← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.

стр. 6791

﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢)﴾ الشرح: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ﴾ أي: عتا، وجاوز حده؛ حتى علا على كل شيء، وارتفع فوقه، وذلك في زمن نوح على حبيبنا، وشفيعنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وانظر الطغيان في الآية رقم [٥] وفي ذلك استعارة لطيفة؛ لأن الطغيان، وتجاوز الحد من صفات الإنسان، فشبه ارتفاع الماء، وكثرته بطغيان الإنسان على الإنسان بطريق الاستعارة التصريحية بالفعل. ﴿حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ:﴾ في السفينة التي صنعها نوح. والمعنى: حملنا آباءكم، وأنتم في أصلابهم، فهو من مخاطبة الأبناء، بما حصل للآباء، وهذا كثير في القرآن، ولا سيما مع اليهود الذين عاصروا النبي ﷺ ، مثل قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٥٥]: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً..﴾. إلخ، ورقم [٦١]: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ..﴾. إلخ. ورقم [٧٢] منها أيضا: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً..﴾. إلخ. ﴿لِنَجْعَلَها لَكُمْ﴾ أي: نجعل تلك الفعلة التي فعلناها من إغراق قوم نوح، ونجاة من حملنا معه. ﴿لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ أي: جعل الله سفينة نوح تذكرة، وعظة لهذه الأمة؛ حتى أدركها أوائلهم. قال ابن جريج: كانت ألواحها على الجودي في الموصل من أرض العراق، وذكر: أن ناسا وقفوا على جبل الجودي، فشاهدوا بقايا خشبات من تلك السفينة. فيكون المعنى: أبقيت لكم تلك الخشبات؛ حتى تذكروا ما حل بقوم نوح، وإنجاء الله آباءكم، وكم من سفينة هلكت، وصارت ترابا، ولم يبق منها شيء. وقيل: المعنى لنجعل تلك الفعلة من إغراق قوم نوح، وإنجاء من آمن معه موعظة لكم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ أي: تحفظها، وتسمعها أذن حافظة لما جاء من عند الله، والسفينة لا توصف بهذا. روى مكحول: أن النبي ﷺ قال عند نزول هذه الآية: «سألت ربي أن يجعلها أذن علي». قال مكحول: فكان علي-﵁-يقول: ما سمعت من رسول الله ﷺ شيئا قط، فنسيته؛ إلا وحفظته. ذكره الماوردي. انتهى. قرطبي. الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَمّا:﴾ حرف وجود لوجود عند سيبويه. وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب. وهي عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة: ظرف زمان بمعنى: «حين» تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿طَغَى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿الْماءُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية على اعتبار ﴿لَمّا﴾ حرفا، وفي محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿حَمَلْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية جواب ﴿لَمّا،﴾ لا محل لها. ﴿فِي الْجارِيَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و ﴿لَمّا﴾ ومدخولها في محل رفع خبر

стр. 6792

(إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، مستأنقة. ﴿لِنَجْعَلَها:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، و (ها) مفعول به أول. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿تَذْكِرَةً﴾ بعدهما، أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا». ﴿تَذْكِرَةً:﴾ مفعول به ثان، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هذه الفعلة فعلناها؛ لجعلها لكم تذكرة، وقيل: الجار، والمجرور متعلقان بالفعل ﴿حَمَلْناكُمْ،﴾ والأول أقوى. ﴿وَتَعِيَها:﴾ الواو: حرف عطف. (تعيها): معطوف على ما قبله منصوب مثله، و (ها): مفعول به. ﴿أُذُنٌ:﴾ فاعله. ﴿واعِيَةٌ:﴾ صفة ﴿أُذُنٌ﴾. خاتمة: قال الزمخشري في الكشاف: فإن قلت: لم قيل: ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ على التوحيد، والتنكير؟ قلت: للإيذان بأنّ الوعاة فيهم قلة، ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم، وللدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت، وعقلت عن الله، فهي السواد الأعظم عند الله، وأن ما سواها لا يبالي بهم بالة، وإن ملؤوا ما بين الخافقين. قال أحمد محشي الكشاف: هو مثل قوله تعالى في سورة (الحشر) رقم [١٨]: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ وقد ذكر أن فائدة التنكير والتوحيد فيه الإشعار بقلة الناظرين، انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤)﴾ الشرح: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ..﴾. إلخ: الصور كهيئة البوق. قاله مجاهد، ويدل على صحته ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص-﵁-قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: ما الصّور؟ قال: «قرن ينفخ فيه». أخرجه أبو داود، والترمذي-رحمهما الله تعالى-وقال أبو هريرة-﵁-قال النبي ﷺ : «إن الله لما فرغ من خلق السموات والأرض؛ خلق الصور، فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه، شاخص ببصره إلى العرش، ينظر متى يؤمر بالنفخة». قلت: يا رسول الله! ما الصور؟ قال: «قرن والله عظيم، والذي بعثني بالحق إن عظم دارة فيه، كعرض السماء والأرض». وعن أبي سعيد الخدري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف أنتم؛ وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته، وأصغى سمعه، ينتظر أن يؤمر أن ينفخ؟!». وكأن ذلك ثقل على أصحابه، فقالوا: كيف نفعل يا رسول الله؟ وكيف نقول؟ فقال: «قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا-وربما قال-: توكلنا على الله». أخرجه الترمذي. وسعة فم الصور كما بين السماء والأرض. وفيه ثقوب بعدد الأرواح كلها، وتجمع الأرواح في تلك الثقوب، فيخرج بالنفخة الثانية من كلّ ثقب روح إلى الجسد الذي نزعت منه،

стр. 6793

فيعود الجسد حيا بإذن الله تعالى. انتهى. جمل نقلا عن الخطيب. وأنا أؤمن بهذا. هذا؛ وقد دلت آية (الزمر) رقم [٦٨] على أن النفخة اثنتان: الأولى للموت، والثانية للبعث والنشور. قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ والجمهور على أنها ثلاث: الأولى: للفزع، كما قال تعالى في سورة (النمل) الآية [٨٧]: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ..﴾. إلخ. والثانية: للموت، والثالثة: للإعادة، وبين الثانية، والثالثة أربعون سنة على الصحيح. فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بين النفختين أربعون». قالوا: أربعون يوما؟ قال أبو هريرة: أبيت، قالوا: أربعون شهرا؟ قال أبو هريرة: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت. «ثم ينزل الله من السماء ماء، فينبتون كما ينبت البقل، وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظم واحد، وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة». متفق عليه. وينبغي أن تعلم: أن الذي ينفخ في الصور، إنما هو إسرافيل-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-أحد الملائكة العشرة المقربين، وهو ينفخ نفختين بينهما أربعون عاما على الصحيح... إلخ. ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ:﴾ ورفعت الأرض من جميع جهاتها بمجرد القدرة الكاملة، أو بتوسط زلزلة، أو بريح عاصفة. ﴿فَدُكَّتا:﴾ فدكت الجملتان: جملة الأرضين، وجملة الجبال، فضرب بعضها ببعض؛ حتى تندق، وترجع كثيبا مهيلا، وهباء منبثا، قال تعالى في سورة (المزمل): ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً﴾ رقم [١٤]، وقال تعالى في سورة (الواقعة): ﴿إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾. وقيل: المعنى بسطت الأرض، والجبال بسطة واحدة، فصارتا أرضا، لا ترى فيها عوجا، ولا أمتا. وألف الاثنين عائدة إلى الأرض، والجبال. هذا؛ وفي المختار: الدك الدق، وقد دكه، إذا ضربه وكسره، وسواه بالأرض، وبابه ردّ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾. قال الأخفش: هي أرض دك، والجمع: دكوك، قال الله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٤٣]: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال: ويحتمل أن يكون مصدرا، كأنه قال: دكه دكا، أو أراد: جعله ذا دك، فحذف ذا، وقرئ «(دكاء)» بالمد، أي: جعله أرضا دكاء، فحذف الأرض، لأن الجبل مذكر، فلا لبس. انتهى. بتصرف. هذا؛ وخذ قوله تعالى في سورة (الفجر) رقم [٢١]: ﴿كَلاّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ وهذا يعني: أن الأرض يبدل شكلها، وهيئتها، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ رقم [٤٨] من سورة (إبراهيم). الإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿نُفِخَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿فِي الصُّورِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿نَفْخَةٌ:﴾ نائب فاعل ﴿نُفِخَ،﴾

стр. 6794

وقرئ بنصبه على أنه مفعول مطلق، والجار والمجرور في محل نائب الفاعل. ﴿واحِدَةٌ:﴾ صفة ﴿نَفْخَةٌ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿وَحُمِلَتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (حملت): فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿الْأَرْضُ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿وَالْجِبالُ﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فَدُكَّتا:﴾ الفاء: حرف عطف. (دكتا): فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، وحركت بالفتح لالتقائها ساكنة مع ألف الاثنين؛ التي هي نائب فاعل، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿دَكَّةً:﴾ مفعول مطلق. ﴿واحِدَةٌ:﴾ صفة ﴿دَكَّةً﴾. ﴿وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (١٧)﴾ الشرح: ﴿وَالْمَلَكُ﴾ أي: الملائكة، و (الملك) اسم جنس بمعنى الجمع، فهو أعم من الملائكة. ﴿عَلى أَرْجائِها:﴾ جوانب السماء، واحدها: رجا (مقصور) لأن السماء إذا انشقت، وهي

стр. 6795

مسكن الملائكة، فيلجئون إلى أطرافها وجوانبها. قال المفسرون: وذلك؛ لأن السماء مسكن الملائكة، فإذا انشقت السماء وقفوا على أطرافها فزعا مما داخلهم من هول ذلك اليوم، ومن عظمة ذي الجلال، الكبير المتعال. هذا؛ ولم يرد لفظ الأرجاء إلا في هذه السورة، ولم يستعمل هذه اللفظ إلا مجموعا، ولا يحسن المفرد (رجا) في موضع الجمع، كما لا يحسن الكوب موضع الأكواب، كما رأيت في سورة (الواقعة) رقم [١٨]. ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ أي: ويحمل عرش الرحمن يوم القيامة ثمانية من الملائكة العظام فوف رؤوسهم. وقد روى أبو هريرة ﵁-عن النبي ﷺ قال: «إن حملة العرش اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله تعالى بأربعة آخرين، فكانوا ثمانية». ذكره الثعلبي. وذكر الماوردي نحوه، وفي الحديث: «إن لكل ملك منهم أربعة أوجه: وجه رجل، ووجه أسد، ووجه ثور، ووجه نسر، وكل وجه منها يسأل الله الرزق لذلك الجنس». ولما أنشد بين يدي النبي ﷺ قول أمية بن أبي الصلت: [الكامل] رجل وثور تحت رجل يمينه... والنّسر للأخرى وليث مرصد والشّمس تطلع كلّ آخر ليلة... حمراء يصبح لونها يتورّد ليست بطالعة لهم في رسلها... إلا معذّبة وإلا تجلد قال النبي ﷺ : «صدق». هذا؛ وانظر ما ذكرته في سورة (غافر) رقم [٧] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وأما العرش؛ فقد قال الراغب في كتابه (مفردات القرآن): وعرش الله مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم، لا بالحقيقة، ليس هو كما تذهب إليه أوهام العامة، فإنه لو كان كذلك؛ لكان حاملا له، تعالى الله عن ذلك. انتهى. خازن. وقد قال سليمان الجمل: وأما المراد به هنا؛ فهو الجسم النوراني المرتفع عن كل الأجسام، المحيط بكلها، وانظر ما ذكرته في آية الكرسي رقم [٢٥٥] من سورة (البقرة). هذا؛ وفي كثير من الآيات قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ولا يجوز تفسيره ب: استقر، وثبت، فيكون الله من صفات الحوادث، وإنما يؤول باستولى، وهذا التأويل ينبغي أن يقال في كل ما يوهم وصفا، لا يليق به تعالى. والقول الفصل قول علي بن أبي طالب-﵁: الاستواء غير مجهول، والتكييف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، لأنه تعالى كان، فهو على ما كان قبل خلق المكان، والزمان، لم يتغير عما كان. والمنقول عن جعفر الصادق، والحسن البصري، وأبي حنيفة ومالك-﵃ أجمعين-يشبه ذلك. هذا؛ وهناك من يقول: استوى استواء يليق به، وهو قول السلف. هذا؛ واستوى في سورة (القصص) رقم [١٤] بمعنى انتهاء الشباب، وتكامل العقل. الإعراب: ﴿وَالْمَلَكُ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (الملك): مبتدأ. ﴿عَلى أَرْجائِها:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و (ها) في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.

стр. 6796

﴿وَيَحْمِلُ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (يحمل): فعل مضارع. ﴿عَرْشَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَوْقَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وقال الجمل: فوقهم متعلق بمحذوف حال من العرش، والأول أقوى. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل (يحمل)، و (إذ) في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض من جملة محذوفة. ﴿ثَمانِيَةٌ:﴾ فاعل (يحمل)، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي معطوفة على الجملة الاسمية قبلها على رأي من يجيز عطف الفعلية على الاسمية. ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨)﴾ الشرح: ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ يوم ينفخ في الصور. ﴿تُعْرَضُونَ﴾ أي: على الله. دليله قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٤٨]: ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ وليس ذلك عرضا يعلم به ما لم يكن عالما له، بل معناه الحساب، وتقدير الأعمال عليهم للمجازاة. وروى الحسن عن أبي هريرة ﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان؛ فجدال ومعاذير، وأما الثالثة؛ فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله». أخرجه الترمذي، وقال: ولا يصح هذا الحديث من قبل: أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة. وقد رواه بعضهم عن الحسن عن أبي موسى عن النبي ﷺ . ﴿لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾ أي: الله عالم بكل شيء من أعمالكم، لا يخفى عليه شيء منها، وإن عرضكم عليه يوم القيامة للحساب والجزاء، ففيه من المبالغة في التهديد، والوعيد ما لا يخفى. وفي الجمل: وعبر عن الحساب، والجزاء بالعرض تشبيها له بعرض السلطان العسكر، والجند؛ لينظر في أمرهم، فيختار منهم المصلح للتقريب، والإكرام، والمفسد للإبعاد، والتعذيب. انتهى. والآيات التالية تشرح ذلك، وتفصله. هذا؛ وقد قال عمر-﵁: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أخف عليكم في الحساب غدا، وتزينوا للعرض الأكبر. الإعراب: ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، و (إذ) في محل جر بالإضافة على مثال ما تقدم. ﴿تُعْرَضُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية بمنزلة البدل من جملة: ﴿وَيَحْمِلُ..﴾. إلخ، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَخْفى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿خافِيَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير المجرور ب: (من).

