← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 7001–7040 · переход к 7006.

стр. 7001

«هو»، يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير: وقيل قول. وبعضهم يعتبر الجار، والمجرور: (لهم) المذكور، أو المقدر كما هنا في محل رفع نائب فاعل، والمعتمد الأول، وأيده ابن هشام في المغني، حيث قال: إن الجملة التي يراد لفظها، يحكم لها بحكم المفردات، ولهذا تقع مبتدأ، نحو: «لا حول ولا قوة إلاّ بالله كنز من كنوز الجنة». ونحو (زعموا: مطيّة الكذب) وقول معاوية بن خليل النصري شاعر إسلامي-وهو الشاهد رقم [٧٩٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» إعراب شواهد مغني اللبيب-. [الطويل] وما راعني إلاّ يسير بشرطة... وعهدي به قينا يسير بكير والجملة الفعلية: ﴿وَقِيلَ مَنْ راقٍ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿وَظَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (ظن): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ما يفهم من المقام، أي: ظن الذي بلغت روحه التراقي. ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء في محل نصب اسمه. ﴿الْفِراقُ:﴾ خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (ظنّ)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. (التفت): فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿السّاقُ:﴾ فاعل. ﴿بِالسّاقِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وتعليقهما بحال من ﴿السّاقُ﴾ الأولى جيد معنى، أي: حالة كون الساق ملتفة بالساق الثانية. ﴿إِلى رَبِّكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ (يوم): ظرف زمان متعلق بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وتعليقه بالمصدر بعده ضعيف؛ لأن المصدر لا يعمل مؤخرا، وقد يجاب بأنه يتوسع في الظرف والجار، والمجرور ما لا يتوسع في غيرهما؛ و (إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض عن جملة محذوفة، التقدير: يوم إذ تلتف الساق بالساق. ﴿الْمَساقُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية تدل، أو قائمة مقام جواب ﴿إِذا﴾ التقدير: إذا بلغت الروح الحلقوم تساق إلى حكم ربها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطّى (٣٣) أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥)﴾ الشرح: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى:﴾ يعني أبا جهل الخبيث لم يصدق بالقرآن، ولا بالرسول ﷺ ، ولم يصل لله تعالى. وقيل: يرجع هذا إلى الإنسان في أول السورة، وهو اسم جنس. والأولى التعميم لكل من لم يصدق، ولم يصل من الكافرين، والفاجرين، والفاسدين المفسدين؛ لأن خصوص السبب لا يمنع التعميم إلى يوم القيامة. وقيل: صدق من: التصدق، والمعنى: فلا تصدق بشيء يدخره عند الله. هذا؛ وكررت (لا) في الجملة الثانية؛ لأن المقرر في القواعد النحوية: أن (لا) إذا دخلت على جملة اسمية، ولم تعمل فيها، أو دخلت على فعل ماض؛ وجب

стр. 7002

تكرارها. ذكر ذلك ابن هشام-﵀-في المغني. وانظر الشاهد رقم [٤٤٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» وما بعده تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ و (لا) هنا بمعنى: لم؛ إذ المعنى لم يصدق، ولم يصل، والعرب تقول: لا ذهب، ولا جاء، أي: لم يذهب، ولم يجئ، فحرف النفي ينفي الماضي، كما ينفي المستقبل، ومنه قول زهير في معلقته رقم [٤٠]: [الطويل] وكان طوى كشحا على مستكنّة... فلا هو أبداها، ولم يتقدّم ﴿وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ أي: كذب بالقرآن، وتولى عن الإيمان. هذا؛ والتولي، والإعراض، والإدبار عن الشيء يكون بالجسم، ويستعمل في الإعراض عن الأمور المعنوية، والاعتقادات اتساعا، ومجازا. ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ أي: يتبختر، ويختال في مشيته افتخارا، وإعجابا بنفسه، من: المطا، وهو الظهر. والمعنى يلوي مطاه تبخترا في مشيته، أصله يتمطّط من تمطّط، أي: تمدد، ومن لازم التبختر ذلك، فهو يقرب من معنى الأول، ويفارقه في مادته؛ إذ مادة الأول (م ط و) ومادة الثاني (م ط ط) وإنما أبدلت الطاء الثالثة ياء كراهة اجتماع الأمثال، ثم قلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها. والمطيطاء: التبختر، ومد اليدين في المشي، وفي الخبر: «إذا مشت أمّتي المطيطاء، وخدمتهم فارس، والروم كان بأسهم بينهم» والمطيط، والمطيطة: الماء الخاثر في أسفل الحوض؛ لأنه يتمطط، أي: يتمدد، والمطيطاء من المصغرات، التي لم يستعمل لها مكبر. ﴿أَوْلى لَكَ فَأَوْلى..﴾. إلخ: تهديد بعد تهديد، ووعيد بعد وعيد، أي: فهو وعيد أربعة لأربعة، كما روي: أنها نزلت في أبي جهل، الجاهل بربه، فقال تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ أي: لا صدق رسول الله، ولا وقف بين يدي الله فصلى، ولكن كذب رسول الله، وتولى عن التصلية بين يديه تعالى، فترك التصديق خصلة، والتكذيب خصلة، وترك الصلاة خصلة، والتولي عن الله تعالى خصلة، فجاء الوعيد أربعة مقابلة لترك الخصال الأربعة. وفي أسباب النزول للسيوطي: وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس-﵄-قال: لما نزل: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال أبو جهل الخبيث: ثكلتكم أمهاتكم يخبركم ابن أبي كبشة: أن خزنة جهنم تسعة عشر، وأنتم الدهم، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم؟! فأوحى الله إلى رسوله ﷺ أن يأتي أبا جهل، فيقول: ﴿أَوْلى لَكَ..﴾. إلخ. وأخرج النسائي عن سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: أنه سأل ابن عباس-﵄ عن قوله: ﴿أَوْلى لَكَ فَأَوْلى﴾ أشيء قاله رسول الله ﷺ من قبل نفسه، أم أمره الله به؟ قال: بل قاله من قبل نفسه، ثم أنزله الله. انتهى. ولا تنس: أن الله تعالى صرعه شر صرعة، وقتله شر قتلة، وكان النبي ﷺ يقول: «إن لكل أمة فرعونا، وإن فرعون هذه الأمة أبو جهل». وروي: أن النبي ﷺ خرج من المسجد ذات يوم، فاستقبله أبو جهل على باب المسجد مما يلي باب بني مخزوم، فأخذ رسول الله ﷺ بيده، فهزه مرة، أو مرتين، ثم قال له: ﴿أَوْلى لَكَ﴾

