مقته عند الله؛ فقد تم كبره، وشدته، وانزاحت عنه الشكوك. هذا؛ وفي سورة (غافر) رقم [٣٥]: ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا،﴾ وفي سورة (الكهف) رقم [٥]: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ﴾.
فعن عبد الله بن عمر-﵄: أن النبي ﷺ قال: «إن الله إذا أراد أن يهلك عبدا؛ نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء؛ لم تلفه إلاّ مقيتا ممقتا، فإذا لم تلفه إلا مقيتا ممقتا؛ نزعت منه الأمانة، فإذا نزعت منه الأمانة؛ لم تلفه إلا خائنا مخوّنا، فإذا لم تلفه إلاّ خائنا مخوّنا؛ نزعت منه الرّحمة، فإذا نزعت منه الرّحمة؛ لم تلفه إلا رجيما ملعنا، فإذا لم تلفه إلا رجيما ملعنا؛ نزعت منه ربقة الإسلام». رواه ابن ماجه، الربقة بكسر الراء وفتحها: واحدة الربق، وهي عرى في حبل تشد به الغنم ونحوها، وتستعار لغيره.
هذا؛ وتفيد الايتان: أنه حصل وعد من المسلمين، وخلف لما وعدوا به، كما رأيت في شرحهما، ثم وقع توبيخ شديد، بل، وتهديد عظيم من الله تعالى لهذا الخلف. لذا فإني أتكلم على هذا بإسهاب هنا، والله الموفق والمعين، فأقول وبالله أستعين: الوعد يستعمل في الخير وفي الشر، فإذا قلت: وعدت فلانا من غير أن تتعرض لذكر الموعود به؛ كان ذلك خيرا، وإذا قلت: أوعدت فلانا من غير ذكر الموعود به؛ كان ذلك شرا، وهو ما في قول طرفة بن العبد من معلقته رقم [١٢٠]: [الطويل]
стр. 6557
وإنّي وإن أوعدته أو وعدته... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
وهذا هو قول الجوهري، وقول كثير من أئمة اللغة، وأما عند ذكر الموعود به، أو الموعد به، فيجوز أن يستعمل (وعد) في الخير وفي الشر، فمن الأول قوله تعالى في سورة (المائدة):
﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ،﴾ ومن الثاني قوله تعالى شأنه، وتعالت حكمته في سورة (الحج) رقم [٧٢]: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ وأنشدوا: [الطويل] إذا وعدت شرّا أتى قبل وقته... وإن وعدت خيرا أراث وعتّما
كما يستعمل (أوعد) فيهما أيضا، كقولك: «أوعدت الرجل خيرا، وأوعدته شرا». هذا؛ والمركّز في الطبائع: أن من مكارم الأخلاق، وجميل العادات: أنك إذا وعدت غيرك أن تنزل به شرا؛ كان الخلف محمدة، وإن وعدته خيرا؛ كان الخلف منقصة، وهذا ما أراده طرفة في بيته المتقدم الذكر.
هذا؛ والثابت عند الأشاعرة: أنه يجوز إخلاف الوعيد في حقه تعالى كرما. وعند الماتريدية لا يجوز. وأما الوعد؛ فلا يجوز الخلف في حقه تعالى اتفاقا. دليل الأشاعرة قول النبي ﷺ :
«من وعده الله على عمل ثوابا؛ فهو منجز له، ومن وعده على عمل عقابا؛ فهو بالخيار إن شاء عذّبه، وإن شاء عفا عنه».
هذا؛ والوفاء بالوعد حلية الأنبياء، وشعار ذوي التقى، والفضل من الأصفياء، ورمز الثقة من ذوي الرأي، والحكمة من العقلاء، وقد أكد الرسول ﷺ أمر العهد، وشدد في طلب الوفاء بالوعد، وبين أن من أخلف الوعد، ونكث العهد؛ فقد خان الله ورسوله، وباع آخرته بدنياه، وخرج عن دينه، ودخل في النفاق. فعن أنس بن مالك-﵁. قال: ما خطبنا رسول الله ﷺ إلا قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له». رواه أحمد، والطبراني.
وعن أبي هريرة-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث؛ إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». رواه البخاري، ومسلم، وزاد مسلم في رواية له: «وإن صلّى وصام، وزعم أنه مسلم». وزاد أبو يعلى من رواية أنس: «وإن صام وصلّى، وحجّ واعتمر، وقال: إني مسلم». وقال الشاعر المسلم: [الطويل] فإن تجمع الافات فالبخل شرّها... وشرّ من البخل المواعيد والمطل
ولا خير في وعد إذا كان كاذبا... ولا خير في قول إذا لم يكن فعل
ومن أحسن ما قيل في تشبيه من يخلف الوعد بمسيلمة الكذاب قول بعضهم: [الطويل] ووعدتني وعدا حسبتك صادقا... فبقيت من طمعي أجيء وأذهب
стр. 6558
فإذا جلست أنا وأنت بمجلس... قالوا مسيلمة وهذا أشعب
وفي الايتين الكريمتين أكبر رادع، وأعظم زاجر للذين يعدون، ولا يفون، ويقولون، ولا يفعلون. ولولا الإطالة عليك؛ لذكرت لك الكثير من الأحاديث النبوية، والشواهد الشعرية.
الإعراب: ﴿كَبُرَ:﴾ فعل ماض. ﴿مَقْتاً:﴾ تمييز. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿مَقْتاً﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له. و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَقُولُوا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ما لا تَفْعَلُونَ﴾ إعرابه مثل إعراب ما قبله.
و ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الفعلية: ﴿كَبُرَ مَقْتاً..﴾.
إلخ في محل رفع خبر مقدم، وعليه ففاعل ﴿كَبُرَ﴾ ضمير يفسره التمييز، ويجوز أن يكون المصدر المؤول في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو قولكم ما لا تفعلون، ويكون فاعل ﴿كَبُرَ﴾ ضميرا مميزا، التقدير: كبر المقت مقتا. وحسن أن تكون جملة: ﴿كَبُرَ مَقْتاً﴾ خبرا مقدما للقول على الوجه الأول؛ لأنه بمعنى الذم، تقديره: قولكم ما لا تفعلون مذموم، وقامت الجملة الفعلية مقامه، كما تقول: زيد نعم رجلا، فترفع زيدا، بالابتداء، وما بعده خبره، وليس فيه ما يعود عليه، لكنه جاز، وحسن؛ لأن معناه المدح، فكأنه قال: زيد الممدوح، وقام «نعم رجلا» مقام: «ممدوح» فافهمه. انتهى. مكي بتصرف كبير مني.
﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ أي: يحب المجاهدين الذين يصفّون أنفسهم عند القتال صفا، ويثبتون في أماكنهم عند لقاء العدو. ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ أي: كأنهم في تراصهم، وثبوتهم في المعركة بناء قد رصّ بعضه إلى بعض، وألصق، وأحكم حتى صار شيئا واحدا. وقال القرطبي: ومعنى الاية: أن الله تعالى يحب من يثبت في الجهاد في سبيل الله، ويلزم مكانه كثبوت البناء. وهذا تعليم من الله تعالى للمؤمنين كيف يكونون عند قتال عدوهم، لتكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر العالي على سائر الأديان. هذا؛ وفي الاية تشبيه مرسل مفصل- ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ -فعن أبي سعيد الخدري-﵁-قال:
قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة يضحك الله إليهم: الرجل يقوم من الليل، والقوم إذا صفّوا للصّلاة، والقوم إذا صفّوا للقتال». أخرجه ابن ماجه، والإمام أحمد، ومعنى ضحكه تعالى شأنه: رحمته ورضوانه، وهذه الاية ترغّب المؤمنين في الجهاد، ومحاربة الكفار. وخذ ما يلي:
فعن سهل بن سعد-﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا، وما عليها، والروحة
стр. 6559
يروحها العبد في سبيل الله، أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها». رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما. وعن أبي أمامة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن صلاة المرابط تعدل خمسمئة صلاة، ونفقة الدينار والدرهم منه أفضل من سبعمئة دينار ينفقه في غيره». رواه البيهقي. وعن عثمان بن عفان-﵁. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «حرس ليلة في سبيل الله، أفضل من ألف ليلة، يقام ليلها، ويصام نهارها». رواه الحاكم. وعن زيد بن خالد الجهني-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من جهّز غازيا في سبيل الله؛ فقد غزا، ومن خلف غازيا في أهله بخير؛ فقد غزا». رواه البخاري ومسلم وغيرهما. هذا؛ وحبذا لو نوى المجند الجهاد في سبيل الله، فيكون كل عمله جهادا؛ حتى يسرح من جنديته.
عن ثوبان-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها». فقال قائل: من قلّة نحن يومئذ يا رسول الله؟! قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل! ولينزعنّ الله من صدور عدوّكم المهابة منكم! وليقذفنّ في قلوبكم الوهن!». قيل: وما الوهن يا رسول الله؟! قال: «حبّ الدنيا، وكراهية الموت». رواه أبو داود، وأحمد، وغيرهما. وعن عبد الله بن عمر-﵄. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم بأذناب البقر، ورضيتم بالزّرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلّط الله عليكم ذلاّ، لا ينزعه عنكم؛ حتى ترجعوا إلى دينكم». رواه أبو داود.
وقد روي من طرق مختلفة: أن النبي ﷺ قال ذات يوم: «ما تعدّون الشهيد فيكم؟». قلنا يا رسول الله: من قتل في سبيل الله. قال: «إنّ شهداء أمتي إذا لقليل! من قتل في سبيل الله فهو شهيد، والمتردّي شهيد، والنفساء شهيد، والغريق شهيد، والسّلّ شهيد، والحريق شهيد، والغريب شهيد». وفي رواية أخرى: «والمبطون شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمطعون شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمع شهيد». ومعنى: «والمرأة تموت بجمع». أي: تموت وفي بطنها ولد. وقيل: التي تموت بكرا. وعن سعيد بن زيد-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد». رواه أبو داود، وغيره.