стр. 6797

﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠)﴾ الشرح: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ:﴾ فهذا تفصيل لأحوال الناس عند العرض، ﴿كِتابَهُ بِيَمِينِهِ:﴾ إعطاء الكتاب باليمين دليل على النجاة. ﴿فَيَقُولُ:﴾ ابتهاجا، وسرورا، وذلك حين بلغ الغاية في السرور، وعلم: أنه من الناجين بإعطائه كتابه بيمينه، أحب أن يظهر ذلك لغيره؛ حتى يفرحوا له. وقيل: يقول ذلك لأهله، وأقربائه، ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ:﴾ علمت، وتيقنت ﴿أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ:﴾ أني سألقى حسابي، وجزائي يوم القيامة، فأعددت له العدة من الإيمان، والعمل الصالح. قال الحسن: إن المؤمن أحسن الظن بربه، فأحسن العمل، وإن المنافق أساء الظن بربه، فأساء العمل. هذا؛ و ﴿هاؤُمُ﴾ بمعنى: خذوا، وفيها استعمالان، وذلك: أنها تكون فعلا صريحا، وتكون اسم فعل، ومعناها في الحالين: خذوا، فإن كانت اسم فعل، وهي المذكورة في الآية الكريمة، ففيها لغتان: المد والقصر، تقول: هاء درهما يا زيد، وها درهما يا زيد، ويكونان كذلك في الأحوال كلها من إفراد وتثنية، وجمع، وتذكير، وتأنيث، وتتصل بهما كاف الخطاب اتصالها باسم الإشارة، فتطابق مخاطبك بحسب الواقع مطابقتها، وهي (أي: الكاف) ضمير المخاطب، تقول: هاك، هاءك... إلخ، ويخلف كاف الخطاب همزة متصرفة، تصرف كاف الخطاب، فتقول: هاء يا زيد، هاء يا هند، هاؤما، هاؤن، وهي لغة القرآن. وإذا كانت فعلا صريحا، لاتصال الضمائر البارزة المرفوعة بها؛ كان فيها ثلاث لغات: إحداها: أنها تكون مثل: عاطى، يعاطي، فيقال: هاء يا زيد، هائي يا هند، هائيا يا زيدان، أو يا هندان، هاؤوا يا زيدون، هائين يا هندات. الثانية: أن تكون مثل: هب، فيقال: ها، هئي، ها، هئوا، هأن، مثل: هب، هبي، هبا، هبوا، هبن. الثالثة: أن تكون مثل خف، أمرا من الخوف، فيقال: هأ، هائي. هاآ، هاؤوا، هأن، مثل: خف خافي، خافا، خفن. واختلف في مدلولها، فالمشهور: أنها بمعنى خذوا، وقيل: معناها: تعالوا، فتتعدى ب: «إلى»، وقيل: معناها القصد. انتهى. الجمل نقلا من السمين. عن عائشة-﵂، قالت: ذكرت النار، فبكيت، فقال رسول الله ﷺ : «ما يبكيك؟». قلت: ذكرت النار، فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال: «أما في ثلاثة مواطن، فلا يذكر أحد أحدا: عند الميزان؛ حتى يعلم: أيخف ميزانه، أم يثقل؟ وعند تطاير الصحف؛ حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه أم في شماله، أم وراء ظهره؟ وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم؛ حتى يجوز». رواه أبو داود، وزاد فيه الحاكم: «وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم حافتاه كلاليب كثيرة، وحسك كثير، يحبس الله بها من يشاء من خلقه؛ حتى يعلم أينجو أم لا؟».

стр. 6798

الإعراب: ﴿فَأَمّا:﴾ (الفاء): حرف تفريع، واستئناف. (أما): أداة شرط، وتفصيل، وتوكيد، انظر الآية رقم [٥]. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أُوتِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ وهو المفعول الأول. ﴿كِتابَهُ:﴾ مفعول به ثان. ﴿بِيَمِينِهِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿أُوتِيَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَيَقُولُ:﴾ (الفاء): واقعة في جواب (أمّا). (يقول): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من)، والجملة الفعلية مع مقولها في محل رفع خبر المبتدأ، الذي هو (من). ﴿هاؤُمُ:﴾ (ها): اسم فعل أمر مبني على السكون، والميم حرف دال على جماعة الذكور، والفاعل مستتر تقديره: «أنتم». ﴿اِقْرَؤُا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿كِتابِيَهْ:﴾ مفعول به تنازعه كلّ من ﴿هاؤُمُ﴾ و ﴿اِقْرَؤُا،﴾ فأعمل الأول عند الكوفيين لسبقه، والثاني عند البصريين لقربه، وأضمر في أحدهما على الاعتبارين، التقدير: هاؤموه اقرؤوا كتابيه، أو هاؤم اقرؤوا كتابيه. هذا؛ وعلامة نصب ﴿كِتابِيَهْ﴾ فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، و (الياء): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، أصله كتابي، فأدخلت عليه هاء السكت؛ لتظهر فتحة الياء، وكذا يقال في الباقي، والجملتان في محل نصب مقول القول، والجملة الاسمية: (أما من...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنِّي:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿ظَنَنْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِنِّي:﴾ (أنّ): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿مُلاقٍ:﴾ خبر (أنّ) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، وفاعله مستتر تقديره: «أنا»، ﴿حِسابِيَهْ:﴾ مفعول به مثل: ﴿كِتابِيَهْ﴾ فهو منصوب مثله إلخ، و ﴿أَنِّي مُلاقٍ..﴾. إلخ في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿ظَنَنْتُ،﴾ والجملة الفعلية هذه في محل رفع خبر ﴿إِنِّي،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُها دانِيَةٌ (٢٣)﴾ الشرح: ﴿فَهُوَ:﴾ أي: الذي أوتي كتابه بيمينه. ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أي: مرضية، يرضاها صاحبها، لا يضجر منها، ولا يملها، ولا يسأمها. فهي صيغة فاعل بمعنى: مفعول، مثل: ﴿ماءٍ دافِقٍ﴾ بمعنى: مدفوق، وهذا ما يسمى مجازا عقليا، فقد أسند فيه اسم الفاعل إلى ضمير العيشة إسنادا مجازيا، من إسناد ما هو بمعنى الفعل إلى غير ما حقه أن يسند إليه. وقال الحطيئة في ذم الزبرقان بن بدر-وهو الشاهد رقم [١٠] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [البسيط] دع المكارم لا ترحل لبغيتها... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي فإنه أراد: اقعد كلاّ على غيرك مطعوما، مكسوا. فقد أسند الوصف المسند للفاعل إلى ضمير المفعول، ومن هنا كان ذما، لا مديحا. ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ:﴾ مرتفعة المكان؛ لأنها في

стр. 6799

السماء السابعة، ومرتفعة أيضا في الدرجات، والأبنية، والأشجار. ﴿قُطُوفُها:﴾ جمع: قطف بكسر القاف، بمعنى: مفعول، كالذبح بمعنى: المذبوح، وهو ما يجنيه الجاني من الثمار، وأما القطف بالفتح فالمصدر، والقطاف بالفتح والكسر، وقت القطف. انتهى. جمل نقلا من الخطيب. ﴿دانِيَةٌ﴾ أي: قريبة التناول، يتناولها القائم، والقاعد، والمضطجع. قال تعالى في سورة (الرحمن): ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾. الإعراب: ﴿فَهُوَ:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ ﴿فِي عِيشَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿راضِيَةٍ:﴾ صفة ﴿عِيشَةٍ﴾. ﴿فِي جَنَّةٍ:﴾ بدل مما قبلهما بدل بعض من كل، أو هما متعلقان بمحذوف خبر ثان. ﴿قُطُوفُها:﴾ مبتدأ، وها في محل جر بالإضافة. ﴿دانِيَةٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جر صفة ثانية ل: ﴿جَنَّةٍ،﴾ أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم. والجملة الاسمية: ﴿فَهُوَ..﴾. إلخ استئنافية لا محل لها. ﴿كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ (٢٤)﴾ الشرح: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا..﴾. إلخ وقال تعالى في سورة الأعراف رقم [٤٣]: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ،﴾ وقال جل ذكره في سورة (الزخرف) رقم [٧٢]: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ،﴾ وقال تعالى في سورة (السجدة) رقم [١٩]: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنّاتُ الْمَأْوى نُزُلاً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: بسبب أعمالهم، وليس المراد السبب الحقيقي حتى يخالف نص الحديث الشريف، وفحوى هذا: أن نص الآيات جميعا يفيد أن دخول الجنة مسبب عن الأعمال الصالحة، والرسول ﷺ يقول: «لن يدخل أحدا عمله الجنة». قالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: «ولا أنا؛ إلا أن يتغمدني الله بفضله، ورحمته، فسددوا وقاربوا». أخرجه البخاري عن أبي هريرة-﵁. والجمع بين هذه الآيات، والحديث الشريف: أن محمل الآيات على أن منازل الجنة إنما تنال بالأعمال؛ لأن درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال، وأن محمل الحديث الشريف على أصل دخول الجنة. فإن قيل: آية (السجدة) صريحة بأن دخول الجنة أيضا بالأعمال. أجيب بأنه لفظ مجمل بينه الحديث الشريف، والتقدير: ادخلوا منازل الجنة، وقصورها بما كنتم تعملون، وليس المراد أصل الدخول، أو المراد: ادخلوها بما كنتم تعملون مع رحمة الله، وتفضله عليكم؛ لأن اقتسام منازل الجنة برحمته، وكذا أصل دخولها، حيث ألهم العاملين ما نالوا به ذلك، ولا يخلو شيء من مجازاته لعباده من رحمته، وفضله، لا إله إلا هو، له الملك وله الحمد. انتهى. حاشية الشنواني على مختصر ابن أبي جمرة. ومعنى ﴿هَنِيئاً:﴾ لا كدر، ولا تنغيص فيه، وقيل: مأمون العاقبة من

стр. 6800

التخمة والسّقم. وقيل: لا أذية فيه، ولا غائلة. وفي سورة (الطور) رقم [١٩]: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ومثلها في سورة (المرسلات) رقم [٤٣]. بعد هذا خذ ما يلي: عن زيد بن أرقم-﵁، قال: جاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي ﷺ ، فقال: يا أبا القاسم! تزعم: أن أهل الجنة يأكلون، ويشربون، قال: «نعم، والذي نفس محمد بيده! إن أحدهم ليعطى قوة مئة رجل في الأكل والشرب والجماع». قال: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة، وليس في الجنة أذى. قال: «تكون حاجة أحدهم رشحا يفيض من جلودهم، كرشح المسك، فيضمر بطنه». رواه أحمد، والنسائي. وعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «من يدخل الجنة ينعم، ولا يبأس، ولا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه. في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». أخرجه مسلم. وعن أبي أمامة-﵁-قال: سأل رجل رسول الله ﷺ : هل يتزاور أهل الجنة؟ قال: «نعم، إنه ليهبط أهل الجنة الدرجة العليا إلى أهل الجنة الدرجة السفلى، فيحيونهم، ويسلمون عليهم، ولا يستطيع أهل الدرجة السفلى يصعدون إلى الأعلين، تقصر بهم أعمالهم». رواه ابن أبي حاتم. وعن أنس-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دخل أهل الجنة الجنة، فيشتاق الإخوان بعضهم إلى بعض، فيسير سرير هذا؛ إلى سرير هذا، وسرير هذا إلى سرير هذا حتى يجتمعا جميعا، فيتكئ هذا، ويتكئ هذا، فيقول أحدهما لصاحبه: أتعلم متى غفر الله لنا؟ فيقول صاحبه: نعم يوم كنّا في موضع كذا وكذا، فدعونا الله، فغفر لنا». رواه ابن أبي الدنيا، والبزار. وعن سلمان الفارسي-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل أحد الجنة إلا بجوازبسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله لفلان بن فلان، أدخلوه جنة عالية، قطوفها دانية». رواه الطبراني. هذا؛ ولا تنس الالتفات من الغيبة في الآية رقم [١٩] وما بعدها إلى الخطاب في هذه الآية. الإعراب: ﴿كُلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: يقال لهم: كلوا. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقد روعي لفظ ﴿مَنْ﴾ فيما تقدم، وروعي معناها في هذه الآية، وجملة: ﴿وَاشْرَبُوا﴾ معطوفة على ما قبلها. ومفعول الفعلين محذوف للاختصار والتعميم. ﴿هَنِيئاً:﴾ حال من واو الجماعة بمعنى: مهنئين، أو هو صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: هنيئا لكم الأكل، والشرب، وقيل: الفاعل (ما) المجرورة بالباء، وعليه يكون مثله قول كثير عزة: [الطويل] هنيئا مريئا غير داء مخامر... لعزّة من أعراضنا ما استحلّت

