← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.

стр. 6721

صحابيا، فإن اجتمع به؛ وهو غير مؤمن؛ لا يقال عنه: صحابي؛ وإن آمن، وأسلم بعد وفاته ﷺ كالذي حصل من كعب الأحبار، وأمثاله. ﴿السَّعِيرِ:﴾ النار الشديدة الاستعار؛ أي: الاحتراق، يقال: سعرت النار، فهي مسعورة، وسعير، مثل مقتولة، وقتيل، والسّعير: واد من أودية جهنم، أو دركة من دركاتها، وطبقاتها. والسّعير كزبير بصيغة المصغر: اسم صنم لبني عنزة، قال رشيد بن رميض العنزي: [الوافر] حلفت بمائرات حول عوض... وأنصاب تركن لدى السّعير ف: «عوض» عندهم: صنم صغير، والسّعير: صنم كبير، وخرج ابن أبي حلاس الكلبي على ناقته، فمرت به على ذلك الصنم، وقد ذبحت عنده قبيلة عنزة، فنفرت ناقته من الصنم، فأنشأ يقول: [الكامل] نفرت قلوصي من عتائر صرّعت... حول السّعير يزوره ابنا يقدم وجموع يذكر مهطعين جنابه... ما إن يحير إليهم بتكلّم قال أبو المنذر: «يقدم» و «يذكر» ابنا عنزة، فرأى هؤلاء يطوفون حول السّعير. انتهى. بغدادي. الإعراب: ﴿فَاعْتَرَفُوا:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (اعترفوا): فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، وهي من مقول قول الله تعالى. ﴿بِذَنْبِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَسُحْقاً:﴾ (الفاء): حرف عطف. (سحقا): فيه وجهان: أحدهما هو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: ألزمهم الله سحقا، والثاني: أنه مفعول مطلق لفعل محذوف أيضا، التقدير: سحقهم الله سحقا، فناب المصدر عن عامله في الدعاء، نحو: جدعا له، وعقرا! فلا يجوز إظهار عامله. ﴿لِأَصْحابِ:﴾ متعلقان ب: (سحقا)، أو بمحذوف صفة له، و (أصحاب): مضاف، و ﴿السَّعِيرِ:﴾ مضاف إليه، واللام في: ﴿لِأَصْحابِ﴾ للبيان، كما في هيت لك. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ أي: يخافون ربهم، ويطيعونه؛ ولم يروه، أو يخافونه في الخلوة بحيث لا يراهم أحد؛ إذا ألقوا الستر، وأغلقوا الباب. وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجل ذكر الله خاليا، ففاضت عيناه». وروي عن العباس بن عبد المطلب-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اقشعرّ جلد العبد من خشية الله؛ تحاتّت عنه ذنوبه كما يتحاتّ عن الشجرة اليابسة ورقها». رواه البيهقي. وإن أردت الزيادة فانظر سورة (الرحمن) رقم [٤٦]. هذا؛ و (الغيب): ما غاب عن الإنسان، ولم تدركه حواسه. قال الشاعر: [الطويل]

стр. 6722

وبالغيب آمنّا وقد كان قومنا... يصلّون للأوثان قبل محمّد ورحم الله من قال: [الطويل] إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل... خلوت ولكن قل عليّ رقيب ولا تحسبنّ الله يغفل ساعة... ولا أنّ ما يخفى عليه يغيب ولا تنس: أن هذه الآية مقابلة لما ذكر في الآية رقم [٦] وما بعدها، والمقابلة من المحسنات البديعية اللفظية. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿يَخْشَوْنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿رَبَّهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِالْغَيْبِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَغْفِرَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ و ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ فاعلا بمتعلقهما؛ فلست مفندا. ﴿وَأَجْرٌ:﴾ الواو: حرف عطف. (أجر): معطوف على ما قبله. ﴿كَبِيرٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اِجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣)﴾ الشرح: ظاهر الأمر بأحد الأمرين: الإسرار أو الإجهار، ومعنى الكلام الخبر، والإخبار؛ أي: إسراركم، وإجهاركم في علم الله بهما سواء. فقد روي: أن مشركي مكة كانوا ينالون من رسول الله ﷺ ، فيخبره جبريل ﵇ بما قالوه فيه، ونالوا منه، فقالوا فيما بينهم: أسروا قولكم لئلا يسمع محمد، فنزلت، وبين الله : أنه عليم بما تخفي الصدور، وتكنه الضمائر قبل أن تتكلم به الألسنة، وتترجم عنه، فكيف لا يعلم ذلك؟! وينبغي أن تعلم: أن الخطاب يعم الخلق أجمعين إلى يوم القيامة؛ لأن خصوص السبب لا يمنع التعميم، كما قد قررته مرارا. و (ذات الصدور) ما فيها، كما يسمى ولد المرأة؛ وهو جنين: (ذا بطنها) أي: صاحب بطنها. ولا تنس الطباق بين الإسرار، والجهر. هذا؛ و (ذات) بمعنى: صاحبة، فجعلت صاحبة الصدور؛ لملازمتها لها، وعدم انفكاكها عنها، نحو قوله تعالى: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾ ﴿أَصْحابُ النّارِ﴾. هذا؛ و (ذات) مؤنث: ذو، الذي بمعنى صاحب، قال تعالى في سورة (البروج): ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ﴾ وقال تعالى في سورة (الطارق): ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾. وقد يثنى على لفظه، فيقال: «ذاتا» كذا من غير رد لام

стр. 6723

الكلمة، وهو القياس، كما يثنى ذو ب: ذوا، أو ذوي على لفظه، ويجوز فيها: (ذواتا) على الأصل برد لام الكلمة، وهو القياس، وهي الياء ألفا لتحرك العين، وهو الواو قبلها، وهو الكثير في الاستعمال، قال تعالى في سورة (الرحمن) رقم [٤٨]: ﴿ذَواتا أَفْنانٍ،﴾ وقال تعالى: ﴿ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ رقم [١٦] من سورة (سبأ). هذا؛ والتاء في (ذات) لتأنيث اللفظ، مثل تاء ثمّت، وربّت، ولات، ولكنها تعرب بالحركات الظاهرة على التاء، فالجر كما في الآية الكريمة، ومثلها كثير، والرفع جاء في قوله تعالى في سورة (الرحمن) رقم [١١]: ﴿فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ،﴾ والنصب جاء في قوله تعالى في سورة (المسد): ﴿سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ،﴾ وكل معانيها في القرآن الكريم صاحبة إلا في موضعين، فإنها جاءت بمعنى الجهة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ﴾ سورة (الكهف) رقم [١٨] وقد رأيت تثنيتها في الآيتين المذكورتين في حالتي النصب، والجر، ولم ترد في القرآن الكريم بمعنى الجمع. هذا؛ ولم يتعرض لها النحويون بهذا المعنى مع كثرة تعرضهم ل: «ذي» بمعنى صاحب، وتثنيته، وجمعه، ولكنهم ذكروا (ذات) بمعنى: التي، و (ذوات) بمعنى: اللواتي، وذلك في بحث الاسم الموصول. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] وكالّتي أيضا لديهم ذات... وموضع اللاّتي أتى ذوات قال الأشموني-رحمه الله تعالى-: أي: عند طيئ ألحقوا ب: «ذو» تاء التأنيث مع بقاء البناء على الضم. وحكى الفراء: (بالفضل ذو فضّلكم الله به، والكرامة ذات أكرمكم الله بها) وقريب منه لابن هشام في أوضحه، وكلاهما أورد بيت رؤبة: [الرجز] جمعتها من أينق موارق... ذوات ينهضن بغير سائق والفرق بين الأول، والثانية: أن الأولى لا تكون إلا مضافة لما بعدها، كما رأيت، بخلاف الثانية؛ فإنها لا تضاف؛ لأنها معرفة بالصلة؛ التي تذكر بعدها، كما في بيت رؤبة. وأضيف: أن جمع ذات ذوات من لفظه، كما يجمع أولات من غير لفظه، قال تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ رقم [٤] من سورة (الطلاق) كما يجمع المذكر (ذو) بمعنى صاحب: (أولو) من غير لفظه، وهو كثير في القرآن الكريم. تنبه لهذا، وافهمه. فإنه معنى دقيق. واسأل الله لي المزيد من التوفيق. الإعراب: ﴿وَأَسِرُّوا:﴾ (الواو): حرف استئناف (أسروا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿قَوْلَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبرها، والجملة الاسمية تعليلية، لا محل لها. ﴿بِذاتِ:﴾ متعلقان بعليم، و (ذات) مضاف، و ﴿الصُّدُورِ﴾ مضاف إليه.

стр. 6724

﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ الشرح: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ:﴾ ألا يعلم من أوجد الأشياء حسبما قدرت حكمته وإرادته. انتهى. بيضاوي، وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: يعني: ألا يعلم السر من خلق السر، يقول: أنا خلقت السر في القلب، أفلا أكون عالما بما في قلوب العباد؟! وقال أهل المعاني: إن شئت جعلت ﴿مَنْ﴾ اسما للخالق جل وعز، ويكون المعنى: ألا يعلم الخالق خلقه، وإن شئت جعلته اسما للمخلوق والمعنى: ألا يعلم الله من خلق، ولا بد أن يكون الخالق عالما بما خلقه، وما يخلقه. قال ابن المسيب-رحمه الله تعالى-: بينما رجل واقف بالليل في شجر كثير، وقد عصافات الريح، فوقع في نفس الرجل: أترى الله يعلم ما يسقط من هذا الورق؟! فنودي من جانب الغيضة بصوت عظيم: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ:﴾ العالم بدقائق الأشياء. ﴿الْخَبِيرُ:﴾ العالم بحقائق الأشياء وخبير بحاجات العباد، وفاقتهم، وخبير بما في قلوب العباد، وخبير بما يسرون، وبما يعلنون. وفيه إثبات خلق الأقوال، فيكون دليلا على خلق أفعال العباد. الإعراب: ﴿أَلا:﴾ حرف استفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل، والمفعول محذوف للتعميم. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، والمفعول محذوف، التقدير، خلق الخلق. هذا؛ وعلى اعتبار فاعل ﴿يَعْلَمُ﴾ عائدا على الله، تقديره: هو، فيكون ﴿مَنْ﴾ مفعولا به، ويكون فاعل ﴿خَلَقَ﴾ عائدا عليه أيضا، ويكون مفعول ﴿خَلَقَ﴾ ضميرا محذوفا، التقدير: خلقه، وهو العائد، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ في محل نصب حال من فاعل ﴿يَعْلَمُ﴾ على الوجهين المعتبرين فيه. والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ ولم يرتض مكي اعتبار ﴿مَنْ﴾ مفعولا به، وشدد النكير على من قال به، حيث قال: وقد قال بعض أهل الزيغ: إن (من) في موضع نصب اسم للمسرين، والجاهرين، ليخرج الكلام عن عمومه، ويدفع عموم الخلق عن الله، جل ذكره، ولو كان كما زعم، لقال: ألا يعلم ما خلق؛ لأنه إنما تقدم ذكر ما تكن الصدور، فهو في موضع (ما). انتهى باختصار. ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ الشرح: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً﴾ أي: سهلة تستقرون عليها. والذلول: المنقاد من كل شيء، وهو صيغة مبالغة، يستوي فيه المذكر، والمؤنث. والمعنى: جعلها لكم سهلة لا يمتنع فيها المشي، لحزونتها، وغلظها. وقيل: أي: ثبتها بالجبال؛ لئلا تزول بأهلها، ولو كانت

стр. 6725

تميد، وتتكفأ؛ لما كانت منقادة لنا، ولما استطعنا الانتفاع بها بالزرع، والغرس، وشق العيون، والأنهار، وحفر الآبار. ﴿فَامْشُوا فِي مَناكِبِها﴾ أي: في نواحيها، وجهاتها، وأطرافها. وقيل: طرقها، وفجاجها. وقال ابن عباس-﵄: جبالها، وآكامها. ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ أي: الذي خلقه الله لكم في الأرض على اختلاف أنواعه، وتفاوت طعومه، وألوانه، وأشكاله. ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ أي: وإليه تبعثون من قبوركم، فيسألكم عن شكر ما أنعم به عليكم. هذا؛ وفي الآية الكريمة حث على طلب الرزق، والسعي في تحصيله، وهو لا ينافي التوكل، والأمر في الجملتين للإباحة، أو للندب، كيف لا؛ والرسول ﷺ قد رغب، بل وحث على العمل والسعي في طلب الرزق، فمن ذلك قوله ﷺ : «إنّ الله يحبّ المؤمن المحترف». رواه الطبراني عن ابن عمر-﵄. وقوله ﷺ أيضا: «من أمسى كالاّ من عمل يده أمسى مغفورا له». رواه الطبراني عن عائشة-﵂. وقد مر عمر-﵁ بقوم جالسين، فقال: من أنتم؟ فقالوا: نحن المتوكلون، فقال: بل أنتم المتواكلون، إنما المتوكّل من ألقى حبّه في بطن الأرض، وتوكّل على ربّه، . وروي: أنه دخل المسجد في غير وقت صلاة، فوجد رجلا جالسا في المسجد، فسأله: ماذا تعمل؟ فقال: أذكر الله، فعلاه بالدّرّة، وقال: لا يقعدنّ أحدكم عن طلب الرزق؛ ويقول: اللهم ارزقني، فإن السماء لا تمطر ذهبا، والأرض لا تنبت فضة! وقال الرسول ﷺ : «لو أنكم تتوكّلون على الله حقّ توكّله؛ لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا، وتروح بطانا». رواه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن عمر بن الخطاب ﵁. ولعلك تدرك معي: أن قوله ﷺ : «تغدو، وتروح» دليل على السعي، والكسب، فهي لم تبق في أعشاشها؛ ويرزقها الله، بل خرجت منها صباحا تبحث عنه. وهو معلوم لدى كل عاقل. الإعراب: ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما وقيل: متعلقان ب: ﴿ذَلُولاً﴾ ولا وجه له. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به أول. ﴿ذَلُولاً:﴾ مفعول به ثان على اعتبار الفعل من أفعال التحويل بمعنى صيّر، وحال إن كان ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى: خلق. ﴿فَامْشُوا:﴾ (الفاء): حرف عطف على رأي: من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط يقدر ب: «إذا». (امشوا): فعل

