Полный текст (7 463 стр.). Показаны 6896–6935 · переход к 6901.
стр. 6896
الإعراب: ﴿وَأَنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها.
﴿لَمّا:﴾ حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة ظرف زمان بمعنى: حين، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿سَمِعْنَا:﴾
فعل، وفاعل. ﴿الْهُدى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها على اعتبار ﴿لَمّا﴾ حرفا. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية جواب ﴿لَمّا﴾ لا محل لها، و (لما) ومدخولها في محل رفع خبر (أنّ)، و ﴿وَأَنّا لَمّا..﴾. إلخ معطوف على ما قبله في الآية السابقة على الوجهين المعتبرين فيه.
﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (من): اسم شرط جازم، مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُؤْمِنْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من)، تقديره: «هو».
﴿بِرَبِّهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية. ﴿يَخافُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى من أيضا. ﴿بَخْساً:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف.
(لا): نافية، ويقال: صلة لتأكيد النفي. ﴿رَهَقاً:﴾ معطوف على ﴿بَخْساً،﴾ وجملة: (لا يخاف...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، التقدير: فلا هو يخاف، وعليه فالجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية: (من...) إلخ مستأنفة ومفرعة عما قبلها، لا محل لها.
قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: أي: فائدة في رفع الفعل يخاف، وتقدير مبتدأ قبله، حتى يقع خبرا له، ووجوب إدخال الفاء، وكان ذلك كله مستغنى عنه بأن يقال: لا يخف، قلت: الفائدة فيه أنه إذا فعل ذلك، فكأنه قيل: فهو لا يخاف، فكان دالا على تحقيق أن المؤمن ناج لا محالة، وأنه هو المختص بذلك دون غيره. انتهى. ولولا تقدير مبتدأ قبل الفعل، لقيل: فلا يخف. هذا؛ وقرأ الأعمش «(فلا يخف)» على النهي.
﴿وَأَنّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (١٤)﴾
الشرح: ﴿وَأَنّا مِنَّا..﴾. إلخ: أي: وأنا بعد سماعنا القرآن منا من أسلم، وصدق برسالة محمد ﷺ ، ومنا من جار عن الحق، وكفر. يقال: قسط الرجل: إذا جار، وأقسط: إذا عدل، فالأول من الثلاثي، والثاني من الرباعي، واسم الفاعل من الأول: قاسط، كما في الآية الكريمة
стр. 6897
ومن الثاني: مقسط. قال تعالى في سورة (الحجرات) رقم [٩]: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ هذا هو المشهور خلافا للزجاج في جعلهما سواء، ومثل آية (الحجرات) قول الحارث بن حلزة اليشكري في معلقته رقم [٦٨]: [الخفيف]
ملك مقسط، وأكمل من يم... شي، ومن دون ما لديه الثّناء
﴿فَمَنْ أَسْلَمَ..﴾. إلخ: أي: فمن اهتدى واعتنق الإسلام، واهتدى بهدي الرسول ﷺ وسار على منهاجه القويم، فأولئك الذين قصدوا الرشد، وأرادوا الفلاح، وسلكوا طريق السعادة، والنجاة. والتحري: بذل المجهود في الوصول إلى المقصود. هذا؛ ومن الثلاثي بمعنى:
الجور، والظلم قول الشاعر: [الكامل]
قوم هم قتلوا ابن هند عنوة... عمرا وهم قسطوا على النّعمان
فائدة:
يروى: أن الحجاج قال لسعيد بن جبير-﵁-حين أراد قتله: ما تقول فيّ؟ قال: قاسط عادل، فقال من حوله: ما أحسن ما قال! حسبوا: أنه يصف الحجاج بالقسط، والعدل، فقال الحجاج: يا جهلة! إنه سماني ظالما مشركا، وتلا لهم قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً،﴾ وقوله تعالى في أول سورة (الأنعام): ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾. هذا؛ ولا تنس الطباق بين ﴿الْمُسْلِمُونَ﴾ و ﴿الْقاسِطُونَ﴾.
الإعراب: ﴿وَأَنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها.
﴿مِنَّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمُسْلِمُونَ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (أنّ)، والتي بعدها معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها.
﴿وَأَنّا مِنَّا..﴾. إلخ معطوف على ما قبله على الوجهين المعتبرين فيه. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (من): اسم شرط مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَسْلَمَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى (من). ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿تَحَرَّوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق.
﴿رَشَداً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه: فقيل: جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل:
الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا فهو مبتدأ، وجملة: (أسلم) صلته، والجملة الاسمية: (أولئك...) إلخ في محل رفع خبره، واقترنت
стр. 6898
بالفاء؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وعلى الاعتبارين فالجملة الاسمية مستأنفة، ومفرعة عما قبلها، لا محل لها.
﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (١٥)﴾
الشرح: ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ:﴾ الجائرون عن طريق الإيمان، والحق، والصواب. ﴿فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً:﴾ وقودا لجهنم. فإن قيل: الجن مخلوقون من النار، فكيف يكونون حطبا لها، أجيب بأنهم وإن خلقوا منها، لكنهم تغيروا عن تلك الكيفية، فصاروا لحما، ودما. هكذا قيل.
وأيضا النار قويها قد يأكل ضعيفها، فيكون الضعيف حطبا للقوي. انتهى. جمل بتصرف.
وقال الخازن: فإن قلت: قد تمسك بظاهر هذه الآية من لا يرى لمؤمني الجن ثوابا، وذلك؛ لأن الله تعالى ذكر عقاب الكافرين منهم، ولم يذكر ثواب المؤمنين منهم، قلت: ليس فيه تمسك له، وكفى بقوله تعالى: ﴿فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً﴾ فذكر سبب الثواب، والله أعدل، وأكرم من أن يعاقب القاسط، ولا يثيب الراشد. انتهى. هذا؛ وذكرت لك مرارا: أنهم يثابون على الأعمال الصالحة.
الإعراب: ﴿وَأَمَّا:﴾ الواو: حرف استئناف. (أمّا): أداة شرط، وتفصيل، وتوكيد، أما كونها أداة شرط؛ لأنها قائمة مقام أداة الشرط، وفعله بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل مهما يك من شيء؛ فالقاسطون... إلخ. فأنيبت (أمّا) مناب «مهما، ويك من شيء» فصار: وأما القاسطون... إلخ. وأما كونها أداة تفصيل؛ لأنها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله، ويعلم ذلك من تتبع مواقعها. وأما كونها أداة توكيد؛ لأنها تحقق الجواب، وتفيد: أنه واقع لا محالة؛ لكونها علقته على أمر متيقن. ﴿الْقاسِطُونَ:﴾ مبتدأ. ﴿فَكانُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (أمّا). (كانوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿لِجَهَنَّمَ:﴾
جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿حَطَباً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا» وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿حَطَباً:﴾ خبر (كان)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية (أما القاسطون...) إلخ مستأنفة.
تنبيه: لقد ذكرت لك: أن (أنّا، وأنّهم، وأنّه) ونحو ذلك فيه وجهان: أحدهما: فتح الهمزة على تأويل مصدر في محل رفع عطفا على المصدر المعتبر في محل رفع نائب فاعل في الآية الأولى. وثانيهما: كسر الهمزة على اعتبار الجملة اسمية في محل نصب مقول القول عطفا على قوله تعالى: ﴿إِنّا سَمِعْنا﴾ في الآية الأولى أيضا، ويستثنى من ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ..﴾. إلخ، ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما..﴾. إلخ، فهاتان الآيتان معترضتان؛ لأنهما ليستا من كلام الجن.
стр. 6899
﴿وَأَنْ لَوِ اِسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (١٦)﴾
الشرح: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ أي: لو آمن هؤلاء الكفار، واستقاموا على شريعة الله تعالى. ﴿لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً﴾ أي: لبسطنا لهم في الرزق، ووسعنا عليهم في الدنيا زيادة على ما يحصل لهم في الآخرة من النعيم المقيم، وبذلك يحوزون عز الدنيا، وسعادة الآخرة. هذا؛ وقيل: المراد بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا:﴾ الجن القاسطون؛ الذين تقدم ذكرهم، ووصفهم، والمعنى لو استقام الجن على الطريقة المثلى الحسنى؛ لأنعمنا عليهم، وإنما ذكر الماء كناية عن طيب العيش، وكثرة المنافع. والمعتمد الأول، فهو كقوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٩٦]:
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ،﴾ وقال تعالى في حق أهل الكتابين في سورة (المائدة) رقم [٦٦]: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾.
هذا؛ والغدق بفتح الدال، وكسرها لغتان في الماء الغزير، ومنه: الغيداق للماء الكثير، وللرجل الكثير العدد، والكثير النطق، ويقال: غدقت عينه، تغدق، أي: هطل دمعها غدقا. والله أعلم، وأجل، وأكرم، ولا تنس: أن الله تعالى كنى عن رخاء العيش بكثرة المطر؛ لأنه سببه.
هذا؛ ومصدر استقام: استقامة، والأصل: استقوام، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها، وتحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها بحسب الحال، فقلبت ألفا، فاجتمع ألفان: الألف المنقلبة، وألف الاستفعال. فحذفت ألف الاستفعال لالتقاء الساكنين، وعوض عنها التاء في الآخر، وقد يستغنى عن هذه التاء في حال الإضافة، ومنه قوله تعالى: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ﴾ أي: إقامتها. والإعلال المتقدم إنما هو بالنقل والقلب والحذف معا، ومثل هذا المصدر: استعانة، واستعاذة، ونحوهما.
الإعراب: ﴿وَأَنْ لَوِ﴾ الواو: حرف عطف. (أن): حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: ولو أنهم. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.
﴿اِسْتَقامُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلَى الطَّرِيقَةِ:﴾
متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَأَسْقَيْناهُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (أسقيناهم): فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿ماءً:﴾ مفعول به ثان. ﴿غَدَقاً:﴾ صفة ﴿ماءً،﴾ والجملة الفعلية جواب (لو)، لا محل لها، ولو ومدخولها في محل رفع خبر (أن) المخففة، والمصدر المؤول من: (أن) المخففة واسمها المحذوف وخبرها معطوف على ما قبله على مثال ما رأيت سابقا.
стр. 6900
هذا؛ وقال الأنباري: ومن كسر الحروف، وفتح: (وأن لو استقاموا) أضمر يمينا تاما، تأويلها: والله أن لو استقاموا على الطريقة. كما يقال في الكلام: والله أن قمت لقمت، وو الله لو قمت لقمت. قال الشاعر: [الوافر]
أما والله أن لو كنت حرّا... وما بالحرّ أنت ولا العتيق
وهذا الشاهد رقم [٤١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، انظر شرحه، وإعرابه، ومحل الشاهد فيه هناك.
﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً (١٧)﴾
الشرح: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ﴾ أي: لنختبرهم كيف شكرهم فيه على تلك النعم. والمعتمد: أن المراد بالضمير المنصوب: كفار قريش، بعد أن حبس الله عنهم المطر سبع سنين، والمراد بالضمير المجرور: الماء. قال عمر-﵁: أينما كان الماء كان المال، وأينما كان المال كانت الفتنة. وقال سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، والضحاك، وقتادة، ومقاتل، وعطية، وعبيد بن عمير، والحسن-﵃: كان والله أصحاب النبي ﷺ سامعين مطيعين، ففتحت عليهم كنوز كسرى، وقيصر، والمقوقس، والنجاشي، ففتنوا بها، فوثبوا على إمامهم، فقتلوه. يعني: عثمان-﵁.
﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ:﴾ يعني القرآن. قاله ابن زيد. وفي إعراضه عنه وجهان: أحدهما:
عن القبول؛ إن قيل: إنها في أهل الكفر. الثاني: عن العمل؛ إن قيل: إنها في أهل الإيمان.
وقيل: يعرض عن طاعة الله، وعبادته. ﴿يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً:﴾ يدخله ربه عذابا شديدا شاقا لا راحة فيه. وقال عكرمة: هو صخرة ملساء في جهنم يكلف صعودها، فإذا انتهى إلى أعلاها حدر إلى جهنم. قال تعالى في سورة (المدثر): ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ انظر شرحها هناك، فإنه جيد، وخذ مما يناسب فحوى الآية.
فعن أبي سعيد الخدري-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا». قالوا: وما زهرة الدّنيا؟ قال: «بركات الأرض». أخرجه مسلم. وأخرج البخاري، ومسلم من حديث عمرو بن عوف الأنصاري-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «أبشروا، وأمّلوا ما يسرّكم، فو الله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم!».
الإعراب: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (أسقيناهم). ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان
стр. 6901
بالفعل قبلهما. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُعْرِضْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من)، تقديره: «هو».
﴿عَنْ ذِكْرِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿ذِكْرِ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَسْلُكْهُ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، والهاء مفعول به أول. ﴿عَذاباً:﴾ مفعول به ثان على تضمين الفعل معنى: ندخله. وقيل:
منصوب بنزع الخافض. ﴿صَعَداً:﴾ صفة ﴿عَذاباً،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [١٤]، والجملة الاسمية: (من يعرض...) إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً (١٨)﴾
الشرح: ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ﴾ أي: مختصة لله، فلا يجوز أن يشرك معه أحد في المساجد، ولذا قال: ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً﴾ أي: فلا تعبدوا فيها إلا الله تعالى. قال قتادة: كان اليهود، والنصارى إذا دخلوا كنائسهم، وبيعهم؛ أشركوا بالله فيها، فأمر الله المؤمنين أن يخلصوا الدعوة لله، إذا دخلوا المساجد كلها. وروي عن سعيد بن جبير-﵁: أن المراد بالمساجد:
الأعضاء التي يسجد عليها الإنسان، وهي سبعة: الجبهة، واليدان، والركبتان، والقدمان.
والمعنى: أن هذه الأعضاء؛ التي يقع عليها السجود مخلوقة لله، فلا تسجدوا عليها لغيره.
