Полный текст (7 463 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.
стр. 6931
جواب القسم على جره كما رأيت، أو في محل نصب حال من الضمير المستتر في (ربّ) على نصبه، والكلام مستأنف، أو معترض بين الجمل المتعاطفة. ﴿فَاتَّخِذْهُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك هو الشأن، والحال؛ فاتخذه. (اتخذه):
فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به أول. ﴿وَكِيلاً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب: «إذا».
﴿وَاِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاُهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً (١٠)﴾
الشرح: ﴿وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ أي: اصبر على أذى هؤلاء السفهاء المكذبين فيما يتقولونه عليك من قولهم: ساحر، شاعر، مجنون. ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً:﴾ الهجر الجميل: هو الذي لا أذية معه، وقال تعالى في سورة (المعارج): ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ والصبر الجميل: هو الذي لا شكاية معه. وقال تعالى في سورة (الحجر) رقم [٨٥]: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ والصفح الجميل:
هو الذي لا عتاب معه. وما في الآية ونحوه كان قبل أن يؤمر بالقتال، ثم أمر ﷺ بقتالهم وقتلهم، والحكمة في هذا: أن المؤمنين كانوا بمكة قلة مستضعفين، فأمروا بالصبر، وبالمجاهدة الكلامية؛ حتى يعدوا أنفسهم بهذه التربية الروحية على مناجزة الأعداء، وحتى يكثر عددهم، فيقفوا في وجه الطغيان، أما قبل الوصول إلى هذه المرحلة، فينبغي الصبر، والاقتصار على الدعوة باللسان، وهذا ما حصل، فبعد الهجرة إلى المدينة المنورة صار المسلمون أهلا للمناجزة، وحمل السلاح في وجه الكفار، كما في غزوة بدر الكبرى، وغيرها.
بعد هذا؛ فالصبر: حبس النفس عن الجزع عند المصيبة، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش، وهو مرّ المذاق لا يكاد يطاق، إلا أنه حلو العواقب، يفوز صاحبه بأسنى المطالب، كما قال القائل: [البسيط]
الصّبر مثل اسمه مرّ مذاقته... لكن عواقبه أحلى من العسل
وبالجملة فنفع الصبر مشهور، والحض عليه في الكتاب والسنة مقرر مسطور، وهو على ثلاثة أنواع: صبر على الطاعة، وصبر على المعصية، وصبر على البلاء. ولا تنس: أن من أسماء الله تعالى الصبور، وفسر بالذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الرعد) رقم [٢٢]: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أي: طلبا لمرضاته، وهذا هو الصبر المحمود، وهو أن يكون الإنسان صابرا لوجه الله تعالى، راضيا بما نزل به من الله، طالبا بذلك الصبر ثوابه من الله تعالى، محتسبا أجره على الله، فهذا هو الصبر الذي يدخل صاحبه رضوان الله، وأما إذا صبر الإنسان؛ ليقال: ما أكمل صبره، وما أشد قوته على تحمل النوائب، أو يصبر؛ لئلا يعاب على الجزع، أو يصبر؛ لئلا تشمت به الأعداء، فهذا كله مذموم، لا ينيل صاحبه الدرجات العلى، والمقام الرفيع عند الله، وقد يعرضه لشديد غضب الله، ونقمته.
стр. 6932
ثم اعلم: أن الصبر ذكر في القرآن في خمسة وتسعين موضعا، ومن أجمعها آية (البقرة)، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ..﴾. إلخ، الآية رقم [١٥٥] وما بعدها، ومن آنفها قوله تعالى في سورة (ص) في حق أيوب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-رقم [٤٤]: ﴿إِنّا وَجَدْناهُ صابِراً﴾ قرن هاء الصبر بنون العظمة، ومن أبهجها قوله تعالى في سورة (الرعد): ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾.
الإعراب: ﴿وَاصْبِرْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اصبر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت» ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بعلى، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: اصبر على الذي، أو شيء يقولونه. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر ب: ﴿عَلى﴾ التقدير: اصبر على قولهم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها من جمل، والكلام: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ..﴾. إلخ معترض بين الجمل المتعاطفة.
﴿وَاهْجُرْهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اهجرهم): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به. ﴿هَجْراً:﴾ مفعول مطلق. ﴿جَمِيلاً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.
﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً (١١)﴾
الشرح: ﴿وَذَرْنِي..﴾. إلخ: أي: دعني يا محمد وهؤلاء المكذبين بآياتي أصحاب الغنى، والثروة، والتنعم في الدنيا، وأصحاب الترف، والبطر، فأنا أكفيك شرهم. نزلت في صناديد قريش، ورؤساء مكة من المستهزئين. قال تعالى في سورة (الحجر) رقم [٩٥]: ﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. ﴿أُولِي النَّعْمَةِ:﴾ أصحاب التنعم، والترفه، فالنعمة بفتح النون: التنعم، والمعروف، والصنيعة، والمنة، وما أنعم به عليك غيرك. وبالكسر: الإنعام. وقد تمد، كما في قوله تعالى:
﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ﴾ سورة (هود) رقم [١٠] وبالضم: المسرة. ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾ أي:
أمهلهم زمنا يسيرا؛ حتى ينالوا العذاب الشديد. قال المفسرون: أمهلهم الله تعالى إلى أن هاجر رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة المنورة، فلما خرج من مكة؛ سلط الله عليهم السنين المجدبة، وهو العذاب العام، ثم قتل صناديدهم ببدر، وهو العذاب الخاص. هذا؛ وفي الآية تهديد ووعيد للكافرين، خذ قوله تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٨٣]، وأيضا في سورة (المعارج) رقم [٤٢]: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ وفي سورة (الحجر) رقم [٣]: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
الإعراب: ﴿وَذَرْنِي:﴾ الواو: حرف عطف. (ذرني): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:
«أنت»، والنون للوقاية، والياء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. (المكذبين):
стр. 6933
معطوف على ياء المتكلم، أو هو مفعول معه، فهو منصوب على الاعتبارين، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿أُولِي:﴾
صفة المكذبين منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿أُولِي﴾ مضاف، و ﴿النَّعْمَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَمَهِّلْهُمْ:﴾ الواو:
حرف عطف. (مهلهم): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به. ﴿قَلِيلاً:﴾
صفة «زمان» محذوف، التقدير: زمانا قليلا، أو صفة مفعول مطلق، التقدير: تمهيلا قليلا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.
﴿إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً (١٢) وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً (١٣)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ لَدَيْنا:﴾ عندنا في الآخرة. ﴿أَنْكالاً:﴾ الأنكال: القيود. قاله الحسن، ومجاهد، وغيرهما، واحدها: نكل، وهو ما منع الإنسان من الحركة، وقد سمي نكلا؛ لأنه ينكّل به. قال الشعبي-رحمه الله تعالى-: أترون أن الله تعالى جعل الأنكال في أرجل أهل النار خشية أن يهربوا، لا والله! ولكنهم إذا أرادوا أن يرتفعوا استفلت بهم، وقال الكلبي: الأنكال الأغلال، والأول أعرف في اللغة، ومنه قول الخنساء-﵂: [المتقارب]
دعاك فقطّعت أنكاله... وقد كنّ قبلك لا تقطع
وقيل: إنه أنواع العذاب الشديد. قاله مقاتل. وقد جاء: أن النبي ﷺ قال: «إن الله يحب النّكل على النّكل». بالتحريك قاله الجوهري. قيل: وما النّكل؟ قال: «الرجل القوي المجرب على الفرس القوي المجرب». ذكره الماوردي. قال: ومن ذلك سمي القيد نكلا لقوته، وكذلك الغل، وكل عذاب قوي شديد. والجحيم: النار المؤججة. هذا؛ والنكال: العذاب الشديد.
انظر سورة (النازعات) رقم [٢٥].
هذا؛ و ﴿لَدَيْنا﴾ ظرف مكان بمعنى: عند، وهي معربة مثلها، وقد تستعملان في الزمان، وإذا أضيف «لدى» إلى مضمر كما هنا قلبت ألفه ياء عند جميع العرب، إلا بني الحارث بن كعب، وبني خناعة، فلا يقلبونها، تسوية بين الظاهر، والمضمر، كما لا يقلبون ألف «على» و «إلى»، ونحوهما، وعلى لغتهم جاء قول الشاعر: [الوافر]
إلاكم يا خناعة لا إلانا... عزا الناس الضّراعة والهوانا
فلو برأت عقولكم بصرتم... بأنّ دواء دائكم لدانا
وذلكم إذا واثقتمونا... على قصر اعتمادكم علانا
стр. 6934
ثم اعلم: أن «عند» أمكن من «لدى» من وجهين: أحدهما: أنها تكون ظرفا للأعيان، والمعاني، تقول: هذا القول عندي صواب، وعند فلان علم به. ويمتنع ذلك في: «لدى» ذكره ابن الشجري في أماليه، ومبرمان في حواشيه. والثاني: أنك تقول: عندي مال؛ وإن كان غائبا، ولا تقول: لديّ مال إلا إذا كان حاضرا. قاله جماعة منهم: الحريري، وأبو هلال العسكري، وابن الشجري، وزعم المعري: أنه لا فرق بينهما، وقول غيره أصح. انتهى. «فتح القريب المجيب».
﴿وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ﴾ أي: غير سائغ، يأخذ بالحلق، لا هو نازل، ولا هو خارج، وهو الغسلين، والزقوم، والضريع. قال تعالى في سورة (الحاقة): ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلاّ مِنْ غِسْلِينٍ،﴾ وقال تعالى في سورة (الدخان): ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ،﴾ وقال تعالى في سورة (الغاشية): ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ﴾ وقال حمران بن أعين: قرأ النبي ﷺ : ﴿إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً..﴾. إلخ، فصعق. وقال خليد بن حسان: أمسى الحسن عندنا صائما، فأتيته بطعام، فعرضت له هذه الآية: ﴿إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً..﴾. إلخ، فقال: ارفع طعامك، فلما كانت الثانية؛ أتيته بطعام، فعرضت له هذه الآية، فقال: ارفعوه، ومثله في الثالثة، فانطلق ابنه إلى ثابت البناني، ويزيد الضبي، ويحيى البكّاء، فحدثهم، فجاؤوه، فلم يزالوا به حتى شرب سويقا. والغصة: الشجا، وهو ما ينشب في الحلق من عظم، أو غيره، وجمعها: غصص. والغصص (بفتح الغين): مصدر قولك: غصصت يا رجل، تغص، فأنت غاص بالطعام، وغصّان، وأغصصته أنا، والمنزل غاصّ بالقوم؛ أي: ممتلئ بهم. انتهى. قرطبي وانظر سورة (الغاشية) تجد ما يسرك.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لَدَيْنا:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ تقدم على اسمها، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء حينما اتصل به ضمير متحرك، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْكالاً:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَجَحِيماً:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَطَعاماً:﴾ معطوف أيضا. ﴿ذا:﴾ صفة (طعاما) منصوب مثله، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذا﴾ مضاف، و ﴿غُصَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿وَعَذاباً:﴾ معطوف على ما قبله.
﴿أَلِيماً:﴾ صفة (عذابا).
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً (١٤)﴾
الشرح: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ:﴾ يوم تتزلزل الأرض، وتهتز بمن عليها، اهتزازا عنيفا شديدا هي، وسائر الجبال. قال تعالى في سورة (الواقعة): ﴿إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا﴾. ﴿وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً:﴾ الكثيب: الرمل المجتمع. قال حسان-﵁: [الوافر]
عرفت ديار زينب بالكثيب... كخطّ الوحي في الورق القشيب
стр. 6935
﴿مَهِيلاً:﴾ سائلا بعد اجتماعه، والمهيل: هو الذي إذا وطئته بالقدم؛ زل من تحتها، وإذا أخذت أسفله؛ انهال. وقال ابن عباس-﵄: أي: رملا سائلا متناثرا. قال ابن كثير: تصير الجبال ككثبان الرمال، بعد ما كانت حجارة صماء، ثم إنها تنسف نسفا، فلا يبقى منها شيء إلا ذهب، كقوله تعالى في سورة (طه): ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (١٠٥) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ أي: لا شيء يرتفع، ولا شيء ينخفض.
انتهى. وقال تعالى في سورة (الواقعة): ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾.
هذا؛ و (كانت) بمعنى: (تكون) والتعبير بالماضي عن المستقبل لتحقق الوقوع، وهو مستعمل في القرآن الكريم بكثرة، أما «مهيل» فهو اسم مفعول، أصله: مهيول، فقل في إعلاله:
اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الياء إلى الهاء قبلها بعد سلب سكونها، فصار (مهيول) فالتقى ساكنان: الياء والواو، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين. فصار (مهيل) ثم قلبت الضمة كسرة لمناسبة الياء، فصار: «مهيلا» ومثل «مهيل»: مبيع، ومعين، وغير ذلك كثير. قال عباس بن مرداس-﵁: [الكامل]
قد كان قومك يحسبونك سيّدا... وإخال أنّك سيّد معيون
الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بخبر ﴿إِنَّ﴾ المحذوف لما فيه من معنى الفعل، أي:
استقر للكفار لدينا كذا، وكذا. قاله الزمخشري، ومن تبعه. وقال القرطبي: أي: ينكل بهم، ويعذبون يوم ترجف. وقيل: متعلق بمحذوف صفة (عذابا). ﴿تَرْجُفُ:﴾ فعل مضارع.
﴿الْأَرْضُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿وَالْجِبالُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَكانَتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (كانت): فعل ماض ناقص، والتاء حرف لا محل له.
﴿الْجِبالُ:﴾ اسمها. ﴿كَثِيباً:﴾ خبرها. ﴿مَهِيلاً:﴾ صفة ﴿كَثِيباً،﴾ والجملة: ﴿وَكانَتِ الْجِبالُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها.
﴿إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (١٥)﴾
الشرح: بعد أن ذكر الله تعالى العذاب المؤلم الذي أعده للمشركين، ومكانه؛ وهو الجحيم، وآلاته؛ وهي القيود، وطعام الزقوم، ونحوه، ووقته؛ وهو عند اضطراب الأرض، وتزلزلها بمن عليها، وأراد بذلك تخويف المكذبين، وتهديدهم بأنه تعالى سيعاقبهم بذلك كله؛ إن بقوا مستمرين في تكذيبهم لرسول الله ﷺ ، ثم أعقبه بتذكيرهم بما حل بالأمم الباغية التي قد خلت من قبلهم، وكيف عصت، وتمردت، فأنزل بها من أمره ما نزل، وضرب لهم المثل بفرعون الجبار فقال تعالى: ﴿إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ﴾ يا أهل مكة. ﴿رَسُولاً:﴾ يعني محمدا ﷺ .