стр. 7003

فَأَوْلى فقال أبو جهل الخبيث: أتهددني؟ فو الله إني لأعز أهل الوادي وأكرمه، ونزل على رسول الله ﷺ كما قال لأبي جهل. قال الشاعر: [الوافر] فأولى ثمّ أولى ثمّ أولى... وهل للدرّ يحلب من مردّ وقيل: معناه: الويل لك، ومنه قول الخنساء-﵂: [المتقارب] هممت بنفسي كلّ الهموم... فأولى لنفسي أولى لها سأحمل نفسي على آلة... فإمّا عليها وإمّا لها والمعنى للآية الكريمة: الويل لك حيا، والويل لك ميتا، والويل لك يوم البعث، والويل لك يوم تدخل النار. وقال الأصمعي-رحمه الله تعالى-: أولى في كلام العرب معناه: مقاربة الهلاك، كأنه يقول: قد وليت الهلاك، قد دانيت الهلاك. وأصله من الولي، وهو القرب. قال الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ﴾ أي: يقربون منكم، وقد استحسن ثعلب، والنحاس ما قاله الأصمعي، وأنشد الأصمعي قول الشاعر: [الوافر] فعادى بين هاديتين منها... وأولى أن يزيد على الثّلاث هذا؛ وانظر الشاهد رقم [٦٩٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» وما يتعلق به. الإعراب: ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿صَدَّقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى أبي جهل، أو إلى الإنسان، وهو أولى. انظر الشرح، والمتعلق محذوف. انظر تقديره في الشرح. والجملة الفعلية معطوفة على قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ..﴾. إلخ. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿صَلّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل تقديره: «هو»، والمتعلق محذوف أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿كَذَّبَ:﴾ فعل ماض، والفاعل: «هو». (تولى): فعل ماض، والفاعل: «هو»، ومتعلق الفعلين محذوف. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿ذَهَبَ:﴾ فعل ماض، والفاعل تقديره: «هو». ﴿إِلى أَهْلِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَتَمَطّى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل تقديره: «هو»، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿ذَهَبَ﴾ المستتر، والرابط: الضمير فقط. ﴿أَوْلى:﴾ فعل ماض، أو اسم فعل ماض. قاله الأصمعي، والمبرد، معناه: قربه ما يهلكه، وفاعله مضمر يدل عليه السياق، كأنه قيل: أولى هو، وقد ارتضى هذا الرأي: ثعلب، فقال: لم يقل أحد في ﴿أَوْلى﴾ أحسن مما قاله الأصمعي، والأكثرون: أنه اسم، وعليه في إعرابه أوجه: أحدها: أنه مبتدأ، خبره الجار، والمجرور، التقدير: فالهلاك لك. والثاني: خبر مبتدأ مضمر، تقديره: العقاب، أو الهلاك أولى لك. والثالث: أنه مبتدأ، و ﴿لَكَ﴾ متعلقان به، والخبر

стр. 7004

محذوف، التقدير: أولى بك العقاب، أو الهلاك. انتهى. من سورة (محمد ﷺ ، وقد ذكر أبو البقاء هنا اعتباره اسما، أو اسم فعل، وذكر الجلال هنا: أنه اسم فعل بمعنى: وليك ما تكره، واللام زائدة، والكاف مفعول به، والفاعل ضمير مستتر يعود على ما تقدم. ﴿أَوْلى:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فهو أولى، أي: فهو أفعل تفضيل، فدلت الأولى على الدعاء عليه بقرب المكروه منه، ودلت الثانية على الدعاء عليه بأن يكون أقرب إليه من غيره، والكلام كله مستأنف، والآية الثانية معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها بلا فارق، وهي مفيدة للتوكيد. هذا؛ وقال القرطبي، وغيره: ولم ينصرف ﴿أَوْلى؛﴾ لأنه صار علما للوعيد، فصار كرجل اسمه: أحمد. ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧)﴾ الشرح: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ﴾ أي: الكافر، والفاجر، والفاسق. ﴿أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ أي: هملا لا يؤمر، ولا ينهى، ولا يكلف في الدنيا بطاعة، وعبادة، ولا يحاسب في الآخرة، كالبهائم المرسلة. قال تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [١١٥]: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ انظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ و ﴿سُدىً﴾ مهملا، يقال: إبل سدى؛ أي: مهملة؛ أي: ترعى بلا راع، وأسديت حاجتي؛ أي: ضيعتها، ومعنى أسدى إليه معروفا: أنه جعله بمنزلة الضائع عند المسدى إليه، لا يذكره، ولا يمن به عليه، والسّدى أيضا: ندى الليل، وبه يعيش الزرع، وأسديت إليه معروفا: اتخذته عنده. هذا؛ وسدى أصله: (سديا) بضم السين، وفتح الدال، وتحريك الياء منونة، فقلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان: الألف، والتنوين، الذي يرسم ألفا في حالة النصب بحسب الأصل، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار: (سدى) وإنما أتوا بياء أخرى لتدل على الياء المحذوفة الأصلية، بخلاف ما إذا لم يأتوا بها، وقالوا: (سدا) فلا يوجد ما يدل عليها. هذا؛ وقيل: «أيحسب أن يترك سدى» أي: في قبره كذلك أبدا، لا يبعث، ولا يحاسب، ولا يجازى. ومنه قول الشاعر: [المتقارب] فأقسم بالله جهد اليمين... ما ترك الله شيئا سدى ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى﴾ أي: يصب في الرحم، ويراق. يقال: منى الرجل، وأمنى من المني، وسميت منى، (المكان قرب مكة) بهذا الاسم لما يمنى فيها من الدماء، أي: يراق. وقيل: تمنى: تقدر. قاله أبو عبيدة، يقال: منيت الشيء: إذا قدرته، ومني له، أي: قدر له. قال أبو قلابة الهذلي: [البسيط] ولا تقولن لشيء سوف أفعله... حتّى تلاقي ما يمني لك الماني وقال آخر: [البسيط]

