← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 6826–6865 · переход к 6831.

стр. 6826

أقول: انظر ما ذكرته في سورة (ق) [٣٠] وما بعدها تجد ما يسرك ويشرح صدرك. ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعى﴾ أي: جمع المال، فجعله في وعائه، ومنع منه حق الله تعالى، وتشاغل به عن طاعة الله، وزهى باقتنائه على الناس، وتكبر عليهم. وكان الحسن البصري-رحمه الله تعالى- يقول: يا ابن آدم! سمعت وعيد الله، ثم أوعيت الدنيا، والرسول ﷺ قال لأسماء بنت الصديق ﵄: «لا توعي؛ فيوعى عليك، ولا توكي فيوكى عليك، ولا تحصي فيحصي الله عليك». أخرجه الشيخان. هذا؛ و «جمع» للذوات، و «أجمع» للمعاني، يقال: جمع المال، وجمع الرجال، ونحو ذلك، ولا يقال: أجمع المال، ويقال: أجمع الأمر: إذا عزم عليه، والأمر مجمع عليه، ويقال: أجمع أمرك، ولا تدعه منتشرا. قال تعالى حكاية عن قول فرعون، وأشياعه في الآية رقم [٦٤] من سورة (طه): ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾. ولا يقال: أجمع أعوانه، وشركاءه، وإنما يقال: جمع أعوانه، وأصدقاءه. وابن هشام قال في المغني: إن «أجمع» لا يتعلق بالذوات، بل بالمعاني، كقولك: أجمعوا على كذا، بخلاف جمع، فإنه مشترك بدليل قوله تعالى: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ رقم [٦٠] من سورة (طه)، وقوله جل شأنه في سورة (الهمزة): ﴿الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ﴾ وخذ قول الحارث بن حلزة اليشكري من معلقته رقم [٢٠] وهو ل: «أجمع» في المعاني: [الخفيف] أجمعوا أمرهم عشاء فلمّا... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء هذا؛ وأما قوله تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، حكاية عن قول نوح-﵇: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ﴾. فهو على تقدير: فأجمعوا أمركم، وادعوا شركاءكم. أو يقال: سوغ ذلك العطف، ولولا العطف؛ لما ساغ. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. الإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع وزجر، وهي هنا تحتمل أن تكون بمعنى: حقا، وعليه: تمام الكلام قوله تعالى: ﴿يُنْجِيهِ،﴾ وتحتمل أن تكون بمعنى: (لا) النافية، وعليه فتمام الكلام عليها، والوقف عليها تام، ويكون المعنى: ليس ينجيه من عذاب الله الافتداء. ﴿إِنَّها:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، (وها): اسمها. ﴿لَظى:﴾ خبرها مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية مبتدأة لا محل لها من الإعراب. ﴿نَزّاعَةً:﴾ يقرأ بالرفع والنصب، فالرفع فيه خمسة أوجه: أحدها: أن تكون خبرا لمبتدأ محذوف، التقدير: هي نزاعة. الثاني: أن تكون خبرا ثانيا ل: (إنّ)، والثالث أن تكون بدلا من ﴿لَظى،﴾ والرابع: أن تكون ﴿لَظى﴾ بدلا من اسم (إنّ)، ونزاعة خبر (إنّ)، والخامس: اعتبار ﴿لَظى﴾ مبتدأ، و ﴿نَزّاعَةً﴾ خبرها، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ) وعليه: فالضمير ضمير القصة، والمعنى: إن القصة، والخبر لظى نزاعة للشوى. انتهى. قرطبي.

стр. 6827

وعلى نصب (نزاعة) ففيها خمسة أوجه أيضا: الأول على القطع، التقدير: أعني: نزاعة. والثاني: أنها حال من ﴿لَظى،﴾ مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً﴾. والثالث: أنها حال، عاملها محذوف، التقدير: تتلظى نزاعة؛ أي: في حال نزعها للشوى. والرابع: أنها حال من فاعل ﴿تَدْعُوا﴾ قدمت عليه. قاله أبو البقاء. والخامس: هي حال من الضمير في ﴿لَظى،﴾ على أن تجعلها صفة غالبة، مثل: الحارث، والعباس. قاله أبو البقاء أيضا. ﴿لِلشَّوى:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿نَزّاعَةً،﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. هذا؛ وقد اعتبر ابن هشام في المغني اللام زائدة، وسماها لام التقوية، وعليه ف: (الشوى) مجرور لفظا، منصوب محلا، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٥٤]: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (البقرة) وغيرها: ﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ،﴾ وقوله في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [٤٣]: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ،﴾ وفي سورة (الأنبياء) رقم [٧٨]: ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ وأورد ابن هشام في مغنيه قول حاتم الطائي. وقيل: قول قيس بن عاصم المنقري-وهو الشاهد رقم [٣٩٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له... أكيلا فإني لست آكله وحدي ﴿تَدْعُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، وفاعله يعود إلى ﴿لَظى،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر ب: ﴿نَزّاعَةً،﴾ فهي حال متداخلة، أو هي في محل نصب حال من ﴿لَظى،﴾ فتكون حالا متكررة من بعض الوجوه، أو هي في محل رفع خبر ثان، أو ثالث، أو هي مستأنفة، لا محل لها، إن أردت الإعراض عن الكلام السابق. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أَدْبَرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والمتعلق محذوف، كما رأيت في الشرح، والجملة صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَتَوَلّى:﴾ الواو: حرف عطف. وجملة (تولى) معطوفة على الجملة قبلها، لا محل لها مثلها. وجملة: ﴿وَجَمَعَ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، وكذلك جملة: ﴿فَأَوْعى﴾ معطوفة أيضا، وفاعلهما يعود إلى من، تقديره: «هو». ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢١)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ﴾ أي: الكافر، والمنافق، والفاسق. ﴿خُلِقَ هَلُوعاً:﴾ الهلع في اللغة: أشد الحرص، وأسوأ الجزع، وأفحشه، قاله الضحاك، وقتادة، ومجاهد. وقال ابن عباس-﵄: تفسيره ما بعده. وقال عمرو بن معد يكرب الزبيدي-﵁: [مجزوء الكامل] ما إن هلعت ولا جزع... ت ولا يردّ بكاي زندا

стр. 6828

وقال الرسول ﷺ : «شرّ ما في الرجل شحّ هالع، وجبن خالع». أخرجه أبو داود عن أبي هريرة ﵁. وقال أبو عبيدة: الهلوع: هو الذي إذا مسه الخير؛ لم يشكر، وإذا مسه الضر؛ لم يصبر. وعن أحمد بن يحيى قال لي محمد بن عبد الله بن طاهر: ما الهلع؟ فقلت: قد فسره الله، ولا يكون تفسير أبين من تفسيره، وهو الذي إذا ناله شر؛ أظهر شدة الجزع، وإذا ناله خير بخل به، ومنعه الناس. هذا؛ و ﴿الْخَيْرُ﴾ المال، والصحة، والولد، والجاه، والمنصب في الدنيا. و ﴿الشَّرُّ:﴾ الفقر، والمرض، وعدم الولد، والضعف، والذلة في الدنيا. ومعنى ﴿مَسَّهُ:﴾ أصابه، ووقع به. هذا؛ و ﴿الْإِنْسانَ﴾ يطلق على الذكر، والأنثى من بني آدم، ومثله كلمة: شخص. قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ومعلوم: أن الله تعالى لم يقصد الذكور خاصة، والقرينة الآيات الكثيرة الدالة على أن المراد: الذكر، والأنثى، واللام في ﴿الْإِنْسانَ﴾ إنما هي لام الجنس؛ التي تفيد الاستغراق، ولذا صح الاستثناء من ﴿الْإِنْسانَ﴾ هنا وفي سورة (العصر) كما ستقف عليه. هذا؛ وإنسان العين: هو المثال الذي يرى فيها، وهو النقطة السوداء، والتي تبدو لامعة وسط السواد. وانظر جمع ﴿الْإِنْسانَ﴾ في الآية رقم [٥] من سورة (الجن). وخذ قول ذي الرمة، -وهو الشاهد رقم [٨٨٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] وإنسان عيني يحسر الماء تارة... فيبدو وتارات يجمّ فيغرق الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿خُلِقَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى الإنسان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿هَلُوعاً:﴾ حال مقدرة؛ لأنه ليس متصفا بالصفات المذكورة وقت خلقه، ولا وقت ولاده. ﴿إِذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿مَسَّهُ:﴾ فعل ماض، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿الشَّرُّ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿جَزُوعاً:﴾ خبر ل: «كان» محذوفة مع اسمها، التقدير: كان الإنسان جزوعا، والجملة الفعلية هذه جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، وإذا ومدخولها في محل رفع خبر ثان ل: ﴿إِنَّ،﴾ أو هي تفسير لجملة: ﴿خُلِقَ هَلُوعاً﴾ كما رأيت في الشرح. هذا؛ وقيل: ﴿جَزُوعاً﴾ حال من الضمير في ﴿هَلُوعاً،﴾ وهو العامل في الحال. وقيل: ﴿جَزُوعاً﴾ صفة ﴿هَلُوعاً﴾ وعلى هذين القولين، فإذا الأولى متعلقة ب: ﴿جَزُوعاً،﴾ والثانية متعلقة ب: ﴿مَنُوعاً﴾ ولا تنس المقابلة في الآيتين. والمعتمد الأول بلا ريب، والجملة: ﴿وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها على جميع الاعتبارات بلا فارق بينهما. هذا؛ وذكرت لك أن ﴿جَزُوعاً﴾ حال مقدرة؛ إذ الحال بالنسبة للزمان على ثلاثة أقسام: حال مقارنة، وهي الغالبة، نحو قوله تعالى حكاية عن قول امرأة إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾. وحال مقدرة، وهي المستقبلة نحو قوله

стр. 6829

تعالى: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾. ومنها الحال في هذه الآية، كما رأيت، وحال محكية، وهي الحال الماضية، نحو: جاء زيد أمس راكبا. وهناك الحال الموطئة، وهي التي تذكر توطئة للصفة بعدها، بمعنى: أن المقصود: الصفة، وهذا كثير في القرآن الكريم، خذ قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾. هذا؛ والحال أيضا على نوعين: إما مؤسسة، وإما مؤكدة. فالمؤسسة هي التي لا يستفاد معناها بدونها، نحو جاء زيد ضاحكا ونحوه، وأكثر ما تأتي الحال من هذا النوع مبينة هيئة فاعل، أو مفعول. والمؤكدة، وهي التي يستفاد معناها بدونها، وإنما يؤتى بها للتوكيد، وهذه ثلاثة أنواع. الأول: ما يؤتى بها لتوكيد عاملها، وهي التي توافقه معنى فقط، أو معنى، ولفظا، فالأول كقوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها،﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ الأولى من سورة (النمل)، والثانية مذكورة في سورة (الشعراء) وغيرها. والثاني نحو قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً﴾. النوع الثاني: ما يؤتى بها لتوكيد صاحبها، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ رقم [٩٩] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. النوع الثالث: ما يؤتى بها لتوكيد مضمون جملة معقودة من اسمين معرفتين جامدين، نحو قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٩١]: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ﴾ وقولك: (هو الحقّ صريحا، أو بيّنا) وقول سالم بن دارة اليربوعي-وهو الشاهد رقم [٣٨٥] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [البسيط] أنا ابن دارة معروفا بها نسبي... وهل بدارة يا للنّاس من عار؟ وهناك الحال اللازمة في قراءة من قرأ قوله تعالى في سورة (ص) رقم [٢٩]: «(كتاب أنزلناه إليك مباركا)» بالنصب؛ لأن البركة لا تفارق الكتاب، وهو القرآن. ﴿إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨)﴾ الشرح: ﴿إِلاَّ الْمُصَلِّينَ:﴾ قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: استثناء للموصوفين بالصفات المذكورة بعد ذكر المطبوعين على الأحوال المذكورة قبل لمضادة تلك الصفات لها؛ من حيث إنها دالة على الاستغراق في طاعة الحق، والإشفاق على الخلق، والإيمان بالجزاء، والخوف

стр. 6830

من العقوبة، وكسر الشهوة، وإيثار الآجل على العاجل، وتلك ناشئة من الانهماك في حب العاجل، وقصور النظر عليه. انتهى. هذا؛ وفسر الجلال ﴿الْمُصَلِّينَ﴾ بالمؤمنين؛ لأن الصلاة الشرعية المقبولة عند الله تستلزم الإيمان، وبدون الإيمان، لا تكون صحيحة، ولا مقبولة. ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ:﴾ مواظبون على أداة الصلاة، لا يشغلهم عنها شاغل؛ لأن نفوسهم صافات من أكدار الدنيا بتعرضهم لنفحات الله. وقيل: معناه يحافظون على أوقاتها، وواجباتها. قاله ابن مسعود-﵁. وقيل: المراد بالدوام هنا السكون، والخشوع، كقوله تعالى في سورة (المؤمنون): ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ قاله عقبة ابن عامر-﵁. وهذا يدل على وجوب الطمأنينة في الصلاة، فإن الذي لا يطمئن في ركوعه، وسجوده؛ لم يسكن فيها، ولم يدم، بل ينقرها نقر الغراب، فلا يفلح في صلاته. وخذ ما يلي: فعن أبي مسعود البدري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجزئ صلاة الرجل حتّى يقيم ظهره في الركوع والسّجود». رواه أحمد وأبو داود، والترمذي، والنسائي. وعن أبي قتادة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «أسوأ الناس سرقة الّذي يسرق من صلاته». قالوا: يا رسول الله! كيف يسرق من الصلاة؟ قال: «لا يتمّ ركوعها، ولا سجودها». أو قال: «لا يقيم صلبه في الركوع، والسّجود». رواه أحمد، والطبراني، وغيرهما. وعن علي-﵁-قال: نهاني رسول الله ﷺ أن أقرأ؛ وأنا راكع، وقال: «يا عليّ مثل الّذي لا يقيم صلبه في صلاته كمثل حبلى حملت، فلمّا دنا نفاسها؛ أسقطت، فلا هي ذات حمل، ولا هي ذات ولد». رواه أبو يعلى، وغيره. وعن أبي هريرة-﵁: أنّ رجلا دخل المسجد؛ ورسول الله ﷺ جالس في ناحية المسجد، فصلّى، ثمّ جاء فسلّم عليه، فقال له رسول الله ﷺ : «وعليك السّلام، ارجع فصلّ، فإنّك لم تصلّ». فصلى ثم جاء فسلام، فقال: «وعليك السّلام، ارجع، فصلّ، فإنك لم تصلّ». فصلى، ثم جاء، فسلام، فقال: «وعليك السّلام، ارجع، فصلّ، فإنك لم تصلّ». فقال في الثانية، أو في التي تليها: علمني يا رسول الله! وفي رواية: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا فعلمني! فقال: «إذا قمت إلى الصلاة؛ فأسبغ الوضوء، ثمّ استقبل القبلة، فكبّر، ثمّ اقرأ ما تيسّر معك من القرآن، ثم اركع؛ حتى تطمئنّ راكعا، ثمّ ارفع حتّى تستوي قائما، ثمّ اسجد حتى تطمئنّ ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئنّ جالسا، ثم اسجد حتّى تطمئنّ ساجدا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلّها». رواه البخاري، ومسلم. وعن أنس بن مالك-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أول ما افترض الله على الناس من دينهم الصلاة، وآخر ما يبقى الصّلاة، وأوّل ما يحاسب به الصلاة، ويقول الله: انظروا