стр. 6936
﴿شاهِداً عَلَيْكُمْ﴾ أي: يشهد بالتبليغ، وإيمان من آمن منكم، وكفر من كفر. وخذ قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٤١]: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾ انظر شرحها هناك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب، ولو جرى على الأصل؛ لقال: إنا أرسلنا إليهم، انظر الالتفات في سورة (الملك) رقم [٢٠].
﴿كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً:﴾ يعنى موسى بن عمران، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وإنما خص فرعون، وموسى بالذكر من بين سائر الأمم، والرسل؛ لأن محمدا ﷺ آذاه أهل مكة، واستخفوا به؛ لأنه ولد فيهم كما أن فرعون ازدرى بموسى، وآذاه؛ لأنه رباه في حجره وبلاطه، لذا قال له، كما حكى الله عنه في سورة (الشعراء) رقم [١٨]: ﴿قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾.
الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رَسُولاً:﴾
مفعول به. ﴿شاهِداً:﴾ صفة له. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿شاهِداً،﴾ وجملة:
﴿أَرْسَلْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا أَرْسَلْنا..﴾. إلخ مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه، وجر. (ما): مصدرية. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿إِلى فِرْعَوْنَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿رَسُولاً:﴾ مفعول به، و (ما) والفعل ﴿أَرْسَلْنا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لموصوف محذوف يقع مفعولا مطلقا، التقدير: إنا أرسلنا إليكم رسولا... إرسالا كائنا مثل إرسالنا إلى فرعون رسولا. وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم. وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها.
﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً (١٦)﴾
الشرح: ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ:﴾ إنما عرفه لتقديم ذكره، وهذه (أل) العهدية، والعرب إذا قدمت اسما، ثم حكت عنه ثانيا، أتوا به معرفا، أو أتوا بضميره لئلا يلتبس بغيره، نحو رأيت رجلا، فأكرمت الرجل، أو فأكرمته، ولو قلت: فأكرمت رجلا لتوهم: أنه غير الأول، وسيأتي تحقيق هذا في سورة (الشرح) إن شاء الله تعالى. وقد قال الرسول ﷺ : «لن يغلب عسر يسرين». انتهى. سمين.
стр. 6937
﴿فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً:﴾ شديدا. وفي القرطبي: أي: ثقيلا شديدا، وضرب وبيل، وعذاب وبيل، أي: شديد. قاله ابن عباس ومجاهد، ومنه: مطر وابل، أي: شديد. قاله الأخفش. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٦٥]: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ وقيل:
﴿أَخْذاً وَبِيلاً:﴾ أخذا مهلكا، والمعنى عاقبناه عقوبة غليظة، ومنه قول أرطاة بن سهية، وهو الشاهد رقم [٦٨٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]
أكلت بنيك أكل الضّبّ حتّى... وجدت مرارة الكلا الوبيل
وماء وبيل، أي: وخيم غير مريء، وكلأ مستوبل، وطعام وبيل، ومستوبل، إذا لم يمرئ، ولم يستمرأ. قال زهير في معلقته رقم [٣٨]: [الطويل]
فقضّوا منايا بينهم ثمّ أصدروا... إلى كلا مستوبل متوخّم
وقالت الخنساء: [الوافر]
لقد أكلت بجيلة يوم لاقت... فوارس مالك أكلا وبيلا
والوبيل أيضا: العصا الضخمة. قال الشاعر: [الطويل]
لو أصبح في يمنى يديّ زمامها... وفي كفّي الأخرى وبيل نحاذره
وكذلك الموبل بكسر الباء، والموبلة أيضا: الحزمة من الحطب. وكذلك الوبيل. قال طرفة في معلقته رقم [٩٦]: [الطويل]
فمرّت كهاة ذات خيف جلالة... عقيلة شيخ كالوبيل يلندد
الإعراب: ﴿فَعَصى:﴾ الفاء: حرف عطف. (عصى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿فِرْعَوْنُ:﴾ فاعله. ﴿الرَّسُولَ:﴾ مفعول، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:
﴿أَرْسَلْنا..﴾. إلخ فهي تؤول مثلها بالمصدر. (أخذناه): فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿أَخْذاً:﴾
مفعول مطلق. ﴿وَبِيلاً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لها حكمها.
﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً (١٧)﴾
الشرح: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ﴾ أي: كيف لكم بالتقوى يوم القيامة؛ إن كفرتم في الدنيا؟! المعنى لا سبيل إلى التقوى؛ إذا وافيتم يوم القيامة. وقيل: المعنى: فكيف تتقون العذاب يوم القيامة؟ وبأي:
شيء تتحصنون من عذاب ذلك اليوم؟ وكيف تنجون منه إن كفرتم في الدنيا؟ انتهى. خازن. وقال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: أي: بأي صلاة تتقون العذاب؟ بأي صوم تتقون العذاب؟
стр. 6938
وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: والله ما يتقي من كفر بالله ذلك اليوم بشيء. هذا؛ وانظر شرح التقوى في الآية رقم [٣] من سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً:﴾ فإسناد الجعل إلى اليوم مجاز عقلي؛ لأن اليوم محل جعلهم شيبا فالجعل المذكور واقع في اليوم، والجاعل حقيقة هو الله تعالى، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٢]: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً﴾ فإسناد الزيادة إلى الآيات مجاز عقلي؛ لأنها سبب في الزيادة، والذي يزيد حقيقة هو الله تعالى، وانظر الآية رقم [٢٤] من سورة (نوح) فهو مثله.
هذا؛ ويصير الولدان شيبا حين يقال لآدم-﵊: قم فابعث بعث النار من ذريتك. فعن أبي سعيد الخدري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك، وسعديك، والخير في يديك! فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعث النار. قال: يا رب! وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمئة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد؛ فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم». قالوا: يا رسول الله أينا ذلك الرجل؟ فقال النبي ﷺ : «أبشروا فإنّ من يأجوج ومأجوج تسعمئة وتسعة وتسعين، ومنكم واحدا»، ثم قال: «أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود، وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة!» فكبرنا، ثم قال: «ثلث أهل الجنة!» فكبرنا، ثم قال: «شطر أهل الجنة! فكبرنا». متفق عليه.
هذا؛ وقال الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي: جعل الولدان شيبا مثل في الشدة، يقال في اليوم الشديد: يوم يشيب نواصي الأطفال. والأصل فيه: أن الهموم، والأحزان إذا تفاقمت على الإنسان؛ أسرع فيه الشيب. قال أبو الطيب المتنبي: [الكامل]
والهمّ يخترم الجسيم نحافة... ويشيب ناصية الصبيّ فيهرم
ثم قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: وقد مر بي في بعض الكتب أن رجلا أمسى فاحم الشعر كحنك الغراب، وأصبح، وهو أبيض الرأس واللحية كالثغامة، فسئل عن ذلك، فقال:
أريت القيامة، والجنة، والنار في المنام، ورأيت الناس يقادون في السلاسل إلى النار، فمن هول ذلك أصبحت، كما ترون.
هذا؛ والشيب، والشيبة بياض الشعر، والمشيب عبارة عن الحيوان في زمان تكون قوته فيه غير غريزية. أما الشباب فهو الزمن الذي تكون فيه حرارة الحيوان الغريزية مشبوبة، أي: قوية مشتعلة. هذا قول الأصمعي، وقال الجوهري: الشيب، والمشيب بمعنى واحد، وخذ ما يلي لتروح عن نفسك، فقد قال أبو الطيب المتنبي: [البسيط]
стр. 6939
ضيف ألمّ برأسي غير محتشم... والشّيب أحسن فعلا منه باللّمم
ابعد بعدت بياضا لا بياض له... لأنت أسود في عيني من الظّلم
وقال أبو تمام الطائي: [الطويل]
له منظر في العين أبيض ناصع... ولكنّه في القلب أسود سافع
وقال حميد بن ثور، وينسب إلى معروف بن عبد الرحمن: [الرجز]
لكلّ دهر قد لبست أثوبا... حتّى اكتسى الرأس قناعا أشيبا
أملح لا لذّا ولا محبّبا... أكره جلباب إذا تجلببا
وقال أبو العتاهية: [الوافر]
عريت من الشباب وكنت غصنا... كما يعرى من الورق القضيب
بكيت على الشباب بدمع عيني... فلم يغن البكاء ولا النّحيب
ألا ليت الشباب يعود يوما... فأخبره بما فعل المشيب
وخذ قول البوصيري-رحمه الله تعالى-: [البسيط]
فإنّ أمّارتي بالسّوء ما اتّعظت... من جهلها بنذير الشّيب والهرم
ولا أعدّت من الفعل الجميل قرى... ضيف ألمّ برأسي غير محتشم
لو كنت أعلم أنّي ما أوقّره... كتمت سرّا بدا لي منه بالكتم
الإعراب: ﴿فَكَيْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (كيف): اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال عامله ما بعده. ﴿تَتَّقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كَفَرْتُمْ:﴾
فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: إن كفرتم؛ فكيف تتقون؟! ﴿يَوْماً:﴾ مفعول به ل: ﴿تَتَّقُونَ،﴾ وقيل:
هو ظرف متعلق به. وقيل: منصوب بنزع الخافض. والجملة الشرطية معترضة بين الفعل، ومفعوله. وقيل: إن يوما مفعول ل: ﴿كَفَرْتُمْ﴾ على تأويله ب: «جحدتم» والأول أقوى. ﴿يَجْعَلُ:﴾
فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿يَوْماً﴾. وقيل: يعود إلى الله، والمعتمد الأول. ﴿الْوِلْدانَ:﴾
مفعول به أول. ﴿شِيباً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صفة (يوما)، وعلى اعتبار الفاعل يعود إلى (الله)، فتحتاج الجملة الفعلية إلى رابط، التقدير: يجعل فيه الولدان شيبا.
стр. 6940
﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً (١٨)﴾
الشرح: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ:﴾ متشققة فيه، أي: في ذلك اليوم لهوله، هذا أحسن ما قيل به. هذا؛ ولم يؤنث ﴿مُنْفَطِرٌ﴾ مع أنه خبر عن ﴿السَّماءُ،﴾ وأجيب عن ذلك بأجوبة: منها: أن هذه الصيغة صيغة نسب، أي: ذات انفطار، نحو امرأة مرضع، وحائض، أي: ذات إرضاع، وذات حيض، ومنها: أنها لم يؤنث؛ لأن السماء بمعنى السقف. قال تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٣٢]: ﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً﴾ ومنها: أن السماء تذكر وتؤنث، ومنها: أنها اسم جنس يفرق بينه وبين واحده بالتاء فيقال: سماءة، ولهذا قال الفارسي: هو كقوله تعالى في سورة (القمر) رقم [٧]: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾. و ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ رقم [٢٠] من سورة (القمر) أيضا، يعني: فجاء على أحد الجائزين.
﴿كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾ أي: كان وعد الله بالقيامة، والحساب، والجزاء كائنا لا شك فيه، ولا خلف. وقال مقاتل-رحمه الله تعالى-: كان وعده بأن يظهر دينه على الدين كله. انتهى.
قرطبي. أقول: وقد ذكر ما قاله مقاتل في كثير من الآيات مثل آية (الصف) رقم [٩] ونحوه، وقد حقق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، أي: جند الرحمن، أما بعد أن صار المسلمون جنودا للشيطان؛ فلا ينصرون. هذا؛ وعلى عود الضمير ل: (ليوم) فيكون المعنى: وعد يوم القيامة واقعا لا ريب فيه.
الإعراب: ﴿السَّماءُ:﴾ مبتدأ. ﴿مُنْفَطِرٌ:﴾ خبره. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما؛ لأنه اسم فاعل، والجملة الاسمية في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿يَوْماً،﴾ أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، والرابط: الضمير فقط. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿وَعْدُهُ:﴾ اسم (كان)، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، وهذا على عود الضمير إلى الله، ولم يجر له ذكر لعلمه من المقام، وعلى عوده إلى (اليوم) فتكون الإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والجملة الفعلية مفيدة للتعليل، لا محل لها. ﴿مَفْعُولاً:﴾ خبر ﴿كانَ﴾.
﴿إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (١٩)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ هذِهِ﴾ أي: الآيات، أو السورة بكاملها. وقيل: آيات القرآن؛ إذ هو كالسورة الواحدة. ﴿تَذْكِرَةٌ:﴾ عظة للخلق أجمعين، لما فيها من الزواجر، والقوارع. ﴿فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ أي: فمن شاء من الغافلين الناسين، أو المعرضين كبرا وعنادا عن عبادة الله، وطاعته؛ فليستفد من هذه التذكرة قبل فوات الأوان، وليسلك طريقا موصلا إلى الرحمن بالطاعة والإيمان. فالأسباب ميسّرة، والسبل معبّدة؛ لأن الله تعالى قد أظهر الحقائق بما
стр. 6941
وضع من الحجج الدامغة، والبراهين الساطعة، والدلائل القاطعة، وما يتذكر إلا أولو الأبصار.
وما ينتفع إلا أولو الألباب. هذا؛ والآية مذكورة بحروفها في سورة (الدهر) رقم [٢٩] انظر تفسيرها هناك؛ ففيها فضل زيادة.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب اسمها، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿تَذْكِرَةٌ:﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. والأولى اعتبارها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر؛ إذ التقدير: وإذا كان ما ذكره حاصلا، وواقعا؛ فمن شاء أن يتخذ مرجعا إلى ثواب ربه؛ فعل ذلك بالإيمان، والطاعة. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو»، ومفعوله محذوف، التقدير: شاء النجاة. ﴿اِتَّخَذَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم جواب الشرط، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿إِلى رَبِّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿سَبِيلاً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، وهو أولى من تعليقهما بالفعل قبلهما. والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.
