Полный текст (7 463 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.
стр. 6686
﴿نَبَّأَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿بَعْضِ أَزْواجِهِ،﴾ والمفعول الأول محذوف. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل مفعوله الثاني، التقدير: نبأت غيرها به، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. (أظهره): فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿عَرَّفَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿النَّبِيُّ﴾. ﴿بَعْضَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب (لمّا)، لا محل لها. وجملة: ﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ:﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿فَلَمّا:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (لمّا): مثل سابقتها. ﴿نَبَّأَها:﴾ فعل ماض، وها: مفعوله الأول، والفاعل يعود إلى ﴿النَّبِيُّ﴾ أيضا. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل مفعوله الثاني، والجملة الفعلية، قل فيها ما قلته بسابقتها. ﴿قالَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل تقديره: «هي»، والجملة الفعلية جواب (لمّا)، لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَنْبَأَكَ:﴾
فعل ماض، والكاف مفعول به أول، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر مبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الرسول ﷺ . ﴿نَبَّأَنِيَ:﴾ ماض، والنون للوقاية، والياء مفعول به أول، والثاني محذوف، تقديره: نبأني به. ﴿الْعَلِيمُ:﴾ فاعله.
﴿الْخَبِيرُ:﴾ بدل منه، وقيل: صفة له. ولا وجه له قطعا؛ لأنهما اسمان من أسماء الله الحسنى.
والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ﴾ مستأنفة لا محل لها.
﴿إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (٤)﴾
الشرح: ﴿إِنْ تَتُوبا:﴾ الخطاب لعائشة، وحفصة-﵄. خاطبهما بطريق الالتفات؛ ليكون أبلغ في معاتبتهما، وحملهما على التوبة مما بدر منهما من الإيذاء لسيد الأنبياء. ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ أي: فقد زاغت ومالت قلوبكما عما يجب عليكما من الطاعة، والإخلاص لرسول الله ﷺ ، واستوجبتما أن تتوبا، وذلك بأن سركما ما كره رسول الله ﷺ من تحريم مارية-﵂. والواجب عليكما حب ما يحبه، وكراهة ما يكرهه.
﴿وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ أي: وإن تتعاونا على إيذاء الرسول ﷺ ، وعلى ما يسوءه، والأصل: «وإن تتظاهرا عليه» فحذفت إحدى التاءين تخفيفا، وهذا الحذف كثير في القرآن الكريم، فعن ابن عباس
стр. 6687
-﵄-قال: لم أزل حريصا على أن أسأل عمر بن الخطاب-﵁-عن المرأتين من أزواج النبي ﷺ اللتين قال الله فيهما: ﴿إِنْ تَتُوبا..﴾. إلخ حتى حج، وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق؛ عدل، وعدلت معه بالإداوة (ركوة ماء) فتبرز (خرج إلى الفضاء ليقضي حاجته) ثم أتاني، فصببت على يديه، فتوضأ، فقلت: يا أمير المؤمنين! من المرأتان من أزواج النبي ﷺ اللتان قال الله فيهما: ﴿إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ..﴾. إلخ؟ قال عمر-﵁: واعجبا لك يابن عباس! قال الزهري: كره منه ما سأله عنه، ولم يكتمه، قال: هما عائشة، وحفصة.
﴿فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ:﴾ وليه، وناصره، فلا يؤثر عليه ذلك التظاهر، والتعاون منكما عليه.
﴿وَجِبْرِيلُ:﴾ أفرده بالذكر مع دخوله في الملائكة المذكورين بعده تعظيما له، وإظهارا لمكانته عند الله تعالى، فيكون قد ذكر مرتين: مرة بالإفراد، ومرة في العموم، ووسّط صالح المؤمنين بين جبريل، والملائكة تشريفا لهم، واعتناء بشأنهم، وإشادة بفضل الصلاح، وختم الآية بذكر الملائكة الأبرار، أعظم المخلوقات، وجعلهم ظهراء للنبي ﷺ ليكون ذلك أفخم به صلوات الله وسلامه عليه؛ إذ الملائكة بمثابة جيش جرار، يملأ القفار، نصرة للنبي المختار، صاحب الأنوار ﷺ ، فمن ذا الذي يستطيع أن يناوئ سيد الخلق، وحبيب الحق بعد ذلك؟! هذا؛ ويستدل بهذه الآية على عظم كيد النساء، كما قال تعالى في سورة (يوسف) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام حكاية عن قول العزيز: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ رقم [٢٨]، بينما وصف الله كيد الشيطان بالضعف، وذلك بقوله جلت قدرته، وتعالت حكمته في سورة (النساء) رقم [٧٦]: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً﴾. ولا تنس: أن الكلام في الآية مسوق للمبالغة، وإلا؛ فكفى بالله وليا، وكفى بالله نصيرا.
هذا؛ والمراد ب: (صالح المؤمنين) أبو بكر، وعمر-﵄؛ لأنهما أبوا عائشة وحفصة، وقد كانا عونا للنبي ﷺ عليهما، وقيل: (صالح المؤمنين): علي-﵁.
وقيل: خيار المؤمنين، و (صالح) اسم جنس لا جمع، ولذلك يكتب من غير واو بعد الحاء كما هو في رسم مصحف الإمام، وجوزوا أن يكون جمعا بالواو والنون، وحذفت النون للإضافة، وكتب دون واو اعتبارا بلفظه؛ لأن الواو ساقطة لالتقاء الساكنين، نحو: ﴿وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ﴾ رقم [٢٤] من سورة (الشورى)، وقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ..﴾. إلخ من سورة (القمر) رقم [٦]، وقوله تعالى في سورة (العلق) ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ،﴾ وانظر ما ذكرته في «الصلاح» في سورة (النمل) رقم [١٩]، وفي سورة (الصافات) رقم [١١٢]، وفي سورة (المنافقون) رقم [١٠].
هذا؛ و ﴿ظَهِيرٌ﴾ فعيل يستوي فيه المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، فهو هنا بمعنى ظهراء، كقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً﴾ رقم [٦٩] من سورة (النساء). هذا؛ والمفسرون يذكرون: أن النبي ﷺ هجر أزواجه شهرا، وأشيع: أنه طلق أزواجه. ويذكرون: أن
стр. 6688
عمر-﵁-استأذن على الرسول ﷺ ثلاث مرات، فلم يؤذن له، ثم أذن له، ويختمون القصة بنزول قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ..﴾. إلخ الآية رقم [٢٨] من سورة (الأحزاب) وما بعدها، ولا أعتمده، وإنما أعتمد أنهما واقعتان، لا واقعة واحدة: الأولى كانت عامة أزواج النبي ﷺ حينما سألنه الزيادة في النفقة، وهذه خاصة بحفصة، وعائشة حينما تآمرتا عليه، وكشفتا سره. والله ولي التوفيق.
بعد هذا: أما قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ حيث جمع القلب، وهما ثنتان بلا ريب، كما رأيت. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: ولم يقل: فقد صغى قلباكما، ومن شأن العرب إذا ذكروا الشيئين من اثنين جمعوهما؛ لأنه لا يشكل. وقال الجلال: ولم يعبر بالجمع لاستثقال الجمع بين تثنيتين فيما هو كالكلمة الواحدة. وقال مكي-رحمه الله تعالى-: وإنما جمع القلب، وهما اثنتان؛ لأن كل شيء ليس في الإنسان منه غير واحد، إذا قرن به مثله فهو جمع. وقيل:
لأن التثنية جمع؛ لأنها جمع شيء إلى شيء. وقد تكلم السيوطي-رحمه الله تعالى-على هذه المسألة في كتابه: (همع الهوامع) الذي شرحت شواهده، وأعربتها، وأرجو الله أن يمتن عليّ بالتوفيق لطباعته، وها أنذا أنقل لك ما قاله بالحرف؛ لتكون على بينة من أمرك.
قال-رحمه الله تعالى-: الأصل في كلام العرب دلالة كل لفظ على ما وضع له، فيدل المفرد على المفرد، والمثنى على اثنين، والجمع على جمع، وقد يخرج الكلام عن هذا الأصل، وذلك قسمان: مسموع، ومقيس.
فالأول: ما ليس جزءا مما أضيف إليه: سمع: ضع في رحالهما، يريد في اثنين. وديناركم مختلفة أي: دنانيركم مختلفة. وعيناه حسنة، أي: حسنتان. وأورد أربعة أبيات شعرية شواهد لذلك، قال: ومنه: لبيك وإخوته، فإنه مثنى وضع موضع الجمع. وقالوا: شابت مفارقه، وليس له إلا مفرق واحد. وعظيم المناكب، وغليظ الحواجب، والوجنات، والمرافق، وعظيمة الأوراك. فكل هذا مسموع لا يقاس عليه، وقاسه الكوفيون وابن مالك إذا أمن اللبس، وهو ماش على قاعدة الكوفيين من القياس على الشاذ، والنادر، قال أبو حيان: ولو قيس شيء من هذا، لالتبست الدلالات، واختلطت الموضوعات.
والثاني: ما أضيف إلى متضمنه. وهو مثنى لفظا، نحو قطعت رؤوس الكبشين، أي:
رأسيهما، أو معنى نحو قول الشاعر: [الطويل]
رأيت بني البكري في حومة الوغى... كفاغري الأفواه عند عرين
فإن مثل ذلك ورد فيه الجمع، والإفراد، والتثنية. فمن الأول قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما،﴾ وقوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٣٨]: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾. ومن الإفراد: قراءة الحسن قوله تعالى في سورة (طه) رقم [١٢١] وفي ثلاث آيات من سورة
стр. 6689
(الأعراف): ﴿فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ ومن التثنية قراءة من قرأ: «(بدت لهما سوءتاهما)»، وقراءة الجمهور من الأول ﴿سَوْآتُهُما﴾ فطرد ابن مالك قياس الجمع، والإفراد أيضا لفهم المعنى، وخص الجمهور القياس بالجمع، وقصروا الإفراد على ما سمع، وورد، وإنما وافق الجمهور على قياس كراهة اجتماع تثنيتين مع فهم المعنى، ولذلك شرط أن لا يكون لكل واحد من المضاف إليه إلا شيء واحد؛ لأنه إن كان له أكثر؛ التبس، فلا يجوز في: «قطعت أذني الزيدين» الإتيان بالجمع، ولا الإفراد للإلباس، وأورد ستة أبيات شعرية شاهدا لذلك.
فإن فرق متضمناهما، -كقوله تعالى: ﴿عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ فقال ابن مالك- أيضا بقياس الجمع، والإفراد. وخالفه أبو حيان؛ لأن الجمع إنما قيس هناك كراهة اجتماع تثنيتين، وقد زالت بتفريق المتضمنين، قال: فالذي يقتضيه النظر الاقتصار على التثنية، وإن ورد جمع، أو إفراد؛ اقتصر فيه على مورد السماع. قال: وأما الآية فليس المراد فيها باللسان الجارحة، بل المراد الكلام، أو الرسالة، فليس جزءا من داود، ولا من عيسى، عليهما الصلاة والسّلام. انتهى.
أقول: ولم يذكر السيوطي-رحمه الله تعالى-أرجح الأوجه الثلاثة في الثاني، وهو ما أضيف إلى متضمنه، وهي جمع المضاف، وبقاء المضاف إليه على تثنيته، وبقاء كل من المضاف، والمضاف إليه على تثنيته، فأرجحها الوجه الأول، وهذه لغة القرآن، كما رأيت، وهو متفق على رجحانه عند جميع النحاة، واختلف في الوجهين الآخرين: فذهب ابن مالك إلى رجحان الثاني على الثالث، وذهب أبو حيان إلى العكس، ومنه قول الرسول ﷺ : «إذا التقى المسلمان بسيفيهما؛ فالقاتل والمقتول في النار» وقد أطلت عليك الكلام في ذلك بغية الإفادة، والله ولي التوفيق، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَتُوبا:﴾ فعل مضارع، فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله. ﴿إِلَى اللهِ﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: يتب الله عليكما. ﴿فَقَدْ:﴾ (الفاء): حرف تعليل. (قد):
حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿صَغَتْ:﴾ ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة، التي هي حرف لا محل له. ﴿قُلُوبُكُما:﴾
فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، والميم، والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة المفيدة للتعليل، لا محل لها، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ إعرابها مثل سابقتها، وجواب الشرط محذوف أيضا، والتقدير: وإن تظاهرا عليه؛ فلا يعدم ناصرا، ولن يعدم من يظاهره من الله، والملائكة، وصالحاء المؤمنين.
стр. 6690
﴿فَإِنَّ:﴾ (الفاء): حرف تعليل. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿مَوْلاهُ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، و ﴿مَوْلاهُ﴾ خبره، فالجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ).
﴿وَجِبْرِيلُ:﴾ معطوف على محل اسم (إنّ) قبل دخول الناسخ، وهذا أجازه البعض دون البعض، وما بعده معطوف عليه؛ فيكون المعنى، والتقدير: فيكونون ناصرين النبي ﷺ . والخبر عن الكل هو قوله: ﴿مَوْلاهُ﴾ فيقدر بعد كل واحد منها. وفي السمين: ويجوز أن يكون الكلام قد تم عند قوله: ﴿مَوْلاهُ،﴾ ويكون (جبريل) مبتدأ، وما بعده عطف عليه، و ﴿ظَهِيرٌ﴾ خبر الجميع، فتختص الولاية بالله، ويكون جبريل قد ذكر في المعاونة مرتين: مرة بالتنصيص عليه، ومرة بدخوله في عموم الملائكة. انتهى. كما أجيز الوقف على (جبريل) واعتبار ما بعده مبتدأ، واعتبار ﴿ظَهِيرٌ﴾ خبرا عنهما، كما أجيز الوقف على ﴿الْمُؤْمِنِينَ،﴾ وما بعده جملة مستأنفة. وقال مكي-رحمه الله تعالى-: إلا أن المتعارف الوقف على ﴿مَوْلاهُ﴾ عند القراء، ويكون (جبريل) ابتداء يبتدأ به.
﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿ظَهِيرٌ﴾ بعده، و ﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له.
﴿ظَهِيرٌ:﴾ رأيت الاعتبارات التي قيلت فيه.
﴿عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً (٥)﴾
الشرح: ﴿عَسى رَبُّهُ:﴾ ﴿عَسى﴾ من الله تفيد تحقيق الوقوع، وتأكيده، وليست على بابها من الرجاء. وقال ابن عرفة: و ﴿عَسى﴾ هنا للتخويف، لا للوجوب. ﴿إِنْ طَلَّقَكُنَّ:﴾ هذا وعد من الله لرسوله ﷺ ، لو طلقهن في الدنيا أن يزوجه في الدنيا نساء خيرا منهن، والله عليم، وخبير بأن النبي ﷺ لا يطلقهن، ولكن أخبر عن قدرته على أنه إن طلقهن أبدله خيرا منهن تخويفا لهن، وتحذيرا، فهو كقوله تعالى في آخر سورة (محمد ﷺ : ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ وهو من باب الفرض، والتقدير. ثم وصف الله هؤلاء الزوجات اللاتي سيبدله بهن بما يلي:
﴿مُسْلِماتٍ﴾ أي: مطيعات خاضعات مستسلمات لأمر الله ، وأمر رسوله.
﴿مُؤْمِناتٍ:﴾ مصدقات بالله، ورسوله، مصدقات بما أمرن به، وبما نهين عنه. ﴿قانِتاتٍ:﴾
مطيعات. والقنوت: الطاعة، والخضوع. وقيل: مصليات في الليل. ﴿تائِباتٍ:﴾ من ذنوبهن، راجعات إلى أمر رسول الله ﷺ ، تاركات لمحابّ أنفسهن. ﴿عَبَّدْتَ:﴾ كثيرات العبادة لله تعالى. وقال ابن عباس-﵄: كل عبادة في القرآن فهو التوحيد. ﴿سائِحاتٍ:﴾
صائمات، قيل للصائم: سائح لأن السائح، لا زاد معه، فلا يزال ممسكا إلى أن يجد ما
стр. 6691
يطعمه، فشبه به الصائم في إمساكه إلى أن يجيء وقت إفطاره. وقد قال الرسول ﷺ : «سياحة أمّتي الصّيام». أخرجه الطبراني عن أبي هريرة-﵁-وهذا استدل به ابن عباس-﵄-لما ذكرته. وقال زيد بن أسلم-رحمه الله تعالى-: ﴿سائِحاتٍ﴾ مهاجرات، وتلا قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [١١٢]: ﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السّائِحُونَ..﴾. إلخ ولعل هذا الرأي:
أرجح؛ لأنه يتفق مع المعنى اللغوي للسياحة، وهي السفر في الأرض للاعتبار.
﴿ثَيِّباتٍ:﴾ جمع ثيب، وهي التي تزوجت، ثم بانت بوجه من الوجوه، وثابت. أي:
رجعت إلى بيت أبويها. ﴿وَأَبْكاراً﴾ أي: عذارى، جمع: بكر، والمعنى: منهن ثيبات، ومنهن أبكار، قال ابن كثير-رحمه الله تعالى-: قسمهن إلى نوعين، ليكون ذلك أشهى إلى النفس، وإنما دخلت واو العطف بين ثيبات، وأبكارا للتنويع، والتقسيم، ولو سقطت لاختل المعنى؛ لأن الثيوبة والبكارة لا يجتمعان في امرأة أبدا. فتدبر سر القرآن وبلاغته. هذا؛ وقيل: إن الواو واو الثمانية، وقد استوفيت الكلام على هذه الواو في الآية رقم [٢٢] من سورة (الكهف)، فانظره هناك إن شئت تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
خاتمة:
روى البخاري عن أنس-﵁-قال: قال عمر-﵁: اجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة عليه، فقلت لهن: ﴿عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ﴾ فنزلت هذه الآية. ولمسلم عن ابن عباس-﵄-نحوه. وفيه قال: دخلت عليه، فقلت: يا رسول الله! ما يشق عليك من شأن النساء؟ فإن طلقتهن، فإن الله معك، وملائكته، وجبريل، وميكائيل، وأنا، وأبو بكر، والمؤمنون معك، وقلما تكلمت-وأحمد الله-بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول، فنزلت: ﴿وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ وأيضا قوله تعالى: ﴿عَسى رَبُّهُ..﴾. إلخ.
هذا؛ وقد ثبت: أن الله صدق قوله، وحقق طلبته في أربعة عشر موضعا في كتاب الله تعالى، منها: قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٢٥]: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾. ومنها:
الآية رقم [٦٠] من سورة (النساء) حيث قتل المنافق؛ الذي لم يرض بحكم رسول الله ﷺ .
والآيات رقم [٩٠] والتي بعدها من سورة (المائدة) حيث نزلت بتحريم الخمر موافقة لما كان يطلب من الرسول ﷺ . والآيات رقم [٦٧] وما بعدها من سورة (الأنفال) التي نزلت في شأن أسرى بدر موافقة لرأيه. والآية رقم [٨٤] من سورة (التوبة) التي نزلت في شأن النهي عن الصلاة على المنافقين إذا ماتوا. والآية رقم [٥٩] من سورة (الأحزاب) التي نزلت في الحجاب موافقة لطلبته. وقد قال الرسول ﷺ : «ما سلك عمر فجّا إلا وسلك الشّيطان فجّا غير فجّه». وقد نزل جبريل ﵇ بتسميته الفاروق يوم أعلن إسلامه في مكة، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب يوم العرض، والحساب، وخاب الذين يسبونه، ويفترون عليه المفتريات.
стр. 6692
الإعراب: ﴿عَسى:﴾ فعل ماض جامد، مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿رَبُّهُ:﴾
اسم ﴿عَسى﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.
﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿طَلَّقَكُنَّ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى الرسول ﷺ ، والكاف مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير جازم، وجواب الشرط محذوف، لدلالة ما قبله عليه، والجملة الشرطية معترضة بين اسم ﴿عَسى﴾ وخبرها، لا محل لها، واعترض بها اهتماما، ومبادرة إلى تخويفهن، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُبْدِلَهُ﴾ في محل نصب خبر ﴿عَسى﴾ ويجب تأويله باسم الفاعل؛ لأن المصدر لا يخبر به عن الجثة، ﴿أَزْواجاً:﴾ مفعول به ثان. والمفعول الأول الضمير. ﴿خَيْراً:﴾ صفة ﴿أَزْواجاً،﴾ وجملة: ﴿عَسى..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنْكُنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَيْراً،﴾ والنون حرف دال على جماعة الإناث.
﴿مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ:﴾ صفات متعددة ل: ﴿أَزْواجاً﴾. هذا؛ وقال الجمل: إما نعت، وإما حال، أو منصوب على الاختصاص. والمعتمد ما قدمته، وهو النعت.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ هذا نداء من الله تعالى للمؤمنين بأكرم وصف، وألطف عبارة، أي: يا من صدقتم بالله ورسوله، وتحليتم بالإيمان؛ الذي هو زينة الإنسان. ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ:﴾ احفظوها. ﴿وَأَهْلِيكُمْ﴾ أي: مروهم بالخير، وانهوهم عن الشر، وعلموهم، وأدبوهم.
ويدخل تحت الأهل: الزوجة، والأولاد، والإخوة إن كانوا صغارا، وكل من له عليه الإنسان القوامة، وسلطة الأمر والنهي، قال تعالى في سورة (طه) رقم [١٣٢]: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ قال الكيا: فعلينا تعليم أولادنا، وأهلينا الدين، والخير. انتهى.
أقول: كيف لا؟ والرسول ﷺ يقول: «كلّكم راع، ومسؤول عن رعيّته، الإمام راع، ومسؤول عن رعيّته، والرجل راع في أهله، ومسؤول عن رعيّته، والمرأة راعية في بيت زوجها، ومسؤولة عن رعيّتها، والخادم راع في مال سيّده، ومسؤول عن رعيّته. كلكم راع ومسؤول عن رعيّته». رواه البخاري، ومسلم عن ابن عمر-﵄. وعن الحسن بن علي-﵄-عن نبي الله ﷺ قال: «إنّ الله سائل كلّ راع عمّا استرعاه: حفظ، أم ضيّع؛ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته». رواه ابن حبان في صحيحه.
وعن جابر بن سمرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لأن يؤدّب الرجل ولده خير له من أن يتصدّق بصاع» رواه الترمذي، وعن أيوب بن موسى عن أبيه، عن جده: أن رسول الله
стр. 6693
صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما نحل والد والدا من نحل أفضل من أدب حسن». رواه الترمذي أيضا، وروى ابن ماجه عن ابن عباس-﵄-عن النبي ﷺ قال: «أكرموا أولادكم، وأحسنوا أدبهم».
وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده-﵁-عن النبي: «مروا أبناءكم بالصّلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع». خرجه جماعة من أهل الحديث.
وخذ قول الشاعر الحكيم: [البسيط]
عوّد بنيك على الآداب في الصّغر... كيما تقرّ بهم عيناك في الكبر
فإنّما مثل الآداب تجمعها... في عنفوان الصّبا كالنقش في الحجر
هذا؛ و ﴿قُوا﴾ أمر من الوقاية، فوزنه: «عوا»؛ لأن الفاء حذفت لوقوعها في المضارع بين ياء وكسرة، وكذلك حذفت لامه لبناء الأمر من المعتل الآخر، فبقي الأمر حرفا واحدا، وهو (ق). وهذا يجري في كل فعل لفيف مفروق، مثل: وعى، يعي، ع، ووفى، يفي، ف، وولي، يلي، ل، ووطي، يطي، ط، لذا فالأحسن إلحاق هاء السكت لفعل الأمر المأخوذ من اللفيف المفروق، حتى لا يبقى الفعل حرفا واحدا، فيقال: قه، وعه، وفه... إلخ.
﴿وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ:﴾ بفتح الواو، أي: ما توقد به النار، وأما بضمها؛ فهو المصدر، وكذلك الاسم منه، وبعضهم قال: كلّ من الفتح والضم يجري في الآلة، والمصدر، وكذا يقال في الوضوء، والسحور، والطهور، ونحو ذلك، ولكن المشهور الأول، والمراد في الآلة: ما توقد به، والمراد بالمصدر: الفعل، والحدث، ويقرأ بفتح الواو، وضمها، والمراد بالحجارة:
الأصنام التي عبدوها في الدنيا، وأملوا نفعها، وشفاعتها. قال تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٩٨] مخاطبا الكافرين في الدنيا: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ وعن ابن عباس-﵄-أنها حجارة الكبريت، فهي أشد توقدا، وأبطأ خمودا، وأنتن ريحا، وألصق بالبدن، والحجارة جمع: حجر، كجمالة جمع: جمل، وهو قليل غير منقاس.
﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ:﴾ المراد بهم: خزنة جهنم، وهم الزبانية، حبّب إليهم عذاب الخلق، كما حبّب لبني آدم أكل الطعام، والشراب، يدفع الواحد منهم بالدفعة الواحدة سبعين ألفا في النار، لم يخلق الله الرحمة فيهم. ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ﴾ أي: لا يخالفونه في أمره، ولا في نهيه. ﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ أي: في وقته، فلا يؤخرونه ولا يقدمونه، فلا تأخذهم رأفة في تنفيذ أوامره، والانتقام من أعدائه. وقيل: لذتهم في امتثال أمر الله، كما أنّ سرور أهل الجنة في أن يكونوا في الجنة. وخذ ما يلي:
فعن أبي هريرة-﵁-قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾ فقال: «أوقد عليها ألف عام؛ حتى احمرّت، وألف عام؛ حتّى ابيضّت، وألف عام؛
стр. 6694
حتى اسودّت، فهي سوداء مظلمة، لا يضيء لهبها» رواه الترمذي، وابن ماجه، والبيهقي. هذا؛ ورفع: «ألف» على أنه نائب فاعل، وإن نصبته على الظرفية، فالجار والمجرور: «عليها» في محل رفع نائب فاعل: «أوقد». وعن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي-﵁-قال:
قال رسول الله ﷺ : «إنّ في النار حيّات كأمثال أعناق البخت، تلسع إحداهنّ اللسعة، فيجد حرّها سبعين خريفا، وإن في النار عقارب كأمثال البغال الموكفة، تلسع إحداهنّ اللسعة، فيجد حموتها أربعين سنة». رواه أحمد، والطبراني. هذا؛ وانظر (أمر) في الآية رقم [٣٢] من سورة (الطور).
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿قُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها.
﴿أَنْفُسَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَأَهْلِيكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف.
(أهليكم): معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿ناراً:﴾ مفعول به ثان، أو هو منصوب بنزع الخافض، التقدير: من نار. ﴿وَقُودُهَا:﴾ مبتدأ، و (ها) في محل جر بالإضافة. ﴿النّاسُ:﴾ خبره. والجملة الاسمية في محل نصب صفة ﴿ناراً﴾. ﴿وَالْحِجارَةُ:﴾
الواو: حرف عطف. (الحجارة): معطوف على ما قبله.
﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَلائِكَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿ناراً،﴾ أو هي في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم. ﴿غِلاظٌ شِدادٌ:﴾ صفتان ل: ﴿مَلائِكَةٌ،﴾ وجملة: ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ﴾ صالحة للوصفية، والحالية من ﴿مَلائِكَةٌ﴾ كالتي قبلها. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب بدلا من لفظ الجلالة، بدل اشتمال. قاله الجلال، ووافقه الجمل عليه، التقدير:
لا يعصون أمر الله، وأرى صحة اعتبارها في محل نصب بنزع الخافض، التقدير: لا يعصون الله فيما... إلخ، وهو ما أفاده تقدير الزمخشري، والنسفي. ﴿أَمَرَهُمْ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يفعلون الذي، أو شيئا أمرهم الله به، وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر، التقدير: أمره، وهو يرجح البدلية؛ فهو جيد، ولا بأس به، بل هو أولى، والمعنى عليه أولى. هذا؛ وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: أليست الجملتان في معنى واحد؟ قلت: لا، فإن معنى الأولى: أنهم يتقبلون أوامره، ويلتزمونها، ولا يأبونها، ولا
стр. 6695
ينكرونها. ومعنى الثانية: أنهم يؤدون ما يؤمرون به، ولا يتثاقلون عنه، ولا يتوانون فيه، وجملة:
﴿وَيَفْعَلُونَ..﴾. إلخ: معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها، و ﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مفعول به، ولا تحتمل المصدرية، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: ويفعلون الذي، أو شيئا يؤمرونه، أو يؤمرون به.