стр. 6801

فيكون مثل (ما) يرتفع بالفعل، أي: كما تقول: هنأكم ما كنتم تعملون، أو هنأكم الأكل والشرب، فعلى الأول الباء زائدة في الفاعل، وعلى الثاني الباء أصلية. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿هَنِيئاً،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿أَسْلَفْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء أسلفتموه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بإسلافكم، وهو ضعيف كما ترى. ﴿فِي الْأَيّامِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، الذي رأيت تقديره. ﴿الْخالِيَةِ:﴾ صفة ﴿الْأَيّامِ﴾. ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (٢٥)﴾ الشرح: ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ:﴾ لما ذكر الله حال أهل السعادة، وهم الذين آمنوا، وعملوا الصالحات في الآيات السابقة؛ ذكر في هذه الآيات أهل الشقاوة، وهم الذين كفروا، وعملوا المعاصي، والمنكرات، وهذا من باب المقابلة، وقد جرت سنة الله في كتابه: أنه لم يذكر الإيمان؛ إلا ويذكر الكفر، ولم يذكر الجنة؛ إلا ويذكر النار، ولم يذكر الإيمان، وأهله، ومآلهم؛ إلا ويذكر الكفر، وأهله، ومآلهم؛ ليكون المؤمن راغبا راهبا. هذا؛ وذكر القرطبي نقلا عن الضحاك: أن آيات أهل السعادة نزلت في أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي. وقاله مقاتل، وأن آيات أهل الشقاوة نزلت في أخيه الأسود بن عبد الأسد، ويكون الأخوان سببا في نزول هذه الآيات، والمعنى يعم جميع أهل السعادة، وأهل الشقاوة بلا ريب، لأن خصوص السبب، لا يمنع التعميم، وقد ذكرته مرارا. وفي زيني دحلان: وعبد الله أول من يأخذ بيمينه، والأسود أول من يأخذه بشماله، وهو أول قتيل يوم بدر من المشركين. ﴿أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ:﴾ قيل: تكون يده اليسرى خلف ظهره، ثم يعطى كتابه بها، قال تعالى في سورة (الانشقاق): ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ﴾. ﴿فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ أي: يقول إذا رأى قبائح أعماله: يا ليتني لم أعط كتابي. قال المفسرون: وذلك لما يحصل له من الخجل، والافتضاح، فيتمنى عندئذ: أنه لم يعط كتاب أعماله، ويندم أشد الندم، ويتحسر أعظم التحسر. الإعراب: ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ:﴾ الإعراب مثله في الآية رقم [١٩] بلا فارق. ﴿يا لَيْتَنِي:﴾ (يا): حرف تنبيه، وقيل: أداة نداء، والمنادى محذوف، تقديره: يا هؤلاء ونحوه، والأول أقوى في مثل هذه الآية. (ليتني): حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم في محل نصب اسمها. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي وقلب وجزم. ﴿أُوتَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، ونائب الفاعل مستتر فيه وجوبا،

стр. 6802

تقديره: «أنا»، وهو المفعول الأول. ﴿كِتابِيَهْ:﴾ مفعول به ثان منصوب مثل سابقه، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والهاء للسكت حرف لا محل له... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (ليت)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: (يقول...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، الذي هو ﴿مَنْ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على مثلها في الآية رقم [١٩]. ﴿وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ (٢٦) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (٢٧) ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (٢٩)﴾ الشرح: ﴿وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ أي: لم أعلم، أيّ شيء حسابي؛ لأنه لا طائل، ولا حاصل له، وإنما كله عليه، لا له. ﴿يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ:﴾ تمنى: أنه لم يبعث للحساب. والمعنى: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت القاضية عن كل ما بعدها، والقاطعة للحياة، أي: لا أحيا بعدها، قال قتادة: تمنى الموت، ولم يكن شيء أكره منه إليه، أي: من الموت في الدنيا، لأنه رأى تلك الحالة أشنع، وأمر مما ذاقه من الموت. ﴿ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ أي: لم يدفع عني مالي، وغناي شيئا من العذاب. ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ أي: زال عني ملكي، وسلطاني، ونسبي، وجاهي، فلا معين، ولا مجير، ولا صديق، ولا نصير. أو زال عني قوتي، وتسلطي على الناس، وبقيت ذليلا فقيرا حقيرا. وعن ابن عباس-﵄: ضلت عني حجتي. أي: بطلت حجتي؛ التي كنت أحتج بها في الدنيا. هذا؛ وانظر شرح (سلطان) في سورة (الذاريات) رقم [٣٨]. فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «أغيظ رجل على الله يوم القيامة، وأخبثه رجل تسمى ملك الأملاك، ولا ملك إلا الله». أخرجه مسلم، وعن فناخسرو الملقب بالعضد: أنه لما قال: [الرمل] عضد الدولة وابن ركنها... ملك الأملاك غلاب القدر لم يفلح بعده، وجن، فكان لا ينطق لسانه إلا بهذه الآية: «هلك عني سلطانيه». هذا؛ والتمني: طلب المستحيل، كما في الآية رقم [٢٥ و ٢٧] وكقول أبي العتاهية الصوفي-وهو في «فتح القريب المجيب» و «فتح رب البرية» -: [الوافر] ألا ليت الشباب يعود يوما... فأخبره بما فعل المشيب وأما الترجي؛ فهو طلب المتوقع حصوله، كقولك: لعل الغائب قادم، أو للتعليل كقوله تعالى في سورة (طه) رقم [٤٤]: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾.

стр. 6803

الإعراب: ﴿وَلَمْ:﴾ (الواو): حرف عطف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿أَدْرِ:﴾ فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿حِسابِيَهْ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، أصله: حسابي، فأدخلت عليه هاء السكت، لتظهر فتحة الياء، وكذا يقال في: «ماليه سلطانية»: هذا؛ ويجوز اعتبار (ما) خبرا مقدما، و (حسابي) مبتدأ مؤخر، بل هو الأولى؛ لأن (ما) مبهمة نكرة، و (حسابي) معرفة بلا ريب. وقل مثله في ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾ و ﴿مَا الْقارِعَةُ﴾ والجملة الاسمية: ﴿ما حِسابِيَهْ﴾ في محل نصب سدت مسد مفعولي الفعل: (أدري) المعلق عن العمل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ فهي في محل رفع مثلها. ﴿يا لَيْتَها:﴾ (يا): حرف تنبيه، وقيل: أداة نداء، والمنادى محذوف، التقدير: يا هؤلاء، وهو ضعيف كما ذكرته سابقا. (ليتها): حرف مشبه بالفعل. و (ها): اسمها. وهو عائد على غير مذكور، التقدير: يا ليت الموتة الأولى التي كانت في الدنيا. ﴿كانَتِ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هي» يعود إلى ما ذكرته، وقدرته، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿الْقاضِيَةَ:﴾ خبر ﴿كانَتِ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (ليت)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَغْنى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿عَنِّي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مالِيَهْ:﴾ فاعل ﴿أَغْنى﴾ مرفوع مثل ﴿حِسابِيَهْ،﴾ ومفعوله محذوف، تقديره: شيئا. هذا؛ وقيل: ﴿ما﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل ﴿أَغْنى،﴾ و ﴿عَنِّي﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلتها، التقدير: ما أغنى عني الذي ثبت، واستقر: أنه لي وهو ضعيف معنى. هذا؛ ويجوز اعتبار (ما) الأولى استفهامية في محل نصب مفعول به مقدم، وقيل: في محل نصب مفعول مطلق. وعلى الاعتبارين؛ فالجملة فعلية، وهي في محل نصب مقول القول. ﴿هَلَكَ:﴾ فعل ماض. ﴿عَنِّي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿سُلْطانِيَهْ:﴾ فاعل مرفوع مثل ﴿حِسابِيَهْ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ (٣٢)﴾ الشرح: ﴿خُذُوهُ:﴾ يقول الله تعالى لخزنة النار. ﴿فَغُلُّوهُ﴾ قيل: يبتدره مئة ألف ملك، ثم تجمع يده إلى عنقه، وهو قوله : ﴿فَغُلُّوهُ﴾ أي: شدوه بالأغلال. ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أي: أدخلوه معظم النار؛ لأنه كان يتعاظم في الدنيا. يقال: صلى النار، وصلاه النار، وصلي فلان

стр. 6804

النار (بالكسر)، يصلى صليا؛ أي: احترق. وقال الجوهري: يقال: صليت الرجل نارا: إذا أدخلته النار، وجعلته يصلاها، فإن ألقيته فيها إلقاء كأنك تريد الاحتراق، قلت: أصليته بالألف، وصليته تصلية، ويقال: صلي بالأمر: إذا قاسى حره، وشدته، واصطليت بالنار، وتصليت بها: إذا استدفأت بها، وفلان لا يصطلى بناره: إذا كان شجاعا لا يطاق. هذا؛ وتقديم الجحيم يفيد الحصر، فيكون المعنى: ثم لا تصلوه إلا الجحيم، وهي النار العظمى. ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ:﴾ وهي حلق منتظمة كل حلقة منها في حلقة، ﴿ذَرْعُها﴾ أي: مقدارها، والذرع: التقدير بالذراع من اليد، أو غيرها. ﴿سَبْعُونَ ذِراعاً:﴾ قال ابن عباس-﵄: بذراع الملك. وقال نوف البكالي: سبعون ذراعا، كل ذراع سبعون باعا، كل باع أبعد ما بينك وبين مكة، وكان في رحبة الكوفة، وقال الحسن: الله أعلم أيّ: ذراع؟ وعن عبد الله بن عمرو-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لو أن رضاضة مثل هذه (وأشار إلى مثل الجمجمة) أرسالات من السماء إلى الأرض (وهي مسيرة خمسمئة سنة) لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسالات من رأس السلسة لسارت أربعين خريفا الليل والنهار قبل أن تبلغ قعرها، أو أصلها». رواه أحمد والترمذي، والبيهقي. هذا؛ والجمجمة: قدح من خشب، وجمعه: جماجم، والجمجمة: الرأس، وهو أشرف الأعضاء. هذا؛ وقد جاء ذرعها هنا بمعنى: المقدار، ويأتي الذرع بمعنى: الوسع، والطاقة، انظر الآية رقم [٣٣] من سورة (العنكبوت)، أو الآية رقم [٧٧] من سورة (هود) على نبينا، وحبيبنا، وشفيعنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام وفي كلتيهما قوله تعالى: ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾. ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ أي: أدخلوه فيها. قال ابن عباس-﵄: تدخل في دبره، وتخرج من منخريه. وقيل: تدخل في فيه، وتخرج من دبره، فينادي أصحابه: هل تعرفوني؟ فيقولون: لا، ولكن قد نرى ما بك من الخزي فمن أنت؟ فينادي أصحابه: أنا فلان بن فلان، لكل إنسان منكم مثل هذا، والمعنى في تقديم السلسلة على السلك مثله في تقديم الجحيم على التصلية، أي: لا تسلكوه إلا في هذه السلسلة، كأنها أفظع من سائر مواضع الإرهاق في الجحيم. (وفي زاده): ثم إن كلمة ﴿ثُمَّ﴾ والفاء الواقعين في الجملة الأخيرة، إن كانتا لعطف جملة: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ لزم اجتماع حرفي العطف على معطوف واحد، فينبغي أن تكون كلمة ﴿ثُمَّ﴾ لعطف قول مضمر على ما أضمر قبل قوله: (خذوه) أي: قيل لخزنة جهنم: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ ثم قيل لهم: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها..﴾. إلخ، وتكون الفاء لعطف المقول على المقول، وثم لعطف القول على القول. انتهى. جمل. أقول: وإذا اعتبرنا الفاء صلة؛ فلا حاجة إلى هذا التقدير، وإلى هذه الدندنة، ويكون الجار، والمجرور ﴿فِي سِلْسِلَةٍ﴾ متعلقين بالفعل (اسلكوه) ولا غضاضة في ذلك.

стр. 6805

هذا؛ و ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة، وفي كل منها خلاف مذكور في مغني اللبيب، وقد تلحقها تاء التأنيث الساكنة، كما تلحق (رب) و (لا) العاملة عمل «ليس»، فيقال: ثمت، وربت، ولات، والأكثر تحريك التاء معهن بالفتح. هذا؛ و «ثم» هذه غير «ثمّ» بفتح الثاء، فإنها اسم يشار به إلى المكان البعيد، كما في قوله تعالى في سورة (الشعراء) رقم [٦٤]: ﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾. وهي ظرف لا يتصرف، ولا يتقدمه حرف التنبيه، ولا يتصل به كاف الخطاب، وقد تتصل به التاء المربوطة، فيقال: ثمّة. الإعراب: ﴿خُذُوهُ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، وهو جواب عن سؤال نشأ مما سبق، كأنه قيل: وما فعل به بعد هذا التحسر الصادر منه، فقيل: يقال من قبل الله للزبانية: ﴿خُذُوهُ..﴾. إلخ. انتهى. جمل. وجملة: (غلوه) معطوفة على ما قبلها بالفاء العاطفة، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿الْجَحِيمَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما بعده، فهو منصوب، أو هو منصوب بنزع الخافض. وقيل: مفعول به لفعل محذوف، يفسره المذكور، ولا وجه له ألبتة. ﴿صَلُّوهُ:﴾ أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿فِي سِلْسِلَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿ذَرْعُها:﴾ مبتدأ، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿سَبْعُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل جر صفة ﴿سِلْسِلَةٍ﴾. ﴿ذِراعاً:﴾ تمييز. ﴿فَاسْلُكُوهُ:﴾ (الفاء): حرف صلة، وجملة: (اسلكوه) معطوفة ب: ﴿ثُمَّ﴾ على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)﴾ الشرح: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الذي أوتي كتابه بشماله. ﴿لا يُؤْمِنُ:﴾ لا يصدق، ولا يوقن. ﴿بِاللهِ الْعَظِيمِ:﴾ صاحب العظمة والكبرياء. وفيه إشعار بأنه هو المستحق لجميع المحامد، والجدير بتلبية جميع المطالب، والابتعاد عن جميع المناهي التي نهى عنها. ﴿وَلا يَحُضُّ:﴾ ولا يحث، بل يبخل ويأمر غيره بالبخل، كما قال تعالى في سورة (الحديد) رقم [٢٤]: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ﴾. هذا؛ والحض: طلب الشيء بحثّ، وإزعاج. ﴿عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ:﴾ على إطعام المسكين. ف: ﴿طَعامِ﴾ اسم مصدر استعمل مكان المصدر، واسم المصدر ما نقص عن حروف فعله لفظا، وتقديرا من غير تعويض، مثل عطاء، فإنه اسم مصدر ل: أعطى، يعطي إعطاء، قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٢٠]: ﴿كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ وقال الكميت-وهو الشاهد رقم [٥٣١] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الوافر]