стр. 6726

أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء. ﴿فِي مَناكِبِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿وَكُلُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (كلوا): أمر، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿مِنْ رِزْقِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَإِلَيْهِ:﴾ (الواو): واو الحال. (إليه): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿النُّشُورُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، العائد على الموصول. والرابط: الواو، والضمير. ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (١٦)﴾ الشرح: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ:﴾ قال ابن عباس-﵄: المعنى: أأمنتم عذاب من في السماء؛ إن عصيتموه. وقيل: تقديره: أأمنتم من في السماء قدرته، وسلطانه، وعرشه، ومملكته؛ وخص السماء لأن السماء مسكن ملائكته، ومنها تنزل قضاياه، وكتابه، وأوامره، ونواهيه. أو المراد: الملائكة الموكلون على تدبير هذا العالم، أو المراد: الله جلت قدرته. وهذا؛ لأنهم كانوا يعتقدون التشبيه، وأنه في السماء، وأن الرحمة، والعذاب ينزلان منه، فقيل لهم على حسب اعتقادهم: أأمنتم من تزعمون: أنه في السماء، وهو-جلت قدرته-متعال، ومنزه عن المكان. ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ:﴾ كما خسفها بقارون، فذاق وبال أمره، وكانت عاقبة أمره خسرا. هذا؛ والخسف انهيار الأرض بالشيء، وخسف المكان ذهب في الأرض، وبابه جلس، وخسف الله به الأرض من باب: ضرب، أي: غاب به فيها، وخسوف القمر ذهاب ضوئه. هذا؛ والخسف: النقصان، والخسف: الذلة والمهانة، والحقارة. قال الشاعر: [البسيط] ولا يقيم على ضيم يراد به... إلاّ الأذلاّن عير الحيّ والوتد هذا على الخسف مربوط برمّته... وذا يشجّ فلا يرثي له أحد وقال عمرو بن كلثوم في معلقته رقم [١٠٨]: [الوافر] إذا ما الملك سام الناس خسفا... أبينا أن نقرّ الخسف فينا ﴿فَإِذا هِيَ تَمُورُ﴾ أي: تضطرب، وتتحرك. والمور: الاضطراب بالذهاب، والمجيء. قال الشاعر: [الطويل] رمين فأقصدن القلوب ولن ترى... دما مائرا إلاّ جرى في الحيازم جمع: حيزوم، وهو وسط الصّدر، وانظر ما ذكرته في سورة (الطور) رقم [٩].

стр. 6727

فائدة: يوصف الله بالعلو، والعظمة، لا بالأماكن، والجهات، والحدود؛ لأنها صفات الأجسام، وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء؛ لأنها مهبط الوحي، ومنزل القطر، ومحل القدس، ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه، وجنته، كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء، والصلاة، ولأنه خلق الأمكنة؛ وهو غير محتاج إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان، والزمان، ولا مكان له، ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان. انتهى. قرطبي. الإعراب: ﴿أَأَمِنْتُمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام مفيد للوعيد، والتهديد. (أمنتم): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي السَّماءِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. التقدير: ثبت، واستقر سلطانه، وقدرته... إلخ. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَخْسِفَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ والمصدر المؤول في محل نصب بدل من ﴿مَنْ﴾ بدل اشتمال. ﴿بِكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به. ﴿فَإِذا:﴾ (الفاء): حرف عطف، وتعقيب. وخذ ما قاله السيوطي-رحمه الله تعالى-فيها: اختلف في هذه الفاء، فقال المازني: هي زائدة لازمة للتأكيد؛ لأن «إذا» الفجائية فيها معنى الإتباع، ولذا وقعت في جواب الشرط موقع الفاء، وهذا ما اختاره ابن جني. وقال مبرمان: هي عاطفة لجملة: (إذا) ومدخولها على الجملة قبلها. واختاره الشلوبين الصغير، وأيده أبو حيان بوقوع «ثم» موقعها في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾. وقال الزجاج: دخلت على حد دخولها في جواب الشرط. انتهى. أي: فهي للسببية المحضة، وفي مغني اللبيب نحو هذا. (إذا): كلمة دالة على المفاجأة هنا، وهي تختص بالدخول على الجمل الاسمية، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال لا الاستقبال، نحو خرجت فإذا الأسد بالباب، وهي حرف عند الأخفش، وابن مالك. ويرجحه: (خرجت فإذا إنّ زيدا بالباب)؛ لأن (إنّ) لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. وظرف مكان عند المبرد، وابن عصفور، وظرف زمان عند الزجاج، والزمخشري، وزعم الأخير: أن عاملها فعل مشتق من لفظ المفاجأة، ولا يعرف هذا لغير الزمخشري، وإنما ناصبها عندهم الخبر المذكور في نحو: (خرجت فإذا زيد جالس) والمقدر في نحو: (فإذا الأسد). أي: حاضر، وإذا قدرت: أنها الخبر؛ فعاملها: مستقر، أو استقر. ولم يقع الخبر معها في التنزيل إلا مصرحا به. انتهى. ملخصا من مغني اللبيب. وعلى اعتبارها ظرف مكان، أو زمان، فهي هنا متعلقة بالفعل ﴿تَمُورُ﴾. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿تَمُورُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿هِيَ﴾ العائد بدوره إلى الأرض. والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿هِيَ تَمُورُ﴾ معطوفة على ما قبلها.

стр. 6728

﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)﴾ الشرح: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ:﴾ هو مثل الآية السابقة بلا فارق. ﴿أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً﴾ أي: حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوط، وأصحاب الفيل. وقيل: ريح فيها حجارة، وحصباء. وقيل: سحاب فيه حجارة. ﴿فَسَتَعْلَمُونَ:﴾ عند معاينة العذاب، أو عند الموت. ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ أي: إذا رأيتم ذلك؛ علمتم كيف نتيجة إنذاري حين لا ينفعكم العلم به. وقيل: النذير بمعنى المنذر، يعني: محمدا ﷺ ، فستعلمون صدقه، وعاقبة تكذيبكم. وخذ قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٦٨]: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً﴾ انظر شرحها هناك. الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف، بمعنى: «بل» الانتقالية. وقيل: للإضراب. ﴿أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً:﴾ إعراب هذا الكلام مثل سابقه بلا فارق. ﴿فَسَتَعْلَمُونَ:﴾ (الفاء): حرف استئناف. وقيل: الفصيحة. ولا وجه له قطعا. السين: حرف تنفيس، واستقبال (تعلمون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل رفع خبر مقدم. ﴿نَذِيرِ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ في محل نصب سدت مسد مفعول تعلمون، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ من قبل أهل مكة، والمراد: كفار الأمم الماضية قبلهم كقوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وأصحاب مدين، وأصحاب الرسّ، وقوم فرعون. ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أي: فكيف كان إنكاري عليهم بنزول العذاب؟ ألم يكن في غاية الهول، والفظاعة؟! وفيه تهديد، ووعيد لكفار قريش، وتسلية لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ . الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: واو القسم، واللام واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كَذَّبَ:﴾ فعل ماضي. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، والمفعول محذوف، كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها. وانظر الآية رقم [٥] ففيها الكفاية. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: الذين وجدوا من قبلهم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَكَيْفَ:﴾ (الفاء): هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [١٥]. (كيف): اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر

стр. 6729

﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها. ﴿كانَ﴾ فعل ماض ناقص. ﴿نَكِيرِ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء، والقسم وجوابه: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ كلام مستأنف، لا محل له. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾ الشرح: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أي: أهل مكة، وغيرهم. ﴿إِلَى الطَّيْرِ:﴾ هو اسم جمع مثل: غنم، وخيل. وقيل: بل هو جمع: طائر، مثل: صحب، وصاحب، ويصح إطلاقه على المفرد، والمثنى، والجمع، وجمع الطير: طيور، وأطيار، مثل: فرخ، وفروخ، وأفراخ. وقال قطرب، وأبو عبيدة: الطير قد يقع أيضا على الواحد، كما في قوله تعالى حكاية عن قول عيسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ﴾ وطائر الإنسان: عمله الذي قلده، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ والطير أيضا اسم من التطير، ومنه قولهم: (لا طير إلاّ طير الله) كما يقال: (لا أمر إلا أمر الله). ﴿فَوْقَهُمْ صافّاتٍ:﴾ باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها؛ لأنهن إذا بسطنها؛ صففن قوائمهن صفا، والمعنى: كما ذلل الأرض للآدمي؛ ذلل الهواء للطيور. ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ أي: يضممن أجنحتهن إذا ضربن بهن جنوبهن بعد البسط. قال أبو جعفر النحاس: يقال للطائر إذا بسط جناحيه: صاف، وإذا ضمهما فأصابا جنبه: قابض؛ لأنه يقبضهما. قال أبو خراش: [الطويل] يبادر جنح اللّيل فهو موائل... يحثّ الجناح بالتّبسّط والقبض وقيل: ويقبضن أجنحتها بعد بسطها؛ إذا وقفن من الطيران. ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ:﴾ ما يمسك الطير حال القبض، والبسط، وهي تطير في الجو إلا الله . والمعنى: أن الطير مع ثقلها وضخامة أجسامها لم يكن بقاؤها، وثبوتها في الهواء إلا بإمساك الله إياها، وحفظه لها. هذا؛ و (يقبضن) معطوف على اسم الفاعل: ﴿صافّاتٍ﴾ حملا على المعنى، أي: يصففن، ويقبضن. أو صافات، وقابضات، واختيار هذا التركيب باعتبار: أن أصل الطيران هو صف الأجنحة؛ لأن الطيران في الهواء، كالسباحة في الماء، والهواء للطائر كالماء للسابح، والأصل في السباحة مد الأطراف، وبسطها، وأما القبض فطارئ على البسط، للاستظهار به على التحرك، فجيء بما هو طارئ بلفظ الفعل على معنى أنهن صافات، ويكون منهن القبض تارة، بعد تارة كما يكون من السابح. انتهى. نسفي.

стр. 6730

تنبيه: قال ابن عقيل-رحمه الله تعالى-: يجوز أن يعطف الفعل على الاسم المشبه للفعل كاسم الفاعل، ونحوه، ويجوز أيضا عكس هذا، وهو أن يعطف على الفعل الواقع موقع الاسم اسم، فمن الأول قوله تعالى في سورة (العاديات): ﴿فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً﴾. وجعل منه قوله تعالى في سورة (الحديد) رقم [١٨]: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ ومن الثاني قول الشاعر: [الطويل] فألفيته يوما يبير عدوّه... ومجر عطاء يستحقّ المعابرا ف: «مجر» معطوف على جملة «يبير» الواقعة صفة: «يوما»؛ إذ التقدير: فألفيته مبيرا، ومجريا. وقد حذف ياء المنقوص في حالة النصب، كحذفها في حالتي الجر، والرفع، وأيضا قول الشاعر: [الرجز] بات يعشّيها بعضب باتر... يقصد في أسوقها وجائر إذ التقدير: بعضب باتر قاصد وجائر. ولم يذكر ابن عقيل الآية التي نحن بصدد شرحها، ويشبهها قوله تعالى في سورة (ص): ﴿إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ وقول ابن عقيل المتقدم، إنما هو شرح قول ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] واعطف على اسم شبه فعل فعلا... وعكسا استعمل تجده سهلا الإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام إنكاري توبيخي. (الواو): حرف استئناف، ويقال: عاطفة على محذوف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلَى الطَّيْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿فَوْقَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من الطير، أو هو متعلق ب: ﴿صافّاتٍ،﴾ و (الهاء) في محل جر بالإضافة. ﴿صافّاتٍ:﴾ حال ثانية من (الطير) منصوب، وعلامة نصبة الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿وَيَقْبِضْنَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يقبضن): فعل مضارع مبني على السكون، ونون النسوة فاعله، والمفعول محذوف. والجملة الفعلية في محل نصب معطوفة على ﴿صافّاتٍ،﴾ والكلام: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا..﴾. إلخ مستأنف، لا محل له. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يُمْسِكُهُنَّ:﴾ فعل مضارع مرفوع، و (الهاء) مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿الرَّحْمنُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال أخرى من ﴿الطَّيْرِ﴾ أو نون النسوة، فتكون حالا متداخلة. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (الهاء) اسمه. ﴿بِكُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، و (كل) مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿بَصِيرٌ:﴾ خبر (إن)، والجملة الاسمية تعليلية، أو مستأنفة، لا محل لها.