стр. 7005

لا تأمننّ وإن أمسيت في حرم... حتّى تلاقي ما يمني لك الماني أي: ما يقدر لك القادر، وفي هذا تنبيه على كمال قدرته جل شأنه؛ لأن النطفة شيء واحد، خلق الله منها أعضاء مختلفة، وطباعا متباينة، وخلق منها الذكر، والأنثى، وهذا من عجيب صنعته، وكمال قدرته. هذا؛ ولم تذكر كلمة ﴿سُدىً﴾ في غير هذه السورة، وانظر: إعلال ﴿يَكُ﴾ في سورة (المدثر) رقم [٤٣]. الإعراب: ﴿أَيَحْسَبُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (يحسب الإنسان): فعل مضارع، وفاعله. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يُتْرَكَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب: (أن)، ونائب الفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى الإنسان. ﴿سُدىً:﴾ حال من نائب الفاعل المستتر، أو هو مفعول به ثان ل: ﴿يُتْرَكَ﴾ فهو منصوب على الوجهين، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها، و ﴿الْإِنْسانُ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (يحسب)، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف، واسمه ضمير مستتر تقديره: هو يعود إلى الإنسان. ﴿نُطْفَةً:﴾ خبر ﴿يَكُ﴾. ﴿مِنْ مَنِيٍّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿نُطْفَةً﴾. ﴿يُمْنى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿مَنِيٍّ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿مَنِيٍّ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ يَكُ..﴾. إلخ قال الجمل فيها: هي استدلال على قوله سابقا: ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ وهو يفيد أنها تفسير لتلك الآية. هذا؛ ويقرأ: «(تمنى)» بتاء المضارعة، وعليه فنائب الفاعل يعود إلى ﴿نُطْفَةً،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿نُطْفَةً،﴾ أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم. ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً﴾ أي: صار المني قطعة دم جامد بعد أربعين يوما من استقراره في الرحم، وفي سورة (الكهف) رقم [٣٧] قوله تعالى: ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلاً﴾ وسواه تسوية، وعدله تعديلا بجعل الروح، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥] من سورة (الحج)، وأيضا في سورة (المؤمنون) رقم [١٤] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ والخلق له معان: منها: الإيجاد، والإبداع، ولا موجد، ولا مبدع إلا الله تعالى. ومنها التقدير. قال زهير بن أبي سلمى من قصيدة يمدح بها هرم بن سنان المري: [الكامل] ولأنت تفري ما خلقت وبع... ض القوم يخلق ثمّ لا يفري

стр. 7006

معناه: أنت تقدر الأمور، وتقطعها، وغيرك لا يفعل ذلك، وقد قال البيضاوي: المعنى: فقدّره، فعدّله. ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ:﴾ الصنفين، والضمير يعود إلى الإنسان، أو إلى المني. ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثى:﴾ يجتمعان في الرحم تارة، وينفرد كل منهما عن الآخر تارة، وهو الغالب كما هو مشاهد، وواقع. وانظر تفصيل ذلك في سورة (الشورى) رقم [٥٠]. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الذاريات) رقم [٤٩]: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ أي: صنفين، ونوعين مختلفين. قال ابن زيد: أي: ذكرا، وأنثى، وحلوا، وحامضا، ونحو ذلك، وقال مجاهد -رحمه الله تعالى-: الذكر، والأنثى من كل شيء، من السماء، والأرض، والشمس، والقمر، والليل، والنهار، والنور، والظلمة، والسهل، والجبل، والإنس، والجن، والخير، والشر، والبكرة، والعشي، وكالأشياء المختلفة الألوان والطعوم، والأراييح، والأصوات. أي: جعلنا هذا كدلالة على قدرتنا، ومن قدر على هذا؛ فهو أقدر على الإعادة. هذا؛ ويضاف زوجية بين الإيمان، والكفر، والجنة، والنار، والسعادة، والشقاوة، والحسن، والقبح، حتى الحيوانات، والنباتات. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (يس) رقم [٣٦]: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾. قال محمد علي الصابوني: سبحان الله، ما أعظم قدرة الله! لقد كان السائد: أن الزوجية تكون بين الإنسان، والحيوان فقط، وجاء القرآن بالمعجزة الباهرة، المثبتة لما اكتشفه العلم الحديث منذ زمن قريب، وهي أن الزوجية بين الإنسان، والحيوان، والنبات، والذرة، وسائر الكائنات، فقد ثبت: أن الذرة، وهي أصغر أجزاء المادة، مؤلفة من زوجين مختلفين من الإشعاع الكهربائي: سالب، وموجب، يتزاوجان، فيتحدان، وأن بين النبات أعضاء مذكرة، وأعضاء مؤنثة. فسبحان العلي القدير القائل: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ..﴾. إلخ. هذا؛ وقوله تعالى في سورة (الذاريات): ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ عمم الزوجية في الإنسان، والحيوان، والنبات، وفي كل شيء مما نعلمه، ومما لا نعلمه. فسبحان الإله العلي القدير العليم، الذي أحاط علمه بكل الألوان، وأحصى كل شيء عددا! انتهى. الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو». ﴿عَلَقَةً:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَخَلَقَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (خلق): فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله، ولم يتقدم له ذكر، لكنه مفهوم من المقام. ومفعوله محذوف، التقدير: خلقه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَسَوّى:﴾ الفاء: حرف عطف. (سوّى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله) أيضا، ومفعوله محذوف، التقدير: فسواه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿فَجَعَلَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (جعل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله) أيضا. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الزَّوْجَيْنِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿الذَّكَرَ:﴾ بدل من الزوجين بدل

стр. 7007

بعض من كل. ﴿وَالْأُنْثى:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠)﴾ الشرح: ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ﴾ أي: أليس الذي قدر على خلق الإنسان من نطفة مذرة، وخلق الموجودات كلها من العدم. ﴿عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ أي: على أن يعيد هذه الأجسام كهيئتها بعد فنائها للحساب والجزاء، فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ منكم ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ فانتهى إلى آخرها ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ﴾ فليقل: بلى! وأنا على ذلك من الشاهدين، ومن قرأ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ فانتهى إلى ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ فليقل: بلى! ومن قرأ ﴿وَالْمُرْسَلاتِ﴾ فبلغ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فليقل: آمنّا بالله». أخرجه أبو داود. وله عن موسى بن أبي عائشة قال: كان رجل يصلي فوق بيته، فكان إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ قال: سبحانك اللهمّ، بلى! فسألوه عن ذلك، فقال: سمعته من رسول الله ﷺ . والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿أَلَيْسَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير بالنسبة للمؤمنين، واستفهام، وتوبيخ، وتقريع بالنسبة للكافرين، والمنكرين للبعث، والجزاء. (ليس): فعل ماض ناقص. ﴿ذلِكَ:﴾ (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع اسم (ليس)، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿بِقادِرٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (قادر): خبر (ليس) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَلى:﴾ حرف جر، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُحْيِيَ﴾ في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار، والمجرور متعلقان ب: (قادر)، وفاعل ﴿يُحْيِيَ﴾ يعود إلى (الله) المفهوم من المقام. ﴿الْمَوْتى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة: ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم. انتهت سورة (القيامة) شرحا وإعرابا بفضل الله وتوفيقه. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7008