стр. 6831

في صلاة عبدي، فإن كانت تامة؛ كتبت تامة، وإن كانت ناقصة؛ يقول: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فإن وجد له تطوع تمت الفريضة من التطوع. ثم يقول: انظروا هل زكاته تامة؟ فإن كانت تامة كتبت تامة، وإن كانت ناقصة يقول: انظروا هل لعبدي صدقة؟ فإن كانت له صدقة تمّت زكاته». رواه أبو يعلى. ويمكن قياس الصيام، والحج على الصلاة، والزكاة، والمراد بالتطوع: النوافل، والسنن؛ التي يفعلها المسلم زيادة على الفرائض، فالنبي ﷺ جزاه الله عنا خير الجزاء، وجزاه الله عنا ما هو أهله سنّ لنا السنن ورغبنا في التطوع حبا منه في زيادة الخير لنا، وتكثير حسناتنا، وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أرأيتم لو أنّ نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه خمس مرات هل يبقى من درنه شيء». قالوا: لا يبقى من درنه شيء! قال: «فكذلك مثل الصّلوات الخمس يمحو الله بهنّ الخطايا». رواه الستة ما عدا أبا داود. ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ أي: في أموالهم نصيب معين فرضه الله في أموالهم، وهو الزكاة؛ التي فرضها الله في أموال الأغنياء للفقراء والمساكين، فالله يقول في حديث قدسي: «الأغنياء وكلائي، والفقراء عيالي، فإذا بخل وكلائي على عيالي؛ أذقتهم عذابي، ولا أبالي». ويقول الرسول ﷺ : «إنّ الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر ما يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا، وعروا إلاّ بما يصنع أغنياؤهم، ألاّ وإنّ الله سيعذّبهم عذابا أليما، ويحاسبهم حسابا عسيرا». ونحن لو تأملنا حق التأمل في هذا الحديث؛ لوجدنا أن مسؤوليتنا كبرى أمام دولة الفقراء، وأن إهمالهم يجر إلى شر مستطير في الدنيا، وفي الآخرة، أما في الدنيا فإن الفقراء إذا رأوا في الأغنياء شحا مطاعا، وبخلا سائدا، فإنهم يبغضونهم، ويتمنون هلاك المال الذي بأيديهم. وأما في الآخرة؛ فإن الفقير الجائع، والمسكين العاري سيتعلق بالغني، ويأخذ بتلابيبه، ويقول: يا رب هذا الغني البخيل أغلق بابه دوني، ومنعني عطفه، فخذ لي يا رب بحقي منه! فلا يتركه حتى يوجب له النار. روى الطبراني عن أنس-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ويل للأغنياء من الفقراء يوم القيامة، يقول الفقير: يا رب هذا الغني منعني حقي، وحرمني. فيقول الله : وعزتي وجلالي لأدنينكم ولأبعدنّهم». ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. ﴿لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ:﴾ السائل: هو الذي يسأل الناس لفاقته، و (المحروم) هو الذي حرم المال لسبب من الأسباب. وأظهر الأقوال فيه: أنه العفيف المتعفف ذو العيال؛ لأنه قرن بالسائل، والمتعفف لا يسأل، ولا يكاد الناس يعطون من لا يسأل، وإنما يفطن له متيقظ، قال تعالى في سورة (البقرة) [٢٧٣]: ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي﴾

стр. 6832

الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافاً وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٩] من سورة (الذاريات) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ:﴾ يؤمنون، ويوقنون بيوم القيامة، وما فيه من البعث بعد الموت والحشر، والحساب، والميزان، والصراط، ثم إلى الجنة، أو إلى النار، ومن صدق، واعتقد بيوم الدين؛ صرف ماله في مرضاة الله، وأتعب نفسه بطاعة الله في الليل، والنهار. وعن ابن عباس-﵄-قال: (يوم الدين) يوم حساب الخلائق، يدينهم بأعمالهم، إن خيرا؛ فخير، وإن شرا؛ فشر إلا من عفا الله عنه، والأمر أمره، ثم قال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. هذا؛ والدينونة: المجازاة والمكافأة، ومنه: كما تدين تدان. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ:﴾ خائفون على أنفسهم من عذاب الله، يرجون الثواب، ويخافون العقاب. ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ:﴾ يعني: إن الإنسان لا يمكنه القطع بأنه أدى الواجبات كما ينبغي، واجتنب المحظورات بالكلية كما ينبغي، بل قد يكون وقع منه تقصير من الجانبين، فلا جرم ينبغي أن يكون العبد بين الخوف، والرجاء، خائفا من عقابه، طامعا في رحمته تعالى. الإعراب: ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿الْمُصَلِّينَ:﴾ مستثنى من ﴿الْإِنْسانَ﴾ وساغ ذلك؛ لأن (أل) فيه للجنس، وهي تفيد الاستغراق، والمعنى: إن كل إنسان خلق هلوعا، و ﴿الْمُصَلِّينَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب بدلا من ﴿الْمُصَلِّينَ،﴾ أو هو صفة له، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين، وتكون الجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿الْمُصَلِّينَ،﴾ أو من الضمير المستتر فيه، والرابط: الضمير فقط. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَلى صَلاتِهِمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿دائِمُونَ﴾ بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿دائِمُونَ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): معطوف على ما قبله على جميع الوجوه المعتبرة فيه. ﴿فِي أَمْوالِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿حَقٌّ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مَعْلُومٌ:﴾ صفته، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لِلسّائِلِ:﴾ متعلقان ب: ﴿مَعْلُومٌ،﴾ أو بمحذوف صفة ثانية ل: ﴿حَقٌّ﴾. ﴿وَالْمَحْرُومِ:﴾ الواو: حرف عطف. (المحروم): معطوف على ما قبله. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ معطوف على ما قبله أيضا. ﴿يُصَدِّقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِيَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (يوم) مضاف، و ﴿الدِّينِ﴾ مضاف إليه. (الذين) معطوف على ما قبله. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ.

стр. 6833

﴿مِنْ عَذابِ:﴾ متعلقان ب: ﴿مُشْفِقُونَ﴾ بعدهما، و ﴿عَذابِ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مُشْفِقُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿عَذابِ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ وهو مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه... مثل سابقه. ﴿غَيْرُ:﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ وهو مضاف، و ﴿مَأْمُونٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ عَذابَ..﴾. إلخ معترضة بين المتعاطفات، ومفيدة للتعليل. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ اِبْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٣١)﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ:﴾ جمع: فرج، وهو اسم لسوأة الرجل، والمرأة، وحفظه: التعفف عن الحرام، وعن كل ما لا يحل من زنى ولواط، واستمناء باليد، ومتعة. أما الزنى فهو من أفظع الجرائم خطرا، وأشدها ضررا على الأعراض، والأنساب، والأخلاق، والعادات، لذلك سماه الله فاحشة، وساء سبيلا. قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٣٢]: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً،﴾ وما فشا الزنى في أمة من الأمم إلا ضاع مجدها، وذهب عزها، وفشت فيها الأمراض، والأوبئة الفتاكة، لذلك وضع الله للزاني عقوبتين: عقوبة في الدنيا، وعقوبة في الآخرة، أما عقوبة الدنيا؛ فالجلد لمن لم يتزوج، والرجم بالحجارة لمن كان متزوجا؛ حتى يموت، أما الجلد؛ فقد ثبت بقوله تعالى في سورة (النور) رقم [٢]: ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ..﴾. إلخ، وأما الرجم؛ فقد ثبت بفعل النبي ﷺ ، وأحاديثه الصحيحة، مثل قوله ﷺ : «لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأنّي رسول الله إلاّ بإحدى ثلاث: الثّيّب الزّاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه، المفارق للجماعة». رواه الستة ما عدا ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود-﵁. أما عقوبة الآخرة فقد ورد عن رسول الله ﷺ : أن جبريل، وميكائيل أخذا بيده حتى أصعداه جبلا، فإذا أصوات، وعواء، فاطلع فإذا رجال، ونساء عراة، يأتيهم اللهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم؛ صرخوا من شدة حره، فقال الرسول ﷺ : «ما هذا يا جبريل؟». قال: «هؤلاء الزّناة والزّواني، عقابهم كذلك إلى يوم القيامة». ورأى النبي ﷺ ليلة أسري به رجالا، ونساء بين أيديهم لحم نضيج في قدر، فقال: «ما هذا يا جبريل؟». قال: «هذا مثل الرجل من أمتك يترك زوجته الحلال الطيب، ويبيت عند أخرى يزني بها، ومثل المرأة من أمتك تترك زوجها الحلال الطيب، وتأتي آخر خبيثا مثلها، يزني بها».

стр. 6834

فعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «عفّوا عن نساء النّاس؛ تعفّ نساؤكم، وبرّوا آباءكم، تبرّكم أبناؤكم... إلخ». رواه الحاكم، ومثله في الطبراني. من رواية ابن عمر ﵄. فالكيل الذي تكيل به للناس يكال لك به، وكما تدين تدان، فمن زنى بنساء الناس لا بد أن يدان من قريباته. وخذ ما يلي: حكي: أنه كانت امرأة صالحة، زوجها صائغ، ولها رجل سقّاء ينقل لها الماء منذ ثلاثين سنة، لا ينظر إليها، فناولها يوما الماء، وقبض على يدها قبضا شديدا، فلما جاء زوجها؛ قالت له: هل وقع منك اليوم ذنب؟ قال: لا! غير أن امرأة اشترت مني سوارا، فلما رأيت يدها أعجبتني، فقبضت على يدها قبضا شديدا! فقالت له: قد وقع القصاص في زوجتك! فلمّا كان الغد جاء السقاء معتذرا، فقالت له: لا بأس عليك، إنما الفساد من زوجي. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٢] من سورة (الإسراء) تجد ما يسرك. ومتى عف المرء عن نساء الناس؛ ظهرت أمارات عفته في تصرفاته، واستقامته، بل، وفي نظراته، وحركاته، وسكناته، وفاحت رائحة عفته؛ حتى لكأن زوجته تشمها، وتحس بها، فتزداد عفة على عفة، ووفاء لزوجها، وإرضاء لربها، وظهر أثر ذلك في الاحترام المتبادل، والمحبة الصادقة، والعشرة الطيبة، ورفرف على البيت علم الطهارة، والسعادة، أما إذا لم يعف الزوج عن نساء الناس، وتدنس بالزنى، والفجور، وأفسد امرأة غيره، ولم تمتلئ نفسه بالعفة، والطهارة؛ فإن شؤم ذلك يتعدى إلى زوجته، ويحملها على أن تنظر إلى غيره من الرجال الأجانب، وتتصل بمن تهوى، وتحملها الغيرة على الانتقام من زوجها، فتسلك ما سلك من طريق الخيانة، والفجور، فيكون هذا الزوج الدنيء متسببا في فساد امرأته. وكما تدين تدان. أما اللواط؛ فإنه عمل قوم لوط، كما رأيت في سورة (الأعراف)، وسورة (الحجر)، وسورة (هود)، وسورة (الشعراء) و (النمل) وغير ذلك، وهو كبيرة من الكبائر، التي تستوجب غضب الله في الدنيا، وعقابه في الآخرة، والنبي ﷺ قد شدد النكير على من اقترف هذه الجريمة، أو يقترفها وإليك نبذة من أحاديثه الشريفة في ذلك: فعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «أربعة يصبحون في غضب الله، ويمسون في سخط الله». قلت: من هم يا رسول الله؟! قال: «المتشبّهون من الرّجال بالنّساء، والمتشبّهات من النساء بالرجال، والذي يأتي البهيمة، والذي يأتي الرجال». رواه الطبراني. وعن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل، والمفعول به». رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه. أقول: المفعول به يقتل إذا كان مطاوعا، وباختياره، أما إذا كان مكرها؛ فلا إثم، ولا قتل له، بل إن الرسول ﷺ حرم هذه الجريمة؛ حتى عمل الرجل مع امرأته، فعن عبد الله بن عمرو-﵄-أن