تأمل، وتدبر، وربك أعلم.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ أي: يقال لهم: لا تعتذروا اليوم. وذلك حين يعاينون النار، وشدتها؛ لأن الله- -قد قدم إليهم الإنذار، والإعذار في الدنيا، فلا ينفعهم الاعتذار في الآخرة؛ لأنه غير مقبول بعد دخول النار، وقد فات زمان الاعتذار، وصار الأمر إلى ما صار، والآية كقوله تعالى في سورة (الروم) رقم [٥٧]: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾. وقال تعالى في سورة (المرسلات) رقم [٣٦]: ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾.
﴿إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: إنما تنالون جزاء أعمالكم القبيحة، ولا تظلمون شيئا، وهذه الجملة مذكورة في كثير من الآيات، ويجمع فحواها كلها قوله تعالى في سورة (غافر) رقم [١٧]:
﴿الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب ما قبلها بلا فارق بينهما.
﴿لا تَعْتَذِرُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله.
﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿تُجْزَوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿إِنَّما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة، أو مصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة: ﴿تَعْمَلُونَ:﴾ في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: تجزون الذي، أو شيئا كنتم تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به ثان، التقدير: تجزون عملكم، وفيه ضعف لا يخفى، وعلى جميع الاعتبارات؛ فالكلام على تقدير مضاف محذوف، التقدير: جزاء الذي، أو جزاء عملكم، والجملة الفعلية: ﴿إِنَّما..﴾. إلخ تعليل للنهي، لا محل لها، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير:
يقال لهم عند إدخالهم الملائكة النار: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. إلخ.
стр. 6696
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [٦]. ﴿تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ أي: ذات نصح، تنصح صاحبها بترك العود إلى الذنب الذي تاب منه. قال عمر بن الخطاب، وأبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل-﵃: التوبة النصوح: أن يتوب، ثم لا يعود إلى الذنب، كما لا يعود اللبن إلى الضرع. وقال محمد بن كعب القرظي: التوبة النصوح يجمعها أربعة أشياء:
الاستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان، وإضمار ترك العود بالجنان، ومهاجرة سيّئ الإخوان.
وقال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب على الفور، ولا يجوز تأخيرها سواء أكانت المعصية صغيرة، أو كبيرة؟ فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى، لا تتعلق بحق آدمي؛ فلها ثلاثة شروط: أحدها: أن يقلع عن المعصية، والثاني: أن يندم على فعلها، والثالث: أن يعزم على أن لا يعود إليها أبدا، فإذا اجتمعت هذه الشروط في التوبة؛ كانت نصوحا، وإن فقد شرط منها؛ لم تصح توبته. فإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمي؛ فشروطها أربعة، هذه الثلاثة المتقدمة، والرابع: أن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت المعصية مالا، ونحوه؛ ردّه إلى صاحبه، وإن كان حدّ قذف، أو نحوه؛ مكنه من نفسه، أو طلب عفوه، وإن كانت غيبة؛ استحله منها. ويجب أن يتوب العبد من جميع الذنوب فإن تاب من بعضها صحت توبته من ذلك الذنب، وبقي عليه ما لم يتب منه، هذا مذهب أهل السنة، وقد تظاهرت دلائل الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة على وجوب التوبة. انتهى. خازن. هذا؛ ولم يؤنث (نصوح)؛ لأنه صيغة مبالغة مثل: امرأة صبور، وجارية شكور، والمعنى بالغة في النصح. وخذ ما يلي:
عن الأغر بن يسار-﵁-قال رسول الله ﷺ : «يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب إليه في اليوم مئة مرّة». أخرجه مسلم، وعن أبي هريرة-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «والله إنّي لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرّة». أخرجه البخاري، وعن أنس بن مالك-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من أحدكم سقط على بعيره، وقد أضلّه بأرض فلاة». رواه البخاري، ومسلم.
وعن أبي موسى الأشعري-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله يبسط يده بالليل؛ ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار؛ ليتوب مسيء الليل؛ حتى تطلع الشمس من
стр. 6697
مغربها». أخرجه مسلم والنسائي. وعن عبد الله بن عمر-﵄-عن النبي ﷺ قال:
«إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر». رواه ابن ماجه، والترمذي. هذا؛ وقد بين الله ﵎ في سورة (النساء) رقم [١٧] و [١٨] أن التوبة المقبولة هي أن المسلم يفعل الذنب بجهالة، ثم يتوب من قريب، وليست التوبة للذين يعملون المعاصي، والسيئات، ثم إذا حضر أحدهم الموت؛ قال: إني تبت الآن، ولا الذين يموتون وهم كفار، انظر شرح الآيتين في محلهما.
﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ:﴾ ﴿عَسى﴾ في حق الله تفيد تحقيق الوقوع، وتأكيده، وليست على بابها من الرجاء. وتكفير السيئات: محوها. هذا؛ وإذا كانت: لعل، وعسى، وسوف في مواعيد الملوك البشرية كالجزم بها، وإنما يطلقونها إظهارا لوقارهم، وإشعارا بأن الرمز منهم كالتصريح من غيرهم، فوعد الله، ووعيده أولى، وآكد من مواعيد جميع ملوك الأرض. ﴿وَيُدْخِلَكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ:﴾ انظر الآية رقم [١١] من سورة (الطلاق).
﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ أي: لا يعذبهم، بل يكرمهم، ويعزهم، ويرفع شأنهم يوم القيامة. وفيه تعريض بأهل الكفر، والنفاق بأن الله يعذبهم، ويخزيهم في ذلك اليوم العظيم.
﴿نُورُهُمْ يَسْعى:﴾ لا أرى حاجة إلى المزيد عما ذكرته في الآية رقم [١٢] من سورة (الحديد) ففيها الغذاء الكافي، والدواء الشافي لقلبك. والله الموفق إلى الصواب، وإليه المرجع والمآب.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ:﴾ انظر الآية رقم [٦]. ﴿تَوْبَةً:﴾ مفعول مطلق.
﴿نَصُوحاً:﴾ صفة ﴿تَوْبَةً﴾ إما على المبالغة على أنها نفس المصدر، أو على حذف مضاف، التقدير: توبة ذات نصح. هذا؛ وأجيز اعتباره مفعولا لأجله، أي: لأجل النصح العائد نفعه عليكم. كما أجيز اعتباره مفعولا مطلقا مؤكدا لفعل محذوف، التقدير: تنصحهم نصحا. وعلى كل فهو من الإسناد المجازي، والكلام مبتدأ، أو مستأنف لا محل له. ﴿عَسى:﴾ فعل ماض جامد مبني على الفتح المقدر على الألف. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ اسم ﴿عَسى،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُكَفِّرَ﴾ في محل نصب خبر ﴿عَسى،﴾ ويجب تحويله إلى اسم فاعل، فيكون المعنى عسى ربكم مكفرا، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿عَنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.
﴿سَيِّئاتِكُمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَيُدْخِلَكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (يدخلكم):
معطوف على ما قبله منصوب مثله، والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّكُمْ،﴾ والكاف مفعول به أول.
﴿جَنّاتٍ:﴾ مفعول به ثان منصوب مثله... إلخ. ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان بما قبلهما، وها: في محل جر بالإضافة.
﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل ﴿تَجْرِي،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿جَنّاتٍ﴾.
стр. 6698
﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل (يدخل)، أو هو متعلق بفعل محذوف، أو هو مفعول به لهذا المحذوف، وهو: اذكر. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُخْزِي:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهِ:﴾ فاعله.
﴿النَّبِيَّ:﴾ مفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ (الواو):
حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب معطوف على ﴿النَّبِيَّ،﴾ أو هو في محل رفع مبتدأ. وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول، لا محل لها.
﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿نُورُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَسْعى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿نُورُهُمْ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ والرابط: الضمير فقط، وأجيز اعتبارها مستأنفة. وهذان الوجهان على اعتبار الموصول معطوفا على ﴿النَّبِيَّ،﴾ وأما على اعتباره مبتدأ؛ فالجملة الاسمية في محل رفع خبره، وعليه: فالجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿أَيْدِيهِمْ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء. (بأيمانهم): جار ومجرور معطوفان على الظرف، والهاء فيهما في محل جر بالإضافة. ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمائر العائدة على الموصول، والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة لا محل لها. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله. وفاعله مستتر فيه. ﴿أَتْمِمْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿نُورَنا:﴾ مفعول به، و (نا): في محل جر بالإضافة، والكلام في محل نصب مقول القول. ﴿وَاغْفِرْ لَنا:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و (كل) مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل لا محل لها.
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاُغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ:﴾ هذا النداء موجه للنبي ﷺ ، وتدخل فيه أمته من بعده إلى يوم القيامة. ﴿جاهِدِ الْكُفّارَ:﴾ بالسيف، وفي كل زمان، ومكان بما يكون آلة للحرب، والقتال، والطعن، والنزال، حيث لم يبق للسيف في هذه الأيام تأثير، كما هو معروف. ﴿وَالْمُنافِقِينَ﴾ أي:
стр. 6699
وجاهد المنافقين بإقامة الحجة عليهم، وزجرهم، وإقامة الحدود عليهم، واكفهرار الوجه لهم.
﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: شدد عليهم ما ذكر حتى ترهبهم، وتدخل الرعب في قلوبهم. ﴿وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ:﴾ مقرهم، ومآلهم بعد الموت جهنم يصلونها ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ والمقر، والمآل هي.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿جاهِدِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:
«أنت»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿الْكُفّارَ:﴾ مفعول به. ﴿وَالْمُنافِقِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (المنافقين): معطوف على ما قبله منصوب مثله.
﴿وَاغْلُظْ:﴾ فعل أمر، وفاعله تقديره: «أنت»، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَمَأْواهُمْ:﴾ مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿جَهَنَّمُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَبِئْسَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (بئس المصير): فعل وفاعل، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: المذمومة جهنم، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. هذا؛ والآية مذكورة بحروفها في سورة (التوبة) رقم [٧٣].
﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَتَ نُوحٍ وَاِمْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ اُدْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ (١٠)﴾
الشرح: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً..﴾. إلخ: أي: بين الله، وقرر. وضرب المثل في أمثال هذه المواضع عبارة عن إيراد حالة غريبة، ليعرف بها حالة أخرى مشاكلة لها في الغرابة. وما أكثر الأمثال التي ضربها الله في قرآنه؛ ليعتبر الناس فيها، ويتعظوا.
﴿اِمْرَأَتَ نُوحٍ:﴾ اسمها: والهة، واسم امرأة لوط: والعة؛ قاله مقاتل. وقال الضحاك: عن عائشة-﵂: إن جبريل-﵊-نزل على النبي ﷺ ، فأخبره أن اسم امرأة نوح: واعلة، واسم امرأة لوط: والهة. وقيل: اسمها واهلة. وقيل: والعة. ﴿كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ﴾ أي: عند نبيين رسولين، لهما عليهما سلطة، وقوامة ليلا، ونهارا، يؤاكلانهما، ويضاجعانهما، ويعاشرانهما أشد العشرة، والاختلاط. والإضافة إضافة تشريف، وتفخيم، وتعظيم. هذا؛ وقد وصف الرسولين ب: ﴿صالِحَيْنِ؛﴾ لأن الصلاح درجة عالية، ومنزلة سامية، ومكانة رفيعة. انظر ما ذكرته في سورة (المنافقون) رقم [١٠] فإنه جيد.
﴿فَخانَتاهُما:﴾ لم يرد بالخيانة خيانة العرض، والشرف، فهذا يستحيل في حق الأنبياء، وإنما كانت الخيانة في الدين، أي: كانتا كافرتين؛ لأن الزنى مستقبح عند جميع الناس، ولا
стр. 6700
تقره العقول السليمة، وأما الكفر؛ فيستحسنه مئات الملايين من الناس، بل؛ ويدافعون عنه، ويحاجون بأنهم على الحق. قال ابن عباس-﵄: ما بغت امرأة نبي قط، وإنما كانت خيانتهما: أنهما كانتا على غير دينهما، وكانت امرأة نوح تقول للناس: إنه مجنون، وإذا آمن به أحد؛ أخبرت به الجبابرة من قومها، وأما امرأة لوط؛ فإنها كانت تدل قومها على أضيافه؛ إذا نزل به الضيف في الليل أوقدت النار، وإذا نزل به الضيف في النهار؛ دخّنت؛ لتعلم قومها بذلك. وقيل: إنهما أسرتا النفاق، وأظهرتا الإيمان.
﴿فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً﴾ أي: لم يدفعا عن امرأتيهما مع نبوتهما، ومكانتهما عند الله عذاب الله. ﴿وَقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ التعبير بالماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق الوقوع، وقد ذكرته فيما مضى مرارا، وتكرارا. هذا؛ وانظر قصة نوح، ولوط-على نبينا، وحبيبنا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام-في كثير من السور.