стр. 6806

أكفرا بعد ردّ الموت عنّي... وبعد عطائك المئة الرّتاعا ولعل تخصيص الأمرين: الإيمان بالله، والحض على إطعام المسكين بالذكر؛ لأن أقبح العقائد الكفر بالله، وأشنع الرذائل البخل، وقسوة القلب. الإعراب: ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ﴾. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «هو». ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْعَظِيمِ:﴾ صفة لفظ الجلالة، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية هذه في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية هذه تعليلية، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): نافية، ﴿يَحُضُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: «هو»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. ﴿عَلى طَعامِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿طَعامِ﴾ مضاف، و ﴿الْمِسْكِينِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: ولا يحض على طعامه، أي: إطعامه المسكين. ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلاّ مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ (٣٧)﴾ الشرح: ﴿فَلَيْسَ لَهُ:﴾ للذي أوتي كتابه بشماله. ﴿الْيَوْمَ:﴾ يوم القيامة. ﴿هاهُنا:﴾ عرصات القيامة. ﴿حَمِيمٌ:﴾ قريب. أي: ليس له قريب يرق له، ويدفع عنه. وهو مأخوذ من الحميم، وهو الماء الحار، كأنه الصديق الذي يرق له، ويحترق قلبه عليه. ولا يكون للكافر في الآخرة قريب، ولا صديق؛ لأن الأقرباء يتحاشونه، ويفرون منه. ﴿وَلا طَعامٌ إِلاّ مِنْ غِسْلِينٍ:﴾ فعلين من الغسل، فكأنه ينغسل من أبدانهم، وهو صديد أهل النار السائل من جروحهم، وفروجهم. فإن قلت: ما التوفيق بين ما هنا، وبين قوله تعالى في محل آخر: ﴿إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ،﴾ وفي موضع آخر: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ،﴾ وفي موضع آخر: ﴿أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النّارَ؟﴾ قلنا: لا منافاة؛ إذ يجوز أن يكون طعامهم جميع ذلك، أو أن العذاب أنواع، والمعذبين طبقات، فمنهم أكلة الغسلين، ومنهم أكلة الضريع، ومنهم أكلة الزقوم، ومنهم أكلة النار، ولكل باب منهم جزء مقسوم. انتهى. جمل نقلا من كرخي. ﴿لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ:﴾ الكافرون أصحاب الخطايا. الإعراب: ﴿فَلَيْسَ:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (ليس): فعل ماض ناقص. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (ليس) مقدم. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بمحذوف حال من ﴿حَمِيمٌ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا. ﴿هاهُنا:﴾ (الهاء): حرف تنبيه. (هنا): اسم

стр. 6807

إشارة مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من ﴿حَمِيمٌ﴾. ﴿حَمِيمٌ:﴾ اسم (ليس) مؤخر، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): نافية. ﴿طَعامٌ:﴾ معطوف على ﴿حَمِيمٌ﴾. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مِنْ غِسْلِينٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿طَعامٌ﴾. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَأْكُلُهُ:﴾ فعل مضارع، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْخاطِؤُنَ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿غِسْلِينٍ﴾. ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَما لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠)﴾ الشرح: ﴿فَلا أُقْسِمُ:﴾ (لا): نافية. والكلام على ظاهره من النفي لظهور الأمر، واستغنائه عن التحقيق بالقسم. أو المعنى: فأقسم، و (لا) مزيدة، والمعنى: أقسم بالأشياء كلها ما ترون، وما لا ترون، فهو إقسام بالأشياء كلها على الشمول، والإحاطة؛ لأنها لا تخرج إلا من قسمين: مبصر، وغير مبصر. وقيل: بل المراد: الدنيا، والآخرة، والأجسام، والأرواح، والإنس، والجن، والخلق، والخالق، والنعم الظاهرة، والباطنة. وقيل: هو رد لكلام سبق، أي: ليس الأمر كما يقوله المشركون. وقال مقاتل-رحمه الله تعالى-: سبب ذلك: أن الوليد بن المغيرة، قال: إن محمدا ساحر، وقال أبو جهل: شاعر، وقال عقبة بن أبي معيط: كاهن. وعلى هذا فالوقف على (لا) ثم يبتدأ بما بعدها، ويكون المعنى: ليس الأمر كما يزعمون. وقيل: (لا) بمعنى: ألا للتنبيه، ونبه بهذا على فضيلة القرآن ليتدبروه، وإنه ليس بشعر، ولا بسحر، ولا كهانة كما زعموا. ويقرأ: «(فلأقسم)» بغير ألف بعد اللام على التحقيق. وهو فعل حال، ويقدر مبتدأ محذوف، التقدير: فلا أنا أقسم بذلك، ولو أريد به الاستقبال؛ للزمت النون. وقد جاء حذف النون مع الفعل الذي يريد به الاستقبال، وهو شاذ. انتهى. هذا؛ وقال ابن هشام في المغني: اختلف في (لا) في مواضع من التنزيل، أهي نافية، أم زائدة؟ أحدها: قوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ فقيل: هي نافية، واختلف هؤلاء في منفيها على قولين: أحدهما: أنه شيء تقدم، وهو ما حكي عنهم كثيرا من إنكار البعث، فقيل لهم: ليس الأمر كذلك، ثم استؤنف القسم، قالوا: وإنما صح ذلك؛ لأن القرآن كله كالسورة الواحدة، ولهذا يذكر الشيء في سورة، وجوابه في سورة أخرى، نحو قوله تعالى في سورة (الحجر) الآية رقم [٦]: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ،﴾ وجوابه قوله تعالى في سورة (ن): ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾.

стр. 6808

والثاني: أن منفيها أقسم، وذلك على أن يكون إخبارا، لا إنشاء، واختاره الزمخشري. قال: والمعنى في ذلك أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظاما له، بدليل قوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ فكأنه قيل: إن إعظامه بالإقسام به كلا إعظام، أي: أنه يستحق إعظاما فوق ذلك. وقيل: زائدة. واختلف هؤلاء في زيادتها على قولين: أحدهما: أنها زيدت توطئة، وتمهيدا لنفي الجواب، والتقدير: لا أقسم بيوم القيامة لا يتركون سدى، ومثله قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [٦٥] من سورة (النساء)، وأيضا قول امرئ القيس-وهو الشاهد رقم [٤٥٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [المتقارب] فلا وأبيك ابنة العامريّ... لا يدّعي القوم أنّي أفرّ ورد بقوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ..﴾. الآيات، فإن جوابه مثبت، وهو قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ،﴾ ومثله قوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾. والثاني: أنها زيدت لمجرد التوكيد، وتقوية الكلام، كما في قوله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ رقم [٢٩] من سورة (الحديد)، وردّ بأنها لا تزاد صدرا، بل حشوا، كما أن زيادة (ما) و (كان) كذلك، نحو قوله تعالى: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ رقم [١٥٩] من سورة (آل عمران)، وقوله تعالى: ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ رقم [٧٨] من سورة (النساء)، ونحو: (زيد كان فاضل) وذلك؛ لأن زيادة الشيء تفيد اطراحه، وكونه أول الكلام يفيد الاعتناء به، قالوا: ولهذا نقول: بزيادتها في نحو قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ﴾ سورة (المعارج)، وقوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ لوقوعها بين الفاء، ومعطوفها بخلاف هذا. وأجاب أبو علي بما تقدم من أن القرآن كالسورة الواحدة. انتهى. بحروفه. هذا؛ ولا تنس طباق السلب بين الآيتين. ﴿إِنَّهُ﴾ أي: القرآن ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ:﴾ يريد جبريل الأمين، قاله الحسن، والكلبي، ومقاتل، دليله قوله تعالى في سورة (التكوير): ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ وقال الكلبي أيضا، والقتبي: الرسول ها هنا محمد ﷺ ، لقوله الآتي: ﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ وليس القرآن من قول الرسول ﷺ ، إنما هو من قول الله ، ونسب القول إلى الرسول ﷺ لأنه تاليه، ومبلغه، والعامل به، كقولنا: هذا قول مالك. انتهى. قرطبي. ومعنى ﴿كَرِيمٍ﴾ أي: على الله، والكريم من كل نوع ما يجمع فضائله، وهو صفة لكل ما يرضي في بابه، يقال: وجه كريم؛ أي: مرضي بحسنه، وجماله. وكتاب كريم: مرضي في معانيه، وفوائده، ونبات كريم: مرضي فيما يتعلق به من المنافع، قال تعالى: ﴿كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾. ومثله لفظ: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ﴾ المذكور في سورة (الرحمن).

стр. 6809

الإعراب: ﴿فَلا:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (لا): نافية، أوصلة، أو هي (لا) الابتداء حسب ما رأيت في الشرح. ﴿أُقْسِمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وهي في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف على اعتبار (لا) للابتداء، كما رأيت في الشرح. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء تبصرونه. ﴿وَما:﴾ (الواو): حرف عطف. (ما): معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثله. ﴿لا:﴾ نافية، والجملة الفعلية بعدها صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: والذي، أو وشيء لا تبصرونه. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَقَوْلُ:﴾ (اللام): هي المزحلقة. (قول): خبر (إنّ)، وهو مضاف، و ﴿رَسُولٍ﴾ مضاف إليه. من إضافة المصدر لفاعله. ﴿كَرِيمٍ:﴾ صفة ﴿رَسُولٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ جواب القسم، لا محل لها. ﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٤٢)﴾ الشرح: ﴿وَما هُوَ﴾ أي: القرآن. ﴿بِقَوْلِ شاعِرٍ:﴾ كما تزعمون؛ لأنه مباين لأوزان الشعر كلها. ﴿قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ﴾ أي: قلما تؤمنون بهذا القرآن. قال مقاتل بن سليمان: يعني بالقليل: أنهم لا يصدقون بأن القرآن من الله؛ بمعنى: أنهم لا يؤمنون به أصلا. والعرب تقول: (قلما يأتينا) يريدون: لا يأتينا. انتهى. صفوة التفاسير. ﴿وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ﴾ أي: وليس القرآن بقول كاهن؛ لأن محمدا ﷺ يسب الشياطين، ويشتمهم، فكيف ينزلون على من يشتمهم بشيء. ﴿قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ﴾ أي: لا تتذكرون ألبتة، فحذفت إحدى التاءين. وهذا كثير في القرآن الكريم. وفي الجمل نقلا من أبي السعود: ذكر الإيمان مع نفي الشعر، والتذكر مع نفي الكهانة؛ لأن عدم مشابهة القرآن للشعر أمر بين، لا ينكره إلا معاند كافر بخلاف مباينته للكهانة، فإنها تتوقف على تذكر أحواله ﷺ ، وتذكر معاني القرآن المنافية لطريقة الكهانة، ومعاني أقوالهم. هذا؛ وجمع ﴿شاعِرٍ﴾ شعراء، والأصل في فعلاء أن يكون جمع فعيل. مثل: ظريف، وظرفاء، وشريف، وشرفاء؛ لأن فعيلا إنما يقع لمن قد كمل ما هو فيه، فلما كان «شاعر» إنما يقال لمن عرف بالشعر شبه بفعيل، ودخلت ألف التأنيث الممدودة تأنيث الجماعة، كما تدخل الهاء في صياقلة، وزنادقة، وصيادلة. وقال الأخفش: ﴿شاعِرٍ﴾ مثل: لابن، وتامر، أي: صاحب شعر، وصاحب لبن، وصاحب تمر، وقد سمي الشاعر شاعرا؛ لفطنته، وشدة ذكائه، وهو الفقيه أيضا، والشاعر مأخوذ من قولهم: ما شعرت بهذا الأمر، أي: ما فطنت له. وقوله تعالى في كثير من الآيات في حق الكافرين والمنافقين والفاسقين: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أي: لا

стр. 6810

يفطنون، ولا يتدبرون ما يقع بهم من الخزي، والنكال في الدنيا والآخرة. وانظر ما ذكرته بشأن الشعر، والشعراء في الآية رقم [٢٢٤] من سورة (الشعراء) تجد ما يسرك. وفي مختصر ابن كثير: قال عمر-﵁: خرجت أتعرض لرسول الله ﷺ قبل أن أسلم، فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح سورة (الحاقة)، فجعلت أعجب من تأليف القرآن، وقال: فقلت: هذا والله شاعر! كما قالت قريش، قال: فقرأ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ﴾ قال: فقلت: هو كاهن. قال: فقرأ: ﴿وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣)﴾ إلى آخر السورة، قال: فوقع الإسلام في قلبي كل موقع. فهذا من جملة الأسباب التي جعلها الله تعالى مؤثرة في هداية عمر بن الخطاب-﵁. انتهى. الإعراب: ﴿وَما:﴾ (الواو): واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما). ﴿بِقَوْلِ:﴾ (الباء): حرف جر صلة. (قول): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، و (قول): مضاف، و ﴿شاعِرٍ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية في محل نصب حال من (قول رسول كريم) والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها معطوفة على قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ؛﴾ فلا محل لها مثلها. ﴿قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٢٣] من سورة (الملك). فهو مثلها بلا فارق. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي. ﴿بِقَوْلِ كاهِنٍ:﴾ معطوف على ﴿بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ فهو مثله في إعرابه، وتقديره: ولا يجوز اعتبار (لا) نافية حجازية، تعمل عمل «ليس» واسمها محذوف لدلالة ما قبله عليه؛ لأنها لا تعمل في المعارف. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ الشرح: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي: هذا القرآن منزل من رب العالمين، وليس كما يقولون: هو سحر، أو شعر، أو كهانة، بل هو الحق الذي لا مرية فيه، وليس وراءه شيء نافع. وقال ابن زيد: زعم كفار قريش: أن هذا القرآن تنزلت به الشياطين، فأخبر الله تعالى: أنه لا يمسه إلا المطهرون، كما قال تعالى في سورة (الشعراء): ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾. ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ﴾ أي: تكلف، وأتى بقول من قبل نفسه، وسمى الافتراء: تقولا؛ لأنه قول متكلف، وسمى الأقوال المفتراة: أقاويل تحقيرا بها، كأنه جمع أفعولة من القول،