стр. 6731

﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ فِي غُرُورٍ (٢٠)﴾ الشرح: ﴿أَمَّنْ..﴾. إلخ أي: من هذا الذي يستطيع أن يدفع عنكم عذاب الله من الأنصار، والأعوان؟!، قال ابن عباس-﵄: أي: من ينصركم مني إن أردت عذابكم؟! والخطاب لأهل مكة، ويعم كل مخاطب عاص مخالف لأوامر الله تعالى إلى يوم القيامة. قال تعالى في حق قارون؛ الذي خسف به، وبداره الأرض: ﴿فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ رقم [٨١] من سورة (القصص). ﴿إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ فِي غُرُورٍ﴾ أي: ما الكافرون في اعتقادهم: أن آلهتهم تنفع، أو تضر إلا في جهل عظيم، وضلال مبين؛ حيث ظنوا الأوهام حقائق، فاعتزوا بالأوثان، والأصنام من دون الله، . هذا؛ وعند التأمل يظهر لك كثرة الالتفات في هذه الآيات، وذلك من الغيبة في الآية السابقة إلى الخطاب في هذه الآية، ثم إلى الغيبة بقوله: ﴿إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ فِي غُرُورٍ﴾ ثم إلى الخطاب بقوله: ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ ثم إلى الغيبة بقوله: ﴿بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. وللالتفات فوائد كثيرة: منها: تطرية الكلام، وصيانة السمع عند الضجر، والملال؛ لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد. هذه فوائد العامة، ويختص كل موضع بنكت، ولطائف باختلاف محله، كما هو مقرر في علم البديع. ووجهه: حث السامع، وبعثه على الاستماع؛ حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصه بالمواجهة. الإعراب: ﴿أَمَّنْ:﴾ (أم): حرف عطف بمعنى: «بل». (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿هذَا:﴾ (الهاء): حرف تنبيه. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع بدل من اسم الإشارة، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ جُنْدٌ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿جُنْدٌ﴾. ﴿يَنْصُرُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿جُنْدٌ،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿جُنْدٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بالجار والمجرور. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال. ولا وجه له. و ﴿دُونِ:﴾ مضاف، و ﴿الرَّحْمنِ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِنِ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿الْكافِرُونَ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة... إلخ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِي غُرُورٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها وهي معترضة بين المتعاطفين. ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١)﴾ الشرح: ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي..﴾. إلخ: المعنى: أم من يشار إليه، ويقال: هذا الذي يرزقكم، إن أمسك الله رزقه بحبس المطر، ومنع منافع الدنيا؟ بل لو كان الرزق موجودا كثيرا سهل التناول،

стр. 6732

فوضع الآكل لقمة في فيه، فأمسك الله عنه قوة الازدراد؛ لعجز أهل السموات، والأرض عن أن يسوغوه تلك اللقمة. انتهى. جمل نقلا عن الخطيب. وقل مثله في الماء. روي: أن هارون الرشيد طلب ماء ليشربه، فجيء له بقدح فيه ماء، فوضعه على فيه. فقال له عالم جليل: أسألك يا أمير المؤمنين بحرمة جدك العباس: لو منعت قدح الماء فبكم تشتريه؟ قال: بملكي كله، فقال العالم الجليل: تبا لملك لا يساوي قدح ماء. ويجوز أن يكون إشارة إلى جميع الأوثان لاعتقادهم: أنهم يحافظون من النوائب، ويرزقون ببركة آلهتهم، فكأنهم الجند الناصر، والرازق. ﴿بَلْ لَجُّوا﴾ تمادوا، وأصروا. ﴿فِي عُتُوٍّ:﴾ في طغيان، وعناد، وتكبر. ﴿وَنُفُورٍ:﴾ تباعد عن الحق، وعدم انصياع له؛ لثقله عليهم، فلم يتبعوه، ولم يقبلوه، ولم يسمعوه سماع قبول. تنبيه: قال المفسرون: كان الكفار يمتنعون عن الإيمان، ويعاندون رسول الله ﷺ معتمدين على شيئين: أحدهما: قوتهم بأموالهم، وعددهم، والثاني: اعتقادهم: أن الأوثان توصل إليهم جميع الخيرات، وتدفع عنهم جميع الآفات، فأبطل الله عليهم الأول بقوله: ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ..﴾. إلخ. ورد عليهم الثاني بقوله: ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ..﴾. إلخ انتهى. جمل نقلا عن الخطيب. الإعراب: ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه بلا فارق. ﴿يَرْزُقُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف؛ لأن «رزق» بمعنى: أعطى، ومنح، فهو ينصب مفعولين، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والكلام: ﴿أَمَّنْ هذَا..﴾. إلخ معطوف على ما قبله، لا محل له مثله، الأول بالاستئناف، والثاني بالإتباع. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم ﴿أَمْسَكَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (الله) تعالى. ﴿رِزْقَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وانتقال. ﴿لَجُّوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿فِي عُتُوٍّ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَنُفُورٍ:﴾ الواو: حرف عطف. (نفور): معطوف على ما قبله. ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾ الشرح: ضرب الله في هذه الآية مثلا للمؤمن، والكافر، فالكافر مثله فيما هو من الضلالة كمثل من يمشي مكبا على وجهه، أي: منحنيا لا مستويا، لا يدري أين يسلك، ولا كيف يذهب؟ فهو تائه حائر ضال، والمؤمن يمشي منتصب القامة، على طريق واضح بين، أيهما أهدى سبيلا أهذا أم ذاك؟ انتهى. مختصر ابن كثير. ثم قال: هذا مثلهم في الدنيا، وكذلك

стр. 6733

يكونون في الآخرة، فالمؤمن يحشر يمشي سويا على صراط مستقيم، مفض به إلى الجنة الفيحاء، وأما الكافر فإنه يحشر يمشي على وجهه إلى نار جهنم. انتهى. هذا؛ وخذ قوله في سورة (الإسراء) رقم [٧٢]: ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً،﴾ وقوله فيها أيضا رقم [٩٧]: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا،﴾ وقوله في سورة (الفرقان) رقم [٣٤]: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ انظر شرح هذه الآيات في محالها، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ و ﴿مُكِبًّا﴾ اسم فاعل من: أكب الرباعي، وهو لازم بينما يكون متعديا من الثلاثي، قال امرؤ القيس-وهو الشاهد رقم [٣٥٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [المتقارب] لها متنتان خظاتا كما... أكبّ على ساعديه النّمر وهو خارج عن قاعدة تعدية اللازم بالهمزة، كما في قولك: ذهب زيد، وأذهب زيد عمرا، وخرج، وأخرج. ومثله: أنزفت البئر، ونزفتها أنا، وأنسل ريش الطائر، ونسلته أنا. ومن المتعدي بدون همز قول النبي ﷺ ، من حديث معاذ بن جبل-﵁-الطويل، وهو مشهور: «وهل يكبّ النّاس في النّار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم». وقد أخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأيضا قوله ﷺ : «من ولي أمة من أمّتي، قلّت، أو كثرت، فلم يعدل فيهم؛ كبّه الله على وجهه في النّار». رواه الطبراني، والحاكم عن معقل بن يسار-﵁. ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ:﴾ على طريق ثابت، والصراط: الطريق، وهو يستعار للدين القويم، كما في صدر سورة (يس)، وكما في سورة (الفاتحة) وسمي الدين: طريقا؛ لأنه يؤدي إلى الجنة، فهو طريق إليها، وهو يقرأ بالصاد، والسين، والزاي، ويذكر ويؤنث، والأول أكثر. هذا؛ وأصل ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ مستقوم؛ لأنه من: استقام، وهو أجوف، واوي، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف بعد سلب سكونها، ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، فصار ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾. بعد هذا لا تنس الاستعارة التمثيلية في الآية الكريمة؛ حيث يمشي المؤمن في حياته وبعد مماته على صراط مستقيم، والكافر يمشي ويتعثر في الدنيا، وفي الآخرة يسحب على وجهه إلى طريق الجحيم، ما أحسنها، وما أروعها من استعارة! حيث شبه المؤمن في تمسكه بالدين الحق، ومشيه على منهاجه بمن يمشي في الطريق المعتدل، الذي ليس فيه ما يتعثر به، وشبه الكافر في ركوبه، ومشيه على الدين الباطل بمن يمشي في الطريق، الذي فيه حفر، وارتفاع، وانخفاض، فيتعثر، ويسقط على وجهه، كلما تخلص من عثرة؛ وقع في أخرى، فالمذكور في الآية هو المشبه به، والمشبه محذوف، لدلالة السياق عليه.

стр. 6734

الإعراب: ﴿أَفَمَنْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام توبيخي. (الفاء): حرف استئناف، أو هي عاطفة على محذوف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَمْشِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مُكِبًّا:﴾ حال من الفاعل المستتر. ﴿عَلى وَجْهِهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿مُكِبًّا،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَهْدى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية لا محل لها على الوجهين المعتبرين بالفاء. ﴿أَمَّنْ:﴾ (أم): حرف عطف. (من): مبتدأ، وجملة: ﴿يَمْشِي﴾ صلته. ﴿سَوِيًّا:﴾ حال من فاعل ﴿يَمْشِي﴾ المستتر. ﴿عَلى صِراطٍ:﴾ متعلقان ب: ﴿سَوِيًّا﴾. ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة ﴿صِراطٍ،﴾ وخبر المبتدأ محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. هذا؛ وإن عطفت (من) على سابقتها عطف مفرد على مفرد؛ فلا حاجة إلى خبر. ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٢٣)﴾ الشرح: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ:﴾ خلقكم ابتداء بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، والأمر لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ ، والخطاب فيما بعده لأهل مكة، ولكل عاقل يسمع، ويتعظ. ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ يعني: أنه تعالى ركب فيكم هذه الجوارح؛ لتستعملوها، وتنتفعوا بها، لكنكم ضيعتموها، فلم تقبلوا ما سمعتموه، ولا اعتبرتم بما أبصرتموه، ولا تأملتم ما عقلتموه، فكأنكم ضيعتم هذه النعم، فاستعملتموها في غير ما خلقت له، فلهذا قال تعالى: ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ وذلك؛ لأن شكر نعم الله تعالى صرفها في وجه مرضاته، فلما صرفتموها في غير مرضاته، فكأنكم ما شكرتم رب هذه النعم الواهب لها؛ لأن شكر الله يكون بصرف جميع ما أنعم الله به على العبد فيما خلق لأجله، وهذه الجملة مذكورة بحروفها في سورة (السجدة) رقم [٩]. هذا؛ وقد وحد الله السمع في هذه الآية وأمثالها دون الأبصار، والأفئدة؛ لأمن اللبس، ولأنه في الأصل مصدر، يقال: سمعت الشيء سماعا، وسمعا، والمصدر لا يجمع؛ لأنه اسم جنس، يقع على القليل، والكثير، فلا يحتاج فيه إلى تثنية، أو جمع. وقيل: وحد السمع؛ لأن مدركاته نوع واحد، وهو الصوت، ومدركات غيره مختلفة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. استدل بهذه الآية وأمثالها من فضل السمع على البصر لتقدمه عليه باللفظ، وقال بتبرير قوله: والسمع يدرك به الجهات الست، وفي النور، وفي الظلمة، ولا يدرك بالبصر إلا من الجهة المقابلة، وبواسطة من ضياء، وشعاع. وقال أكثر المتكلمين بتفضيل البصر على السمع؛ لأن السمع لا يدرك به إلا الأصوات والكلام، والبصر يدرك به الأجسام، والألوان، والهيئات كلها.

стр. 6735

قالوا: فلما كانت تعلقاته أكثر؛ كان أفضل، وأجازوا الإدراك بالبصر من الجهات الست. انتهى. قرطبي في غير هذا الموضع. أقول: فاقد السمع يفعل الأشياء الكثيرة، وفاقد البصر، لا يستطيع أن يفعل شيئا، فإذا البصر أفضل. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿هُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿أَنْشَأَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. (جعل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ أيضا. ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، تقدم على الأول. ﴿السَّمْعَ:﴾ مفعول به، وما بعده معطوف عليه، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ:﴾ لقد ذكر ابن هشام في مغني اللبيب في هذه الجملة وأمثالها إعرابا، فأنا أنقله لك باختصار، فقال-رحمه الله تعالى-: ﴿ما:﴾ محتملة ثلاثة أوجه: أحدها: الزيادة، فتكون لمجرد تقوية الكلام، فتكون حرفا باتفاق، وقليلا في معنى النفي، وإما لإفادة التقليل مثلها في: «أكلت أكلا ما» وعلى هذا فيكون تقليلا بعد تقليل. الوجه الثاني: النفي، و ﴿قَلِيلاً﴾ نعت لمصدر محذوف، أو لظرف محذوف، أي: شكرا قليلا، أو زمنا قليلا. الثالث: أن تكون مصدرية، وهي، وصلتها فاعل ب: ﴿قَلِيلاً﴾ التقدير: قليلا شكركم، و ﴿قَلِيلاً﴾ حال معمول لمحذوف دل عليه المعنى؛ أي: شكروا، فأخروا قليلا شكرهم. أجازه ابن الحاجب، ورجح معناه على غيره. انتهى. بتصرف كبير، ولم يذكر إعراب ﴿قَلِيلاً﴾ على الوجه الأول. وذكر سليمان الجمل الوجه الأول، واعتبر ﴿قَلِيلاً﴾ نعتا لمصدر محذوف، مثل اعتباره في الوجه الثاني. وذكر أبو البقاء الثاني، وقال: التقدير: فما يشكرون قليلا، ولا كثيرا، وجملة: ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ تعليلية لا محل لها من الإعراب، وهذا الإعراب مأخوذ من إعراب ابن هشام لقوله تعالى: ﴿فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ﴾ وهي الآية رقم [٨٨] من سورة (البقرة)، وهذه الآية مذكورة بحروفها في سورة (المؤمنون) برقم [٧٨] مع اختلاف بسيط. ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ الشرح: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: خلقكم، وبثكم، ونشركم في أقطار الأرض مع اختلاف ألسنتكم، ولغاتكم، وألوانكم. ومنه: الذرية، وهي نسل الثقلين، تركوا همزها. والجمع: الذراري بتشديد الياء، وباب الفعل: قطع. ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ:﴾ تجمعون بعد هذا التفرق،