قال الخازن-رحمه الله تعالى-: وهذا مثل ضربه الله تعالى للصالحين، والصالحات من النساء، وأنه لا ينفع العاصي طاعة غيره، ولا تضر المطيع معصية غيره، وإن كانت القرابة متصلة بينهم، وأن القريب كالأجانب، بل أبعد؛ وإن كان القريب الذي يتصل به الكافر نبيا، كامرأة نوح، وامرأة لوط لما خانتاهما؛ لم يغن هذان الرسولان عن امرأتيهما شيئا. فقطع بهذه الآية طمع من يرتكب المعصية، ويتكل على صلاح غيره. وفي هذا المثل تعريض بأمّي المؤمنين: عائشة وحفصة، وما فرط منهما، وتحذير لهما على أغلظ وجه، وأشده. ثم ضرب الله مثلا آخر، يتضمن: أن معصية الغير لا تضره إذا كان مطيعا، وإن وصلة المسلم بالكافر لا تضر المؤمن. انتهى.
هذا؛ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: (ويقال): إن كفار مكة استهزؤوا، وقالوا: إن محمدا ﷺ يشفع لنا، فبين الله تعالى: أن شفاعته لا تنفع كفار مكة، وإن كانوا أقرباء، كما لا تنفع شفاعة نوح لامرأته، وشفاعة لوط لامرأته مع قربهما لهما؛ لكفرهما. انتهى. وأرى أنه لا وجه لقوله؛ لأن السورة مدنية.
الإعراب: ﴿ضَرَبَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿مَثَلاً:﴾ مفعول به. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة ﴿مَثَلاً،﴾ وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿اِمْرَأَتَ:﴾ بدل من ﴿مَثَلاً﴾. وقيل: ﴿مَثَلاً﴾ مفعول ثان تقدم على الأول، وهو ﴿اِمْرَأَتَ﴾ ورجح هذا مكي، وضعف الأول. هذا؛ واعتمدت الأول في سورة (النحل) وغيرها، و ﴿اِمْرَأَتَ﴾ مضاف، و ﴿نُوحٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَامْرَأَتَ لُوطٍ:﴾
معطوف على ما قبله. ﴿كانَتا:﴾ فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث، وحركت بالفتح لالتقائها ساكنة مع ألف الاثنين التي هي اسم (كان). ﴿تَحْتَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر كان، و ﴿تَحْتَ﴾ مضاف، و ﴿عَبْدَيْنِ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ عِبادِنا:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿عَبْدَيْنِ﴾
стр. 6701
و (نا) في محل جر بالإضافة. ﴿صالِحَيْنِ:﴾ صفة ﴿عَبْدَيْنِ،﴾ مجرور مثله، وعلامة الجر فيها الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنهما مثنى، والنون فيهما عوض من التنوين في الاسم المفرد، وجملة:
﴿كانَتا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من: «المرأتين»؛ فلست مفندا، ويكون الرابط ألف الاثنين، وهي على تقدير: «قد» قبلها.
﴿فَخانَتاهُما:﴾ (الفاء): حرف عطف. (خانتاهما): فعل، وفاعل، ومفعول به، والتاء للتأنيث، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿فَلَمْ:﴾ (الفاء): حرف عطف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.
﴿يُغْنِيا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والألف فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿عَنْهُما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وتعليقهما بمحذوف حال من ﴿شَيْئاً﴾ لا بأس به. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به، أو هو نائب مفعول مطلق.
﴿وَقِيلَ:﴾ (الواو): حرف عطف. (قيل): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿اُدْخُلا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والألف فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع نائب فاعل: ﴿وَقِيلَ،﴾ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥] من سورة (المنافقون) ففيها فضل بيان. ﴿النّارَ:﴾ مفعول به.
﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، وهو مضاف، و ﴿الدّاخِلِينَ:﴾ مضاف إليه، وجملة:
﴿وَقِيلَ..﴾. الخ معطوفة على ما قبلها.
﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ اِبْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (١١)﴾
الشرح: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ:﴾ حيث آمنت بالله ربا، وبموسى نبيا، وذلك لمّا غلب السحرة، وتبيّن لها أنها على الحق، ولم تضرها الوصلة بالكافر فرعون، وهي الزوجية، التي هي من أعظم الوصل، ولا نفعه إيمانها: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ وأبدلها الله عن هذه الزوجية أن جعلها في الآخرة زوجة خير خلقه محمد ﷺ ، وكذا زوّجه الله تعالى في الجنة مريم بنت عمران عليهاالسّلام. وعن ابن عباس-﵄: أن النبي ﷺ دخل على خديجة-﵂، وهي في الموت، فقال لها: «يا خديجة إذا لقيت ضرّاتك؛ فأقرئيهنّ مني السّلام». فقالت:
يا رسول الله! وهل تزوّجت قبلي؟! قال: «لا، ولكنّ الله زوجني مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وكلثوم أخت موسى». فقالت له: يا رسول الله بالرّفاء والبنين.
وروى الشيخان عن أبي موسى الأشعري-﵁-أن النبي ﷺ قال: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع: مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة
стр. 6702
بنت محمد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون». انتهى جمل نقلا عن الخطيب، والمحفوظ من تتمة الحديث: أن النبي ﷺ قال: «وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام».
﴿إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ:﴾ وذلك لما تبين لفرعون الخبيث إيمانها أوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد، وألقاها في الشمس، فكانت تعذب في الشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة، فلما سألت بيتا في الجنة كشف الله لها عن بيتها الذي أعده لها. وقيل: إن فرعون الخبيث أمر بصخرة عظيمة لتلقى عليها. فلما أتوها بالصخرة، ﴿قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾ فأبصرت بيتها في الجنة من درة بيضاء، وانتزعت روحها، فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه، ولم تجد ألما.
هذا؛ وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: ما معنى الجمع بين ﴿عِنْدَكَ﴾ و ﴿فِي الْجَنَّةِ﴾ قلت: طلبت القرب من رحمة الله، والبعد من عذاب أعدائه، ثم بينت مكان القرب بقولها: ﴿فِي الْجَنَّةِ،﴾ أو أرادت ارتفاع الدرجة في الجنة، وأن تكون جنتها من الجنان التي هي أقرب إلى العرش، وهي جنات المأوى، فعبرت عن القرب إلى العرش بقولها: ﴿عِنْدَكَ﴾.
انتهى. هذا؛ وقال بعض العلماء: ما أحسن هذا الكلام! فقد اختارت الجار قبل الدار، حيث قالت: ﴿اِبْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾ فهي تطمع في جوار الله قبل طمعها في القصور.
﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ:﴾ من كفره، وظلمه، وعذابه. وقال ابن عباس-﵄:
يعني: من جماعه. والمشهور: أن الله حماها منه، وحجبها عنه، فلم يستطع الدخول بها لذا بقيت بكرا حتى توفيت مثل مريم، وكلثوم أخت موسى. هذا؛ وآسية عليهاالسّلام من بني إسرائيل، قيل: إنها عمة موسى. وقيل: بنت عمه، أخذها فرعون قهرا من أهلها، فحماها الله منه، ولكنه أمسكها عنده يتصبب بشبابها، وجمالها. ولله في خلقه شؤون خفيت عن أكثر الخلق.
﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ:﴾ من القبط كلهم، فإنهم ظالمون. وفيه دليل على أن الاستعاذة بالله، والالتجاء إليه، ومسألة الخلاص منه عند المحن والنوازل من سير الصالحين، وسنن الأنبياء والمرسلين، فموسى ﵇ قد حكى القرآن قوله في سورة (الشعراء) رقم [١١٨]:
﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ،﴾ وموسى وقومه سألوا الله النجاة من القوم الظالمين الكافرين، وقد حكى القرآن قولهم في سورة (يونس) رقم [٨٥] و [٨٦]: ﴿فَقالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾.
الإعراب: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ:﴾ إعراب هذا الكلام مثل إعراب ما قبله بلا فارق. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بقوله ﴿مَثَلاً﴾. ﴿قالَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿اِمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾. ﴿ضَرَبَ:﴾
منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم
стр. 6703
المحذوفة، وانظر: ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٥] من سورة (الصف). ﴿اِبْنِ:﴾ فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿عِنْدَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من: ﴿بَيْتاً﴾ كان صفة له، والكاف في محل جر بالإضافة.
﴿بَيْتاً:﴾ مفعول به، ﴿فِي الْجَنَّةِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿بَيْتاً،﴾ وقيل: عطف بيان، أو بدل من قوله: ﴿عِنْدَكَ﴾ والقولان ضعيفان. والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالَتْ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿وَنَجِّنِي:﴾ (الواو): حرف عطف. (نجني): فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿وَعَمَلِهِ:﴾ معطوف على فرعون، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها.
وإعرابها مثلها بلا فارق.
﴿وَمَرْيَمَ اِبْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢)﴾
الشرح: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ﴾ أي: ومريم ابنة عمران مثل آخر في الإيمان. ﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ أي: حفظت فرجها، وصانته عن مقارنة الفواحش، بل ولم يقربها رجل لا بنكاح، ولا بسفاح، فهي عفيفة شريفة طاهرة، لا كما يزعم اليهود-عليهم لعنة الله والملائكة، والناس أجمعين-: أنها زنت، وأن ولدها عيسى ابن زنى. ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا﴾ أي: فنفخ جبريل ﵇ في فتحة جيبها، فوصل أثر ذلك إلى فرجها، فحملت بعيسى، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
قال ابن كثير: إن الله بعث جبريل، فتمثل لها في صورة بشر، وأمره أن ينفخ بفيه في جيب درعها، فنزلت تلك النفخة، فولجت في فرجها، فكان منه الحمل بعيسى ﵇، وانظر ما ذكرته في سورة (الأنبياء) رقم [٩١] عن السهيلي، وتفصيل ذلك في سورة (مريم) عليهاالسّلام.
﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها:﴾ يعني الشرائع التي شرعها الله لعباده بكلماته المنزلة على أنبيائه.
﴿وَكُتُبِهِ﴾ يعني: الكتب المنزلة على إبراهيم، وموسى، وداود، وعيسى، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام ﴿وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ:﴾ قال النسفي: لما كان القنوت صفة تشمل من قنت من القبيلين؛ غلب ذكوره على إناثه، و ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، ويجوز أن تكون للابتداء على أنها ولدت من القانتين؛ لأنها من أعقاب هارون أخي موسى، ﵉. انتهى.
стр. 6704
فعن أنس بن مالك-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون» أخرجه الترمذي، وقال: حديث صحيح.
وذكر الحافظ ابن عساكر عن ابن عمر-﵄-قال: جاء جبريل ﵇ إلى رسول الله ﷺ ، فمرت خديجة-﵂-فقال جبريل: إنّ الله يقرئها السّلام، ويبشّرها ببيت في الجنة من قصب، بعيد من اللهب، لا نصب فيه، ولا صخب، من لؤلؤة جوفاء بين بيت مريم بنت عمران، وبيت آسية بنت مزاحم. انتهى. والمحفوظ: أنها قالت حينما أعلمها الرسول بذلك:
هو السّلام، ومنه السّلام وإليه يعود السّلام، فلم تقل: وعليه السّلام؛ لأنه لا يجوز للعبد أن يقول:
وعلى الله السّلام. وهذا من كمال عقلها، وفهمها، وذكائها-﵂ وأرضاها-.
هذا؛ و «مريم» بالعبرية بمعنى: الخادم، ثم سمي به كثير من النساء، و «مريم» في لسان العرب هي التي تكره مخالطة الرجال. ولم تذكر امرأة باسمها صريحا في القرآن الكريم إلا «مريم» وقد ذكرت فيه في ثلاثين موضعا. هذا؛ وفي القاموس المحيط: «المريم» هي التي تحب مخالطة الرجال، ولا تفجر، وهذا يناقض ما قبله. قال الشاعر: [الطويل]
وزائرة ليلا كما لاح بارق... تضوّع منها للكساء عبير
فقلت لها أهلا وسهلا أمريم؟ ... فقالت نعم من أنت؟ قلت لها زير
الإعراب: ﴿وَمَرْيَمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (مريم): معطوف على ﴿اِمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ منصوب مثله. ﴿اِبْنَتَ:﴾ صفة (مريم)، أو بدل منها، و ﴿اِبْنَتَ:﴾ مضاف، و ﴿عِمْرانَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لزيادة الألف والنون.
﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل صفة (مريم). ﴿أَحْصَنَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى (مريم)، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.
﴿فَرْجَها:﴾ مفعول به، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿فَنَفَخْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿فِيهِ:﴾
جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿مِنْ رُوحِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف صفة لمفعول محذوف، أي: روحا من روحنا، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿وَصَدَّقَتْ:﴾ الواو: حرف عطف. (صدقت): فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى (مريم)، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿بِكَلِماتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (كلمات) مضاف، و ﴿رَبِّها:﴾ مضاف إليه، و (ها): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَكُتُبِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. (كانت): فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث، واسمها يعود إلى (مريم). ﴿مِنَ﴾
стр. 6705
الْقانِتِينَ: متعلقان بمحذوف خبر (كانت)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، واعتبارها في محل نصب حال من (مريم) فلا بأس به، وتحتاج إلى تقدير: «قد» قبلها.
خاتمة: قال الصلاح الصفدي-رحمه الله تعالى-: رأيت بخط ابن خلكان: أن مسلما ناظر نصرانيا، فقال له النصراني في خلال كلامه مختفيا في خطابه بقبيح آثامه: يا مسلم! كيف كان وجه عائشة زوجة نبيكم في تخلفها عن الركب عن نبيكم معتذرة بضياع عقدها؟! فقال له المسلم: يا نصراني! كان وجهها كوجه بنت عمران لما أتت بعيسى تحمله من غير زوج؛ فمهما اعتقدت في دينك من براءة مريم؛ اعتقدنا مثله في ديننا من براءة عائشة زوج نبينا! فانقطع النصراني، ولم يحر جوابا.
انتهت سورة (التحريم) بحمد الله، وتوفيقه.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 6706
سورة الملك
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة (الملك) وهي مكية في قول الجميع. وتسمى: الواقية، والمنجية، وهي ثلاثون آية، وثلاثمئة وثلاثون كلمة، وألف وثلاثمئة، وثلاثة عشر حرفا. (خازن). وخذ ما يلي:
فعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «إن سورة في القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له، وهي: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد.