سورة الإنسان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (الدهر) وتسمى سورة (الإنسان) أيضا مكية في قول ابن عباس، ومقاتل، والكلبي. وقال الجمهور: مدنية. وقيل: فيها مكي من قوله تعالى: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً﴾ إلى آخر السورة، وما تقدمه مدني. وهي إحدى وثلاثون آية، ومئتان وأربعون كلمة، وألف وأربعة وخمسون حرفا. وعن ابن عباس-﵄: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ..﴾. إلخ (السجدة)، و ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ..﴾. إلخ أخرجه مسلم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (١)﴾ الشرح: ﴿هَلْ أَتى:﴾ قال الكسائي، والفراء، وأبو عبيدة: ﴿هَلْ﴾ بمعنى: «قد»، والمعنى: قد أتى على الإنسان، كما تقول: هل رأيت صنيع فلان، وقد علمت: أنه قد رآه. وتقول: هل أكرمتك؟ هل وعظتك؟ ومقصودك: أن تقرره بأنك قد أكرمته، ووعظته. وبه قال القرطبي، والخازن في قوله تعالى في سورة (النازعات): ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ وذكر الزمخشري: أنه منقول عن سيبويه، وذكر قول زيد الخير، وهو الشاهد رقم [٦٥٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط] سائل فوارس يربوع بشدّتنا... أهل رأونا بسفح القاع والأكم؟ وقد كذّب ابن هشام الزمخشري بأن سيبويه لم يقل به، وقد ردّ البغدادي على ابن هشام في تكذيبه الزمخشري بقوله: إن الزمخشري إمام حافظ، ثقة مأمون فيما ينقله، فكان ينبغي له التأدب معه، لشأنه الرفيع، ومقامه المنيع. انظر الكلام على الشاهد المذكور آنفا تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وعبارة السمين: في ﴿هَلْ﴾ هذه وجهان: أحدهما: أنها على بابها من الاستفهام المحض. والثاني: أنها بمعنى: قد. وقال مكي في تقرير كونها على بابها من الاستفهام، الذي معناه التقرير: وهو تقرير لمن أنكر البعث، فلا بد أن يقول: نعم قد مضى دهر طويل، لا إنسان فيه، فيقال له: من أحدثه بعد أن لم يكن، وكوّنه بعد عدمه، كيف يمتنع عليه بعثه، وإحياؤه بعد موته؟! وهو معنى قوله تعالى في سورة (الواقعة) رقم [٦٢]: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ أي: فهلاّ تذكرون، فتعلمون: أن من أنشأ شيئا بعد أن لم يكن على غير مثال سبق قادر على إعادته بعد موته، وعدمه. انتهى. بتصرف.

стр. 7009

هذا؛ والحين: الوقت قليلا كان، أو كثيرا، والمدة من الزمن قصيرة كانت، أو طويلة، وجمعه: أحيان، وجمع الجمع: أحايين. هذا؛ والحين بفتح الحاء: الهلاك، والموت. هذا؛ وقال قتادة، والزجاج في قوله تعالى في آخر سورة (ص): ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ:﴾ بعد الموت. وقال ابن عباس، وعكرمة، وابن زيد-﵃ أجمعين-: يعني: يوم القيامة. وكان الحسن البصري-رحمه الله تعالى-يقول: يابن آدم! عند الموت يأتيك الخبر اليقين. وسئل عكرمة عمن حلف ليصنعن كذا إلى حين. قال: إن من الحين ما لا تدركه، كقوله تعالى في سورة (ص): ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ،﴾ ومنه ما تدركه، كقوله تعالى في سورة (إبراهيم) رقم [٢٥]: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها﴾ من صرام النخل إلى طلوعه ستة أشهر. ﴿عَلَى الْإِنْسانِ﴾ أي: آدم، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ:﴾ يعني مدة أربعين سنة، وهو طين ملقى، فعن أنس-﵁-عن رسول الله ﷺ قال: «لما صوّر الله آدم في الجنة، تركه الله ما شاء أن يتركه، فجعل إبليس يطوف به، وينظر إليه، فلما رآه أجوف؛ عرف أنه خلق لا يتمالك». رواه مسلم، وروي في تفسير الآية: أن آدم ﵇ بقي أربعين سنة طينا، وأربعين سنة حمأ مسنونا، وأربعين سنة صلصالا كالفخار، فتم خلقه بعد مئة وعشرين سنة، ثم نفخ فيه الروح. ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ أي: لا يذكر، ولا يعرف، ولا يدرى ما اسمه، ولا ما يراد به؟ وذلك قبل أن ينفخ فيه الروح كان شيئا، ولم يكن شيئا يذكر. روي عن عمر: أنه سمع رجلا يقرأ هذه الآية: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ فقال عمر-﵁: ليتها تمّت، يعني ليته بقي على ما كان عليه؛ أي: لا يذكر أبدا، فلا يلد، ولا يبتلى بأولاده، ويروى مثله عن أبي بكر، وابن مسعود-﵃ أجمعين-. ثم لما عرف الله الملائكة: أنه جعل آدم خليفة في الأرض، وذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ الآية رقم [٣٠] من سورة (البقرة)، وحمّله الأمانة التي عجزت السموات، والأرض، والجبال عنها، وذلك بقوله تعالى: ﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها..﴾. إلخ. الآية رقم [٧٢] من سورة (الأحزاب)، ظهر فضله على الكل، فصار مذكورا؛ وإن كان مذكورا لله. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ويقال: للتشويق. وانظر الشرح. ﴿أَتى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿عَلَى الْإِنْسانِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿حِينٌ:﴾ فاعل ﴿أَتى،﴾ والجملة الفعلية ابتدائية، لا محل لها من الإعراب. ﴿مِنَ الدَّهْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿حِينٌ﴾. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الإنسان. ﴿شَيْئاً:﴾ خبر ﴿يَكُنْ﴾. ﴿مَذْكُوراً:﴾ صفة ﴿شَيْئاً،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الْإِنْسانِ،﴾ أو هي في محل رفع صفة ﴿حِينٌ،﴾ أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، والرابط على