стр. 6736

والشتات، يجمعكم كما فرقكم، ويعيدكم كما بدأكم، وذلك للحساب، والجزاء بعد إخراجكم من القبور. هذا؛ والآية مذكورة بحروفها في سورة (المؤمنون) برقم [٧٩]. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿هُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿ذَرَأَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَإِلَيْهِ:﴾ (الواو): حرف عطف. (إليه): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿تُحْشَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها، واعتبارها في محل نصب حال لا يجوز؛ لأن الجملة المضارعية الواقعة حالا، لا تقترن بالواو، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥)﴾ الشرح: هذه الآية تكررت في كثير من السور، كما هو معروف، ومعلوم لدى كل مسلم يقرأ القرآن. والسؤال المفهوم من الاستفهام يحتمل وجهين: أحدهما: أنه سؤال عن نزول العذاب بهم. والثاني: أنه سؤال عن يوم القيامة. كما يحتمل السؤال عن الاثنين معا، وعليه يكون المعنى: متى يكون يوم القيامة؛ الذي يعذبون فيه في نار جهنم؟ وهذا من فرط عتوهم يقولون ذلك استهزاء، وتكذيبا، والخطاب للنبي ﷺ ، وللمؤمنين معه؛ لأنهم كانوا مشاركين له في الوعد، ويتهددون المشركين بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم. الإعراب: ﴿وَيَقُولُونَ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (يقولون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿مَتى:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿هذَا:﴾ (الهاء): حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿الْوَعْدُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه؛ أي: إن كنتم صادقين فيما تخبرون به من أمر القيامة؛ فبينوا وقته على وجه التحديد. والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول، وجملة: (يقولون...) إلخ مستأنفة، لا محل لها.

стр. 6737

﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦)﴾ الشرح: أي: قل لهم يا محمد: إن علم وقت قيام الساعة، ونزول العذاب بكم عند الله فلا يعلمه غيره، لكن أمرني أن أخبركم: أن هذا كائن، وواقع لا محالة، فاحذروه. فهو كقوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٨٧]: ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾. ﴿وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: مخوّف، ومعلم لكم، وما عليّ إلا البلاغ، وقد أديته إليكم، فهو كقوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٩٩]: ﴿ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ،﴾ وفي كثير من الآيات: ﴿وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ وفي سورة (النور) رقم [٥٤]، وفي سورة (العنكبوت) أيضا رقم [١٨]: ﴿وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿الْعِلْمُ:﴾ مبتدأ. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿وَإِنَّما:﴾ (الواو): حرف عطف. (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿نَذِيرٌ:﴾ خبره. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة ﴿نَذِيرٌ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ لا محل لها. ﴿فَلَمّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)﴾ الشرح: ﴿فَلَمّا رَأَوْهُ﴾ يعني: العذاب في الآخرة على قول أكثر المفسرين. وقيل: يعني: العذاب ببدر. ﴿زُلْفَةً:﴾ مصدر بمعنى: مزدلفا؛ أي: قريبا. والزلفة: القربة، ومثلها: الزلفى (بالقصر). قال تعالى: ﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً﴾. رقم [٣٧] من سورة (سبأ)، والجمع: زلف، وزلفات بضم اللام وفتحها. هذا؛ والزلفة: الدرجة، والمنزلة، والطائفة من الليل، والجمع: زلف، قال تعالى في سورة (هود) رقم [١١٤] مخاطبا للنبي ﷺ : ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ..﴾. إلخ. ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: علتها الكآبة، وساءتها رؤية العذاب، وظهر على وجوههم سمة تدل على كفرهم، كما قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٠٦]: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ وهذه القترة التي ذكرها الله تعالى في سورة (عبس): ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾. ﴿وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ:﴾ من الدعاء، أي: تتمنون، وتطلبون أن يعجله الله لكم، قال قتادة -رحمه الله تعالى-: هو قولهم: ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ﴾ رقم [١٦] من سورة (ص)، وقال الضحاك: هو قولهم: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ رقم [٣٢] من سورة (الأنفال). هذا؛ والتعبير بالماضي عن المستقبل،

стр. 6738

إنما هو لتحقق وقوعه. وقيل: تدعون من الدعوى، أي: تدعون: أن ما جاء به محمد ﷺ باطل، وتدعون: أنكم لا تبعثون، ولا يوجد حساب، ولا عقاب، ولا ثواب، ولا جنة، ولا نار. هذا؛ وأصل ﴿تَدَّعُونَ﴾ تدتعيون على وزن: يفتعلون، فأسكنت الياء؛ لأن الضم فيها ثقيل، وألقيت حركتها على العين، بعد أن أزيلت حركة العين، ثم حذفت الياء لسكونها وسكون الواو بعدها، فصار تدتعون، ثم قلبت التاء دالا، وأدغمت الدال في الدال، فصار: ﴿تَدَّعُونَ﴾ وقلبت التاء دالا، ولم تقلب الدال تاء؛ لأن الدال حرف مجهور، والتاء مهموسة، والمجهور أقوى في اللفظ من المهموس. انتهى مكي من سورة (يس). الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة ظرف زمان بمعنى «حين» تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. وصوب ابن هشام الأول. والمشهور الثاني. ﴿رَأَوْهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، والواو فاعله، والهاء مفعول به. ﴿زُلْفَةً:﴾ حال من الضمير المنصوب. والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا. ﴿سِيئَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء للتأنيث. ﴿وُجُوهُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية جواب (لمّا)، لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له، و ﴿وُجُوهُ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَقِيلَ:﴾ (الواو): حرف عطف. (قيل): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿هذَا:﴾ (الهاء): حرف تنبيه. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل رفع نائب فاعل (قيل). أفاده ابن هشام في مغنيه. وهذا يكون جاريا على القاعدة العامة: «يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه». وهذا لا غبار عليه، وقد ذكرت لك مرارا أن بعضهم يعتبر نائب الفاعل ضميرا مستترا تقديره: «هو»، يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف، يدل عليه المقام، أي: وقيل قول، وبعضهم يعتبر الجار والمجرور (لهم) المذكور، أو المقدر كما هنا في محل رفع نائب فاعل. والمعتمد الأول، وأيده ابن هشام في المغني؛ حيث قال: إن الجملة التي يراد بها لفظها، يحكم لها بحكم المفردات، ولهذا تقع مبتدأ، نحو: «لا حول، ولا قوة إلا بالله: كنز من كنوز الجنّة» ونحو: «زعموا: مطية الكذب» وجملة: ﴿وَقِيلَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، وجملة: «تدعون به» في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها.

стр. 6739

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨)﴾ الشرح: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد لمشركي مكة الذين يتمنون هلاكك. ﴿أَرَأَيْتُمْ:﴾ أخبروني، وأعلموني. ﴿إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ وَمَنْ مَعِيَ:﴾ إن أماتني الله، ومن معي من المؤمنين. ﴿أَوْ رَحِمَنا﴾ أي: فأبقانا، وأخّر آجالنا. ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ:﴾ يمنع الكافرين، وينجيهم. ﴿مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ:﴾ مؤلم موجع واقع بهم. كان كفار مكة يدعون على النبي ﷺ وعلى المؤمنين بالهلاك، فأمر ﷺ أن يقول لهم: نحن مؤمنون متربصون لإحدى الحسنيين، إما أن نهلك، كما تتمنون، فننقلب إلى الجنة، أو نرحم بالنصرة عليكم، كما نرجو، فأنتم ما تصنعون إن أراد الله أن يعذبكم؟ ومن يجيركم؛ وأنتم كافرون من عذاب النار الواقع بكم لا محالة؟ وملخص الآية: نحن خائفون وجلون من عذاب الله مع إيماننا بالله، ونرجو منه تعالى أن يرحمنا، ويعفو عنا، فنعتقد: أن حكمه نافذ فينا، فمن يجيركم، ومن يمنعكم من عذاب أليم، وأنتم مصرون على الكفر، ومعاندة الواحد القهار؟! والله أعلم بمراده، وأسراره كتابه. فائدة: كان مذهب الإمام مالك-رحمه الله تعالى-هو السائد في مصر، فلما ارتحل الإمام الشافعي إلى مصر، واستقر فيها؛ تحول الناس من مذهب الإمام مالك إلى مذهب الإمام الشافعي-رحمه الله تعالى-فصار ابن عبد الحكم تلميذ الإمام مالك يدعو على الشافعي في صلاته، فيقول: اللهم أمت الشافعي كما أمات مذهب مالك في مصر، فذكر ذلك للإمام الشافعي-رحمه الله تعالى-فقال: [الطويل] تمنّى رجال أن أموت وإن أمت... فتلك طريق لست فيها بأوحد فقل للّذي يرجو خلاف الذي مضى... تزوّد لأخرى مثلها وكأن قد الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَرَأَيْتُمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. (رأيتم): فعل، وفاعل، وتقدم معنا في كثير من الآيات: أن هذا الفعل ينصب مفعولين: الأول مفرد. والثاني: جملة استفهامية، ولا شيء منهما هنا، فكأن الجملة الشرطية سدت مسد المفعولين. انتهى. جمل بتصرف. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿أَهْلَكَنِيَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿وَمَنْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف

стр. 6740

على ياء المتكلم. ﴿مَعِيَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿رَحِمَنا:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ و (نا): مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿فَمَنْ:﴾ (الفاء): واقعة في جواب الشرط. (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُجِيرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، ﴿مِنْ عَذابٍ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿يُجِيرُ﴾. ﴿أَلِيمٍ:﴾ صفة ﴿عَذابٍ،﴾ والجملة الشرطية سدت مسد مفعولي ﴿أَرَأَيْتُمْ،﴾ وجملة: ﴿أَرَأَيْتُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقال الجمل: ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ﴾ جواب الشرط. وفي تسببه عن الشرط بعد، ويمكن أن يقال: الجواب محذوف، تقديره: فلا فائدة لكم في ذلك، ولا نفع يعود عليكم؛ لأنكم لا مجير لكم من عذاب الله. تأمل. انتهى. فتكون الجملة تعليل الجواب المحذوف. ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩)﴾ الشرح: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء الكافرين في إنكارك عليهم، وتوبيخك لهم: الذي أدعوكم إليه ﴿هُوَ الرَّحْمنُ:﴾ مولي النعم، وشديد النقم، وراحم المسترحمين، وغافر للمستغفرين. ﴿آمَنّا بِهِ:﴾ أنه واحد أحد فرد صمد، لم يلد، ولم يولد، ولا يشبهه أحد في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. ﴿وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ في جميع أمورنا، كما قال تعالى في سورة (هود) على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [١٢٣]: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ،﴾ وانظر الكلام على ﴿وَكِيلاً﴾ في سورة (المزمل) رقم [٩]. ﴿فَسَتَعْلَمُونَ:﴾ عن قريب. ﴿مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ:﴾ ولمن تكون العاقبة المحمودة في الدنيا، والآخرة. قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: لم أخر مفعول: ﴿آمَنّا﴾ وقدم مفعول: ﴿تَوَكَّلْنا؟﴾ قلت: لوقوع ﴿آمَنّا﴾ تعريضا بالكافرين، حين ورد عقيب ذكرهم، كأنه قيل: آمنا، ولم نكفر كما كفرتم، ثم قال: ﴿وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ خصوصا، لم نتوكل على ما أنتم متوكلون عليه من رجالكم، وأموالكم. انتهى. هذا؛ ويعني بمفعول الفعلين: الجار والمجرور بعدهما، فإن الفعلين لازمان، وقد تعديا بالجار والمجرور، ولو قال: معمول بدلا من: مفعول؛ لكان أوضح. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

стр. 6741

الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿هُوَ الرَّحْمنُ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الرَّحْمنُ،﴾ والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير: «قد» قبلها. وقيل: الجملة في محل رفع خبر ثان للمبتدأ، وجملة: ﴿وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ معطوفة عليها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿فَسَتَعْلَمُونَ:﴾ (الفاء): حرف استئناف، وقيل: الفصيحة. ولا وجه له. (السين): حرف تنفيس، واستقبال. (تعلمون): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿الرَّحْمنُ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة ﴿ضَلالٍ،﴾ والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. هذا هو الإعراب الظاهر، وفي الحقيقة ﴿الرَّحْمنُ﴾ اسم استفهام مبتدأ، والفعل قبله معلق على العمل لفظا بسببه، و ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿الرَّحْمنُ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعول (تعلمون)، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ . ﴿أَرَأَيْتُمْ:﴾ أخبروني يا معشر قريش، فإن الخطاب لهم. ﴿إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً﴾. أي: غائرا ذاهبا في الأرض، لا تناله الدلاء، ولا تأتي به الفؤوس الحداد، ولا السواعد الشداد. وكان ماؤهم من بئرين: بئر زمزم، وبئر ميمون. هذا؛ وتأويل المصدر ﴿غَوْراً﴾ ب: «غائرا» لا بد منه؛ لأنه لا يخبر بالمصدر عن الجثة، فلا يقال: ماؤكم غور، ولا أنتم قيام. ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾ أي: جار، فلا بد لهم من أن يقولوا: لا يأتينا به إلا الله تعالى، فقل لهم: لم تشركون به من لا يقدر على أن يأتيكم بماء معين؟! هذا؛ و ﴿مَعِينٍ﴾ جار ظاهر للعيون، يقال: معين، ومعن، كما يقال: رغيف، ورغف، فهو فعيل من: معن الماء: إذا جرى، أو من الماعون، وهو المنفعة؛ لأنه نفّاع، أو هو مفعول من: عانه إذا أدركه بعينه؛ لأنه لظهوره مدرك بالعيون، جار على وجه الأرض. والمعنى: لا يقدر على ذلك إلا الله ، فمن فضله، وكرمه، وجوده، وإنعامه أنعم عليكم بالمياه، وأجراه في سائر أقطار الأرض، بحسب ما يحتاج العباد إليه من القلة، والكثرة، والله لطيف بعباده، فلله الحمد والمنة على هذه النعمة. وينبغي لمن يسمع هذه الآية أن يقول: يأتي به الله رب العالمين. ولا تنس قوله تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [١٨]: ﴿وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾. وانظر شرحها هناك؛ فإنه جيد والحمد لله رب العالمين.