وعن أبي هريرة-﵁-قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «فلا تعطه مالك». قال: أرأيت إن قاتلني. قال: «قاتله».
قال: أرأيت إن قتلني. قال: «فأنت شهيد». قال: أرأيت إن قتلته. قال: «هو في النّار». رواه مسلم والنسائي.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة،
стр. 6560
لا محل لها على الاعتبارين. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، والجملة بعده صلته، لا محل لها. ﴿فِي سَبِيلِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿صَفًّا:﴾ حال بمعنى: مصطفين، أو صافين، فهو مصدر بمعنى اسم الفاعل، وصاحب الحال: واو الجماعة. ﴿كَأَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿بُنْيانٌ:﴾ خبر (كأن). ﴿مَرْصُوصٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿صَفًّا،﴾ فهي حال متداخلة. وإن اعتبرتها حالا من واو الجماعة، فهي حال متعددة.
﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٥)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ:﴾ لما ذكر الله أمر الجهاد؛ بيّن أن موسى، وعيسى-على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام-أمرا بالتوحيد، وجاهدا في سبيل الله، وحل العقاب بمن خالفهما؛ أي: واذكر لقومك يا محمد هذه القصة. ﴿يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ﴾ أي: لم توصلون الأذى إلي؛ وأنتم تعلمون صدقي فيما جئتكم به من الرسالة؟! وفي هذا تسلية لرسول الله ﷺ فيما أصابه من كفار مكة. هذا؛ وأنواع الإيذاء التي آذى بها بنو إسرائيل موسى كثيرة، لا تعدّ ولا تحصى، منها: قولهم: ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً،﴾ وقولهم: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ وقولهم: ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ،﴾ وقولهم:
﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ وقولهم: (إنّك يا موسى قتلت هارون). ومنها:
ما ذكر في قصة قارون: أنه دس إلى امرأة تدعي على موسى الفجور كما رأيت في سورة (القصص). ومنها: أنهم رموا موسى بالأدرة. انظر ما ذكرته في الاية رقم [٦٩] من سورة (الأحزاب) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
تنبيه: من المشهور عند أهل العربية: أن «قد» تصحب الماضي لتقربه من الحال، وإذا صحبت المضارع، فإنها تفيد التقليل، مثل قولهم: (إن الكذوب قد يصدق) ولكنها هنا جاءت مع المضارع للتكثير؛ أي: لتكثير علمهم؛ أي: تحقيق تأكيده على عكس معناها الأصل في التقليل، وإذا اعتبرت الفعل: ﴿تَعْلَمُونَ﴾ بمعنى علمتم زال الإشكال.
﴿فَلَمّا زاغُوا﴾ أي: مالوا عن الحق وعدلوا عنه. ﴿أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ:﴾ عن الهداية، والتوفيق لصالح الأعمال، وأودع فيها الشك، والحيرة، وعدم الاهتداء. قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٨٦]: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. وقال في سورة (يونس) رقم [١١]: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. وقال تعالى في سورة (النساء) رقم [١١٥]: ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ﴾
стр. 6561
﴿جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً﴾. ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ:﴾ لا يوفقهم إلى طريق الحق والصواب؛ لأنهم مالوا عن طريق الحق والصواب، وظلموا أنفسهم بالمعاصي، والخروج عن طاعة الله، وسبق في علم الله الأزلي: أنهم من أهل النار، ولو تركوا وشأنهم؛ لما اختاروا غير ذلك. وهذا جواب لمن يعترض، ويقول: لماذا لا يهديهم، ولا يوفقهم إلى طريق الحق والصواب. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ (الواو): حرف عطف، أو حرف استئناف. (إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر وقت، أو هو مفعول به لهذا المحذوف، وهو أولى. ﴿قالَ:﴾ ماض. ﴿مُوسى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية مع مقولها في محل جر بإضافة (إذ) إليها.
﴿لِقَوْمِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يا قَوْمِ:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو، أو أنادي. (قوم): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، وحذف الياء هذه إنما هو بالنداء خاصة؛ لأنه لا لبس فيه، ومنهم من يثبت الياء ساكنة، فيقول: (يا قومي)، ومنهم من يثبتها، ويحركها بالفتحة، فيقول: (يا قومي)، ومنهم من يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، فيقول:
(يا قوما)، ومنهم من يحذف الياء بعد قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الميم دليلا عليها، فيقول:
(يا قوم) قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] واجعل منادى صحّ إن يضف ليا... كعبد عبدي عبد عبدا عبديا
ويزاد لغة سادسة، وهو لغة القطع (يا قوم) بضم الميم، ففي الحديث الشريف «يقول العبد:
يا ربّ، يا ربّ». وقرئ في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿(قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ...)﴾ إلخ، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول. ﴿لِمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، وانظر تفصيل إعرابها في الاية رقم [٣]. ﴿تُؤْذُونَنِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَقَدْ:﴾ (الواو): واو الحال.
(قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:
الواو، والضمير. ﴿أَنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿رَسُولُ:﴾ خبر (إنّ)، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿رَسُولُ اللهِ﴾ وأجيز تعليقهما ب: ﴿رَسُولُ؛﴾ لأنه بمعنى مرسول الله. و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محلّ نصب سد مسد مفعولي ﴿تَعْلَمُونَ﴾. هذا؛ وساغ اعتبار الجملة الفعلية في محل
стр. 6562
نصب حال على توجيهين: الأول: على اعتبار الفعل بمعنى الماضي. والثاني: على اعتبار الجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: وأنتم تعلمون... إلخ. وأحد هذين التوجيهين؛ لا يجوز؛ لأن الجملة الفعلية المضارعية الواقعة حالا لا يجوز أن تقترن بالواو. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] وذات بدء بمضارع ثبت... حوت ضميرا ومن الواو خلت
وذات واو بعدها انو مبتدا... له المضارع اجعلنّ مسندا
﴿فَلَمّا:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (لما): انظر الاية رقم [١٦] من سورة (الحشر).
﴿زاغُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، تقديره: زاغوا عن الحق، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا؛ لأنها ابتدائية، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿أَزاغَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهِ:﴾ فاعله.
﴿قُلُوبَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب (لمّا)، لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وَاللهُ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (الله):
مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿الْقَوْمَ:﴾ مفعول به. ﴿الْفاسِقِينَ:﴾ صفة ﴿الْقَوْمَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
﴿وَإِذْ قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي: واذكر يا محمد لقومك هذه القصة أيضا.
ولم يقل: «يا قوم» كما قال موسى-على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام-؛ لأنه لا نسب له فيهم، فيكونون قومه؛ لأنه لا أب له، كما هو معروف، ومشهور، والنسب للأب، لا للأم. فتنبه لهذا، واحفظه فإنه جيد، والحمد لله. ﴿إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ﴾ أي: مرسل إليكم رسولا من قبل الله تعالى بالوصف المذكور في التوراة. ﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ أي: مصدقا، ومعترفا بأحكام التوراة، الموجودة بين يديّ، وكتب الله، وأنبيائه جميعا، ولم آتكم بشيء يخالف التوراة؛ حتى تنفروا عني، وتبتعدوا مني. ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ أي: وجئت لأبشركم ببعثة رسول يأتي من بعدي اسمه: أحمد. قال الالوسي: وهذا الاسم الكريم علم لنبينا محمد ﷺ ، كما قال حسان-﵁: [الكامل]
стр. 6563
صلّى الإله ومن يحفّ بعرشه... والطّيّبون على المبارك أحمد
فعيسى-﵊-هو خاتم أنبياء بني إسرائيل، وقد أقام في ملأ بني إسرائيل مبشرا بمحمد ﷺ ، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين؛ الذي لا رسالة بعده، ولا نبوة، وهو صريح قوله تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٤٠]: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. وما أحسن ما أورد البخاري عن جبير بن مطعم. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ لي أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي؛ الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر؛ الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب». أخرجه البخاري، ومسلم، ومعنى العاقب: الذي لا نبي بعده.
قال ابن عباس-﵄: ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه العهد: لئن بعث محمد، وهو حي ليتبعنّه، وأخذ عليه أن يأخذ على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليتبعنّه وينصرنّه. وقال محمد بن إسحاق عن خالد بن معدان-﵁، عن أصحاب رسول الله ﷺ : أنهم قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك! قال: «أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور، أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام». قال ابن كثير:
إسناده جيد. وعن العرباض بن سارية-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأوّل ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين يرين». أخرجه الإمام أحمد. هذا؛ وبشارة عيسى ﵇ ما ذكر في هذه السورة، أما دعوة إبراهيم ﵇؛ فهي قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٢٩] حكاية عن قول إبراهيم: ﴿رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
وجملة القول: أن الأنبياء-عليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام-لم تزل تصفه، وتذكره في كتبها على أممها، من لدن آدم إلى عيسى ابن مريم، وتأمرهم باتباعه، ونصرته، ومؤازرته إذا بعث، وكان أول ما اشتهر الأمر في أهل الأرض على لسان إبراهيم الخليل والد الأنبياء، والمرسلين جميعا حين دعا لأهل مكة يوم أسكن ابنه إسماعيل فيها، وبنى الكعبة أن يبعث الله فيهم رسولا منهم، وكذا على لسان عيسى، كما رأيت.