стр. 6811

كالأضاحيك جمع: أضحوكة، والأعاجيب جمع: أعجوبة. وقال الزمخشري: التقول افتعال القول؛ لأن فيه تكلفا من المفتعل، انتهى. والأقاويل جمع: أقوال، وأقوال جمع: قول، فهو إذا جمع الجمع. ﴿لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ أي: لأخذناه، وعاقبناه وانتقمنا منه بالقوة. وعبر عن القوة، والقدرة باليمين؛ لأن قوة كل إنسان في ميامنه. قاله القتبي. وهو معنى قول ابن عباس، ومجاهد-﵄. ومنه قول الشماخ: [الوافر] إذا ما راية رفعت لمجد... تلقّاها عرابة باليمين وعرابة-﵁-رجل من الأنصار من الأوس اشتهر بالكرم في عصره مثل: عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب، وقيس بن سعد بن عبادة من الأنصار من الخزرج. وفي كتاب قصص العرب حكاية عن كرم هؤلاء الثلاثة. وقول الخازن: «عرابة ملك اليمن» لا وجه له ألبتة، وقال شاعر آخر: [الطويل] ولمّا رأيت الشمس أشرق نورها... تناولت منها حاجتي بيميني أي: قوتي، وقدرتي، وقال السدي، والحكم: ﴿بِالْيَمِينِ:﴾ بالحق، والاستحقاق. وفسروا قول الشماخ بذلك. وقال أبو جعفر الطبري: إن هذا الكلام خرج مخرج الإذلال على عادة الناس في الأخذ بيد من يعاقب، كما يقول السلطان لمن يريد هوانه: خذوا يديه، والمعنى لأخذنا منه يمينه، والمراد باليمين: الجارحة، كما يفعل بالمقتول صبرا، يؤخذ بيمينه، ويضرب بالسيف في عنقه مواجهة، وهو أشد، وعليه: فالباء زائدة، وعلى الأول فالباء أصلية، وفيه تأويل اليمين بالقدرة، والقوة، وهو مذهب الخلف، ومذهب السلف يقولون: لله يمين تليق به لا نعلمها. ومذهب الخلف أحكم، ومذهب السلف أسلم. ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ:﴾ المعنى لأهلكناه، فكنى بقطع الوتين عن الموت، والإهلاك، والوتين: عرق يتعلق به القلب إذا انقطع؛ مات صاحبه. قاله ابن عباس-﵄ وأكثر الناس. قال الشاعر يخاطب ناقته: [الوافر] إذا بلّغتني وحملت رحلي... عرابة فاشرقي بدم الوتين وقال مجاهد: هو حبل القلب الذي في الظهر، وهو النخاع، فإذا انقطع بطلت القوى، ومات صاحبه. وقال الكلبي: إنه عرق بين العلباء، والحلقوم، والعلباء: عصب العنق، وهما علباوان بينهما ينبت العرق. ويجمع على: وتن، وأوتنة. هذا؛ ونقل الصابوني من ظلال القرآن لشهيد الإسلام سيد قطب في كتابه: «النبوة والأنبياء» ما يلي: وفي النهاية يجيء ذلك التهديد الرهيب لمن يفتري على الله في شأن العقيدة، وهي الحد الذي لا هوادة فيه، يجيء لتقرير الاحتمال الواحد، الذي لا احتمال غيره، وهو صدق الرسول

стр. 6812

صلّى الله عليه وسلّم، وأمانته فيما بلغه إليهم، أو يبلغه. ومفاد هذا القول من الناحية التقريرية: أن محمدا ﷺ صادق فيما بلغهم، وأنه لو تقول بعض الأقاويل، التي لم يوح بها إليه؛ لأخذه الله، فقتله على هذا النحو الذي وصفته الآيات، ولما كان هذا لم يقع، فهو ﷺ لا بدّ صادق. انتهى. ولقد اشتهر الرسول ﷺ منذ الصغر بالصدق، والأمانة؛ حتى كان المشركون يسمونه: الصادق الأمين، فيقولون: جاء الصادق الأمين. وذهب الصادق الأمين، وهكذا كان النبي الكريم قبل البعثة علما بين قريش في صدقه، وأمانته، وعلو مكانته. روي: أن رجلا من سادات قريش لقي أبا جهل في أحد طرق مكة، فاستوقفه، ثم قال له: يا أبا الحكم! ليس هنا أحد غيرك وغيري، أنشدك بالله هل محمد صادق أم كاذب؟! فأجابه أبو جهل بكل صراحة: والله إن محمدا صادق، وما كذب قط! فقال: فما يمنعكم من اتباعه؟! فقال أبو جهل: تنافسنا نحن وبنو هاشم، وتنازعنا الزعامة، والفخر، أطعموا، فأطعمنا، وسقوا، فسقينا، وأجاروا، فأجرنا، حتى كنا كفرسي رهان، ثم زادوا علينا، فقالوا: بعث منا نبي، فمن أين نأتيهم بنبي؟ والله نؤمن به، ولا نتبعه. وفي هذا أنزل الله جل ثناؤه تسلية لنبيه ﷺ في سورة (الأنعام) [٣٣]: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ انظر شرحها هناك. وحين سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان قبل إسلامه عن أمر محمد ﷺ : هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: ما عرفنا عليه كذبا قط. فأجابه هرقل بقوله: ما كان ليدع الكذب على الناس، ويكذب على الله! وهذا لعمر الحق هو المنطق السديد والقول الحميد!. الإعراب: ﴿تَنْزِيلٌ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو تنزيل، أو هذا تنزيل. ﴿مِنْ رَبِّ:﴾ متعلقان به؛ لأنه مصدر، و ﴿رَبِّ﴾ مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَلَوْ:﴾ (الواو): حرف استئناف، وقيل: حرف عطف، والأول أقوى. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿تَقَوَّلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ تقديره: «هو». وقال أبو حيان: يعود على المتقول المضمر وليس عائدا على الرسول ﷺ لاستحالة وقوع ذلك منه. ﴿عَلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿بَعْضَ:﴾ مفعول به، وقيل: نائب مفعول مطلق، ولا وجه له. وهو مضاف، و ﴿الْأَقاوِيلِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَأَخَذْنا:﴾ (اللام): واقعة في جواب (لو). (أخذنا): فعل، وفاعل. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿بِالْيَمِينِ:﴾ متعلقان بما قبلهما

стр. 6813

أيضا، وقال الجمل: متعلقان بمحذوف حال من الفاعل، وعلى التفسير الثاني فالباء حرف جر صلة، و (اليمين) مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية جواب (لو) لا محل لها، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف، وجملة: ﴿لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾ الشرح: ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ أي: مانعين يحجزوننا عن عقوبته، والمعنى: أن محمدا ﷺ ، لا يتكلم بالكذب علينا لأجلكم مع علمه: أنه لو تكلمه؛ لعاقبناه، ولا يقدر أحد على دفع عقوبتنا عنه. هذا؛ و ﴿أَحَدٍ﴾ في معنى الجمع، فلذلك نعت بالجمع، أي: فما منكم قوم يحجزوننا عنه، كقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٨٥]: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ؛﴾ لأن «بين» لا تقع إلا على اثنين، فما زاد. والمعنى: أن محمدا صادق بار راشد، مؤيد بالمعجزات الباهرات، والدلالات القاطعات. ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: القرآن. ﴿لَتَذْكِرَةٌ:﴾ لعظة بالغة. ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ وخص المتقون بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون بمواعظ القرآن، وإرشاداته دون غيرهم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ﴾ سورة (فصلت) [٤٤]. الإعراب: ﴿فَما:﴾ (الفاء): حرف عطف، وتفريع. (ما): نافية مهملة، أو هي حجازية عاملة عمل «ليس». ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، أو في محل نصب خبر (ما) تقدم على اسمها. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿أَحَدٍ:﴾ مبتدأ مؤخر، أو اسم (ما) مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿عَنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿حاجِزِينَ:﴾ صفة ﴿أَحَدٍ﴾ مجرور مثله تبعا للفظه، وعلامة جره الياء... إلخ، ولو أتبع على المحل؛ لكان حاجزون بالواو والنون، وانظر الشرح لتسويغ وصف ﴿أَحَدٍ﴾ به. هذا؛ وجوز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف حال من ﴿أَحَدٍ،﴾ و ﴿حاجِزِينَ﴾ خبر (ما)، وهو قول الجلال، وأبي حيان. وأبو البقاء قال بالوجهين. والجملة الاسمية: (ما منكم...) إلخ معطوفة على جواب (لو) لا محل لها مثله. ﴿وَإِنَّهُ:﴾ (الواو): حرف عطف. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء في محل نصب اسمها. ﴿لَتَذْكِرَةٌ:﴾ (اللام): هي المزحلقة. (تذكرة): خبر (إن). ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (تذكرة)، أو بمحذوف صفة لها، والجملة الاسمية معطوفة على جواب القسم، وما بينهما اعتراض. قاله الجمل نقلا عن شيخه. وأرى صحة اعتبار الجملة في محل نصب حال من أحد الضمائر العائد على القرآن، والرابط: الواو، والضمير، وما بينهما اعتراض.

стр. 6814

﴿وَإِنّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠)﴾ الشرح: ﴿وَإِنّا لَنَعْلَمُ:﴾ علما أزليا قديما. ﴿أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ:﴾ يكذبون بالقرآن، ويكذبون محمدا ﷺ ، فأنزلنا الكتب، وأرسلنا الرسل، ليظهر لكم في عالم الشهادة، ما كنا نعلمه في الأزل من تكذيب، وتصديق، تستحقون به الثواب، أو العقاب، فلذلك وجب في الحكمة أن نعيد الخلق، إلى ما كانوا عليه من أجسامهم قبل الموت، لنحكم بينهم، فنجازي كلا بما يليق به إظهارا للعدل. انتهى. جمل نقلا من الخطيب. وهذا يعني: أن الخطاب للخلق أجمعين، وهو لا ينسجم مع الكلام الأول الموجه لكفار قريش، كما هو واضح. ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: القرآن. ﴿لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ أي: الإيمان بالقرآن حسرة على الكافرين يوم القيامة. والمعنى: أنهم يندمون على ترك الإيمان به؛ لما يرون من ثواب من آمن به، وعمل بمقتضاه. وقال ابن جرير: وإن التكذيب لحسرة على الكافرين. والأول أقوى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَإِنّا:﴾ (الواو): حرف عطف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَنَعْلَمُ:﴾ (اللام): هي المزحلقة. (نعلم): فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا، تقديره: «نحن». ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور. ﴿مُكَذِّبِينَ:﴾ اسم (إنّ) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول نعلم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها، وإعراب: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ مثل إعراب ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ بلا فارق، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾ الشرح: ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: القرآن. ﴿لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ أي: الخبر الصدق الحق؛ الذي لا مرية فيه، ولا شك، ولا ريب. هذا؛ وجاز إضافة (الحق) ل: ﴿الْيَقِينِ،﴾ وهما واحد؛ لاختلاف لفظهما. قال المبرد: هو كقولك: عين اليقين، ومحض اليقين. وهو قول ابن عباس-﵄ فهو من باب إضافة الشيء لنفسه عند الكوفيين. وعند البصريين: هو على حذف المضاف إليه، وإقامة الصفة مقامه، التقدير، حق الأمر اليقين، أو الخبر اليقين، وانظر (الواقعة) رقم [٩٥]. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أي: نزه الله تعالى عن السوء. وقيل: معناه: فصلّ بذكر ربك العظيم، وبأمره. وعن عقبة بن عامر الجهني-﵁-قال: لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال النبي ﷺ : «اجعلوها في ركوعكم». ولما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال النبي ﷺ : «اجعلوها في سجودكم». أخرجه أبو داود، وأحمد، وابن ماجه.

стр. 6815

وعن حذيفة-﵁: أنّه صلى مع النبي ﷺ ، فكان يقول في ركوعه: «سبحان الله العظيم». وفي سجوده: «سبحان ربي الأعلى». وما أتى على آية رحمة؛ إلا وقف، وسأل، وما أتى على آية عذاب؛ إلا وقف، وتعوّذ. أخرجه الترمذي. فائدة: أثبتوا ألف الوصل في الآية الكريمة، وفي الآيتين من سورة (الواقعة)، وذلك في ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ؛﴾ لأنه لم يكثر وروده كثرته في البسملة، وحذفوها منها لكثرة ورودها، وهم شأنهم الإيجاز، وتقليل الكثير؛ إذا عرف معناه وهذا معروف لا يجهل، وإثبات ما أثبت من أشكاله مما يكثر دليل على الحذف منه، ولذا لا تحذف الألف مع غير الباء في اسم الله، ولا مع الباء في غير الجلالة الكريمة من الأسماء. انتهى. جمل نقلا من الخطيب. الإعراب: ﴿وَإِنَّهُ:﴾ (الواو): حرف عطف. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَحَقُّ:﴾ (اللام): هي المزحلقة. (حق): خبرها، و (حق) مضاف، و ﴿الْيَقِينِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَسَبِّحْ:﴾ (الفاء): هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا وواقعا؛ فسبح. (سبح): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِاسْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر. وقيل: الباء زائدة. وقيل: لفظ (اسم) أيضا زائد، فيكون التقدير: فسبح ربك، أي: ذاته العالية. وعلى الأول ف: (اسم) مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْعَظِيمِ:﴾ صفة للمضاف، أو للمضاف إليه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب: «إذا» كما رأيت. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأعظم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم. انتهت سورة (الحاقة) بحمد الله، وتوفيقه شرحا وإعرابا. والحمد لله رب العالمين.