стр. 6742

الإعراب: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً:﴾ انظر الآية [٢٨] ففيها الكفاية. ﴿فَمَنْ:﴾ (الفاء): واقعة في جواب الشرط. (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَأْتِيكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (من)، تقديره: «هو». و (الكاف): مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وانظر تتمة الإعراب في الآية رقم [٢٨]. ﴿بِماءٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مَعِينٍ:﴾ صفة (ماء)، والكلام: ﴿أَرَأَيْتُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله، وصحبه وسلم. انتهت سورة (الملك) شرحا، وإعرابا بحمد الله، وتوفيقه. والحمد لله رب العالمين.

стр. 6743

سورة القلم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (ن والقلم) وهي مكية في قول الحسن، وعكرمة، وعطاء، وجابر-﵃. وقال ابن عباس، وقتادة-﵄: بعضها مكي، وبعضها مدني. والمعتمد الأول، وهي ثنتان وخمسون آية، وثلاثمئة كلمة، وألف ومئتان وستة وخمسون حرفا. انتهى. خازن. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾ الشرح: ﴿ن:﴾ لقد اختلف فيه، كما اختلف في جميع الحروف المفتتح فيها السور، فقيل: هو لوح من نور. وقيل: إن النون هو لقب لحوت عظيم. قال الكلبي، ومقاتل: اسمه البهموت، قال الراجز: [الرجز] ما لي أراكم كلّكم سكوتا... والله ربّي خلق البهموتا وذكر القرطبي، والخازن في وصف هذا الحوت أمورا لا يقرها العقل في هذه الأيام، فنكل علمها إلى الله تعالى، وعن ابن عباس-﵄-أن النون هو الدواة التي يوضع فيها الحبر للكتابة ومنه قول الشاعر: إذا ما الشّوق برّح بي إليهم... سقيت النّون بالدمع السّجام أراد بالنون: الدواة. وعن ابن عباس أيضا: أن نونا حرف من حروف الرحمن. انتهى. وهذا على اعتبار الاسم الكريم مؤلفا من: ﴿الر﴾ و ﴿لَحْمَ﴾ و ﴿ن،﴾ وقيل: هو مفتاح اسمه تعالى: نصير، وناصر. وقيل: هو اسم للسورة. وانظر ما قيل فيه من قراءات في أول سورة (ص). ﴿وَالْقَلَمِ:﴾ (القلم): هو القلم الذي كتب الله فيه الذكر، وهو قلم من نور، طوله كما بين السماء والأرض، ويقال: أول ما خلق الله القلم، فانشق نصفين، ثم قال: اجر بما هو كائن إلى يوم القيامة، فجرى على اللوح المحفوظ بذلك، وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه، وانظر اللوح المحفوظ في آخر سورة (البروج). وروى الوليد بن مسلم قال: حدثنا مالك بن أنس، عن سميّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة-﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أوّل ما خلق الله

стр. 6744

القلم، ثمّ خلق النون، وهي الدواة، وذلك قوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ ثم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: ما كان، وما هو كائن إلى يوم القيامة، من عمل، أو أجل، أو رزق، أو أثر. فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، قال: ثمّ ختم فم القلم، فلم ينطق، ولا ينطق إلى يوم القيامة. ثم خلق العقل، فقال الجبّار، ما خلقت خلقا أعجب إليّ منك، وعزتي وجلالي لأكملنك فيمن أحببت! ولأنقصنّك فيمن أبغضت». قال: ثم قال رسول الله ﷺ : «أكمل الناس عقلا أطوعهم لله، وأعملهم بطاعة الله». وقيل: المراد به القلم المتداول بين أيدي الناس، أقسم الله به؛ لما فيه من البيان كاللسان، وهو واقع على كل قلم مما يكتب به من في السماء ومن في الأرض، ومنه قول أبي الفتح البستي: [الطويل] إذا أقسم الأبطال يوما بسيفهم... وعدّوه مما يكسب المجد والكرم كفى قلم الكتّاب عزّا ورفعة... مدى الدّهر أنّ الله أقسم بالقلم وللشعراء في تفضيل القلم على السيف أبيات كثيرة منها ما ذكرناه أعلاه. ﴿وَما يَسْطُرُونَ﴾ أي: ما يكتبون، يريد الملائكة يكتبون أعمال بني آدم. قاله ابن عباس ﵄. وقيل: أي: وما يكتب الناس، ويتفاهمون به. وقيل: المراد: ما سجله القلم في الذي أجراه الله بالقدر، حين كتب مقادير الخلائق، قبل أن يخلق السموات والأرضين بخمسين ألف عام وعليه يكون الجمع، يعني: التعبير بواو الجماعة للتعظيم، لا للجمع، وانظر سورة (اقرأ) وما أذكره فيها. ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. هذا رد لقولهم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ رقم [٦] من سورة (الحجر) والمعنى: إنك لا تكون مجنونا؛ وقد أنعم الله عليك بالنبوة والحكمة. فنفى عنه الجنون. وقيل: معناه: ما أنت بمجنون، والنعمة لله. وهو كما يقال: ما أنت بمجنون، والحمد لله. وقيل: إن نعمة الله كانت ظاهرة عليه من الفصاحة التامة، والعقل الكامل، والسيرة المرضية، والأخلاق الحميدة، والبراءة من كل عيب، والاتصاف بكل مكرمة. وإذا كانت هذه النعم محسوسة ظاهرة، فوجودها ينفي حصول الجنون. فنبه الله تعالى بهذه الآية على كونهم كاذبين في قولهم: ﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ،﴾ ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (الطور) رقم [٢٩]: ﴿فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾. قال أبو عمرو الداني: فإن قيل: فكيف يسمى ما جاء من حروف الهجاء في الفواتح على حرف واحد، نحو (ص، ق، ن) حرفا، أو كلمة؟! قال القرطبي-رحمه الله تعالى-قلت: كلمة لا حرفا، وذلك من جهة أن الحرف لا يسكت عليه، ولا ينفرد وحده في الصورة، ولا ينفصل مما يختلط به، وهذه الحروف مسكوت عليها، منفردة منفصلة كانفراد الكلم، وانفصالها، فلذلك

стр. 6745

سميت كلمات ولا حروفا. انتهى. أقول: يريد بالحرف الذي لا يسكت عليه، ولا ينفرد... إلخ حروف الجر، وحروف العطف، والنواصب، والجوازم، ونحوها. الإعراب: ﴿ن:﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: هذه ن. الثاني: أنه مفعول به لفعل محذوف، التقدير: اتل ن. الثالث: أنه مقسم به، التقدير: أقسم ب (ن). ﴿وَالْقَلَمِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم بالقلم، وعلى اعتبار (ن) مقسما به فالقلم معطوف عليه. ﴿وَما:﴾ (الواو): حرف عطف. (ما): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر معطوفة على ما قبلها، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: والذي، أو وشيء يسطرونه. هذا؛ ويجوز اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر معطوف على ما قبله، التقدير: ومسطورهم، أو ومسطوراتهم. ﴿ما:﴾ نافية حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم ﴿ما﴾. ﴿بِنِعْمَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (مجنون)، أو متعلقان بمحذوف حال، والعامل فيها ﴿بِمَجْنُونٍ﴾ تقديره: ما أنت بمجنون منعما عليك بذلك، و (نعمة) مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِمَجْنُونٍ:﴾ (الباء): حرف جر صلة. (مجنون): خبر ﴿ما﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية: ﴿ما أَنْتَ..﴾. إلخ جواب القسم المأخوذ من: «أقسم بنون» على اعتباره مقسما به على وجه رأيته فيه، أو هي جواب للقسم الصريح من قوله: ﴿وَالْقَلَمِ﴾ وما عطف عليه. تنبيه: نقل ابن هشام في المغني عن ابن الحاجب قوله: الباء ﴿بِنِعْمَةِ﴾ متعلقة بالنفي؛ إذ لو علقت ب: (مجنون) لأفاد نفي جنون خاص، وهو الجنون الذي يكون من نعمة الله تعالى، وليس في الوجود جنون هو نعمة، ولا المراد نفي جنون خاص. انتهى. ملخصا. وهو كلام بديع إلا أن جمهور النحويين لا يوافقون على صحة التعلق بالحرف، فينبغي على قولهم أن يقدر: أن التعليق بفعل دل عليه النافي، أي: انتفى ذلك بنعمة ربك. انتهى. مغني بحروفه. هذا؛ وفي السمين قوله: (بنعمة ربك) فيه أوجه: أحدها: أنه مقسم به متوسط بين اسم ما، وخبرها، ويكون الجواب حينئذ محذوفا لدلالة المذكور عليه، والتقدير: ونعمة ربك ما أنت بمجنون. الثاني: أن الباء في موضع نصب على الحال، والعامل فيها (مجنون). والتقدير: ما أنت مجنونا حال كونك ملتبسا بنعمة ربك، قاله أبو البقاء، وعلى هذا، فهي حال لازمة؛ لأنه ﵊ لم يفارق هذه الحال. الثالث: أن الباء سببية، وتتعلق حينئذ بمضمون الجملة المنفية، وهذا هو مقصود الآية الكريمة، والمعنى: انتفى عنك الجنون بسبب نعمة ربك عليك، كما تقول: ما أنا بمعسر بحمد الله. انتهى. جمل نقلا عن السمين، والمعتمد ما جريت عليه في الأول من الإعراب، وهو الموافق لما ذكره ابن هشام.

стр. 6746

﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ الشرح: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً..﴾. إلخ: الخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ ، والمعنى: إن لك الأجر العظيم، والثواب الجزيل الذي لا ينقطع، ولا يبيد، على تبليغك رسالة ربك إلى الخلق، وصبرك على أذاهم. ومعنى ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ:﴾ غير مقطوع، كقوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ سورة (التين) وغيرها، وكقوله تعالى في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ رقم [١٠٨]. ولا تنس التأكيد ب: (إنّ) ولام الابتداء. وقيل: معنى ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غير مكدر عليك بسبب المنة. وخذ قول لبيد-﵁ في معلقته رقم [٣٨] انظر شرحه هناك فإنه جيد والحمد لله: [الكامل] لمعفّر قهد تنازع شلوه... غبس كواسب لا يمنّ طعامها ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ:﴾ وهذا كالتفسير لقوله: ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ لأن الأخلاق الحميدة، والأفعال المرضية، كانت ظاهرة عليه، ومن كان كذلك لم تجز إضافة الجنون إليه، ولما كانت أخلاق رسول الله ﷺ كاملة حميدة، وأفعاله المرضية الجميلة وافرة؛ وصفها الله تعالى بأنها عظيمة. وحقيقة الخلق: قوى نفسانية يسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الحميدة، والآداب المرضية، فيصير ذلك كالخلقة في صاحبه، ولقد أحسن القائل: [الطويل] إذا الله أثنى بالّذي هو أهله... عليك فما مقدار ما تمدح الورى؟ هذا؛ ولا تنس: أن في الآية الكريمة استعارة تبعية بالحرف، فقد شبه الله تعالى تمكن النبي ﷺ من الهدى، والأخلاق الكريمة، والثبوت عليها بتمكن من علا دابة، يصرفها كيف يشاء، بجامع التمكن، والاستقرار في كلّ، فسرى التشبيه من الكليّات للجزئيات، التي هي معاني الحروف، فاستعير لفظ (على) الموضوع للاستعلاء الحسي للارتباط، والاستعلاء المعنوي على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (سبأ) رقم [٢٤]: ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾. وخذ قول الشاعر: [السريع] لسنا وإن أحسابنا كرمت... يوما على الأحساب نتّكل هذا؛ ويدخل في حسن الخلق التحرز من الشح، والبخل، والتشديد في المعاملات، ويستعمل في حسن الخلق التحبب إلى الناس بالقول، والفعل، والبذل، وحسن الأدب، والمعاشرة بالمعروف مع الأقارب والأجانب، والتساهل في جميع الأمور، والتسامح بما يلزم من الحقوق، وترك التقاطع، والتهاجر، واحتمال الأذى من الأعلى، والأدنى مع طلاقة الوجه، وإدامة البشر. فهذه الخصال تجمع محاسن الأخلاق، ومكارم الأفعال. ولقد كان جميع ذلك في رسول ﷺ ، ولهذا؛ وصفه الله تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.