فعن العباس-﵁: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إذا سجد العبد، سجد معه سبعة آراب: وجهه، وكفّاه، وركبتاه، وقدماه». والآراب: الأعضاء. أخرجه مسلم. وعن ابن عباس ﵄-قال: أمرنا النبي ﷺ أن نسجد على سبعة أعضاء، وأن لا نكفّ شعرا، ولا ثوبا: الجبهة، واليدين، والركبتين، والقدمين، كف الشعر: عقصه، وغرز طرفه في أعلى الضفيرة، وقد نهى عن ذلك. وقيل: أراد بالمساجد كلها: بقاع الأرض كلها؛ لأن الأرض كلها جعلت مسجدا للنبي ﷺ . والمعتمد الأول. وخذ ما يلي:
فعن أبي سعيد الخدري-﵁-عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم الرّجل يعتاد المساجد؛ فاشهدوا له بالإيمان. قال الله : إنّما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر». أخرجه الترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وغيرهم.
وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يتوضأ أحدكم، فيحسن وضوءه فيسبغه، ثمّ يأتي المسجد، لا يريد إلاّ الصّلاة، إلاّ يتبشبش الله إليه، كما يتبشبش أهل
стр. 6902
الغائب بطلعته». رواه ابن خزيمة، والحاكم، وغيرهما. وعن أنس بن مالك-﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ عمّار بيوت الله هم أهل الله ». رواه الطبراني في الأوسط. وعن أبي سعيد الخدري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من ألف المسجد ألفه الله». رواه الطبراني في الأوسط، وعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «إنّ للمساجد أوتادا، الملائكة جلساؤهم، إن غابوا؛ يفتقدوهم، وإن مرضوا؛ عادوهم، وإن كانوا في حاجة؛ أعانوهم». ثم قال: «جليس المسجد على ثلاث خصال: أخ مستفاد، أو كلمة حكمة، أو رحمة منتظرة». رواه الإمام أحمد، والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما.
وعن أبي الدرداء-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المسجد بيت كلّ تقيّ، وتكفّل الله لمن كان المسجد بيته بالرّوح، والرحمة، والجواز على الصّراط إلى رضوان الله إلى الجنّة». رواه الطبراني، والبزار. وعن سلمان الفارسي-﵁: أن النبي ﷺ قال:
«من توضّأ في بيته، فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد؛ فهو زائر الله، وحقّ على المزور أن يكرم الزائر». رواه الطبراني، والبيهقي، وانظر ما ذكرته في سورة (النور) رقم [٣٦] إن أردت الزيادة.
الإعراب: ﴿وَأَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿الْمَساجِدَ:﴾ اسمها.
﴿لِلّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع معطوف على: ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾. وقال الخليل: التقدير: ولأن المساجد لله، وبه قال ابن هشام في المغني، ولم يبيّنا العطف، والتعليق. وأرى: أن الجار، والمجرور متعلقان على قولهما بالفعل بعدهما. وعلى قولهما فالفاء: حرف استئناف. وعلى ما ذكرته أولا فالفاء الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كانت المساجد لله؛ فلا تدعوا. (لا):
ناهية. ﴿تَدْعُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا)، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها على الوجهين المعتبرين بالفاء. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل ﴿تَدْعُوا،﴾ أو هو متعلق بمحذوف حال من ﴿أَحَداً﴾ كان نعتا له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، و ﴿مَعَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَحَداً:﴾ مفعول به.
فائدة:
روى الضحاك عن ابن عباس-﵄-عن النبي ﷺ كان إذا دخل المسجد؛ قدم رجله اليمنى، وقال: «﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً﴾ اللهم أنا عبدك وزائرك، وعلى كلّ مزور حقّ، وأنت خير مزور، فأسألك برحمتك أن تفك رقبتي من النار».
وإذا خرج من المسجد قدم رجله اليسرى، وقال: «اللهم صبّ عليّ الخير صبّا، ولا تنزع عني صالح ما أعطيتني أبدا، ولا تجعل معيشتي كدّا، واجعل لي في الأرض جدّا». أي: غنى.
انتهى. قرطبي. أقول: وفي الأمكنة القذرة، كالمراحيض، ونحوها، يقدم اليسرى عند الدخول، واليمنى عند الخروج.
стр. 6903
﴿وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (١٩)﴾
الشرح: ﴿وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ:﴾ محمد ﷺ . ﴿يَدْعُوهُ:﴾ يعبده ببطن نخلة، يركع، ويسجد، ويقوم، ويقعد. ﴿كادُوا يَكُونُونَ:﴾ الضمير عائد على الجن. ﴿عَلَيْهِ لِبَداً﴾ أي: يزدحمون عليه متراكمين تعجبا مما رأوا من عبادته، وسمعوا من قراءته. قال الزبير بن العوام: هم الجن حين سمعوا القرآن من النبي ﷺ ، أي: كادوا يركب بعضهم بعضا، وروي عن مكحول: إن الجن بايعوا رسول الله ﷺ في هذه الليلة، وكانوا سبعين ألفا، وفرغوا من بيعته عند انشقاق الفجر.
ويضعفه قوله تعالى: ﴿اِسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾.
وقيل: المعنى: كاد المشركون يركب بعضهم بعضا حردا على النبي ﷺ . وقال الحسن، وقتادة، وابن زيد: يعني لما قدم محمد بالدعوة تلبدت الإنس، والجن على هذا الأمر؛ ليطفئوه، وأبى الله إلا أن ينصره، ويتم نوره. ومعنى ﴿لِبَداً﴾ جماعات، وهو من تلبد الشيء على الشيء، أي: تجمع، ومنه: اللبد الذي يفرش لتراكم صوفه، وكل شيء ألصقته إلصاقا شديدا فقد لبدته، ولبد جمع لبدة، مثل: قربة، وقرب، ويقال للشعر الذي على ظهر الأسد: لبدة وجمعها لبد.
قال زهير في معلقته رقم [٤٣]: [الطويل]
لدى أسد شاكي السّلاح مقذّف... له لبد أظفاره لم تقلّم
ويقال للجراد الكثير: لبد، وفيه أربع لغات، وقراءات. وقيل اللّبد بضم اللام وفتح الباء الشيء الدائم، ومنه قيل لنسر لقمان: لبد؛ لدوامه، وطول مدته. قال النابغة الذبياني في معلقته رقم [٦] -انظر شرحه فيها، وشرح بيت زهير، وهو مما امتن الله به عليّ في إعراب المعلقات العشر-: [البسيط]
أضحت خلاء، وأضحى أهلها احتملوا... أخنى عليها الّذي أخنى على لبد
ولا تنس أن لبدا جاء بقوله تعالى في سورة (البلد): ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً﴾ بمعنى الكثير، واللبد أيضا: المقيم، الذي لا يسافر، ولا يبرح منزله. قال الراعي النميري: [البسيط]
من امرئ ذي سماح لا تزال له... بزلاء يعيا بها الجثّامة اللّبد
بعد هذا فالإضافة ب: (عبد الله) إضافة تشريف، وتعظيم، وتبجيل، وتكريم، وذكر العبودية مقام عظيم، ولو كان للنبي ﷺ اسم أشرف منه؛ لسماه به في ليلة الإسراء والمعراج؛ حيث قال جل شأنه في تلك الحالة العلية: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾. وفي معناه أنشدوا: [السريع]
يا قوم قلبي عند زهراء... يعرفه السّامع والرّائي
стр. 6904
لا تدعني إلاّ بيا عبدها... فإنه أشرف أسمائي
علما بأنه ﷺ لم يذكر باسمه الصريح في القرآن الكريم، إلا قليلا، ذكر باسم محمد في سورة (آل عمران)، وسورة (الأحزاب)، وسورة (محمد)، وسورة (الفتح)، وذكر باسم أحمد في سورة (الصف)، وذكر باسم طه في سورة (طه)، وذكر باسم ياسين في سورة (يس). هذا؛ والعبد: الإنسان حرّا كان، أو رقيقا، ويجمع على: عبيد، وعباد، وأعبد، وعبدان، وعبدة، وغير ذلك. قال القشيري: لما رفعه الله إلى حضرته السنية، وأرقاه فوق الكواكب العلوية؛ ألزمه العبودية تواضعا للأمة.
أما «كاد» فهو فعل يدل على مقاربة وقوع الفعل بعده، ولذا لم تدخل عليه «أن»؛ لأنه يخلص الفعل للاستقبال، وإذا دخل عليه حرف النفي دل على أن الفعل بعدها وقع، كما في قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ وإذا لم يدخل عليها حرف النفي، لم يكن الفعل بعدها واقعا، ولكنه قارب الوقوع، والفعل منها واوي العين، ف «كاد» أصله كود بكسر الواو، كخوف، فتحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار: كاد، ويكاد أصله: يكود، كيعلم، فقل في إعلاله: نقلت فتحة الواو إلى الكاف قبلها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثم يقال: تحركت الواو بحسب الأصل. وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا، فصار يكاد بوزن يخاف، ومصدرها: الكود، كالخوف، وهذا في الناقصة، وأما كاد التامة فهي يائية العين المفتوحة في الماضي، كباع، ومصدره الكيد، كالبيع، ولذا جاء المضارع في القرآن مختلفا، فمن الأول الناقص: قوله تعالى: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ ومن الثاني التام قوله تعالى: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً﴾ ومعنى الناقص: المقاربة، ومعنى التام: المكر، والحيلة، والأول ناقص التصرف، ويحتاج إلى مرفوع، ومنصوب، والثاني تام التصرف، ويكتفي بالفاعل، وينصب المفعول به.
فائدة:
قد تأتي كاد بمعنى أراد. قاله محب الدين الخطيب شارح شواهد الكشاف، وجعل منه قول الأفوه الأودي: [البسيط]
والبيت لا يبتنى إلا بأعمدة... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد
فإن تجمّع أسباب وأعمدة... وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا
أي: الذي أرادوا. ومنه قول الآخر: [الكامل]
كدنا وكدت، وتلك خير إرادة... لو عاد من زمن الصّبابة ما مضى
أي: أردنا، وأردت. دليله: (تلك خير إرادة).
تنبيه: شاع على الألسن أن نفي (كاد) إثبات، وإثباتها نفي، ولذا ألغز المعري بقوله: [الطويل]
أنحويّ هذا العصر ما هي لفظة... جرت في لساني جرهم وثمود
стр. 6905
إذا استعملت في صورة الجحد أثبت... وإن أثبتت قامت مقام جحود
فأجابه الشيخ جمال الدين بن مالك صاحب الألفية بقوله: [الطويل]
نعم هي كاد المرء أن يرد الحمى... فتأتي لإثبات بنفي ورود
وفي عكسها ما كاد أن يرد الحمى... فخذ نظمها فالعلم غير بعيد
وقد اتفقت كلمة النحاة على أن (كاد) كسائر الأفعال، وكلامهم متقارب في المعنى في هذا الشأن، انظر الشاهد رقم [١١٢٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» والأشموني، وغيرهما.
وها أنذا أسوق لك ما ذكره السيوطي-رحمه الله تعالى-في كتابه (همع الهوامع) لتكون على بصيرة من أمرك.
قال-رحمه الله تعالى-: والتحقيق: أنها كسائر الأفعال، نفيها نفي، وإثباتها إثبات، إلا أن معناها المقاربة، لا وقوع الفعل، فنفيها نفي لمقاربة الفعل، ويلزم منه نفي الفعل ضرورة أنّ من لم يقارب الفعل لم يقع منه الفعل، وإثباتها إثبات لمقاربة الفعل، ولا يلزم من مقاربته وقوعه، فقولك: (كاد زيد يقوم) معناه: قارب القيام، ولم يقم، ومنه قوله تعالى: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ أي: يقارب الإضاءة، إلا أنه لم يضئ، وقولك: (لم يكد زيد يقوم) معناه لم يقارب القيام، فضلا عن أن يصدر منه، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ أي: لم يقارب أن يراها، فضلا عن أن يرى، وقوله تعالى: ﴿وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ أي: لا يقارب إساغته، فضلا عن أن يسيغه. وعلى هذا الزجاجي، وغيره. وذهب قوم، منهم ابن جني إلى أن نفيها يدل على وقوع الفعل ببطء ل: آية: ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ رقم [٧١] من سورة (البقرة)، فإنهم فعلوا بعد بطء، والجواب: أنها محمولة على وقتين، أي: فذبحوها بعد تكرار الأمر عليهم بذبحها، وما كادوا يذبحونها قبل ذلك، ولا قاربوا الذبح، بل أنكروا أشد الإنكار بدليل قولهم: ﴿أَتَتَّخِذُنا هُزُواً﴾.
وقال ابن هشام في مغنيه: فالجواب: أنه إخبار عن حالهم في أول الأمر، فإنهم كانوا أولا بعداء عن ذبحها، بدليل ما يتلى علينا من تعنتهم، وتكرار سؤالهم. انتهى.
الإعراب: ﴿وَأَنَّهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (أنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿لَمّا:﴾
انظر الآية رقم [١٣]. ﴿قامَ:﴾ فعل ماض. ﴿عَبْدُ:﴾ فاعله، و ﴿عَبْدُ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها على اعتبار ﴿لَمّا﴾ حرفا. ﴿يَدْعُوهُ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿عَبْداً لِلّهِ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من:
﴿عَبْداً لِلّهِ،﴾ والرابط: الضمير العائد إليه. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿قامَ﴾ من أفعال الشروع؛ فالجملة الفعلية في محل نصب خبرها. ﴿كادُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه،
стр. 6906
والألف للتفريق. ﴿يَكُونُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، الواو اسمه.
﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿لِبَداً﴾ بعدهما؛ الذي هو خبر ﴿يَكُونُونَ،﴾ أو بمحذوف حال منه على مثال ما سبق، وجملة: ﴿يَكُونُونَ..﴾. إلخ في محل نصب خبر ﴿كادُوا،﴾ والجملة الفعلية جواب ﴿لَمّا﴾ لا محل له، و ﴿لَمّا﴾ ومدخولها في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر معطوف على الوجهين المعتبرين فيه.