стр. 6835

النبي ﷺ قال: «هي اللّوطيّة الصّغرى». يعني الرجل يأتي امرأته في دبرها. رواه أحمد، والبزار. وعن أبي هريرة-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «من أتى حائضا، أو امرأة في دبرها، أو كاهنا فصدّقه، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ». رواه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأبو داود. وهذا محمول على المستحل، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥] من سورة (المؤمنون). وأما الاستمناء باليد، ويطلق عليه في هذه الأيام اسم: العادة السرية؛ فقد قال محمد بن عبد الحكم: سمعت حرملة بن عبد العزيز؛ قال: سألت مالكا عن الرجل يجلد عميرة، فتلا هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ إلى قوله: ﴿العادُونَ﴾. وهذا؛ لأنهم يكنون عن الذكر بعميرة، وفيه يقول الشاعر: [البسيط] إذا حللت بواد لا أنيس له... فاجلد عميرة لا داء ولا حرج فقد أجمع العلماء على تحريمه. وقال بعضهم: إنه كالفاعل بنفسه، وهي معصية أحدثها إبليس حين نزل إلى الأرض، وأجراها بين الناس، وكان الإمام أحمد-﵁-على ورعه يجوزه؛ لأنه فضلة في البدن، يجوز إخراجها لحاجة، كالفصد، والحجامة؛ لكن بشروط ثلاثة: أن يخاف الزنى، وأن يفقد مهر حرة، أو ثمن أمة، وأن يفعله بيده، وبالجملة فإن فعله حرام، ومضر بالصحة كما ثبت طبيا، ولو قام الدليل على جوازه؛ لكان ذو المروءة يعرض عنه لدناءته، ومع هذا فالدليل ضعيف، وهو عار بالرجل الدنيء، فكيف بالرجل الشريف؟ سئل عطاء عنه، فقال: مكروه، سمعت: أن قوما يحشرون، وأيديهم حبالى، فأظن أنهم هؤلاء. وقال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: عذّب الله أمة كانوا يعبثون بمذاكيرهم. وأما المتعة؛ فهي عقد مؤقت يعقده الرجل على امرأة، يحل له زواجها شرعا بأجر معين مقبوض، فإذا انتهت المدة المتعاقد عليها؛ تخلصت منه بدون طلاق؛ لأنها كالمستأجرة، وقد كان للمتعة في التحليل، والتحريم أحوال، فمن ذلك: أنها كانت مباحة، ثم حرمها رسول الله ﷺ في غزوة خيبر، ثم حللها في غزوة فتح مكة، ثم حرمها تحريما قاطعا، أما قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٢٣]: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ هذه الآية التي يستدل بها من يبيح المتعة منسوخة بقول النبي ﷺ : «أيّها الناس إني كنت قد أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء، ألا إنّ الله حرّم هذا إلى يوم القيامة». مع أن الآية ليست دليلا قاطعا للمتعة؛ لأن الاستمتاع بالعقد الدائم أولى بالاعتبار، ولفظ الأجور مراد به المهور التي تدفع للنساء على سبيل العطية، والهدية، والإكرام، كما قال تعالى في سورة (النساء) رقم [٤]: ﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً..﴾. إلخ. والمتمتع بها عند من يقول بالمتعة لا نفقة لها، وإنما تنفق على نفسها من الأجرة التي تقبضها لقاء التمتع بها.

стр. 6836

ويقال: إن عبد الله بن عباس-﵄-كان يقول بالمتعة، ويحلها، ثم رجع إلى التحريم حينما بلغه أحاديث النهي، وتأكد من صحتها، ويتعلق من يبيح المتعة بذلك المروي عن ابن عباس-﵄. ويروي: أن المأمون العباسي أباحها للمجاهدين، وهم بعيدون عن أهليهم، فدخل عليه العالم الجليل يحيى بن أكثم-رحمه الله تعالى-وهو يرتعد غضبا، فقال المأمون: ما للإمام يشتاط غضبا؟ فقال الإمام العظيم: كيف لا أشتاط غضبا، وقد انتهكت حرمات الله، وأحلّ ما حرم الله ورسوله؟! فقال المأمون: ومن فعل ذلك؟ فقال: أمير المؤمنين فعل ذلك! قال: وكيف كان ذلك؟! قال: ألم تحل المتعة وقد حرمها الله ورسوله إلى يوم القيامة؟ قال المأمون: أليست تحل بعقد شرعي، ومهر، ورضا، واختيار مع رشد، وعقل؟ قال: يا أمير المؤمنين! فالله يقول: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ﴾ أهي زوجة ترث، وتورث؟ قال: لا. قال: أيلحق الولد بالتمتع بالمرأة، إذا كان بعيدا عن البلد المتمتع بها؟ قال: لا. قال: أهي أمة في ملك اليمين؟ قال: لا. قال: هي إذا محرمة إذا كانت ليست زوجة بالمعنى الصحيح، ولا أمة بملك اليمين. فرجع المأمون-رحمه الله تعالى-عن تحليلها، واستغفر الله. وأخيرا أقول: تأباها المروءة والشرف، فأي: رجل فيه شيء من ذلك، ثم هو يرضى أن يسلم أخته، أو بنته لشخص أياما معدودة يستمتع بها، ثم هو يردها له، وقد تكون حملت منه بولد؟! ثم ما مصير هذا الولد؟ هل هو لقيط، أو ابن زنى، أو هو ولد شرعي؟ فيجب أن يرث من والده وينتسب إليه، وهل يتأتى هذا في نكاح المتعة؟! تنبيه: أقول: إنه قد فشا في هذه الأيام زنى بشرف، وفخر، وترضى به المرأة، وهي مرفوعة الرأس، ويقره زوجها، وهو شامخ الأنف، ذلك هو تلقيح المرأة من مادة رجل أجنبي غير زوجها، الذي ثبت عقمه، فهو يقر الدياثة بنفسه ما دام يأخذها بيده إلى طبيب قذر، لا يعرف للمروءة سبيلا، ولا للشهامة طريقا، ويكون شريكا للرجل في الدياثة، والحرمان من جنة النعيم، فقد قال الرسول ﷺ : «ثلاثة حرّم الله ﵎ عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاقّ لوالديه، والدّيّوث الذي يقر في أهله الخبث». رواه الإمام أحمد، والنسائي عن عبد الله بن عمر ﵄. تنبيه: قد تحرم الزوجة (أي: إتيانها) لعارض حيض، أو نفاس، وقد صرحت به آية البقرة رقم [٢٢٢]: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ..﴾. إلخ. هذا؛ وإجراء (ما) وهي لغير العاقل على الإماء، وهنّ عاقلات؛ لأنهن ناقصات عقل، ولأنهن يبعن، ويشترين، كالبهائم، كما أطلقت على النساء الحرائر في قوله تعالى في سورة (النساء) [٣]: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ للسبب الأول فقط.

стр. 6837

﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ أي: على إتيان أزواجهم، وإمائهم؛ إذا كان الإتيان على وجه أذن فيه الشرع، دون الإتيان في الدبر، أو في حال الحيض، والنفاس، فإنه محظور، فلا يجوز، ومن فعله فإنه ملوم، ومن أتى امرأته الحائض في أول الحيض؛ فيجب عليه أن يتصدق بدينار، ومن أتاها في آخر الحيض؛ فليتصدق بربع دينار. ﴿فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ أي: المتجاوزون الحد من الحلال إلى الحرام، وذلك مما يوجب الحد على الزاني، واللائط، والتعزيز على إتيان البهيمة، وإتيان المرأة في دبرها، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ هذه الجملة معطوفة على قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ..﴾. إلخ، وإعرابها مثلها بلا فارق. هذا؛ وقال السمين: اللام في ﴿لِفُرُوجِهِمْ﴾ زائدة، وعليه فهو مفعول مقدم ل: ﴿حافِظُونَ،﴾ فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وزيادة اللام هذه على قول السمين، مثل قول ابن هشام بزيادتها في قوله تعالى في سورة (البروج): ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ والآية رقم [١٦] من هذه السورة، ونحو ذلك، وقد سماها ابن هشام لام التقوية. هذا؛ ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [٤]: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿عَلى أَزْواجِهِمْ:﴾ في تعليقهما أوجه: أحدها: أنهما متعلقان ب: ﴿حافِظُونَ﴾ على تضمينه معنى: ممسكون، أو قاصرون. الثاني: أنهما متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، التقدير: حافظون فروجهم في كل حال؛ إلا في حال إتيانهم أزواجهم، أو إماءهم. الثالث: أنهما متعلقان بمحذوف يدل عليه: ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ وكأنه قيل: يلامون إلا على أزواجهم. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على ﴿أَزْواجِهِمْ﴾. ﴿مَلَكَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿أَيْمانُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: أو الذي ملكته أيمانهم. ﴿فَإِنَّهُمْ:﴾ (الفاء): حرف تعليل. (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿غَيْرُ:﴾ خبر (إنّ)، و ﴿غَيْرُ﴾ مضاف، و ﴿مَلُومِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية تعليل لنفي الحرج والمؤاخذة، وهو ما تضمنه الاستثناء. ﴿فَمَنِ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِبْتَغى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من)، تقديره: «هو». ﴿وَراءَ:﴾ مفعول به على تفسيره ب: «سوى»، وظرف مكان متعلق بما قبله على تفسيره ب: «بعد» ونحوه. وقال الزجاج: التقدير: فمن ابتغى ما بعد ذلك. وعليه: فالمفعول محذوف، و ﴿وَراءَ﴾ متعلق بمحذوف صلة المفعول المحذوف المقدر ب: «ما»، و ﴿وَراءَ﴾ مضاف، و ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف

стр. 6838

حرف خطاب لا محل له. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ (الفاء): واقعة في جواب الشرط. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له من الإعراب. ﴿هُمْ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿العادُونَ:﴾ خبر المبتدأ. هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ ثانيا و ﴿العادُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر المبتدأ الأول، وعلى الوجهين فالجملة الاسمية: (أولئك...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور. والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب، وقيل: هما معا وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلته، وخبره الجملة الاسمية: (أولئك...) إلخ، وزيدت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٣٢)﴾ الشرح: (الأمانات): جمع أمانة، وهي تشمل الودائع، التي يضعها أصحابها عند غيرهم؛ ليحفظوها لهم. وتشمل أيضا: جميع التكاليف الإلهية، التي كلف الله بها عباده المؤمنين. وتشمل كذلك جميع جوارح الإنسان من عين، وأذن، ويد... إلخ، وتشمل جميع المعاملات من بيع، وشراء... إلخ، وتشمل جميع النعم، التي أنعم الله بها على العبد من ولد، وزوجة... إلخ، لذا كانت مسؤوليتها كبرى أمام رب العالمين، وثقيلة أبت السموات، والأرض، والجبال أن تتحملها. خذ قول العزيز الحكيم في سورة (الأحزاب) رقم [٧٢]: ﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾. وقد أكد الرسول ﷺ أمر الأمانة، وشدد النكير على من يتساهل فيها، ويخونها. فعن عبد الله بن عمر-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا صلاة لمن لا طهور له، ولا دين لمن لا صلاة له... إلخ». رواه الطبراني. وعن علي-﵁ وكرم الله وجهه-: قال: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ ، فطلع علينا رجل من أهل العالية، فقال: يا رسول الله! أخبرني بأشدّ شيء في هذا الدّين، وألينه؟ فقال: «ألينه شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمدا رسول الله، وأشدّه يا أخا العالية الأمانة، إنه لا دين لمن لا أمانة له، ولا صلاة له، ولا زكاة له». رواه البزار. واعتبر الرسول ﷺ الخيانة في الأمانة من علامات الساعة الصغرى. فعن عمران بن حصين-﵄-عن النبي ﷺ قال: «خيركم قرني، ثمّ الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون بعدهم قوم يشهدون، ولا يستشهدون، ويخونون ولا

стр. 6839

يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السّمن». رواه البخاري، ومسلم، وقال أيضا ﷺ : «إذا ضيّعت أمتي الأمانة؛ فانتظر السّاعة». وقال ﷺ : «تحلّ عرا الإسلام عروة عروة، فأول عروة يحلّونها الحكم بكتاب الله وآخر عروة يحلّونها الصلاة». وعن ابن مسعود-﵁-قال: القتل في سبيل الله يكفّر الذنوب كلّها إلا الأمانة. قال: يؤتى بالعبد يوم القيامة، وإن قتل في سبيل الله، فيقال: أدّ أمانتك، فيقول: أي ربّ كيف؛ وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية، فينطلق به إلى الهاوية، وتمثّل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه فيراها، فيعرفها، فيهوي في أثرها حتى يدركها، فيحملها على منكبيه حتى إذا ظنّ: أنّه خارج زلت عن منكبيه، فهو يهوي في أثرها أبد الآبدين. ثم قال: الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، وأشياء عدّدها، وأشدّ ذلك الودائع». قال زاذان: فأتيت البراء بن عازب، فقلت: ألا ترى إلى ما قال ابن مسعود؟ قال: كذا، قال: صدق، أما سمعت الله يقول: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾. رواه أحمد، والبيهقي موقوفا على ابن مسعود-﵁. هذا؛ وأما العهد؛ فإنه يشمل جميع الوعود، التي يقطعها العبد على نفسه لغيره من الناس، ويشمل جميع العقود التي يعقدها العبد مع غيره، مثل عقد النكاح، ونحوه، وأيضا الصنائع، والأسرار، وغير ذلك. ولقد أحسن القرطبي-رحمه الله تعالى-إذ قال: والأمانة، والعهد يجمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه، ودنياه قولا، وفعلا. ومعنى ﴿راعُونَ﴾ قائمون بحفظها، ورعايتها، وأصله: راعيون، فحذفت الضمة التي على الياء لاستثقالها، ثم حذفت الياء لالتقائها ساكنة مع الواو التي هي علامة الجمع، وهذا في الجمع، كما تحذف من المفرد لالتقائها مع التنوين. هذا؛ ويقرأ: «(لأمانتهم)» بالإفراد، وقراءة حفص بالجمع. قال مكي بن أبي طالب القيسي: (أمانة) مصدر، وحق المصادر ألا تجمع؛ لأنها كالفعل، يدل على القليل، والكثير من جنسه، ولكنه لما اختلفت أنواع الأمانة لوقوعها على الصلاة، والزكاة، والتطهر، والحج، وغير ذلك من العبادات؛ جاز جمعها؛ لأنها لما اختلفت أنواعها شابهت المفعول به. فجمعت كما يجمع المفعول به. هذا؛ وانظر ما ذكرته بشأن الوعد، والعهد في سورة (الصف) رقم [٣] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ (الواو): حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح معطوف على مثله في الآية رقم [٢٣] على جميع الاعتبارات فيه. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لِأَماناتِهِمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿راعُونَ﴾ بعدهما. وقل في اللام مثل ما رأيت بقوله: ﴿لِفُرُوجِهِمْ﴾. ﴿وَعَهْدِهِمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (عهدهم): معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿راعُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها.