﴿فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ أي: فلما جاءهم عيسى بالمعجزات الواضحات من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص، ونحو ذلك من المعجزات الدالة على صدقه في دعوى الرسالة. هذا هو الظاهر أن الضمير يعود إلى عيسى ﵊؛ لأنه المحدث عنه، وهو اختيار البيضاوي، والالوسي، وصاحب البحر المحيط. وقال ابن جريج-رحمه الله تعالى-: بل الضمير يعود إلى ﴿أَحْمَدُ﴾ المبشر به في الأعصار المتقادمة، المنوه بذكره في القرون السالفة.
стр. 6564
﴿قالُوا﴾ أي: لما ظهر أمره، وجاء بالبينات؛ قال الكافرون: ﴿هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. في قراءة حمزة، والكسائي: «(ساحر)» وقد استدل البيضاوي بهذه القراءة على أن المراد به عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
وعن كعب الأحبار: أن الحواريين قالوا لعيسى: يا روح الله! هل بعدنا من أمة؟ قال: نعم أمة أحمد: حكماء، علماء، أبرار، أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضوان باليسير من الرزق، ويرضى الله منهم باليسير من العمل. انتهى. كشاف.
وخذ ما يلي: فعن أبي الدرداء-﵁-قال: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: «إنّ الله قال: يا عيسى! إنّي باعث من بعدك أمّة إن أصابهم ما يحبّون؛ حمدوا الله، وإن أصابهم ما يكرهون؛ احتسبوا، وصبروا، ولا حلم، ولا علم! فقال: يا ربّ كيف يكون هذا؟ قال: أعطيهم من حلمي، وعلمي». رواه الحاكم. وقال: صحيح على شرط البخاري.
هذا؛ والسحر: كل ما لطف ودقّ، يقال: سحره: إذا أبدى له أمرا يدق عليه، ويخفى.
وقال الغزالي-﵀-في الإحياء ما نصه: السحر نوع يستفاد من العلم بخواص الجواهر، وبأمور حسابية في مطالع النجوم، فيتخذ من تلك الخواص هيكل على صورة الشخص المسحور، ويترصد له وقت مخصوص من المطالع، وتقرن به كلمات يتلفظ بها من الكفر، والفحش المخالف للشرع، ويتوصل بسببها إلى الاستغاثة بالشياطين، ويحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء الله العادة أحوال غريبة في الشخص المسحور. انتهى. هذا؛ والمعتمد أنّ من تعلّمه لدفع الضرر عن نفسه، أو عن غيره، أو اتخذه الشخص ذريعة للاتقاء عن الاغترار بمثله بقي على الإيمان، فلا كفر باعتقاد حقيقته، وجواز العمل به من غير إضرار بأحد. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَإِذْ قالَ عِيسَى:﴾ هو مثل الاية السابقة بلا فارق. ﴿اِبْنُ:﴾ صفة ﴿عِيسَى،﴾ أو هو بدل منه، و ﴿اِبْنُ﴾ مضاف، و ﴿مَرْيَمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث المعنوي. ﴿يا بَنِي:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو.
(بني): منادى منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و (بني) مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿رَسُولُ:﴾ خبر (إنّ) وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿رَسُولُ اللهِ﴾ وأجيز تعليقهما ب: ﴿رَسُولُ﴾ نفسه؛ لأنه بمعنى: مرسول الله.
﴿مُصَدِّقاً:﴾ حال من الضمير المستكن في ﴿رَسُولُ اللهِ﴾ لتأويله ب: «مرسل» وهو العامل في الحال بهذا الاعتبار. انتهى. جمل. وقال مكي: حال من (عيسى). ﴿لِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب:
стр. 6565
﴿مُصَدِّقاً﴾ ف: (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر باللام. هذا؛ وقد اعتبر ابن هشام اللام في مغنيه زائدة، وسماها لام التقوية. وعليه ف: (ما) مجرورة لفظا، منصوبة محلا، مثل قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ،﴾ ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ،﴾ ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى،﴾ ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ،﴾ ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ وأورد قول حاتم الطائي. وقيل: قول قيس بن عاصم المنقري-﵁-وهو الشاهد رقم [٣٩٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] إذا ما صنعت الزّاد فالتمسي له... أكيلا فإني لست آكله وحدي
﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما)، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿يَدَيَّ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ التَّوْراةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستقر في الظرف، و ﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في الموصول. ﴿وَمُبَشِّراً:﴾ معطوف على ﴿مُصَدِّقاً﴾. ﴿بِرَسُولٍ:﴾
متعلقان ب: (مبشرا). ﴿يَأْتِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (رسول)، والجملة الفعلية في محل جر صفة (رسول). ﴿مِنْ بَعْدِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿اِسْمُهُ:﴾ مبتدأ. ﴿أَحْمَدُ:﴾
خبره، أو هو مبتدأ مؤخر، واسمه خبر مقدم، والجملة الاسمية في محل جر صفة ثانية ل: (رسول)، أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿فَلَمّا:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (لمّا): انظر الاية رقم [١٦] من سورة (الحشر). ﴿جاءَهُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿عِيسَى،﴾ أو إلى (رسول) انظر الشرح، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا؛ لأنها ابتدائية، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها، على اعتبارها ظرفا.
﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، أو هما متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قالُوا:﴾
فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿سِحْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة ﴿سِحْرٌ﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا هذا..﴾. إلخ جواب (لما)، لا محل لها، و (لما) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٧)﴾
الشرح: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ..﴾. إلخ: أي: لا أحد أظلم، وأفسد، وأشقى ممن يدعى إلى الإسلام الظاهر حقيته المقتضي له خير الدارين، فيضع موضع إجابته الافتراء على الله بتكذيب رسوله،
стр. 6566
وتسمية آياته سحرا. فإنه يعم إثبات المنفي، ونفي الثابت. وقرئ: «(يدّعي)» اي ينتسب. يقال:
دعاه وادّعاه، كلمسه، والتمسه. انتهى. هذا؛ والإسلام: الاستسلام، والخضوع، والانقياد لأوامر الله تعالى مع تنزيه الله عن الولد، والوالد، والصاحبة. وكله مضمون التوحيد، وفحواه؛ الذي جاء به الرسل جميعا، ولذلك قال الرسول ﷺ «الأنبياء بنو علاّت». وبنو العلات أولاد الضرائر، وأبوهم واحد، يقصد النبي ﷺ : أن الأنبياء جميعا جاؤوا بالتوحيد، وإن اختلفت الأحكام، والتكاليف الإلهية، ولذلك نطق الأنبياء بالإسلام، ومعناه: التوحيد. وخذ ما يلي:
فإبراهيم، وإسماعيل-﵉-قالا: ﴿رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾. سورة (البقرة) رقم [١٢٨]. وقال يوسف-﵇-سائلا ربه بقوله: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ سورة (يوسف) رقم [١٠١]. ومن قول سليمان ﵇: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ سورة (النمل) رقم [٤٢]. وبلقيس قالت: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ سورة (النمل) رقم [٤٤]. وغير ذلك كثير.
الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم استفهام مفيد للنفي، مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿مِمَّنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَظْلَمُ﴾ و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من). ﴿اِفْتَرى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، أو الرابط. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْكَذِبَ:﴾
مفعول به، والجملة الفعلية صلة (من)، أو صفتها. ﴿وَهُوَ:﴾ (الواو): واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يُدْعى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل يعود إلى: الظالم. ﴿إِلَى الْإِسْلامِ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل ﴿اِفْتَرى﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ انظر إعراب مثلها في الاية رقم [٥]: ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾.
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨)﴾
الشرح: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ﴾ أي: يريد الكفار إبطال نور الله، وهو القرآن الكريم، أو الإسلام، أو المراد: حجج الله ودلائله. هذا؛ والإطفاء هو: الإخماد، يستعملان في النار، ويستعملان فيما يجري مجراها من الضياء، والظهور، ويفترقان من وجه، وهو: أن الإطفاء يستعمل في القليل، والكثير، والإخماد لا يستعمل إلا في الكثير، فيقال: اطفأت السراج. ولا يقال: أخمدت السراج، والاستعارة واضحة، حيث استعار نور الله لدينه، وشرعه الواضح،
стр. 6567
وشبه من أراد إبطال هذا الدين بمن أراد إطفاء الشمس بفمه الحقير، على طريق الاستعارة التمثيلية. وهذا من لطيف الاستعارات.
﴿بِأَفْواهِهِمْ:﴾ جمع: فوه على الأصل؛ لأن الأصل في فم: فوه، مثل: حوض، وأحواض، والمراد الكلام الذي يخرج من أفواههم، كطعن في الإسلام، وطعن في القرآن، وطعن في النبي ﷺ . قال الفخر الرازي: وإطفاء نور الله تعالى تهكم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام بقولهم في القرآن: إنه سحر، إنه كهانة، شبهت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه، وفيه تهكم وسخرية بهم.
﴿وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ أي: والله مظهر لدينه بنشره في الافاق، وإعلائه على جميع الأديان، والمراد: أن هذا الدين سينتشر في مشارق الأرض، ومغاربها، وهو فحوى قول النبي ﷺ : «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها، ومغاربها، وإنّ ملك أمّتي سيبلغ ما زوي لي منها». ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ أي: ولو كره ذلك أعداء الله المشركون بالله وغيرهم، فإن الله سيعز شأن هذا الدين رغم أنف الكافرين. قال زاده: كان كفار مكة يكرهون هذا الدين الحق من أجل توغلهم في الشرك، والضلال، فكان المناسب إذلالهم، وإرغامهم بإظهار ما يكرهون من الحق، وليس المراد من إظهاره ألا يبقى في العالم من يكفر بهذا الدين، بل المراد أن يكون أهله عالين غالبين على سائر الأديان بالحجة، والبرهان، والسيف، واللسان إلى آخر الزمان. انتهى. صفوة التفاسير. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (التوبة) رقم [٣٢]: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ أي: كرهوا الإسلام، وإعلاء كلمته، وقد كان ذلك يوم اختار الله، وهيأ لهذا الدين من حمل لواءه، وبذلوا ما بذلوا حتى سطح نوره، وعم ربوع الدنيا، والتاريخ شاهد صدق على ذلك.