وروي عن ابن عباس-﵄-قال: ضرب بعض أصحاب النبي ﷺ خباءه على قبر، وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة (الملك) حتى ختمها، فأتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! ضربت خبائي على قبر، وأنا لا أحسب: أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة (الملك) حتى ختمها، فقال النبي ﷺ : «هي المانعة، هي المنجية، تنجيه من عذاب القبر». رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب.
وعن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «وددت أنها في قلب كل مؤمن، يعني: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾» رواه الحاكم. انتهى. «الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري.
أقول: ينبغي للمسلم، وللمسلمة أن يحافظ كلاهما على قراءة سورة (الملك) كل ليلة إن أراد كل منهما أن تشفع له يوم القيامة، وأن تنجيه من عذاب القبر مع مراعاة الشروط، والآداب التي يجب توافرها عند قراءة القرآن، وأهمها: الطهارة الكاملة، والجلوس مستويا مستقبل القبلة، والقراءة بتدبر، وتفهم... إلخ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾
الشرح: ﴿تَبارَكَ الَّذِي..﴾. إلخ: أي: تنزه الله، وتعالى عن كل ما لا يليق به. وقال الخازن في غير هذه السورة: تمجد، وتعظم، وارتفع. وفي سورة (الفرقان): تكاثر خيره من البركة.
وهي كثرة الخير، وزيادته، أو تزيّد عن كل شيء، وتعالى عنه في صفاته، وأفعاله، وهي كلمة تقديس، وتعظيم، لم تستعمل إلا لله وحده، وهو ملازم للمضي، لا يأتي منه مضارع، ولا أمر.
قال الطرماح: [الطويل]
стр. 6707
تباركت لا معط لشيء منعته... وليس لما أعطيت يا ربّ مانع
وقال آخر: [الطويل]
تباركت ما تقدر يقع ولك الشّكر
﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ أي: بتصرفه، وتحت قدرته وإرادته ملك السموات والأرض في الدنيا، والآخرة، وهو مستول على كل موجود، وهو مالك الملك يؤتيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء.
وقال ابن عباس-﵄: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ يعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويحيي، ويميت، ويغني، ويفقر، ويعطي، ويمنع. وهذا تأويل الخلف. والسلف يقولون: لله يد تليق به لا نعلمها. ومذهب السلف في هذه المتشابهات أسلم، ومذهب الخلف أحكم. ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾ من المقدورات، أو من الإنعام، والانتقام.
الإعراب: ﴿تَبارَكَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها من الإعراب. ﴿بِيَدِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والتقديم يفيد الاختصاص، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْمُلْكُ:﴾
مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين بمحذوف صلة الموصول؛ ف ﴿الْمُلْكُ﴾ يكون فاعلا بمتعلقهما، التقدير: الذي استقر، أو ثبت بيده الملك، وهو كلام في غاية البلاغة، والفصاحة. ﴿وَهُوَ:﴾ (الواو): حرف عطف (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ. والجملة الاسمية معطوفة على جملة الصلة لا محل لها مثلها، قال الجمل: وأرى صحة اعتبارها حالا من الموصول، والرابط: الواو، والضمير، والاستئناف ممكن أيضا. تأمل، وتدبر.
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾
الشرح: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ:﴾ قيل: أراد موت الإنسان، وحياته في الدنيا، جعل الله الدنيا دار حياة، وفناء، وجعل الآخرة دار جزاء، وبقاء، وإنما قدم الموت؛ لأنه أقرب إلى قهر الإنسان.
وقيل: قدّمه؛ لأنه أقدم، وذلك؛ لأن الأشياء كانت في الابتداء في حكم الموتى، كالتراب، والنطفة، والعلقة، ونحو ذلك، ثم طرأت عليها الحياة. ولا تنس الطباق بين الموت، والحياة.
﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ أي: ليعاملكم معاملة المختبر لأحوالكم كيف تعملون؟ فإن ما خلقه الله في هذه الدنيا زينة للأرض، ومتاع لكم، وأسباب ومواد لوجود بني آدم ومعاشهم، وما تحتاج إليه أعمالهم، ودلائل، وأمارات يستدلون بها، ويستنبطون منها معرفة الواحد الأحد، فيبعثهم ذلك على الإيمان به، وإخلاص العبادة له. وقيل: في الكلام استعارة تمثيلية تبعية. ولا وجه له. فعن
стр. 6708
عبد الله بن عمر-﵄-أن النبي ﷺ تلا قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ رقم [٧] من سورة (هود)، ثم قال: «أيّكم أحسن عقلا، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله».
هذا؛ والابتلاء: الامتحان، والاختبار يكون في الخير، والشر. قال تعالى: ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ رقم [١٦٨] من سورة (الأعراف)، وخذ ما يلي:
عن أنس بن مالك-﵁: أن رسول الله ﷺ مر بمجلس، وهم يضحكون فقال:
«أكثروا من ذكر هاذم اللذات» أحسبه قال: «فإنه ما ذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه، ولا في سعة إلا ضيقها عليه». رواه البيهقي، والبزار.
وعن ابن عمر-﵄-قال: أتيت النبي ﷺ عاشر عشرة، فقام رجل من الأنصار، فقال: يا نبي الله! من أكيس الناس، وأحزم الناس؟ قال: «أكثرهم ذكرا للموت، وأكثرهم استعدادا للموت، أولئك الأكياس، ذهبوا بشرف الدنيا، وكرامة الآخرة». رواه الطبراني، وابن ماجه، والبيهقي، ورحم الله من يقول: [الكامل]
ولدتك أمّك يا بن آدم باكيا... والناس حولك يضحكون سرورا
فاعمل لنفسك كي تكون إذا بكوا... في يوم موتك ضاحكا مسرورا
وخير وسيلة يستديم بها المؤمن ذكر الموت أن يكثر من تذكر إخوانه الذين عاشروه، ثم ماتوا، وخلفوه، كيف كانوا في مناصبهم، وأعمالهم، وكيف خلت منهم منازلهم؟! فإنه لو تذكر حال كل واحد منهم، وفصل في قلبه ما كان عليه في دنياه من حسن الصورة، وجمال المنظر والنشاط في الغدو والرواح، والركون إلى الشباب، والقوة، والمال، والانخداع بزهرة الدنيا، وزينتها، والغفلة عما هو قادم عليه من الموت الذريع، والهلاك السريع، وكيف كان يختزن من الأقوات، ويكتنز من الأموال ما يكفيه عشرات السنين، وكيف كان يشيد من الأبنية والقصور ما يبقى أبد الآبدين؛ مع أن اسمه قد كتب في سجل الميتين، وها هو ذا الآن يأكل الدود لسانه، وتتخلل الأتربة أسنانه، وكم نطق بهذا اللسان! وكم افترّ ثغره عن مثل حب الجمان!.
لو تذكر الإنسان إخوانه على هذا النحو، واعتبر نفسه بهم، وقاس حاله بحالهم، وعرف أن غفلته ستكون كغفلتهم، وعاقبته كعاقبتهم، لو داوم على هذا التفكر، وأكثر من عيادة المرضى، وتشييع الجنائز، وزيارة القبور؛ لغلب ذكر الموت على قلبه، فيقل فرحه بالدنيا وزخرفها، ويشتد تجافيه عن غرورها، ويشتغل بالاستعداد للآخرة، التي لا محيص عنها. قال عمر بن عبد العزيز ﵁: (ألا ترون أنكم تجهزون كلّ يوم غاديا، أو رائحا إلى الله، تضعونه في صدع من الأرض، قد توسد التراب، وخلف الأحباب، وتقطعت به الأسباب).
بعد هذا: فالموت: انتهاء الحياة بخمود حرارة البدن، وبطلان حركته. وموت القلب:
قسوته، فلا يتأثر بالمواعظ، ولا ينتفع بالنصائح. هذا؛ وقد قال الله تعالى في سورة (الزمر) رقم
стр. 6709
[٤٢]: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها،﴾ وقال في سورة (السجدة) رقم [١١]: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾. وقال تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٥٠]: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ،﴾ وقال في سورة (الأنعام) رقم [٦١]: ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾. والجمع بين هذه الآيات: أن الموفي في الحقيقة هو الله تعالى، فإذا حضر أجل العبد أمر الله ملك الموت بقبض روحه، ولملك الموت أعوان من الملائكة، يأمرهم بنزع روح ذلك العبد من جسده، فإذا وصلت إلى الحلقوم؛ تولى قبضها ملك الموت بنفسه. انتهى. خازن في غير هذا الموضع.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ:﴾ القوي القاهر الغالب المنتقم ممن عصاه؛ الذي لا يعجزه من أساء العمل.
﴿الْغَفُورُ:﴾ لمن تاب إليه، ورجع عن إساءته، والذي لا ييأس منه أهل الإساءة والزلل. وهما صيغتا مبالغة.
الإعراب: ﴿الَّذِي:﴾ بدل مما قبله، أو هو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني الذي. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الذي، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿الْمَوْتَ:﴾ مفعول به. (الحياة):
معطوف على ما قبله. ﴿لِيَبْلُوَكُمْ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي خَلَقَ،﴾ والكاف مفعول به، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿خَلَقَ﴾. وقال الفراء، والزجاج: متعلقان بفعل محذوف، كما تقول: بلوتكم؛ لأنظر: أيكم أطوع؟ والمعنى هنا: ليبلوكم، فيعلم، أو فينظر أيكم أحسن عملا. ﴿أَيُّكُمْ:﴾ اسم استفهام مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَحْسَنُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿عَمَلاً:﴾ تمييز، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به ثان للفعل (يبلو) المعلق عن العمل بسبب الاستفهام. هذا؛ وأجيز اعتبار (أيكم) اسم موصول بمعنى «الذي» و ﴿أَحْسَنُ﴾ خبر مبتدأ محذوف، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية هذه صلة له، ويكون هذا الموصول في محل نصب بدلا من مفعول ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ تقديره: ليبلو الذي هو أحسن. وعليه: فالضمة للبناء، والمعتمد الأول.
﴿وَهُوَ:﴾ (الواو): واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْعَزِيزُ:﴾
خبر أول. ﴿الْغَفُورُ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الفاعل المستتر العائد على الموصول، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.
﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣)﴾
الشرح: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً:﴾ يعني: طبقا على طبق، بعضها فوق بعض، كل سماء مقبية على الأخرى، وسماء الدنيا كالقبة على الأرض. قال كعب الأخبار: سماء الدنيا: موج
стр. 6710
مكفوف. والثانية: مرمرة بيضاء. والثالثة: حديد. والرابعة: صفر. وقيل: نحاس، والخامسة:
فضة. والسادسة: ذهب. والسابعة: ياقوتة حمراء. وما بين السماء السابعة إلى الحجب السبعة صحار من نور. انتهى خازن. وانظر ما ذكرته في سورة (الطلاق) رقم [١٢] فهو جيد. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [١٧]: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ﴾ انظر شرحها هناك.
﴿ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ﴾ أي: ما ترى يابن آدم في شيء مما خلق الرحمن اعوجاجا، ولا اختلافا، ولا تناقضا، بل خلقهن مستقيمة مستوية، وحقيقة التفاوت: عدم التناسب، كأن بعض الشيء يفوت بعضا، ولا يلائمه، وأصل الكلام: أما ترى فيهن من تفاوت، فوضع ﴿خَلْقِ الرَّحْمنِ﴾ موضع الضمير تعظيما لخلقهن، وتنبيها على سلامتهن من التفاوت، وهو أنه خلق الرحمن، وأنه بباهر قدرته هو الذي يخلق مثل ذلك الخلق المتناسب. والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤيا.
﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ﴾ أي: أعد النظر، وكرره هل ترى في السموات من شقوق، وصدوع؟! وأصله من التفطر، والانفطار، وهو التشتت، والانشقاق. قال الشاعر: [الوافر] بنى لكم بلا عمد سماء... وزيّنها فما فيها فطور
وانظر ما ذكرته في سورة (الشورى) رقم [١١]. وقال الشاعر: [الوافر]
شققت القلب ثمّ ذررت فيه... هواك فليم فالتأم الفطور
تغلغل حيث لم يبلغ شراب... ولا سكر ولم يبلغ سرور
هذا؛ و «ترى» ماضيه: رأى، وقياس المضارع: ترأي، وقد تركت العرب الهمز في مضارعه لكثرته في كلامهم، وربما احتاجت إلى همزه، فهمزته كما في قول سراقة بن مرداس البارقي -وهو الشاهد رقم [٥٠٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -:
أري عينيّ ما لم ترأياه... كلانا عالم بالتّرهات
وربما جاء ماضيه بغير همز، وبه قرأ نافع بقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ و ﴿إِذا رَأَيْتَ:﴾ (أرايتكم)، (أرايت) بدون همز، وقال الشاعر: [الخفيف]
صاح هل ريت أو سمعت براع... ردّ في الضّرع ما قرى في الحلاب؟!
وإذا أمرت منه على الأصل قلت: ارء، وعلى الحذف: ره بهاء السكت. وقل في إعلال تري: أصله: ترأي، قلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وحذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على الراء للتخفيف.
الإعراب: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ:﴾ مثل سابقه، و ﴿سَبْعَ﴾ مضاف، و ﴿سَماواتٍ﴾ مضاف إليه.
﴿طِباقاً:﴾ صفة ﴿سَبْعَ،﴾ ويجوز في العربية جره صفة ل: ﴿سَماواتٍ،﴾ كما في قوله تعالى: ﴿وَقالَ﴾
стр. 6711
﴿الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ﴾ الآية رقم [٤٣] من سورة (يوسف) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وأجيز اعتباره مفعولا مطلقا لفعل محذوف. التقدير: تطابق طباقا، كما أجيز اعتباره حالا، أي: ذات طباق، فحذف «ذات» وأقيم طباقا مقامه. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿تَرى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿فِي خَلْقِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و ﴿خَلَقَ﴾ مضاف، و ﴿الرَّحْمنِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الرَّحْمنِ:﴾ حرف صلة.