стр. 6840

﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (٣٣)﴾ الشرح: الشهادة من جملة الأمانات، وخصها بالذكر من بينها إبانة لفضلها؛ لأن في إقامتها إحياء الحقوق وتصحيحها، وفي إهمالها تضييع الحقوق، وإبطالها، وقرئ: «(بشهادتهم)» و (بشهاداتهم) بالجمع لاختلاف أنواعها، كما في جمع: الأمانة. انتهى. كشاف. هذا؛ وكتمان الشهادة، أي: الامتناع عن أدائها كشهادة الزور، قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٨٢]: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾. وعن أبي موسى الأشعري-﵁-عن النبي ﷺ قال: «من كتم شهادة إذا دعي إليها كان كمن شهد بالزّور». رواه الطبراني في الكبير، والأوسط. هذا؛ ويؤخذ مما تقدم: أن شهادة الزور وكتمان شهادة الحق سواء في الإثم، وقد قرن الله تعالى شهادة الزور بعبادة الأوثان في الآية رقم [٣٠] من سورة (الحج) فقال جل ذكره: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ وأيده النبي ﷺ ، فعن أيمان بن خريم ﵁: أن النبي ﷺ قام خطيبا، فقال: «أيّها النّاس عدلت شهادة الزّور الإشراك بالله، ثم قرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ..﴾. إلخ». أخرجه الترمذي، وأخرجه أبو داود عن خزيمة بن فاتك بنحوه. وعن أبي بكرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أنبّئكم بأكبر الكبائر؟!». (ثلاثا) قلنا: بلى يا رسول الله! قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، (وكان متكئا فجلس فقال): «ألا وقول الزور، وشهادة الزور». فما زال يكررها؛ حتى قلنا: ليته سكت! أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي. وعن عبد الله بن عمر-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الطير لتضرب بمناقيرها، وتحرك أذنابها من هول يوم القيامة، وما يتكلّم به شاهد الزور، ولا تفارق قدماه على الأرض، حتى يقذف به في النار». رواه الطبراني. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح معطوف على ما قبله. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿بِشَهاداتِهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿قائِمُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، تأمل، وتدبر. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٣٤) أُولئِكَ فِي جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ:﴾ فيراعون شروطها، ويكملون فرائضها، وسننها. وتكرير ذكر الصلاة ووصفهم بها أولا وآخرا باعتبارين: للدلالة على فضلها، وإنافتها على غيرها. وفي نظم هذه الصلاة مبالغات لا تخفى. وهي تقديم الضمير، وبناء الجملة عليه،

стр. 6841

وتقديم الجار والمجرور على الفعل، وجعل بعض الجمل اسمية مفيدة للدوام والثبات، وبعضها فعلية مفيدة للاستمرار التجددي. هذا؛ وقال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: كيف قال: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثم قال: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ؟﴾ قلت: معنى إدامتهم عليها أن يواظبوا على أدائها، وألا يتركوها في وقت من الأوقات، وألا يشتغلوا عنها بغيرها إذا دخل وقتها، والمحافظة عليها ترجع إلى الاهتمام بحالها، وهو أن يأتي بها العبد على أكمل الوجوه. وهذا إنما يحصل بأمور ثلاثة: منها ما هو سابق للصلاة، كاشتغاله بالوضوء، وستر العورة، وإرصاد المكان الطاهر للصلاة، وقصد الجماعة، وتعلق القلب بدخول وقتها، وتفريغه عن الوسواس، والالتفات إلى ما سوى الله . وأما الأمور المقارنة للصلاة؛ فهي: ألا يلتفت في الصلاة يمينا، ولا شمالا، وأن يكون حاضر القلب في جميعها بالخشوع، والخوف، وإتمام ركوعها، وسجودها. وأما الأمور الخارجة عن الصلاة؛ فهي: أن يحترز عن الرياء، والسمعة خوف أن لا تقبل منه، مع الابتهال، والتضرع إلى الله تعالى في سؤال قبولها، وطلب الثواب. فالمداومة على الصلاة ترجع إلى نفسها، والمحافظة عليها ترجع إلى أحوالها، وهيئاتها. ﴿أُولئِكَ﴾ أي: الموصوفون بالصفات المذكورة. ﴿فِي جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ:﴾ جديرون بالإكرام في جنات النعيم. هذا؛ وفي صدر سورة (المؤمنون) قوله تعالى بعد ذكر هذه الصفات، أو ما يقاربها: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾. خاتمة: قال ابن العربي-رحمه الله تعالى-: من غريب القرآن: أن هذه الآيات العشر عامة في الرجال والنساء، كسائر ألفاظ القرآن، التي هي محتملة لهم، فإنها عامة فيهم، إلا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ (٢٩) فإنما خاطب بها الرجال خاصة دون الزوجات بدليل قوله تعالى: ﴿إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٣٠) وإنما عرف حفظ المرأة فرجها من أدلة أخر، كآيات الإحصان، عموما وخصوصا، وغير ذلك من الأدلة. أقول وهذا شيء نوهت عنه كثيرا، وذكرت: أن المدح، والذم، والترغيب، والترهيب بلفظ المذكر يدخل تحته النساء إلحاقا؛ إذ ما من شك أن في النساء متقيات، ومؤمنات، وصالحات، وخبيثات، وفاسقات... إلخ، والتعبير بلفظ المذكر، إنما هو من باب تغليب المذكر على المؤنث. خذ قوله تعالى في آخر سورة (التحريم) في مدح مريم على نبينا، وحبيبنا، وعليها، وعلى ابنها ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ﴾ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): معطوف على ما قبله. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلى صَلاتِهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يُحافِظُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: «هم يحافظون على صلاتهم». صلة الموصول، لا محل لها،

стр. 6842

﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿فِي جَنّاتٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر أول، أو هما متعلقان بما بعدهما. ﴿مُكْرَمُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير، واسم الإشارة، وهي حال مقدرة، انظر أنواع الحال في الآية رقم [١٩]. ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (٣٧)﴾ الشرح: ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ رسم في المصاحف حرف الجر مفصولا عن المجرور اتباعا لرسم مصحف عثمان-﵁. كما في قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٤٩]: ﴿وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ﴾. ﴿قِبَلَكَ:﴾ حولك، ونحوك، وجهتك. ﴿مُهْطِعِينَ:﴾ قال الأخفش: مسرعين، ومنه قوله تعالى في سورة (القمر): ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ..﴾. إلخ، وقوله في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ..﴾. إلخ رقم [٤٣] قال الشاعر: [الوافر] بمكّة أهلها ولقد أراهم... إليه مهطعين إلى السّماع وذكرته في سورة (إبراهيم) وسورة (القمر) كما يلي: [الوافر] بدجلة دارهم ولقد أراهم... بدجلة مهطعين إلى السّماع والمعنى فما بالهم مسرعين مقبلين نحوك مادين أعناقهم، ومديمين النظر إليك متطلعين إليك؟ نزلت في جماعة من الكفار كانوا يجتمعون حول النبي ﷺ يسمعون كلامه، ويستهزئون به، ويكذبونه، فقال الله-جل وعلا-: ما لهم ينظرون إليك ويجلسون عندك، وهم لا ينتفعون بما يسمعون منك. انتهى خازن. وقال القرطبي: نزلت في جمع من المنافقين المستهزئين كانوا يحضرونه ﵇، ولا يؤمنون به. وقول الخازن أولى بالاعتبار؛ لأن السورة مكية، ولم يكن في مكة قبل الهجرة منافقون. هذا؛ وفي القاموس: هطع، كمنع هطعا وهطوعا: أسرع مقبلا خائفا، أو أقبل ببصره على الشيء لا يقلع عنه، وأهطع: مد عنقه، وصوب رأسه، كاستهطع، وكأمير: الطريق الواسع، وكمحسن: من ينظر في ذل، وخضوع، لا يقلع بصره، أو الساكت المنطلق إلى من هتف به، وبعير مهطع: في عنقه تصويب خلقة. انتهى. ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ أي: عن يمين النبي ﷺ وشماله حلقا حلقا، وجماعات، ف: (أل) بدل من الضمير المحذوف؛ إذ التقدير: عن يمينك، وعن شمالك، وهذا مشهور في ضمير

стр. 6843

الغيبة، كما في قوله تعالى في سورة (النازعات): ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى﴾ و ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى﴾ إذ التقدير: هي مأواه. هذا؛ و ﴿عِزِينَ﴾ جماعات في تفرقة، قاله أبو عبيدة. ومنه حديث النبي ﷺ : أنه خرج على أصحابه، فرآهم حلقا، فقال: «ما لي أراكم عزين؟ ألا تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربّها؟». قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: «يتمّون الصفوف الأول، ويتراصّون في الصّفّ». رواه أحمد، والنسائي، ومسلم عن جابر بن سمرة-﵁. وقال الشاعر: [الوافر] ترانا عنده، والليل داج... على أبوابه حلقا عزينا أي: متفرقين، وقال آخر: [المتقارب] كأنّ الجماجم من وقعها... خناطيل يهوين شتّى عزينا الخناطيل: لا واحد لها من جنسها، وهي جماعات من الوحش، والطير. وقال آخر: [الوافر] فلمّا أن أتين على أضاخ... ضرحن حصاه أشتاتا عزينا أضاخ بالضم: جبل، يذكر، ويؤنث. وقيل: هو موضع في البادية، يصرف ولا يصرف. ومعنى ضرحن: نحين، ودفعن. وقال الكميت: [الوافر] ونحن وجندل باغ تركنا... كتائب جندل شتّى عزينا وقال عنترة: [الوافر] وقرن قد تركت لديّ ملقى... عليه الطير كالعصب العزين هذا؛ وواحد ﴿عِزِينَ﴾ عزة: جمع بالواو والنون، أو بالياء والنون، ليكون ذلك عوضا مما حذف منها؛ إذ أصلها: عزهة، فاعتلت، كما اعتلت «سنة» فيمن جعل أصلها: سنهة، ثم حذفت الهاء. قال مكي: وإنما جمع بالواو والنون؛ لأنه مؤنث لا يعقل، ليكون ذلك عوضا مما حذف منه. وقيل: أصلها: عزوة، من: عزاه، يعزوه: إذا أضافه إلى غيره، فكل واحد من الجماعات مضافة إلى الأخرى. والمحذوف منها الواو. وفي الصحاح: والعزة: الفرقة من الناس، والهاء عوض من الياء، والجمع: عزى على: فعل، وعزون (بضم العين، وكسرها) ولم يقولوا: عزات، كما قالوا: ثبات. هذا؛ ومثل ﴿عِزِينَ﴾ في المعنى والمفردة والإعلال ﴿عِضِينَ﴾ من قوله تعالى في سورة (الحجر) رقم [٩١]: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ وأيضا (ثبة) وهي الجماعة من الرجال فوق العشرة، مثل: عزة، وعضة في المعنى، والإعلال، والتصريف فتجمع على ثبين مثل: عزين، وعضين، وقد جاءت (ثبات) بالألف والتاء في قوله تعالى من سورة (النساء) رقم [٧١]: ﴿فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً﴾ وجاءت بالياء والنون في قول عمرو بن كلثوم من معلقته [٥٣]: [الوافر]

стр. 6844

فأمّا يوم خشيتنا عليهم... فتصبح خيلنا عصبا ثبينا هذا؛ ومثلهن: قلة، وهي خشبة يلعب بها الصبيان، فيقال في جمعها: قلات، وقلين. قال عمرو بن كلثوم من معلقته [١٠٦]: [الوافر] وما منع الظعائن مثل ضرب... ترى منه السّواعد كالقلينا وتصغير الأربعة: عزيّة، وعضيّة، وثبيّة، وقليّة. الإعراب: ﴿فَما لِ:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (للّذين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿قِبَلَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿مُهْطِعِينَ،﴾ وأجيز تعليقه بمحذوف حال من واو الجماعة. ﴿عَنِ الْيَمِينِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. ﴿وَعَنِ الشِّمالِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿عِزِينَ:﴾ حال من واو الجماعة أيضا. قال الجمل: فالأربعة أحوال من الموصول، واعتبرتها أنا حالا من واو الجماعة أيضا، العائدة على الموصول، والمعنى واحد، ثم قال الجمل: ﴿عِزِينَ﴾ حال من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. وقيل: حال من الضمير في ﴿مُهْطِعِينَ﴾ فتكون حالا متداخلة، و ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ يجوز أن يتعلق ب: ﴿عِزِينَ؛﴾ لأنه بمعنى: متفرقين. قاله أبو البقاء، وأن يتعلق ب: ﴿مُهْطِعِينَ،﴾ وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال، أي: «كائنين عن اليمين» قاله أبو البقاء أيضا. انتهى بتصرف. ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨)﴾ الشرح: قال المفسرون: كان المشركون يتجمعون حول النبي ﷺ ، ويستمعون كلامه، فيكذبونه، ويكذبون عليه، ويستهزئون بأصحابه، ويقولون: لئن دخل هؤلاء الجنة؛ لندخلنها قبلهم، ولئن أعطوا منها شيئا؛ لنعطين أكثر منه، فنزلت الآية. انتهى. قرطبي، وغيره. هذا؛ والطمع: نزوع النفس إلى الشيء، والحرص على حصوله. وهو مذموم؛ إن كان في أمور الدنيا، وصارفا عن الآخرة. وطمع، يطمع من باب: سلم، يسلم. ويقال: طمع فيه طمعا، وطماعية، فهو طمع على وزن: فعل. ويقال في التعجب: طمع الرجل (بضم الميم) أي: صار كثير الطمع، وامرأة مطماع: تطمع ولا تمكن. الإعراب: ﴿أَيَطْمَعُ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام إنكاري توبيخي. (يطمع): فعل مضارع. ﴿كُلُّ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿اِمْرِئٍ﴾ مضاف إليه. ﴿أَنْ يُدْخَلَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، ويقرأ بالبناء للمعلوم منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل، أو ونائب الفاعل يعود إلى