الإعراب: ﴿يُرِيدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من الظالمين، أو من الضمير المستتر فيه، والرابط: الضمير فقط، وهو واو الجماعة. ﴿يُطْفِؤُا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعليه فالمفعول محذوف، التقدير: يريدون الكذب. أو يريدون الافتراء لإطفاء نور الله بأفواههم. هذا؛ ويجوز اعتبار اللام صلة، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به محلا، وفي محل جرّ باللام لفظا. قال الزمخشري: أصله يريدون أن يطفئوا نور الله، كما جاء في سورة (التوبة) وهي الاية الانفة الذكر، وكأن هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة توكيدا له لما فيها من معنى التقوية. وهناك قول ثالث: أنها بمعنى (أن) الناصبة، وأنها ناصبة للفعل
стр. 6568
بنفسها. قال الفراء: العرب تجعل لام كي في موضع: «أن» في: (أراد، وأمر) وإليه: ذهب الكسائي أيضا. انتهى. جمل نقلا من السمين. هذا؛ ومثل هذه الاية قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٢٦]: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ،﴾ والاية رقم [٧١] من سورة (الأنعام): ﴿وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ،﴾ والاية رقم [٣٣] من سورة (الأحزاب) ومثل ذلك كله قول كثير عزة وهو الشاهد رقم [٣٩٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] أريد لأنسى ذكرها فكأنما... تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل
﴿نُورَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿بِأَفْواهِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل (يطفئوا)، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَاللهُ:﴾ (الواو): واو الحال. (الله): مبتدأ. ﴿مُتِمُّ:﴾
خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿نُورِهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وقرئ بتنوين «(متم)» ونصب «(نوره)» على أنه مفعول به صريح، والجملة الاسمية: (الله متم نوره) في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو وإعادة اللفظ الكريم، وجاءت الحال من المضاف إليه؛ لأن المضاف كجزئه، انظر الاية رقم [١٠] من سورة (الممتحنة). ﴿وَلَوْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (لو): وصلية، والجملة الفعلية:
﴿كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها، والمفعول محذوف، تقديره: ولو كره الكافرون إتمام نوره. وانظر الاية التالية:
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾
الشرح: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى﴾ أي: الله هو الذي بعث محمدا ﷺ بالقرآن، والإسلام. ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ أي: دين الإسلام. ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: ليعليه على جميع الأديان بالحجج الدامغات، والبراهين الساطعات بالإضافة لما ذكرته في الاية السابقة. وخذ ما يلي:
فعن تميم الداري-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليبلغنّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر، ولا وبر إلا أدخله هذا الدين، يعز عزيزا، ويذل ذليلا، عزّا يعز الله به الإسلام، وذلاّ يذل الله به الكفر». فكان تميم الداري يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير، والشرف، والعز، ولقد أصاب من كان كافرا منهم الذل، والصغار، والجزية. أخرجه الإمام أحمد في مسنده. ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ:﴾ هو مثل الاية السابقة.
قال الجمل-رحمه الله تعالى-: فإن قيل: قال أولا: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ،﴾ وقال ثانيا ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ فما الحكمة في ذلك؟ أجيب: بأنه تعالى أرسل رسوله، وهو من نعم الله تعالى، والكافرون كلهم في كفران النعم سواء، فلهذا قال: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ؛﴾ لأن لفظ
стр. 6569
الكافر أعم من لفظ المشرك، فالمراد من الكافرين هنا: اليهود، والنصارى، والمشركون، فلفظ الكافر أليق به، وأما قوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ فذلك ب: ﴿لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ فلم يقولوها، فلهذا قال: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. انتهى. نقلا من الخطيب.
تنبيه: قال أبو هريرة، والضحاك: هذا (أي: ما ذكر في الاية الكريمة) عند نزول عيسى ﵇. وقال السدي: ذاك عند خروج المهدي، ولا يبقى أحد إلا دخل في الإسلام، وأيد ذلك القرطبي، وذكره الزمخشري بلفظ: قيل. ولا تنس: أن الاية مذكورة بحروفها في سورة (التوبة) برقم [٣٣]، وفي سورة (الفتح) برقم [٢٨].
تنبيه: قال الله تعالى في سورة (النساء) رقم [١٤١]: ﴿فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ في تأويل هذا الجعل أقوال:
أحدها: وهو قول علي، وابن عباس-﵃ أجمعين-: أن المراد به في يوم القيامة، بدليل عطفه على ما قبله. الثاني: أن هذا في الدنيا. والمعنى: أن حجة المؤمنين غالبة في الدنيا على الكافرين، وليس لأحد يغلبهم بالحجة. الثالث: معناه: أن الله لن يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا بأن يمحو دولة المؤمنين بالكلية حتى يستبيحوا بيضتهم، فلا يبقى أحد من المؤمنين. الرابع: أن شريعة الإسلام باقية إلى يوم القيامة، لا تتغلب عليها شريعة ما. ويتفرع على هذا مسائل، منها: أن الكافر لا يرث المسلم. ومنها: أن الكافر لا يحق له أن يشتري عبدا مسلما. ومنها: أن الكافر لا يتزوج مسلمة. هذا؛ وقد قال الله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٥٦]: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ﴾ أي: الغالبون بالحجة، والبرهان، فإنها مستمرة أبدا، لا بالدولة، والصولة، وإلا فقد غلب حزب الله غير مرة حتى في زمن النبي ﷺ . قاله الجمل، وغيره، وهو كلام لا غبار عليه.
هذا؛ وقد عدّ محمد علي الصابوني-جزاه الله خيرا-في كتابه: (التبيان في علوم القرآن) من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم الوفاء بالوعد في كل ما أخبر عنه، وكل ما وعد به عباده.
قال: وهذا الوعد ينقسم إلى قسمين: وعد مطلق، ووعد مقيد، فالوعد المطلق كوعده بنصر رسوله، وإخراج الذين أخرجوه من وطنه، ونصر المؤمنين على الكافرين. وقد تحقق ذلك كله.
وذكر مطلع سورة (الفتح) وسورة (النصر) بكاملها، والاية التي نحن بصدد شرحها. ثم قال:
ومن الوعد المطلق قوله جل ثناؤه في سورة (الروم) رقم [٤٧]: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقد تحقق نصر المؤمنين في مواطن عديدة: في بدر، والأحزاب، وحنين، وغير ذلك من المعارك العظيمة؛ التي شهدها تاريخ الإسلام. وذكر آيات (الأنفال). ثم قال: ومن الوعد المطلق أيضا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ..﴾. إلخ الاية هنا، وهي في سورة (التوبة) برقم [٣٣]، وفي سورة (الفتح) برقم [٢٨]، وأيضا قوله تعالى في سورة (غافر) رقم [٥١]: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾.
стр. 6570
أما الوعد المقيد، فهو ما كان فيه شرط، كشرط التقوى، أو شرط الصبر، أو شرط النصرة لدين الله، وما شابه ذلك. قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ رقم [٧] من سورة (محمد ﷺ ، وقال تعالى في سورة (الطلاق): ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾. والاية رقم [٤] منها: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً،﴾ وقد وعد الله المؤمنين بالنصر بشرط الصبر، كما قال تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٦٥]: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾. انتهى. بتصرف كبير مني.
الإعراب: ﴿هُوَ﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿أَرْسَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الذي، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿رَسُولَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِالْهُدى:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿رَسُولَهُ﴾ التقدير: مقرونا، أو ملتبسا بالهدى، أو هما متعلقان بالفعل قبلهما وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَدِينِ:﴾ الواو: حرف عطف. (دين): معطوف على (الهدى)، و (دين) مضاف، و ﴿الْحَقِّ﴾ مضاف إليه من إضافة الموصوف للصفة؛ إذ الأصل:
الدين الحق. ﴿لِيُظْهِرَهُ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعوله، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أَرْسَلَ﴾. ﴿عَلَى الدِّينِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كُلِّهِ:﴾
توكيد للدين؛ لأنه بمعنى: جميع الأديان، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلَوْ:﴾ (الواو): واو الحال. (لو): وصلية. ﴿كَرِهَ:﴾ فعل ماض. ﴿الْمُشْرِكُونَ:﴾ فاعله، ومفعوله محذوف، التقدير:
ولو كره المشركون إظهار دينه، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (دين الحق)، والرابط:
الواو، والضمير المقدر مع المفعول المحذوف. هذا؛ وإن اعتبرت (لو) شرطية امتناعية؛ ففعل شرطها المذكور، وجوابها محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: ولو كره المشركون إظهار دينه؛ لأظهره الله، وعليه فالجملة الشرطية معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. وقيل: (لو) شرطية، وهذا يتعارض مع قول من يقول: إن (الواو) واو الحال قطعا؛ لأن الشرطية لتعليق الفعل بالمستقبل، وهذا يتنافى مع الحال.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ هذا نداء من الله تعالى للمؤمنين بأكرم وصف، وألطف عبارة؛ أي: يا من صدقتم بالله ورسوله، وتحليتم بالإيمان الذي هو زينة الإنسان. ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ..﴾. إلخ: أي: تخلصكم، وتنقذكم من عذاب شديد، ومؤلم. هذا؛ ويقرأ الفعل بتشديد الجيم وتخفيفها، وانظر ما ذكرته في أول السورة. وخذ ما يلي:
стр. 6571
قال مقاتل-رحمه الله تعالى-: نزلت في عثمان بن مظعون-﵁-وذلك: أنه قال لرسول الله ﷺ : لو أذنت لي، فطلقت خولة، وترهبت، واختصيت، وحرمت اللحم، ولا أنام بليل أبدا، ولا أفطر بنهار أبدا، فقال رسول الله ﷺ : «إنّ من سنتي النكاح، ولا رهبانية في الإسلام، إنما رهبانيّة أمتي الجهاد في سبيل الله، وخصاء أمتي الصوم، ولا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم. ومن سنّتي: أنام، وأقوم، وأفطر، وأصوم، فمن رغب عن سنّتي، فليس منّي».