﴿قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (٢٠)﴾
الشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ ففيه التفات من الغيبة، وقرئ: (قال) بلفظ الماضي، وعليه فلا التفات. ﴿إِنَّما أَدْعُوا:﴾ أعبد. وقيل: هو بمعنى: أسمي، ولذا قدر الجلال له مفعولا ثانيا؛ لأنه بهذا المعنى ينصب مفعولين، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
دعتني أخاها أمّ عمرو ولم أكن... أخاها ولم أرضع لها بلبان
دعتني أخاها بعدما كان بيننا... من الفعل ما لا يفعل الأخوان
﴿وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً:﴾ قال القرطبي، وغيره: سبب نزول هذه الآية أن كفار قريش قالوا للنبي ﷺ : إنك جئت بأمر عظيم، وقد عاديت الناس كلهم، فارجع عن هذا فنحن نجيرك. فنزلت الآية. وفي الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب. انظر الالتفات في سورة (الملك).
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله تقديره: «أنت»، وعلى قراءته، بالماضي، فالفاعل تقديره: «هو» يعود إلى النبي ﷺ . ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿أَدْعُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿رَبِّي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وعلى اعتباره بمعنى التسمية فالمفعول الثاني محذوف، تقديره: أدعو ربي إلها، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو:
حرف عطف. (لا): نافية. ﴿أُشْرِكُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَحَداً﴾ الذي هو مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.
﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً (٢١)﴾
الشرح: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ..﴾. إلخ: أي: قل يا محمد لهؤلاء الكافرين: إني لا أقدر أن أدفع عنكم ضرا، ولا أسوق لكم خيرا، وإنما يملك ذلك القوي القاهر رب العالمين. والرشاد:
стр. 6907
والرّشد، والرّشد: الهدى، والخير، والفلاح، والنجاح، والضّرّ بفتح الضاد شائع في كل ضرر، ومصيبة، وبالضم خاص بما في النفس، كمرض، وهزال، وقد نظم بعضهم الفرق بينهما، كما أورد معاني أخر لهما، فقال: [الرجز]
وضدّ نفع قيل فيه ضرّ... وجود ضرّة لعرس ضرّ
وسوء حال المرء ذاك ضرّ... كذا هزال مرض أو كبر
وفي القاموس المحيط: الضّر، والضّر، والضرر: ضد النفع، والشدة، والضيق، وسوء الحال، والنقصان يدخل في الشيء، والجمع: أضرار. ولا تنس الطباق بين ﴿ضَرًّا﴾ و ﴿رَشَداً﴾ وهو من المحسنات البديعية.
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿أَمْلِكُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا».
﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما على التنازع. ﴿ضَرًّا:﴾
مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، ويقال: صلة لتأكيد النفي. ﴿رَشَداً:﴾
معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿لا أَمْلِكُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٢)﴾
الشرح: ﴿قُلْ:﴾ الخطاب لسيد الخلق وحبيب الحق ﷺ . ﴿إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي:﴾ لن ينقذني أحد من عذاب الله؛ إن عصيته. فهو كقوله تعالى حكاية عن قول صالح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ رقم [٦٣] من سورة (هود)، ومثله في الآية رقم [٣٠] منها. ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً:﴾ ملجأ ألجأ إليه، ونصيرا أعتمد عليه، وملاذا ألوذ به، ومنه قول الشاعر: [البسيط]
يا لهف نفسي ولهفي غير مجدية... عني وما من قضاء الله ملتحد
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يُجِيرَنِي:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ،﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿أَحَدٌ:﴾
فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لن): حرف ناصب. ﴿أَجِدَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ،﴾ والفاعل مستتر، تقديره: «أنا». ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾
стр. 6908
متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال مما بعدهما، كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا. وبعضهم يعتبرهما مفعولا ثانيا تقدم على الأول. ﴿مُلْتَحَداً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: (لن أجد...) إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها.
﴿إِلاّ بَلاغاً مِنَ اللهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً (٢٣)﴾
الشرح: ﴿إِلاّ بَلاغاً مِنَ اللهِ وَرِسالاتِهِ﴾ أي: لا أجد ملجأ، وملاذا إلا إذا بلغت رسالة ربي، ونصحتكم، وأرشدتكم كما أمرني الله، فحينئذ يجيرني ربي من العذاب. فهو كقوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٦٧]: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾
قال ابن كثير: أي: لا يجيرني من الله، ويخلصني منه إلا إبلاغي الرسالة، التي أوجب أداءها عليّ. انتهى. أي: فإن فيما ذكر الأمان، والنجاة من غضب الله، وسخطه.
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ:﴾ يخالف أوامرهما، ونواهيهما فيما يأمران به، وينهيان عنه، ﴿فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ،﴾ فيه دليل على أن المراد بالعصيان: الشرك؛ لأن المؤمن لا يخلد في النار.
وقيل: هو المعاصي غير الشرك، ويكون الخلود والأبد كناية عن طول المكث في نار جهنم. أو يكون المعنى: إلا أن أعفو عنهم، أو تلحقهم شفاعة، ولا محالة إذا خرجوا من الدنيا على الإيمان لا يخالدون. هذا؛ والأبد: الزمان الطويل الذي ليس له حد، فإذا قلت: لا أكلمك أبدا، فالأبد من وقت التكلم إلى آخر العمر.
الإعراب: ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿بَلاغاً:﴾ مستثنى من مفعولي: أملك، وهما ﴿ضَرًّا﴾ و ﴿رَشَداً﴾ بعد تأويلهما ب: شيئا، كأنه قال: لا أملك لكم شيئا إلا بلاغا، فهو استثناء متصل.
هكذا قرر في بعض حواشي البيضاوي، وعبارة السمين قوله إلا بلاغا فيه أوجه: أحدها: أنه استثناء منقطع؛ لأن البلاغ من الله لا يكون داخلا تحت قوله: ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً؛﴾ لأنه لا يكون من دون الله، بل يكون من الله، وبإعانته، وتوفيقه. الثاني: أنه متصل، والمعنى لن أجد سببا إليه، وأعتصم به إلا أن أبلغ، وأطيع، فيجيرني، وإذا كان متصلا؛ جاز نصبه من وجهين:
أحدهما (وهو الأرجح): أن يكون بدلا من ﴿مُلْتَحَداً؛﴾ لأن الكلام غير موجب. والثاني: أنه منصوب على الاستثناء. وإلى البدلية ذهب أبو إسحاق. الثالث: أنه مستثنى من قوله: ﴿لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا﴾. انتهى. جمل، أقول: وعلى القول بالبدلية من ﴿مُلْتَحَداً،﴾ فلا اعتراض، وعلى القول بالبدلية من مفعول ﴿أَمْلِكُ﴾ فالآية السابقة معترضة بين البدل، والمبدل منه، وبه قال الزمخشري.
هذا؛ وقيل: ﴿بَلاغاً﴾ مفعول مطلق فعله محذوف، و ﴿إِلاّ﴾ أصله: (إن لاّ) ف: (إن) حرف شرط جازم، و (لا) نافية بمعنى: «لم»، والمعنى: لن أجد من دونه ملتحدا؛ إن لم أبلغ رسالات
стр. 6909
ربي بلاغا. نقله مكي، والقرطبي بلفظ: قيل. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿بَلاغاً﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَرِسالاتِهِ:﴾ معطوف على ﴿بَلاغاً﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَعْصِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر، تقديره: «هو»، يعود إلى (من). ﴿اللهِ:﴾
مفعول به، ويقال: منصوب على التعظيم. ﴿وَرَسُولَهُ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) تقدم على اسمها. ﴿نارَ:﴾ اسم (إنّ) مؤخر، وهو مضاف، و ﴿جَهَنَّمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف، للعلمية، والعجمة. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من الضمير المجرور باللام، وقد روعي فيه معنى (من)، كما رأيت في الشرح، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خالِدِينَ﴾.
﴿أَبَداً:﴾ ظرف زمان متعلق به أيضا، والجملة الاسمية: (إنّ له...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. هذا؛ وقرئ بفتح همزة (أنّ) وعليه ف: (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فجزاؤه الخلود في نار جهنم، مثل قوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٤١]:
﴿فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٤]: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [١٤]. والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يَعْصِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً (٢٤)﴾
الشرح: ﴿حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ:﴾ من العذاب، والهلاك في الدنيا، كوقعة بدر؛ التي أذلهم الله فيها، ونكس رؤوسهم، وأخمد شوكتهم. أو المراد: العذاب؛ الذي سيلاقونه في الآخرة في نار الجحيم. ﴿فَسَيَعْلَمُونَ:﴾ حينئذ علم اليقين، علما لا يشوبه شك، ولا ارتياب. ﴿مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً:﴾ معينا، ومساعدا. ﴿وَأَقَلُّ عَدَداً:﴾ وأقل رجالا، ونفرا، وجندا، هل هم، أم المؤمنون الموحدون؟! ولا شك: أن الله ناصر عباده المؤمنين، فهم الأقوى ناصرا، والأكثر عددا؛ لأن الله معهم وملائكته الأبرار. قال تعالى في سورة (غافر) رقم [٥١]: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ رقم [٤٧] من سورة (الروم)، انظر شرحهما في محلهما؛ تجد: أن النصر مشروط بالإيمان الحقيقي، والكامل.
стр. 6910
هذا؛ وأصل ﴿رَأَوْا﴾ (رأى) فلما اتصل به واو الجماعة صار (رآوا) فالتقى ساكنان: الألف والواو، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين. ثم تحرك الواو بالضمة إن وليها ساكن مثل (رأوا الآيات) ولم تحرك بالكسرة؛ لأن الكسرة لا تناسبها. وقيل: تحرك بالضم دون غيره، ليفرق بين الواو الأصلية وبين واو الجماعة في نحو قولك: (لو اجتهدت لنجحت). وقيل: تضم؛ لأن الضمة أخف من الكسرة؛ لأنها من جنس الواو. وقيل: تحرك بحركة الياء المحذوفة. وقيل: غير ذلك.
الإعراب: ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿رَأَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة، لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، وهو بصري، فلذا اكتفى بمفعول واحد. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة، مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُوعَدُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو شيئا يوعدونه، وجملة: ﴿رَأَوْا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح؛ لاقتران جوابها هنا بالفاء؛ لأن الفاء لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. ﴿فَسَيَعْلَمُونَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا﴾. السين: حرف مفيد للتوكيد، والتحقيق هنا. (يعلمون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله.
﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أَضْعَفُ:﴾ خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هو أضعف، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام مبتدأ، و ﴿أَضْعَفُ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به على أن الفعل قد علق عن العمل لفظا بالاستفهام. ﴿ناصِراً:﴾ تمييز. ﴿وَأَقَلُّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أقل): معطوف على ﴿أَضْعَفُ﴾. ﴿عَدَداً:﴾ تمييز، وجملة: (سيعلمون...) إلخ جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿إِذا﴾ مجرورة ب: ﴿حَتّى،﴾ وهو رأي: الأخفش دائما في مثل هذا التركيب، والمعنى هنا يؤيده، لذا قال الجلال-رحمه الله تعالى-: ﴿حَتّى﴾ ابتدائية فيها معنى الغاية لمقدر قبلها، أي:
لا يزالون مستمرين على كفرهم إلى أن يروا... إلخ.
﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (٢٥)﴾
الشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ ، ﴿إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء الكافرين المستهزئين بما تعدهم من العذاب، والهلاك: ما أدري: هل هذا العذاب الذي توعدونه قريب زمنه. ﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً﴾ أي: أم هو بعيد له مدة طويلة وأجل محدود؟!.
стр. 6911
قال المفسرون: كان النبي ﷺ ، كلما خوف الكافرين نار جهنم، وحذرهم أهوال الساعة؛ أظهروا الاستخفاف بقوله، وسألوه متى هذا العذاب؟! ومتى تقوم الساعة؟! فأمره الله تعالى أن يقول لهم: لا أدري وقت ذلك، هل هو قريب، أم بعيد؟ وقيل: المستهزئ والسائل العذاب هو النضر بن الحارث، وكان هذا شأنه، وقد أمر الرسول ﷺ بقتله صبرا حينما وقع أسيرا بأيدي المسلمين في غزوة بدر. انظر ما ذكرته في سورة (الأنفال) رقم [٣٢].
قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: ﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً﴾ والأمد يكون قريبا، وبعيدا، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ رقم [٣٠] من سورة (آل عمران)؟ قلت: كان رسول الله ﷺ يستقرب الموعد، فكأنه قال: ما أدري أهو حال متوقع في كل ساعة، أم مؤجل ضربت له غاية؟. انتهى.
وفي الخطيب: فإن قيل: أليس أنه ﷺ قال: «بعثت أنا والساعة كهاتين». فكان عالما بقرب وقوع القيامة، فكيف قال هاهنا: لا أدري أقريب أم بعيد... إلخ؟!. أجيب بأن المراد بقرب وقوع الذي علمه هو: أن ما بقي من الدنيا أقل مما انقضى، فهذا القدر من القرب معلوم، وأما معرفة مقدار القرب؛ فغير معلوم. انتهى. جمل.
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى:
«ما». ﴿أَدْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿أَقَرِيبٌ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (قريب): خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، وأجيز اعتبارها مصدرية، وهو ضعيف، ويجوز اعتبار (قريب) مبتدأ، و ﴿ما﴾ فاعلا به سادا مسد الخبر لاعتماد الوصف على الاستفهام، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعولي أدري المعلق عن العمل لفظا بهمزة الاستفهام، والجملة الفعلية: ﴿إِنْ أَدْرِي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وانظر مثل هذه الجملة في الآية رقم [١٠٩] من سورة (الأنبياء)، معنى، ومحلا، وإعرابا. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَجْعَلُ:﴾ فعل مضارع. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَمَداً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، وبعضهم يعتبر الجار والمجرور في محل نصب مفعول به ثان. ﴿رَبِّي:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَمَداً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿إِنْ أَدْرِي..﴾. إلخ فهي في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
стр. 6912
﴿عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦)﴾
الشرح: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ:﴾ الغيب: ما غاب عن العباد، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٢] من سورة (الملك). ﴿فَلا يُظْهِرُ:﴾ فلا يطلع. ﴿عَلى غَيْبِهِ﴾ أي: على الغيب المخصوص به علمه. ﴿أَحَداً:﴾ من الناس.