стр. 6816

سورة المعارج بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (المعارج) مكية، وآياتها أربع وأربعون، وكلماتها مئتان وأربع وعشرون، وحروفها تسعمائة، وتسعة وعشرون حرفا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (١) لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ (٢) مِنَ اللهِ ذِي الْمَعارِجِ (٣)﴾ الشرح: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ أي: طلب طالب نزول العذاب به وبقومه، والطالب هو النضر بن الحارث؛ حيث قال كما حكى الله عنه في سورة (الأنفال) رقم [٣٢] قوله: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾. فحقق الله له ما سأل حيث قتل هو، وعقبة بن أبي معيط صبرا يوم بدر، ولم يقتل صبرا غيرهما. وقيل: إن السائل هنا هو الحارث بن النعمان الفهري، وذلك: أنه لما بلغه قول النبي ﷺ في علي بن أبي طالب-﵁: «من كنت مولاه فعلي مولاه». ركب ناقته، فجاء حتى أناخ راحلته بالأبطح، ثم قال: يا محمد! أمرتنا أن نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقبلناه منك، وأن نصلي خمسا، فقبلناه منك، وأن نزكي أموالنا، فقبلناه منك، وأن نصوم شهر رمضان في كل عام، فقبلناه منك، وأن نحج، فقبلناه منك، ثم لم ترض بهذا حتى فضلت ابن عمك علينا، أهذا شيء منك، أم من الله؟ فقال النبي ﷺ : «والله الّذي لا إله إلاّ هو، ما هو إلاّ من الله». فولى الحارث، وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقا؛ فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم، فو الله ما وصل إلى ناقته؛ حتى رماه الله بحجر، فوقع على دماغه، فخرج من دبره، فقتله، فنزلت: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾. انتهى. قرطبي، ولم أره لغيره. وقيل: إن السائل هو رسول الله ﷺ ، أي: دعا ﵊ بالعقاب، وطلب أن يوقعه الله بالكفار، وهو واقع بهم لا محالة، وامتد الكلام إلى قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ أي: لا تستعجل؛ فإنه قريب. والمعتمد الأول، وهو الذي أجمع عليه المفسرون. هذا؛ وأصل «سأل» إذا كان من السؤال أن يتعدى إلى مفعولين، نحو قوله تعالى في سورة (هود) على حبيبنا، وشفيعنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾

стр. 6817

رقم [٤٦]. ويجوز أن تقتصر على مفعول واحد، كما تقتصر في: أعطيت، وكسوت، نحو قوله تعالى في سورة (الممتحنة) رقم [١٠]: ﴿وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا﴾. فإذا اقتصرت على مفعول واحد؛ جاز أن يتعدى بحرف جر إلى ذلك الواحد، كما في الآية الكريمة، والتقدير: «سأل سائل النبي بعذاب». أي: عن عذاب. والباء بمعنى: عن، انتهى مكي بتصرف. هذا؛ ويقرأ: «(سال سايل)» بغير همز، وفيه وجهان: أحدهما: أنه لغة في السؤال، وهي لغة قريش، تقول العرب: سال، يسال، مثل: نال، ينال، وخاف، يخاف، والثاني: أن يكون من السيلان، ويؤيده قراءة ابن عباس-﵄: «(سال سيل)» قال عبد الرحمن بن زيد: سال واد من أودية جهنم، يقال له: سائل، وهو قول زيد بن ثابت. والأول أحسن، كقول زيد بن عمرو بن نفيل القرشي في تخفيف الهمزة: [الخفيف] سالتاني الطّلاق إذ رأتاني... قلّ ما لي قد جئتماني بنكر وأيضا قول حسان بن ثابت-﵁: [البسيط] سالت هذيل رسول الله فاحشة... ضلّت هذيل بما سالت ولم تصب ﴿واقِعٍ﴾ أي: نازل، وكائن. ﴿لَيْسَ لَهُ دافِعٌ:﴾ إن العذاب واقع بهم لا محالة، سواء طلبوه، أم لم يطلبوه، إما في الدنيا بالقتل، والأسر، وإمّا في الآخرة بالنار، فلا يدفعه دافع، ولا يرده راد. ﴿مِنَ اللهِ ذِي الْمَعارِجِ:﴾ قال ابن عباس-﵄: ذي السموات، سماها معارج؛ لأن الملائكة تعرج فيها، والمعارج: الدرجات، ومنه قوله تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٣٣]: ﴿وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾. وقيل: ذي الفواضل والنعم، وذلك؛ لأن إفضاله، وإنعامه مراتب، وهي تصل إلى الخلق على مراتب مختلفة. هذا؛ وقرئ: «(ذي المعاريج)» بالياء، يقال: معرج، ومعراج، ومعارج، ومعاريج، مثل: مفتاح، ومفاتح، ومفاتيح. الإعراب: ﴿سَأَلَ:﴾ فعل ماض. ﴿سائِلٌ:﴾ فاعله. ﴿بِعَذابٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿واقِعٍ:﴾ صفة (عذاب). هذا؛ وأجيز اعتبار الباء صلة، فيكون (عذاب) مفعولا به منصوبا، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وعليه يكون ﴿واقِعٍ﴾ قد أتبع على اللفظ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ﴿لِلْكافِرينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿سَأَلَ﴾ على تضمينه، معنى دعا لهم، أو متعلقان ب: ﴿واقِعٍ،﴾ واللام للعلة، أي: نازل لأجلهم، أو هما متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل: (عذاب)، أو بمحذوف حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر ﴿لَيْسَ،﴾ تقدم على اسمها. ﴿دافِعٌ:﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، والجملة الفعلية في محل جر صفة

стр. 6818

ثانية ل: (عذاب)، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، أو في محل نصب حال من الضمير المستتر بقوله: ﴿لِلْكافِرينَ﴾. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿واقِعٍ،﴾ وعليه فجملة: ﴿لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ معترضة على اعتبارها مستأنفة، أو هما متعلقان ب: ﴿دافِعٌ﴾ أي: ليس له دافع من جهته إذا جاء وقته. ﴿ذِي:﴾ صفة لفظ الجلالة مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و (ذي) مضاف، و ﴿الْمَعارِجِ﴾ مضاف إليه. ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ الشرح: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ أي: تصعد في المعارج التي جعلها الله لهم، و (الروح) جبريل، ﵇. قاله ابن عباس-﵄. دليله قوله تعالى في سورة (الشعراء) رقم [١٩٣]: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾. وقيل: هو ملك عظيم الخلقة. وقال أبو صالح: إنه خلق من خلق الله كهيئة الناس وليس بالناس. وعلى كل الأقوال أفرده بالذكر، وإن كان من جنس الملائكة؛ لشرفه، وفضله، وعلو منزلته. ﴿إِلَيْهِ﴾ أي: إلى الله تعالى، أو إلى المكان، الذي هو محلهم، وهو في السماء؛ لأنها محل بره، وكرامته. وقيل: إلى عرشه. وأخر هنا، وفي سورة (القدر)، وقدم في سورة (النبأ) في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا..﴾. إلخ؛ لأن المقام هنا، وفي سورة (القدر). يقتضي تقديم الجمع على الواحد، من حيث إنه هنا مقام تخويف، وتهويل، وفي سورة (النبأ) مقام تعظيم، وتبجيل، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ:﴾ قال محمد بن إسحاق، ووهب، والكلبي: أي: عروج الملائكة إلى المكان الذي هو محلهم في وقت كان مقداره على غيرهم لو صعد خمسين ألف سنة. وقال وهب أيضا: ما بين أسفل الأرض إلى العرش مسيرة خمسين ألف سنة. وهو قول مجاهد، وجمع بين هذه الآية، وبين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ في سورة (السجدة) بأن المراد من منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى منتهى أمره من فوق السموات خمسون ألف سنة، وقوله تعالى في (السجدة): ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ يعني بذلك: نزول الأمر من سماء الدنيا إلى الأرض، ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، فذلك مقدار ألف سنة؛ لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمئة عام. وانظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وقال ابن عباس-﵄: هو يوم القيامة جعله الله على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة، ثم يدخلون النار للاستقرار. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وهذا القول أحسن ما قيل في الآية بدليل ما رواه قاسم بن أصبغ من حديث أبي سعيد الخدري-﵁-قال:

стр. 6819

قال رسول الله ﷺ : «في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة». فقلت: ما أطول هذا اليوم؟ فقال النبي ﷺ : «والّذي نفسي بيده! إنه ليخفف عن المؤمن حتى يكون أخفّ عليه من صلاة المكتوبة يصلّيها في الدّنيا». واستدل النحاس على صحة هذا القول بما رواه سهيل عن أبيه، عن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من رجل لم يؤدّ زكاة ماله إلا جعل شجاعا من نار تكوى به جبهته وظهره وجنباه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتّى يقضي الله بين الناس». قال: فهذا يدل على أنه يوم القيامة، وقال إبراهيم التيمي: ما قدر ذلك اليوم على المؤمن إلا قدر ما بين الظهر والعصر. وروي هذا المعنى مرفوعا من حديث معاذ-﵁-عن النبي ﷺ : أنه قال: «يحاسبكم الله تعالى بمقدار ما بين الصلاتين». ولذلك سمّى نفسه: سريع الحساب، وأسرع الحاسبين. وقيل: معنى ذكر ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ تمثيل، وهو تعريف طول مدة القيامة في الموقف، وما يلقى الناس فيه من الشدائد. والعرب تصف أيام الشدة بالطول، وأيام الفرح بالقصر، قال شبرمة بن الطفيل، وقيل: هو ليزيد بن الطثرية: [الطويل] ويوم كظلّ الرّمح قصّر طوله... دم الزّقّ عنّا واصطفاق المزاهر وخذ قول الآخر: [الكامل] فقصارهنّ مع الهموم طويلة... وطوالهنّ مع السرور قصار وانظر معلقة امرئ القيس-بشرحنا، وإعرابنا-البيت رقم [٥٤] وما بعده. هذا؛ وأصل «سنة»: سنه، أو سنو خلاف، وجمعها على الأول: سنهات، وعلى الثاني: سنوات، وكلاهما جمع مؤنث سالم، والنسبة إليها: سنوي، أو سنهي، وتصغيرها: سنيّة، أو سنيّهة، وتجمع بالواو والنون، أو بالياء والنون على أنها ملحقة بجمع المذكر السالم، كما في قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٢٥]: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ..﴾. إلخ. وكثير غيرها، وكسرت السين في: «سنين» لتدل على أنه قد جمع على غير الأصل؛ لأن كل ما جمع جمع السلامة لا يتغير فيه بناء الواحد، فلما تغير بناء الواحد في هذا الجمع بكسر أوله، وقد كان مفتوحا في الواحد؛ علم: أنه جمع على غير أصله، لذا فإنه يلحق بجمع المذكر السالم إلحاقا، ومثله: أرضوان، وعليون، ووابلون، وأهلون، وأولو، وأولي، وألفاظ العقود: عشرون وثلاثون... إلخ. هذا؛ وقال القرطبي-﵀: عشرون، وثلاثون، وأربعون كلّ واحد منها موضوع على صورة الجمع لهذا العدد. فإن قال قائل: لم كسر أول عشرين، وفتح أول ثلاثين وما بعده إلى ثمانين إلا ستين؟ فالجواب عند سيبويه: أن عشرين من عشرة بمنزلة اثنين من واحد، فكسر أول عشرين، كما

стр. 6820

كسر أول اثنان، والدليل على هذا قولهم: ستون، وتسعون، كما قيل: ستة، وتسعة. وقال صاحب المختار: وإذا أضفته، (أي: لفظ العقود) أسقطت النون، فقلت: هذه عشروك، وعشريّ. الإعراب: ﴿تَعْرُجُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ فاعله. (الروح): معطوف على ما قبله. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية قال أبو البقاء: هي مستأنفة. ﴿فِي يَوْمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف، تقديره: يقع. دل عليه: واقع. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿مِقْدارُهُ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿خَمْسِينَ:﴾ خبر ﴿كانَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿أَلْفَ:﴾ تمييز، وهو مضاف، و ﴿سَنَةٍ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿كانَ مِقْدارُهُ..﴾. إلخ في محل جر صفة ﴿يَوْمٍ﴾. ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (٦) وَنَراهُ قَرِيباً (٧)﴾ الشرح: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً:﴾ الصبر الجميل: هو الذي لا شكاية معه. وقال تعالى في سورة (الحجر) رقم [٨٥]: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ والصفح الجميل: هو الذي لا عتاب معه. وقال في سورة (المزمل) رقم [١٠]: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ والهجر الجميل: هو الذي لا أذية معه. وانظر (الصبر) في الآية رقم [١٠] من سورة (المزمل). ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: أهل مكة. ﴿يَرَوْنَهُ﴾ أي: العذاب في النار، أو يوم القيامة الطويل زمانه، الشديد هوله، العظيم شأنه، القاهر سلطانه. ﴿بَعِيداً:﴾ بعيد الوقوع، بعيد الإمكان، ﴿وَنَراهُ قَرِيباً:﴾ كائنا لا محالة؛ لأن كل ما هو آت قريب. وبين ﴿بَعِيداً﴾ و ﴿قَرِيباً﴾ طباق، وهو من المحسنات البديعية. والخطاب في الآية الأولى للنبي ﷺ ، المعنى: اصبر يا محمد على أذى قومك، وتكذيبهم لك؛ حتى يحكم الله بينك، وبينهم، وهو خير الحاكمين. قيل: هذه الآية منسوخة بآية السيف. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فَاصْبِرْ:﴾ (الفاء): هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا، وحاصلا؛ فاصبر... إلخ. (اصبر): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت»، والمتعلق محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿صَبْراً:﴾ مفعول مطلق. ﴿جَمِيلاً:﴾ صفة له. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يَرَوْنَهُ:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعة ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعول به أول. ﴿بَعِيداً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية، لا محل لها؛ لأنها تعليلية. ﴿وَنَراهُ:﴾ (الواو): حرف عطف. (نراه): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به أول. ﴿قَرِيباً:﴾ مفعول به ثان، والفعل في الجملتين علمي، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.