فقال عثمان-﵁: والله لوددت يا نبيّ الله أن أعلم أيّ التجارات أحبّ إلى الله، فأتجر فيها؟ فنزلت الاية الكريمة. ما أشبه سبب نزول هذه الاية بسبب نزول قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٨٧ و ٨٨]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ..﴾. إلخ. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر الاية رقم [٢]. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام، وتشويق، وترغيب. ﴿أَدُلُّكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿عَلى تِجارَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿تُنْجِيكُمْ:﴾
فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى التجارة، تقديره هي، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿تِجارَةٍ﴾. ﴿مِنْ عَذابٍ:﴾
متعلقان بما قبلهما. ﴿أَلِيمٍ:﴾ صفة ﴿عَذابٍ،﴾ وهو بمعنى: مؤلم.
﴿تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)﴾
الشرح: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ:﴾ هذا تفسير للتجارة المذكورة في الاية السابقة، وانظر الإيمان في الاية رقم [١٦] من سورة (المجادلة). ﴿وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ هذه الجملة من جملة تفسير التجارة. ﴿بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ:﴾ قدم الأموال على النفس لعزتها في ذلك الوقت، أو لأنها قوام النفس، أو لأنها التي يبدأ بها في الإنفاق، أو لأن المال شقيق الروح، فقد يفرط الإنسان في نفسه دفاعا عن ماله، وهذا معروف ومشهور. والمراد: تجاهدون أعداء الدين بالمال، والنفس؛ لإعلاء كلمة الله.
قال المفسرون: جعل الله الإيمان والجهاد في سبيله تجارة تشبيها لهما بالتجارة، فإنها عبارة عن مبادلة شيء بشيء طمعا في الربح، ومن آمن، وجاهد بماله، ونفسه؛ فقد بذل ما عنده، وما في وسعه؛ لنيل ما عند ربه من جزيل ثوابه، والنجاة من أليم عقابه. فشبه هذا الثواب، والنجاة من العذاب بالتجارة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ الاية رقم [١١١] من سورة (التوبة).
стр. 6572
قال الإمام الفخر الرازي: والجهاد ثلاثة أنواع:
١ - جهاد فيما بينه وبين نفسه، وهو قهر النفس، ومنعها عن اللذات والشهوات.
٢ - جهاد فيما بينه وبين الخلق، وهو أن يدع الطمع منهم، ويشفق عليهم ويرحمهم.
٣ - جهاد أعداء الله بالنفس، والمال نصرة لدين الله. انتهى. صفوة التفاسير.
والأول هو الجهاد الأكبر؛ الذي نبه عليه النبي ﷺ ، فقد روى البيهقي بإسناد حسن صحيح:
أن أصحاب رسول الله ﷺ ، حين قدموا من الجهاد تلقاهم الرسول ﷺ ، وقال لهم: «مرحبا بكم! قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر». قالوا: وما الجهاد الأكبر يا رسول الله؟! قال: «جهاد النفس». هذا؛ وبالإضافة لما ذكرته في الاية رقم [٤] أذكر ما يلي:
عن عمران بن حصين-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «مقام الرجل في الصفّ في سبيل الله أفضل من عبادة الرّجل ستين سنة». أخرجه الحاكم. وعن أبي هريرة-﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ في الجنّة مئة درجة، أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدّرجتين، كما بين السماء والأرض». أخرجه البخاري. هذا؛ وقال تعالى في سورة (النساء) رقم [٩٥]: ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾.
وعن أبي موسى الأشعري-﵁: أن أعرابيا أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل؛ ليذكر، والرجل يقاتل؛ ليرى مكانه؛ فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ : «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله». أخرجه البخاري، ومسلم، وغيرهما.
الإعراب: ﴿تُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿بِاللهِ:﴾
متعلقان بما قبلهما. ﴿وَرَسُولِهِ:﴾ الواو: حرف عطف. (رسوله): معطوف على لفظ الجلالة، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وهي بمنزلة جواب السؤال المقدر، كأنهم قالوا: كيف نعمل؟ فقال: ﴿تُؤْمِنُونَ..﴾. إلخ. وقيل: الجملة في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي تؤمنون، وعليه فالجملة الاسمية مفسرة للتجارة لا محل لها، والخبر نفس المبتدأ، فلا رابط لها، والفعل عند سيبويه، والمبرد، والزجاج بمعنى: آمنوا.
ولهذا أجيب بقوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ بالجزم على أنه جواب للأمر، ويدل عليه قراءة ابن مسعود-﵁: «(آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا)» وإنما جيء به على لفظ الخبر للإيذان بوجوب الامتثال، فهو يخبر عن إيمان، وجهاد موجودين. وقال الفراء: الفعل: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾
стр. 6573
مجزوم بجواب الاستفهام. ورده ابن هشام في قطر الندى بقوله: وليس جوابا للاستفهام؛ لأن غفران الذنوب لا يتسبب عن نفس الدلالة، بل عن الإيمان، والجهاد. هذا؛ وقرأ زيد بن علي:
«(تؤمنوا وتجاهدوا)» على إضمار لام الأمر. ومثله، أو ومنه قول حسان بن ثابت-﵁ وهو الشاهد رقم [٤٠٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر] محمد تفد نفسك كلّ نفس... إذا ما خفت من شيء تبالا
هذا؛ وأجاز ابن هشام في مغني اللبيب اعتبار الفعل مجزوما بجواب الاستفهام تنزيلا للسبب، وهو الدلالة منزلة المسبب، وهو الامتثال، فيكون كلامه نقضا لما ذكره في قطر الندى.
هذا؛ وجملة: ﴿وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿بِأَمْوالِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿وَأَنْفُسِكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف فيهما في محل جر بالإضافة.
﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِأَمْوالِكُمْ:﴾
جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَيْرٌ﴾. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، وجواب الشرط محذوف أيضا، التقدير: إن كنتم تعلمون: أنه خير لكم؛ فافعلوه. هذا؛ وقد جعله الزمخشري من حذف المفعول للعلم به اختصارا. وجعله البيضاوي منزلا منزلة اللازم؛ حيث قال: إن كنتم من أهل العلم؛ لأن الجاهل لا يعتد بفعله، فلا يثاب عليه، ولا يكون فيه خير. وقال الكرخي: وتفسيره أبلغ، وأدل على التوبيخ؛ لدلالته على الشك في كونهم من أهل العلم مطلقا. انتهى. جمل بتصرف. هذا؛ وجملة: ﴿تَعْلَمُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، والجملة الشرطية بكاملها مستأنفة، لا محل لها.
﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾
الشرح: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ:﴾ الخطاب للمؤمنين الصادقين المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. ومغفرة الذنوب هي الغاية العظمى التي يسعى لها، ويرغب فيها المؤمنون. ﴿وَيُدْخِلْكُمْ جَنّاتٍ:﴾ جمع جنة، انظر الاية رقم [٦٢] من سورة (الرحمن). ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: تحت أشجارها، وقصورها، وبينها. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ جمع: نهر، وبالإضافة لما ذكر في سورة (محمد ﷺ رقم [١٥] أذكر ما يلي: عن أنس-﵁. قال: (لعلّكم تظنون أنّ أنهار الجنّة أخدود في الأرض، لا والله إنّها لسائحة على وجه الأرض، إحدى حافتيها اللؤلؤ، والأخرى الياقوت،
стр. 6574
وطينه المسك الأذفر. قال: قلت: ما الأذفر؟ قال: الذي لا خلط له) رواه ابن أبي الدنيا موقوفا، ورواه غيره مرفوعا، والموقوف أشبه بالصواب. انتهى. الترغيب والترهيب للحافظ المنذري.
﴿وَمَساكِنَ طَيِّبَةً:﴾ عن عمران بن حصين، وأبي هريرة-﵄-قالا: سئل رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ قال: «قصر في الجنة من لؤلؤة، فيه سبعون دارا من ياقوتة حمراء، في كلّ دار سبعون بيتا، من زمردة خضراء، في كل بيت سبعون سريرا، على كلّ سرير سبعون فراشا من كلّ لون، على كلّ فراش امرأة، في كلّ بيت سبعون مائدة، على كلّ مائدة سبعون لونا من طعام، في كلّ بيت سبعون وصيفا ووصيفة، يعطى للمؤمن من القوة ما يأتي على ذلك كلّه في غداة واحدة». رواه الطبراني، والبيهقي بنحوه. انتهى. الترغيب والترهيب.
هذا؛ و ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ جنات إقامة، وخلود. يقال: عدن بالمكان: أقام فيه، ومنه المعدن الموجود في باطن الأرض، وقال النبي ﷺ : «عدن دار الله، الّتي لم ترها عين قطّ، ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها إلا ثلاثة: النبيون، والصدّيقون، والشهداء، يقول الله تعالى: طوبى لمن دخلك». رواه الطبراني عن أبي الدرداء-﵁. وقال عبد الله بن عمر-﵄: إن في الجنّة قصرا، يقال له: عدن، حوله البروج، والمروج، فيه خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف حبرة، لا يدخله إلا نبي، أو صدّيق، أو شهيد. والحبرة بكسر الحاء، وفتحها: ضرب من البرود اليمنية مخطط. وروي: أن عمر الفاروق-﵁-قال لكعب الأحبار: ما جنات عدن؟ قال: قصور من ذهب في الجنة يدخلها النبيون، والصديقون، والشهداء، وأئمة العدل.