﴿سَبِيلاً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿اِتَّخَذَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [١٤] من سورة (الجن) مع صحة، وجواز اعتبار (من) اسما موصولا. هذا؛ وكلام القرطبي يوحي: أن الجواب محذوف، حيث قدر الكلام: من أراد أن يؤمن ويتخذ بذلك إلى ربه سبيلا، أي: طريقا إلى رضاه، ورحمته؛ فليرغب في ذلك. ولا حاجة إلى هذا التكلف بعد الذي ذكرته، والجملة الاسمية: (من شاء...) إلخ مستأنفة، لا محل لها، تأمل، وتدبر.
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاِسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ..﴾. إلخ: أي: ربك يا محمد يعلم: أنك تقوم مع أصحابك في الليل للتهجد، والعبادة أقل من ثلثي الليل، وتارة تقومون نصفه، وتارة ثلثه. قال تعالى في سورة
стр. 6942
(الذاريات) في حق المحسنين، وفي الثناء عليهم: ﴿كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وقد ذكرت لك في أول هذه السورة: أن قيام الليل كان واجبا على النبي ﷺ وعلى أصحابه، وقد كلفوا أن يقوموا ساعات من الليل طويلة، لا تقلّ عن ثلثه، كما هو صريح أول السورة. وهذه الآية بينت تنفيذه؛ لأن قيام الليل، وإحياءه بأنواع الطاعات المختلفة: من ذكر، وصلاة، وتلاوة قرآن يقوي أبدانهم، ويزكي أرواحهم، ويعودهم الخشونة في العيش، واجتناب ما عليه المترفون من الراحة، والانغماس في الملذات، كلفهم الله تعالى بذلك؛ ليعدّهم إعدادا روحانيا، وجسمانيا للقيام بأعباء الدعوة الجديدة، وتحمل المشاق في سبيل نشر هذا الدين، ويا لها من تربية كريمة مجيدة تنشئ الرجال، وتعدّ الأجيال! وانظر ما ذكرته من إخلادهم للراحة، والترف في الآية رقم [١٦] من سورة (الحديد)، وذكرت لك في أول السورة: أن هذه الآية نسخت قيام الليل الواجب على النبي ﷺ وعلى أصحابه على القول الأصح والمعتمد، وبقيت سنيته. هذا؛ وقال الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي: وإنما استعير الأدنى-وهو الأقرب-للأقل؛ لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت؛ قلّ ما بينهما من الأحياز، وإذا بعدت كثر ذلك. وقرئ بنصب (نصفه) و (ثلثه) وجرهما.
﴿وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ أي: من المؤمنين كانوا يقومون الليل معك للتأسي، والاقتداء بك، ومنهم من كان لا يدري كم صلى من الليل، وكم بقي، فكان يقوم الليل كله احتياطا، فقاموا؛ حتى تورمت أقدامهم، وامتقعت ألوانهم، ولذا قال الله تعالى: ﴿وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ أي:
والله ﷻ هو العالم بمقادير الليل، والنهار، وأجزائهما، وساعاتهما، لا يفوته علم ما تفعلون من قيام هذه الساعات في ظلمة الليل ابتغاء رضوانه. وهو تعالى المدبر لأمر الليل، والنهار بالزيادة، والنقصان. فتارة يعتدلان، وتارة يأخذ هذا من هذا، وهذا من هذا. ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ أي: تحصوا الليل؛ لتقوموا فيما يجب عليكم قيامه لا بقيام جميعه، وهذا يشق عليكم.
﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: عاد عليكم بالعفو، والتخفيف، والمعنى: عفا عنكم ما لا تحيطون بعلمه، ورفع المشقة عنكم بنسخ وجوب قيام الليل، وبقاء سنيته. وقال البيضاوي: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: بالترخيص في ترك القيام المقدر، ورفع التبعة فيه، كما رفع التبعة عن التائب من الذنب. انتهى. وهذا يدل على أنه كان منهم من ترك بعض ما أمر به.
﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ أي: فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل، وإنما عبر عن الصلاة بالقراءة؛ لأن القراءة أحد أجزاء الصلاة، بل هي الركن الأهم فيها. قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [١١]: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ أي: بقراءتك ﴿وَلا تُخافِتْ بِها﴾ أي: بقراءتك، وقد استدل أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-بهذه الآية على أنه لا يجب تعيين قراءة الفاتحة في الصلاة، واعتضد بحديث المسيء صلاته، الذي رواه الشيخان: «ثمّ اقرأ ما تيسر معك من القرآن».
стр. 6943
والجمهور على: أن المراد دراسة القرآن، وحفظه حتى لا يتعرض للنسيان، وعليه الشافعي -رحمه الله تعالى-؛ لذا أوجب قراءة الفاتحة في كل ركعة على الإمام، والمقتدي، والمنفرد في صلاته، واستدل بحديث عبادة بن الصامت-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». أخرجه البخاري، ومسلم. وانظر تفصيل ذلك في الآية رقم [٢٠٤] من سورة (الأعراف) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى:﴾ والمريض يضعف عن التهجد بالليل، فخفف الله عنه لأجل ضعفه، وعجزه عنه، فخفف عنكم رحمة بكم. ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: يسافرون في الأرض للتجارة، وطلب الرزق. ﴿يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ أي: يطلبون من فضل الله الرزق.
﴿وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ يعني: الغزاة المجاهدين، وذلك؛ لأن المجاهد، والمسافر مشتغل بالنهار بالأعمال الشاقة، فلو لم ينم بالليل؛ لتوالت عليه أسباب المشقة، فخفف الله عنهم أجمعين.
فأنت ترى: أن الله جلت قدرته، وتعالت حكمته سوى في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين المال الحلال للنفقة على نفسه، وعياله، والإحسان، والإفضال على يتيم، أو أرملة، أو فقير بائس، فكان هذا دليلا واضحا على أن الكسب من مال حلال بمنزلة الجهاد؛ لأنه جمعه مع الجهاد في سبيل الله. فقد روى إبراهيم عن علقمة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من جالب يجلب طعاما من بلد إلى بلد، فيبيعه بسعر يومه، إلا كانت منزلته عند الله منزلة الشهداء، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ..﴾. إلخ». وقال ابن عمر-﵄:
ما خلق الله موتة أموتها بعد الموت في سبيل الله أحب إليّ من الموت بين شعبتي رحلي، أبتغي من فضل الله ضاربا في الأرض. انتهى. قرطبي، وخذ ما يلي:
فعن كعب بن عجرة-﵁-قال: مرّ على النبي ﷺ رجل، فرأى أصحابه من جلده، ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله! لو كان هذا في سبيل! فقال رسول الله ﷺ : «إن كان خرج يسعى على ولده صغارا؛ فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين؛ فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء، ومفاخرة؛ فهو في سبيل الشيطان». رواه الطبراني. وأحاديث الرسول ﷺ في الترغيب في العمل كثيرة مشهورة مسطورة، والشعر العربي طافح بذلك، وخذ قول صالح بن عبد القدوس في الحكم: [الكامل]
وإذا رأيت الرزق ضاق ببلدة... وخشيت فيها أن يضيق المكسب
فارحل فأرض الله واسعة الفضا... طولا وعرضا شرقها والمغرب
وعن بعض السلف أنه كان بواسط، فجهز سفينة حنطة إلى البصرة، وكتب إلى وكيله: بع الطعام يوم تدخل البصرة، ولا تؤخره إلى غد، فوافق سعة في السعر، فقال التجار للوكيل: إن
стр. 6944
أخرته جمعة ربحت فيه أضعافه، فأخره جمعة فربح فيه أمثاله، فكتب إلى صاحبه بذلك، فكتب إليه صاحب الطعام: يا هذا! إنا كنا قنعنا بربح يسير مع سلامة ديننا، وقد جنيت علينا جناية، فإذا أتاك كتابي هذا فخذ المال، وتصدق به على فقراء البصرة، وليتني أنجو من الاحتكار كفافا لا عليّ، ولا لي.
ويروى: أن غلاما من أهل مكة كان ملازما للمسجد، فافتقده ابن عمر-﵄، فمشى إلى بيته، فقالت أمه: هو على طعام له يبيعه، فلقيه، فقال له: يا بني! مالك وللطعام؟ فهلاّ إبلا، فهلاّ بقرا، فهلاّ غنما، إن صاحب الطعام يحب المحل، وصاحب الماشية يحب الغيث.
﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ أي: صلوا ما أمكن، فأوجب الله من صلاة الليل ما تيسر، ثم نسخ ذلك بإيجاب الصلوات الخمس حسب ما رأيت فيما تقدم، وكررت هذه الجملة للتأكيد. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ:﴾ الواجبة على الوجه الأكمل. ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ أي: المفروضة كاملة.
﴿وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً:﴾ قال ابن عباس-﵄: يريد سوى الزكاة، من صلة الرحم، وقرى الضيف. وقيل: يريد سائر الصدقات، وذلك بأن يخرجها على أحسن وجه من كسب طيب، ومن أكثر الأموال نفعا للفقراء، ومراعاة النية، والإخلاص، وابتغاء مرضاة الله تعالى بما يخرج، والصرف إلى المستحق. وانظر سورة (الحديد) رقم [١١] فالبحث فيها واف كاف.
﴿وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ﴾ أي: ثوابه، وأجره مدخر عند الله. والعندية عندية تشريف، وتكريم، لا عندية مكان، وإحاطة ﴿هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً:﴾ يعني الذي قدمتم؛ لأنفسكم، وادخرتموه عند الله خير من الذي أخرتموه، ولم تقدموه. وروى البغوي بسنده عن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «أيكم ماله أحبّ إليه من مال وارثه؟». قالوا:
يا رسول الله! ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه. قال: «اعلموا ما تقولون». قالوا: ما نعلم إلا ذلك يا رسول الله؟! قال: «ما منكم رجل إلا مال وارثه أحبّ إليه من ماله». قالوا:
وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: «إنما مال أحدكم ما قدّم، ومال وارثه ما أخّر». أي: ترك بعد موته لورثته، رواه البخاري مختصرا. ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ:﴾ لذنوبكم، وتقصيركم في قيام الليل، أو استغفروا الله في جميع أحوالكم، فإن الإنسان لا يخلو من تفريط في طاعة الله تعالى. ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ:﴾ لجميع ذنوب عباده؛ إن استغفروا، وتابوا. ﴿رَحِيمٌ:﴾ بهم.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكَ﴾. ﴿أَنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿تَقُومُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَدْنى:﴾ ظرف زمان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف متعلق بما قبله. ﴿مِنْ ثُلُثَيِ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَدْنى،﴾ وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت
стр. 6945
النون للإضافة، وهو مضاف، و ﴿اللَّيْلِ﴾ مضاف إليه، وجملة ﴿تَقُومُ﴾ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول ﴿يَعْلَمُ﴾ وجملة:
﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية هذه مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها. (نصفه، أو ثلثه): بالنصب معطوفان على معنى: «أنك تقوم أقل من الثلثين، وتقوم النصف، أو الثلث». قاله الزمخشري. وقال أبو البقاء: معطوفان على (أدنى)، وهو قول مكي، وهو أوضح من قول الزمخشري، وعلى قراءة الجر معطوفان على (ثلثي الليل) على معنى: تقوم أقل من ثلثي الليل، وأقل من النصف، والثلث.
﴿وَطائِفَةٌ:﴾ معطوف على فاعل ﴿تَقُومُ﴾ المستتر، وجاز ذلك من غير تأكيد للفصل بالكلمات الكثيرة. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (طائفة). ﴿مَعَكَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والكاف في محل جر بالإضافة، وعطف (طائفة) على فاعل ﴿تَقُومُ﴾ المستتر، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]
وإن على ضمير رفع متصل... عطفت فافصل بالضمير المنفصل
أو فاصل ما وبلا فصل يرد... في النظم فاشيا وضعفه اعتقد
هذا؛ ويجوز على بعد اعتبار (طائفة) فاعلا لفعل محذوف، التقدير: وتقوم طائفة، كما يجوز على بعد أيضا اعتبار (طائفة) مبتدأ، والخبر محذوفا، التقدير: وطائفة من الذين معك يقومون... إلخ. والأول أقوى. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: استئنافية. (الله): مبتدأ. ﴿يُقَدِّرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير المستتر في صلة الموصول؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو فقط. ﴿اللَّيْلِ:﴾ مفعول به. ﴿وَالنَّهارَ:﴾ معطوف عليه.
﴿عَلِمَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمه ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. ﴿لَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿تُحْصُوهُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من فاعل ﴿يُقَدِّرُ﴾ المستتر؛ فلست مفندا، بل هو الأقوى، ويكون الرابط الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها لتقربها من الحال. ﴿فَتابَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (تاب): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ..﴾. إلخ على الوجهين المعتبرين فيها.
﴿فَاقْرَؤُا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (اقرؤوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب
стр. 6946
شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا، وواقعا؛ فاقرؤوا... إلخ. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿تَيَسَّرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿ما،﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾. ﴿مِنَ الْقُرْآنِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿تَيَسَّرَ،﴾ و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في ﴿ما،﴾ والجملة الشرطية معطوفة على ما قبلها.
﴿عَلِمَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف. ﴿سَيَكُونُ:﴾ السين: حرف استقبال، مفيد للتأكيد.
(يكون): فعل مضارع ناقص. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (يكون) تقدم على اسمه. ﴿مَرْضى:﴾ اسم (يكون) مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿سَيَكُونُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ و ﴿إِنَّ﴾ المخففة، واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول ﴿عَلِمَ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَآخَرُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (آخرون): معطوف على (مرضى) مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد.
﴿يَضْرِبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة (آخرون). ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، وإعرابها واضح. ﴿وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ معطوف على (آخرون يضربون في الأرض) وإعرابه مثله بلا فارق. ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه بلا فارق. هذا؛ وقيل: (آخرون)، مبتدأ، خبره جملة: ﴿يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ وأيضا (آخرون) الثاني مبتدأ خبره: جملة: ﴿يُقاتِلُونَ..﴾. إلخ، والمعنى لا يؤيده؛ لأنهما داخلان في معلوم الله .
﴿وَأَقِيمُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (أقيموا): فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والجملتان بعدها معطوفتان عليها. ﴿قَرْضاً:﴾ مفعول مطلق. ﴿حَسَناً:﴾ صفة ﴿قَرْضاً﴾.
﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): اسم شرط مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم لفعل شرطه. ﴿تُقَدِّمُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو: فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِأَنْفُسِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ خَيْرٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من (ما)، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿تَجِدُوهُ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعوله الأول، والجملة الفعلية جواب الشرط لا محل لها؛ لأنها لم تقترن بالفاء ولا ب: «إذا» الفجائية.
﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و (الله): مضاف إليه. ﴿هُوَ:﴾ ضمير
стр. 6947
فصل لا محل له، وجاز أن يكون الضمير فصلا؛ وإن لم يقع بين معرفتين؛ لأنه وقع بين معرفة، ونكرة شبه المعرفة، وهو ﴿خَيْراً؛﴾ لأن أفعل التفضيل يشبه المعرفة لعدم دخول (أل) عليه هنا.
﴿خَيْراً:﴾ مفعول به ثان. ﴿وَأَعْظَمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (أعظم): معطوف على ما قبله.
﴿أَجْراً:﴾ تمييز، بعد هذا إن اعتبرت (ما) مبتدأ فيكون مفعول ﴿تُقَدِّمُوا﴾ محذوفا، وخبر المبتدأ مختلف فيه كما ذكرته لك مرارا، والجملة الشرطية على الاعتبارين معترضة بين الجمل المتعاطفة؛ لأن جملة: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ﴾ معطوفة على الجمل الفعلية السابقة، والجملة الاسمية:
(إن الله...) إلخ تعليلية لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
انتهت سورة (المزمل) شرحا وإعرابا بفضل الله وتوفيقه.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 6948
سورة المدّثر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة (المدثر) مكية في قول الجميع. وقال الخازن-رحمه الله تعالى-: غير آية من آخرها. وهي ست وخمسون آية، ومئتان وخمس وخمسون كلمة، وألف حرف وعشرة أحرف. انتهى. خازن.
اختلف في أول ما نزل من القرآن اختلافا طويلا، وتحقيق المعتمد منه، وطريق الجمع بين الأحاديث المتناقضة فيه: أن أول ما نزل على الإطلاق: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥)،﴾ وأول ما نزل بعد فترة الوحي: ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾.
فعن جابر بن عبد الله-﵄-عن النبي ﷺ أنه قال: «كنت على جبل حراء، فنوديت: يا محمد! إنك رسول الله، فنظرت عن يميني، وعن يساري، فلم أر شيئا، فنظرت فوقي؛ فإذا به قاعد على عرش بين السماء والأرض-يعني: الملك الذي ناداه قاعد على كرسي بين السماء والأرض-فرعبت، ورجعت إلى خديجة، فقلت: دثروني دثروني، فنزل جبريل، وقال: ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾».
وعن الزهري: إن أول ما نزل سورة (اقرأ) إلى قوله تعالى: ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ ثم انقطع الوحي، فحزن رسول الله ﷺ ، وجعل يعلو شواهق الجبال، فأتاه جبريل ﵇، وقال: إنك نبي الله، فرجع إلى خديجة-﵂-فقال: «دثّروني، وصبوا عليّ ماء باردا». فنزل: ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ:﴾ أصله: المتدثر، وهو الذي يتدثر في ثيابه؛ أي: يتلفف، ويتغطى ليستدفئ بها. وانظر ﴿الْمُزَّمِّلُ﴾ في السورة السابقة فهو مثله في إعلاله، وأجمعوا على أنه رسول الله ﷺ ، وإنما سماه مدثرا؛ لقوله ﷺ لخديجة-﵂: «دثروني». وقيل: معناه:
يا أيها المدثر بدثار النبوة، والرسالة. من قولهم: ألبسه الله لباس التقوى، فجعل النبوة كالدثار، واللباس مجازا، واستعارة.
стр. 6949
هذا؛ وقال القرطبي: هذا النداء ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب؛ إذ ناداه بحاله، وعبر عنه بصفته، فلم يقل: يا محمد! ليستشعر اللين، والملاطفة من ربه، كما رأيت في شرح ﴿الْمُزَّمِّلُ﴾. هذا؛ والدثار: هو كل ما كان من الثياب فوق الشعار، والشعار الثوب الذي يلي الجسد، وقال الرسول ﷺ في مدح الأنصار: «الأنصار شعار، والناس دثار».
﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ أي: قم من مضجعك قيام عزم وجد ونشاط، وخوّف قومك من عذاب الله؛ إن لم يؤمنوا، واشتغل بالإنذار؛ الذي تحملته، ولا تلتفت لما يقوله قومك فيك من افتراءات.
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أي: عظم ربك، ونزهه عما يقوله عبدة الأوثان، وصفه بأنه أكبر، وأعظم من أن يكون له شريك في الملك، أو صاحبة، أو ولد. وقد صار هذا اللفظ بعرف الشرع في تكبير العبادات كلها، أذانا، وإقامة، وصلاة، وذكرا، وجهادا، واستعظاما للشيء العظيم، واستنكارا للشيء الغريب. وقد ذكر أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ قام رسول الله ﷺ . قال: «الله أكبر». وعلم: أن الشيطان لا يأمر بذلك، وكبرت خديجة-﵂-أيضا، وأيقنت: أن الوحي من الله تعالى.
فائدة:
هذه الجملة تقرأ بالعكس، ولا يتغير لفظها، ولا معناها، وأيضا قوله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾ ومثلهما قول الشاعر، وهو القاضي الجرجاني: [الوافر]
مودّته تدوم لكلّ هول... وهل كلّ مودّته تدوم؟
ويحكى عن العماد الكاتب: أنه لقي القاضي الفاضل، وهو راكب فرسا، فقال له: سر فلا كبابك الفرس، فقال له القاضي: دام علا العماد.
﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ أمر بأن تكون ثيابه طاهرة من النجاسات؛ لأن طهارة الثياب شرط في الصلاة، لا تصح إلا بها، وهي الأولى، والأحب في غير الصلاة، وقبيح بالمؤمن الطيب أن يحمل خبثا! وقيل: هو أمر بتقصيرها، ومخالفة العرب في تطويلهم الثياب، وجرهم الذيول، وذلك ما لا يؤمن معه إصابة النجاسة. وقيل: هو أمر بتطهير النفس مما يستقذر من الأفعال، ويستهجن من العادات، يقال: فلان طاهر الثياب، وطاهر الذيل، والأردان: إذا وصفوه بالنقاء من المعايب، ومدانس الأخلاق، ومنه قول امرئ القيس. وقيل هو لأبي كبشة: [الطويل]
ثياب بني عوف طهارى نقيّة... وأوجههم بيض المسافر غرّان
ويقال: فلان دنس الثياب للغادر، وذلك؛ لأن الثوب الإنسان، ويشتمل عليه، فكنى به عنه، ومنه قول الشاعر، وكله من باب الكناية: [الرجز]
لا همّ إنّ عامر بن جهم... أوذم حجّا في ثياب دسم
стр. 6950
أوذم الحج: أوجبه على نفسه بالإحرام، وثياب دسم: وسخة، ومعنى البيت: أنه حج، وهو متدنس بالذنوب، وملطخ بالمعاصي، والسيئات، ألا ترى إلى قولهم: أعجبني زيد ثوبه.
كما يقولون: أعجبني زيد عقله، وخلقه. ويقولون: المجد في ثوبه، والكرم تحت حلته. قال الشاعر: [الوافر]
ويحيى لا يلام بسوء خلق... ويحيى طاهر الأثواب حرّ
ولأن الغالب: أن من طهّر باطنه، ونقّاه عني بتطهير الظاهر، وتنقيته، وأبى إلا اجتناب الخبث، وإيثار الطهر في كل شيء. انتهى. كشاف، وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: فيه ثمانية أقوال: أحدها: أن المراد بالثياب: العمل. الثاني: القلب. الثالث: النفس. الرابع:
الجسم. الخامس: الأهل. السادس: الخلق. السابع: الدين. الثامن: الثياب الملبوسات على الظاهر. وعاد فشرح كل واحد شرحا وافيا.
﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ:﴾ أصل الرجز: العذاب، وهو بكسر الراء، وهي قراءة الجمهور، وقرأ حفص، ومجاهد بضم الراء، فقيل: هما بمعنى واحد، يراد بهما هنا الأصنام، والأوثان. وقال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٥٩] وقريب منها في سورة (الأعراف) رقم [١٦٢]: ﴿فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ﴾. وذكر الرجز بمعنى العذاب أيضا في سورة (الأعراف) برقم [١٣٤] و [١٣٥]. والمعنى: اهجر ما يؤدي إلى الرجز من عبادة الأوثان، وغيرها من المآثم. والمعنى:
الثبات على هجره؛ لأنه كان بريئا منه منزها عن كل أقذار الجاهلية. وذلك كما يقول المسلم في صلاته: ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ليس معناه: أنه ليس على الهداية، بل المراد ثبتنا على هذه الهداية.
﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ أي: لا تعط عطاء، وتستكثره؛ لأن الكريم يستقل ما يعطي وإن كان كثيرا. أو لا تعط عطاء؛ وأنت تطمع أن يعوض من الموهوب له أكثر من الموهوب. وهذا جائز شرعا، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون نهيا خاصا برسول الله ﷺ ؛ لأن الله اختار له أشرف الآداب، وأحسن الأخلاق. والثاني: أن يكون نهي تنزيه، لا تحريم له، ولأمته.
﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ أي: تحلّ بالصبر لوجه الله تعالى على أذى المشركين، وعلى أعباء الرسالة، وعلى عبادته، وطاعته على جميع أوامره، ونواهيه. وينبغي أن تعلم: أن النبي ﷺ قد صار نبيا بنزول سورة (اقرأ) عليه، وبنزول سورة (المدثر) صار رسولا، لقوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ:﴾ انظر مثلها في أول سورة (المزمل). ﴿قُمْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها.
﴿فَأَنْذِرْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أنذر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَرَبَّكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (ربك): مفعول به مقدم، والكاف في
стр. 6951
محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَكَبِّرْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب شرط محذوف، التقدير: وأيا ما كان؛ فلا تدع تكبيره؛ أي: أي شيء حدث، ووقع؛ فلا تدع تكبيره. وهو مفاد قول المفسرين، وأرى صحة اعتبار الفاء صلة، ولا حاجة لهذه التقديرات، وهذه التكلفات. (كبر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية جواب للشرط المقدر على قول المفسرين، ومعطوفة على ما قبلها على اعتبار الفاء صلة، والجملتان بعدها معطوفتان عليها، والكلام عليهما مثلها.
﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَمْنُنْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿تَسْتَكْثِرُ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿تَمْنُنْ﴾ المستتر، والرابط الضمير فقط، التقدير: لا تعط مستكثرا. هذا؛ وقرأ الحسن البصري «(تستكثر)» بالسكون. وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون بدلا من ﴿تَمْنُنْ﴾ أي: لا تر ما تعطيه كثيرا.
والثاني: أنّه قدّر الوقف عليه؛ لكونه رأس آية، فسكّنه لأجل الوقف، ثم وصله بنية الوقف.
والثالث: أن يكون سكنه لتناسب رؤوس الآية، وهي: ﴿فَأَنْذِرْ..﴾. إلخ، انتهى. قطر الندى، ومغني اللبيب. وقيل: مجزوم بجواب النهي، ولا وجه له؛ لأن المعنى يختل بتقدير إن قبل (لا) ومن شروط الجزم بعد النهي صحة وقوع «إن» قبل «لا»، إلا إذا كان المعنى: إن لا تمتن بعملك تزدد من الثواب لسلامة ذلك من الإبطال بالمن. وهذا عكس ما رأيته في الشرح. تأمل. هذا؛ وقرأ الأعمش، ويحيى بالنصب على توهم لام التعليل. قال: ولا تمنن لتستكثر. وقيل: هو على إضمار «أن» مثل قول طرفة بن العبد في معلقته رقم [٦٠]: [الطويل]
ألا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى... وأن أشهد اللّذّات هل أنت مخلدي؟
وقراءة الرفع سبعية، بخلاف قراءة السكون، والنصب. ﴿وَلِرَبِّكَ:﴾ الواو: حرف عطف.
(لربك): متعلقان بما بعدهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَاصْبِرْ:﴾ الفاء: قل فيها ما رأيته بما قبلها. (اصبر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، ولا تنس: أن تقديم المفعول في جميع الآيات يفيد الاختصاص.
﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ (٨) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾
الشرح: ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ:﴾ إذا نفخ في الصور. والناقور: فاعول من النقر، وهو القرع الذي هو سبب الصوت، والنقر في كلام العرب: الصوت، ومنه قول امرئ القيس: [الطويل]
أخفّضه بالنّقر لمّا علوته... ويرفع طرفا غير خاف غضيض
стр. 6952
انظر ما ذكرته في شأن «الصور» والنافخ فيه، وهو إسرافيل-﵇-في الآية رقم [١٣] من سورة (الحاقة) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وأذكر هنا قوله تعالى في سورة (ق) رقم [٤١]: ﴿يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ فالمنادي هو إسرافيل ﵇، ونداؤه في الحشر فيقول: أيتها العظام البالية! أيتها الأوصال المتقطعة! أيتها اللحوم المتمزقة! أيتها الشعور المتفرقة! إن الله يأمركنّ أن تجتمعن لفصل القضاء.
﴿فَذلِكَ﴾ أي: وقت النقر، أي: النفخ في الصور. ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ أي: شديد. ﴿عَلَى الْكافِرِينَ:﴾
على من كفر بالله، وكتابه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء، والقدر خيره، وشره. ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ أي: غير سهل، ولا هين، وذلك؛ لأن عقدهم لا تنحل إلا إلى عقدة أشد منها، ولا يجتازون عقبة إلا وبعدها أصعب منها، بخلاف المؤمنين الموحدين المذنبين، فإن عقدهم تنحل إلى ما هو أخف منها؛ حتى يدخلوا الجنة برحمة الله تعالى.
قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: فما فائدة قوله: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ و ﴿عَسِيرٌ﴾ مغن عنه؟ قلت: لما قال: ﴿عَلَى الْكافِرِينَ﴾ فقصر العسر عليهم؛ قال: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ ليؤذن بأنه لا يكون عليهم كما يكون على المؤمنين يسيرا هينا؛ ليجمع بين وعيد الكافرين، وزيادة غلظهم، وبشارة المؤمنين، وتسليتهم. ويجوز أن يراد: أنه عسير، لا يرجى أن يرجع يسيرا، كما كان يرجى تيسير العسير من أمور الدنيا، بل إنهم يناقشون الحساب، وتسود وجوههم، ويحشرون زرقا، ويفتضحون على رؤوس الأشهاد.