هذا؛ و «أحد» أصله: وحد؛ لأنه من الوحدة، فأبدلت الواو همزة، وهذا قليل في المفتوحة، إنما يحسن في المضمومة والمكسورة، مثل قولهم في وجوه: أجوه، وفي وسادة: إسادة، وهو مرادف للواحد في موضعين: أحدهما: وصف الباري جل علاه، فيقال: هو الواحد، وهو الأحد. والثاني: أسماء العدد، فيقال: أحد وعشرون، وواحد وعشرون. وفي غير هذين الموضعين يفرق بينهما في الاستعمال، فلا يستعمل أحد إلا في النفي، وهو كثير في الكلام، أو في الإثبات مضافا، كما في قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ بخلاف الواحد، وقولهم: «ما في الدار أحد»، هو اسم لمن يعقل، ويستوي فيه المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث. قال تعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ رقم [٣٢] من سورة (الأحزاب)، وقوله جل ذكره في سورة (الحاقة) رقم [٤٧]: ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾.
هذا؛ و «أحد» أكمل من الواحد، ألا ترى أنك إذا قلت: فلان لا يقوم له واحد؛ جاز في المعنى أن يقوم له اثنان، فأكثر، بخلاف قولك: لا يقوم له أحد. وفي الأحد خصوصية ليست في الواحد، تقول: ليس في الدار أحد، فيجوز ألا يكون في الدار الدواب، والطير، والوحش، والإنس، فيعم الناس، وغيرهم، بخلاف ليس في الدار واحد، فإنه مخصوص بالآدميين.
ويأتي «الأحد» في كلام العرب بمعنى الواحد، فيستعمل في النفي، والإثبات، نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ أي: واحد، وقوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [١٩]: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ أي: واحدا منكم، وبغير معنى الواحد، فلا يستعمل إلا في النفي، تقول: ما جاءني من أحد، ومنه قوله تعالى في سورة (البلد): ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ و «واحد» يستعمل فيهما مطلقا، و «أحد» يستعمل في المذكر، والمؤنث، كما رأيت في آية (الأحزاب)، بخلاف الواحد، فلا يقال: كواحد من النساء، بل كواحدة، و «أحد» يصلح للإفراد، والجمع، ولهذا؛ وصف به في آية (الحاقة) المتقدمة، بخلاف الواحد. و «الأحد» له جمع من لفظه، وهو: الأحدون، والآحاد، وليس للواحد جمع من لفظه، فلا يقال: واحدون، بل اثنان، وثلاثة. و «الأحد» ممتنع من الدخول في شيء من الحساب، بخلاف الواحد، فتلخص من ذلك سبعة فروق. انتهى.
الإعراب: ﴿عالِمُ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو عالم، وأجيز اعتباره بدلا من ﴿رَبِّي،﴾ أو عطف بيان له، وقرئ بنصبه على المدح بفعل محذوف، و ﴿عالِمُ﴾ مضاف،
стр. 6913
و ﴿الْغَيْبِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية المقدرة: «هو عالم» مستأنفة، لا محل لها، واعتبارها حالا من ﴿رَبِّي﴾ ضعيف. ﴿فَلا:﴾ الفاء:
حرف استئناف، وتفريع. (لا): نافية. ﴿يُظْهِرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود على ما قبله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿عَلى غَيْبِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَحَداً:﴾ مفعول به.
﴿إِلاّ مَنِ اِرْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (٢٧)﴾
الشرح: ﴿إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ﴾ أي: فإن الله يظهره على شيء من غيبه، فهو كقوله تعالى في آية الكرسي: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ؛﴾ لأن الرسل مؤيدون بالمعجزات، ومنها: الإخبار عن بعض الغائبات. قال تعالى حكاية عن قول عيسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-في سورة (آل عمران) رقم [٤٩]: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ والمعنى لا يظهر الله على غيبه إلا من اصطفى للنبوة، فإنه يطلعه على ما يشاء من غيبه ليكون ذلك دالا على نبوته.
قال العلماء-رحمهم الله تعالى-: لما تمدح سبحانه بعلم الغيب، واستأثر به دون خلقه؛ كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل، فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزة لهم، ودلالة صادقة على نبوتهم، وليس المنجم، ومن ضاهاه ممّن يضرب بالحصى، وينظر في الكتب، ويزجر بالطير ممن ارتضاه الله من رسول، فيطلعه على ما يشاء من غيبه، بل هو كافر بالله، مفتر عليه بحدسه، وتخمينه، وكذبه.
قال بعض العلماء: وليت شعري ما يقول المنجم في سفينة ركب فيها ألف إنسان، على اختلاف أحوالهم، وتباين رتبهم، فيهم: الملك، والسوقة، والعالم، والجاهل، والغني، والفقير، والكبير، والصغير، مع اختلاف طوالعهم، وتباين مواليدهم، ودرجات نجومهم، فعمهم حكم الغرق في ساعة واحدة؟ فإن قال المنجم قبحه الله تعالى: إنما أغرقهم الطالع، الذي ركبوا فيه، فيكون على مقتضى ذلك: أن هذا الطالع أبطل أحكام تلك الطوالع كلها على اختلافها عند ولادة كل واحد منهم، وما يقتضيه طالعه المخصوص به، فلا فائدة أبدا في عمل المواليد، ولا دلالة فيها على شقي، ولا سعيد، ولم يبق إلا معاندة القرآن العظيم، وفيه استحلال دمه على هذا التنجيم، ولقد أحسن الشاعر حيث قال: [الكامل]
حكم المنجّم أنّ طالع مولدي... يقضي عليّ بميتة الغرق
قل للمنجّم صبحة الطوفان هل... ولد الجميع بكوكب الغرق؟!
стр. 6914
قيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب-﵁-لما أراد لقاء الخوارج: أتلقاهم؛ والقمر في العقرب؟! فقال-﵁، وكرم الله وجهه: فأين قمرهم؟! وكان ذلك في آخر الشهر، فانظر إلى هذه الكلمة التي أجاب بها، وما فيها من المبالغة في الرد على من يقول بالتنجيم، والإفحام لكل جاهل يحقق أحكام النجوم! وقال له مسافر بن عوف: يا أمير المؤمنين! لا تسر في هذه الساعة، وسر في ثلاث ساعات يمضين من النهار، فقال له-﵁:
ولم؟ قال: إنك إن سرت في هذه الساعة؛ أصابك، وأصاب أصحابك بلاء، وضر شديد، وإن سرت في الساعة التي أمرتك بها ظفرت، وظهرت، وأصبت ما طلبت! فقال-﵁:
ما كان لمحمد ﷺ منجم، ولا لنا من بعده، في كلام طويل يحتج فيه بآيات التنزيل، فمن صدقك في هذا القول لم آمن عليه أن يكون كمن اتخذ من دون الله ندّا، أو ضدّا. اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ثم قال للمتكلم: نكذبك، ونخالفك، ونسير في الساعة التي تنهانا عنها.
ثم أقبل على الناس، فقال: أيها الناس! إياكم وتعلم النجوم إلا ما تهتدون به في ظلمات البر، والبحر، وإنما المنجم كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار، والله لئن بلغني أنك تنظر في النجوم، وتعمل بها؛ لأخلدنك في الحبس ما بقيت، وبقيت! ولأحرمنك العطاء ما كان لي سلطان! ثم سافر في الساعة التي نهاه عنها، ولقي القوم، فقتلهم، وهي وقعة النهروان الثابتة في الصحيح لمسلم، ثم قال: لو سرنا في الساعة، التي أمرنا بها، وظفرنا، وظهرنا؛ لقال قائل: سار في الساعة، التي أمر بها المنجم، ما كان لمحمد ﷺ منجم، ولا لنا من بعده، وفتح الله علينا بلاد كسرى، وقيصر، وسائر البلدان، ثم قال: أيها الناس! توكلوا على الله، وثقوا به، فإنه يكفي عن سواه. انتهى. قرطبي بحروفه.
أقول: ومن هذه المشكاة ما قيل للمعتصم العباس حينما أراد غزو عمورية، ولكنه خالف المنجم، وانتصر، وفي ذلك قال شاعره أبو تمام: [البسيط]
السّيف أصدق أنباء من الكتب... في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب
أقول: نص الآية الكريمة يفيد صراحة: أن الله يطلع من ارتضى، واختار من الرسل على شيء من الغيب، وكذلك يطلع بعض أوليائه على شيء منه، وقد أثبت أهل السنة كرامات الأولياء، خلافا للمعتزلة، وأن الله- -يجوز أن يلهم بعض أوليائه وقوع بعض الوقائع في المستقبل، فيخبر به، وهو من إطلاع الله إياه على ذلك، ويدل على ذلك ما روي عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد كان فيمن قبلكم من الأمم ناس محدّثون، من غير أن يكونوا أنبياء، وإن يكن في أمتي أحد؛ فإنه عمر بن الخطاب». أخرجه البخاري. قال ابن وهب: تفسير «محدثون»: ملهمون. ولمسلم عن عائشة-﵂-عن
стр. 6915
النبي ﷺ أنه كان يقول: «قد كان في الأمم قبلكم محدّثون، فإن يكن في أمّتي منهم أحد، فإن عمر بن الخطاب منهم». ففي هذا إثبات كرامات الأولياء. انتهى. خازن بتصرف.
أما الكهانة فقد نهى الرسول ﷺ عنها، ونهى عن تصديق الكهان، وعن الجلوس إليهم، والأخذ منهم. وخذ ما يلي:
عن عمران بن حصين-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منّا من تطيّر، أو تطيّر له، أو تكهّن، أو تكهّن له، أو سحر، أو سحر له، ومن أتى كاهنا فصدّقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ». رواه الطبراني، والبزار، ورحم الله من يقول: [البسيط]
لا يعلم المرء ليلا ما يصبّحه... إلا كواذب ممّا يخبر الفال
والفأل والزجر والكهّان كلّهم... مضلّلون ودون الغيب أقفال
وقال آخر: [البسيط]
دع المنجم يكبو في ضلالته... إن ادّعى علم ما يجري به الفلك
تفرّد الله بالعلم القديم فلا... يشركه فيه إنسان ولا ملك
﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ:﴾ يدخل. ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ:﴾ من أمامه. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ:﴾ والمراد جميع جهاته.
﴿رَصَداً:﴾ حراسا من الملائكة يحرسونه، والضمير يعود إلى من ارتضاه، فيحفظ الوحي من استراق الشياطين السمع، وإلقائه إلى الكهنة. قال الضحاك: ما بعث الله نبيا إلا ومعه ملائكة يحرسونه من الشياطين عن أن يتشبهوا بصورة الملك، فإذا جاءه شيطان في صورة الملك. قالوا:
هذا شيطان؛ فاحذره، وإن جاءه الملك؛ قالوا: هذا رسول ربك.
هذا؛ والرصد: القوم يرصدون كالحرس، يستوي فيه الواحد، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وربما قالوا: أرصادا، والراصد للشيء: الراقب له، يقال: رصده، يرصده رصدا، ورصدا، والترصد: الترقب، والمرصد: موضع الرصد، وفي سورة (التوبة) رقم [٥]: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ،﴾ وفيها أيضا رقم [١٠٧]: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾. ومعنى ﴿يَسْلُكُ﴾ يرسل ويجعل من أمام الرسول المرتضى ومن خلفه ملائكة حراسا يحفظونه من الجن، ويحرسونه في ضبط ما يلقيه الله تعالى إليه من علم الغيب. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا؛ والتعبير عن الأمام، والخلف بقوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ كثير في القرآن الكريم، وإن اختص كل موضع بتفسير حسب مقتضيات الأحوال، واختلافها، فمثلا قوله تعالى في الآية رقم [٢٨] من سورة (الأنبياء) يفسر بغير ما في هذه الآية، وكذلك الآية رقم [٩] من
стр. 6916
سورة (سبأ): ﴿ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ،﴾ والآية رقم [١١٠] من سورة (طه) كلتاهما تخالفان معنى قوله تعالى: ﴿ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا﴾ الآية رقم [٦٤] من سورة (مريم) على نبينا، وحبيبنا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام، وهكذا والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنِ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مستثنى من ﴿أَحَداً،﴾ فهو استثناء متصل، وجوز السمين اعتباره منقطعا؛ أي: لكن من ارتضاه، فإنه يظهره على ما يشاء من غيبه بالوحي، ثم قال: ويجوز أن تكون من شرطية، أو موصولة متضمنة معنى الشرط، وقوله: ﴿فَإِنَّهُ..﴾. إلخ خبر المبتدأ على القولين، وهو من الاستثناء المنقطع أيضا. انتهى. وتفصيله كما يلي:
﴿مَنِ:﴾ اسم شرط مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم لفعل شرطه، أو هو في محل رفع مبتدأ، والأول أقوى؛ لأن الفعل بعده متعد، ولم يستوف مفعوله. ﴿اِرْتَضى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿مِنْ رَسُولٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: (من)، و ﴿مَنِ﴾ بيان لما أبهم في (من). ﴿فَإِنَّهُ:﴾ الفاء:
واقعة في جواب الشرط. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يَسْلُكُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله) أيضا. ﴿مِنْ بَيْنِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿بَيْنِ﴾ مضاف، و ﴿يَدَيْهِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى صورة، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿رَصَداً:﴾
مفعول به، وجملة: ﴿يَسْلُكُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [١٤]. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا فهي مبتدأ، والجملة بعدها صلة، والعائد محذوف، التقدير: الذي ارتضاه، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ..﴾. إلخ في محل رفع خبره، واقترنت بالفاء؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والكلام: ﴿مَنِ ارْتَضى..﴾. إلخ في محل نصب على الاستثناء المنقطع، كما رأيته سابقا.
﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً (٢٨)﴾
الشرح: ﴿لِيَعْلَمَ﴾ أي: ليعلم محمد ﷺ : أنّ جبريل ﵇ قد بلغ إليه رسالات ربه.
وقيل: معناه: ليعلم محمد ﷺ : أن الرسل قبله قد أبلغوا رسالات ربهم إلى أقوامهم، وأن الله حفظهم، ودفع عنهم. وقيل: معناه: ليعلم الله علم ظهور، فإنه تعالى عالم بما كان، وما يكون أن رسله الكرام قد بلغوا عنه وحيه كما أوحاه إليهم محفوظا من الزيادة، والنقصان، فلا يخفى
стр. 6917
عليه شيء من أمورهم، فقد قال المفسرون: ما جاء في القرآن من تعليل لعلم الله تعالى كقوله في سورة (البقرة) رقم [١٤٣]: ﴿وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٤٠]: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ،﴾ ومنها أيضا رقم [١٦٦]: ﴿وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وبعدها: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ فإنما هو علم ظهور، لا علم بداء، فإن الله تعالى عالم بالأشياء أزلا، وإنما يظهر علمه لعباده. ﴿وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ﴾ أي: أحاط علمه بما عند الرسل، وبما عند الملائكة، فلا يخفى عليه شيء من أمورهم.
﴿وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ أي: علم الله تعالى علم ضبط، واستقصاء جميع الأشياء، المنبثة في الأرضين والسموات، من القطر، والرمل، وورق الأشجار، وزبد البحار، فلا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه أمر، فكيف لا يحيط علما بما عند رسله من رسالاته، ووحيه؛ التي أمرهم بتبليغها إلى خلقه؟! وكيف يمكن لرسله أن يفرطوا في تلك الرسالات، أو يزيدوا، أو ينقصوا، أو يحرفوا فيها، أو يغيروا منها، وهو تعالى محيط بها، محص لجميع الأشياء، جليلها وحقيرها؟ قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٥٩]: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾.
الإعراب: ﴿لِيَعْلَمَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى الله، أو إلى الرسول حسبما رأيت في الشرح، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يَسْلُكُ﴾ على اعتبار الفاعل عائدا إلى (الله)، أو بمحذوف تقديره: أخبرناه على اعتبار الفاعل عائدا إلى الرسول ﷺ . ﴿أَنْ:﴾
مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَبْلَغُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنْ،﴾ والمصدر المؤول من ﴿أَنْ﴾ واسمها، وخبرها في محل نصب سد مسد مفعول (يعلم). ﴿رِسالاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و ﴿رِسالاتِ:﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَأَحاطَ:﴾ الواو: واو الحال. (أحاط): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، وهذا يؤكد عود فاعل (يعلم) إلى (الله)، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل (يعلم) المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير «قد» قبلها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿لَدَيْهِمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما)، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء لاتصاله
стр. 6918
بالضمير، الذي هو في محل جر بالإضافة. ﴿وَأَحْصى:﴾ الواو: حرف عطف. (أحصى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، و ﴿كُلَّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿عَدَداً:﴾ تمييز، وقال الزمخشري، ومتابعوه: حال. هذا؛ وأجيز اعتباره مفعولا مطلقا؛ لأن أحصى بمعنى عدّ.
تنبيه: أذكر لك هنا الفرق بين الملائكة، والجن من تعريف علماء التوحيد للملائكة، والجن بما يلي: فالملائكة: أجسام نورانية لطيفة قادرة على التشكل، والتمثل بأية صورة أرادوا، لا يأكلون، ولا يشربون، لا يبولون، ولا يتغوطون، لا ينامون، ولا يموتون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، لا يتناسلون، ولا يتناكحون، يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، لا يوصفون بذكورة، ولا بأنوثة، فمن وصفهم بذكورة فسق، ومن وصفهم بأنوثة كفر، ولهم قدرة خارقة، ولا تحكم عليهم الصورة، وهم كثيرون، لا يعلم عددهم إلا الله تعالى. قال تعالى في سورة (المدثر): ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ يقومون بأعمال مختلفة، كل فيما وكل إليه من أعمال، ورؤساؤهم عشرة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ورقيب، وعتيد، ومنكر، ونكير، ورضوان خازن الجنة، ومالك خازن النار، ويتشكلون بأشكال حسنة.
أما الجن؛ فهم أجسام نارية سفلية، مخلوقون من مارج من نار، أي: من أخلاط نار صافية، وأنهم قادرون على التشكل بأية صورة أرادوا، وفي الغالب يتشكلون بصور مخيفة، وأنهم يتناسلون، ولهم ذرية، وفيهم الذكر، والأنثى، وهم مكلفون كالبشر، وفيهم المؤمن والكافر، وأن الصورة تحكم عليهم. ومما تقدم يتبين لنا بوضوح أن بين خلق الملائكة، وبين خلق الجن تفاوتا واضحا، وتباينا ظاهرا في أصل الجبلة، والخلقة.
فالملائكة مخلوقون من نور، والجن مخلوقون من نار، يدل لذلك قول النبي ﷺ : «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجانّ من مارج من نار، وخلق آدم ممّا وصف لكم». رواه مسلم، وقال تعالى في سورة (الحجر) رقم [٢٧]: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ﴾.
والملائكة ليس لهم نسل ولا ذرية، بخلاف الجن، فإنهم يتناسلون ويتناكحون، ولهم نسل وذرية. قال تعالى في سورة (الكهف) رقم [٥٠]: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ فالملائكة يخلقهم الله خلقا جديدا مبتدأ؛ لأنه ليس فيهم ذكر، أو أنثى، حتى يحصل التناسل، أما الجن؛ ففيهم الذكر، والأنثى، ويقع بينهم التناكح والتناسل، كما هو الحال بين البشر.
والملائكة قادرون على التمثل بأمثال الأشياء، والتشكل بالأشكال الجسمانية، المحسوسة فقد ثبت ذلك في النصوص العديدة من الكتاب والسنة. قال تعالى عن جبريل ﵇:
стр. 6919
﴿فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا﴾ وقال تعالى عن ضيوف إبراهيم من الملائكة الأبرار:
﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ..﴾. إلخ. الآيات من سورة (الذاريات) فقد دخلوا عليه في صورة رجال، وحين قدم لهم الطعام امتنعوا عن الأكل، فأوجس منهم خيفة، فأخبروه: أنهم ليسوا بشرا، وإنما هم ملائكة أرسلهم الله لإهلاك المكذبين من قوم لوط.
وحين قدم الملائكة على نبي الله لوط ﵇، جاؤوه على صورة شباب مرد حسان، مما جعل السفهاء يطمعون بفعل الفاحشة بهم؛ حيث جاؤوا يتسابقون إلى دار لوط، ﵇.
كما قال تعالى: ﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ..﴾. إلخ الآيات رقم [٧٨] وما بعدها من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
فالملائكة إذا قادرون على التصور، والتشكل بأية صورة شاؤوا، وقد ثبت في الصحيحين عن عمر-﵁-أنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ؛ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثوب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، فسأل رسول الله ﷺ عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، وعن الساعة، فأجابه الرسول عنها بالتفصيل، وأخيرا سأل الصحابة: «أتدرون من السّائل؟». قالوا: الله، ورسوله أعلم! قال: «فإنه جبريل أتاكم يعلمكم أمور دينكم».
والجن أيضا قادرون على التمثل، والتشكل بأية صورة شاؤوا، فقد اجتمعوا برسول الله ﷺ في صورة نفر من الرجال، وسمعوا القرآن، ثم رجعوا إلى قومهم منذرين، كما قال تعالى في سورة (الأحقاف) رقم [٢٩]: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾. فهم يشبهون الملائكة من هذه الناحية، وهي قدرة التمثل، والتشكل بأي صورة شاؤوا، ولكنهم يختلفون عن الملائكة في أنهم تحكم عليهم الصورة، بينما الملائكة لا تحكم عليهم الصورة، بمعنى: أن الجني لو تصور وتشكل في صورة إنسان، أو طير، وصوب إنسان سهما نحوه، فإن الجني يموت، كما لو قتله إنسان بسيف، أو رمح، فيجري عليه حكم الصورة، بخلاف الملك إذا ما سدد إنسان سهما نحوه، أو جني عليه بجناية، فلا يناله شيء من الأذى فيما لو تشكل بصورة إنسان، أو غيره. ثم إن الملائكة يختلفون عن الجن في أنهم لا يأكلون، ولا يشربون، وليس فيهم نزوع إلى البشر، وليس عندهم استعداد للمعصية، بل خلقوا على الاستقامة، وجبلوا على العبادة، والطاعة، كما قال تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٢٠]: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ،﴾ وأما الجن؛ ففيهم المؤمن، والكافر، والبر، والفاجر، فهم كالبشر في هذه الناحية، كما قال تعالى عن إبليس في سورة (الكهف) رقم [٥٠]: ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾. وما ذكر في هذه السورة رقم [١٤] يدل كذلك على أن فيهم المسلم، والكافر. وهم مكلفون بالتكاليف الشرعية كسائر البشر. قال تعالى في سورة (الذاريات): ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾.
стр. 6920
ولهم رسل، وأنبياء يبلغونهم أوامر الله، ونواهيه، كما قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٣٠]: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ انظر شرحها في محلها، فقوله تعالى: (منكم) يدل على أن هناك رسلا من الإنس، ورسلا من الجن. وبه قال الضحاك، ومقاتل. وأما رسالة محمد ﷺ ؛ فهي عامة لجميع الخلق: إنسهم، وجنهم، كما قال تعالى في الآية رقم [١] من سورة (الفرقان): ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً﴾ ومثلها كثير.
والجن مخلوقون قبل الإنس، يدل لذلك قوله تعالى في سورة (الحجر): ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ﴾ انظر شرح الآيتين هناك، والجن يرون البشر، ولا يرونهم يدل لذلك قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٢٧]: ﴿إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾. ثم إن الملائكة يختلفون عن الجن في أن لهم قدرة عجيبة خارقة، فهم يستطيعون أن يقتلعوا الجبال، ويغوصوا البحار، ويقلبوا الأرض بأهلها، كما فعل الملائكة بقوم لوط، وكما اقتلع جبريل ﵇ جبل الطور، ورفعه فوق بني إسرائيل، كما قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٧١]: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾.
وللملائكة أجنحة، فمنهم من له جناحان، ومن له ثلاثة، أو أربعة، أو أكثر. انظر الآية رقم [١] من سورة (فاطر) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ والشياطين فرقة من الجن، وهم المردة العصاة، ورئيسهم إبليس اللعين عليه لعنة الله، فكل متمرد من الجن يسمى: شيطانا، كما أن كل عاص من الإنس يسمى فاسقا، وكل جاحد يسمى كافرا، فكل شيطان جني، وليس كل جني شيطانا، والله الموفق والمعين. انتهى. كله من كتاب «النبوة والأنبياء» للصابوني بتصرف كبير. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
انتهت سورة (الجن) شرحا وإعرابا بتوفيق الله، وفضله.
والحمد لله رب العالمين
стр. 6921
سورة المزّمّل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة (المزمل) مكية كلها في قول الحسن، وعكرمة، وعطاء، وجابر. وقال ابن عباس، وقتادة: إلا آيتين منها: ﴿وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ..﴾. إلخ، والتي تليها، ذكره الماوردي. وقال الثعلبي: قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾ إلى آخر السورة، فإنه نزل بالمدينة. انتهى. قرطبي.
وما قاله الثعلبي هو الصحيح، والمعتمد. وما نسب إلى ابن عباس-﵄-فهو ضعيف؛ لأن الأمر بالصبر، والهجر الجميل كان في مكة، وليس في المدينة، فليتأمل، وهي عشرون آية، ومئتان وخمس وثمانون كلمة، وثمانمئة، وثمانية وثلاثون حرفا. انتهى. خازن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً (٢) نِصْفَهُ أَوِ اُنْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (٤)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ ، والمزمل: المتلفف بثيابه، يقال: تزمل بثوبه، أي: التف به، وتغطى، وزمل غيره: غطاه، وهو بكسر الميم اسم فاعل، وبفتحها اسم مفعول. قال امرؤ القيس في معلقته رقم [٨٨]: [الطويل]
كأنّ ثبيرا في عرانين وبله... كبير أناس في بجاد مزمّل
و ﴿الْمُزَّمِّلُ﴾ أصله المتزمل، فأدغمت التاء في الزاي، ومثله: ﴿الْمُدَّثِّرُ﴾ معنى، وأصلا.
وخطاب النبي ﷺ بهذا الوصف، فيه تأنيس، وملاطفة له ﷺ . قال السهيلي: في خطابه بهذا الاسم فائدتان: إحداهما الملاحظة، فإن العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب، وترك معاتبته سمّوه، ونادوه باسم مشتق من حالته، التي هو عليها، كقول النبي ﷺ لعلي-﵁-حين غاضب فاطمة-﵂، وقد نام، ولصق بجنبه التراب: «قم أبا تراب». إشعارا بأنه ملاطف له، وغير عاتب عليه، وصار ذلك لقبا له من أحب ألقابه، وكذلك قوله ﷺ لحذيفة ﵁: «قم يا نومان». وكان نائما ملاطفة له، وإشعارا بترك العتب، وكان ذلك في الخندق. والفائدة الثانية: التنبيه لكل متزمل راقد ليله ليتنبه إلى قيام الليل، وذكر الله تعالى فيه؛ لأنه الاسم المشتق من الفعل. ويشترك فيه المخاطب، وكل من اتصف بتلك الصفة. وسبب هذا
стр. 6922
التزمل، والتدثر ما روي في البخاري (باب أول نزول الوحي): أن النبي ﷺ لما جاءه جبريل ﵇، وهو في غار حراء في ابتداء الوحي، وحصل ما حصل من ضمه إلى صدره ثلاث مرات، وإرساله؛ نزل من غار حراء يرجف فؤاده، فدخل على خديجة-﵂، وقال:
«زمّلوني زملوني، لقد خشيت على نفسي». وأخبرها بما جرى له. وزمّلوني بمعنى: دثروني، وكلاهما بمعنى غطوني. انتهى. قرطبي وغيره بتصرف.