﴿تَفاوُتٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة: ﴿ما تَرى..﴾. إلخ في محل نصب صفة ﴿طِباقاً﴾. أفاده الجمل، والنسفي، والزمخشري. وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿فَارْجِعِ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: إذا كان ذلك واقعا، ولم تصدق؛ فارجع.
(ارجع): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْبَصَرَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، ومن يجيز عطف الإنشاء على الخبر يعطفها على ما قبلها، وابن هشام يعتبر الفاء للسببية المحضة، والمعتمد الأول. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام ﴿تَرى:﴾ فعل مضارع، والفاعل: أنت. ﴿الرَّحْمنِ:﴾ حرف جر صلة. ﴿فُطُورٍ:﴾ مفعول به، مثل ﴿تَفاوُتٍ،﴾ والجملة الفعلية يجوز أن تكون معلقة لفعل محذوف يدل عليه: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ أي:
فارجع البصر، فانظر: هل ترى، وأن يكون: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ مضمنا معنى: فانظر؛ لأنه بمعناه، فيكون هو المعلق. انتهى. جمل.
﴿ثُمَّ اِرْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾
الشرح: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ:﴾ قال ابن عباس ﵄: مرة بعد مرة. وإنما أمر المخاطب بالنظر مرتين؛ لأنه إذا نظر في الشيء مرة لا يرى عيبه ما لم ينظر إليه مرة أخرى، فأخبر الله تعالى أنه وإن نظر في الشيء مرتين لا يرى فيها عيبا، بل يتحير بالنظر إليها. فذلك قوله تعالى: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً﴾ أي: خاشعا، صاغرا، متباعدا عن أن يرى شيئا من ذلك. والمراد والله أعلم: كرر النظر إلى السموات مرات، ومرات، فإنك لن ترى خللا، أو عيبا في السموات السبع. هذا؛ و ﴿كَرَّتَيْنِ﴾ مصدر ك: «مرتين»، وهو مثنى لا يراد به حقيقته، بل التكثير بدليل ما بعده. والوصفان: ﴿خاسِئاً﴾ و ﴿حَسِيرٌ﴾ لا يتأتيان بنظرتين، ولا بثلاث، وإنما المعنى: كرات. وهذا كقولهم: لبّيك، وسعديك، وحنانيك، وهذاذيك، لا يريدون بهذه التثنية شفع الواحد، وإنما يريدون التكثير أي: إجابة لك بعد إجابة، وإلا تناقض الغرض. والتثنية قد تفيد التكثير بقرينة، كما يفيد أصلها، وهو العطف، انظر الشواهد [٩٨٦/ ٩٨٥/٩٨٤] من كتابنا:
«فتح القريب المجيب» تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
стр. 6712
والفعل «خسأ» يكون لازما، ومتعديا، وهو من الباب الثالث، مثل: قطع، يقطع، وفتح، يفتح. هذا؛ والمادة تدل على الصغار، والذلة، والهوان، قال تعالى لليهود اللؤماء الذين اعتدوا في السبت: ﴿فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ رقم [٦٥] من سورة (البقرة)، و [١٦٦] من سورة (الأعراف).
﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: قد بلغ الغاية في الإعياء فهو بمعنى: فاعل من الحسور؛ الذي هو الإعياء، ويجوز أن يكون: مفعولا من: حسره بعد الشيء، وهو معنى قول ابن عباس-﵄. ومنه قول الشاعر: [البسيط]
من مدّ طرفا إلى ما فوق غايته... ارتدّ خسآن منه الطّرف قد حسرا
يقال: قد حسر بصره، يحسر حسورا، أي: كلّ، وانقطع نظره من طول مدى، وما أشبه ذلك، فهو حسير، ومحسور أيضا. قال الشاعر: [الطويل]
نظرت إليها بالمحصّب من منى... فعاد إليّ الطّرف وهو حسير
الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اِرْجِعِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».
﴿الْبَصَرَ:﴾ مفعول به. ﴿كَرَّتَيْنِ:﴾ مفعول مطلق عامله: ارجع؛ لأنه بمعنى: رجعتين، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، وجملة: ﴿اِرْجِعِ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿يَنْقَلِبْ:﴾ مضارع مجزوم؛ لوقوعه جوابا للأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْبَصَرَ:﴾ فاعل ﴿يَنْقَلِبْ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها. ﴿خاسِئاً:﴾ حال من ﴿الْبَصَرَ﴾. ﴿وَهُوَ:﴾ (الواو): واو الحال. (هو): مبتدأ. ﴿حَسِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال ثانية من ﴿الْبَصَرَ،﴾ أو هي حال من الضمير المستتر ب: ﴿خاسِئاً،﴾ فهي حال متداخلة.
﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (٥)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا﴾ أي: القربى من الأرض. ﴿بِمَصابِيحَ﴾ جمع: مصباح، وهو السراج، وهي اليوم مصابيح كهربائية، وتسمى الكواكب مصابيح؛ لإنارتها. ففي الكلام استعارة تصريحية؛ لأن حقيقة المصباح كما في المختار: السراج. هذا؛ و ﴿رُجُوماً﴾ جمع: رجم، وهو مصدر، والمراد به المفعول، أي: ما يرجم به، ولذلك قال الجلال: مراجم؛ أي: أمورا يرجم بها، وفي السمين: و (الرجوم) جمع: رجم، وهو مصدر في الأصل أطلق على المرجوم به،
стр. 6713
ك: «ضرب الأمير». ويجوز أن يكون باقيا على مصدريته، ويقدر مضاف، أي: ذات رجوم، وجمع المصدر باعتبار أنواعه. ﴿وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ﴾ أي: جعلنا شهبها، فحذف المضاف.
دليله قوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [١٠]: ﴿إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ وعلى هذا؛ فالمصابيح لا تزول، ولا يرجم بها، لذا قال الخازن: فإن قلت: جعل الكواكب زينة السماء يقتضي بقاءها، وجعلها رجوما للشياطين يقتضي زوالها، فكيف الجمع بين هاتين الحالتين؟!.
قلت: قالوا: إنه ليس المراد: أنهم يرمون بأجرام الكواكب، بل يجوز أن تنفصل من الكواكب شعلة، وترمى الشياطين بتلك الشعلة، وهي الشهب، ومثلها كمثل قبس يؤخذ من النار، وهي على حالها. وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: خلق الله تعالى النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها في البر، والبحر، والأوقات. فمن تأول فيها غير ذلك؛ فقد تكلف ما لا علم له به، وتعدى، وظلم. ﴿وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ﴾ أي: في الآخرة بعد الإحراق بالشهب في الدنيا لهم النار الموقدة شديدة الحرارة. قال تعالى في سورة (الصافات) الآية رقم [٩]: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ﴾ أي: دائم مستمر في الآخرة.
قال ابن عباس-﵄: كانت الشياطين لا يحجبون من السموات، وكانوا يدخلونها، ويأتون بأخبارها، فيلقونها إلى الكهنة، فلما ولد عيسى-﵊-منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد محمد ﷺ منعوا من السموات كلها، فما منهم أحد يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب، وهو الشعلة من النار، فلا يخطئه أبدا، فمنهم من يقتله، ومنهم من يحرق وجهه، ومنهم من يخبله، فيصير غولا يضل الناس في الفلوات، والبراري.
وبسبب ذلك بطلت الكهانة. فإن قيل: هذا القذف إن كان لأجل النبوة، فلم دام بعد النبي ﷺ ؟ والجواب: أنه دام بدوام النبوة، فإن النبي ﷺ أخبر ببطلان الكهانة، فقال: «ليس منّا من تكهّن». فلو لم تحرس بعد موته؛ لعادت الجن إلى تسمعها، وعادت الكهانة، ولا يجوز ذلك بعد أن بطل، ولأن قطع الحراسة عن السماء إذا وقع لأجل النبوة، فعادت الكهانة دخلت الشبهة على ضعفاء المسلمين، ولم يؤمن أن يظنوا: أن الكهانة إنما عادت لتناهي النبوة، فصح: أن الحكمة تقتضي دوام الحراسة في حياة النبي ﷺ ، وبعد أن توفاه الله إلى دار كرامته.
فإن قلت: إذا كان الشيطان يعلم: أنه يصاب، ولا يصل إلى مقصوده؛ فكيف يعود مرة أخرى؟ أو: كيف يحاول استراق السمع، وقد رأى غيره قد احترق؟ قلت: يعود رجاء نيل المقصود، وطمعا في السلامة كراكب البحر؛ فإنه يشاهد الغرق أحيانا؛ لكنه يعود إلى ركوبه رجاء السلامة، ونيل المقصود. انتهى. خازن بتصرف. وانظر ما ذكرته في سورة (الجن) رقم [٨] وفي غير هذا الموضع أيضا من سورة (الحجر) وسورة (الصافات) إن أردت الزيادة.
стр. 6714
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ (الواو): حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: وعزّتي! والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. هذا؛ وبعضهم يعتبر الواو عاطفة، وبعضهم يعتبرها حرف استئناف، ويعتبرون الجملة الآتية جوابا لقسم محذوف. ولا أسلمه أبدا؛ لأنه على هذا يكون قد حذف واو القسم، والمقسم به، ويصير التقدير: والله أقسم، أو وأقسم والله، واللام واقعة في جواب القسم المحذوف. وبعضهم يقول: اللام موطئة للقسم، والموطئة معناها المؤذنة، وهذه اللام إنما تدخل على «إن» الشرطية، لتدل على القسم المتقدم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدم على الشرط حكما، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ الآية رقم [١٢] من سورة (الحشر). افهم هذا؛ واحفظه، فإنه جيد. والله ولي التوفيق.
فإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به، وبقاء حرف القسم، فالجواب:
أنه قد حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السور، مثل قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ،﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ فإن التقدير: وربّ النّجم، وربّ الشمس... إلخ، الدليل على ذلك: التصريح به في قوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [٢٣] من سورة (الذاريات) وحذف المقسم به ظاهر في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها..﴾. إلخ الآية رقم [٧١] من سورة (مريم)، وأظهر منه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ الآية رقم [٧٣] من سورة (المائدة)، فالواو في الآيتين حرف قسم، وجر، والمقسم به محذوف بلا ريب.
(قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿زَيَّنَّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿السَّماءَ:﴾ مفعول به.
﴿الدُّنْيا:﴾ صفة السماء منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿بِمَصابِيحَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. (جعلناها): فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿رُجُوماً:﴾ مفعول به ثان. ﴿لِلشَّياطِينِ:﴾
متعلقان ب: ﴿رُجُوماً،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَأَعْتَدْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما.
﴿عَذابَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿السَّعِيرِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم المصدر لمفعوله بل لظرفه، وفاعله محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦)﴾
الشرح: المعنى ليس العذاب في جهنم مختصا، ومقصورا على الشياطين، بل لكل من كفر بالله من إنسان، وجن.
стр. 6715
الإعراب: ﴿وَلِلَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (للذين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وجملة: (كفروا): صلة الموصول لا محل لها. ﴿بِرَبِّهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله. وفاعله مستتر فيه.
﴿عَذابُ:﴾ مبتدأ مؤخر، و ﴿عَذابُ:﴾ مضاف، و ﴿جَهَنَّمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، من إضافة اسم المصدر لظرفه، وفاعله محذوف، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
وقال الزمخشري، والبيضاوي: وقرئ بنصب «(عذاب)»: على أن (للذين): عطف على ﴿لَهُمْ،﴾ و ﴿عَذابُ﴾ عطف على ﴿عَذابَ السَّعِيرِ،﴾ وجملة: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ:﴾ مستأنفة، لا محل لها، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: ويئس المصير المذمومة جهنم.
﴿إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ (٧)﴾
الشرح: ﴿إِذا أُلْقُوا فِيها:﴾ طرحوا في جهنم، كما يطرح الحطب في النار العظيمة. ﴿سَمِعُوا لَها:﴾ لجهنم. ﴿شَهِيقاً:﴾ صوتا منكرا كصوت الحمير، شبه حسيسها المنكر الفظيغ بالشهيق.
﴿وَهِيَ تَفُورُ:﴾ تغلي بهم غليان المرجل بما فيه. وقيل: تفور بهم كما يفور الماء الكثير بالحبّ القليل، ومن الأول قول حسان بن ثابت-﵁: [الوافر]
تركتم قدركم لا شيء فيها... وقدر القوم حامية تفور
وهذا من شدة لهب النار من شدة الغضب، كما تقول: فلان يفور غيظا. وقال ابن عباس ﵄: الشهيق لجهنم عند إلقاء الكفار فيها، تشهق إليهم شهقة البغلة للشعير، ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف. وقيل: الشهيق من الكفار عند إلقائهم في النار. فيكون الكلام على حذف مضاف، أي: سمعوا لأهلها. وانظر الزفير، والشهيق في سورة (هود) رقم [١٠٦]:
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾.
الإعراب: ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿أُلْقُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿سَمِعُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿شَهِيقاً،﴾ كان صفة له. ﴿شَهِيقاً:﴾ مفعول به. ﴿وَهِيَ:﴾ (الواو): واو الحال. (هي):
ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿تَفُورُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿جَهَنَّمَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الهاء في ﴿لَها،﴾ والرابط: الواو، والضمير.