وعن أبي حيان؛ قال: أمّنا زرارة بن أوفى قاضي البصرة في صلاة الصبح، فقرأ هذه السورة، فلما وصل إلى قوله تعالى: ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ..﴾. إلخ، شهق شهقة، ثم خر ميتا ﵀. هذا؛ والتعبير عن النفخ وعن الصور بالنقر في الناقور، لبيان هول الأمر، وشدته، فإن النقر في كلام العرب معناه: الصوت، وإذا اشتد الصوت؛ أصبح مفزعا. وينبغي أن تعلم أن الله تعالى لما ذكر ما يتعلق بإرشاد النبي ﷺ ذكر بعده وعيد الأشقياء بقوله: ﴿فَإِذا نُقِرَ..﴾. إلخ.
﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ التنوين ينوب عن جملة محذوفة دلت عليها الغاية، أي: يوم ينقر في الناقور، و (إذ) مضافة لهذه الجملة، فحذفت الجملة الفعلية، وعوض عنها التنوين، وكسرت الذال لالتقاء الساكنين، كما كسرت الهاء في: صه، ومه عند تنوينهما، ومثل ذلك قل في: حينئذ، وساعتئذ، ونحوهما. قال تعالى في سورة (الواقعة) رقم [٨٤]: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ أي: حين إذ بلغت الروح الحلقوم تنظرون.
﴿غَيْرُ:﴾ اسم شديد الإبهام، فلا يتعرف بالإضافة لمعرفة، وغيرها، وهو ملازم للإضافة، ويجوز أن يقطع عنها؛ إن فهم المعنى، أو تقدمت كلمة ليس عليها، يقال: قبضت عشرة ليس
стр. 6953
غير، وهو مبني على الفتح، أو على الضم خلاف، وإن أردت الزيادة؛ فانظر مبحثها في كتابنا:
«فتح القريب المجيب».
هذا؛ والمراد ب: ﴿يَوْمٌ﴾ في الآية الكريمة يوم القيامة، وهو مقدار ألف سنة من أيام الدنيا كما في الآية رقم [٤٧] من سورة (الحج)، وأما اليوم في الدنيا فهو الوقت من طلوع الشمس إلى غروبها، وهذا في العرف، وأما اليوم الشرعي فهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، كما يطلق اليوم على الليل، والنهار معا، وقد يراد به الوقت مطلقا، تقول: ذخرتك لهذا اليوم، أي: لهذا الوقت، والجمع: أيّام، وأصله: أيوام، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وجمع الجمع:
أياويم، وأيام العرب: وقائعها، وحروبها، وأيام الله: نعمه، ونقمه. قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ﴾ رقم [٥]، ويقال: فلان ابن الأيام، أي: العارف بأحوالها، ويقال: أنا ابن اليوم، أي: أعتبر حالي فيما أنا فيه.
الإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف سبب، واستئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿نُقِرَ:﴾
فعل ماض مبني للمجهول. ﴿فِي النّاقُورِ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل. وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» أي: إسرافيل. ولا وجه له قطعا، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ولا يجوز اعتبارها في محل جر بإضافة (إذا) إليها، وتعليق (إذا) بجوابها؛ لأن الجواب قد اقترن بالفاء، ولا يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها. أفاده ابن هشام في المغني.
﴿فَذلِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (ذلك): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ بدل من اسم الإشارة مبني على الفتح في محل رفع، وبني لإضافته إلى غير متمكن، وهو (إذ)، فإنه في الأصل مبني على السكون. هذا؛ وأجيز تعليقه ب: ﴿عَسِيرٌ،﴾ ﴿يَوْمٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿عَسِيرٌ:﴾ صفة يوم. والجملة الاسمية: (ذلك...) إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿عَلَى الْكافِرِينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿عَسِيرٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه. أفاده ابن هشام في المغني. ﴿غَيْرُ:﴾ صفة ثانية ل: ﴿يَوْمٌ،﴾ و ﴿غَيْرُ﴾ مضاف، و ﴿يَسِيرٍ﴾ مضاف إليه، كما قال ابن هشام: ويحتمل تعليق الجار والمجرور ﴿عَلَى الْكافِرِينَ﴾ ب: ﴿يَسِيرٍ،﴾ وجعل منه قوله تعالى في سورة (الزخرف) رقم [١٨]: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ وقول الشاعر، وهو الشاهد رقم [١١٤٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]
فتى هو حقّا غير ملغ تولّه... ولا تتّخذ يوما سواه بديلا
وأيضا قول أبي زبيد الطائي، وهو الشاهد رقم [١١٤١] من الكتاب المذكور: [البسيط]
إنّ امرأ خصّني يوما مودّته... على التنائي لعندي غير مكفور
стр. 6954
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً (١٢) وَبَنِينَ شُهُوداً (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥)﴾
الشرح: ﴿ذَرْنِي:﴾ اتركني، ودعني، وهي كلمة وعيد، وتهديد. ﴿وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ أي:
خلقته في بطن أمه، وأبرزته إلى الوجود وحيدا، لا مال له، ولا ولد، ثم أعطيته بعد ذلك ما أعطيته من النعم. وأجمع المفسرون على أنه الوليد بن المغيرة المخزومي، وإنما خصّ بالذكر؛ وإن كان الناس خلقوا مثله؛ لاختصاصه بكفر النعمة، وكثرة إيذائه للرسول ﷺ ، وكان يسمى الوحيد في قومه، وريحانة قريش، وهو الذي قالوا فيه كما حكى الله عنهم في سورة (الزخرف) رقم [٣١]: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ وقال قوم: إن قوله تعالى:
﴿وَحِيداً﴾ يرجع إلى الرب جل وعلا على معنيين: أحدهما: ذرني وحدي معه؛ فأنا أجزيك في الانتقام منه عن كل منتقم. والثاني: أني انفردت بخلقه، ولم يشركني فيه أحد، فأنا أهلكه، ولا أحتاج إلى ناصر في إهلاكه. وقيل: الوحيد الذي لا يعرف أبوه، وكان الوليد معروفا بأنه دعي، كما ذكرت ذلك في سورة (ن) رقم [١٣].
﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً﴾ أي: خولته، وأعطيته مالا ممدودا، وهو ما كان للوليد بين مكة والطائف من الإبل، ونحوها، والنعم، والجنان، والعبيد، والجواري. كذا كان ابن عباس-﵄-يقول. وقال مقاتل-رحمه الله تعالى-: كان له بستان لا ينقطع خيره شتاء، ولا صيفا.
﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾ أي: حضورا لا يغيبون عنه في تصرف يتمتع بلقائهم، لا يحتاجون إلى سفر لطلب المعاش استغناء بماله، ونعمته، ولا يحتاج أن يرسلهم في مصالحه لكثرة خدمه. أو كانوا شهودا في المحافل، والأندية لوجاهتهم، وقد كانوا عشرة، أسلم منهم ثلاثة: خالد سيف الله، وكان أسلم قبله الوليد، وهشام أسلم بعد فتح مكة، وقد زلق الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي كعادتهما، وقال به الخازن أيضا؛ حيث ذكروا إسلام عمارة، ولم يذكروا إسلام الوليد بن الوليد، علما بأن عمارة هلك على كفره في بلاد الحبشة بعد أن بعثته قريش بصحبة عمرو بن العاص إلى النجاشي ليرد المسلمين؛ الذين هاجروا إلى الحبشة إلى كفار قريش، وقد استعمل عمرو بن العاص له مكيدة، فكانت سبب هلاكه، وعمارة المذكور كان أجمل فتيان قريش، وهو الذي قدمته قريش لأبي طالب يتبناه، ويسلم لهم الرسول ﷺ ، فقال لهم أبو طالب:
أرأيتم ناقة تحن إلى غير فصيلها؟.
﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً﴾ أي: بسطت له في العيش بسطا؛ حتى أقام ببلدته مطمئنا مترفها، يرجع إلى رأيه. والتمهيد عند العرب: التوطئة، والتهيئة، ومنه: مهد الصبي. ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ أي:
مالا، وولدا، وجاها، وتمهيدا على ما أوتيه. وهو استبعاد لطمعه، أو لأنه لا مزيد على ما
стр. 6955
أوتيه؛ لأنه لا يناسب ما هو عليه من كفران النعم، ومعاندة المنعم. وانظر الطمع في الآية رقم [٢٨] من سورة (الحاقة)، وانظر شرح المال في الآية رقم [١٢] من سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
الإعراب: ﴿ذَرْنِي:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من):
اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، أو هو معطوف على ياء المتكلم.
﴿خَلَقْتُ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: الذي خلقته. ﴿وَحِيداً:﴾ حال من (من)، أو من ضميره المحذوف، وهو مفعول ﴿خَلَقْتُ،﴾ أو هو حال من ياء المتكلم، أو من تاء الفاعل. انظر الشرح. ﴿وَجَعَلْتُ:﴾ الواو:
حرف عطف. (جعلت): فعل، وفاعل. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل مفعوله الثاني تقدم على الأول. ﴿مالاً:﴾ مفعول به. ﴿مَمْدُوداً:﴾ صفة ﴿مالاً﴾. ﴿وَبَنِينَ:﴾
معطوف على ﴿مالاً﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿شُهُوداً:﴾ صفة (بنين)، وجملة: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿خَلَقْتُ..﴾. إلخ فهي في حيز صلة الموصول. ﴿وَمَهَّدْتُ:﴾ فعل، وفاعل. (له): متعلقان بما قبلهما. ﴿تَمْهِيداً:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي من جملة الصلة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يَطْمَعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من). ﴿أَنْ أَزِيدَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل تقديره: «أنا»، والمفعول محذوف، التقدير: أن أزيده، و (أن) والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، أو هو في محل نصب بنزع الخافض، التقدير: ثم يطمع في الزيادة على ما ذكر من المال، والبنين، والتمهيد. وجملة: ﴿يَطْمَعُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي من جملة الصلة.
﴿كَلاّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (١٧)﴾
الشرح: ﴿كَلاّ﴾ أي: لا أفعل، ولا أزيده. قالوا: فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله، وولده؛ حتى هلك. انظر كيف كان هلاكه في الآية رقم [٩٥] من سورة (الحجر).
وقيل: كان يقول: إن كان محمد صادقا فيما يدعيه من وجود الجنة، فما خلقت إلاّ لي. ﴿إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً﴾ أي: معاندا للنبي ﷺ ، ولما جاء به. هذا؛ والعنيد: المعاند للحق، المجانب له.
والعنيد، والعنود، والعاند: المعاند للحق، والمخالف له، وفعله يأتي من الباب الأول، والثاني، والرابع، والخامس، والمصدر عندا، وعنودا، وعندا، وهو مأخوذ من العند، وهو الناحية، والعاند: البعير؛ الذي يجوز عن الطريق، ويعدل عن القصد، والجمع: عنّد مثل: راكع، وركّع، وأنشد أبو عبيدة قول الحارثي-وهو الشاهد رقم [١١٦٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الرجز]
стр. 6956
إذا ركبت فاجعلوني وسطا... إنّي كبير لا أطيق العنّدا
وقال أبو صالح: عنيدا معناه: مباعدا. قال الشاعر: [الطويل]
أرانا على حال تفرّق بيننا... نوى غربة إنّ الفراق عنود
وعرق عاند: إذا لم يرقأ دمه، وجمع العنيد: عند مثل رغيف، ورغف. ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً:﴾
سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة له فيها، والإرهاق في كلام العرب: أن يحمل الإنسان على الشيء. و «الصّعود: جبل من نار يتصعّد فيه الكافر سبعين خريفا، ثم يهوي به كذلك فيه أبدا».
رواه أبو سعيد الخدري-﵁، عن النبي ﷺ ، وخرجه الترمذي، وقال: حديث غريب.
وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن أبي سعيد الخدري-﵁-عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ قال: «هو جبل من نار يكلّف أن يصعده، فإذا وضع يده؛ ذابت، فإذا رفعها؛ عادت، وإذا وضع رجله؛ ذابت، فإذا رفعها؛ عادت، يصعد سبعين خريفا، ثم يهوي كذلك». ورواه الترمذي، وأحمد، والحاكم.
أما القول في ﴿كَلاّ﴾ فإني أنقله لك بحروفه من مغني اللبيب لابن هشام-طيب الله ثراه- لتكون على بصيرة من أمرك. قال-رحمه الله تعالى-: وهي عند سيبويه، والخليل، والمبرد، والزجاج، وأكثر البصريين حرف معناه: الردع، والزجر، لا معنى لها عندهم إلا ذلك؛ حتى إنهم يجيزون أبدا الوقف عليها، والابتداء بما بعدها، وحتى قال جماعة منهم: متى سمعت ﴿كَلاّ﴾ في سورة فاحكم بأنها مكية. وفيه نظر؛ لأن لزوم المكية إنما يكون عن اختصاص العتوّ بها، لا عن غلبته، ثم لا تمتنع الإشارة إلى عتوّ سابق. ثم لا يظهر معنى الزجر في ﴿كَلاّ﴾ المسبوقة بنحو قوله تعالى في سورة (الانفطار): ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلاّ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦) كَلاّ،﴾ سورة (المطففين)، وقوله تعالت حكمته: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩) كَلاّ..﴾. إلخ، سورة (القيامة).
وقولهم: المعنى انته عن ترك الإيمان بالتصوير في أي: صورة ما شاء الله، وبالبعث، وعن العجلة بالقرآن تعسف؛ إذ لم يتقدم في الأولين حكاية نفي ذلك عن أحد، ولطول الفصل في الثالثة بين كلاّ وذكر العجلة، وأيضا فإن أول ما نزل خمس آيات من أول سورة (العلق)، ثم نزل قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى﴾ (٦) فجاءت في افتتاح الكلام، الوارد منها في التنزيل ثلاثة وثلاثون موضعا كلها في النصف الأخير، وذلك في خمس عشرة سورة منه، وكلها مكية. قال الديربي في تفسيره المنظوم: [الطويل]
وما نزلت كلاّ بيثرب فاعلمن... ولم تأت في القرآن في نصفه الأعلى
ورأى الكسائي وأبو حاتم ومن وافقهما: أن معنى الردع، والزجر ليس مستمرا فيها، فزادوا فيها معنى ثانيا، يصح أن يوقف دونها، ويبتدأ بها، ثم اختلفوا في تعيين ذلك على ثلاثة أقوال:
стр. 6957
أحدها: للكسائي، ومتابعيه. قالوا: تكون بمعنى حقا. والثاني: لأبي حاتم، ومتابعيه. قالوا:
تكون بمعنى «ألا» الاستفتاحية. والثالث: للنضر بن شميل، والفراء، ومن وافقهما. قالوا:
تكون حرف جواب بمنزلة: إي، ونعم، وحملوا عليه قوله تعالى: ﴿كَلاّ وَالْقَمَرِ..﴾. إلخ الآتي في هذه السورة، فقالوا: معناه: إي والقمر.