هذا؛ وقيل في ذلك أقوال كثيرة، والمعتمد ما ذكرته، وأبعد الأقوال عن الحقيقة والواقع ما ذكره النخعي: أن النبي ﷺ كان متزملا بقطيفة، نصفها على عائشة-﵂-وأنها مرط، طوله أربعة عشر ذراعا. قالت: نصفه عليّ وأنا نائمة، ونصفه على النبي ﷺ ، وهو يصلي، والله ما كان خزا، ولا قزا، ولا مرعزى، ولا إبريسما، ولا صوفا! كان سداه شعرا، ولحمته وبرا. ذكره الثعلبي. وقد ذكرت لك في مقدمة السورة عن الثعلبي نفسه: أن المعتمد: أن السورة مكية ما عدا الآية الأخيرة منها فإنها مدنية، فهل يصح هذا؟!.
﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً:﴾ هذا؛ واختلف هل كان قيام الليل فرضا، أو نفلا؟ والدلائل تقوي: أن قيامه كان فرضا، ثم نسخ، واختلف: هل كان فرضا على النبي ﷺ وحده، أو عليه، وعلى من كان قبله من الأنبياء، أو عليه، وعلى أمته؟ على ثلاثة أقوال: الأول: قول سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-؛ لتوجه الخطاب له وحده. الثاني: قول ابن عباس-﵄-قال: كان قيام الليل فريضة على النبي ﷺ ، وعلى الأنبياء قبله. الثالث: قول عائشة، وابن عباس أيضا: أنه كان فرضا عليه وعلى أمته. انتهى. جمل، نقلا من الخطيب، والخازن، والقرطبي باختصار.
وانظر ما اختص به النبي ﷺ من أشياء في الآية رقم [٥٠] من سورة (الأحزاب).
واختلف في الناسخ لفريضة قيام الليل، فقيل: الصلوات الخمس. وقيل: أول هذه السورة منسوخ بآخرها. وخذ ما يلي عن زرارة بن أوفى: أن سعد بن هشام بن عامر-﵁ أراد أن يغزو في سبيل الله... الحديث، وفيه فقلت لعائشة-﵂: أنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ ؟ فقالت: ألست تقرأ ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ..﴾. إلخ؟ قلت: بلى! قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام ﷺ وأصحابه حولا، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرا في السماء، حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة. وذكر الحديث. وذكر وكيع، ويعلى قالا: حدثنا مسعر عن سماك الحنفي قال: سمعت ابن عباس-﵄-يقول: لما أنزل أول ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ كانوا يقومون نحوا من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرها، وكان بين أولها، وآخرها نحو من سنة. وقال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: مكث النبي ﷺ وأصحابه عشر سنين يقومون الليل، فنزل بعد عشر سنين: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ..﴾. إلخ، فخفف الله عنهم.
стр. 6923
بعد هذا أقول وبالله التوفيق: إذا اعتمدنا ما ذكرته عن الثعلبي في المقدمة: أن أول السورة نزل في بدء الوحي، والآية الأخيرة نزلت في المدينة، فيكون ما ذكر عن عائشة، وابن عباس-﵄-فيه تعارض، واضطراب، وأقرب إلى الصواب أن يقال: نسخ فرضية قيام الليل كان بفريضة الصلوات الخمس. ويكون قول سعيد بن جبير أقرب من الصواب؛ لأن عشر سنين تكون بين نزول أول السورة في مكة، ونزول آخرها في المدينة. والله أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً:﴾ فكان ذلك تخفيفا؛ إذ لم يكن زمان القيام محدودا، والمعنى: قم نصف الليل، أو انقص من النصف قليلا إلى الثلث. ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ أي: زد على النصف إلى الثلثين، فكأنه قال: قم ثلثي الليل، أو نصفه، أو ثلثه. ولا تنس الطباق بين ﴿اُنْقُصْ﴾ و ﴿زِدْ﴾ وهو من المحسنات البديعية. وبالإضافة لما ذكرته في سورة (الإسراء) رقم [٧٩]، وسورة (الفرقان) رقم [٦٤]، وسورة (السجدة) رقم [١٦] خذ ما يلي:
فعن أبي هريرة-﵁-عن رسول الله ﷺ قال: «ينزل الله إلى سماء الدّنيا كلّ ليلة حين يمضي ثلث الليل الأوّل، فيقول: أنا الملك! أنا الملك! من ذا الذي يدعوني، فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر». أخرجه الإمام مسلم في صحيحه. وقد جاء في كتاب النسائي عن أبي هريرة، وأبي سعيد-﵄-قالا: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يمهل؛ حتى يمضي شطر الليل الأوّل، ثم يأمر مناديا، يقول: هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يعطى؟». وخرّج ابن ماجه من حديث ابن شهاب، عن أبي سلمة، وأبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة-﵃ أجمعين-: أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل ربّنا ﵎ حين يبقى ثلث الليل الآخر كلّ ليلة، فيقول: من يسألني فأعطيه؟ من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر». فكانوا يستحبون صلاة آخر الليل على أوله. قال علماؤنا: وبهذا الترتيب انتظم الحديث، والقرآن، فإنهما يبصران من مشكاة واحدة. انتهى.
قرطبي، أقول: والنزول المذكور مستمر كل ليلة إلى أن تطلع الشمس من مغربها.
أقول: وفي معنى النزول مذهبان: مذهب الخلف التأويل، يقولون: تنزل رحمة الله ورضوانه وجوده، وكرمه، وإحسانه؛ بمعنى: تفتح أبواب ذلك. ومذهب السلف التفويض: يقولون: نزول لا نعلمه، أو يقولون: نزول يليق به تعالى. وهذا الحديث من المتشابهات، مثل قوله تعالى في سورة (طه): ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى﴾ وغير ذلك كثير.
هذا؛ وعن عائشة-﵂: أن رسول الله ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطّر قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا؛ وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك، وما تأخّر؟ قال: «أفلا أحبّ أن أكون عبدا شكورا؟!». رواه البخاري، ومسلم. وهذا بعد أن نسخ فرضية قيام الليل عنه ﷺ ، فعبادته لم تكن
стр. 6924
طمعا في جنة، ولا خوفا من نار، وإنما هي شكر لله على ما أنعم عليه من نعم كثيرة، أجلها الرسالة إلى الخلق أجمعين. والشكر يستوجب المزيد من النعم. قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
ومعلوم أن تفطّر قدميه ﷺ وتورّم قدميه-كما في رواية أخرى-لم يكن من كثرة السجود، والركوع، والقيام، والقعود. لا، وإنما هو من إطالة القيام، والركوع، وغيرهما. فقد روي: أنه ﷺ كان يقوم الليل بأربع ركعات، يقرأ في الركعة الأولى سورة (البقرة)، وفي الثانية سورة (آل عمران)، وفي الثالثة سورة (النساء)، وفي الرابعة سورة (المائدة) وركوعه كان بمقدار خمسين آية، وسجوده بمقدار سبعين آية.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «أحبّ الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحبّ الصيام إلى الله صيام داود، كان ينام نصف اللّيل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، ويصوم يوما، ويفطر يوما». رواه الستة.
﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ أي: اقرأه بترتيل، وتؤدة، وتبيين حروف، وإشباع حركات، بحيث يتمكن السامع من عدها. قال مجاهد: أحب الناس في القراءة إلى الله أعقلهم عنه. والترتيل:
التنضيد، والتنسيق، وحسن النظام، ومنه ثغر رتل بكسر التاء وفتحها: إذا كانت أسنانه حسنة التنضيد والنظام، وقال أبو بكر بن طاهر: تدبّر في لطائف خطابه، وطالب نفسك بالقيام بأحكامه، وقلبك بفهم معانيه، وسرك بالإقبال عليه.
وعن عبد الله بن عمرو-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «يؤتى بقارئ القرآن يوم القيامة، فيوقف في أول درج الجنة، ويقال له: اقرأ، وارق، ورتل كما كنت ترتّل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها». أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه.
وعن عائشة-﵂-قالت: قال رسول الله ﷺ : «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، وهو عليه شاقّ، له أجران». رواه الستة.
هذا؛ وقيل: الترتيل: هو التوقف، والترسل، والتمهل، والتفهم، وتبيين القراءة حرفا حرفا، أثره في أثر بعض. وقيل: إن الله لما أمر بقيام الليل أتبعه بترتيل القرآن، حتى يتمكن المصلي من حضور القلب، والتأمل، والتفكر في حقائق الآيات، ومعانيها، فعند الوصول إلى ذكر الله تعالى يستشعر بقلبه عظمة المذكور، وجلاله. وعند ذكر الوعد، والوعيد يحصل الرجاء، والخوف. وعند ذكر القصص والأمثال يحصل الاعتبار، فيستنير القلب عند ذلك بنور المعرفة. والإسراع في القراءة لا يحصل فيها ذلك، فظهر بذلك: أن المقصود من الترتيل، إنما هو حضور القلب عند القراءة.
وعن أم سلمة-﵂، وقد سألها يعلى بن مالك عن قراءة رسول الله ﷺ وصلاته، فقالت: مالكم وصلاته؟ ثم نعتت قراءته، فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفا حرفا.
أخرجه النسائي.
стр. 6925
وعن أبي وائل شقيق بن سلمة؛ قال: جاء رجل إلى ابن مسعود؛ قال: إني لأقرأ المفصل في ركعة. قال عبد الله-﵁: هذّا كهذّ الشعر! إن أقواما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم. وعن عائشة-﵂-قالت: قام النبي ﷺ بآية من القرآن. أخرجه الترمذي، وللنسائي عن أبي ذر نحوه، وزاد: والآية من سورة (المائدة): ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: يرددها في صلاته في ليله.
وعن سهل بن سعد-﵁-قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، ونحن نقرأ، فقال:
«الحمد لله كتاب الله واحد، وفيكم الأحمر، وفيكم الأبيض، وفيكم الأسود، اقرؤوا القرآن قبل أن يقرأه أقوام يقيمونه كما يقام السهم يتعجلون قراءته، ولا يتأجّلونه، لا يجاوز تراقيهم».
أخرجه أبو داود، وغيره. انتهى. خازن بتصرف.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا:﴾ (يا): أداة نداء، تنوب مناب أدعو، أو أنادي. (أيها): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، و (ها): حرف تنبيه، لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يجوز اعتبار الهاء ضميرا في محل جر بالإضافة؛ لأنه يجب حينئذ نصب المنادى. ﴿الْمُزَّمِّلُ:﴾ بدل من (أيّ). ﴿قُمِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره:
«أنت». ﴿اللَّيْلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿قَلِيلاً:﴾ مستثنى بإلا من ﴿اللَّيْلَ﴾. ﴿نِصْفَهُ:﴾ قال أبو البقاء:
فيه وجهان: أحدهما: هو بدل من ﴿اللَّيْلَ﴾ بدل بعض من كل، و ﴿إِلاّ قَلِيلاً﴾ استثناء من (نصف)، والثاني: هو بدل من ﴿قَلِيلاً﴾ وهو أشبه بظاهر الآية. انتهى. ومثله في الكشاف، والقرطبي، وعزا الأول للزجاج. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَوِ:﴾ حرف عطف، وتخيير. ﴿اُنْقُصْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة معطوفة على ما قبلها. (قليلا): صفة زمان محذوف متعلق بالفعل قبله، التقدير: أو انقص منه زمانا قليلا. ﴿أَوِ:﴾ حرف عطف، وتخيير أيضا.
﴿زِدْ:﴾ فعل أمر، وفاعله تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَرَتِّلِ:﴾ الواو: حرف عطف. (رتل): فعل أمر، وفاعله: أنت، والجملة الفعلية معطوفة أيضا. ﴿الْقُرْآنَ:﴾ مفعول به. ﴿تَرْتِيلاً:﴾ مفعول مطلق.
﴿إِنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (٥)﴾
الشرح: قال ابن عباس-﵄: قولا شديدا. وقيل: يعني: كلاما جليلا ذا خطر، وعظمة؛ لأنه كلام رب العالمين، وكل شيء له خطر ومقدار فهو ثقيل. والمعنى: صيّر نفسك مستعدة لقبول هذا القول العظيم الثقيل الشاق. وقيل: سماه ثقيلا؛ لما فيه من الأوامر، والنواهي، فإن فيه كلفة، ومشقة على الأنفس. وقيل: ثقيلا؛ لما فيه من الوعد والوعيد،
стр. 6926
والحلال والحرام، والحدود والفرائض والأحكام. وقيل: ثقيلا على المنافقين؛ لأنه يبين عيوبهم، ويظهر نفاقهم. وقيل: هو خفيف على اللسان بالتلاوة، ثقيل في الميزان بالثواب يوم القيامة. وقيل: سماه ثقيلا لما فيه من المحكم، والمتشابه، والناسخ، والمنسوخ.
وقيل: ثقيلا في الوحي، وذلك: أنه ﷺ كان إذا نزل عليه القرآن، والوحي يجد له مشقة.
فعن عائشة-﵂-أن الحارث بن هشام-﵁-سأل رسول الله ﷺ : كيف يأتيك الوحي؟ فقال: «أحيانا يأتيني في مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّه عليّ، فيفصم عني، وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا، فيكلّمني، فأعي ما يقول». قالت عائشة ﵂: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإنّ جبينه ليتفصّد عرقا، أخرجه البخاري، وعنها أيضا قالت: إن كان ليوحى إلى رسول الله ﷺ وهو على راحلته، فتضرب بجرانها (صدرها) الأرض، فما تستطيع أن تتحرك حتى يسرّى عنه؛ يعني:
الوحي ينتهي. رواه الإمام أحمد. وعن زيد بن ثابت-﵁-قال: أنزل على رسول الله ﷺ الوحي، وفخذه على فخذي، فكادت ترضّ فخذي. انتهى. خازن، وقرطبي، ومختصر ابن كثير.
الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿سَنُلْقِي:﴾ السين: حرف استقبال، وهو مفيد هنا للتوكيد قطعا؛ لأنه وعد من الكريم. (نلقي): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «نحن». ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قَوْلاً:﴾ مفعول به.