стр. 6747

وقال ابن عباس-﵄: معناه: على دين عظيم، لا دين أحب إليّ، ولا أرضى عندي منه. وروى الإمام أحمد عن الحسن البصري-رحمه الله تعالى-قال: سألت عائشة أم المؤمنين-﵂-فقلت لها: أخبريني بخلق رسول الله ﷺ ، فقالت: كان خلقه القرآن. ومثله عن سعيد بن هشام برواية ابن جرير الطبري. ومعنى هذا: أن النبي ﷺ صار امتثال القرآن سجية له، وخلقا، فكل شيء أمر القرآن به فعله، وكل شيء نهى عنه تركه. أقول: كلمة عائشة المتقدمة تنم عن ذكائها، وشدة فطنتها، وكمال معرفتها بأخلاق الرسول ﷺ ، فلم تقل: كان رسول الله كذا. وأخلاقه كذا، وإنما قالت باختصار: (كان خلقه القرآن) ولما سمع كفار قريش الآيات، وما تضمنته من الإيجاز، والتأكيدات ب: (إنّ) ولام الابتداء، والقسم باثنين، أو بثلاثة حسبما رأيت فيما تقدم، وإجابة القسم بثلاثة أشياء: نفي الجنون عنه ﷺ ، وثبوت الأجر له، وكونه على جانب عظيم من مكارم الأخلاق؛ دهشوا، وتعجبوا من تكريم الله لنبيه، ووصفه له بما ذكره، وهم فرسان البلاغة، والفصاحة، فرجعوا إلى أنفسهم، واستعرضوا سيرة الرسول ﷺ العطرة من نشأته إلى شبابه، إلى كهولته، إلى أن اختاره الله هاديا للناس، فلم يجربوا عليه شيئا مخلا بمكارم الأخلاق، فأذعنوا، ثم نكسوا على رؤوسهم، كما نكس قوم إبراهيم ﵇. وخذ ما يلي: فعن جابر-﵁-أن النبي ﷺ قال: «إنّ الله بعثني لتمام مكارم الأخلاق، وتمام محاسن الأعمال». وعن أنس-﵁-قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي: أفّ قطّ، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته! وكان ﷺ أحسن الناس خلقا، ولا مسست خزّا، ولا حريرا، ولا شيئا كان ألين من كفّ رسول الله ﷺ ، ولا شممت مسكا، ولا عطرا، كان أطيب من عرق رسول الله ﷺ . متفق عليه. وعن أنس أيضا؛ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا استقبله الرجل فصافحه، لا ينزع يده من يده؛ حتى يكون الرجل ينزع يده، ولا يصرف وجهه عن وجهه؛ حتّى يكون الرجل هو الذي يصرفه، ولم ير مقدّما ركبتيه بين يدي جليس له). أخرجه الترمذي. وعن عائشة-﵂-قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ بيده خادما قطّ، ولا ضرب امرأة، ولا ضرب بيده شيئا قطّ، إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا خيّر بين شيئين قطّ إلا كان أحبّهما إليه أيسرهما؛ إلا أن يكون إثما، فإذا كان إثم كان أبعد الناس من الإثم، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه؛ إلا أن تنتهك حرمات الله فيكون هو ينتقم لله . أخرجه الإمام أحمد. وعن أنس-﵁-قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ ، وعليه برد نجرانيّ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيّ، فجبذه جبذة شديدة؛ حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك، فليس المال

стр. 6748

مالك، ولا مال أبيك، فقال: «صدقت! ليس المال مالي، ولا مال أبي، وإنما هو مال الله، ولكن يا أعرابيّ يجب أن أقتصّ منك قبل أن أعطيك!». فقال: لا ورب محمد! فقال: «ولم؟». قال: لأني أعلم أنك لا تقابل السيئة بالسيئة، ولكن تقابل السيئة بالحسنة! فتبسم ﷺ ، وأمر له بعطاء. وقد ترك لنا الرسول ﷺ نبذة من أحاديثه الشريفة تحث على التحلّي بمكارم الأخلاق، من ذلك ما رواه أبو الدرداء-﵁-أن النبي ﷺ قال: «ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله يبغض الفاحش البذيء». أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وعن عائشة-﵂-قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجة الصائم، والقائم». رواه أبو داود، وعنها أيضا: قال رسول الله ﷺ : «إنّ من أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وألطفهم بأهله». أخرجه الترمذي، والحاكم، وقال الترمذي: حديث حسن. وعن جابر بن عبد الله-﵄-عن رسول الله ﷺ ، عن جبريل ﵇، عن رب العزة قال: «إنّ هذا دين ارتضيته لنفسي، ولن يصلح له إلاّ السخاء، وحسن الخلق، فأكرموه بهما ما صحبتموه». رواه الطبراني في الأوسط. والأحاديث في ذلك كثيرة مسطورة في: «الترغيب والترهيب» وغيره، والشعر العربي طافح بذلك. ويجدر بي أن أقول: إن التحلّي بمكارم الأخلاق له محال، ومواضع، والسفه، والطيش، والجهل، له محال، ومواضع، فالرسول ﷺ عفا عمن يستحق العفو، والتسامح. وقتل أبا عزة الجمحي، والنضر بن الحارث لعدم استحقاقهما العفو، والتسامح، وقد أعجب ﷺ كل الإعجاب بقول النابغة الجعدي، ودعا له بقوله: «لا يفضض الله فاك». وهو ما يلي: [الطويل] ولا خير في حلم إذا لم يكن له... بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا الإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ (الواو) حرف عطف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) مقدم. ﴿لَأَجْراً:﴾ (اللام): لام الابتداء. (أجرا): اسم (إنّ) مؤخر. ﴿غَيْرَ:﴾ صفة (أجرا) وهو مضاف، و ﴿مَمْنُونٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَإِنَّكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (إنك): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿لَعَلى:﴾ (اللام): هي المزحلقة. (على خلق): متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). ﴿عَظِيمٍ:﴾ صفة (خلق) والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا؛ لأن الجمل الثلاث جواب القسم. ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)﴾ الشرح: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ:﴾ المعنى فستعلم يا محمد، ويعلمون؛ أي: كفار قريش. قاله ابن عباس-﵄-وهذا حين يرون العذاب، ويتميز الحق من الباطل. وقيل: في

стр. 6749

الدنيا بظهور عاقبة أمرك بغلبة الإسلام، واستيلائك عليهم بالقتل، والأسر، واستلاب أموالهم. وهذا؛ وعد للرسول ﷺ ، ووعيد لكفار قريش، وهذا كقوله تعالى في سورة (القمر) رقم [٢٦]: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ وهذا التهديد، وهذا الوعيد تجده في أول سورة (النبأ)، وفي سورة (التكاثر). ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ أي: أيكم فتن بالجنون؟ هل أنت كما يفترون، أم هم بكفرهم وانصرافهم عن الهدى؟ ومعنى ﴿الْمَفْتُونُ﴾ هو الذي قد فتن عن الحق، وضل عنه. وقال القرطبي: أي: الذي فتن بالجنون. وقيل: ﴿الْمَفْتُونُ﴾ الشيطان الذي فتن بالجنون. وليس بشيء. والحق: أن المفتون: المجنون الذي فتنه الشيطان، وأبعده عن طاعة الله، ورحمته. الإعراب: ﴿فَسَتُبْصِرُ:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (السين): حرف تنفيس، واستقبال. (تبصر): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَيُبْصِرُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يبصرون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وكلا الفعلين معلق عن العمل بسبب الاستفهام على التنازع. ﴿بِأَيِّكُمُ:﴾ (الباء): حرف جر صلة. (أيكم): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والكاف في محل جر بالإضافة، وإلى هذا ذهب قتادة، وأبو عبيدة معمر بن المثنى إلا أنه ضعيف من حيث إن الباء لا تزاد في المبتدأ؛ إلا في بحسبك فقط. ﴿الْمَفْتُونُ:﴾ خبره، وهذا وجه للإعراب، والوجه الثاني: اعتبار ﴿بِأَيِّكُمُ﴾ جار ومجرور متعلقين بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿الْمَفْتُونُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية على الوجهين في محل نصب مفعول به لأحد الفعلين السابقين على التنازع. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)﴾ الشرح: معنى الآية الكريمة: إن كفار قريش رموا النبي ﷺ بالجنون، والضلال، ووصفوا أنفسهم بالعقل، والهداية، فأخبر الله تعالى: أنه هو العالم بالفريقين: الضال، والمهتدي، والمجنون، والعاقل، وهو تعليل لما قبله، وتأكيد للوعد، والوعيد، كأنه يقول: إنهم هم المجانين على الحقيقة، لا أنت، حيث كانت لهم عقول لم ينتفعوا بها، ولا استعملوها فيما ينجيهم، ويسعدهم. ويؤيد هذا ما روي: أنه مر على مجلس الرسول ﷺ رجل معتوه، فقال الصحابة رضوان الله عليهم: هذا مجنون، فقال ﷺ : «هذا مصاب، إنما المجنون من أصر على معصية الله». هذا؛ ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (النجم) رقم [٣٠]: ﴿ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى﴾. هذا؛ و ﴿أَعْلَمُ﴾ هنا، وهناك بمعنى:

стр. 6750

عالم، وليس على بابه من التفضيل، ومثل الآيتين قول الفرزدق-وهو الشاهد رقم [١١٢] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الكامل] إنّ الّذي سمك السّماء بنى لنا... بيتا دعائمه أعزّ وأطول إذ المعنى: عزيزة وطويلة، وأيضا قول الشنفرى الأزدي-وهو الشاهد رقم [٩٦٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] وإن مدّت الأيدي إلى الزّاد لم أكن... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ وإن اعتبرت ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل ف: ﴿أَعْلَمُ﴾ يكون خبر ﴿إِنَّ﴾. والجملة الاسمية تعليل لما قبلها. ﴿بِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿ضَلَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من)، وهو العائد، أو الرابط، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، ويجوز اعتبارها في محل نصب حال من فاعل ﴿أَعْلَمُ﴾ المستتر، والأول أقوى. ﴿بِالْمُهْتَدِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ﴾. ﴿فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾ الشرح: ﴿فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: فلا تطع رؤساء الكفر والضلال فيما يدعونك إليه، وقد كذبوا برسالتك، وحاربوا دعوتك. وكانوا قد دعوه إلى الرجوع إلى دين آبائه وأجداده، فنهاه الله أن يطيعهم. وهذا من الله إلهاب، وتهييج للتشدد في مخالفتهم. ﴿وَدُّوا:﴾ أحبوا، وأرادوا. ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ:﴾ أصل الإدهان: اللين، والمصانعة، والمقاربة في الكلام. وقيل: أدهن الرجل في دينه، وداهن في أمره: إذا خان فيه، وأظهر خلاف ما أبطن. ومعنى الآية: أنهم تمنوا أن تترك بعض ما أنت عليه مما لا يرضوانه مصانعة لهم، فيفعلوا مثل ذلك، ويتركوا بعض ما لا ترضى به، فتلين لهم، ويلينون لك. هذا؛ والمشهور: أن رهطا من قريش أتوا النبي ﷺ ، وقالوا: يا محمد هلمّ اتبع ديننا، ونتبع دينك، ونشركك في ديننا كله، تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، فإن كان الذي جئت به خيرا كنا قد شركناك فيه، وأخذنا حظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرا كنت قد شركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه! فقال رسول الله ﷺ «معاذ الله أن أشرك به غيره!». قالوا: فاستلم بعض آلهتنا؛ نصدقك، ونعبد إلهك! قال: «حتى أنظر ما يأتي من ربي»، فأنزل الله: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ..﴾. إلخ السورة بكاملها.

стр. 6751

فائدة: هناك مداراة، ومداهنة، فالمداراة: التلطف بالإنسان لتستخرج منه الحق، أو ترده عن الباطل. والمداهنة: التلطف به لتقره على باطله، وتتركه على هواه. فالمدارة لأهل الإيمان، والمداهنة لأهل النفاق. وخذ قول زهير من معلقته رقم [٥٥]: [الطويل] ومن لا يصانع في أمور كثيرة... يضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم وخذ هذين البيتين، وتأمل ما فيهما من الجناس التام: [السريع] إذا رماك الدهر في معشر... قد أجمع الناس على بغضهم فدارهم ما دمت في دارهم... وأرضهم ما دمت في أرضهم الإعراب: ﴿فَلا:﴾ (الفاء): هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ربك عالما بأحوال الناس من ضال، ومهتد؛ فلا تطع. ولذا قال الجمل: الفاء لترتيب النهي على ما ينبئ عنه ما قبله من اهتدائه ﷺ وضلالهم، أو على جميع ما فصل من أول السورة. انتهى. (لا): ناهية جازمة. ﴿تُطِعِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا)، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنت». ﴿الْمُكَذِّبِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب الشرط المقدر ب: «إذا»، وكذا إن اعتبرتها مستأنفة. ﴿وَدُّوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَوْ:﴾ حرف مصدري. ﴿تُدْهِنُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و (لو) والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: ودوا مداهنتك. والجملة الفعلية تعليل للنهي، لا محل لها. ﴿فَيُدْهِنُونَ:﴾ (الفاء): حرف عطف. (يدهنون): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فهم مدهنون، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل الجواب للتمني، وإن اعتبرت الفعل وحده معطوفا على ما قبله؛ فيكون داخلا في حيّز ﴿لَوْ﴾. ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ (١٠) هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ الشرح: المشهور: أن الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة، الذي كان يسمى: ريحانة قريش، وهو أحد الرجلين اللذين قيل فيهما في سورة (الزخرف) قوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ وفيه نزل قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً (١٢) وَبَنِينَ شُهُوداً﴾ الآيات من سورة (المدثر). وقيل: المراد به هنا: الأخنس بن شريق. وقيل: المراد به: الأسود بن عبد يغوث. والمعتمد الأول، فقد وصفه الله بعشر صفات قبيحة، كما ستقف عليه.