стр. 7010

الأول: الضمير، وعلى الاعتبارين الأخيرين؛ فالرابط محذوف، التقدير: لم يكن فيه شيئا مذكورا. والأول أظهر لفظا، ومعنى. انتهى. جمل نقلا من السمين. تنبيه: الدهر: الزمان قل، أو كثر، لكن قال بعضهم: إطلاقه على الزمن القليل مجاز، واتساع، ويطلق أيضا على الأبد، ويقع على مدة الدنيا كلها. ودهر الدهارير: زمن الشدائد. قال الفرزدق من قصيدة يمدح فيها يزيد بن عبد الملك: [البسيط] بالباعث الوارث الأموات قد ضمنت... إيّاهم الأرض في دهر الدّهارير وجمع الدهر: دهور. ودهر الإنسان: الزمن الذي يعيش فيه، والدّهري بضم الدال: الرجل المسن، وبفتحها: الملحد الذي لا يعتقد بوجود الخالق جل وعلا. والدهر لا يثبت على وتيرة واحدة، بل هو يتقلب بالإنسان، من حالة إلى حالة. قال العجاج بن رؤبة-وهو الشاهد رقم [١٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الرجز] أطربا وأنت قنّسريّ؟ ... والدّهر بالإنسان دوّاريّ فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله : يؤذيني ابن آدم يسبّ الدهر، وأنا الدّهر، بيدي الأمر، أقلّب الليل والنّهار». وفي رواية: «يؤذيني ابن آدم، ويقول: يا خيبة الدّهر! فلا يقولنّ أحدكم: يا خيبة الدهر؛ فإني أنا الدّهر، أقلّب ليله، ونهاره، فإذا شئت قبضتهما». وفي رواية: «يسبّ ابن آدم الدّهر، وأنا الدّهر بيدي اللّيل، والنّهار». ومعنى هذه الأحاديث: أن العرب كان من شأنها ذم الدهر، وسبه عند النوازل؛ لأنهم كانوا ينسبون إلى الدهر ما يصيبهم من المصائب، والمكاره، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، كما أخبر الله حكاية عنهم بقوله: ﴿وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ رقم [٢٤] سورة (الجاثية)، فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد، وسبوا فاعلها، كان مرجع سبهم إلى الله تعالى؛ إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يضيفوها إلى الدهر، لا الدهر نفسه فاعلها، فنهوا عن سب الدهر. وقيل لهم: لا تسبوا فاعل ذلك، فإنه هو الله ، والدهر متصرّف فيه يقع به التأثير، كما يقع بكم، والله أعلم. انتهى. خازن. هذا؛ وكثيرا ما نسمع في أيامنا هذه من يلعن، ويسب الساعة، واليوم الذي رأى فيه فلانا، أو باع، أو اشترى كذا، أو عامل فلانا، أو الساعة التي جرى فيها قرانه بزوجته، وهي بزوجها، ليبوءوا بغضب الله، وسخطه، وقد يكونون من المصلين الصائمين، ولقد أحسن أبو علي الثقفي؛ إذ يقول: [السريع] يا عاتب الدّهر إذا نابه... لا تلم الدّهر على غدره الدّهر مأمور له آمر... وينتهي الدّهر إلى أمره

стр. 7011

كم كافر أمواله جمّة... تزداد أضعافا على كفره ومؤمن ليس له درهم... يزداد إيمانا على فقره وروي: أن سالم بن عبد الله بن عمر-﵃-كان كثيرا ما يذكر الدهر، فزجره أبوه، وقال له: إياك يا بني وذكر الدهر: [الطويل] فما الدّهر بالجاني لشيء لحينه... ولا جالب البلوى فلا تشتم الدّهرا ولكن متى ما يبعث الله باعثا... على معشر يجعل مياسيرهم عسرا ﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (٢)﴾ الشرح: ﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ:﴾ يعني ابن آدم بلا خلاف. وقال الخازن-رحمه الله تعالى-: فالإنسان في الموضعين واحد، فعلى هذا يكون معنى قوله: ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ طائفة من الدهر غير مقدرة ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ يعني: أنهم كانوا نطفا في الأصلاب، ثم علقا، ومضغا في الأرحام، لم يذكروا بشيء. ﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ﴾ يعني: ولد آدم. انتهى. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ:﴾ من ماء ينطف، أي: يقطر، وهو المني، وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة، كقول عبد الله بن رواحة ﵁-يعاتب نفسه، لما تهيبت وتخوفت القتال والنزال في غزوة مؤتة: [الرجز] مالي أراك تكرهين الجنّة؟ ... هل أنت إلاّ نطفة في شنّه؟ الشنّة: القربة، وجمع نطفة: نطف، ونطاف. ﴿أَمْشاجٍ:﴾ أخلاط، واحدها: مشج، ومشيج، مثل: خدن، وخدين. قال رؤبة: [الرجز] يطرحن كلّ معجّل نشّاج... لم يكس جلدا في دم أمشاج ويقال: مشجت هذا بهذا، أي: خلطته، فهو ممشوج، ومشيج، مثل: مخلوط، وخليط، وقال المبرد: واحد الأمشاج: مشيج، يقال: مشج، يمشج: إذا اختلط، وهو هنا اختلاط النطفة بالدم. قال الشماخ: [الوافر] طوت أحشاء مرتجة لوقت... على مشج سلالته مهين وقال ابن عباس-﵄-وغيره: يعني: ماء الرجل، وماء المرأة يختلطان في الرحم، فيكون منهما الولد، فماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا صاحبه؛ كان الشبه له، وما كان من عصب، وعظم؛ فمن ماء الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر فمن ماء المرأة. وقيل: الأمشاج: اختلاف ألوان النطفة، فنطفة الرجل بيضاء، ونطفة المرأة صفراء، وكل لونين اختلطا فهما أمشاج. وقيل: الأمشاج: أطوار الخلق، نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظما، ثم

стр. 7012

يكسوه لحما، ثم ينشئه خلقا آخر، انظر سورة (المؤمنون) الآية رقم [١٢] وما بعدها. وقيل: إن الله تعالى جعل في النطفة أخلاطا من الطبائع، التي تكون في الإنسان، من الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، فعلى هذا يكون التقدير: من نطفة ذات أمشاج، وخذ ما يلي: فعن أبي أيوب-﵁-قال: جاء حبر من اليهود إلى النبي ﷺ ، فقال: أخبرني عن ماء الرجل، وماء المرأة، فقال: «ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فإذا علا ماء المرأة آنثت، وإذا علا ماء الرّجل أذكرت». فقال الحبر: أشهد أن لا إله إلا الله وأنّك رسول الله. ﴿نَبْتَلِيهِ:﴾ نختبره بالأوامر، والنواهي، والخير، والشر من صحة، ومرض، من فقر وغنى... إلخ. ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً:﴾ قال الفراء: فيه تقديم، وتأخير، التقدير: فجعلناه سميعا بصيرا؛ لنبتليه؛ لأن الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخلقة. وقال الزمخشري: هو من التعسف. ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ أي: عظيم السمع، والبصر، والبصيرة. فائدة: ورد في بعض الكتب: أن الله يقول: يابن آدم! جعلت لك قرارا في بطن أمّك، وغشيت وجهك بغشاء لئلا تفزع من الرحم، وجعلت لك متكأ عن يمينك، ومتكأ عن شمالك، فأما الذي عن يمينك؛ فالطحال، وأمّا الذي عن شمالك؛ فالكبد، وعلمتك القيام، والقعود في بطن أمّك، فهل يقدر على ذلك أحد غيري، فلما أن تمت مدة حملك؛ أوحيت إلى الملك الموكل بالأرحام أن يخرجك، فأخرجك على ريشة من جناحيه، لا لك سنّ تقطع، ولا يد تبطش، ولا قدم تسعى بها، وأنبعت لك عرقين في صدر أمّك، يجريان لبنا خالصا، حارا في الشتاء، باردا في الصيف، وألقيت محبتك في قلب أبويك، فلا يشبعان؛ حتى تشبع، ولا يرقدان؛ حتى ترقد، فلمّا أن قوي ظهرك، واشتدّ أزرك؛ بارزتني بالمعاصي، واعتمدت على المخلوقين، ولم تعتمد عليّ، وتسترت ممّن يراك، وبارزتني بالمعاصي في خلواتك، ولم تستح مني، ومع هذا: إن دعوتني؛ أجبتك، وإن سألتني؛ أعطيتك، وإن تبت، وارتجعت إليّ؛ قبلتك. الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿خَلَقْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْإِنْسانَ﴾ أي: مخلوقا من نطفة. والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَمْشاجٍ:﴾ صفة ﴿نُطْفَةٍ﴾ ووقع الجمع صفة لمفرد؛ لأنه في معنى الجمع كما رأيت في الشرح، وأجيز اعتباره بدلا من ﴿نُطْفَةٍ﴾. ﴿نَبْتَلِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر فيه وجوبا، تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (نا) أي: خلقناه مبتلين له؛ بمعنى: مريدين ابتلاءه، فهي حال مقدرة، كقولك: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، تريد قاصدا به لصيد غدا، ويجوز أن يراد: ناقلين له من حال إلى حال.