стр. 6845

﴿كُلُّ امْرِئٍ،﴾ و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بدخول. والجار والمجرور متعلقان بالفعل (يطمع). ﴿جَنَّةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿نَعِيمٍ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿أَيَطْمَعُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿كَلاّ إِنّا خَلَقْناهُمْ مِمّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنّا لَقادِرُونَ (٤٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١)﴾ الشرح: ﴿كَلاّ:﴾ لا يدخلون جنة النعيم، فهو ردع لهم، وزجر عن طمعهم في دخولها. ﴿إِنّا خَلَقْناهُمْ مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ أي: من الأشياء المستقذرة: من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة. نبه الله الناس على أنهم خلقوا من أصل واحد، وشيء واحد، وإنما يتفاضلون بالمعرفة، ويستوجبون الجنة بالإيمان، والطاعة. روى البغوي بإسناد الثعلبي عن بشر بن جحاش؛ قال: قال رسول الله ﷺ ، وبصق يوما في كفه، ووضع عليها إصبعه: يقول الله : يا بن آدم! أنّى تعجزني، وقد خلقتك من مثل هذه، حتّى إذا سوّيتك، وعدّلتك، ومشيت بين بردين، وللأرض منك وئيد، فجمعت، ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي؛ قلت: أتصدّق، وأنى أوان الصّدقة؟! أخرجه ابن الجوزي في تفسيره بلا إسناد. انتهى. خازن. وقال قتادة في هذه الآية: إنما خلقت يابن آدم من قذر فاتّق الله! وروي: أن مطرّف بن عبد الله ابن الشّخّير رأى المهلب بن أبي صفرة يتبختر في حلة، ويمشي الخيلاء، فقال له: يا أبا عبد الله! ما هذه المشية التي يبغضها الله، ورسوله؟ فقال له: أما تعرفني؟ قال: بلى أعرفك، أوّلك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وحشوك فيما بين ذلك بول، وعذرة، ففيم الخيلاء، وعلام التكبر؟! فبهت المهلب، وألقى حلته إلى خادمه. وقال الأحنف بن قيس: عجبت لمن جرى في مجرى البول مرتين كيف يتكبر؟ وخذ قول محمود الورّاق-رحمه الله تعالى-: [المنسرح] عجبت من معجب بصورته... وكان في الأصل نطفة مذره وهو غدا بعد حسن صورته... يصير في اللّحد جيفة قذره وهو على تيهه ونخوته... ما بين ثوبيه يحمل العذره وقال آخر: [البسيط] هل في ابن آدم غير الرأس مكرمة؟ ... وهو بخمس من الأوساخ مضروب أنف يسيل وأذن ريحها سهك... والعين مرمصة والثغر ملهوب يابن التراب ومأكول التراب غدا... قصّر فإنك مأكول ومشروب

стр. 6846

وقيل: معناه: إنا خلقناهم من أجل ما يعلمون، وهو: الأمر، والنهي، والثواب، والعقاب. ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ:﴾ هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١١٥]: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ فالمراد بهما: ناحيتا الأرض، وله سبحانه الأرض كلها، لا يختص به مكان، دون مكان، وقال تعالى في سورة (الرحمن) رقم [١٧]: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ وقال هنا: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ﴾ فقد جمع المشرق، والمغرب، كما ترى باعتبار مشارق الشمس، ومغاربها في السنة، وهي ثلاثمئة وخمس وستون كوة في مطلعها، ومثلها في مغربها على عدد أيام السنة الشمسية، تطلع كل يوم في كوة منها، وتغرب في كوة، ولا تطلع، ولا تغرب في تلك الكوة إلا في ذلك اليوم من العام المقبل، قال أمية بن أبي الصلت-الذي قال الرسول ﷺ فيه: «آمن شعره، وكفر قلبه» -. [الكامل] رجل وثور تحت رجل يمينه... والنسر للأخرى وليث مرصد والشّمس تطلع كلّ آخر ليلة... حمراء يصبح لونها يتورّد ليست بطالعة لهم في رسلها... إلاّ معذّبة وإلاّ تجلد قال عكرمة: قلت لابن عباس: يا مولاي! أتجلد الشمس؟ فقال: إنما اضطره الروي إلى الجلد. لكنها تخاف العقاب. انتهى. قرطبي. وانظر سورة (المزمل) رقم [٩] لشرح المشرق والمغرب. ﴿إِنّا لَقادِرُونَ (٤٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ﴾ المعنى: إنا لقادرون على إهلاكهم، وعلى أن نخلق أمثل منهم، وأطوع لنا، وهي كقوله تعالى في سورة (محمد ﷺ رقم [٣٨]: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾. ﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: لا يفوتنا شيء نريده، ولا يمتنع منا أحد مهما أوتي من القوة، والجاه، والعظمة، والسلطان في الدنيا. أو المعنى: وما نحن بمغلوبين عاجزين عن إهلاكهم، وإبدالهم بأمثالهم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع، وزجر. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليه. ﴿خَلَقْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للردع، والزجر، لا محل لها. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف. التقدير: من الذي، أو شيء يعلمونه. ﴿فَلا أُقْسِمُ:﴾ انظر الآية رقم [٣٨] من سورة (الحاقة)، فالإعراب واحد، لا يتغير. ﴿بِرَبِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (ربّ) مضاف، و ﴿الْمَشارِقِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْمَغارِبِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ):

стр. 6847

حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، ﴿لَقادِرُونَ:﴾ خبر (إنّ)، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية جواب القسم، لا محل لها. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿أَنْ نُبَدِّلَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، و ﴿أَنْ نُبَدِّلَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب: (قادرون). ﴿خَيْراً:﴾ مفعول به. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَيْراً﴾. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع اسم (ما). ﴿بِمَسْبُوقِينَ:﴾ (الباء): حرف جر صلة. (مسبوقين): خبر (ما)، مجرور لفظا، منصوب محلا، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل ﴿نُبَدِّلَ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢)﴾ الشرح: ﴿فَذَرْهُمْ:﴾ اتركهم، وأعرض عنهم. وهذا الفعل ناقص التصرف، لا يأتي منه غير المضارع، والأمر. انظر ما أذكره في سورة (الضحى) إن شاء الله تعالى. ﴿يَخُوضُوا:﴾ في باطلهم. ﴿وَيَلْعَبُوا﴾ في دنياهم. وهذا على جهة الوعيد؛ أي: واشتغل أنت بما أمرت به، ولا يهمنك شركهم. والخطاب للنبي ﷺ ، والمراد بضمير الغيبة أهل مكة. ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي: يوعدون يوم القيامة. وهو دليل واضح على أن قولهم محض جهل، واتباع هوى، وأنهم مطبوع على قلوبهم، معذبون في الآخرة، فما لهم من شفيع ولا ناصر ينصرهم. قيل: إن هذا منسوخ بآية السيف. وقيل: هو محكم، وإنما أخرج مخرج التهديد. هذا؛ والآية مذكورة في سورة (الزخرف) برقم [٨٣] بحروفها، وما يشبهها في سورة (الطور) برقم [٤٥] وانظر سورة (المدثر) رقم [٤٥]. الإعراب: ﴿فَذَرْهُمْ:﴾ (الفاء): هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (ذرهم): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية، لا محل لها؛ لأنها جواب شرط يقدر ب: «ما» التقدير: ما دمنا قادرين على أن نبدل خيرا منهم؛ فذرهم. ﴿يَخُوضُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، والمعنى لا يؤيد تقدير «إن» الشرطية. ﴿وَيَلْعَبُوا:﴾ معطوف عليه مجزوم مثله، وعلامة جزمهما حذف النون؛ لأنهما من الأفعال الخمسة، والواو فاعلهما، والألف للتفريق. والجملة الأولى لا محل لها؛ لأنها واقعة جوابا للطلب. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿يُلْقُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والفعل ﴿يُلْقُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بأحد الأفعال الثلاثة على التنازع؛ لأن كل واحد يصلح للتعليق به. ﴿يَوْمَهُمُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر

стр. 6848

بالإضافة. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة ﴿يَوْمَهُمُ﴾. ﴿يُوعَدُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: الذي يوعدونه. ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)﴾ الشرح: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ﴾ أي: القبور، جمع جدث، وقرئ بالفاء: «(من الأجداف)» ذكره الزمخشري، يقال: جدث، وجدف، واللغة الفصيحة الجدث بالثاء، والجمع: أجدث وأجداث. قال المتنخل الهذلي: [الوافر] عرفت بأجدث فنعاف عرق... علامات كتحبير النّماط هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (يس) رقم [٥١]: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ،﴾ وقال في سورة (القمر) رقم [٧]: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾. ﴿سِراعاً:﴾ مسرعين، جمع سريع، فالمصدر قام مقام «مسرعين» والمصدر لا يثنى، ولا يجمع. وخروجهم من القبور مسرعين إنما هو إجابة للداعي، وهو إسرافيل ﵇، وانظر ما ذكرته في سورة (ق) رقم [٤٤] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ:﴾ النصب: ما نصب، فعبد من دون الله. وفيه لغات. ضم النون مع سكون الصاد، وفتحها. قال الأعشى من قصيدة مدح بها النبي ﷺ مشهورة، ومسطورة: [الطويل] وذا النّصب المنصوب لا تنسكنّه... لعافية والله ربّك فاعبدا وفتح النون مع سكون الصاد، وفتحها، والنّصب: جمع النّصب، مثل: رهن، ورهن، والأنصاب: جمع نصب، فهو جمع الجمع. وقيل: النصب، والأنصاب واحد. وقيل: النصب جمع: نصاب، وهو حجر، أو صنم يذبح عليه، ومنه قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٣]: ﴿وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ،﴾ وقال تعالى في الآية رقم [٩٠] منها أيضا: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. هذا؛ والنصب: الشر، والبلاء، ومنه قوله تعالى في سورة (ص) رقم [٤١]: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ﴾. ﴿يُوفِضُونَ:﴾ يسراعون، والإيفاض: الإسراع. قال الشاعر: [المتقارب] فوارس ذبيان تحت الحديد... كالجنّ يوفضن من عبقر وقال الليث: وفضت الإبل، تفض، وفضا، وأوفضها صاحبها، فالإيفاض متعد، والذي في الآية لازم، يقال: وفض، وأوفض، واستوفض بمعنى: أسرع، ولم يرد هذا اللفظ في غير هذه السورة.

стр. 6849

الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ بدل من ﴿يَوْمَهُمُ،﴾ أو هو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني: يوم، ومثله في سورة (الطور) رقم [٤٦] ﴿يَخْرُجُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، ويقرأ بالبناء للمعلوم، والمجهول، والواو فاعله، أو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿مِنَ الْأَجْداثِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿سِراعاً:﴾ حال من واو الجماعة. ﴿كَأَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿إِلى نُصُبٍ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿يُوفِضُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (كأنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب حال ثانية من واو الجماعة، والرابط الضمير فقط، أو من الضمير في (سراعا) فتكون حالا متداخلة. ﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)﴾ الشرح: ﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ:﴾ انظر الآية رقم [٤٣] من سورة (ن). ﴿ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ:﴾ يعني: يوم القيامة الذي كانوا يوعدون في الدنيا، وكانوا لا يصدقونه، ولا يؤمنون به. الإعراب: ﴿خاشِعَةً:﴾ حال من واو الجماعة. ﴿أَبْصارُهُمْ:﴾ فاعل ب: ﴿خاشِعَةً﴾ وهي سببية، والهاء في محل جر بالإضافة، وينبغي أن تعلم: أن ﴿خاشِعَةً﴾ في الأصل صفة ﴿أَبْصارُهُمْ﴾ فلما تقدم النعت المنعوت انتصب، ومثله قوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٣]: ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾. ﴿تَرْهَقُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعول به. ﴿ذِلَّةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال ثانية من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿الْيَوْمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿الَّذِي:﴾ صفة: ﴿الْيَوْمُ﴾. ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه. ﴿يُوعَدُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانُوا،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: الذي كانوا يوعدونه. انتهت سورة (المعارج) بحمد الله وتوفيقه شرحا وإعرابا. والحمد لله رب العالمين.