وقول أبي حاتم عندي أولى من قولهما؛ لأنه أكثر اطرادا، فإن قول النضر لا يتأتّى في آيتي (المؤمنون) و (الشعراء) على ما سيأتي. وقول الكسائي لا يتأتّى في نحو قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ وقوله تعالت حكمته:
﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ الآيات الثلاث من سورة (المطففين)؛ لأن همزة (أنّ) تكسر بعد «ألا» الاستفتاحية، ولا تكسر بعد: «حقا»، ولا بعد ما كان بمعناها، ولأن تفسير حرف بحرف أولى من تفسير حرف باسم. وأما قول مكي: إن ﴿كَلاّ﴾ على رأي الكسائي اسم إذا كانت بمعنى حقا؛ فبعيد؛ لأن اشتراك اللفظ بين الاسمية والحرفية قليل، ومخالف للأصل، ومحوج لتكلف دعوى علة لبنائها، وإلا؛ فلم نوّنت؟!.
وإذا صلح الموضع للردع، ولغيره؛ جاز الوقف عليها، والابتداء بها على اختلاف التقديرين. والأرجح حملها على الردع؛ لأنه الغالب فيها، وذلك نحو قوله تعالى في سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٧٨) كَلاّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ،﴾ وقوله جل شأنه فيها أيضا: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾.
وقد تتعين للردع، أو الاستفتاح، نحو قوله تعالى في سورة (المؤمنون): ﴿قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها﴾ لأنها لو كانت بمعنى حقا؛ لما كسرت همزة (إنّ)، ولو كانت بمعنى نعم لكانت للوعد بالرجوع؛ لأنها بعد الطلب، كما يقال: أكرم فلانا، فتقول: نعم، ونحو قوله تعالى في سورة (الشعراء): ﴿فَلَمّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قالَ كَلاّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ وذلك لكسر (إنّ)، ولأن نعم بعد الخبر للتصديق.
وقد يمتنع كونها للزجر، نحو قوله تعالى الآتي في هذه السورة: ﴿وَما هِيَ إِلاّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلاّ وَالْقَمَرِ﴾ إذ ليس قبلها ما يصح رده. وقول الطبري، وجماعة: إنه لما نزل في عدد خزنة جهنم قوله تعالى: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال بعضهم: اكفوني اثنين، وأنا أكفيكم سبعة عشر فنزل: ﴿كَلاّ وَالْقَمَرِ﴾ (٣٢) زجرا له هو قول متعسّف، أو تعسّف؛ لأن الآية لم تتضمن ذلك. انتهى. مغني.
أقول: ويتلخص من هذا أن الأكثر في ﴿كَلاّ﴾ أن تكون حرف ردع زجر، وذلك إذا سبقها كلام يستدعي ذلك، ولا ردع في سورة (الانفطار)، ولا في سورة (العلق)، ولا في سورة (المطففين)، وما جرى مجراهن، وإنما هي للتنبيه، والاستفتاح كما هو واضح، وتكون بمعنى: إي، أي: حرف
стр. 6958
جواب، كما في قوله تعالى الآتي: ﴿كَلاّ وَالْقَمَرِ﴾ ولا تكون بمعنى حقا كما بينه ابن هشام-رحمه الله تعالى-لعدم فتح همزة (إنّ) بعدها. ونقل الجمل عن السمين للنحويين فيها ستة مذاهب، والمعتمد ما لخصته لك من مغني اللبيب لابن هشام طيب الله ثراه، وجعل الجنة مأوانا، ومأواه.
الإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع وزجر هنا. ﴿إِنَّهُ:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (من). ﴿لِآياتِنا:﴾
متعلقان بما بعدهما، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿عَنِيداً:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين، وفيها معنى التعليل للردع والزجر. ﴿سَأُرْهِقُهُ:﴾ السين: حرف استقبال، وهو مفيد للتأكيد هنا، تأكيد الوعيد، والتهديد. (أرهقه): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والهاء مفعول به أول.
﴿صَعُوداً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرت الكلام من قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي..﴾. إلخ، في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: قال الله تعالى: ذرني... إلخ؛ فلست مفندا.
﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاِسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾
الشرح: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ أي: فكر في الأمر الذي يريده، ونظر فيه، وتدبره، ورتب في قلبه كلاما، وهيأه لذلك الأمر، وهو المراد بقوله، و ﴿وَقَدَّرَ﴾ أي: وقدر ذلك الكلام في قلبه، وذلك: أن الله تعالى لما أنزل على نبيه ﷺ من سورة (غافر): ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ..﴾. إلخ إلى قوله: ﴿الْمَصِيرُ،﴾ قام النبي ﷺ في المسجد يصلي؛ والوليد بن المغيرة قريب منه يسمع قراءته، فلما فطن النبي ﷺ لاستماعه؛ أعاد قراءة الآية، فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه من بني مخزوم، فقال: والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما، ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو، وما يعلى عليه، ثم انصرف إلى منزله.
فقالت قريش: صبأ والله الوليد! لتصبونّ قريش كلها! فقال أبو جهل الخبيث: أنا أكفيكموه، فانطلق حتى جلس إلى جنب الوليد حزينا، فقال له الوليد: ما لي أراك حزينا يا بن أخي؟! فقال: ما يمنعني أن أحزن، وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك فيها على كبر سنك، ويزعمون: أنك زينت كلام محمد، وأنك تدخل على ابن أبي كبشة، وابن أبي قحافة؛ لتنال من
стр. 6959
فضل طعامهما! فغضب الوليد، وقال: ألم تعلم قريش أني من أكثرهم مالا، وولدا؟ وهل شبع محمد، وأصحابه من الطعام حتى يكون لهم فضل طعام؟!.
ثم قام مع أبي جهل الخبيث حتى أتى مجلس قومه، فقال لهم: تزعمون أن محمدا مجنون؛ فهل رأيتموه يخنق قط؟ قالوا: اللهم لا! قال: تزعمون: أنه كاهن؛ فهل رأيتموه قط تكهن؟ قالوا: اللهم لا! قال: تزعمون: أنه شاعر، فهل رأيتموه ينطق بالشعر قط؟ قالوا: اللهم لا! قال: تزعمون: أنه كذاب، فهل جربتم عليه شيئا من الكذب؟! قالوا: اللهم لا! (كان الرسول ﷺ يسمى قبل النبوة الأمين لصدقه) فقالت قريش للوليد: فما هو؟ فتفكر في نفسه، ثم قال: ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل، وأهله، وولده، ومواليه، فهو ساحر، وما يقوله سحر يؤثر. فذلك قوله : ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ﴾ أي: في أمر النبي ﷺ والقرآن، ﴿وَقَدَّرَ﴾ في نفسه ماذا يمكنه أن يقوله في شأنه ﷺ والقرآن. انتهى. خازن. ومثله في الكشاف، والقرطبي، وغيرهما، وانظر ما ذكرته بشأن الوليد في سورة (ن) رقم [١٠] وما بعدها. ويشبه هذا ما ذكرته بشأن عتبة بن ربيعة في صدر سورة (فصلت)، انظر رقم [١٣] منها.
﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ أي: لعن كيف قدر؟! وقال بعضهم، معناه: قهر، وغلب. وكل مذلّل مقتّل. قال امرؤ القيس في معلقته رقم [٣٠]: [الطويل]
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي... بسهميك في أعشار قلب مقتّل
قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: تعجيب من تقديره، وإصابته فيه المحزّ ورميه الغرض الذي كانت تنتحيه قريش. أو ثناء عليه على طريقة الاستهزاء به، على معنى قول القائل: قتله الله ما أشجعه! وأخزاه الله ما أشعره! للإشعار بأنه قد بلغ المبلغ، الذي هو حقيق بأن يحسد، ويدعو عليه حاسده بذلك، والجملة الثانية تأكيد للأولى.
﴿ثُمَّ نَظَرَ:﴾ بأي: شيء يرد الحق، ويدفعه؟ ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ أي: كلح. ﴿وَبَسَرَ:﴾ قطب بين عينيه كالمتهم المتفكر في شيء يدبره. وقيل: كلح وجهه، وتقطب جبينه في وجوه المؤمنين، ومنه قوله تعالى في سورة (القيامة): ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ ومنه قول بشر بن أبي خازم: [المتقارب]
صبحنا تميما غداة الجفار... بشهباء ملمومة باسره
وقال توبة بن الحمير صاحب ليلى الأخيلية: [الطويل]
وقد رابني منها صدود رأيته... وإعراضها عن حاجتي وبسورها
وقيل: إن ظهور العبوس في الوجه بعد المحاورة، وظهور البسور في الوجه قبل المحاورة.
﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾ أي: ولى، وأعرض ذاهبا إلى أهله. ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ أي: عن الإيمان حين دعي إليه. ﴿فَقالَ إِنْ هذا﴾ أي: ما هذا الذي أتى به محمد ﷺ . ﴿إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أي: سحر يأثره، وينقله عن غيره.
﴿إِنْ هذا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ أي: ما هذا إلا كلام المخلوقين، تنخدع به القلوب كما تنخدع بالسحر.
стр. 6960
هذا؛ و (بشر) يطلق على الإنسان ذكرا كان، أو أنثى، مفردا كان، أو جمعا، مثل كلمة الفلك، تطلق على المفرد والجمع، وسمي بنو آدم بشرا لبدوّ بشرتهم، التي هي ظاهر الجلد، بخلاف أكثر المخلوقات فإنها مكسوة بالشعر، أو بالصوف، أو بالريش. هذا؛ و (بشر) يطلق على الواحد، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا﴾ الآية رقم [١٧] من سورة (مريم).
ولذا ثني في قوله تعالى: ﴿فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ الآية رقم [٤٧] من سورة (المؤمنون)، كما يطلق على الجمع، كما في الآية التي بين أيدينا، وقوله تعالى في سورة (مريم) رقم [٢٦]: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً﴾.
هذا؛ وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: ما معنى ﴿ثُمَّ﴾ الداخلة في تكرير الدعاء؟ قلت: الدلالة على أن الكرّة الثانية أبلغ من الأولى، ونحوه قول حميد بن ثور الهلالي: [الطويل]
ومالي من ذنب إليهم علمته... سوى أنني قد قلت يا سرحة اسلمي
نعم فاسلمي ثم اسلمي ثمّت اسلمي... ثلاث تحيات وإن لم تكلّمي
فإن قلت: ما معنى المتوسطة بين الأفعال التي بعدها؟ قلت: الدلالة على أنه قد تأنّى في التأمل وتمهل وكأن بين الأفعال المتناسقة تراخ وتباعد، فإن قلت: فلم قيل: ﴿فَقالَ إِنْ هذا﴾ بالفاء بعد عطف ما قبله ب: ﴿ثُمَّ؟﴾ قلت: لأن الكلمة لما خطرت بباله بعد التطلب لم يتمالك أن نطق بها من غير تلبّث. فإن قلت: فلم لم يوسط حرف العطف بين الجملتين؟ قلت: لأن الأخرى جرت من الأولى مجرى التوكيد من المؤكد. انتهى. كشاف.
هذا؛ والسحر كل ما لطف، ودق، يقال: سحره: إذا أبدى له أمرا يدق عليه، ويخفى، وقال الغزالي-رحمه الله تعالى-في الإحياء ما نصه: السحر نوع يستفاد من العلم بخواص الجواهر، وبأمور حسابية في مطالع النجوم، فيتخذ من تلك الخواص هيكل على صورة الشخص المسحور، ويترصد له وقت مخصوص من المطالع، وتقرن به كلمات يتلفظ بها من الكفر، والفحش المخالف للشرع، ويتوصل بسببها إلى الاستغاثة بالشياطين، ويحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء الله العادة أحوال غريبة في الشخص المسحور. انتهى. هذا؛ والمعتمد: إن تعلمه لدفع الضرر عن نفسه، أو عن غيره، أو اتخذه الشخص ذريعة للاتقاء عن الاغترار بمثله؛ بقي على الإيمان، فلا كفر باعتقاد حقيقته، وجواز العمل به من غير إضرار بأحد.
الإعراب: ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿فَكَّرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الوليد المحدث عنه، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للوعيد، والتهديد. (قدر): فعل ماض، والفاعل تقديره: «هو»، والجملة الفعلية
стр. 6961
معطوفة على ما قبلها. ﴿فَقُتِلَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قتل): فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى الوليد أيضا. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من فاعل ﴿قَدَّرَ﴾ بعده. ﴿قَدَّرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الوليد، والجملة الفعلية فيها معنى التعليل للعنه، والتي بعدها معطوفة عليها، وهي مؤكدة لها، والجمل ﴿نَظَرَ،﴾ ﴿عَبَسَ،﴾ ﴿وَبَسَرَ،﴾ ﴿أَدْبَرَ،﴾ ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ معطوفة على جملة: (قتل...) إلخ وهي في محل رفع مثلها. ﴿فَقالَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى الوليد أيضا. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى ما. ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿سِحْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: (قال...) إلخ معطوفة على ما قبلها.
﴿يُؤْثَرُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿سِحْرٌ،﴾ والجملة الفعلية صفة ﴿سِحْرٌ،﴾ وجملة: ﴿إِنْ هذا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ كالتأكيد لسابقتها، ولذلك لم تعطف عليها، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى، و ﴿قَوْلُ﴾ مضاف، و ﴿الْبَشَرِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله.
﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾
الشرح: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ:﴾ سأدخله سقر؛ كي يصلى حرها. هذا؛ وقال الجوهري: يقال:
صليت الرجل نارا، إذا أدخلته النّار، وجعلته يصلاها، فإن ألقيته فيها إلقاء كأنك تريد الإحراق قلت: أصليته بالألف، وصلّيته تصلية، ويقال أيضا: صلي بالأمر: إذا قاسى حره وشدته، واصطليت بالنار، وتصلّيت بها إذا استدفأت بها، وفلان لا يصطلى بناره: إذا كان شجاعا لا يطاق. ﴿سَقَرَ:﴾ واد من أودية النار، ودركة من دركاتها، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في باب ما لا ينصرف: [الرجز]
كذا مؤنث بهاء مطلقا... وشرط منع العار كونه ارتقى
فوق الثلاث أو كجور، أو سقر... أو زيد اسم امرأة لا اسم ذكر
وإنما سميت سقر من: سقرته الشمس: إذا أذابته، ولوحته، وأحرقت جلدة وجهه. وروى أبو هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «سأل موسى ربّه، فقال: أي ربّ! أيّ عبادك أفقر؟ فقال: صاحب سقر». ذكره الثعلبي.
﴿وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ:﴾ هذه مبالغة في وصفها، أي: وما أعلمك أي شيء هي؟ وهي كلمة تهويل، وتعظيم لشأنها، وأمرها. ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ أي: لا تترك لهم عظما، ولا لحما، ولا دما
стр. 6962
إلا أحرقته. وكرر اللفظ تأكيدا؛ لأن اللفظين مترادفان، وهما بمعنى واحد. وقال مجاهد -رحمه الله تعالى-: لا تبقي من فيها حيا، ولا تذره ميتا، بل تحرقهم كلما جدّدوا.
هذا؛ وقال مكي بن أبي طالب القيسي: إنما حذفت الواو من (تذر)؛ لأنه حمل على نظيره في الاستعمال، والمعنى، وهو «يدع»؛ لأنه بمعناه، ولأنهما جميعا لم يستعمل منهما ماض، فحمل «يذر» على «يدع» فحذفت فاؤه، كما حذفت في يدع، وإنما حذفت في «يدع» لوقوعها بين ياء، وكسرة، ولأن فتحة الدال عارضة، إنما انفتحت من أجل حرف الحلق، والكسر أصلها، فبني الكلام على أصله، وقدر ذلك فيه، فحذفت واو «يدع» لذلك، وحمل عليه «يذر»؛ لأنه بمعناه، ومشابه له في امتناع استعمال الماضي. انتهى. وانظر ما قيل في ماضي «يدع» في الآية رقم [٣] من سورة (الضحى).
﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ أي: مغيرة للوجوه، والأبدان. من: لاحه: إذا غيره. قال أبو رزين: تلفح النار وجوههم لفحة، تدعها أشد سوادا من الليل، والعرب تقول: لاحه البرد، والحر، والسقم، والحزن: إذا غيره، ومنه قول الشاعر: [الرجز]
تقول ما لاحك يا مسافر... يا بنة عمّي لاحني الهواجر
وقال آخر: [الطويل]
وتعجب هند أن رأتني شاحبا... تقول لشيء لوّحته السّمائم
وقال لبيد-﵁-في معلقته رقم [٢٥]: [الكامل]
أو ملمع وسقت لأحقب لاحه... طرد الفحول وضربها وكدامها
وقال ابن عباس-﵄. ﴿لَوّاحَةٌ﴾ أي: تلوح للبشر من مسيرة خمسمئة عام.
وقال الحسن وابن كيسان: تلوح لهم جهنم حتى يروها عيانا. قال تعالى في سورة (الشعراء):
﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ،﴾ وفي سورة (النازعات): ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى،﴾ وفي سورة (التكاثر):
﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ﴾. هذا؛ وفي (البشر) وجهان: أحدهما: أنه الإنس من أهل النار، والثاني: أنه جمع بشرة، وهي جلدة الإنسان الظاهرة.
﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أي: على سقر تسعة عشر ملكا يلقون فيها أهلها. ثم قيل: هم خزنتها:
مالك أحد العشرة الملائكة المقربين، وثمانية عشر ملكا، ويحتمل أن يكون هذا العدد نقباء، وتحت أمرهم ملائكة كثيرون. وعلى الأول أكثر المفسرين، ولا ينكر هذا؛ لأنه إذا كان ملك واحد يقبض أرواح جميع الخلائق، كان أحرى أن يكون تسعة عشر ملكا على عذاب الخلائق.
وقال ابن جريج: نعت النبي ﷺ خزنة جهنم، فقال: «فكأن أعينهم البرق، وكأنّ أفواههم الصياصي، يجرون أشعارهم، لأحدهم من القوة مثل قوة الثقلين، يسوق أحدهم الأمة، وعلى رقبته جبل، فيرميهم في النار، ويرمي فوقهم الجبل». انتهى. قرطبي وكشاف.
стр. 6963
ويروى بيد كل ملك منهم مرزبة: لها شعبتان، فيضرب الضربة، فيهوي بها في النار سبعين ألفا. وعن عمرو بن دينار-رحمه الله تعالى-: كل واحد منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ربيعة، ومضر. وذكر ابن وهب قال: حدثنا عبد الرحمن بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ في خزنة جهنم: «ما بين منكبي أحدهم كما بين المشرق والمغرب».
هذا؛ وقال ابن عباس، وقتادة، والضحاك-﵃: لما نزل: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال أبو جهل الخبيث لقريش: ثكلتكم أمهاتكم، أسمع ابن أبي كبشة يخبركم: أن خزنة جهنم تسعة عشر، وأنتم الدّهم (العدد الكثير) والشجعان، أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم؟! فقال أبو الأشد بن كلدة الجمحي، وكان شديد البطش: أنا أكفيكم سبعة عشر، فاكفوني أنتم اثنين، فأنزل الله الآية التالية.
فائدة:
البسملة تسعة عشر حرفا بعدد خزنة جهنم فليكثر المسلم من ذكرها في جميع تصرفاته، فهي حرز، وحصن من خزنة جهنم إن شاء الله تعالى.
الإعراب: ﴿سَأُصْلِيهِ:﴾ السين: حرف استقبال، وهي تفيد تحقيق الوعيد، والتهديد. (أصليه):
فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا».
والهاء مفعول به. ﴿سَقَرَ:﴾ مفعول به ثان، أو هو ظرف مكان متعلق بما قبله، والجملة الفعلية بدل من قوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ قاله الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي. أو هي مستأنفة. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَدْراكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (ما)، تقديره: «هو»، والكاف مفعول به أول. ﴿ما سَقَرُ:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعول ﴿أَدْراكَ﴾ الثاني المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وقال زاده: في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني والثالث ل: (أدرى) بمعنى أعلم، والجملة الفعلية ﴿أَدْراكَ ما سَقَرُ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، الذي هو (ما)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُبْقِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿سَقَرَ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿سَقَرَ،﴾ والرابط الضمير فقط، وهي حال مقدرة، وجملة: ﴿وَلا تَذَرُ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل نصب حال مثلها، وأجيز فيهما الاستئناف، ومفعول الفعلين محذوف، التقدير: لا تبقي ما ألقي فيها، ولا تذره.
﴿لَوّاحَةٌ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي لواحة، والجملة الاسمية في محل نصب حال أخرى، أو هي مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقرئ بنصبها على الحال، وفيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها حال من ﴿سَقَرَ﴾ والعامل فيها معنى التعظيم، والتهويل. والثاني: أنها حال من فاعل ﴿لا تُبْقِي﴾. والثالث: أنها حال من فاعل (لا تذر)، واعتبرها الزمخشري وتبعه البيضاوي منصوبة
стр. 6964
على الاختصاص للتهويل. وبه قال القرطبي. ﴿لِلْبَشَرِ:﴾ متعلقان ب: ﴿لَوّاحَةٌ﴾. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ:﴾ جزءان عدديان مبنيان على الفتح في محل رفع مبتدأ مؤخر. هذا؛ وقد حذف تمييز العدد، كما حذف تمييز العدد في الآيتين رقم [٦٥] و [٦٦] من سورة (الأنفال)، والجملة الاسمية يجوز فيها ما جاز بالجملتين الفعليتين: ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾.
﴿وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النّارِ إِلاّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ وَما هِيَ إِلاّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١)﴾
الشرح: ﴿وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النّارِ:﴾ خزنتها. ﴿إِلاّ مَلائِكَةً﴾ أي: لم نجعلهم رجالا من جنسكم تقدرون على مقاومتهم كما تدعون. وقيل: جعلهم الله ملائكة؛ لأنهم خلاف جنس المعذبين من الجن، والإنس، فلا يأخذهم ما يأخذ المجانس من الرأفة، والرقة، ولا يستروحون إليهم، ولأنهم أقوم خلق الله بحق الله، وبالغضب له، فتؤمن هوادتهم مع الكافرين، ولأنهم أشد خلق الله بأسا وأقواهم بطشا، فقوتهم أعظم من قوة الإنس، والجن، ولذلك جعل رسول البشر من جنسهم ليكون له رأفة ورحمة بهم. وهنا يرد سؤال، وهو: أنّه ثبت في الأخبار: أنّ الملائكة مخلوقون من النور؛ فكيف تطيق المكث في النار؟! أجيب بأن الله تعالى قادر على كل الممكنات، فكما لا استبعاد في أنه يبقى أهل النار في مثل ذلك العذاب الشديد أبد الآباد، ولا يموتون، فكذا لا استبعاد في إبقاء الملائكة هناك من غير ألم.
﴿وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ﴾ أي: تسعة عشر. ﴿إِلاّ فِتْنَةً:﴾ اختبارا، وامتحانا للناس، ولا سيما الكفار منهم؛ لأن حال هذه العدة الناقصة واحدا من عقد العشرين أن يفتتن بها من لا يؤمن بالله، وبحكمته، ويعترض، ويستهزئ، ولا يذعن إذعان المؤمن، وإن خفي عليه وجه الحكمة. وفي البيضاوي: وما جعلنا عددهم إلا العدد الذي اقتضى فتنتهم، وهو التسعة عشر، فعبر بالأثر، وهو الفتنة عن المؤثر، وهو خصوص التسعة عشر، تنبيها على أنه لا ينفك عنه، وافتتانهم به، استقلالهم له، واستهزاؤهم، واستبعادهم أن يتولى هذا العدد القليل أكثر الثقلين. انتهى.
﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ أي: ليوقن، ويتأكد الذين أعطوا التوراة، والإنجيل: أن عدة خزنة جهنم موافقة لما عندهم. ﴿وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً﴾ يعني: من آمن من أهل الكتاب يزدادون تصديقا بمحمد ﷺ ؛ لأن ذلك العدد كان موجودا في كتابهم، وأخبر به النبي ﷺ على وفق ما عندهم من غير سابقة دراسة، وتعلم علم، إنما حصل له ذلك بالوحي السماوي، فازدادوا بذلك إيمانا، وتصديقا بمحمد ﷺ وبرسالته.
стр. 6965
﴿وَلا يَرْتابَ﴾ أي: ولا يشك. ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: في عددهم. وإنما قال: ﴿وَلا يَرْتابَ،﴾ وإن كان الاستيقان يدل على نفي الارتياب، ليجمع لهم بين إثبات اليقين، ونفي الشك، وذلك أبلغ، وآكد؛ لأن فيه تعريضا بحال غيرهم، كأنه قال: وليخالف حالهم حال الناس المرتابين من أهل الكفر والنفاق.
﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ:﴾ المراد بمرض شك ونفاق، و ﴿وَالْكافِرُونَ﴾ أهل مكة، والمرض حقيقة فيما يعرض للبدن، فيخرجه عن الاعتدال اللائق به، ويوجب الخلل في أفعاله، وقد يؤدي إلى الموت، واستعير هنا لما في قلوب المنافقين من الجهل، وفساد العقيدة.
قال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: لم يكن بمكة نفاق، فكيف قال: وليقول الذين في قلوبهم مرض، وهم المنافقون؛ وهذه السورة مكية؟! قلت: لأنه كان في علم الله تعالى أن النفاق سيحدث، فأخبره الله عما سيكون، وهو كسائر الإخبار بالغيوب، فعلى هذا تصير الآية معجزة للنبي ﷺ ؛ لأنه إخبار عن غيب سيقع، وقد وقع على وفق الخبر. وقيل: يحتمل أن يراد بالذين في قلوبهم مرض أهل مكة؛ لأن فيهم من هو شاك، وفيهم من هو قاطع بالكذب. انتهى.
﴿ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً:﴾ يعني أي شيء أراد الله بهذا المثل العجيب، وإنما سمّوه مثلا؛ لأنه استعارة من المثل المضروب؛ لأنه مما غرب من الكلام، وبدع استغرابا منهم لهذا العدد، واستبعادا له، والمعنى: أي غرض قصد في جعل الملائكة تسعة عشر، لا عشرين، ومرادهم بذلك إنكار هذا من أصله، وإنه ليس من عند الله، فلهذا سمّوه مثلا.
﴿كَذلِكَ﴾ أي: مثل إضلال منكر هذا العدد، وهدي مصدقه والمؤمن به. ﴿يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ:﴾ إضلاله، وخزيه. ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ:﴾ هدايته، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة، والبراهين الساطعة ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾. ولا تنس الالتفات من الغيبة إلى الخطاب. وانظر الالتفات في سورة (الملك) رقم [٢٠]. ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ أي: ما يعلم عدد الملائكة وكثرتهم إلا هو جل شأنه، وتعالت حكمته، لئلا يتوهم متوهم: أنهم تسعة عشر فقط، وقد ثبت في حديث الإسراء، والمعراج في صفة البيت المعمور الذي في السماء السابعة:
«فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك يطوفون به إذا خرجوا لم يعودوا إليه، آخر ما عليهم».
هذا معنى حديث صحيح مخرج في الصحيحين.
وروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي ذر-﵁. قال: قال رسول الله ﷺ : «إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطّت السماء، وحقّ لها أن تئطّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد، لو علمتم ما أعلم؛ لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، ولا تلذذتم بالنساء على الفرشات، ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى الله تعالى». فقال أبو ذر-﵁: والله لوددت أني شجرة تعضد! أخرجه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب.
стр. 6966
وعن جابر بن عبد الله-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما في السموات السبع موضع قدم، ولا شبر، ولا كفّ؛ إلا وفيه ملك قائم، أو ملك ساجد، أو ملك راكع، فإذا كان يوم القيامة؛ قالوا جميعا: سبحانك! ما عبدناك حق عبادتك؛ إلا أنا لم نشرك بك شيئا».