стр. 7013

فسمى ذلك ابتلاء على طريق الاستعارة. انتهى. كشاف. هذا؛ وأجيز اعتبارها حالا مقارنة، إن كان المعنى: نبتليه بتصريفه في بطن أمه، نطفة، ثم علقة، كما قال ابن عباس-﵄، انظر أنواع الحال في الآية رقم [١٩] من سورة (المعارج) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿فَجَعَلْناهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (جعلناه): فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿سَمِيعاً:﴾ مفعول به ثان؛ لأن (جعل) من أفعال التحويل. ﴿بَصِيراً:﴾ من تعدد المفعول الثاني، أو هو من تعدد الحال، إن اقتصر الفعل على مفعول واحد، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿خَلَقْنَا..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها، وأفاد كلام الجلال، والجمل: أنها معطوفة عليه إرادة الابتلاء، لا الابتلاء، وهذا منه لتوجيه العطف المذكور. ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً (٣)﴾ الشرح: ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ أي: بيّنا له، وعرّفناه طريق الهدى، والضلال، والخير، والشر ببعثة الرسل، فآمن، أو كفر، كقوله تعالى في سورة (البلد): ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ والمراد من هداية السبيل: نصب الدلائل، وإنزال الكتب على الرسل مع تهيئة العقل، والسمع، والبصر للنظر والتفكير في ذلك. قال مكي: و (إمّا) هنا للتخيير على بابها، ومعنى التخيير: أن الله تعالى يخبرنا: أنه اختار قوما للسعادة، وقوما للشقاء، فالمعنى: إما أن يخلقه شقيا، وهذا من أبين ما يدل على أن الله تعالى قدر الأشياء كلها. وخلق قوما للسعادة، وبعملها يعملون، وقوما للشقاوة، وبعملها يعملون، فالتخيير هو إعلام من الله تعالى لنا: أنه يختار ما يشاء، وليس التخيير للإنسان. انتهى مكي. وهذا لا يجعل للعبد اختيارا، والمعتمد: أن له اختيارا، كما تقدم، وقال تعالى في سورة (فصلت) رقم [١٧]: ﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾. تنبيه: لما كان الشكر قل من يتصف به. قال ﴿شاكِراً﴾ من غير مبالغة، ولما كان الكفر كثيرا من يتصف به، ويكثر وقوعه من الإنسان بخلاف الشكر. قال: ﴿كَفُوراً﴾ بصيغة المبالغة. هذا؛ ول: «إمّا» خمسة معان: أحدها: الشك، نحو: جاء إما زيد، وإما عمرو، إذا لم تعلم الجائي منهما. الثاني: الإبهام، كما في قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ الآية رقم [١٠٦] من سورة (التوبة). الثالث: التخيير، وهو ما في الآية التي نحن بصدد شرحها، وقوله تعالى في سورة (طه) رقم [٦٥]: ﴿قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى﴾ ومثلها الآية من سورة (الأعراف) رقم [١١٤]، وأيضا الآية رقم [٨٦] من سورة (الكهف). الرابع: الإباحة، نحو: «تعلّم إمّا فقها، وإمّا نحوا».

стр. 7014

الخامس: التفصيل، وجعل منه الآية التي نحن بصدد شرحها. انتهى. مغني اللبيب باختصار. أقول: والتفصيل هو المعنى الذي لا يفارقها مع كل من المعاني السابقة. الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت ألفها دليلا عليها. ﴿هَدَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿السَّبِيلَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية تعليل لقوله: (نبتليه) لا محل لها. ﴿إِمّا:﴾ أداة شرط، وتفصيل. ﴿شاكِراً:﴾ حال من الضمير المنصوب، وأجاز الزمخشري اعتباره حالا من ﴿السَّبِيلَ،﴾ وتبعه البيضاوي، والنسفي على ذلك. ﴿وَإِمّا كَفُوراً:﴾ معطوف على ما قبله، وقال البيضاوي: ووصف ﴿السَّبِيلَ﴾ بذلك مجاز. ﴿إِنّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً (٤)﴾ الشرح: ﴿إِنّا أَعْتَدْنا:﴾ هيأنا في جهنم. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ جمع: كافر، والكفر ستر الحق بالجحود، والإنكار. وكفر فلان النعمة، يكفرها كفرا، وكفورا، وكفرانا: إذا جحدها، وسترها، وأخفاها. قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ رقم [٧] ومثل هذه الآية كثير. وكفر الشيء: ستره، وغطاه، وسمي الكافر كافرا؛ لأنه يغطي نعم الله بجحدها، وعبادته غيره. وسمي الزارع كافرا؛ لأنه يلقي البذر في الأرض، ويغطيه، ويستره بالتراب. قال تعالى في تشبيه حال الدنيا: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ رقم [٢٠] من سورة (الحديد). وسمي الليل كافرا؛ لأنه يغطي، ويستر كل شيء بظلمته. قال لبيد بن ربيعة الصحابي في معلقته رقم [٦٥]: [الكامل] حتّى إذا ألقت يدا في كافر... وأجنّ عورات الثّغور ظلامها هذا؛ ويطلق لفظ الكافر على النهر. قال المتلمس حين ألقى الصحيفة في النهر: [الطويل] وألقيتها بالثّني من جنب كافر... كذلك ألقي كلّ رأي مضلّل رضيت لها بالماء لمّا رأيتها... يجول بها التّيّار في كلّ جدول ﴿سَلاسِلَ:﴾ جمع: سلسلة، وهي القيد، طول كل سلسلة سبعون ذراعا. انظر ما ذكرته في سورة (الحاقة) رقم [٣٢] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ويقرأ: «(سلاسلا)» منونا وهي قراءة حفص عن عاصم، والباقون بغير تنوين، ومثله: (قواريرا) في الآية رقم [١٦] فمن صرف؛ فله أربع حجج: أحدها: أن الجموع أشبهت الآحاد، فجمعت جمع الآحاد، فجعلت في حكم الآحاد، فصرفت. الثانية: أن الأخفش حكى عن العرب صرف جميع ما لا ينصرف إلا (أفعل) التفضيل. وكذا قال الكسائي، والفراء، وأنشد ابن الأنباري في ذلك قول عمرو بن كلثوم في معلقته رقم [٤٦]: [الوافر]