стр. 6850

سورة نوح بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام؛ هي مكية، وهي ثمان وعشرون آية، ومئتان، وأربع وعشرون كلمة، وتسعمئة وتسعة وتسعون حرفا. نوح اسمه: السكن. وقيل: عبد الغفار، وسمي نوحا لكثرة نوحه على نفسه، وهو ابن لملك. وقيل: لامك بن متوشلخ، بن أخنوخ، وهو إدريس النبي، بن يرد، بن مهلايل، بن أنوش، بن قينان، بن شيث، بن آدم. وكان نوح نجارا، واختلفوا في سبب نوحه، فقيل: لدعوته على قومه بالهلاك. وقيل: لمراجعته ربه في شأن ابنه كنعان. وقيل: لأنه مر بكلب مجذوم، فقال له: أخسأ يا قبيح، فأوحى الله تعالى إليه: أعبتني، أم عبت الكلب؟! وهو أول رسول بعث بشريعة بعد آدم، وأول نذير على الشرك، وأنزل الله عليه عشر صحائف، وفي شريعته حرم الزواج بالأخت، التي لم تكن توءما مع أخيها كما كان في ذرية آدم قبل نوح، وكان أول من عذبته أمته لردهم دعوته، وأهلك الله أهل الأرض بدعائه، وكان أبا البشر كآدم، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام؛ حيث عم الطوفان الأرض، ولم يبق بشر بعده إلا الذين حملوا في السفينة، وكان أطول الأنبياء عمرا، عمّر ألفا وخمسين سنة. وقيل: أكثر، لم تنقص قوته، ولم يشب، ولم تسقط له سن، وصبر على أذى قومه طول عمره، حتى أذن الله له في الدعاء عليهم، حيث قال: ﴿وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ رقم [٣٦] من سورة (هود) وكان أبواه مؤمنين بدليل دعوته لهما بالمغفرة في الآية الأخيرة من هذه السورة، وكانت ولادته بعد مضي ألف وستمائة واثنتين وأربعين سنة من هبوط آدم من الجنة إلى الأرض، وكان مولده بعد وفاة آدم بمئة وستة وعشرين عاما، قاله الجرجاوي في إعرابه لشواهد ابن عقيل. وهو غير مسلم له. فقد روى البخاري عن ابن عباس-﵄: أنه قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام. وروى ابن حبان في صحيحه عن أبي أمامة-﵁: أن رجلا قال: يا رسول الله! أنبي كان آدم؟ قال: «نعم مكلّم». قال: فكم كان بينه وبين نوح؟ قال: «عشرة قرون». انتهى «النبوة والأنبياء للصابوني».

стр. 6851

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١)﴾ الشرح: ﴿إِنّا أَرْسَلْنا نُوحاً:﴾ بعثنا نوحا رسولا إلى قومه. هذا؛ وقوم: اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: نفر، ورهط، ومعشر... إلخ، فإن المفرد لهذه الأسماء إنما هو: رجل، وجمعها: أقوام، وأراهط، ومعاشر. هذا؛ وقوم يطلق على الرجال دون النساء بدليل قوله تعالى في سورة (الحجرات) رقم [١١]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾. وقال زهير بن أبي سلمى المزني: [الوافر] وما أدري وسوف إخال أدري... أقوم آل حصن أم نساء؟ وربما دخل فيه النساء على سبيل التبع للرجال، مثل هذه الآية؛ لأن إرسال الرسل لأقوامهم يعم الرجال، والنساء، وإن كل لفظ (قوم) في القرآن، إنما يراد به الرجال، والنساء، وهو يذكر، ويؤنث. قال تعالى في غير ما آية: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ وتأنيثه باعتبار المعنى، وهو: أنهم أمة، وطائفة، وجماعة، وسموا قوما؛ لأنهم يقومون مع داعيهم بالشدائد، والمتاعب، إما بالمعاونة على كشفها، وإما بالمضايقة والإيذاء إن عارضوه، وهذا حال أعداء الخير، والإصلاح في كل زمان ومكان. ﴿أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ:﴾ خوفهم عقاب الله، وانتقامه منهم؛ إن هم أصروا على الكفر. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ:﴾ عذاب الآخرة، أو الطوفان، فكان يدعو قومه، وينذرهم، فلا يرى منهم مجيبا، وكانوا يضربونه؛ حتى يغشى عليه، فيقول: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون». هذا؛ وأتى، يأتي يستعمل لازما، إن كان بمعنى: حضر، وأقبل، مثل قولك: حضر زيد، وقوله تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾. ويستعمل متعديا إن كان بمعنى: وصل، وبلغ، وهو ما في الآية الكريمة، ومثلها كثير، ومثل أتى: جاء في التعدي واللزوم، فمن المتعدي قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ،﴾ ومن اللازم قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾. هذا؛ و ﴿عَذابٌ﴾ اسم مصدر لا مصدر؛ لأن المصدر: تعذيب؛ لأنه من: عذب، يعذب بتشديد الذال فيهما. وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، ومثله: سلام، وعطاء، ونبات ل: سلّم، وأعطى، وأنبت. أما قوله تعالى: ﴿إِنّا أَرْسَلْنا﴾ فإن ظاهره يفيد الجمع، أو الجماعة، وهذا التعبير كثير في كتاب الله، فقد قال ابن تيمية-رحمه الله تعالى-في كتابه: (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح): قوله تعالى: «جعلنا، وهبنا، نحن، إنا». لفظ يقع في جميع اللغات على من له شركاء، وأمثال، وعلى الواحد المطاع، الذي له أعوان يطيعونه؛ وإن لم يكونوا له شركاء، ولا

стр. 6852

نظراء، والله تعالى خلق كل ما سواه، فيمتنع أن يكون له شريك، أو مثل، والملائكة، وسائر العالمين جنوده، فإذا كان الواحد من الملوك يقول: فعلنا، وإنا، ونحن... إلخ، ولا يريدون أنهم ثلاثة ملوك؛ فمالك الملك رب العالمين، ورب كل شيء ومليكه هو أحق أن يقول: فعلنا، ونحن، وإنا... إلخ، مع أنه ليس له شريك، ولا مثل، بل له جنود السموات والأرض. أقول: و (نا) هذه تسمى نون العظمة، وليست دالة على الجماعة، كما يزعم الملحدون والكافرون، فالله لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكثيرا ما يتكلم بها العبد، ذكرا كان، أو أنثى، فيقول: أخذنا، وأعطينا... إلخ، وليس معه أحد، والغاية من هذا الكلام الرد على النصارى الذين يدخلون الشبهة على السذج من المسلمين بأن الإله ثلاثة أقانيم: الأب، والابن، وروح القدس، ويدعمون شبهتهم هذه بالألفاظ الموجودة في القرآن، والتي ظاهرها يفيد الجمع. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمه، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ﴿إِلى قَوْمِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿نُوحاً،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْ:﴾ حرف تفسير. ﴿أَنْذِرْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر وجوبا، تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية مفسرة للإرسال، لا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿أَنْ﴾ مصدرية فتؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بالإنذار، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أَرْسَلْنا﴾. ﴿قَوْمَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿أَنْذِرْ﴾. ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والهاء مفعول به. ﴿عَذابٌ:﴾ فاعله. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة ﴿عَذابٌ،﴾ و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿قَبْلِ﴾ إليه. ﴿قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاِتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ الشرح: ﴿قالَ يا قَوْمِ:﴾ أضافهم إلى نفسه، إظهارا للشفقة، وفي سورة (الشعراء) رقم [١٠٦]: ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ؛﴾ لأنه كان مولودا فيهم. ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: بين الإنذار، موضح لحقيقة الأمر، أنذركم، وأخوفكم عقاب الله وانتقامه، فأمري واضح، ودعوتي ظاهرة، وقد ذكرت لك أن نوحا-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-أول نبي أرسل بشريعة. ويقال له: شيخ المرسلين؛ لأنه أطولهم عمرا، فقد مكث في قومه كما قص علينا القرآن الكريم:

стр. 6853

﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عاماً﴾ رقم [١٤] من سورة (العنكبوت) يدعو قومه إلى الله، ومع طول هذه المدة لم يؤمن معه إلا قليل، كما قص علينا القرآن الكريم: ﴿وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ رقم [٤٠] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وقد أفرد القرآن الكريم قصته في هذه السورة من بدء الدعوة إلى نهايتها، حيث أهلك الله قومه بالطوفان، وهو أحد الرسل العظام من أولي العزم، وهم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلوات الله، وسلامه عليهم أجمعين. ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ:﴾ أمر بعبادة الله، وتقواه، وطاعته، أما العبادة؛ فهي غاية الخضوع، والتذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولذا يحرم السجود لغير الله تعالى. هذا؛ وقيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود. هذا؛ والله علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى. وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به؛ لتخلف شروط الإجابة؛ التي أعظمها أكل الحلال. ولم يسم به أحد سواه، قال تعالى في سورة (مريم) رقم [٦٥]: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: هل أحد تسمى الله غير الله؟! وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين وثلاثمائة وستين موضعا. (اتقوه): خافوا عقابه، وانتقامه. هذا؛ والتقوى حفظ النفس من العذاب الأخروي بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ لأن أصل المادة من الوقاية، وهي الحفظ، والتحرز من المهالك في الدنيا والآخرة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣] من سورة (الحجرات) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَأَطِيعُونِ:﴾ فيما آمركم به، وأنهاكم عنه، فإني رسول الله إليكم، وإنما أضافها إلى نفسه؛ لأن الطاعة قد تكون لغير الله تعالى بخلاف العبادة، فإنها لا تكون إلا لله . ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ أي: جميع ذنوبكم على اعتبار ﴿مِنْ﴾ صلة في الإيجاب، وهذا يجيزه الأخفش. وقيل: لا يصح اعتبارها صلة، وهي هنا للتبعيض، وهو بعض الذنوب، وهو ما لا يتعلق بحقوق المخلوقين. وقيل: هي على أصلها، وذلك أن الله يغفر من الذنوب ما كان قبل الإسلام، فإذا أسلموا، وانقادوا لشريعة نوح ﵇ جرت عليهم أحكام شريعته. ومثل هذه الآية الآية رقم [٣١] من سورة (الأحقاف)، انظرها هناك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى:﴾ قال ابن عباس-﵄: أي: ينسئ في أعماركم، ومعناه أن الله تعالى كان قد قضى قبل خلقهم: أنهم إن آمنوا؛ بارك في أعمارهم، وإن لم يؤمنوا؛ عوجلوا بالعذاب، والعقاب. أقول: فيكون هذا من القضاء المعلق. انظر ما ذكرته في سورة (الرعد) رقم [٤١] ويشير له هلاك الكافرين منهم بالغرق، ونجاة المؤمنين منهم بواسطة

стр. 6854

السفينة، وبقاؤهم إلى انتهاء آجالهم، وهو ما وقع، وحصل. وقال مقاتل: يؤخركم إلى منتهى آجالكم في عافية، فلا يعاقبكم بالقحط، وغيره، فالمعنى على هذا يؤخركم من العقوبات، والشدائد إلى انتهاء آجالكم. وعلى هذا قيل: ﴿أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ عندكم تعرفونه، لا يميتكم غرقا، ولا حرقا، ولا قتلا. ذكره الفراء، وعلى القول الأول: ﴿أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ عند الله. ﴿إِنَّ أَجَلَ اللهِ﴾ أي: الأجل الذي قدره، وقضاه. ﴿إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ أي: إذا جاء الأجل المقدر عند الله لا يؤخر، فبادروا بالإيمان قبل الموت؛ تسلموا من العذاب. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف قال: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ﴾ مع الإخبار بامتناع تأخير الأجل، وهل هذا إلا تناقض؟ قلت: قضى مثلا: أن قوم نوح إن آمنوا؛ عمرهم ألف سنة، وإن بقوا على كفرهم؛ أهلكهم الله على رأس تسعمائة سنة، فقيل لهم: آمنوا يؤخركم إلى أجل مسمى، أي: إلى وقت سماه الله، وضربه أمدا تنتهون إليه، لا تتجاوزونه، وهو الوقت الأطول تمام الألف، ثم أخبر: أنه إذا جاء ذلك الأجل لا يؤخر، كما يؤخر هذا الوقت، ولم تكن لكم حيلة، فبادروا في أوقات الإمهال والتأخير عنكم، وحيث يمكنكم الإيمان. انتهى. تنبيه: قال تعالى هنا: ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ومثله في سورة (النحل) رقم [٦١] وغيرها كثير، وقال تعالى في كثير من السور: ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ فإن قلت: أهو من تعاقب الحرفين؟ قلت: كلاّ، ولا يسلك هذه الطريقة إلا بليد الطبع، ضيق العطن، ولكنّ المعنيين؛ أعني الانتهاء، والاختصاص كل منهما ملائم لصحة الغرض؛ لأن قولك: «يجري إلى أجل مسمى» معناه: يبلغه، وينتهي إليه. وقولك: «يجري لأجل مسمّى» تريد: لإدراك أجل مسمّى، وتجعل الجري مختصا بآخر الشهر، فكلا الموضعين غير ناب به موضعه، انتهى. كشاف في غير هذا الموضع. الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (نوح)، تقديره: «هو». (يا): أداة نداء تقوم مقام أدعو. (قوم): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، وحذف الياء هذه إنما هو بالنداء خاصة؛ لأنه لا لبس فيه، ومنهم من يثبت الياء ساكنة، فيقول: (يا قومي)، ومنهم من يثبتها ويحركها بالفتحة، فيقول: (يا قومي)، ومنهم من يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، فيقول: (يا قوما)، ومنهم من يحذف الياء بعد قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الميم دليلا عليها، فيقول: (يا قوم). قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] واجعل منادى صحّ إن يضف ليا... كعبد عبدي عبد عبدا عبديا ويزاد سادسة، وهي لفظ القطع (يا قوم) بضم الميم، ففي الحديث الشريف، «يقول: يا ربّ، يا ربّ». وقرئ في سورة (يوسف) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: (قال ربّ السجن أحبّ إليّ) رقم [٣٣]. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل

стр. 6855

في محل نصب اسمها. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿نَذِيرٌ﴾ بعدهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿نَذِيرٌ:﴾ خبر (إنّ). ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة ﴿نَذِيرٌ،﴾ والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ يا قَوْمِ..﴾. إلخ مستأنفة. ﴿أَنِ:﴾ حرف تفسير. ﴿اُعْبُدُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية تفسير للإنذار، لا محل لها، وإن اعتبرت ﴿أَنِ﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بالعبادة، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿نَذِيرٌ،﴾ والأول أقوى معنى. ﴿وَاتَّقُوهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (اتقوه): فعل أمر، وفاعله، ومفعوله. ﴿وَأَطِيعُونِ:﴾ الواو: حرف عطف. (أطيعون): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة في محل نصب مفعول به، والفعلان: (اتقوا) و (أطيعوا) معطوفان على ﴿اُعْبُدُوا﴾ على الوجهين المعتبرين فيه. ﴿يَغْفِرْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، التقدير: إن تعبدوا، وتتقوا، وتطيعوا؛ يغفر، والفاعل يعود إلى (الله)، تقديره: «هو»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للطلب. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل مفعول به؛ إذ التقدير: يغفر لكم بعض ذنوبكم، وإن اعتبرت الباء صلة ف: ﴿ذُنُوبِكُمْ﴾ مجرور لفظا منصوب محلا، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والكاف مفعول به. ﴿إِلى أَجَلٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال، أو بمحذوف صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: يؤخركم تأخيرا ممتدا إلى أجل. ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة ﴿أَجَلٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿أَجَلٍ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿أَجَلَ اللهِ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤَخَّرُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿أَجَلَ اللهِ،﴾ والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، ومفيدة للتعليل لا محل لها. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمها، والجملة الفعلية بعدها في محل نصب خبرها، وجملة: ﴿كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا محل

стр. 6856

لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال؛ لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، التقدير: لو كنتم تعلمون لآمنتم، ولو ومدخولها كلام معترض في آخر الآية، وهو من جملة مقول القول. ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاّ فِراراً (٦)﴾ الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: نوح. ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي:﴾ إلى الإيمان بك، والإقرار بواحدانيتك، والاعتراف بألوهيتك. ﴿لَيْلاً وَنَهاراً:﴾ دائبا بلا فتور؛ سرا، وجهرا، ولا تنس الطباق بين ﴿لَيْلاً﴾ و (نهارا). ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاّ فِراراً﴾ أي: تباعدا من الإيمان كما قال تعالى في سورة (المدثر): ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ،﴾ ونسب ذلك إلى دعائه لحصوله عنده، وإن لم يكن الدعاء سببا للفرار في الحقيقة، وهو كقوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [١٢٥]: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ والقرآن لا يكون سببا لزيادة الرجس. هذا؛ وزاد، يزيد: ضد نقص، ينقص، يكون لازما، كقولك: زاد المال درهما، ويكون متعديا لمفعولين كما في الآية الكريمة. وقولك: زاد الله خالدا خيرا، بمعنى جزاه الله خيرا، وأما قولك: زاد المال درهما، والبر مدا، فدرهما، ومدا تمييز. ومثله قل في: نقص، فمن المتعدي لمفعولين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً﴾. أما (الليل) فهو واحد بمعنى الجمع، واحدته: ليلة، مثل: تمر، وتمرة، وقد جمع على: ليال، فزادوا فيه الياء على غير قياس، ونظيره: أهل، وأهال. والليل الشرعي من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق، وهو أحد قولين في اللغة، والقول الآخر: من غروبها إلى طلوعها. هذا؛ والنهار ضد الليل، وهو لا يجمع كما لا يجمع العذاب، والسراب، فإن جمعته قلت في الكثير: نهر بضمتين كسحاب وسحب، وأنشد ابن كيسان: [الرجز] لولا الثّريدان لمتنا بالضّمر... ثريد ليل وثريد بالنّهر وفي القليل: أنهر، والنهار: من طلوع الشمس، أو من طلوع الفجر على ما تقدم في نهاية الليل إلى غروب الشمس، وقد يطلق عليهما اسم: اليوم، كما ستعرفه في الآية رقم [٩] من سورة (المدثر). هذا؛ والنسبة إلى النهار: نهاريّ، كما تجيء النسبة إليه على صيغة فعل فتستعمل للنسب. ويستغنى بها عن يائه، فيقال: نهر، ومنه قول الشاعر، وهو من شواهد ابن عقيل على ألفية ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز] لست بليليّ ولكنّي نهر... لا أدلج اللّيل ولكن أبتكر هذا؛ والليل يطلق على الحبارى، أو على فرخها، وفرخ الكروان، والنهار يطلق على فرخ القطا. انتهى. قاموس، وقد ألغز بعضهم بقوله: [الوافر]

стр. 6857

إذا شهر الصّيام إليك وافى... فكل ما شئت ليلا أو نهارا الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (نوح)، تقديره: «هو». ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، وانظر إعراب ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٢] فهو مثله. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم في محل نصب اسمها. ﴿دَعَوْتُ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿قَوْمِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لَيْلاً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿وَنَهاراً:﴾ معطوف عليه. ﴿فَلَمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَزِدْهُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم بلم، والهاء مفعول به أول. ﴿دُعائِي:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِراراً:﴾ مفعول به ثان، وفي الأصل مستثنى ب: ﴿إِلاّ،﴾ والمفعول الأول محذوف، التقدير: فلم يزدهم دعائي شيئا إلا فرارا، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿دَعَوْتُ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها، والكلام: ﴿رَبِّ إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاِسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاِسْتَكْبَرُوا اِسْتِكْباراً (٧)﴾ الشرح: ﴿وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ:﴾ للإيمان بك. ﴿لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ أي: ليتوبوا عن كفرهم، فتغفر لهم، فذكر المسبّب الذي هو حظهم خالصا، وهو المغفرة للذنوب، ورضاء علام الغيوب؛ ليفوزوا بجنات النعيم. ﴿جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ﴾ أي: سدوا آذانهم بأصابعهم؛ لئلا يسمعوا ما أدعوهم إليه. والمراد رؤوس الأصابع؛ لأن الأصابع لا توضع كاملة، فهو من إطلاق الكل وإرادة الجزء، وهذا يسمى المجاز المرسل في علم البيان، ومثله قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٩]: ﴿يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾. ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ أي: غطوا رؤوسهم بثيابهم، وسدوا آذانهم؛ لئلا يسمعوا ما أدعوهم إليه، أو لئلا يروني، والظاهر: أن ذلك حقيقة، فقد سدوا مسامعهم؛ حتى لا يسمعوا ما دعاهم إليه، وتغطوا بثيابهم؛ حتى لا ينظروا إليه، كراهة وبغضا من سماع النصح، ورؤية الناصح. ويجوز أن يكون ذلك كناية عن المبالغة في إعراضهم عما دعاهم إليه، فهم بمنزلة من سد سمعه، ومنع بصره. ﴿وَأَصَرُّوا﴾ أي: استمروا على الكفر، والطغيان، والفساد. قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: الإصرار: من أصر الحمار على العانة، إذا أصر أذنيه، وأقبل عليها يكدمها، ويطردها. استعير للإقبال على المعاصي، والإكباب عليها. ﴿وَاسْتَكْبَرُوا﴾ أي: أعرضوا عن الإيمان، واستنكفوا عن اتباع الحق، والانقياد له، وذكر المصدر تأكيد ودلالة على فرط عنادهم، وعتوهم، واستكبارهم.

стр. 6858

فائدة: ذكرت الأصابع بلفظ الجمع هنا وفي سورة (البقرة) رقم [١٩] ولم تذكر بلفظ المفرد أبدا في القرآن الكريم، وذكرت الأنامل بلفظ الجمع في سورة (آل عمران) رقم [١١٩] ولم تذكر بلفظ المفرد أبدا، والأنملة: رأس الأصبع، وفي مفردهما تسع لغات: تثليث همزتهما، وتثليث ميم أنملة، وتثليث باء أصبع، وتزيد أصبوعا، وقد نظم ذلك بعضهم بقوله: [البسيط] يا إصبع ثلّثا مع ميم أنملة... وثلّث الهمز أيضا وارو أصبوعا ﴿ثِيابَهُمْ:﴾ جمع ثوب، والقياس: ثوابهم، فقلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها، ومثله: حوض، وحياض، ودار، وديار، وريح، ورياح. ومثل ذلك مصدر الفعل الأجوف الواوي، مثل: صيام، وقيام، والأصل: صوام، وقوام، فقد ذكر السيوطي-رحمه الله تعالى-في «همع الهوامع» في باب الإبدال ما يلي: تبدل الياء بعد كسرة من واو، هي عين مصدر لفعل معل العين، موزون بفعال، نحو قام قياما، وعاد عيادا بخلاف عين غير المصدر، كصوان، وسوان، والمصدر المفتوح أوله، كرواح، أو المضموم، كقوار، أو المكسور الذي لم تعل عين فعله، ك: لاوذ لواذا، وعاود، عوادا، أو الموزون ب: (فعل) كالحول، وتبدل أيضا بعد كسرة من واو هي عين جمع لواحد ساكن العين، أو معتلها، صحيح اللام، موزون بفعال، كثوب، وثياب، وحوض، وحياض، ودار، وديار، وريح، ورياح بخلاف عين المفرد. انتهى. الإعراب: ﴿وَإِنِّي:﴾ الواو: حرف عطف. (إني): حرف مشبه بالفعل، والياء اسمها ﴿كُلَّما﴾ يعربها المعاصرون أداة شرط غير جازمة، وتفصيل إعرابها كما يلي. (كل): ظرفية متعلقة بجوابها؛ إذ هي تحتاج إلى جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. (ما): مصدرية توقيتية. ﴿دَعَوْتُهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، و (ما) والفعل: دعا في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (كل) إليه، التقدير: كل وقت دعوة، وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل: (كل)، انظر مبحث: «كلما» في كتابنا: «فتح القريب المجيب». وقيل: (ما) نكرة موصوفة، والجملة الفعلية بعدها صفة لها، وهي بمعنى وقت أيضا. ﴿لِتَغْفِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿جَعَلُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب ﴿كُلَّما﴾ لا محل لها، و ﴿كُلَّما﴾ ومدخولها في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿أَصابِعَهُمْ:﴾ مفعول به. ﴿فِي آذانِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَصابِعَهُمْ،﴾ والهاء فيهما في محل جر بالإضافة. ﴿وَاسْتَغْشَوْا:﴾ الواو: حرف عطف. (استغشوا): ماض مبني على

стр. 6859

فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿ثِيابَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جواب ﴿كُلَّما،﴾ لا محل لها مثلها، وأيضا الجملتان: (أصروا) و (استكبروا) معطوفتان عليها، ومتعلق الفعلين محذوف كما رأيت في الشرح. ﴿اِسْتِكْباراً:﴾ مفعول مطلق. ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً (٩)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ:﴾ إلى الإيمان بك وحدك. ﴿جِهاراً﴾ أي: مجاهرا بدعوتي لهم دون خوف، أو تحفظ. ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ﴾ أي: كررت لهم الدعاء معلنا. ﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً:﴾ قال ابن عباس-﵄: يريد الرجل بعد الرجل، أكلمه سرا بيني وبينه، أدعوه إلى عبادتك، وتوحيدك، ولا تنس الطباق بين ﴿جِهاراً﴾ و ﴿إِسْراراً﴾. قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: ذكر: أنه دعاهم ليلا، ونهارا، ثم دعاهم جهارا، ثم دعاهم في السر والعلن، فيجب أن تكون ثلاث دعوات مختلفات حتى يصح العطف، قلت: فعل ﵊، كما يفعل الذي يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر في الابتداء بالأهون، والترقي في الأشد، فالأشد، فافتتح بالمناصحة في السر، فلما لم يقبلوا؛ ثنى بالمجاهرة، فلما لم تؤثر؛ ثلث بالجمع بين الإسرار، والإعلان. ومعنى ﴿ثُمَّ﴾ الدلالة على تباعد الأحوال؛ لأن الجهار أغلظ من الإسرار، والجمع بين الأمرين أغلظ من إفراد أحدهما. انتهى. كشاف، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، وخذ قول الفرزدق، وهو الشاهد رقم [٢٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] أتغضب أن أذنا قتيبة حزّتا... جهارا ولم تغضب لقتل ابن خازم؟ وأيضا قول الآخر، وهو الشاهد رقم [٦٢٤] من الكتاب المذكور: [الطويل] إذا كنت ترضيه ويرضيك صاحب... جهارا فكن في الغيب أحفظ للودّ الإعراب: ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿دَعَوْتُهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿جِهاراً:﴾ فيه أوجه يجوز أن يكون مفعولا مطلقا؛ لأن الدعاء يكون جهارا، وغيره، أي: عامله من غير لفظه من باب قعد القرفصاء، وأن يكون المراد ب: ﴿دَعَوْتُهُمْ﴾ جاهرتهم، ويجوز أن يكون نعت مصدر محذوف، أي: دعاء جهارا، ف: «دعاء» مفعول مطلق، و ﴿جِهاراً﴾ صفة له. وأن يكون مصدرا في موضع الحال، أي: مجاهرا، أو ذا جهار، وجعل نفس المصدر مبالغة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، والياء