стр. 6752

﴿وَلا تُطِعْ:﴾ الخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ ، ويعم كل عاقل بأن لا يطيع، ولا يصغي لكل من يتصف بالصفات الذميمة المذكورة. ﴿كُلَّ حَلاّفٍ:﴾ كثير الحلف بالله، وأقبح منه الحلف بالطلاق، وهو شائع في هذه الأيام، وكثير. ﴿مَهِينٍ:﴾ حقير ذليل، فهو لمهانته، وحقارته يكثر الحلف ليصدق بقوله، ويرتفع شأنه، ومكانته بين الناس، والرسول ﷺ نهى عن كثرة الحلف، وشدد النكير على الذين يكثرون الحلف بالله، ولا سيما التجار، وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «أربعة يبغضهم الله: البيّاع الحلاّف، والفقير المختال، والشّيخ الزّاني، والإمام الجائر». رواه النسائي وابن حبان في صحيحه. وعن أبي هريرة-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحلف منفقة للسّلعة، ممحقة للكسب». رواه البخاري، ومسلم. وعن عبد الرحمن بن شبل-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ التّجّار هم الفجّار». قالوا: يا رسول الله! أليس قد أحلّ الله البيع؟ قال: «بلى، ولكنّهم يحلفون فيأثمون، ويحدّثون، فيكذبون». رواه أحمد بإسناد جيد. وعن أبي ذر الغفاري-﵁، عن النبي ﷺ قال: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكّيهم، ولهم عذاب أليم». قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات، فقلت: خابوا وخسروا! ومن هم يا رسول الله؟! قال: «المسبل، والمنّان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب» رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وخذ قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٢٣]: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وانظر ما ذكرته في سورة (المائدة) رقم [٨٩] من النكير على الذين يفتون في كفارة اليمين بإعطاء مدّ قمح للمسكين. ﴿هَمّازٍ:﴾ عياب، طعان، مغتاب، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ سورة (الهمزة). وانظر ما أذكره هناك إن شاء الله تعالى. قال أبو العالية، وعطاء بن أبي رباح، والحسن: الهماز: الذي يذكر الناس في وجوههم، واللماز: الذي يذكرهم في مغيبهم. وقال مقاتل ضد هذا الكلام: إن الهمزة الذي يغتاب بالغيبة، واللمزة الذي يغتاب في الوجه. وقيل: هما سواء. قال الشاعر: [البسيط] تدلي بودّ إذا لاقيتني كذبا... وإن أغب عنك كنت الهامز اللّمزه ﴿مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ أي: يمشي بين الناس بالنميمة ليفسد بينهم، وذلك بنقل الكلام من شخص إلى آخر على وجه السعاية، والإفساد بينهم، وهي من شر ما يتصف بها إنسان. وقد شدد الرسول ﷺ النكير على من يتصف بتلك الصفة الدنيئة الوضيعة. وخذ ما يلي: فعن أبي الدرداء-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام، والقيام؟!» قالوا: بلى! قال: «إصلاح ذات البين، فإنّ فساد ذات البين هي الحالقة».

стр. 6753

رواه أبو داود، والترمذي، وصححه، وزاد فيه: أن النبي ﷺ قال: «هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدّين». وعن عبد الرحمن بن غنم-﵁-يبلغ به النبي ﷺ : «خيار عباد الله الذين إذا رؤوا ذكر الله، وشرار عباد الله المشاؤون بالنميمة، المفرّقون بين الأحبّة الباغون للبراء العنت». رواه الإمام أحمد عن شهر، عنه. وعن العلاء بن الحارث-﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الهمّازون، واللّمازون، والمشّاؤون بالنميمة الباغون للبراء العنت يحشرهم الله في وجوه الكلاب». رواه ابن حبان، وقال الشاعر: [الطويل] ومولى كبيت النّمل لا خير عنده... لمولاه إلاّ سعيه بنميم ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أي: للمال أن ينفق في وجوهه. وقال ابن عباس-﵄: يمنع ولده، وعشيرته عن الإسلام، يقول: لئن دخل واحد منكم في دين محمد؛ لا أنفعه بشيء أبدا! وأولاده كانوا عشرة، منهم سيف الله، وسيف رسوله، وقد سبقه إلى الإسلام أخوه الوليد المسمى باسم أبيه. هذا؛ والخير يكون بمعنى المال، كما في قوله تعالى في سورة (العاديات): ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾. ويكون بمعنى الإسلام، كما رأيت في أحد تفسيري الآية، ويكون بمعنى الطعام، كما في قوله تعالى حكاية عن قول موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-في سورة (القصص) رقم [٢٤]: ﴿رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾. ويكون بمعنى القوة، كما في قوله تعالى في سورة (الدخان) رقم [٣٧]: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾. ويكون بمعنى العبادة والطاعة كقوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٧٣]: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ﴾. ﴿مُعْتَدٍ:﴾ مجاوز حده في الظلم، والباطل، والاعتداء، والفجور. ﴿أَثِيمٍ:﴾ كثير الآثام، فهو فعيل بمعنى فعول، صيغة مبالغة، مثل حلاّف، وهمّاز، ومشّاء، ومنّاع. ﴿عُتُلٍّ﴾ أي: غليظ جاف. وقيل: هو الفاحش، السيئ الخلق. وقيل: هو الشديد في الخصومة بالباطل. وقيل: هو الشديد في كفره. وقيل: هو الأكول الشروب القوي الشديد، ولا يزن في الميزان شعيرة، يدفع الملك من أولئك سبعين ألفا في النار دفعة واحدة. وخذ ما يلي: روى الإمام أحمد-رحمه الله تعالى-عن حارثة بن وهب-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أنبئكم بأهل الجنّة؟ كلّ ضعيف متضعّف، لو أقسم على الله لأبرّه، ألا أنبئكم بأهل النّار؟ كلّ جوّاظ جعظريّ مستكبر». فالجواظ: الأكول الشروب. والجعظري: الشديد الغليظ، ومتضعف بفتح العين، وكسرها. ﴿زَنِيمٍ:﴾ هو ولد الزنى الملحق في النسب بالقوم، وكان الوليد دعيا في قريش ليس من أصلهم، ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة من مولده، قال الشاعر: [الوافر] زنيم ليس يعرف من أبوه... بغيّ الأمّ ذو حسب لئيم وقال حسان بن ثابت-﵁-يذم بعض كفار قريش: [الطويل]

стр. 6754

وأنت زنيم نيط في آل هاشم... كما نيط خلف الراكب القدح الفرد وقال ابن عباس-﵄: الزنيم الدّعي الفاحش اللئيم، وأنشد قول القائل: [الطويل] زنيم تداعاه الرّجال زيادة... كما زيد في عرض الأديم الأكارع هذا؛ وقد قيل: إن أم الوليد بغت به، ولم يعرف حتى نزلت الآيات. والنطفة إذا خبثت؛ خبث الناشئ منها، روي: أنه دخل على أمّه، وقال لها: إن رب محمد وصفني بعشر صفات وجدت تسعا فيّ، فأما الزنيم فلا علم لي به، فإن أخبرتني بحقيقة الأمر، وإلا ضربت عنقك، فقالت: إن أباك عنّين، وخفت أن يموت، فيصل ماله إلى غير ولده، فدعوت راعيا إلى نفسي، فأنت من ذلك الراعي. قال ابن قتيبة: لا نعلم أن الله وصف أحدا، ولا ذكر من عيوبه، مثل ما ذكر من عيوب الوليد بن المغيرة، فألحق به عارا، لا يفارقه في الدنيا، ولا في الآخرة. روي: أن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنة ولد زنى، ولا ولده، ولا ولد ولده». وقال عبد الله بن عمر-﵄: إن النبي ﷺ قال: «إن أولاد الزّنى يحشرون يوم القيامة في صورة القردة، والخنازير». وقالت ميمونة أم المؤمنين-﵂: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنى، فإذا فشا فيهم ولد الزّنى، أوشك أن يعمهم الله بعقاب». قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: أما الحديث الأول، والثاني، فما أظن أن لهما سندا يصح، وأما حديث ميمونة-﵂؛ ففي صحيح مسلم عن زينب بنت جحش-﵂-زوج النبي ﷺ قالت: خرج علينا النبي ﷺ يوما فزعا محمرا وجهه؛ يقول: «لا إله إلاّ الله، ويل للعرب من شرّ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه». وحلّق بأصبعيه الإبهام، والتي تليها، قالت: فقلت يا رسول الله! أنهلك؛ وفينا الصالحون. قال: «نعم إذا كثر الخبث». أخرجه البخاري أيضا، وكثرة الخبث: ظهور الزنى، وأولاد الزنى. انتهى. أقول: ما جاء في الحديثين الأولين، يظهر: أنه لا أصل له؛ لأن ولد الزنى لا ذنب له، وقد يكون في حياته من المؤمنين الصادقين، الذين يعملون الصالحات، ويجتنبون المنهيات، فكيف يحشرون في صورة القردة، والخنازير؟ وكيف لا يدخلون الجنة؛ إن هم أطاعوا الله، واهتدوا بهدي رسوله ﷺ ؟!. قالوا: لما عاب الوليد النبيّ ﷺ كاذبا باسم واحد، وهو الجنون؛ سماه الله صادقا بعشرة أسماء، فإن كان من عدله أن يجزي المسيء إلى رسول الله ﷺ بعشرة؛ كان من فضله أنّ من صلى عليه واحدة؛ صلّى الله عليه عشرا. انتهى. نسفي. هذا؛ وقيل: إن (بعد) بمعنى: «مع» أي: مع ذلك زنيم. ولا بأس به.

стр. 6755

تنبيه: في الآية الكريمة مسألة بيانية لم يتعرض لها المفسرون ألبتة، وهي ما إذا وقعت «كل» في حيز النفي؛ كان النفي موجها إلى الشمول خاصة، وأفاد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد، كقولك: (ما جاء كلّ القوم، ولم آخذ كلّ الدراهم، وكلّ الدراهم لم آخذ). وإن وقع النفي في حيزها؛ اقتضى السلب عن كل فرد، كقول النبي ﷺ لما قال له ذو اليدين: أنسيت، أم قصرت الصلاة يا رسول الله!؟ «كلّ ذلك لم يكن». وقد يشكل على قولهم في القسم الأول قوله تعالى في هذه السورة: ﴿وَلا تُطِعْ..﴾. إلخ، ومثلها في سورة (البقرة) رقم [٢٧٦]، وفي سورة (الحديد) رقم [٢٣]، وفي سورة (لقمان) رقم [١٨] حيث وقعت (كل) في حيز النفي، فتفيد: أن المنفي الشمول، وأن البعض ثابت له المحبة من الله. والجواب عن الآيات: أن دلالة المفهوم إنما يعول عليها عند عدم المعارض، وهو هنا موجود إذ دل الدليل، وهو الإجماع على تحريم الاختيال، والفخر، والحلف، والكفر مطلقا، ومستند هذا الإجماع: الأحاديث الشريفة الكثيرة. هذا؛ ويعبر عما تقدم بسلب العموم وعموم السلب. الإعراب: ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. ﴿تُطِعْ:﴾ فعل مضارع، مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿حَلاّفٍ﴾ مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف، التقدير: كل شخص حلاف. ﴿مَهِينٍ،﴾ ﴿هَمّازٍ،﴾ ﴿مَشّاءٍ:﴾ صفات للموصوف المحذوف. ﴿بِنَمِيمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مَشّاءٍ﴾. ﴿مَنّاعٍ:﴾ صفة أخرى. ﴿لِلْخَيْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مَنّاعٍ﴾. ﴿مُعْتَدٍ،﴾ ﴿أَثِيمٍ،﴾ ﴿عُتُلٍّ:﴾ صفات للموصوف المحذوف. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿زَنِيمٍ﴾ الذي هو الصفة العاشرة للموصوف المحذوف، و ﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾ الشرح: المعنى: لأن كان صاحب مال وبنين يفجر، ويفتري ويقول في القرآن ما يقول، ويزعم أنه أساطير الأولين، وكان الأحرى به أن يقابل النعمة بالشكر، لا بالجحود والتكذيب وقرئ (أن) بفتح الهمزة وكسرها، كما قرئ «(أأن)» على الاستفهام. إذا تتلى عليه قال... إلخ: أي: إذا قرئ عليه القرآن قال: مستهزئا ساخرا: إنها خرافات، وأباطيل المتقدمين اختلقها محمد ونسبها إلى الله. ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ:﴾ هذا وعيد وتهديد من الله لذلك الكافر الفاجر، والمعنى: سنجعل له علامة على خرطومه، أي: أنفه، ونسود وجهه في الآخرة، فيعرف بسواد وجهه، كما قال تعالى