стр. 7015

كأنّ سيوفنا فينا وفيهم... مخاريق بأيدي لاعبينا وقال لبيد-﵁-في معلقته رقم [٧٣]: [الكامل] وجزور أيسار دعوت لحتفها... بمغالق متشابه أجسامها وله أيضا في معلقته رقم [٨٠]: [الكامل] فضلا وذو كرم يعين على النّدى... سمح كسوب رغائب غنّامها فصرف مخاريق، ومغالق، ورغائب، وسبيلها ألا تصرف، وعلل ذلك بأن هذا الجمع لما كان يجمع، فقال الرسول ﷺ : «صواحبات يوسف». وجاء في الشعر: (نواكسي الأبصار) أشبه المفرد، فجرى فيه الصرف، وقال بعض الشعراء: [الرجز] والصّرف في الجمع أتى كثيرا... حتّى ادّعى قوم به التّخييرا والحجة الثالثة: أن يقال: نونت (قواريرا) الأول؛ لأنه رأس آية، ورؤوس الآي جاءت بالتنوين. والحجة الرابعة: اتباع المصاحف. وقد احتج من لم يصرفهن بأن قال: إن كل جمع بعد الألف، منه ثلاثة أحرف، أو حرفان، أو حرف مشدد لم يصرف في معرفة، ولا نكرة، فالذي بعد الألف منه ثلاثة أحرف، مثل: (قناديل، ودنانير، ومناديل) والذي بعد الألف منه حرفان، مثل: (مساجد، وصوامع) والذي بعد الألف منه حرف مشدد: «شوابّ ودوابّ». انظر (غافر) رقم [٧١]. ﴿وَأَغْلالاً:﴾ جمع غلّ، يقال: في رقبته غل من حديد، ومنه للمرأة السيئة الخلق: غل قمل، وأصله أن الغل كان يتخذ من جلد، وعليه شعر، فيقمل، والغل، والغلة: حرارة العطش، وكل ذلك بضم الغين، وهو بكسرها: الحقد، ورحم الله من يقول: [البسيط] يا طالب العيش في أمن وفي دعة... رغدا بلا قتر صفوا بلا رنق خلّص فؤادك من غلّ ومن حسد... الغلّ في القلب مثل الغلّ في العنق هذا؛ وقال التيمي: لو أن غلا من أغلال جهنم وضع على جبل لوهصه حتى يبلغ الماء الأسود. هذا؛ و (السلاسل) جمع: سلسلة، وهي معروفة. قال الراغب: وتسلسل الشيء: اضطرب، كأنه تصور منه تسلسل متردد، فتردد لفظه تنبيه على تردد معناه، وماء سلسل متردد في مقره، وخذ قوله تعالى في سورة (الحاقة) في حق من يأخذ كتابه بشماله بعد أن يدعو بالثبور، وعظائم الأمور: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ﴾. الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَعْتَدْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مبتدأ، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿سَلاسِلَ:﴾ مفعول به، وما بعده معطوف عليه.

стр. 7016

﴿إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً (٥)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ﴾ أي: أهل الصدق، واحدهم: برّ، وهو من امتثل أمر الله تعالى. وقيل: واحدهم بار، مثل: شاهد، وأشهاد، وفي الصحاح: وجمع البر: الأبرار، وجمع البار: البررة. وفلان يبر خالقه، ويتبرره، أي: يطيعه. وروي عن ابن عمر-﵄-وفي الجمل: عن عمر عن رسول الله ﷺ قال: «إنما سمّاهم الله جلّ ثناؤه الأبرار؛ لأنهم برّوا الآباء، والأبناء، كما أن لوالدك عليك حقا، كذلك لولدك عليك حقّ». وقال الحسن: البر الذي لا يؤذي الذر، وانظر سورة (عبس) [١٦]. ﴿يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ:﴾ الكأس عند أهل اللغة شامل لكل إناء مع شرابه، فإن كان فارغا فليس بكأس. قال الضحاك، والسدي: كل كأس في القرآن فهي الخمر، والعرب تقول للإناء إذا كان فيه خمر: كأس، فإذا لم يكن فيه خمر قالوا: إناء، وقدح، كما يقال للخوان إذا كان عليه طعام: مائدة، فإذا لم يكن عليه طعام، لم يقل له: مائدة. قال أبو الحسن بن كيسان: ومنه: ظعينة للهودج إذا كان فيه المرأة. وأضيف: أنه لا يقال: ذنوب، وسجل إلا وفيه ماء، وإلا؛ فهو دلو. ولا يقال: جراب إلا وهو مدبوغ، وإلا؛ فهو إهاب. ولا يقال: قلم إلا وهو مبرى، وإلا؛ فهو أنبوب. ولا يقال للمكان: ناد إلا إذا كان فيه أهله. هذا؛ والكأس تذكر، وتؤنث؛ لأنها من المؤنث المجازي، فمن التأنيث الآية التي نحن بصدد شرحها، وقوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [٤٦]: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ومن التذكير قولك: هذا كأس. هذا؛ والجمع: كؤوس، وأكؤس، وكأسات، وكئاس. ﴿كانَ مِزاجُها﴾ أي: شوبها، وخلطها. قال حسان بن ثابت-﵁: [الوافر] كأنّ سبيئة من بيت رأس... يكون مزاجها عسل وماء وهذا هو الشاهد رقم [٨٢٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، ومنه مزاج البدن، وهو ما يمازجه من الصفراء، والسوداء، والحرارة، والبرودة. ﴿كافُوراً:﴾ قال المفسرون: الكافور: طيب معروف يستحضر من أشجار ببلاد الهند، والصين، وهو من أنفس أنواع الطيب عند العرب، والمراد: أن من شرب تلك الكأس وجدها في طيب رائحتها، وفوحان شذاها كالكافور. قال ابن عباس-﵄: الكافور: اسم عين ماء في الجنة، يقال لها: عين الكافور، تمتزج الكأس بماء هذه العين، وتختم بالمسك، فتكون ألذ شراب. وقيل: أراد كالكافور في بياضه، وطيب رائحته، وبرده؛ لأن الكافور لا يشرب. وقال مقاتل: ليس بكافور الدنيا، ولكن سمى الله ما عنده بما عندكم حتى تهتدي لها القلوب. هذا؛ ولم يذكر (الكافور) في غير هذه السورة. هذا؛ ولما ذكر الله ما أعده للأشقياء من السعير؛ ذكر الأبرار المتقين، وما