стр. 6860

اسمها. ﴿أَعْلَنْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والتي بعدها معطوفة عليها، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿إِسْراراً:﴾ مفعول مطلق. ﴿فَقُلْتُ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً (١٠) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (١١)﴾ الشرح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا..﴾. إلخ، قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: أمرهم بالاستغفار، الذي هو التوبة عن الكفر والمعاصي، وقدم إليهم الموعد بما هو أوقع في نفوسهم، وأحب إليهم من المنافع الحاضرة، والفوائد الجليلة، ترغيبا في الإيمان، وبركاته، والطاعة ونتائجها من خير الدارين، كما قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٩٦]: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ،﴾ وقال جل وعلا في سورة (المائدة) رقم [٦٦]: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ،﴾ وقال جل وعز في سورة (الجن) رقم [١٦]: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً﴾ وقيل: لما كذبوه بعد طول تكرير الدعوة؛ حبس الله عنهم القطر، وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة، وروي سبعين، فوعدهم نوح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: أنهم إن آمنوا؛ رزقهم الله تعالى الخصب، ودفع عنهم ما كانوا فيه. وعن عمر-﵁-أنه خرج يستسقي، فما زاد على الاستغفار، فقيل له: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد استسقيت بمجاديح السماء؛ التي يستنزل بها القطر، شبه الاستغفار بالأنواء الصادقة التي لا تخطئ. وعن الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: أن رجلا شكا إليه الجدب، فقال: استغفر الله، وشكا إليه آخر الفقر، وآخر قلة النسل، وآخر قلة ريع أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار، فقال له الربيع بن صبيح: أتاك رجال يشكون أبوابا، ويسألون أنواعا، فأمرتهم كلهم بالاستغفار، فتلا عليه هذه الآية، والتي بعدها. انتهى. كشاف. هذا؛ و ﴿كانَ﴾ في القرآن الكريم على أوجه: تأتي بمعنى: الأزل، والأبد، وبمعنى: المضي المنقطع، وهو الأصل في معناها، وبمعنى: الحال، وبمعنى: الاستقبال، وبمعنى: صار، وبمعنى: حضر، وحصل، ووجد. وترد للتأكيد، وهي الزائدة، وهي هنا بمعنى: الاستمرار، فليست على بابها من المضي، وإن المعنى: كان، ولم يزل كائنا إلى يوم القيامة، وإلى أبد الآبدين في الدنيا والآخرة غفارا للذنوب، ستارا للعيوب، قابلا لتوبة من تاب. وانظر شرح (استغفر) في الآية رقم [٦] من سورة (المنافقون)، وانظر (كان) في سورة (الانشقاق) [١٣]. هذا؛ و ﴿السَّماءَ﴾ كل ما علاك من سقف، أو غيره، والمراد هنا: يرسل ماء السماء عليكم، فالمضاف محذوف، ويجوز أن يراد السحاب، أو المطر، أي: يرسل المطر. قال معاوية بن مالك: [الوافر]

стр. 6861

إذا سقط السماء بأرض قوم... رعيناه وإن كانوا غضابا أراد بالسماء المطر، ثم أعاد عليه الضمير في رعيناه بمعنى: النبات، وهذا يسمى في فن البديع بالاستخدام. وأصل سماء: سماو، فيقال في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة. هذا؛ و ﴿السَّماءَ﴾ تذكر، وتؤنث. هذا؛ و (غفار) صيغة مبالغة، و (مدرار) كثيرة الدرور، أي: ذات مطر كثير، و «مفعال» صيغة مبالغة، وهو مما يستوي فيه المذكر، والمؤنث، كقولهم: رجل مهذار، وامرأة معطار. وخذ نبذة من أحاديث الرسول ﷺ في الاستغفار. فعن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من لزم الاستغفار جعل الله له من كلّ همّ فرجا، ومن كلّ ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب». رواه أبو داود، والنسائي، وغيرهما. وعن أنس-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أدلكم على دائكم ودوائكم؟ ألا إنّ داءكم الذنوب، ودواءكم الاستغفار». رواه البيهقي. وعنه أيضا: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ للقلوب صدأ كصدأ النّحاس، وجلاؤها الاستغفار». رواه البيهقي. وعن أبي سعيد الخدري-﵄-عن النبي ﷺ قال: «قال إبليس: وعزّتك لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم». فقال: «وعزّتي، وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني!». رواه أحمد، والحاكم. وعن شداد بن أوس-﵁-عن النبي ﷺ قال: «سيّد الاستغفار: اللهمّ أنت ربي لا إله إلاّ أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك، ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرّ ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت، من قالها موقنا بها حين يمسي، فمات من ليلته؛ دخل الجنة، ومن قالها موقنا بها حين يصبح، فمات من يومه دخل الجنة». رواه البخاري، والنسائي، والترمذي. الإعراب: ﴿فَقُلْتُ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (قلت): فعل، وفاعل. ﴿اِسْتَغْفِرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿رَبَّكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: (قلت...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿رَبَّكُمْ﴾. ﴿غَفّاراً:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية معترضة بين الأمر، وجوابه، ومفيدة للتعليل لا محل لها. ﴿يُرْسِلِ:﴾ فعل مضارع مجزوم؛ لوقوعه جوابا للأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، التقدير: إن تستغفروا... يرسل، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكُمْ،﴾ والجملة الفعلية لا محل

стр. 6862

لها، لوقوعها جوابا للطلب. ﴿السَّماءَ:﴾ مفعول به أول. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما. ﴿مِدْراراً:﴾ مفعول به ثان، أو هو حال من السماء، قاله السمين. ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً (١٢)﴾ الشرح: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ:﴾ يزدكم أموالا، وبنين. ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ:﴾ بساتين، وحدائق. ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً﴾ أي: من ماء يجري في أراضيكم أطمعهم نوح-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-بالحصول على بركات السماء، وبركات الأرض إن هم آمنوا بالله الذي بيده مفاتيح هذه الخزائن. وأتاهم من طريق القلب لتحريك العواطف، ولبيان: أن ما هم فيه من انحباس الأمطار، وما حرموه من الرزق، والذرية، إنما سببه كفرهم بالله الذي بيده وحده، إرسال المطر، وإغداق الرزق، والإمداد بالأموال والبنين، وأنه لا ينبغي لهم أن يكفروا بالله القادر، ويعبدوا آلهة أخرى اخترعوها، لا تضر، ولا تنفع. هذا؛ و (أموال) جمع: مال. قال ابن الأثير: المال في الأصل يطلق على كل ما يملك من الذهب، والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتنى، ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها أكثر أموالهم. وقال الجوهري: ذكر بعضهم: أن المال يؤنث، وأنشد لحسان بن ثابت-﵁: [البسيط] المال تزري بأقوام ذوي حسب... وقد تسوّد غير السّيّد المال وعن الفضل الضبي: المال عند العرب: الصامت، والناطق، فالصامت: الذهب، والفضة والجواهر، والناطق: هو البعير، والبقرة، والشاة، فإذا قلت عن حضري: كثر ماله؛ فهو الصامت، وإذا قلت عن بدوي: كثر ماله؛ فهو الناطق. والنشب: المال الثابت، كالضياع، ونحوها، فلا يقال للمنقول المذكور آنفا: نشب. قال عمرو بن معدي كرب الزبيدي-﵁-يوصي ولده: [البسيط] أمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب هذا؛ وقال الرسول ﷺ : «من تواضع لغنيّ لغناه؛ فقد ذهب ثلثا دينه». وإنما كان كذلك؛ لأن الإيمان متعلق بثلاثة أشياء: المعرفة بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان، فإذا تواضع بلسانه، وأعضائه؛ فقد ذهب الثلثان، فلو انضم إليه القلب؛ ذهب الكل. ﴿جَنّاتٍ:﴾ جمع: جنة، وهي البستان الكثير الأشجار، وسميت بذلك؛ لأنها تجن، أي: تستر من يدخل فيها لكثرة أشجارها، وكثافتها. ﴿أَنْهاراً:﴾ جمع: نهر، وهو معروف، ويجمع النهر على: أنهر، ونهر، ونهور، وهاء النهر تسكن، وتفتح.

стр. 6863

الإعراب: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (يمددكم): معطوف على يرسل، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكُمْ﴾. والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿بِأَمْوالٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَبَنِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (بنين): معطوف على ما قبله مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَيَجْعَلْ:﴾ معطوف على ما قبله إفرادا وجملة. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿جَنّاتٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً﴾ مثل سابقه. ﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقاراً (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (١٤)﴾ الشرح: ﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقاراً:﴾ قال ابن عباس-﵄: أي: مالكم لا ترون لله عظمة. وقيل: معناه ما لكم لا تعرفون لله حقا، ولا تشكرون له نعمة؟! وقيل: معناه: ما لكم لا ترجون في عبادة الله ثوابا، ولا على توقيركم إياه أجرا، وخيرا؟! وقيل: معناه: ما لكم لا تخافون عظمة الله؟! فالرجاء بمعنى الخوف، والوقار: العظمة، من التوقير، وهو التعظيم. هذا؛ ووقوع الرجاء بمعنى الخوف مستعمل في اللغة العربية، قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٢١]: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا..﴾. إلخ. وهي لغة تهامة، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي في صفة عسّال، أي: الذي يقطف عسل النحل: [الطويل] إذا لسعته الدّبر لم يرج لسعها... وخالفها في بيت نوب عواسل وقال بعض العلماء: لا يقع الرجاء بمعنى الخوف إلا مع الجحد، أي: النفي. كقوله تعالى في هذه الآية. وقال بعضهم: بل يقع في كل موضع دل عليه المعنى. وهو المعتمد. هذا؛ وأصل الرجاء الأمل في الشيء، والطماعية فيه. قال الشاعر: [الوافر] أترجو أمّة قتلت حسينا... شفاعة جدّه يوم الحساب وقال خبيب بن عدي-﵁، وأرضاه-: [الطويل] لعمرك ما أرجو إذا كنت مسلما... على أيّ جنب كان في الله مصرعي؟! ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً﴾ أي: جعل لكم في أنفسكم آية تدل على قدرته، وعظمته. قال ابن عباس ﵄: ﴿أَطْواراً﴾ يعني: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة؛ أي: طورا بعد طور إلى تمام الخلق، كما ذكر الله تعالى في آية (الحج) رقم [٥] وآية (المؤمنون) رقم [١٤]. والطور في اللغة: المرة. وقيل: المراد: مراحل الحياة من طفولة إلى شباب، إلى كهولة، إلى شيوخ، وضعفاء. وقيل: ﴿أَطْواراً﴾ أي: أنواعا: صحيحا، وسقيما، وبصيرا، وضريرا، وغنيا، وفقيرا. وقيل:

стр. 6864

اختلافهم في الأخلاق، والأفعال، والألوان، واللغات، والطبائع... إلخ. هذا؛ والطور الحال والهيئة، والجمع أطوار. الإعراب: ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَرْجُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والعامل ﴿ما﴾ الاستفهامية. وقيل: العامل فيها معنى الاستقرار في ﴿لَكُمْ﴾ والرابط: الضمير فقط. ﴿لِلّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: وقارا، كان له صفة، فلما قدم عليه؛ صار حالا. ﴿وَقاراً:﴾ مفعول به. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَلَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكُمْ،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال ثانية من كاف الخطاب، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، فتكون حالا متداخلة. ﴿أَطْواراً:﴾ حال من كاف الخطاب، فهي حال متداخلة. هذا؛ وخلق بمعنى: ابتدع، فلذلك لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد. ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً (١٥)﴾ الشرح: انظر الآية رقم [٣] من سورة (الملك) فالكلام فيها كاف واف. ومعنى ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ الإخبار لا المعاينة، كما تقول: ألم ترني كيف صنعت بفلان كذا؟ وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: نبههم على النظر في أنفسهم أولا؛ لأنها أقرب منظور فيه منهم. ثم على النظر في العالم، وما سوى فيه من العجائب الشاهدة على الصانع الباهر قدرته، وعلمه من السموات، والأرض، والشمس، والقمر. الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَرَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والعامل الفعل: ﴿خَلَقَ﴾. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿سَبْعَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿سَماواتٍ﴾ مضاف إليه. ﴿طِباقاً:﴾ فيه أوجه: المصدرية: على أنه مفعول مطلق عامله محذوف، التقدير: تطابق بعضها طباقا. والحالية: أي: ذات طباق، فحذف «ذات» وأقيم ﴿طِباقاً﴾ مقامه، والوصفية لسبع. ويجوز في العربية جره صفة ل: ﴿سَماواتٍ﴾ ولم يقرأ بالجر هنا، وفي سورة (الملك) رقم [٣].

стр. 6865

﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً (١٦)﴾ الشرح: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ أي: في سماء الدنيا. قال ابن كيسان: إذا كان في إحداهن؛ فهو فيهن. وروي: أن وجه القمر إلى السماء، وإذا كان إلى داخلها فهو متصل بالسموات، وقال ابن عباس وابن عمر-﵄: وجهه يضيء لأهل الأرض، وظهره يضيء لأهل السماء. ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً﴾ يعني: مصباحا لأهل الأرض، وفي إضافتها لأهل السماء القولان الأولان، وحكى القشيري عن ابن عباس-﵄: أن الشمس وجهها في السموات وقفاها في الأرض. ومعنى (سراجا) يبصر أهل الدنيا في ضوئها، كما يبصر أهل البيت في ضوء السراج ما يحتاجون إلى إبصاره، والقمر ليس كذلك، إنما هو نور لم يبلغ قوة ضياء الشمس، ومثله قوله تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً﴾ رقم [٥]، والضياء أقوى من النور، وعبر عن الشمس بالسراج؛ لأنه يضيء بنفسه، وعبر عن القمر بالنور؛ لأنه يستمد نوره من غيره، ويؤيده ما تقرر في علم الفلك من أن نور الشمس ذاتي فيها، ونور القمر عرضي مكتسب من نور الشمس، فسبحان من أحاط بكل شيء علما. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. أقول: وعلى قول ابن عباس، وابن عمر-﵄: فالسموات السبع إنما هي طبقات هوائية ينفذ فيها ضوء القمر، ونور الشمس، ولا يبقى لما قاله محمد الشنواني في حاشيته على مختصر ابن أبي جمرة في شرح حديث المعراج: إن السموات السبع طبقات مادية من فضة ورصاص، ونحاس. لا يبقى لهذا الكلام أيّ اعتبار، والله أعلم، وأجل، وأكرم. الإعراب: (جعل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾ تقديره: «هو». ﴿الْقَمَرَ:﴾ مفعول به أول. ﴿فِيهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿نُوراً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿نُوراً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية، والتي بعدها معطوفتان على ما قبلهما، وهما في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً (١٨)﴾ الشرح: ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً:﴾ قال الصابوني: بعد أن ذكر الله دليل الآفاق؛ ذكر هنا دليل الأنفس، وذلك؛ لأن في ذكر هذه الأمور دلالة واضحة على عظمة الله وقدرته، وباهر مصنوعاته، والمعنى: خلقكم، وأنشأكم من الأرض كما يخرج النبات، وسلّكم من تراب الأرض كما يسل النبات منها. قال المفسرون: لما كان إخراجهم، وإنشاؤهم إنما يتم بتناولهم
следующие страницы →