﴿ثَقِيلاً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. وعن الزمخشري قال: معترضة بين الأمر بقيام الليل، وبين تعليله الآتي.
﴿إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً (٦)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ:﴾ النفس الناشئة في الليل؛ التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة، أي: تنهض، وترتفع، من: نشأت السحابة، إذا ارتفعت، ونشأ من مكانه، ونشر: إذا نهض.
قال الشاعر: [الطويل]
نشأنا إلى خوص برى نيّها السّرى... وألصق منها مشرفات القماحد
معنى البيت: نهضنا وقمنا إلى خوص، جمع: خوصاء، وهي الناقة المرتفعة الأعلى، الضخمة الأسفل. برى نيها: أي: أذاب شحمها سير الليل. والقماحد: جمع القمحدوة بسكون الحاء، وهو مؤخر القذال، وهي فأس الرأس المشرفة على النقرة. والمعنى: قصدنا إلى ناقة
стр. 6927
مهزولة من السّرى ورحلنا. و ﴿ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ قيام الليل على أن الناشئة مصدر من: نشأ: إذا قام، ونهض على فاعلة، كالعافية، ويدل عليه ما روي عن عبيد بن عمير-﵁. قال: قلت لعائشة: رجل قام من أول الليل أتقولين له: قام ناشئة؟ قالت: لا؛ إنما الناشئة القيام بعد النوم، ففسرت الناشئة بالقيام عن المضجع، أو الناشئة: العبادة، التي تنشأ بالليل، أي: تحدث، وترتفع. وقيل: هي ساعات الليل كلها؛ لأنها تحدث واحدة بعد أخرى. وقيل: الساعات الأول من الليل؛ لأن لفظ: «نشأ» يعطي الابتداء، فكان بالأولية أولى، ومنه قول الشاعر: [الوافر]
ولولا أن يقال صبا نصيب... لقلت بنفسي النّشأ الصّغار
وكان علي بن الحسين، الملقب بزين العابدين-﵄-يصلي بين المغرب، والعشاء، ويقول: هذه ناشئة الليل. وخذ ما يلي:
فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلّى بعد المغرب ستّ ركعات لم يتكلّم فيما بينهنّ بسوء؛ عدلن بعبادة ثنتي عشرة سنة». رواه ابن ماجه، والترمذي، وابن خزيمة. وعن عائشة-﵂-عن النبي ﷺ قال: «من صلّى بعد المغرب عشرين ركعة بنى الله له بيتا في الجنة». رواه الترمذي. وعن الأسود بن يزيد-﵁. قال:
قال عبد الله بن مسعود-﵁: نعم ساعة الغفلة! يعني الصلاة فيما بين المغرب، والعشاء. رواه الطبراني.
﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً﴾ أي: إنها أثقل على المصلي من ساعات النهار، وذلك: أن الليل وقت منام، وراحة، فمن صلى فيه؛ فقد تحمل المشقة العظيمة. أو المعنى: أشد مواطأة، يواطئ القلب اللسان، إن أردت النفس، أو يواطئ فيها قلب القائم لسانه، إن أردت القيام، أو العبادة، أو الساعات، أو أشد موافقة لما يراد من الخشوع، والإخلاص. وعن الحسن: أشد موافقة بين السر، والعلانية؛ لانقطاع رؤية الخلائق، ولذا قرئ: «(هي أشدّ وطاء)».
على أنه مصدر: واطأت: وطاء، ومواطأة، إذا وافقته، وتواطؤوا عليه، أي: توافقوا.
فالمعنى: أشد موافقة بين القلب، والبصر، والسمع، واللسان؛ لانقطاع الأصوات، والحركات.
قال الله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٣٧] في بيان ما كان الجاهليون يفعلونه من تحليل، وتحريم: ﴿لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ﴾ أي: ليوافقوا.
﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ أي: أشد استقامة، وأثبت قراءة؛ لأن الأصوات هادئة، والدنيا ساكنة، فلا يضطرب على المصلي ما يقرؤه.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿ناشِئَةَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ وهو مضاف، و ﴿اللَّيْلِ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لظرفه، وفاعله مستتر فيه، أو من إضافة المصدر لظرفه على حد قوله تعالى في سورة (سبأ) رقم [٣٣]: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على
стр. 6928
الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أَشَدُّ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير فصلا ف: ﴿أَشَدُّ﴾ خبرها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ ناشِئَةَ..﴾. إلخ تعليل للأمر السابق، وعليه فالجملة الاسمية: ﴿إِنّا سَنُلْقِي..﴾. إلخ معترضة بين التعليل والمعلل. ﴿وَأَقْوَمُ:﴾
معطوف على ﴿أَشَدُّ﴾. ﴿قِيلاً:﴾ تمييز مثل ﴿وَطْئاً﴾. تأمل، وتدبر.
﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً (٧)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً﴾ أي: تصرفا في حوائجك، إقبالا، وإدبارا، ذهابا، وإيابا، وهو مصدر: سبح، وقد استعير من السباحة في الماء للتصرف في الحوائج، والسبح:
الجري والدوران، ومنه: السابح في الماء لتقلبه بيديه، ورجليه، وفرس سابح: شديد الجري.
قال امرؤ القيس في معلقته رقم [٦٧]: [الطويل]
مسحّ إذا ما السّابحات على الونى... أثرن الغبار بالكديد المركّل
وقال تعالى في سورة (النازعات): ﴿وَالسّابِحاتِ سَبْحاً﴾. هذا؛ وقيل: سبحا طويلا: فراغا طويلا لنومك، وتصرفك في حوائجك أفضل من الليل، كما يتردد السابح في الماء. قال الشاعر: [الطويل]
أباحوا لكم شرق البلاد وغربها... ففيها لكم يا صاح سبح من السّبح
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها. ﴿فِي النَّهارِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وبعضهم يعلقهما بمحذوف حال من ﴿سَبْحاً﴾.
﴿سَبْحاً:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿طَوِيلاً:﴾ صفة ﴿سَبْحاً،﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.
﴿وَاُذْكُرِ اِسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (٨)﴾
الشرح: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أي: دم على ذكره في ليلك، ونهارك، واحرص عليه. وذكر الله تعالى يتناول كل ما كان من ذكر طيب، من تسبيح، وتحميد، وتهليل، وتكبير، وتمجيد، وتقديس، وتوحيد، وصلاة، وتلاوة قرآن، ودراسة علم، وغير ذلك مما كان الرسول ﷺ يستغرق به ساعات ليله، ونهاره. وقال الجلال: أي: قل: بسم الله الرحمن الرحيم في ابتداء قراءتك. قال الجمل: أي: سواء قرأت في الصلاة، أو خارجها. وهذا إذا قرأ من أول السورة، وأما إذا قرأ من أثناء سورة؛ فإنه إن كان في غير الصلاة؛ سنّ له أن يبسمل، وإن كان فيها لم تسن له البسملة؛ لأن قراءة السورة بعد الفاتحة تعد قراءة واحدة.
стр. 6929
﴿وَتَبَتَّلْ:﴾ انقطع إليه في العبادة. ﴿تَبْتِيلاً:﴾ انقطاعا. التبتل: الانقطاع إلى عبادة الله ، وسميت مريم البتول؛ لانقطاعها إلى الله تعالى، وعبادته. ويقال للراهب: متبتل؛ لانقطاعه عن الناس، وانفراده بالعبادة. قال امرؤ القيس في معلقته رقم [٥٠]: [الطويل]
تضيء الظّلام بالعشاء كأنّها... منارة ممسى راهب متبتّل
وفي الحديث النهي عن التبتل، وقد ذكرت في سورة (المائدة) رقم [٨٧] في تفسير قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ..﴾. إلخ. رأي الدين في الكراهية لمن أراد التبتل، والانقطاع إلى العبادة، وأراد أن يسلك سبيل الرهبانية بما فيه كفاية. وجملة القول:
فالتبتل المأمور به في القرآن: الانقطاع إلى الله بإخلاص العبادة، كما قال تعالى: ﴿وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ سورة (البينة) رقم [٥]. والتبتل المنهي عنه في الأحاديث الشريفة هو سلوك مسلك النصارى في ترك النكاح، والعزوف عن الدنيا، والاعتزال في الصوامع، لكن عند فساد الزمان يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن. قال ابن العربي عن عصره: وأما اليوم وقد مرجت عهود الناس، وخفت أماناتهم، واستولى الحرام على الحطام، فالعزلة خير من الخلطة، والعزبة أفضل من التأهل.
بعد هذا فقد قال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: كيف قال ﴿تَبْتِيلاً﴾ مكان: تبتلا، ولم يجئ على مصدره، أي: على تفعّل، مثل تكلّم تكلّما؟ قلت: جاء ﴿تَبْتِيلاً﴾ على بتّل نفسك إليه تبتيلا، فوقع المصدر موضع مقارنه في المعنى، فيكون التقدير: وبتل نفسك إليه تبتيلا، فهو كقوله تعالى في سورة (نوح): ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً﴾ وقيل: لأن معنى تبتل: بتل نفسك، فجيء به على معناه مراعاة لحق الفواصل. وقيل: الأصل في تبتل أن يقال: تبتلت تبتيلا، وتبتلت تبتلا، فتبتيلا محمول على معنى تبتل إليه تبتيلا. وقيل: عدل عن هذه العبارة لدقيقة لطيفة، وهي أن المقصود إنما هو التبتل، وأما التبتيل فهو تصرف، والمشتغل بالتصرف، لا يكون متبتلا إلى الله تعالى؛ لأن المشتغل بغير الله لا يكون منقطعا إليه إلا أنه لا بد من التبتيل حتى يحصل التبتل؛ فذكر أولا التبتل؛ لأنه المقصود، وذكر التبتيل ثانيا إشعارا بأنه لا بد منه.
انتهى. هذا؛ وتبتيل مصدر: بتل، على حد قول ابن مالك في ألفيته: [الرجز]
وغير ذي ثلاثة مقيس... مصدره كقدّس التّقديس
الإعراب: ﴿وَاذْكُرِ:﴾ الواو: حرف عطف. (اذكر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».
﴿اِسْمَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الآية رقم [٥] والجملة الاسمية قبلها معترضة بين المتعاطفين. ﴿وَتَبَتَّلْ:﴾ الواو: حرف عطف.
стр. 6930
(تبتل): أمر، وفاعله: «أنت». ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿تَبْتِيلاً:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.
﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً (٩)﴾
الشرح: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ،﴾ انظر الآية رقم [٤٠] من سورة (المعارج)، ففيها الكفاية، وأضيف هنا: أنه كان من حق (المشرق) و (المغرب) فتح العين، وهي الراء؛ لأن المصدر الميمي، واسمي الزمان، والمكان إذا أخذ أحدهما من فعل ثلاثي مفتوح العين، أو مضمومها في المضارع أن يكون بفتح العين قياسا، ولكن التلاوة جاءت بكسرها. وأيضا جاء كثير بكسر العين، وهو مذكور في كتب النحو، من ذلك المسجد والمنبت، والمسقط، والمرفق، والمنخر، والمجزر، والتحقيق: أنها أسماء نوعية، غير جارية على فعلها، وإلا فلا مانع من الفتح. هذا؛ وتقديم (المشرق) بجميع حالاته يوحي بأفضليته على (المغرب).
﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ أي: على كل من خالفك بأن تفوض إليه جميع أمورك، فإنه يكفيكها. قال البقاعي-رحمه الله تعالى-: وليس ذلك بأن يترك الإنسان كل عمل، فإن ذلك طمع فارغ، بل بالإجماع في طلب كل ما ندب الإنسان إلى طلبه ليكون متوكلا في السبب، منتظرا للمسبب، فلا يهمل الأسباب، ويتركها طامعا في المسببات؛ لأنه حينئذ كمن يطلب الولد من غير زوجة، وهو مخالف لحكمة هذه الدار المبنية على الأسباب. انتهى. جمل نقلا من الخطيب. وانظر التوكل في سورة (المجادلة) رقم [١٠] قال تعالى في سورة (هود) رقم [١٢٣]: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ولا تنس الطباق بين (المشرق) و (المغرب)، وهو من المحسنات البديعية.
الإعراب: ﴿رَبُّ:﴾ بالرفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو رب، أو هو مبتدأ، خبره: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾. ويقرأ بالجر على أنه بدل من: ﴿رَبِّكَ﴾ مجرور على القسم بإضمار حرف القسم، كقولك: الله لأفعلن، وجوابه (لا إله إلا الله) وقال أبو البقاء: ويقرأ بالنصب على إضمار أعني، أو بدلا من: ﴿اِسْمَ،﴾ أو بفعل يفسره: ﴿فَاتَّخِذْهُ،﴾ والقراءة الأولى، والثانية سبعيتان، والثالثة غير سبعية، و ﴿رَبُّ﴾ مضاف، و ﴿الْمَشْرِقِ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْمَغْرِبِ:﴾ معطوف على ما قبله.
﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل (إنّ). ﴿إِلهَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، التقدير موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿هُوَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: الأول: كونه بدلا من اسم ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء. والثاني: كونه بدلا من ﴿لا﴾ واسمها؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء. والثالث: كونه بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو الأقوى، والجملة الاسمية في محل رفع خبر رب على وجه مرّ ذكره، أو
стр. 6931
جواب القسم على جره كما رأيت، أو في محل نصب حال من الضمير المستتر في (ربّ) على نصبه، والكلام مستأنف، أو معترض بين الجمل المتعاطفة. ﴿فَاتَّخِذْهُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك هو الشأن، والحال؛ فاتخذه. (اتخذه):
فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به أول. ﴿وَكِيلاً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب: «إذا».