стр. 6716
﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨)﴾
الشرح: ﴿تَكادُ:﴾ تقرب. ﴿تَمَيَّزُ:﴾ أصلة: تتميز، بمعنى: تتقطع، وتتفرق، والمعنى: تتفرق غضبا عليهم. وهو تمثيل لشدة اشتعالها بهم. ويجوز أن يراد غيظ الزبانية. ﴿مِنَ الْغَيْظِ:﴾ من شدة الغيظ على الكفار، فجعلت كالمغتاظة عليهم. شبه الله جهنم في شدة غليانها ولهبها بإنسان شديد الغيظ، والحنق على عدوه، يكاد يتقطع من شدة الغيظ. وحذف المشبه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو الغيظ الشديد بطريق الاستعارة المكنية، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي: [الكامل]
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع
هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [١٢]: ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ انظر شرحها هناك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ:﴾ جماعة من الكفرة. ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها:﴾ مالك، وأعوانه من الزبانية، يسألونهم سؤال توبيخ، وتقريع. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ أي: رسول ينذركم غضب الله، وعقابه، وعذابه. وهذا السؤال للكافرين كثر ذكره في آيات القرآن؛ ولا سيما حينما يطلبون تخفيف العذاب، كما في الآية رقم [٥٠] من سورة (غافر) وغيرها. هذا؛ و ﴿فَوْجٌ﴾ اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: قوم، ورهط، ومعشر... إلخ، وجمعه أفواج، وفؤوج، وجمع الجمع:
أفاوج، وأفاييج، وأفاويج. وانظر الآية رقم [١٨] من سورة (النبأ) ففيها بحث قيم.
هذا؛ وقال الجمل نقلا عن الخطيب: وغضب جهنم من غضب سيدها، وخالقها، تأتي يوم القيامة تقاد إلى المحشر بألف زمام، لكل زمام سبعون ألف ملك يقودونها به، وهي من شدة الغيظ تقوى على الملائكة، وتحمل على الناس، فتتقطع الأزمة جميعها، وتحطم على أهل المحشر، فلا يردها عنهم إلا النبي ﷺ يقابلها بنوره، فترجع، مع أن لكل ملك من القوة ما لو أمر أن يقلع الأرض وما عليها من الجبال، ويصعد بها في الجو؛ لفعل من غير كلفة.
انتهى.
هذا؛ وفي المنجد الناقل عن القاموس قوله: ماز، يميز، وميّز وأماز الشيء: فرزه عن غيره، والشيء: فضله على سواه، وتميّز، وانماز انميازا، وامتاز امتيازا، واشماز اشمازة:
انفصل عن غيره، وانعزل، وتميّز فلان من الغيظ: تقطّع، وامتاز القوم: تميّز بعضهم من بعض.
هذا؛ وقد قال الله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٧٩]: ﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ،﴾ وقال جل وعلا في سورة (الأنفال) رقم [٣٧]: ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ،﴾ وقال تعالت حكمته هنا: ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ..﴾. إلخ.
стр. 6717
الإعراب: ﴿تَكادُ:﴾ فعل مضارع ناقص، واسمه يعود إلى ﴿جَهَنَّمَ﴾. ﴿تَمَيَّزُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله يعود إلى ﴿جَهَنَّمَ﴾ أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿تَكادُ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿تَفُورُ﴾ المستتر، فهي حال متداخلة. وقيل: مستأنفة، والأول أقوى. ﴿مِنَ الْغَيْظِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل: في محل نصب على التمييز. ولا وجه له ألبتة.
﴿كُلَّما﴾ يعربها المعاصرون أداة شرط غير جازمة، وتفصيل إعرابها: (كل): ظرفية متعلقة بجوابها؛ إذ هي تحتاج إلى جملتين إحداهما مرتبة على الأخرى. (ما): محتملة لوجهين:
أحدهما: أن تكون حرفا مصدريا والجملة بعده صلة له. والثاني: أن تكون اسما نكرة بمعنى:
وقت، والجملة بعده في موضع خفض على الصفة. ﴿أُلْقِيَ:﴾ ماض مبني للمجهول. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿فَوْجٌ:﴾ نائب فاعل، و (ما) والفعل ﴿أُلْقِيَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة كل إليه، التقدير: كل وقت إلقاء، وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل: (كل)، انظر مبحث (كلما) في كتابنا: «فتح القريب المجيب». وقيل: (ما) نكرة موصوفة، والجملة الفعلية بعدها صفة لها، وهي بمعنى: وقت أيضا. ﴿سَأَلَهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿خَزَنَتُها:﴾ فاعل، و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب ﴿كُلَّما﴾ لا محل لها، و ﴿كُلَّما﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿أَلَمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام توبيخي.
(لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَأْتِكُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والكاف مفعول به. ﴿نَذِيرٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان ل: (سأل) المعلق عن العمل بسبب الاستفهام.
﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (٩)﴾
الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: يقول الذين كفروا جوابا لخزنة جهنم. والتعبير بالماضي إنما هو لتحقق وقوعه. ﴿بَلى:﴾ حرف جواب يفيد إثبات ما سأل عنه الخزنة. وهو حرف جواب مثل: نعم، وجير، وأجل، وجلل، وأي؛ إلا أن بلى جواب لنفي متقدم، أي: إبطال ونقض، وإيجاب له، سواء دخله الاستفهام أم لا؟ فتكون إيجابا له، نحو قول القائل: ما قام زيد؟ فتقول: بلى؛ أي: قد قام. وقوله: أليس زيد قائما؟ فتقول: بلى، أي: هو قائم. ومنه الآية الكريمة التي بين أيدينا، وقوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ قال ابن عباس-﵄: لو قالوا: نعم؛ لكفروا.
﴿قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ:﴾ قال الجمل نقلا عن الخطيب: جمعوا بين حرف الجواب، ونفس الجملة المفادة به توكيدا؛ إذ لو اقتصروا على بلى؛ لفهم المعنى، ولكنهم صرحوا بالمفاد ببلى تحسرا، وزيادة ندم في تفريطهم، وليعطفوا عليه قولهم: ﴿فَكَذَّبْنا..﴾. إلخ.
стр. 6718
﴿فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ..﴾. إلخ أي: كذبنا الرسل، وأفرطنا في التكذيب حتى نفينا الإنزال، والإرسال رأسا، وبالغنا في نسبتهم إلى الضلال. وال ﴿نَذِيرٌ﴾ إما بمعنى الجمع؛ لأنه فعيل، أو مصدر مقدر بمضاف، أي: أهل إنذار، أو منعوت به للمبالغة، أو الواحد، والخطاب له ولأمثاله على التغليب، أو إقامة تكذيب الواحد مقام تكذيب الكل، أو على أن المعنى: قالت الأفواج:
قد جاء إلى كل فوج منا رسول من الله فكذبناهم، وضللناهم. ويجوز أن يكون الخطاب من كلام الزبانية للكفار على إرادة القول، ومرادهم بالضلال: الهلاك، أو سمّوا جزاء الضلال باسمه، كما يسمى جزاء السيئة، والاعتداء: سيئة، واعتداء. ويسمى المشاكلة في علم البيان، أو كلام الرسل لهم حكوه للخزنة، أي: قالوا لنا هذا، فلم نقبله. انتهى بيضاوي، ونسفي.
هذا؛ ومثل الآية قوله تعالى في سورة (الزمر) رقم [٧١]: ﴿وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾.
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق ﴿بَلى:﴾ حرف جواب في محل نصب مقول القول. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَنا:﴾ فعل ماض، (ونا):
مفعول به ﴿نَذِيرٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَكَذَّبْنا:﴾ الفاء: استئنافية. (كذبنا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَقُلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (قلنا): فعل، وفاعل. ﴿ما:﴾ نافية.
﴿نَزَّلَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقُلْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى «ما». ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿كَبِيرٍ:﴾ صفة ﴿ضَلالٍ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول ل: ﴿قالُوا﴾ إن كانت من مقول الكافرين، أو هي في محل نصب مقول القول لقول محذوف؛ إن كانت من مقول الزبانية. تأمل، وتدبر.
﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾
الشرح: ﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ:﴾ كلام الرسل في الدنيا، فنقبله جملة من غير بحث، وتفتيش اعتمادا على ما لاح من صدقهم بالمعجزات. ﴿أَوْ نَعْقِلُ﴾ أي: لو كانت لنا عقول ننتفع بها لما كنا على ما كنا عليه من الكفر بالله، والاغترار به، ولكن لم يكن لنا فهم نعي به ما جاءت به
стр. 6719
الرسل، ولا كان لنا عقل يرشدنا إلى اتباعهم. ﴿ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ:﴾ في عدادهم، وجملتهم، فعن أبي سعيد الخدري-﵁-عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لقد ندم الفاجر يوم القيامة، (قالوا لو كنّا نسمع، أو نعقل ما كنّا في أصحاب السّعير)»، فقال الله تعالى:
﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾.
هذا؛ والفعل: «سمع، يسمع» من الأفعال الصوتية، إن تعلق بالأصوات تعدى إلى مفعول واحد، وإن تعلق بالذوات تعدى إلى اثنين؛ الثاني منهما جملة فعلية مصدرة بمضارع من الأفعال الصوتية، مثل قولك: سمعت فلانا يقول كذا. وهذا اختيار الفارسي، واختار ابن مالك، ومن تبعه أن تكون الجملة الفعلية في محل نصب حال؛ إن كان المتقدم معرفة، مثل قولك: سمعت زيدا يقول كذا. وصفة؛ إن كان نكرة، مثل قولك: سمعت رجلا يقول كذا.
وأما «العقل» فإنه نور روحاني، تدرك به النفس ما لا تدركه بالحواس الظاهرة، وكثيرا ما يتبجح بعض الناس، فيسأل: أين يوجد العقل؟ فهذا تبجح لا مبرر له، وانظر شرح (النفس) في الآية رقم [٢] من سورة (القيامة). وسمي العقل عقلا؛ لأنه يعقل صاحبه؛ أي: يمنعه من فعل الرذائل، والقبائح، لذا فإن كل شخص لا يسير على الجادة المستقيمة لا يكون عاقلا بالمعنى الصحيح. وخذ ما يلي. فقد قال الشاعر: [البسيط]
لم يبق من جلّ هذا النّاس باقية... ينالها الوهم إلاّ هذه الصّور
لا يدهمنّك من دهمائهم عدد... فإنّ جلّهم، بل كلّهم بقر
يقول: لا يدهمنّك من جماعتهم الكثيرة، فهم عدد كثير ليس فيهم غناء ونصرة؛ لأن كلهم كالأنعام والبهائم، ولله در القائل: [المنسرح]
لا يدهمنك اللّحاء والصّور... تسعة أعشار من ترى بقر
في شجر السّرو منهم شبه... له رواء ما له ثمر
ورضي الله عن حسان بن ثابت؛ إذ يقول في بني عبد المدان: [البسيط]
لا بأس بالقوم من طول ومن عظم... جسم البغال وأحلام العصافير
فقد ورد أن رجلا معتوها مرّ على مجلس النبي ﷺ ، فقال الصحابة الكرام رضوان الله عليهم: هذا مجنون! فقال سيد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق: «هذا مصاب، إنما المجنون من أصرّ على معصية الله تعالى». هذا؛ والعقل: الدية، سميت بذلك؛ لأن الإبل المؤداة دية تعقل بباب القتيل، والعقال بكسر العين: الحبل الذي تربط به ركبة الجمل عند بروكه؛ ليمنعه من القيام والمشي، والعقال أيضا: صدقة عام، قال شاعر يهجو عاملا على الصدقات في عهد بني أمية: [البسيط]
стр. 6720
سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟!
لأصبح النّاس أوبادا ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين
الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق.
﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و (نا):
اسمه. ﴿نَسْمَعُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «نحن»، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنّا نَسْمَعُ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:
لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجملة: ﴿نَعْقِلُ﴾ مع مفعوله المحذوف معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كُنّا:﴾ مثل سابقه. ﴿فِي أَصْحابِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿كُنّا﴾. و ﴿أَصْحابِ:﴾ مضاف، و ﴿السَّعِيرِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿ما كُنّا..﴾. إلخ جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها، و (لو) ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (١١)﴾
الشرح: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ:﴾ هذا الاعتراف هو نص الآية السابقة، فعن أبي البختر الطائي عن النبي ﷺ قال: «لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم». رواه الإمام أحمد. وفي حديث آخر قوله ﷺ : «لا يدخل أحد النار إلا وهو يعلم: أنّ النار أولى به من الجنّة». هذا؛ وإنما وحد (الذنب) وهو خبر عن جماعة؛ لأنه مصدر، والمصدر يخبر به عن المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث. ﴿فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ أي: فبعدا لهم من رحمة الله. وقال سعيد بن جبير، وأبو صالح: السحق: واد في جهنم، والبعد هو المعنى الصحيح له، ويكون بمعنى الهلاك. قال امرؤ القيس: [الطويل]
يجول بأطراف البلاد مغرّبا... وتسحقه ريح الصّبا كلّ مسحق
ولم يرد هذا اللفظ في غير هذه السورة، وورد في أحاديث الرسول ﷺ كثيرا.
منه قول النبي ﷺ : «ألا ليذادنّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضالّ، فأناديهم: ألا هلمّ، فيقال: إنهم قد بدّلوا بعدك، فأقول: سحقا! سحقا!».
هذا؛ و (أصحاب) جمع: صاحب، ويكون بمعنى المالك، كما في قولك: صاحب الدار، وصاحب المال، ونحوه، ويكون بمعنى الصديق، ويجمع أيضا على: صحب، وصحاب، وصحابة، وصحبة، وصحبان، ثم يجمع أصحاب على أصاحيب، ثم يخفف. فيقال: أصاحب، ولا تنس: أن الصحابي من اجتمع مع النبي ﷺ ، ولو ساعة؛ وهو مؤمن، فالإيمان شرط لتسميته
стр. 6721
صحابيا، فإن اجتمع به؛ وهو غير مؤمن؛ لا يقال عنه: صحابي؛ وإن آمن، وأسلم بعد وفاته ﷺ كالذي حصل من كعب الأحبار، وأمثاله.
﴿السَّعِيرِ:﴾ النار الشديدة الاستعار؛ أي: الاحتراق، يقال: سعرت النار، فهي مسعورة، وسعير، مثل مقتولة، وقتيل، والسّعير: واد من أودية جهنم، أو دركة من دركاتها، وطبقاتها.