стр. 6821

﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (١٠)﴾ الشرح: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ:﴾ المهل: دردي الزيت، وعكره. قاله ابن عباس-﵄-وغيره. وقال ابن مسعود-﵁: هو ما أذيب من الرصاص، والنحاس، والفضة. وقال مجاهد: ﴿كَالْمُهْلِ:﴾ كقيح من دم، وصديد. وخذ قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٢٩]: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الدخان): ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ انظر شرحهما في محلهما. ﴿وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ:﴾ كالصوف المصبوغ. ولا يقال للصوف: عهن إلا أن يكون مصبوغا. وقال الحسن: العهن: الصوف الأحمر، وهو أضعف الصوف، ومنه قول زهير في معلقته رقم [١٢]: [الطويل] كأنّ فتات العهن في كلّ منزل... نزلن به حبّ الفنا لم يحطّم وإنما فسر (العهن) بالصوف، ووصف بالمصبوغ؛ لأن الجبال جدد بيض، وحمر مختلف ألوانها، وغرابيب سود، فإذا بسّت وطيّرت في الجو؛ أشبهت العهن المنفوش؛ إذا طيرته الريح. والمعنى: أن الجبال تلين بعد الشدة، وتتفرق بعد الاجتماع. وقيل: أول ما تتغير الجبال تصير رملا مهيلا. قال تعالى في سورة (المزمل): ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً،﴾ ثم عهنا منفوشا، ثم هباء منبثا، قال تعالى في سورة (الواقعة): ﴿وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ وانظر ما ذكرته في سورة (النمل) رقم [٨٨] فإنه جيد جدا، والحمد لله. وقد أعدته في سورة (النبأ) برقم [٢٠]. ومثل هذه السورة قوله تعالى في سورة (القارعة): ﴿وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾. ﴿وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ أي: لا يسأل قريب قريبه؛ لشغله بشأن نفسه. والمعنى: لا يسأل الحميم حميمه كيف حالك، ولا يكلمه؛ لهول ذلك اليوم، وشدته. وقيل: لا يسأله الشفاعة، ولا يسأله الإحسان إليه، ولا الرفق به، كما كان يسأله في الدنيا، وذلك لشدة الأمر، وعظيم الهول يوم القيامة. كما قال تعالى في سورة (عبس) رقم [٣٧]: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ هذا؛ وقرئ: «(ولا يسأل)» بالبناء للمجهول على أن المعنى لا يسأل حميم عن حميمه، ولا ذو قرابة عن قرابته، بل كل إنسان يسأل عن عمله، كما قال تعالى في سورة (المدثر) رقم [٣٨]: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾. تنبيه: قال تعالى في سورة (الطور) رقم [٢٥]، وفي سورة (الصافات) رقم [٥٠]، وفيها أيضا برقم [٢٧]: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ وقال هنا: ﴿وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً،﴾ وقال في سورة (المؤمنون) رقم [١٠٢]: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾. وظاهر

стр. 6822

الآيات يدل على التعارض، والجواب: أن آية (الطور)، وآية (الصافات) رقم [٥٠] تنصان على أن التساؤل إنما يكون في الجنة بلا ريب بدليل الآيات التي قبلهما، والتي بعدهما، والآية هنا والتي في سورة (المؤمنون) تعارضان آية (الصافات) برقم [٢٧]. وقد قال ابن عباس-﵄-في حل هذا التعارض: إن للقيامة أحوالا، ومواطن، ففي موطن يشتد عليهم الخوف، فيشغلهم عظم الأمر عن التساؤل، فلا يتساءلون. هذا؛ ومخاصمة الكفار بعضهم بعضا، ولوم بعضهم بعضا يوم القيامة قد ذكر في كثير من الآيات القرآنية. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ وفي الآية الأولى تشبيه مرسل، ووجه الشبه: التلون، وفي الآية الثانية أيضا تشبيه مرسل، ووجه الشبه: التطاير، والتناثر. الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بفعل محذوف، تقديره: يقع، يدل عليه ﴿واقِعٍ﴾. وقيل: متعلق ب: (نراه)، أو بالفعل ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾. وقيل: هو بدل من ﴿قَرِيباً﴾. وقيل: هو بدل من قوله: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ على القول الأول في تعليقه. وقيل: هو بدل من الضمير في (نراه) على اعتباره عائدا على يوم القيامة. ﴿تَكُونُ:﴾ فعل مضارع ناقص. ﴿السَّماءُ:﴾ اسم ﴿تَكُونُ﴾. ﴿كَالْمُهْلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿تَكُونُ،﴾ وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى: مثل؛ فهي الخبر، و ﴿تَكُونُ﴾ مضافة، و (المهل): مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها، والجملة بعدها معطوفة عليها، وهي في محل جر مثلها. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَسْئَلُ:﴾ فعل مضارع. ﴿حَمِيمٌ:﴾ فاعل. ﴿حَمِيماً:﴾ مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: ولا يسأل حميم حميما نصره، وشفاعته، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤)﴾ الشرح: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ:﴾ يرونهم، وليس في القيامة مخلوق إلا وهو نصب عين صاحبه من الجن والإنس، فيبصر الرجل أباه، وأخاه، وقرابته، وعشيرته، فلا يسألهم، ولا يكلمهم، ويبصر حميمه، فلا يكلمه لاشتغاله بنفسه. وقال ابن عباس-﵄: يتعارفون ساعة، ثم لا يتعارفون بعد تلك الساعة. انتهى. وقد قال تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام في الآية رقم [٤٥]: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ..﴾. إلخ، ذكرت هناك: أن هذا التعارف تعارف توبيخ، وافتضاح، يقول بعضهم لبعض: أنت أضللتني، وحملتني على الكفر، وليس تعارف مودة، وعطف، وشفقة، ثم يفر بعضهم من بعض مخافة المظالم لبعضهم على بعض. وقال مجاهد: المعنى: يبصر الله المؤمنين الكفار في

стр. 6823

يوم القيامة. فواو الجماعة عائدة على المؤمنين، والضمير المنصوب على الكافرين. وقيل: إنه يبصر المظلوم ظالمه، والمقتول قاتله. وقيل: يعرف الحميم حميمه، ومع ذلك لا يسأله عن حاله لشغله بنفسه. ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ:﴾ يتمنى الكافر. ﴿لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ أي: يتمنى أن يفدي نفسه من عذاب الله يوم القيامة بأعز الناس عليه، من بنيه. ﴿وَصاحِبَتِهِ:﴾ زوجته. ﴿وَفَصِيلَتِهِ:﴾ عشيرته. ﴿الَّتِي تُؤْوِيهِ:﴾ تنصره، وتعينه، وتساعده في الدنيا؛ وهو ينتسب إليها. ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً:﴾ يتمنى: أنه لو ملك هؤلاء، وكانوا تحت يده، ثم إنه يفتدي بهم جميعا. جاء بالعموم بعد الخصوص؛ لبيان هول الموقف. ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ أي: ذلك الفداء من عذاب الله تعالى يوم القيامة، وهيهات أن ينجيه! هذا؛ وهذه الآيات مثل قوله تعالى في سورة (لقمان) رقم [٣٣]: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً،﴾ وقوله تعالى في سورة (عبس): ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾. هذا؛ والمراد ب: ﴿الْمُجْرِمُ﴾ هنا: الكافر، وكثيرا ما يعبر القرآن الكريم عن الكافرين بالظالمين، والمعتدين، والفاسقين، والمسرفين، ونحو ذلك، ويتهددهم بالعذاب الأليم، والعقاب الشديد، وإننا نجد الكثير من المسلمين يتصفون بهذه الصفات؛ فهل يوجه إليهم هذا التهديد، وهذا الوعيد؟ الحق أقول: نعم يوجه إليهم ما ذكر، وهم أحق بذلك، ولا سيما من قرأ القرآن منهم، واطلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم مع رسلهم، وكيف نكل الله بهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين، وما يتذكر إلا أولو الألباب. هذا؛ وطبقات الناس عند العرب سبع: وهي: الشعب، والقبيلة، والعمارة، والبطن، والفخذ، والفصيلة، والعشيرة. فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ تجمع الفصائل، والفصيلة تجمع العشائر، وليس بعد العشيرة شيء يوصف عند العرب، واستحدث اسم الأسرة، والعائلة لما يشمل الزوج، والزوجة وأولادهما الذين يعيشون في دار واحدة. وقد نظم بعض الأدباء طبقات العرب بقوله: [الخفيف] اقصد الشّعب فهو أكثر حيّ... عددا في الحواء ثمّ القبيله ثمّ تتلوها العمارة ثمّ ال... بطن والفخذ بعدها والفصيله ثمّ من بعدها العشيرة لكن... هي في جنب ما ذكرنا قليله وأخيرا خذ قول العلي القدير في سورة (الحجرات): ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.

стр. 6824

الإعراب: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والهاء مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿حَمِيماً،﴾ والتقدير: حميما مبصرين، وإنما جمع الضميران، وهما عائدان للحميمين حملا على معنى العموم؛ لأنهما نكرتان في سياق النفي، أو الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا في جواب سؤال، تقديره: لعل عدم السؤال؛ لكونه لا يبصره، فقيل: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾. ﴿يَوَدُّ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْمُجْرِمُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المرفوع، أو المنصوب، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَوْ:﴾ مصدرية. ﴿يَفْتَدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿الْمُجْرِمُ،﴾ و ﴿لَوْ﴾ والفعل ﴿يَفْتَدِي﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يود المجرم افتداء نفسه. ﴿مِنْ عَذابِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿عَذابِ﴾ مضاف، و ﴿يَوْمِئِذٍ﴾ مضاف إليه، و (إذ) مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وحركت بالكسرة، ونونت، والتنوين عوض من جملة محذوفة. ﴿بِبَنِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿يَفْتَدِي،﴾ وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، وعلامة جر (أخيه) الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَفَصِيلَتِهِ:﴾ الواو: حرف عطف. (فصيلته): معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة (فصيلته). ﴿تُؤْوِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿الَّتِي،﴾ وهو العائد، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على (بنيه). ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من من؛ لأنها بمعنى الجمع، وهي حال مؤكدة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف، وترتيب، وتراخ. ﴿يُنْجِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى (من في الأرض) والهاء مفعول به، وهي عائدة على ﴿الْمُجْرِمُ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. وقال القرطبي: أي: يخلصه ذلك الفداء فلا بدّ من هذا الإضمار. ﴿كَلاّ إِنَّها لَظى (١٥) نَزّاعَةً لِلشَّوى (١٦) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعى (١٨)﴾ الشرح: ﴿كَلاّ إِنَّها لَظى:﴾ ردع، وزجر، وتعنيف، أي: لينزجر هذا الكافر الأثيم، وليرتدع عن أعماله الأثيمة، فليس ينجيه من عذاب الله فداء، بل أمامه جهنم تتلظى نيرانها، وتلتهب، كما قال تعالى في سورة (الليل): ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظّى﴾ واشتقاق (لظى) من: التلظّي، والتظاء

стр. 6825

النار: التهابها، وتلظّيها: تلهّبها. هذا؛ والضمير في (إنها) للنار، ولم يسبق لها ذكر، ولكنها مفهومة من المقام، ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ أي: تنزع بشدة حرها جلدة الرأس من الإنسان، كلما قلعت؛ عادت كما كانت زيادة في التنكيل، والعذاب. وخصها بالذكر؛ لأنها أشد الجسم حساسية، وتأثرا بالنار، قال الأعشى: [مجزوء الكامل] قالت قتيلة ما له؟ ... قد جلّلت شيبا شواته وقال آخر: [الطويل] لأصبحت هدّتك الحوادث هدّة... لها فشواة الرّأس باد قتيرها وفي الصحاح: والشّوى: جمع شواة، وهي جلدة الرأس، والشوى: اليدان، والرجلان، والرأس من الآدميين. وكل ما ليس مقتلا، قال أبو ذؤيب الهذلي: [الطويل] فإنّ من القول التي لا شوى لها... إذا زلّ عن ظهر اللسان انفلاتها يقول: إن من القول كلمة لا تشوي، ولكن تقتل. وقال عنترة من معلقته-وهو البيت رقم [٣٤] -: [الكامل] وحشيّتي سرج على عبل الشّوى... نهد مراكله نبيل المحزم ومن شعر عمران بن حطان الخارجي على أن الشوى: القوائم، والجلود: [الطويل] دعتهم بأعلى صوتها ورمتهم... بمثل الجمال الصّفر نزّاعة الشّوى وقال بعض الأئمة: الشوى: القوائم والجلود، قال امرؤ القيس: [الطويل] سليم الشّظى عبل الشّوى شنج النّسا... له حجبات مشرفات على الفال هذا؛ والشوى: رذال المال. قال أعرابي، وقد نحر ناقة في شدة أصابتهم: أكلنا الشّوى حتّى إذا لم ندع شوى... أشرنا إلى خيراتها بالأصابع ﴿تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلّى﴾ أي: تدعو، وتنادي لظى من أدبر في الدنيا عن طاعة الله، وتولى عن الإيمان، ودعاؤها أن تقول: إليّ يا مشرك! إليّ يا كافر! وقال ابن عباس-﵄: تدعو الكافرين، والمنافقين بأسمائهم بلسان فصيح: إليّ يا كافر! إليّ يا منافق! ثم تلتقطهم كما يلتقط الطير الحب. وقال ثعلب: ﴿تَدْعُوا:﴾ تهلك، تقول العرب: دعاك الله، أي: أهلكك الله. وقال الخليل: إنه ليس كالدعاء: «تعالوا»، ولكن دعوتها إياهم: تمكنها من تعذيبهم. وقيل: الداعي خزنة جهنم، أضيف دعاؤهم إليها. قال القرطبي: قلت: القول الأول هو الحقيقة حسب ما تقدم بيانه بآي القرآن، والأخبار الصحيحة. انتهى. وقيل: هو مجاز عقلي عن إحضارهم، كأنها تدعوهم، فتحضرهم. أو استعارة مكنية. ولا وجه له قطعا قطعا، بل هو حقيقة، كما قال القرطبي-رحمه الله تعالى-.