أخرجه الطبراني. وعن ابن مسعود-﵁-قال: إن من السموات سماء ما فيها موضع شبر إلا وعليه جبهة ملك، أو قدماه قائم، ثم قرأ: ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ سورة (الصافات).
﴿وَما هِيَ﴾ أي: وما هذه النار التي هي سقر ﴿إِلاّ ذِكْرى:﴾ عظة، وتذكير. ﴿لِلْبَشَرِ:﴾ للخلق أجمعين. هذا؛ وقيل: نار الدنيا تذكرة لنار الآخرة، وهذا إذا عرف ابن آدم أن نار الدنيا جزء من سبعين جزءا من نار الآخرة، وخذ ما يلي:
فعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «ناركم هذه ما يوقد بنو آدم جزء واحد من سبعين جزءا من نار جهنّم». قالوا: والله إن كانت لكافية. قال: «إنها فضّلت عليها بتسعة وستين جزءا، كلّهنّ مثل حرّها». رواه البخاري، ومسلم، ومالك، والترمذي. وعن أبي هريرة ﵁-عن النبي ﷺ قال: «أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثمّ أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضّت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودّت، فهي سوداء مظلمة، كالليل المظلم». رواه الترمذي، وابن ماجه، والبيهقي. هذا؛ و «ألف» بالرفع نائب فاعل، وإن نصب؛ فهو ظرف، ونائب الفاعل: الجار والمجرور عليها.
بعد هذا فمصدر الفعل ﴿يُضِلُّ﴾ الإضلال، وهو خلق فعل الضلال في العبد، والهداية: خلق فعل الاهتداء في العبد. هذا هو الحقيقة عند أهل السنة، وقد يعترض بعض الناس على خلق فعل الضلال في العبد، فيقول: إذا لا مؤاخذة على العبد، فكيف يعذبه الله؟! والجواب أن معنى خلق الضلال... إلخ. تقدير ضلاله، وهذا التقدير مبني على علم الله الأزلي بأن هذا العبد لو ترك وشأنه، لم يختر سوى الكفر والضلال، وفعل المعاصي والسيئات، ولذا قدره الله عليه، بدليل قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٢٨]: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ وهذا بعد أن تمنوا الرجوع إلى الدنيا ليكونوا مؤمنين، فأكذبهم الله بأنهم لو قدّر ردهم، ورجوعهم إلى الدنيا؛ لا يختارون إلا الكفر، والأعمال الفاسدة. هذا؛ وبالإضافة إلى اختيار الضلال بعد أن بين الله لكل واحد الخير والشر، والحسن والقبيح، كما قال الله : ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي: بينا له طريق الخير والشر، وحذر من اتباع الطرق المعوجة. قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٥٣]: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا؛ وقال علماء التوحيد: ليس معنى إضلال الله لفريق، وهدايته لفريق: أنه تعالى يجبر كلاّ منهما على الضلالة، والهدى، ولا أنه تعالى يكرههم على سلوك سبيلي الخير، والشر،
стр. 6967
كلاّ؛ فإن هذا الإكراه مناف للعدل الإلهي، بل مناف لحكمة التشريع السماوي، ولا يتفق مع نصوص الشريعة المتواترة القاطعة، الدالة على أن العبد له إرادة، واختيار، هما مناط التكليف والمؤاخذة، وكذلك فهم الصحابة والسلف الصالح، فقد سأل رجل عليا-﵁-فقال:
أكان مسيرك إلى الشام (يعني: لقتال أهلها) بقضاء الله، وقدره؟ فقال له: ويحك! لعلك ظننت قضاء لازما، وقدرا حاتما، ولو كان كذلك لبطل الثواب، والعقاب، وسقط الوعد، والوعيد، إن الله سبحانه أمر عباده تخييرا، ونهاهم تحذيرا، وكلف يسيرا، ولم يكلف عسيرا، ولم ينزل الكتب للعباد عبثا، ولا خلق السموات والأرض وما بينهما باطلا: ﴿ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾. انتهى. وعلى ضوء هذا يفهم معنى الهداية، والإضلال. انتهى. صابوني.
ولا تنس المقابلة بين ﴿يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ﴾ و ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾.
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَصْحابَ:﴾
مفعول به أول، وهو مضاف، و ﴿النّارِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مَلائِكَةً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب حال من مضمون الجملة الاسمية السابقة، والرابط:
الواو فقط، أو هي مستأنفة، لا محل لها، والجملة التي بعدها معطوفة عليها، و ﴿فِتْنَةً﴾ مفعول به ثان على حذف مضاف، التقدير: إلا سبب فتنة. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿فِتْنَةً،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.
﴿لِيَسْتَيْقِنَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿جَعَلْنا﴾ الثانية.
﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَيَزْدادَ:﴾ فعل مضارع معطوف على ما قبله منصوب مثله. ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِيماناً:﴾ مفعول ثان. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَرْتابَ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب أيضا. ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية بعده صلته لا محل لها. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ:﴾
معطوف على الموصول مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو... إلخ.
(ليقول): فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ..﴾.
إلخ ﴿الَّذِينَ:﴾ فاعل (يقول). ﴿فِي قُلُوبِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَرَضٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين
стр. 6968
بمحذوف صلة الموصول؛ ف: مرض يكون فاعلا بمتعلقه، أي: بالصلة المحذوفة، وهي لا تكون إلا فعلا. ﴿وَالْكافِرُونَ:﴾ معطوف على الاسم الموصول مرفوع مثله... إلخ.
﴿ماذا:﴾ اسم استفهام مركب مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿أَرادَ اللهُ:﴾ فعل، وفاعل، وإن اعتبرت (ما) اسم استفهام مفردا مبنيا على السكون في محل رفع مبتدأ، و (ذا) اسما موصولا مبنيا على السكون في محل رفع خبره، فالجملة الفعلية: ﴿أَرادَ اللهُ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: ما الذي أراده الله. والجملة سواء أكانت فعلية، أم اسمية في محل نصب مقول القول. ﴿بِهذا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والهاء حرف تنبيه مقحم بين الجار والمجرور، لا محل له. ﴿مَثَلاً:﴾ حال، مثل قوله تعالى:
﴿هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً،﴾ أو هو تمييز لاسم الإشارة.
﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر، و (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: يضل الله من يشاء إضلاله إضلالا مثل إضلال الكافرين، والمنافقين. ﴿يُضِلُّ اللهُ:﴾ مضارع، وفاعله. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والجملة صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: يشاء إضلاله، وجملة: ﴿كَذلِكَ يُضِلُّ..﴾.
إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها.
﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع. ﴿جُنُودَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع فاعل ﴿يَعْلَمُ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو فقط، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (ما): نافية.
﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ذِكْرى:﴾
خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿لِلْبَشَرِ:﴾ متعلقان ب: ﴿ذِكْرى،﴾ أو بمحذوف صلة لها، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة.
﴿كَلاّ وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيراً لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾
الشرح: ﴿كَلاّ﴾ أي: لا يتعظون، ولا يتذكرون. وقيل: معناه: ليس الأمر كما يقول من زعم: أنه يكفي أصحابه خزنة جهنم. ﴿وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ..﴾. إلخ: أقسم الله تعالى بهذه الأشياء لشرف ذواتها، ولما فيها من الدلالة على عجيب صنعته، وقدرته. والمعنى: أقسم بالقمر، وبهذه
стр. 6969
الأشياء. ومثل هذا كثير في أوائل السور، وأثنائها. قال الشعبي-رحمه الله تعالى-: الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا ينبغي أن يقسم إلا بالخالق. وقال أبو حيان-رحمه الله تعالى-: أقسم الله بهذه الأشياء تشريفا لها، وتنبيها على ما ظهر فيها من عجائب الله، وقدرته، وقوام الوجود بإيجادها. وقيل: فيه مضمر، تقديره: ورب القمر، أي: المقسم به محذوف، وقد ورد التصريح به في قوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ رقم [٢٣] من سورة (الذاريات).
هذا؛ وفي هذه الآيات أقسام ثلاثة جوابها قوله تعالى: ﴿إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ الواو الأولى للقسم، والواوات بعدها للعطف، كما قال الخطيب، أو كل واحد منها للقسم، كما قاله السمين. أقول: والأول أقوى؛ لأن قول السمين يحوج إلى تقدير جواب لكل قسم. وقد بينت ذلك في الشاهد رقم [٨٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» وخذه، وهو قول أبي صخر الهذلي: [الطويل]
أما والّذي أبكى وأضحك والّذي... أمات وأحيا والّذي أمره أمر
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى... أليفين منها لا يروعهما الذّعر
﴿وَالْقَمَرِ:﴾ أقسم الله به لكثرة منافعه، وتنويها بشأنه. ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ أي: ولى ذاهبا، وقرئ: «(دبر)» وهما لغتان، يقال: دبر، وأدبر، وكذلك: قبل الليل، وأقبل، وقد قالوا: أمس الدابر والمدبر. قال صخر بن عمرو بن الشريد السلمي أخو الخنساء-﵂: [الكامل]
ولقد قتلناكم ثناء ومواحدا... وتركت مرّة مثل أمس الدّابر
وقيل: دبر بمعنى: أقبل. تقول العرب: دبرني فلان، أي: جاء خلفي، فالليل يأتي خلف النهار، وأقسم الله بالليل؛ لأنه وقت نزول الرحمات، ولا سيما الثلث الأخير منه، ففي الحديث الشريف: «إذا كان الثلث الأخير من الليل؛ فإن الله ينزل فيه إلى سماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفر، فأغفر له؟ هل من مسترحم، فأرحمه؟ هل من مبتلى فأعافيه؟ هل من كذا؟ هل من كذا؟ حتى يطلع الفجر». أخرجه البخاري، وغيره. وهذا الحديث من المتشابهات، فالخلف يقولون: ينزل رحمته، وجوده، وكرمه، وأهل السلف يقولون: نزول لا نعلمه. وقيل: إن ابن تيمية كان يخطب على منبر دمشق، وقد قرأ الحديث، وقال: ينزل ربنا هكذا، ونزل درجات، فإن صحت الرواية عنه؛ فيكون من التجسيم.
﴿وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ:﴾ أضاء، وقرئ: «(سفر)»، وهما لغتان، يقال: سفر وجه فلان، وأسفر: إذا أضاء. وفي حديث النبي ﷺ : «أسفروا بالفجر، فإنّه أعظم للأجر». أي: صلوا صلاة الفجر مسفرين. وقيل: طولوها إلى الإسفار، والإسفار: الإنارة، والإضاءة، والإشراق. وهو مصدر الفعل: «أسفر» وهو بكسر الهمزة هنا، وهو بفتح الهمزة جمع: سفر، وهو الكتاب الكبير، كما
стр. 6970
رأيت في سورة (الجمعة) رقم [٥]. هذا؛ وسفرت المرأة عن وجهها، فهي سافر، وعلى هذا ففي إسفار استعارة؛ لأن معنى: سفر الثلاثي طرح الظلمة عن وجهه.
فائدة:
إذ، وإذا حرفا توقيت، ف: «إذ» للماضي، و «إذا» للمستقبل، وقد توضع إحداهما موضع الأخرى. وقال المبرد-رحمه الله تعالى-: إذا جاء «إذ» مع المستقبل كان معناه ماضيا، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ،﴾ ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ﴾ معناه: إذ مكروا، وإذا قلت. وإذا جاء (إذا) مع الماضي كان معناه مستقبلا كقوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ،﴾ ﴿فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ،﴾ ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ معناه: يجيء.
﴿إِنَّها﴾ أي: سقر المذكورة فيما تقدم. ﴿لَإِحْدَى الْكُبَرِ:﴾ لإحدى البلايا العظام، والدواهي الشداد، والكبر جمع الكبرى، مثل: الصغر جمع الصغرى، والعظم جمع العظمى. والكبر:
العظائم من العقوبات. قال الراجز: [الرجز]
يابن المعلّى نزلت إحدى الكبر... داهية الدّهر وصمّاء الغير
﴿نَذِيراً لِلْبَشَرِ:﴾ قيل: يحتمل أن يكون ﴿نَذِيراً﴾ صفة ل: «النار»، والمعنى: أن النار نذير للبشر. قال الحسن-رحمه الله تعالى-: والله ما أنذر الخلائق بشيء أدهى من النار! وقيل:
يجوز أن يكون ﴿نَذِيراً﴾ صفة لله تعالى. والمعنى: أنا لكم منها نذير فاتقوها. وقيل: هو صفة للنبي ﷺ ، ومعناه: يا أيها المدثر قم نذيرا للبشر فأنذر. انتهى. خازن، وانظر الإعراب.
﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ أي: يتقدم في الخير، والطاعة، أو يتأخر عنهما، فيقع في الشر، والمعصية. والمعنى: أن الإنذار قد حصل لكل واحد ممن آمن، أو كفر. وقد تمسك بهذه الآية من يرى أن العبد غير مجبور على الفعل، وأنه متمكن من فعل نفسه، فيكون مثل قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٢٩]: ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾. وأجيب عنه بأن مشيئته تابعة لمشيئة الله تعالى. وقيل: إضافة المشيئة إلى المخاطبين على سبيل التهديد، كقوله تعالى في سورة (فصلت) رقم [٤٠]: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ،﴾ وقيل: هذه المشيئة لله تعالى. والمعنى: لمن شاء الله منكم أن يتقدم، أو يتأخر. وبين ﴿يَتَقَدَّمَ﴾ و ﴿يَتَأَخَّرَ﴾ طباق واضح.
الإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ قيل: هي هنا حرف ردع وزجر. وقيل: هي هنا بمعنى «ألا» الاستفتاحية، وعلى الأول يوقف عليها، ويبتدأ بما بعدها، وعلى الثاني يوقف على: (البشر) ويبتدأ بها.
﴿وَالْقَمَرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. ﴿وَاللَّيْلِ:﴾ معطوف على ما قبله.
﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل القسم المقدر.
﴿أَدْبَرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الليل)، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.
﴿وَالصُّبْحِ:﴾ الواو: حرف عطف. (الصبح): معطوف على ما قبله. ﴿إِذا:﴾ ظرف مجرد عن الشرطية مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل القسم المقدر. ﴿أَسْفَرَ:﴾ فعل ماض،
следующие страницы →