﴿ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي: السعادة الدائمة الكبيرة. وأصل الفوز: الظفر بالمطلوب. والإشارة إلى ما ذكر من المغفرة وإدخال الجنة.
الإعراب: ﴿يَغْفِرْ:﴾ مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للاستفهام، أو للأمر المفهوم من قوله:
﴿تُؤْمِنُونَ﴾ كما رأيت في الاية السابقة. وقال أبو البقاء: في جزمه وجهان: أحدهما: هو جواب شرط محذوف، وعليه الكلام، تقديره: إن تؤمنوا؛ يغفر لكم. والثاني: هو جواب لما دل عليه الاستفهام. والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (الله). ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما.
﴿ذُنُوبَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لوقوعها جوابا لما ذكرته. ﴿وَيُدْخِلْكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (يدخلكم): معطوف على ما قبله مجزوم مثله، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به أول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿جَنّاتٍ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء
стр. 6575
للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل ﴿تَجْرِي﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿جَنّاتٍ﴾. ﴿وَمَساكِنَ:﴾ معطوف على ﴿جَنّاتٍ﴾.
﴿طَيِّبَةً:﴾ صفة (مساكن). ﴿فِي جَنّاتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل: (مساكن)، أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم، و ﴿جَنّاتٍ﴾ مضاف، و ﴿عَدْنٍ﴾ مضاف إليه. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له.
﴿الْفَوْزُ:﴾ خبر المبتدأ، ﴿الْعَظِيمُ:﴾ صفة ﴿الْفَوْزُ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾
الشرح: ﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها﴾ أي: ولكم تجارة أخرى. وقيل: لكم خصلة أخرى تحبونها في العاجل مع ثواب الاخرة. أو التقدير: ويعطكم نعمة أخرى تحبونها. ﴿نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ:﴾
قيل: هو النصر على قريش، وفتح مكة. وقيل: فتح مدائن فارس، والروم. وقد حقق الله ذلك؛ حيث صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ:﴾ أي يا محمد بشر المؤمنين بالنصر المؤزر في الدنيا، وبالجنة في الاخرة. وهذا يفيد: أن خير الدنيا موصول بنعيم الاخرة لمن أطاع الله، ورسوله، ونصر الله، ودينه. وقد قال تعالى في سورة (محمد) رقم [٧]: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ،﴾ وقال جل ذكره في سورة (الحج) رقم [٤٠]: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. هذا؛ وانظر شرح ﴿الْأُخْرى﴾ في الاية رقم [٤٧] من سورة (النجم)، وانظر (البشارة) في الاية رقم [٨] من سورة (الجاثية).
الإعراب: ﴿وَأُخْرى:﴾ الواو: حرف عطف. (أخرى): قال الفراء، والأخفش: «أخرى» معطوفة على «تجارة»، فهي في محل خفض. وقيل: محلها رفع؛ أي: ولكم خصلة أخرى، وتجارة أخرى تحبونها. انتهى. قرطبي. هذا؛ وقدر الجلال: ويؤتكم نعمة أخرى. قال الجمل:
وهذا المقدر معطوف على الجوابين قبله، وهو جواب ثالث. وفي السمين: ويصح أن يكون منصوبا بفعل مضمر يفسره: ﴿تُحِبُّونَها﴾ فيكون من الاشتغال، وحينئذ لا يكون ﴿تُحِبُّونَها﴾ نعتا؛ لأنه مفسر للعامل قبله. انتهى. ويصح أن يكون مبتدأ خبره: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ،﴾ ويصح خفضها عطفا على ﴿تِجارَةٍ﴾. انتهى. كرخي، وقال أبو البقاء الأوجه المذكورة باختصار. وقال ابن هشام:
وقد يتخيّل ورود اعتراض ابن الشجري على أبي البقاء في تجويزه في: ﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها﴾ كونه ك:
زيدا ضربته، ويجاب بأن الأصل: وصفة أخرى. ويجوز كون ﴿تُحِبُّونَها﴾ صفة، والخبر إما ﴿نَصْرٌ،﴾ وإما محذوف؛ أي: ولكم نعمة أخرى، و ﴿نَصْرٌ﴾ بدل، أو خبر لمحذوف. ﴿تُحِبُّونَها:﴾
فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون. والواو فاعله، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية خذ محلها من إعراب (أخرى). ﴿نَصْرٌ:﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: تلك النعمة الأخرى نصر من
стр. 6576
الله، والجملة الاسمية مفسرة ل: نعمة أخرى. ويجوز عطفه على (أخرى) على اعتبارها مرفوعة، التقدير: ولكم نصر. كما أجيز اعتباره خبرا عنها على اعتبارها مبتدأ، كما قرئ بنصبه عطفا عليها، على تقدير الجلال المتقدم. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿نَصْرٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَفَتْحٌ قَرِيبٌ:﴾
معطوف على ما قبله. ﴿وَبَشِّرِ:﴾ (الواو): حرف عطف. (بشر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:
«أنت». ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء، والجملة الفعلية معطوفة على كلام مقدر قبلها التقدير: قل: يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم... وبشر المؤمنين، أو هي معطوفة على جملة: ﴿تُؤْمِنُونَ..﴾. إلخ؛ لأنها بمعنى آمنوا... إلخ، كما رأيت فيما سبق.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (١٤)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الاية رقم [١٠]. ﴿كُونُوا أَنْصارَ اللهِ﴾ أي: كونوا أنصار دينه في جميع أحوالكم بأقوالكم، وأفعالكم، وأنفسكم، وأموالكم. ﴿كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ أي: مع الله. وقيل: المعنى: من معيني في الدعوة إلى الله . هذا؛ والحواريون هم أتباع عيسى الذين بعثهم دعاة من قبله إلى جهات متفرقة.
هذا؛ وقال عبد الوهاب النجار-رحمه الله تعالى-: هم أصحاب المسيح عيسى ابن مريم، صلوات الله، وسلامه عليه، وخاصته الذين اختارهم؛ ليكونوا تلاميذه، وبادروا إلى الإيمان به، وتتلمذوا له، وتعلموا منه، وكانوا اثني عشر رجلا، وهذا اللفظ لم أعرفه عبرانيّا، وأما عربيّا فقد قال صاحب القاموس: وقد جاء إطلاق حواري رسول الله ﷺ على الزبير بن العوام، ويظهر: أن لفظ الأنصار في جانب رسول الله ﷺ بمنزلة الحواريين في جانب المسيح ﵇، والأناجيل تعبر عنهم بلفظ: التلاميذ.
وإذا جاز لي هذا اللفظ، فإني أقول: إن معناه الإخوان في طلب العلم، من لفظ: حبور العبري، وهو: التلميذ، وجمعه: حبوريم، نطق به في العربية: حواري، وحواريين. وذكرت أسماء الحواريين في «متّى» في الإصحاح العاشر من إنجيله، وقد ذكر «برنابا» أسماء التلاميذ في الفصل الرابع عشر من إنجيله، وهذه أسماء التلاميذ الاثني عشر من إنجيله:
١ - سمعان الذي يقال له: بطرس.
٢ - أندراوس أخو سمعان بطرس.
٣ - يعقوب بن زيدي.
стр. 6577
٤ - يوحنّا أخو يعقوب.
٥ - فيلبس.
٦ - برثو لماوس.
٧ - توما.
٨ - متّى العشّار.
٩ - يعقوب بن حلفي.
١٠ - لباوس الملقب تداوس.
١١ - سمعان القانوني.
١٢ - يهوذا الأسخريوطي
وهذه أسماء التلاميذ الاثني عشر عند برنابا.
١ - اندراوس.
٢ - بطرس.
٣ - برنابا.
٤ - متّى العشار.
٥ - يوحنا بن زيدي.
٦ - يعقوب بن زيدي.
٧ - تداوس.
٨ - يهوذا.
٩ - برثو لماوس.
١٠ - فيلبس.
١١ - يعقوب بن حلفي.
١٢ - يهوذا الأسخريوطي.
ومن ذلك نرى: أن برنابا نقص من الحواريين عند متّى اثنين، وهما: توما، وسمعان الغيور، المعروف بالقانوني، ووضع مكانهما اسمه، واسم تداوس، فهل الصواب معه؟ ولكن الكنيسة لما رأت إنجيله يخالف ما تهوى؛ حذفت اسمه، واسم سمعان من بين التلاميذ؛ لأنهما كانا متطابقين في الرأي، قد يكون ذلك، وأنهم اكتفوا في عقابه بهذا مع بقاء اسمه بين الرسل؛ الذين حملوا قسطا عظيما في نشر الدعوة، والتبشير باقتراب ملكوت السموات.
стр. 6578
هؤلاء الحواريون الذين استجابوا للمسيح ﵇، وهم الذين بثهم في القرى اليهودية ليدعوا الكفار بدعوة المسيح، ومن غلا في شأنه، أو كذبه، ورد دعوته، وقد قص الله تعالى شأن الحواريين في سورة (آل عمران) رقم [٥٢] و [٥٣]، وفي سورة (المائدة) رقم [١١١]، وفي سورة (الصف) رقم [١٤]. انتهى. بتصرف.