والسّعير كزبير بصيغة المصغر: اسم صنم لبني عنزة، قال رشيد بن رميض العنزي: [الوافر]
حلفت بمائرات حول عوض... وأنصاب تركن لدى السّعير
ف: «عوض» عندهم: صنم صغير، والسّعير: صنم كبير، وخرج ابن أبي حلاس الكلبي على ناقته، فمرت به على ذلك الصنم، وقد ذبحت عنده قبيلة عنزة، فنفرت ناقته من الصنم، فأنشأ يقول: [الكامل]
نفرت قلوصي من عتائر صرّعت... حول السّعير يزوره ابنا يقدم
وجموع يذكر مهطعين جنابه... ما إن يحير إليهم بتكلّم
قال أبو المنذر: «يقدم» و «يذكر» ابنا عنزة، فرأى هؤلاء يطوفون حول السّعير. انتهى. بغدادي.
الإعراب: ﴿فَاعْتَرَفُوا:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (اعترفوا): فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، وهي من مقول قول الله تعالى. ﴿بِذَنْبِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَسُحْقاً:﴾ (الفاء): حرف عطف. (سحقا):
فيه وجهان: أحدهما هو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: ألزمهم الله سحقا، والثاني: أنه مفعول مطلق لفعل محذوف أيضا، التقدير: سحقهم الله سحقا، فناب المصدر عن عامله في الدعاء، نحو: جدعا له، وعقرا! فلا يجوز إظهار عامله. ﴿لِأَصْحابِ:﴾ متعلقان ب: (سحقا)، أو بمحذوف صفة له، و (أصحاب): مضاف، و ﴿السَّعِيرِ:﴾ مضاف إليه، واللام في: ﴿لِأَصْحابِ﴾ للبيان، كما في هيت لك.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ أي: يخافون ربهم، ويطيعونه؛ ولم يروه، أو يخافونه في الخلوة بحيث لا يراهم أحد؛ إذا ألقوا الستر، وأغلقوا الباب. وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجل ذكر الله خاليا، ففاضت عيناه». وروي عن العباس بن عبد المطلب-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اقشعرّ جلد العبد من خشية الله؛ تحاتّت عنه ذنوبه كما يتحاتّ عن الشجرة اليابسة ورقها». رواه البيهقي. وإن أردت الزيادة فانظر سورة (الرحمن) رقم [٤٦]. هذا؛ و (الغيب): ما غاب عن الإنسان، ولم تدركه حواسه. قال الشاعر: [الطويل]
стр. 6722
وبالغيب آمنّا وقد كان قومنا... يصلّون للأوثان قبل محمّد
ورحم الله من قال: [الطويل]
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل... خلوت ولكن قل عليّ رقيب
ولا تحسبنّ الله يغفل ساعة... ولا أنّ ما يخفى عليه يغيب
ولا تنس: أن هذه الآية مقابلة لما ذكر في الآية رقم [٦] وما بعدها، والمقابلة من المحسنات البديعية اللفظية.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿يَخْشَوْنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿رَبَّهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِالْغَيْبِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
﴿مَغْفِرَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ و ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ فاعلا بمتعلقهما؛ فلست مفندا. ﴿وَأَجْرٌ:﴾
الواو: حرف عطف. (أجر): معطوف على ما قبله. ﴿كَبِيرٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اِجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣)﴾
الشرح: ظاهر الأمر بأحد الأمرين: الإسرار أو الإجهار، ومعنى الكلام الخبر، والإخبار؛ أي: إسراركم، وإجهاركم في علم الله بهما سواء. فقد روي: أن مشركي مكة كانوا ينالون من رسول الله ﷺ ، فيخبره جبريل ﵇ بما قالوه فيه، ونالوا منه، فقالوا فيما بينهم: أسروا قولكم لئلا يسمع محمد، فنزلت، وبين الله : أنه عليم بما تخفي الصدور، وتكنه الضمائر قبل أن تتكلم به الألسنة، وتترجم عنه، فكيف لا يعلم ذلك؟! وينبغي أن تعلم: أن الخطاب يعم الخلق أجمعين إلى يوم القيامة؛ لأن خصوص السبب لا يمنع التعميم، كما قد قررته مرارا. و (ذات الصدور) ما فيها، كما يسمى ولد المرأة؛ وهو جنين: (ذا بطنها) أي:
صاحب بطنها. ولا تنس الطباق بين الإسرار، والجهر.
هذا؛ و (ذات) بمعنى: صاحبة، فجعلت صاحبة الصدور؛ لملازمتها لها، وعدم انفكاكها عنها، نحو قوله تعالى: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾ ﴿أَصْحابُ النّارِ﴾. هذا؛ و (ذات) مؤنث: ذو، الذي بمعنى صاحب، قال تعالى في سورة (البروج): ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ﴾ وقال تعالى في سورة (الطارق):
﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾. وقد يثنى على لفظه، فيقال: «ذاتا» كذا من غير رد لام
стр. 6723
الكلمة، وهو القياس، كما يثنى ذو ب: ذوا، أو ذوي على لفظه، ويجوز فيها: (ذواتا) على الأصل برد لام الكلمة، وهو القياس، وهي الياء ألفا لتحرك العين، وهو الواو قبلها، وهو الكثير في الاستعمال، قال تعالى في سورة (الرحمن) رقم [٤٨]: ﴿ذَواتا أَفْنانٍ،﴾ وقال تعالى: ﴿ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ رقم [١٦] من سورة (سبأ). هذا؛ والتاء في (ذات) لتأنيث اللفظ، مثل تاء ثمّت، وربّت، ولات، ولكنها تعرب بالحركات الظاهرة على التاء، فالجر كما في الآية الكريمة، ومثلها كثير، والرفع جاء في قوله تعالى في سورة (الرحمن) رقم [١١]: ﴿فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ،﴾ والنصب جاء في قوله تعالى في سورة (المسد): ﴿سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ،﴾ وكل معانيها في القرآن الكريم صاحبة إلا في موضعين، فإنها جاءت بمعنى الجهة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ﴾ سورة (الكهف) رقم [١٨] وقد رأيت تثنيتها في الآيتين المذكورتين في حالتي النصب، والجر، ولم ترد في القرآن الكريم بمعنى الجمع. هذا؛ ولم يتعرض لها النحويون بهذا المعنى مع كثرة تعرضهم ل: «ذي» بمعنى صاحب، وتثنيته، وجمعه، ولكنهم ذكروا (ذات) بمعنى: التي، و (ذوات) بمعنى: اللواتي، وذلك في بحث الاسم الموصول. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] وكالّتي أيضا لديهم ذات... وموضع اللاّتي أتى ذوات
قال الأشموني-رحمه الله تعالى-: أي: عند طيئ ألحقوا ب: «ذو» تاء التأنيث مع بقاء البناء على الضم. وحكى الفراء: (بالفضل ذو فضّلكم الله به، والكرامة ذات أكرمكم الله بها) وقريب منه لابن هشام في أوضحه، وكلاهما أورد بيت رؤبة: [الرجز]
جمعتها من أينق موارق... ذوات ينهضن بغير سائق
والفرق بين الأول، والثانية: أن الأولى لا تكون إلا مضافة لما بعدها، كما رأيت، بخلاف الثانية؛ فإنها لا تضاف؛ لأنها معرفة بالصلة؛ التي تذكر بعدها، كما في بيت رؤبة. وأضيف: أن جمع ذات ذوات من لفظه، كما يجمع أولات من غير لفظه، قال تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ رقم [٤] من سورة (الطلاق) كما يجمع المذكر (ذو) بمعنى صاحب: (أولو) من غير لفظه، وهو كثير في القرآن الكريم. تنبه لهذا، وافهمه. فإنه معنى دقيق. واسأل الله لي المزيد من التوفيق.
الإعراب: ﴿وَأَسِرُّوا:﴾ (الواو): حرف استئناف (أسروا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿قَوْلَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبرها، والجملة الاسمية تعليلية، لا محل لها. ﴿بِذاتِ:﴾ متعلقان بعليم، و (ذات) مضاف، و ﴿الصُّدُورِ﴾ مضاف إليه.
стр. 6724
﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾
الشرح: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ:﴾ ألا يعلم من أوجد الأشياء حسبما قدرت حكمته وإرادته.
انتهى. بيضاوي، وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: يعني: ألا يعلم السر من خلق السر، يقول:
أنا خلقت السر في القلب، أفلا أكون عالما بما في قلوب العباد؟! وقال أهل المعاني: إن شئت جعلت ﴿مَنْ﴾ اسما للخالق جل وعز، ويكون المعنى: ألا يعلم الخالق خلقه، وإن شئت جعلته اسما للمخلوق والمعنى: ألا يعلم الله من خلق، ولا بد أن يكون الخالق عالما بما خلقه، وما يخلقه. قال ابن المسيب-رحمه الله تعالى-: بينما رجل واقف بالليل في شجر كثير، وقد عصافات الريح، فوقع في نفس الرجل: أترى الله يعلم ما يسقط من هذا الورق؟! فنودي من جانب الغيضة بصوت عظيم: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ:﴾ العالم بدقائق الأشياء.
﴿الْخَبِيرُ:﴾ العالم بحقائق الأشياء وخبير بحاجات العباد، وفاقتهم، وخبير بما في قلوب العباد، وخبير بما يسرون، وبما يعلنون. وفيه إثبات خلق الأقوال، فيكون دليلا على خلق أفعال العباد.
الإعراب: ﴿أَلا:﴾ حرف استفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿يَعْلَمُ:﴾
فعل مضارع. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل، والمفعول محذوف للتعميم. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، والمفعول محذوف، التقدير، خلق الخلق. هذا؛ وعلى اعتبار فاعل ﴿يَعْلَمُ﴾ عائدا على الله، تقديره: هو، فيكون ﴿مَنْ﴾ مفعولا به، ويكون فاعل ﴿خَلَقَ﴾ عائدا عليه أيضا، ويكون مفعول ﴿خَلَقَ﴾ ضميرا محذوفا، التقدير: خلقه، وهو العائد، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ في محل نصب حال من فاعل ﴿يَعْلَمُ﴾ على الوجهين المعتبرين فيه. والرابط: الواو، والضمير.
هذا؛ ولم يرتض مكي اعتبار ﴿مَنْ﴾ مفعولا به، وشدد النكير على من قال به، حيث قال:
وقد قال بعض أهل الزيغ: إن (من) في موضع نصب اسم للمسرين، والجاهرين، ليخرج الكلام عن عمومه، ويدفع عموم الخلق عن الله، جل ذكره، ولو كان كما زعم، لقال: ألا يعلم ما خلق؛ لأنه إنما تقدم ذكر ما تكن الصدور، فهو في موضع (ما). انتهى باختصار.
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾
الشرح: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً﴾ أي: سهلة تستقرون عليها. والذلول: المنقاد من كل شيء، وهو صيغة مبالغة، يستوي فيه المذكر، والمؤنث. والمعنى: جعلها لكم سهلة لا يمتنع فيها المشي، لحزونتها، وغلظها. وقيل: أي: ثبتها بالجبال؛ لئلا تزول بأهلها، ولو كانت
стр. 6725
تميد، وتتكفأ؛ لما كانت منقادة لنا، ولما استطعنا الانتفاع بها بالزرع، والغرس، وشق العيون، والأنهار، وحفر الآبار.
﴿فَامْشُوا فِي مَناكِبِها﴾ أي: في نواحيها، وجهاتها، وأطرافها. وقيل: طرقها، وفجاجها. وقال ابن عباس-﵄: جبالها، وآكامها. ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ أي: الذي خلقه الله لكم في الأرض على اختلاف أنواعه، وتفاوت طعومه، وألوانه، وأشكاله. ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ أي: وإليه تبعثون من قبوركم، فيسألكم عن شكر ما أنعم به عليكم.
هذا؛ وفي الآية الكريمة حث على طلب الرزق، والسعي في تحصيله، وهو لا ينافي التوكل، والأمر في الجملتين للإباحة، أو للندب، كيف لا؛ والرسول ﷺ قد رغب، بل وحث على العمل والسعي في طلب الرزق، فمن ذلك قوله ﷺ : «إنّ الله يحبّ المؤمن المحترف».
رواه الطبراني عن ابن عمر-﵄. وقوله ﷺ أيضا: «من أمسى كالاّ من عمل يده أمسى مغفورا له». رواه الطبراني عن عائشة-﵂. وقد مر عمر-﵁ بقوم جالسين، فقال: من أنتم؟ فقالوا: نحن المتوكلون، فقال: بل أنتم المتواكلون، إنما المتوكّل من ألقى حبّه في بطن الأرض، وتوكّل على ربّه، . وروي: أنه دخل المسجد في غير وقت صلاة، فوجد رجلا جالسا في المسجد، فسأله: ماذا تعمل؟ فقال: أذكر الله، فعلاه بالدّرّة، وقال: لا يقعدنّ أحدكم عن طلب الرزق؛ ويقول: اللهم ارزقني، فإن السماء لا تمطر ذهبا، والأرض لا تنبت فضة!
وقال الرسول ﷺ : «لو أنكم تتوكّلون على الله حقّ توكّله؛ لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا، وتروح بطانا». رواه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن عمر بن الخطاب ﵁. ولعلك تدرك معي: أن قوله ﷺ : «تغدو، وتروح» دليل على السعي، والكسب، فهي لم تبق في أعشاشها؛ ويرزقها الله، بل خرجت منها صباحا تبحث عنه. وهو معلوم لدى كل عاقل.
الإعراب: ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما وقيل: متعلقان ب: ﴿ذَلُولاً﴾ ولا وجه له. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به أول. ﴿ذَلُولاً:﴾ مفعول به ثان على اعتبار الفعل من أفعال التحويل بمعنى صيّر، وحال إن كان ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى: خلق.
﴿فَامْشُوا:﴾ (الفاء): حرف عطف على رأي: من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط يقدر ب: «إذا». (امشوا): فعل
следующие страницы →