﴿وَاِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاُهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً (١٠)﴾
الشرح: ﴿وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ أي: اصبر على أذى هؤلاء السفهاء المكذبين فيما يتقولونه عليك من قولهم: ساحر، شاعر، مجنون. ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً:﴾ الهجر الجميل: هو الذي لا أذية معه، وقال تعالى في سورة (المعارج): ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ والصبر الجميل: هو الذي لا شكاية معه. وقال تعالى في سورة (الحجر) رقم [٨٥]: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ والصفح الجميل:
هو الذي لا عتاب معه. وما في الآية ونحوه كان قبل أن يؤمر بالقتال، ثم أمر ﷺ بقتالهم وقتلهم، والحكمة في هذا: أن المؤمنين كانوا بمكة قلة مستضعفين، فأمروا بالصبر، وبالمجاهدة الكلامية؛ حتى يعدوا أنفسهم بهذه التربية الروحية على مناجزة الأعداء، وحتى يكثر عددهم، فيقفوا في وجه الطغيان، أما قبل الوصول إلى هذه المرحلة، فينبغي الصبر، والاقتصار على الدعوة باللسان، وهذا ما حصل، فبعد الهجرة إلى المدينة المنورة صار المسلمون أهلا للمناجزة، وحمل السلاح في وجه الكفار، كما في غزوة بدر الكبرى، وغيرها.
بعد هذا؛ فالصبر: حبس النفس عن الجزع عند المصيبة، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش، وهو مرّ المذاق لا يكاد يطاق، إلا أنه حلو العواقب، يفوز صاحبه بأسنى المطالب، كما قال القائل: [البسيط]
الصّبر مثل اسمه مرّ مذاقته... لكن عواقبه أحلى من العسل
وبالجملة فنفع الصبر مشهور، والحض عليه في الكتاب والسنة مقرر مسطور، وهو على ثلاثة أنواع: صبر على الطاعة، وصبر على المعصية، وصبر على البلاء. ولا تنس: أن من أسماء الله تعالى الصبور، وفسر بالذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الرعد) رقم [٢٢]: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أي: طلبا لمرضاته، وهذا هو الصبر المحمود، وهو أن يكون الإنسان صابرا لوجه الله تعالى، راضيا بما نزل به من الله، طالبا بذلك الصبر ثوابه من الله تعالى، محتسبا أجره على الله، فهذا هو الصبر الذي يدخل صاحبه رضوان الله، وأما إذا صبر الإنسان؛ ليقال: ما أكمل صبره، وما أشد قوته على تحمل النوائب، أو يصبر؛ لئلا يعاب على الجزع، أو يصبر؛ لئلا تشمت به الأعداء، فهذا كله مذموم، لا ينيل صاحبه الدرجات العلى، والمقام الرفيع عند الله، وقد يعرضه لشديد غضب الله، ونقمته.
стр. 6932
ثم اعلم: أن الصبر ذكر في القرآن في خمسة وتسعين موضعا، ومن أجمعها آية (البقرة)، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ..﴾. إلخ، الآية رقم [١٥٥] وما بعدها، ومن آنفها قوله تعالى في سورة (ص) في حق أيوب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-رقم [٤٤]: ﴿إِنّا وَجَدْناهُ صابِراً﴾ قرن هاء الصبر بنون العظمة، ومن أبهجها قوله تعالى في سورة (الرعد): ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾.
الإعراب: ﴿وَاصْبِرْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اصبر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت» ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بعلى، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: اصبر على الذي، أو شيء يقولونه. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر ب: ﴿عَلى﴾ التقدير: اصبر على قولهم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها من جمل، والكلام: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ..﴾. إلخ معترض بين الجمل المتعاطفة.
﴿وَاهْجُرْهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اهجرهم): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به. ﴿هَجْراً:﴾ مفعول مطلق. ﴿جَمِيلاً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.
﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً (١١)﴾
الشرح: ﴿وَذَرْنِي..﴾. إلخ: أي: دعني يا محمد وهؤلاء المكذبين بآياتي أصحاب الغنى، والثروة، والتنعم في الدنيا، وأصحاب الترف، والبطر، فأنا أكفيك شرهم. نزلت في صناديد قريش، ورؤساء مكة من المستهزئين. قال تعالى في سورة (الحجر) رقم [٩٥]: ﴿إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. ﴿أُولِي النَّعْمَةِ:﴾ أصحاب التنعم، والترفه، فالنعمة بفتح النون: التنعم، والمعروف، والصنيعة، والمنة، وما أنعم به عليك غيرك. وبالكسر: الإنعام. وقد تمد، كما في قوله تعالى:
﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ﴾ سورة (هود) رقم [١٠] وبالضم: المسرة. ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾ أي:
أمهلهم زمنا يسيرا؛ حتى ينالوا العذاب الشديد. قال المفسرون: أمهلهم الله تعالى إلى أن هاجر رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة المنورة، فلما خرج من مكة؛ سلط الله عليهم السنين المجدبة، وهو العذاب العام، ثم قتل صناديدهم ببدر، وهو العذاب الخاص. هذا؛ وفي الآية تهديد ووعيد للكافرين، خذ قوله تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٨٣]، وأيضا في سورة (المعارج) رقم [٤٢]: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ وفي سورة (الحجر) رقم [٣]: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
الإعراب: ﴿وَذَرْنِي:﴾ الواو: حرف عطف. (ذرني): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:
«أنت»، والنون للوقاية، والياء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. (المكذبين):
стр. 6933
معطوف على ياء المتكلم، أو هو مفعول معه، فهو منصوب على الاعتبارين، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿أُولِي:﴾
صفة المكذبين منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿أُولِي﴾ مضاف، و ﴿النَّعْمَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَمَهِّلْهُمْ:﴾ الواو:
حرف عطف. (مهلهم): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به. ﴿قَلِيلاً:﴾
صفة «زمان» محذوف، التقدير: زمانا قليلا، أو صفة مفعول مطلق، التقدير: تمهيلا قليلا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.
﴿إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً (١٢) وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً (١٣)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ لَدَيْنا:﴾ عندنا في الآخرة. ﴿أَنْكالاً:﴾ الأنكال: القيود. قاله الحسن، ومجاهد، وغيرهما، واحدها: نكل، وهو ما منع الإنسان من الحركة، وقد سمي نكلا؛ لأنه ينكّل به. قال الشعبي-رحمه الله تعالى-: أترون أن الله تعالى جعل الأنكال في أرجل أهل النار خشية أن يهربوا، لا والله! ولكنهم إذا أرادوا أن يرتفعوا استفلت بهم، وقال الكلبي: الأنكال الأغلال، والأول أعرف في اللغة، ومنه قول الخنساء-﵂: [المتقارب]
دعاك فقطّعت أنكاله... وقد كنّ قبلك لا تقطع
وقيل: إنه أنواع العذاب الشديد. قاله مقاتل. وقد جاء: أن النبي ﷺ قال: «إن الله يحب النّكل على النّكل». بالتحريك قاله الجوهري. قيل: وما النّكل؟ قال: «الرجل القوي المجرب على الفرس القوي المجرب». ذكره الماوردي. قال: ومن ذلك سمي القيد نكلا لقوته، وكذلك الغل، وكل عذاب قوي شديد. والجحيم: النار المؤججة. هذا؛ والنكال: العذاب الشديد.
انظر سورة (النازعات) رقم [٢٥].
هذا؛ و ﴿لَدَيْنا﴾ ظرف مكان بمعنى: عند، وهي معربة مثلها، وقد تستعملان في الزمان، وإذا أضيف «لدى» إلى مضمر كما هنا قلبت ألفه ياء عند جميع العرب، إلا بني الحارث بن كعب، وبني خناعة، فلا يقلبونها، تسوية بين الظاهر، والمضمر، كما لا يقلبون ألف «على» و «إلى»، ونحوهما، وعلى لغتهم جاء قول الشاعر: [الوافر]
إلاكم يا خناعة لا إلانا... عزا الناس الضّراعة والهوانا
فلو برأت عقولكم بصرتم... بأنّ دواء دائكم لدانا
وذلكم إذا واثقتمونا... على قصر اعتمادكم علانا
стр. 6934
ثم اعلم: أن «عند» أمكن من «لدى» من وجهين: أحدهما: أنها تكون ظرفا للأعيان، والمعاني، تقول: هذا القول عندي صواب، وعند فلان علم به. ويمتنع ذلك في: «لدى» ذكره ابن الشجري في أماليه، ومبرمان في حواشيه. والثاني: أنك تقول: عندي مال؛ وإن كان غائبا، ولا تقول: لديّ مال إلا إذا كان حاضرا. قاله جماعة منهم: الحريري، وأبو هلال العسكري، وابن الشجري، وزعم المعري: أنه لا فرق بينهما، وقول غيره أصح. انتهى. «فتح القريب المجيب».
﴿وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ﴾ أي: غير سائغ، يأخذ بالحلق، لا هو نازل، ولا هو خارج، وهو الغسلين، والزقوم، والضريع. قال تعالى في سورة (الحاقة): ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلاّ مِنْ غِسْلِينٍ،﴾ وقال تعالى في سورة (الدخان): ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ،﴾ وقال تعالى في سورة (الغاشية): ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ﴾ وقال حمران بن أعين: قرأ النبي ﷺ : ﴿إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً..﴾. إلخ، فصعق. وقال خليد بن حسان: أمسى الحسن عندنا صائما، فأتيته بطعام، فعرضت له هذه الآية: ﴿إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً..﴾. إلخ، فقال: ارفع طعامك، فلما كانت الثانية؛ أتيته بطعام، فعرضت له هذه الآية، فقال: ارفعوه، ومثله في الثالثة، فانطلق ابنه إلى ثابت البناني، ويزيد الضبي، ويحيى البكّاء، فحدثهم، فجاؤوه، فلم يزالوا به حتى شرب سويقا. والغصة: الشجا، وهو ما ينشب في الحلق من عظم، أو غيره، وجمعها: غصص. والغصص (بفتح الغين): مصدر قولك: غصصت يا رجل، تغص، فأنت غاص بالطعام، وغصّان، وأغصصته أنا، والمنزل غاصّ بالقوم؛ أي: ممتلئ بهم. انتهى. قرطبي وانظر سورة (الغاشية) تجد ما يسرك.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لَدَيْنا:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ تقدم على اسمها، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء حينما اتصل به ضمير متحرك، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْكالاً:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَجَحِيماً:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَطَعاماً:﴾ معطوف أيضا. ﴿ذا:﴾ صفة (طعاما) منصوب مثله، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذا﴾ مضاف، و ﴿غُصَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿وَعَذاباً:﴾ معطوف على ما قبله.
﴿أَلِيماً:﴾ صفة (عذابا).
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً (١٤)﴾
الشرح: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ:﴾ يوم تتزلزل الأرض، وتهتز بمن عليها، اهتزازا عنيفا شديدا هي، وسائر الجبال. قال تعالى في سورة (الواقعة): ﴿إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا﴾. ﴿وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً:﴾ الكثيب: الرمل المجتمع. قال حسان-﵁: [الوافر]
عرفت ديار زينب بالكثيب... كخطّ الوحي في الورق القشيب
стр. 6935
﴿مَهِيلاً:﴾ سائلا بعد اجتماعه، والمهيل: هو الذي إذا وطئته بالقدم؛ زل من تحتها، وإذا أخذت أسفله؛ انهال. وقال ابن عباس-﵄: أي: رملا سائلا متناثرا. قال ابن كثير: تصير الجبال ككثبان الرمال، بعد ما كانت حجارة صماء، ثم إنها تنسف نسفا، فلا يبقى منها شيء إلا ذهب، كقوله تعالى في سورة (طه): ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (١٠٥) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ أي: لا شيء يرتفع، ولا شيء ينخفض.
انتهى. وقال تعالى في سورة (الواقعة): ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾.
هذا؛ و (كانت) بمعنى: (تكون) والتعبير بالماضي عن المستقبل لتحقق الوقوع، وهو مستعمل في القرآن الكريم بكثرة، أما «مهيل» فهو اسم مفعول، أصله: مهيول، فقل في إعلاله:
اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الياء إلى الهاء قبلها بعد سلب سكونها، فصار (مهيول) فالتقى ساكنان: الياء والواو، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين. فصار (مهيل) ثم قلبت الضمة كسرة لمناسبة الياء، فصار: «مهيلا» ومثل «مهيل»: مبيع، ومعين، وغير ذلك كثير. قال عباس بن مرداس-﵁: [الكامل]
قد كان قومك يحسبونك سيّدا... وإخال أنّك سيّد معيون
الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بخبر ﴿إِنَّ﴾ المحذوف لما فيه من معنى الفعل، أي:
استقر للكفار لدينا كذا، وكذا. قاله الزمخشري، ومن تبعه. وقال القرطبي: أي: ينكل بهم، ويعذبون يوم ترجف. وقيل: متعلق بمحذوف صفة (عذابا). ﴿تَرْجُفُ:﴾ فعل مضارع.
﴿الْأَرْضُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿وَالْجِبالُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَكانَتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (كانت): فعل ماض ناقص، والتاء حرف لا محل له.
﴿الْجِبالُ:﴾ اسمها. ﴿كَثِيباً:﴾ خبرها. ﴿مَهِيلاً:﴾ صفة ﴿كَثِيباً،﴾ والجملة: ﴿وَكانَتِ الْجِبالُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها.
﴿إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (١٥)﴾
الشرح: بعد أن ذكر الله تعالى العذاب المؤلم الذي أعده للمشركين، ومكانه؛ وهو الجحيم، وآلاته؛ وهي القيود، وطعام الزقوم، ونحوه، ووقته؛ وهو عند اضطراب الأرض، وتزلزلها بمن عليها، وأراد بذلك تخويف المكذبين، وتهديدهم بأنه تعالى سيعاقبهم بذلك كله؛ إن بقوا مستمرين في تكذيبهم لرسول الله ﷺ ، ثم أعقبه بتذكيرهم بما حل بالأمم الباغية التي قد خلت من قبلهم، وكيف عصت، وتمردت، فأنزل بها من أمره ما نزل، وضرب لهم المثل بفرعون الجبار فقال تعالى: ﴿إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ﴾ يا أهل مكة. ﴿رَسُولاً:﴾ يعني محمدا ﷺ .
следующие страницы →