стр. 6756

في سورة (الرحمن): ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ وقيل: المعنى سنلحق به عارا وسبّة حتى يكون كمن وسم على أنفه. قال القتبي: تقول العرب للرجل يسب سبّة سوء قبيحة باقية: قد وسم ميسم سوء؛ أي: ألصق به عار لا يفارقه، كما أن السمة لا يمحى أثرها. قال جرير: [الكامل] لمّا وضعت على الفرزدق ميسمي... وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل قال الزمخشري: الوجه أكرم موضع في الجسد، والأنف أكرم موضع من الوجه، لتقدمه له، ولذلك جعلوه مكان العز، والحمية، واشتقوا منه الأنفة، وقالوا: الأنف في الأنف، وحمي أنفه، وفلان شامخ العرنين. وقالوا في الذليل: جدع أنفه، ورغم أنفه. فعبر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال، والإهانة؛ لأن السمة على الوجه شين وإذلال، فكيف بها على أكرم موضع منه؟!. انتهى. وفيه استعارة فائقة حيث استعار الخرطوم للأنف؛ لأن أصل الخرطوم للفيل، واستعارته؛ لأنف الإنسان تجعله في غاية الإبداع؛ لأن الغرض الاستهانة به، والاستخفاف. وقال ابن عباس-﵄: معنى ﴿سَنَسِمُهُ:﴾ سنخطمه بالسيف. قال: وقد خطم الذي نزلت فيه يوم بدر بالسيف، فلم يزل مخطوما إلى أن مات. وقال قتادة: سنسمه يوم القيامة على أنفه سمة يعرف بها. وهذا هو المعتمد. هذا؛ وانظر شرح ﴿أَساطِيرُ﴾ في سورة (الأحقاف) رقم [١٧]، أو في سورة (المطففين) رقم [١٣]. وانظر شرح ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ فيهما أيضا. الإعراب: ﴿أَنْ﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل نصب ب: ﴿أَنْ،﴾ واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الموصوف بالصفات المتقدمة. ﴿ذا:﴾ خبر ﴿كانَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذا:﴾ مضاف، و ﴿مالٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَبَنِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (بنين): معطوف على ﴿مالٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، و ﴿أَنْ﴾ و ﴿كانَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بلام تعليل محذوفة، التقدير: لكونه. والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: يكفر؛ لكونه ذا مال وبنين. ودل على هذا المحذوف قوله تعالى: ﴿إِذا تُتْلى..﴾. إلخ، ولا يجوز تعليق الجار والمجرور ب: ﴿تُتْلى﴾ ولا ب: ﴿قالَ؛﴾ لأن ما بعد «إذا» لا يعمل فيما قبلها؛ لأنها مضافة إلى الجملة التي بعدها، ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف، والفعل ﴿قالَ﴾ جواب الجزاء، ولا يعمل فيما قبل الجزاء، وعلى قراءة الاستفهام (أأن) لا يتغير التقدير، والتعليق، كما ذكرت، وأما قراءة كسر الهمزة فتكون: «(إن)» شرطية، و ﴿كانَ﴾ فعل شرطها، وجوابها محذوف، التقدير: إن كان كذا؛ يكفر، ويجحد. دل عليه ما بعده، وعليه فالجملة الشرطية مستأنفة، ومرتبطة بما بعدها. هذا؛ وأجاز بعضهم تعليق ﴿أَنْ كانَ..﴾. إلخ بعد تأويله بمصدر بقوله: ﴿مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ وأجاز أبو علي تعليقه ب: ﴿عُتُلٍّ،﴾ وهذان القولان ضعيفان. تأمل.

стр. 6757

﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿تُتْلى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿آياتُنا:﴾ نائب فاعل ﴿تُتْلى،﴾ و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الموصوف بالصفات السابقة، ﴿أَساطِيرُ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف التقدير: هي أساطير، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿أَساطِيرُ:﴾ مضاف، و ﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون بدل من التنوين في الاسم المفرد. ﴿سَنَسِمُهُ:﴾ (السين): حرف تنفيس، واستقبال. (نسمه): فعل مضارع، والفاعل تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به. ﴿عَلَى الْخُرْطُومِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿إِنّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (١٧) وَلا يَسْتَثْنُونَ (١٨)﴾ الشرح: ﴿إِنّا بَلَوْناهُمْ:﴾ يريد أهل مكة. والابتلاء: الاختبار، والامتحان، يكون بالخير، والشر. قال تعالى في حق بني إسرائيل: ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ سورة (الأعراف) رقم [١٦٨]. والمعنى: أعطينا أهل مكة أموالا، وأولادا؛ ليشكروا، لا ليبطروا، فلما بطروا، وعادوا محمدا ﷺ ابتليناهم بالجوع، والقحط؛ حتى أكلوا الجيف، وأوراق الشجر، وذلك حين دعا عليهم النبي ﷺ بقوله: «اللهمّ اجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف». ﴿كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ﴾ أي: المعروف خبرها عندهم. روي عن ابن عباس-﵄-قال: ﴿الْجَنَّةِ﴾ بستان في اليمن، يقال له: الضروان، دون صنعاء بفرسخين، يطؤه أهل الطريق، وكان لرجل يؤدي حق الله فيه، فمات فورثه أولاده الثلاثة، وكان الأب يترك للمساكين إذا صرموا نخلهم كل شيء تعداه المنجل إذا طرح من فوق النخل على البساط، وكل شيء سقط من المنجل إلى البساط، فهو أيضا للمساكين، وإذا حصدوا زرعهم، فكل شيء تعداه المنجل، فهو للمساكين أيضا، وإذا داسوه كان لهم كل شيء ينتثر أيضا، فلما مات الأب، وورثه بنوه الثلاثة، قالوا: والله إن المال قليل، وإن العيال كثير، وإنما كان هذا الأمر يفعله الأب لمّا كان المال كثيرا، والعيال قليلا، فأما إذا قل المال، وكثر العيال؛ فإنا لا نستطيع أن نفعل ما كان يفعله أبونا، فتحالفوا بينهم يوما أن يغدوا غدوة قبل خروج الناس من بيوتهم، فذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا﴾ أي: تحالفوا. ﴿لَيَصْرِمُنَّها:﴾ ليقطعن ثمر الجنة. والصرم: القطع. قال عنترة من معلقته رقم [٢١]: [الكامل]

стр. 6758

هل تبلغنّي دارها شدنيّة... لعنت بمحروم الشّراب مصرّم أراد بشدنية: ناقته التي يركبها في أسفاره، وأراد بمصرم: مقطوع لبنها. ﴿مُصْبِحِينَ﴾ أي: إذا أصبحوا قبل أن يخرج إليهم المساكين، فلا يعلمون بقطع ثمرها. ﴿وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ أي: لا يتركون شيئا للمساكين من ثمر الجنة، وقال الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي: ولا يقولون: إن شاء الله. وسمي استثناء، وإن كان شرطا صورة؛ لأنه يؤدى مؤدّى الاستثناء من حيث: إن معنى قولك: لأخرجن إن شاء الله، لا أخرج إلا أن يشاء الله، والآيات التالية تشرح الواقعة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج: أن أبا جهل قال يوم بدر: خذوهم أخذا، فاربطوهم في الحبال، ولا تقتلوا منهم أحدا، فنزلت: ﴿إِنّا بَلَوْناهُمْ..﴾. إلخ، يقول في قدرتهم عليهم كما اقتدر أصحاب الجنة على الجنة. انتهى. أسباب النزول للسيوطي، وإذا اعتمدنا: أن السورة مكية، لا يبقى لهذا الكلام معنى. تأمل. الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا) اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿بَلَوْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل على الاعتبارين. ﴿كَما:﴾ (الكاف): حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿بَلَوْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَصْحابَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف إليه، و ﴿الْجَنَّةِ﴾ مضاف إليه، و (ما) المصدرية والفعل ﴿بَلَوْنا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، التقدير: بلوناهم بلاء مثل بلائنا أصحاب الجنة. وإن اعتبرت (ما) موصولا اسميا، فيكون التقدير: بلوناهم بلاء مثل الذي بلونا به أصحاب الجنة. وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿بَلَوْنا،﴾ وقال الجمل: ﴿إِذْ﴾ تعليلية، أو ظرفية بنوع تسمح؛ لأن الإقسام كان قبل ابتلائهم. ﴿أَقْسَمُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿لَيَصْرِمُنَّها:﴾ (اللام): واقعة في جواب القسم. (يصرمنها): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة، المدلول عليها بالضمة فاعله، (وها): مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها. ﴿مُصْبِحِينَ:﴾ حال من فاعل ﴿لَيَصْرِمُنَّها﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف، أو حالية، أو استئناف. (لا): نافية. ﴿يَسْتَثْنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية

стр. 6759

معطوفة على جملة جواب القسم. وقال الجمل: وجوز بعضهم الحالية، وهي أظهر في المعنى. وقال الجلال: مستأنفة، وأرى صحة عطفها على جواب القسم؛ ولا سيما إذا كان المعنى: لا يتركون شيئا للمساكين. تأمل، وتدبر. ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)﴾ الشرح: ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: نزل عليها عذاب ﴿مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ،﴾ ولا يكون الطائف إلا في الليل. قاله الفراء، وقال به الخازن. ورد بقوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٢٠١]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ والطائف في الشر. ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ أي: فأصبحت جنتهم محترقة سوداء كالليل المظلم، كما في قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٤٢]: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ..﴾. إلخ. وعن ابن عباس-﵄: كالرماد الأسود، قال: الصريم الرماد الأسود بالغة خزيمة. قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: أي: أصبحت كالبستان الذي صرم ثماره بحيث لم يبق فيه شيء. فعيل بمعنى مفعول، أو كالليل باحتراقها واسودادها، أو كالنهار بابيضاضها من فرط اليبس، سميا بالصريم؛ لأن كلا منهما ينصرم عن صاحبه، وهذا يعني: أن الصريم من الأضداد يقع على الأسود، والأبيض، وانظر الأضداد في سورة (التكوير) إن شاء الله تعالى. فعن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إيّاك والمعاصي! إنّ العبد ليذنب الذنب، فيحرم به رزقا، قد كان هيّئ له». ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ أخرجه ابن أبي حاتم. انتهى. مختصر ابن كثير. وفي هذه الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان؛ لأنهم عزموا على أن يفعلوا، فعوقبوا قبل فعلهم، ونظيره قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٢٥]: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ،﴾ وعن أبي بكر-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار». قلت: يا رسول الله! هذا القاتل؛ فما بال المقتول؟! قال: «إنّه كان حريصا على قتل صاحبه». رواه البخاري، وهذا محمول على العزم المصمم، أما ما يخطر بالبال من غير عزم؛ فلا يؤاخذ به. انتهى. قرطبي. انظر ما ذكرته في سورة (البقرة) رقم [٢٨٣] وخذ قول الفرزدق: [الطويل] ولست بمأخوذ بلغو تقوله... إذا لم تعمّد عاقدات العزائم الإعراب: ﴿فَطافَ:﴾ (الفاء): حرف عطف. (طاف): فعل ماض. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿طائِفٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿طائِفٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل

стр. 6760

لمفعوله. وفاعله مستتر فيه. ﴿وَهُمْ:﴾ (الواو): واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿نائِمُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل ﴿لَيَصْرِمُنَّها،﴾ والرابط: الواو، والضمير، وعليه فالجملة الفعلية معترضة بين الحال وصاحبها. ﴿فَأَصْبَحَتْ:﴾ (الفاء): حرف استئناف، (أصبحت): فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، واسمه مستتر تقديره: «هي»، يعود إلى ﴿الْجَنَّةِ﴾. ﴿كَالصَّرِيمِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (أصبح). هذا؛ وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى: مثل؛ فهي الخبر، وتكون مضافة، و (الصريم) مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: معطوفة على ما قبلها. ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اُغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢)﴾ الشرح: ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ:﴾ فنادى بعضهم بعضا في الصباح، أو عند الصباح. ﴿أَنِ اغْدُوا:﴾ باكروا. ﴿عَلى حَرْثِكُمْ﴾ أي: الزروع، والثمار، والأعناب الموجودة في الجنة. ولم يقل: إلى حرثكم؛ لأن الغدو إليه؛ ليصرموه كان غدوا عليه. أو ضمن الغدو معنى الإقبال، أي: فأقبلوا على حرثكم مبكرين. انتهى. نسفي. وفي البيضاوي: وتعدية الفعل ب: ﴿عَلى﴾ إما لتضمنه معنى الإقبال، أو لتشبيه الغدو للصرام بغدو العدو المتضمن الاستيلاء. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ:﴾ تريدون قطع ثمار بستانكم. الإعراب: ﴿فَتَنادَوْا:﴾ (الفاء): حرف عطف، (تنادوا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿مُصْبِحِينَ:﴾ حال من واو الجماعة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَقْسَمُوا..﴾. إلخ وما بينهما اعتراض لبيان ما نزل بتلك الجنة. قاله سليمان الجمل. ﴿أَنِ:﴾ حرف تفسير. ﴿اُغْدُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مفسرة لقوله: (تنادوا) لا محل لها مثلها. هذا؛ وأجاز السمين وغيره اعتبار (أن) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بالغدو، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وأعتمد الأول؛ لأن ﴿أَنِ﴾ مسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه. ﴿عَلى حَرْثِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَنِ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صارِمِينَ:﴾ خبر (كان)، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الشرطية مرتبطة بما قبلها، لا محل لها مثلها، وهي في المعنى في محل نصب مفعول به ل: (تنادوا).
следующие страницы →