стр. 6826

أقول: انظر ما ذكرته في سورة (ق) [٣٠] وما بعدها تجد ما يسرك ويشرح صدرك. ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعى﴾ أي: جمع المال، فجعله في وعائه، ومنع منه حق الله تعالى، وتشاغل به عن طاعة الله، وزهى باقتنائه على الناس، وتكبر عليهم. وكان الحسن البصري-رحمه الله تعالى- يقول: يا ابن آدم! سمعت وعيد الله، ثم أوعيت الدنيا، والرسول ﷺ قال لأسماء بنت الصديق ﵄: «لا توعي؛ فيوعى عليك، ولا توكي فيوكى عليك، ولا تحصي فيحصي الله عليك». أخرجه الشيخان. هذا؛ و «جمع» للذوات، و «أجمع» للمعاني، يقال: جمع المال، وجمع الرجال، ونحو ذلك، ولا يقال: أجمع المال، ويقال: أجمع الأمر: إذا عزم عليه، والأمر مجمع عليه، ويقال: أجمع أمرك، ولا تدعه منتشرا. قال تعالى حكاية عن قول فرعون، وأشياعه في الآية رقم [٦٤] من سورة (طه): ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾. ولا يقال: أجمع أعوانه، وشركاءه، وإنما يقال: جمع أعوانه، وأصدقاءه. وابن هشام قال في المغني: إن «أجمع» لا يتعلق بالذوات، بل بالمعاني، كقولك: أجمعوا على كذا، بخلاف جمع، فإنه مشترك بدليل قوله تعالى: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ رقم [٦٠] من سورة (طه)، وقوله جل شأنه في سورة (الهمزة): ﴿الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ﴾ وخذ قول الحارث بن حلزة اليشكري من معلقته رقم [٢٠] وهو ل: «أجمع» في المعاني: [الخفيف] أجمعوا أمرهم عشاء فلمّا... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء هذا؛ وأما قوله تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، حكاية عن قول نوح-﵇: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ﴾. فهو على تقدير: فأجمعوا أمركم، وادعوا شركاءكم. أو يقال: سوغ ذلك العطف، ولولا العطف؛ لما ساغ. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. الإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع وزجر، وهي هنا تحتمل أن تكون بمعنى: حقا، وعليه: تمام الكلام قوله تعالى: ﴿يُنْجِيهِ،﴾ وتحتمل أن تكون بمعنى: (لا) النافية، وعليه فتمام الكلام عليها، والوقف عليها تام، ويكون المعنى: ليس ينجيه من عذاب الله الافتداء. ﴿إِنَّها:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، (وها): اسمها. ﴿لَظى:﴾ خبرها مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية مبتدأة لا محل لها من الإعراب. ﴿نَزّاعَةً:﴾ يقرأ بالرفع والنصب، فالرفع فيه خمسة أوجه: أحدها: أن تكون خبرا لمبتدأ محذوف، التقدير: هي نزاعة. الثاني: أن تكون خبرا ثانيا ل: (إنّ)، والثالث أن تكون بدلا من ﴿لَظى،﴾ والرابع: أن تكون ﴿لَظى﴾ بدلا من اسم (إنّ)، ونزاعة خبر (إنّ)، والخامس: اعتبار ﴿لَظى﴾ مبتدأ، و ﴿نَزّاعَةً﴾ خبرها، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ) وعليه: فالضمير ضمير القصة، والمعنى: إن القصة، والخبر لظى نزاعة للشوى. انتهى. قرطبي.

стр. 6827

وعلى نصب (نزاعة) ففيها خمسة أوجه أيضا: الأول على القطع، التقدير: أعني: نزاعة. والثاني: أنها حال من ﴿لَظى،﴾ مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً﴾. والثالث: أنها حال، عاملها محذوف، التقدير: تتلظى نزاعة؛ أي: في حال نزعها للشوى. والرابع: أنها حال من فاعل ﴿تَدْعُوا﴾ قدمت عليه. قاله أبو البقاء. والخامس: هي حال من الضمير في ﴿لَظى،﴾ على أن تجعلها صفة غالبة، مثل: الحارث، والعباس. قاله أبو البقاء أيضا. ﴿لِلشَّوى:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿نَزّاعَةً،﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. هذا؛ وقد اعتبر ابن هشام في المغني اللام زائدة، وسماها لام التقوية، وعليه ف: (الشوى) مجرور لفظا، منصوب محلا، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٥٤]: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (البقرة) وغيرها: ﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ،﴾ وقوله في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [٤٣]: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ،﴾ وفي سورة (الأنبياء) رقم [٧٨]: ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ وأورد ابن هشام في مغنيه قول حاتم الطائي. وقيل: قول قيس بن عاصم المنقري-وهو الشاهد رقم [٣٩٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له... أكيلا فإني لست آكله وحدي ﴿تَدْعُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، وفاعله يعود إلى ﴿لَظى،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر ب: ﴿نَزّاعَةً،﴾ فهي حال متداخلة، أو هي في محل نصب حال من ﴿لَظى،﴾ فتكون حالا متكررة من بعض الوجوه، أو هي في محل رفع خبر ثان، أو ثالث، أو هي مستأنفة، لا محل لها، إن أردت الإعراض عن الكلام السابق. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أَدْبَرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والمتعلق محذوف، كما رأيت في الشرح، والجملة صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَتَوَلّى:﴾ الواو: حرف عطف. وجملة (تولى) معطوفة على الجملة قبلها، لا محل لها مثلها. وجملة: ﴿وَجَمَعَ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، وكذلك جملة: ﴿فَأَوْعى﴾ معطوفة أيضا، وفاعلهما يعود إلى من، تقديره: «هو». ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢١)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ﴾ أي: الكافر، والمنافق، والفاسق. ﴿خُلِقَ هَلُوعاً:﴾ الهلع في اللغة: أشد الحرص، وأسوأ الجزع، وأفحشه، قاله الضحاك، وقتادة، ومجاهد. وقال ابن عباس-﵄: تفسيره ما بعده. وقال عمرو بن معد يكرب الزبيدي-﵁: [مجزوء الكامل] ما إن هلعت ولا جزع... ت ولا يردّ بكاي زندا

стр. 6828

وقال الرسول ﷺ : «شرّ ما في الرجل شحّ هالع، وجبن خالع». أخرجه أبو داود عن أبي هريرة ﵁. وقال أبو عبيدة: الهلوع: هو الذي إذا مسه الخير؛ لم يشكر، وإذا مسه الضر؛ لم يصبر. وعن أحمد بن يحيى قال لي محمد بن عبد الله بن طاهر: ما الهلع؟ فقلت: قد فسره الله، ولا يكون تفسير أبين من تفسيره، وهو الذي إذا ناله شر؛ أظهر شدة الجزع، وإذا ناله خير بخل به، ومنعه الناس. هذا؛ و ﴿الْخَيْرُ﴾ المال، والصحة، والولد، والجاه، والمنصب في الدنيا. و ﴿الشَّرُّ:﴾ الفقر، والمرض، وعدم الولد، والضعف، والذلة في الدنيا. ومعنى ﴿مَسَّهُ:﴾ أصابه، ووقع به. هذا؛ و ﴿الْإِنْسانَ﴾ يطلق على الذكر، والأنثى من بني آدم، ومثله كلمة: شخص. قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ومعلوم: أن الله تعالى لم يقصد الذكور خاصة، والقرينة الآيات الكثيرة الدالة على أن المراد: الذكر، والأنثى، واللام في ﴿الْإِنْسانَ﴾ إنما هي لام الجنس؛ التي تفيد الاستغراق، ولذا صح الاستثناء من ﴿الْإِنْسانَ﴾ هنا وفي سورة (العصر) كما ستقف عليه. هذا؛ وإنسان العين: هو المثال الذي يرى فيها، وهو النقطة السوداء، والتي تبدو لامعة وسط السواد. وانظر جمع ﴿الْإِنْسانَ﴾ في الآية رقم [٥] من سورة (الجن). وخذ قول ذي الرمة، -وهو الشاهد رقم [٨٨٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] وإنسان عيني يحسر الماء تارة... فيبدو وتارات يجمّ فيغرق الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿خُلِقَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى الإنسان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿هَلُوعاً:﴾ حال مقدرة؛ لأنه ليس متصفا بالصفات المذكورة وقت خلقه، ولا وقت ولاده. ﴿إِذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿مَسَّهُ:﴾ فعل ماض، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿الشَّرُّ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿جَزُوعاً:﴾ خبر ل: «كان» محذوفة مع اسمها، التقدير: كان الإنسان جزوعا، والجملة الفعلية هذه جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، وإذا ومدخولها في محل رفع خبر ثان ل: ﴿إِنَّ،﴾ أو هي تفسير لجملة: ﴿خُلِقَ هَلُوعاً﴾ كما رأيت في الشرح. هذا؛ وقيل: ﴿جَزُوعاً﴾ حال من الضمير في ﴿هَلُوعاً،﴾ وهو العامل في الحال. وقيل: ﴿جَزُوعاً﴾ صفة ﴿هَلُوعاً﴾ وعلى هذين القولين، فإذا الأولى متعلقة ب: ﴿جَزُوعاً،﴾ والثانية متعلقة ب: ﴿مَنُوعاً﴾ ولا تنس المقابلة في الآيتين. والمعتمد الأول بلا ريب، والجملة: ﴿وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها على جميع الاعتبارات بلا فارق بينهما. هذا؛ وذكرت لك أن ﴿جَزُوعاً﴾ حال مقدرة؛ إذ الحال بالنسبة للزمان على ثلاثة أقسام: حال مقارنة، وهي الغالبة، نحو قوله تعالى حكاية عن قول امرأة إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾. وحال مقدرة، وهي المستقبلة نحو قوله

стр. 6829

تعالى: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾. ومنها الحال في هذه الآية، كما رأيت، وحال محكية، وهي الحال الماضية، نحو: جاء زيد أمس راكبا. وهناك الحال الموطئة، وهي التي تذكر توطئة للصفة بعدها، بمعنى: أن المقصود: الصفة، وهذا كثير في القرآن الكريم، خذ قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾. هذا؛ والحال أيضا على نوعين: إما مؤسسة، وإما مؤكدة. فالمؤسسة هي التي لا يستفاد معناها بدونها، نحو جاء زيد ضاحكا ونحوه، وأكثر ما تأتي الحال من هذا النوع مبينة هيئة فاعل، أو مفعول. والمؤكدة، وهي التي يستفاد معناها بدونها، وإنما يؤتى بها للتوكيد، وهذه ثلاثة أنواع. الأول: ما يؤتى بها لتوكيد عاملها، وهي التي توافقه معنى فقط، أو معنى، ولفظا، فالأول كقوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها،﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ الأولى من سورة (النمل)، والثانية مذكورة في سورة (الشعراء) وغيرها. والثاني نحو قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً﴾. النوع الثاني: ما يؤتى بها لتوكيد صاحبها، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ رقم [٩٩] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. النوع الثالث: ما يؤتى بها لتوكيد مضمون جملة معقودة من اسمين معرفتين جامدين، نحو قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٩١]: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ﴾ وقولك: (هو الحقّ صريحا، أو بيّنا) وقول سالم بن دارة اليربوعي-وهو الشاهد رقم [٣٨٥] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [البسيط] أنا ابن دارة معروفا بها نسبي... وهل بدارة يا للنّاس من عار؟ وهناك الحال اللازمة في قراءة من قرأ قوله تعالى في سورة (ص) رقم [٢٩]: «(كتاب أنزلناه إليك مباركا)» بالنصب؛ لأن البركة لا تفارق الكتاب، وهو القرآن. ﴿إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨)﴾ الشرح: ﴿إِلاَّ الْمُصَلِّينَ:﴾ قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: استثناء للموصوفين بالصفات المذكورة بعد ذكر المطبوعين على الأحوال المذكورة قبل لمضادة تلك الصفات لها؛ من حيث إنها دالة على الاستغراق في طاعة الحق، والإشفاق على الخلق، والإيمان بالجزاء، والخوف

стр. 6830

من العقوبة، وكسر الشهوة، وإيثار الآجل على العاجل، وتلك ناشئة من الانهماك في حب العاجل، وقصور النظر عليه. انتهى. هذا؛ وفسر الجلال ﴿الْمُصَلِّينَ﴾ بالمؤمنين؛ لأن الصلاة الشرعية المقبولة عند الله تستلزم الإيمان، وبدون الإيمان، لا تكون صحيحة، ولا مقبولة. ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ:﴾ مواظبون على أداة الصلاة، لا يشغلهم عنها شاغل؛ لأن نفوسهم صافات من أكدار الدنيا بتعرضهم لنفحات الله. وقيل: معناه يحافظون على أوقاتها، وواجباتها. قاله ابن مسعود-﵁. وقيل: المراد بالدوام هنا السكون، والخشوع، كقوله تعالى في سورة (المؤمنون): ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ قاله عقبة ابن عامر-﵁. وهذا يدل على وجوب الطمأنينة في الصلاة، فإن الذي لا يطمئن في ركوعه، وسجوده؛ لم يسكن فيها، ولم يدم، بل ينقرها نقر الغراب، فلا يفلح في صلاته. وخذ ما يلي: فعن أبي مسعود البدري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجزئ صلاة الرجل حتّى يقيم ظهره في الركوع والسّجود». رواه أحمد وأبو داود، والترمذي، والنسائي. وعن أبي قتادة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «أسوأ الناس سرقة الّذي يسرق من صلاته». قالوا: يا رسول الله! كيف يسرق من الصلاة؟ قال: «لا يتمّ ركوعها، ولا سجودها». أو قال: «لا يقيم صلبه في الركوع، والسّجود». رواه أحمد، والطبراني، وغيرهما. وعن علي-﵁-قال: نهاني رسول الله ﷺ أن أقرأ؛ وأنا راكع، وقال: «يا عليّ مثل الّذي لا يقيم صلبه في صلاته كمثل حبلى حملت، فلمّا دنا نفاسها؛ أسقطت، فلا هي ذات حمل، ولا هي ذات ولد». رواه أبو يعلى، وغيره. وعن أبي هريرة-﵁: أنّ رجلا دخل المسجد؛ ورسول الله ﷺ جالس في ناحية المسجد، فصلّى، ثمّ جاء فسلّم عليه، فقال له رسول الله ﷺ : «وعليك السّلام، ارجع فصلّ، فإنّك لم تصلّ». فصلى ثم جاء فسلام، فقال: «وعليك السّلام، ارجع، فصلّ، فإنك لم تصلّ». فصلى، ثم جاء، فسلام، فقال: «وعليك السّلام، ارجع، فصلّ، فإنك لم تصلّ». فقال في الثانية، أو في التي تليها: علمني يا رسول الله! وفي رواية: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا فعلمني! فقال: «إذا قمت إلى الصلاة؛ فأسبغ الوضوء، ثمّ استقبل القبلة، فكبّر، ثمّ اقرأ ما تيسّر معك من القرآن، ثم اركع؛ حتى تطمئنّ راكعا، ثمّ ارفع حتّى تستوي قائما، ثمّ اسجد حتى تطمئنّ ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئنّ جالسا، ثم اسجد حتّى تطمئنّ ساجدا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلّها». رواه البخاري، ومسلم. وعن أنس بن مالك-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أول ما افترض الله على الناس من دينهم الصلاة، وآخر ما يبقى الصّلاة، وأوّل ما يحاسب به الصلاة، ويقول الله: انظروا
следующие страницы →