وهذا يدل على أن رسالة عيسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-أعم من رسالة جميع المرسلين قبله. هذا؛ وحواري الرجل: صفوته، وخالصته، ومنه قيل للحضريات:
الحواريّات لخلوص ألوانهن، ونظافتهن. قال الشاعر: [الطويل] فقل للحواريّات يبكين غيرنا... ولا تبكنا إلاّ الكلاب النّوابح
المعنى: قل للنساء الحضريات يبكين غيرنا، فلسنا ممن عرف بالحضر على الفراش، بل نحن من أهل البدو، والمحاربة، ولا يبكي علينا إلا الكلاب النوابح؛ اللاتي تساق معنا في البدو، والصيد، أو الكلاب التي جرت عادتهن يأكلن قتلانا في المحاربة.
وقيل: سموا حواريين لبياض ثيابهم، يقال: حورت الشيء بمعنى: بيضته. وقيل: كانوا قصارين، سموا بذلك؛ لأنهم كانوا يحورون الثياب؛ أي: يبيضونها. وقيل: سموا حواريين لصفاء قلوبهم، ولما ظهر عليهم من أثر العبادة، ونورها. وقيل: الحواريون هم الخلفاء. وقيل:
هم الوزراء، وكانوا خلفاء عيسى، ووزراءه. وقيل: الحواريون هم الأنصار، والحواريّ الناصر، والحواريّ الرجل الذي يستعان به.
فعن جابر بن عبد الله-﵄-قال: ندب النبي ﷺ الناس يوم الخندق، فانتدب الزبير، ثم ندبهم، فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير، فقال النبي ﷺ : «إن لكل نبي حواريّا، وحواريّ الزبير».
﴿قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ﴾ أي: أنصار دين الله، ورسوله، وأعوانه وهو جمع: ناصر كصاحب، وأصحاب، أو جمع: نصير، كشريف، وأشراف. هذا؛ وفي سورة (آل عمران) رقم [٥٢] قوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ آمَنّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾.
﴿فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ أي: لما بلغ عيسى-﵊ رسالة ربه إلى قومه، ووازره من وازره من الحواريين؛ اهتدت طائفة من بني إسرائيل بما جاءهم به، وضلت طائفة، فخرجت عما جاءهم به، وجحدوا نبوته، ورموه، وأمه بالعظائم، وهم اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، وغلت فيه طائفة ممن اتبعه؛ حتى رفعوه فوق ما أعطاه الله من النبوة، وافترقوا فرقا، وشيعا، فمن قائل منهم: إنه ابن الله، وقائل: إنه ثالث ثلاثة:
стр. 6579
(الأب، والابن، وروح القدس)، ومن قائل: إنه الله. انتهى. مختصر ابن كثير. وانظر ما ذكرته في سورة (التوبة) رقم [٣٠] تجد ما يسرك.
﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ﴾ أي: نصرناهم على من عاداهم من فرق النصارى. ﴿فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ أي: غالبين لهم عالين عليهم، من قولك: ظهرت على الحائط؛ أي: علوت عليه. وذلك ببعثة محمد ﷺ ، واتباعه، والاهتداء بهديه، و (أصبحوا) بمعنى: صاروا، ف: (أصبحوا) ليست على بابها من التوقيت في الصبح. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الإعراب مفصلا في الاية رقم [٢]. ﴿كُونُوا:﴾ فعل أمر ناقص مبني على حذف النون، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿أَنْصارَ:﴾ خبر ﴿كُونُوا،﴾ وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه من إضافة جمع اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. هذا؛ ويقرأ: «(أنصارا لله)»، واللام تحتمل أن تكون مزيدة في المفعول الصريح لزيادة التقوية، لكون العامل فرعا، كما في قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ﴾ رقم [٦]، وأن تكون غير مزيدة، ويكون الجار والمجرور نعتا للأنصار، والأول أظهر. انتهى. جمل نقلا عن السمين. ﴿كَما قالَ..﴾. إلخ: قال السمين فيه أوجه: أحدها: أن الكاف في موضع نصب على إضمار القول؛ أي: قلنا لهم ذلك كما قال عيسى. الثاني: أنها نعت لمصدر محذوف، تقديره: كونوا كونا. قاله مكي. وفيه نظر؛ إذ لا يؤمرون بأن يكونوا كونا. الثالث: أنه كلام محمول على معناه دون لفظه. وإليه نحا الزمخشري، فإنه قال: فإن قلت: ما وجه صحة التشبيه، وظاهره تشبيه كونهم أنصارا بقول عيسى: من أنصاري إلى الله؟ قلت: التشبيه محمول على المعنى، وعليه يصح، والمراد كونوا أنصار الله، كما كان الحواريون أنصار عيسى حين قال لهم: من أنصاري إلى الله. انتهى. جمل. أما تفصيل الإعراب فهو كما يلي:
﴿كَما:﴾ (الكاف): حرف تشبيه وجر. (ما) مصدرية. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿عِيسَى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿اِبْنُ:﴾ صفة ﴿عِيسَى﴾ وهو مضاف، و ﴿مَرْيَمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث المعنوي. ﴿لِلْحَوارِيِّينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿قالَ﴾. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَنْصارِي:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة، من إضافة جمع اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ياء المتكلم، التقدير: متوجها إلى نصرة الله. أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر العائد إلى ﴿مَنْ﴾ والمعنى يبقى: متوجها إلى نصرة الله معي.
стр. 6580
والجملة الاسمية: ﴿مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ في محل نصب مقول القول، و (ما) والفعل ﴿قالَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، التقدير: كقول عيسى. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) موصولة مبني على السكون في محل جر بالكاف؛ فالجملة الفعلية: ﴿قالَ عِيسَى..﴾. إلخ صلتها، ويكون العائد محذوفا، التقدير: كالذي قاله عيسى بن مريم، وعليه فالجملة الاسمية: ﴿مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ مفسرة لهذا العائد المحذوف.
﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿الْحَوارِيُّونَ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة، والجملة الاسمية: ﴿نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ الْحَوارِيُّونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. (آمنت): فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿طائِفَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿مِنْ بَنِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿طائِفَةٌ﴾ وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿بَنِي﴾ مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، وجملة: ﴿وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وقبل هذه الجملة، والتي قبلها كلام مقدر؛ إذ التقدير: فلما رفع عيسى إلى السماء؛ افترق الناس فيه فرقتين، فآمنت طائفة... إلخ.
﴿فَأَيَّدْنَا:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (أيدنا): فعل، وفاعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿عَلى عَدُوِّهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَأَصْبَحُوا:﴾
الفاء: حرف عطف. (أصبحوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿ظاهِرِينَ:﴾ خبر (أصبح) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وقبلها جملة محذوفة أيضا، التقدير: فاقتتلت الطائفتان، فأيدنا... إلخ. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.
انتهت سورة (الصف) بعون الله وتوفيقه، شرحا وإعرابا.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 6581
سورة الجمعة
بسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (الجمعة) مدنية في قول الجميع، وهي إحدى عشرة آية، ومئة وثمانون كلمة، وسبعمئة وعشرون حرفا. انتهى. خازن. وخذ ما يلي:
عن أبي لبابة بن عبد المنذر-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ يوم الجمعة سيد الأيام، وأعظمها عند الله، وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى، ويوم الفطر، فيه خمس خلال:
خلق الله فيه آدم، وأهبط الله فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفّى الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله فيها العبد شيئا إلا أعطاء إياه؛ ما لم يسأل حراما، وفيه تقوم الساعة، وما من ملك مقرب، ولا سماء، ولا أرض، ولا رياح، ولا جبال، ولا بحر، إلا وهنّ يشفقن من يوم الجمعة». رواه الإمام أحمد، وغيره. وعن أوس بن أوس-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من أفضل أيامكم يوم الجمعة: فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصاعقة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ». قالوا: يا رسول الله! وكيف تعرض صلاتنا عليك، وقد أرمت-يعني: بليت-فقال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء».
رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
وعن عبد الله بن بسر-﵁-قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطب، فقال النبي ﷺ : «اجلس؛ فقد آذيت وآنيت». أي: أخرت المجيء. رواه أحمد، وغيره. وعن عبد الله بن عمرو-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مسلم يموت يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر». رواه الترمذي. وعن أبي قتادة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير ضرورة، طبع الله على قلبه». رواه أحمد. وعن جابر بن عبد الله-﵄-قال: قام رسول الله ﷺ خطيبا يوم الجمعة، فقال: «عسى رجل تحضره الجمعة؛ وهو على قدر ميل من المدينة؛ فلا يحضر الجمعة، ثم قال في الثانية: عسى رجل تحضره الجمعة؛ وهو على قدر ميلين من المدينة، فلا يحضرها. وقال في الثالثة: عسى رجل تحضره الجمعة، وهو على قدر ثلاثة أميال من المدينة، فلا يحضر الجمعة، ويطبع الله على قلبه». رواه أبو يعلى بإسناد لين.
стр. 6582
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾
الشرح: ﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ:﴾ إنما اختص التسبيح بالذكر من بين أنواع الذكر لبيان فضله على سائر الأذكار، كما اختص جبريل، وميكائيل بالذكر من بين الملائكة لبيان فضلهما؛ لأن معنى التسبيح تنزيه الله تعالى عما لا يجوز عليه من الصفات، ولأن التسبيح صلاة الخلق أجمعين وعبادتهم لله تعالى. قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٤٤]: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾. هذا؛ والتسبيح يأتي بمعنى الدعاء قال جرير: [الطويل] فلا تنس تسبيح الضّحى إن يوسفا... دعا ربّه فاختاره حين سبّحا
هذا؛ وقد جاء لفظ التسبيح في القرآن الكريم بالماضي أحيانا، وبالمضارع أحيانا، وبالأمر أحيانا، وبالمصدر أحيانا أخرى استيعابا لهذه المادة من جميع جهاتها، وألفاظها، وهي أربع:
المصدر، والماضي، والمضارع، والأمر، وهذا الفعل بألفاظه الأربعة، قد عدّي باللام تارة، مثل قوله: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ،﴾ وقوله جلت حكمته: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ..﴾. إلخ، وأيضا الاية التي نحن بصدد شرحها. وبنفسه أخرى مثل قوله تعالى: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً،﴾ رقم [٩] من سورة (الفتح)، ومثلها في سورة (الأحزاب) رقم [٤٢] وهو بصيغة الأمر: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً،﴾ وقوله تعالى في آخر سورة (ق): ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ وأصله التعدي بنفسه؛ لأن معنى سبحته: بعدته من السوء، منقول من سبح: إذا ذهب، وبعد، فاللام إما أن تكون مثل:
نصحته، ونصحت له، وشكرته، وشكرت له. وإما أن يراد ب: سبّح لله: اكتسب التسبيح لأجل الله، ولوجهه خالصا. انتهى. النسفي من سورة (الحديد). وانظر شرح الأسماء الحسنى في الاية رقم [٢٣] من سورة (الحشر).
تنبيه: الأصل أن تكون (من) للعاقل و (ما) لغير العاقل، وقد يعكس هذا، فتستعمل (من) لغير العاقل، كما في قوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ﴾ الاية رقم [٤٥] من سورة (النور)، وتستعمل: ﴿ما﴾ للعاقل كما في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ رقم [٣] من سورة (النساء) وهذا من باب التقارض، وذلك قليل، وأكثر ما تكون ﴿ما﴾ للعاقل: إذا اقترن العاقل بغير العاقل-كما في الاية الكريمة-في حكم واحد، وقوله تعالى:
﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ رقم [٤٩] من سورة (النحل) فإن كل ما في السموات، والأرض ممن يعقل، وما لا يعقل قد اقترنا في حكم واحد، وهو السجود، والتسبيح، كما رأيت في آية (الإسراء) المذكورة فيما سبق، ويكون في الكلام تغليب. كما تستعمل في المبهم أمره، كقولك، وقد رأيت شبحا من بعد: انظر إلى ما أرى. و (من) و (ما) تكونان بلفظ واحد للمفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث.
стр. 6583
ملخص ما تقدم أن (من) تستعمل لغير العاقل في ثلاث مسائل:
١ - أن ينزل غير العاقل منزلة العاقل، وذلك كقوله تعالى في سورة (الأحقاف) رقم [٥]: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ فدعاء الأصنام التي لا تستجيب الدعاء نزلها منزلة العاقل؛ إذ لا ينادى إلا العقلاء.
٢ - أن يندمج غير العاقل مع العاقل في حكم واحد، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ الاية رقم [١٧] من سورة (النحل)، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ الاية رقم [١٨] من سورة (الحج).
٣ - أن يقترن غير العاقل بالعاقل في عموم مفصل، كما في آية (النور) المذكورة آنفا؛ إذ الدابة تعم أصناف من يدب على وجه الأرض، وقد فصلها على ثلاثة أنواع. وتستعمل (ما) للعاقل في ثلاث مسائل أيضا:
١ - إذا اقترن العاقل بغير العاقل في حكم واحد، وهو كثير كما في الاية التي نحن بصدد شرحها، وقوله تعالى في سورة (طه) رقم [٦]: ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى﴾.
٢ - إذا نزل العاقل منزلة غير العاقل، كقوله تعالى في سورة (النساء) الاية [٣]: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ،﴾ وقوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٣] وفي كثير من الايات: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾.
٣ - تستعمل (ما) في المبهم أمره، كقولك، وقد رأيت شبحا من بعيد: (انظر إلى ما أرى).
الإعراب: ﴿يُسَبِّحُ:﴾ فعل مضارع. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. وقيل: اللام صلة، وعليه فلفظ الجلالة مجرور لفظا، منصوب محلا. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل ﴿يُسَبِّحُ،﴾ والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها.
﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والإعراب مثله. ﴿الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ:﴾ هذه الأسماء كلها بدل من لفظ الجلالة، أو هي نعوت له. هذا؛ ويقرأ برفعها على القطع على تقدير مبتدأ محذوف للأول، أو تقدير مبتدآت للكل، ويجوز في العربية نصبها على القطع بتقدير فعل ينصبها، وهذا جائز في العربية، ويعبر عنه بقطع النعت عن المنعوت، أو بقطع التابع عن المتبوع إذا كان للمدح، أو للذم، أو للترحم والترفق. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] واقطع أو اتبع إن يكن معيّنا... بدونها أو بعضها اقطع معلنا
وارفع، أو انصب إن قطعت مضمرا... مبتدأ أو ناصبا لن يظهرا
стр. 6584
﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢)﴾
الشرح: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ:﴾ هم العرب، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ رقم [٢٠] من سورة (آل عمران). ﴿رَسُولاً مِنْهُمْ:﴾ هو محمد ﷺ . ومعنى ﴿مِنْهُمْ:﴾ من أنفسهم، كقوله تعالى في آخر سورة (التوبة): ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾. هذا؛ والأمي: هو الذي لا يقرأ، ولا يكتب، نسبة إلى الأم، كأنه باق على حالته التي ولد عليها، وهذا الوصف من خصوصيات النبي ﷺ ؛ إذ كثير من الأنبياء كان يقرأ، ويكتب. قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٥٧]: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ وصفه الله بذلك تنبيها على أن كمال علمه مع حاله إحدى معجزاته، وهو وصف ذم إلا في حقه ﷺ ، فهو وصف تعظيم، وتمجيد؛ ولذا قال تعالى ممتنا عليه: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ رقم [٤٨] من سورة (العنكبوت)، وقد قال الله تعالى في حق سفلة اليهود: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاّ أَمانِيَّ﴾ رقم [٧٨] من سورة (البقرة).
﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ:﴾ يقرأ عليهم آيات القرآن؛ التي أنزلها الله عليه. ﴿وَيُزَكِّيهِمْ:﴾ يطهرهم من الشرك، والمعاصي، وسوء الطباع، ومن خبائث العقائد، والأعمال. ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ:﴾ القرآن، وما فيه من الشرائع، والأحكام، ومعالم الدين من المنقول، والمعقول، ولو لم يكن له سواه معجزة؛ لكفاه. ﴿وَالْحِكْمَةَ:﴾ السنة، وما تكمل به نفوسهم من المعارف، والأحكام، والأخلاق.
وقال أبو بكر بن دريد: كل كلمة وعظتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح؛ فهي حكمة.
هذا؛ والحكمة: الإصابة في الرأي، والمعتقدات، والفقه في الدين، والعقل، والعمل. وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: والحكمة في عرف العلماء: استكمال النفس الإنسانية باقتباس العلوم النظرية، واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة على قدر طاقتها، وهي من منح الله لمن يشاء من عباده. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٦٨]: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً،﴾ وقال تعالى في سورة (لقمان) رقم [١٢]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلّهِ﴾. والحكم بضم الحاء: الإصابة في الحكم، والرأي، فهو مثل: الحكمة. ﴿وَإِنْ كانُوا﴾ أي: كفار قريش، والعرب قاطبة. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ من قبل مبعث محمد ﷺ . ﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ:﴾ في جهالة جهلاء، وضلالة عمياء، كما هو معروف لدى جميع الناس.
قال ابن كثير-رحمه الله تعالى-: بعث الله محمدا ﷺ على حين فترة من الرسل، وطموس من السبل، وقد اشتدت الحاجة إليه، فقد كان العرب متمسكين بدين إبراهيم الخليل، ﵇، فبدلوه، وغيروه، واستبدلوا بالتوحيد شركا، وباليقين شكا، وابتدعوا أشياء لم يأذن بها
стр. 6585
الله، وكذلك أهل الكتاب قد بدلوا كتبهم، وحرفوها، فبعث الله محمدا ﷺ بشرع عظيم، شامل كامل، فيه الهداية، والبيان لكل ما يحتاج إليه الناس من أمر معاشهم، ومعادهم، وجمع له تعالى جميع المحاسن، وأعطاه ما لم يعط أحدا من الأولين، والاخرين. انتهى.
الإعراب: ﴿هُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بَعَثَ:﴾
فعل ماض. ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿رَسُولاً:﴾ مفعول به. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿رَسُولاً﴾. ﴿يَتْلُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿رَسُولاً،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿رَسُولاً،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿آياتِهِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والهاء في محل جر بالإضافة. (يزكيهم): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وجملة: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿وَإِنْ:﴾ (الواو): واو الحال.
(إن): مخففة من الثقيلة مهملة لا عمل لها. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل (كانوا) وبني (قبل) على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى. ﴿لَفِي:﴾ اللام: هي الفارقة بين النفي والإثبات وهي لازمة. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] وخفّفت إنّ فقلّ العمل... وتلزم اللام إذا ما تهمل
(في ضلال): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانُوا﴾. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة ﴿ضَلالٍ،﴾ وجملة: ﴿كانُوا مِنْ قَبْلُ﴾ في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به، والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ والاية مذكورة في سورة (آل عمران) برقم [١٦٤] مع اختلاف بسيط في أول كلماتها.
﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾
الشرح: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ:﴾ هم الذين جاؤوا بعد الصحابة إلى يوم الدين، فإن دعوة النبي ﷺ تعم الجميع السابقين، واللاحقين، فإن المسلمين كلهم أمة واحدة. وقيل: أراد بالاخرين:
العجم. وهو قول ابن عمر، وسعيد بن جبير، ورواية عن مجاهد، يدل عليه ما روي عن أبي هريرة-﵁-قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ ؛ إذ نزلت عليه سورة (الجمعة)، فتلاها، فلما بلغ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قال رجل: من هؤلاء يا رسول الله؟! الذين لم يلحقوا بنا؟ فلم يكلمه؛ حتى سأله ثلاثا-قال: وفينا سلمان الفارسي-فوضع رسول الله ﷺ يده على
следующие страницы →