стр. 7017

أعده لهم من النعيم المقيم في جنات النعيم. هذا؛ والكافور أيضا: وعاء طلع النخل، وكذلك الكفرّى. قاله الأصمعي. وأما قول الراعي: [البسيط] تكسو المفارق واللّبّات ذا أرج... من قصب معتلف الكافور درّاج فإن الظبي الذي يكون منه المسك، إنما يرعى سنبل الطيب، فجعله كافورا. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْأَبْرارَ:﴾ اسمها. ﴿يَشْرَبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿مِنْ كَأْسٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة لمفعول محذوف، التقدير: يشربون ماء كائنا من كأس. وقيل: ﴿مِنْ﴾ صلة، و ﴿كَأْسٍ﴾ مفعول به. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿مِزاجُها:﴾ اسم ﴿كانَ،﴾ و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿كافُوراً:﴾ خبرها، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿كَأْسٍ﴾. ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً (٦)﴾ الشرح: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِها﴾ أي: منها. قال أبو ذؤيب الهذلي يصف السحاب على اعتقاد العرب، ومثلهم العصريون في هذا الزمن من أن الغيوم تدنو من البحر في أماكن مخصوصة، فتمتد منها خراطيم عظيمة كخراطيم الفيلة، فتشرب بها من مائه، فيسمع لها عند ذلك صوت مزعج، ثم تصعد إلى الجو، وترتفع، فيلطف ذلك الماء، ويعذب بإذن الله تعالى في زمن صعودها، ثم تمطره حيث شاء الله، -وهو الشاهد رقم [١٥٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] شربن بماء البحر ثمّ ترفّعت... متى لجج خضر لهنّ نئيج ﴿عِبادُ اللهِ:﴾ أولياء الله، والإضافة إضافة تشريف، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٩] من سورة (الجن). ﴿يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً﴾ أي: يقودونها إلى حيث شاؤوا من منازلهم وقصورهم تفجيرا سهلا لا يمتنع عليهم. قيل: إن الرجل ليمشي في بيوتاته، ويصعد إلى قصوره، وبيده قضيب يشير به إلى الماء، فيجري معه حيثما دار في منازله على مستوى الأرض في غير أخدود، ويتبعه حيثما صعد إلى أعلى قصوره. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ و (العين) تطلق على الماء الجاري، أو النابع من الأرض، وجمعها في القلة: أعين، وفي الكثرة: عيون. قال تعالى في سورة (الذاريات)، وغيرها: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ وتجمع أيضا في الكثرة على: أعيان، وهذا غير مشهور، وقليل الاستعمال. كما تطلق (العين) على العين الباصرة، وهو أشهر، وأكثر ما تستعمل في ذلك، كما تطلق على الجاسوس، كما في قولك: بث الأمير عيونه في المدينة؛ أي: جواسيسه، كما تطلق على ذات الشخص، كما في

стр. 7018

قولك: جاء عليّ عينه، وتطلق على الشمس. وعين الشيء: خياره، وتطلق على النقد من ذهب، وغيره. وإليك قول الشاعر: [البسيط] واستخدموا العين منّي وهي جارية... وقد سمحت بها أيّام وصلهم فالمراد ب: «العين» نفسه، وذاته، والمراد ب: «جارية» عينه الباصرة، التي تجري بالدمع، والمراد بقوله: «بها» نقد الذهب. وهذا يسمى في فن البديع استخداما، وتطلق العين على أشياء كثيرة، وعلى المطر الهاطل من السحاب. قال عنترة في معلقته رقم [٢٩] -وهو الشاهد رقم [٣٥٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الكامل] جادت عليه كلّ عين ثرّة... فتركن كلّ حديقة كالدّرهم هذا؛ وأعيان القوم: أشرافهم. وبنو الأعيان: الإخوة من الأبوين. الإعراب: ﴿عَيْناً:﴾ بدل من ﴿كافُوراً﴾ على حذف مضاف، أي: ماء عين. وفي السمين: في نصبها أوجه: أحدها: أنها بدل من ﴿كافُوراً﴾. الثاني: أنها بدل من محل: ﴿مِنْ كَأْسٍ﴾. الثالث: أنها مفعول ﴿يَشْرَبُونَ﴾ أي: يشربون عينا من ﴿كَأْسٍ﴾. الرابع: أن ينتصب على الاختصاص. الخامس: أنها مفعول ل: ﴿يَشْرَبُونَ﴾ مقدرا، يفسره ما بعده. السادس: أنها مفعول به بإضمار «يعطون». السابع: أنها منصوبة على الحال من الضمير في: ﴿مِزاجُها﴾. قاله مكي. انتهى. جمل باختصار كبير. أقول: والحالية غير مسلمة؛ لأن ﴿عَيْناً﴾ جامدة، والحال تكون مشتقة. ﴿يَشْرَبُ:﴾ فعل مضارع. ﴿بِها:﴾ في الباء أوجه: أحدها: أنها صلة، والهاء مفعول به، أي: يشربها. الثاني: أنها بمعنى: «من» وقد ذكرته في الشرح. الثالث: أنها جارة أصلية، والجار، والمجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿عَيْناً﴾ أي: ممزوجة بها. وساغ ذلك لوصف ﴿عَيْناً﴾ بالجملة الفعلية. الرابع: أنها جارة أصلية، والجار، والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الخامس: أنها على تضمين ﴿يَشْرَبُونَ﴾ معنى: يلتذون بها شاربين. السادس: أنها على تضمين ﴿يَشْرَبُ﴾ معنى: يرتوي، أي: يرتوي بها عباد الله. ﴿عِبادُ:﴾ فاعل ﴿يَشْرَبُ،﴾ و ﴿عِبادُ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿عَيْناً﴾. ﴿يُفَجِّرُونَها:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿عِبادُ اللهِ،﴾ والرابط: الضمير فقط. ﴿تَفْجِيراً:﴾ مفعول مطلق مؤكد لعامله. ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (٧)﴾ الشرح: ﴿يُوفُونَ:﴾ الضمير يعود إلى ﴿الْأَبْرارَ﴾. ﴿بِالنَّذْرِ:﴾ النذر: حقيقته ما أوجبه المكلف على نفسه من شيء يفعله. وإن شئت قلت في حده: النذر هو إيجاب المكلف على

стр. 7019

نفسه من الطاعات ما لو لم يوجبه؛ لم يلزمه. قال تعالى في سورة (الحج) رقم [٢٩]: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ أراد جميع ما ينذره المسلم من حج، وهدي، وصوم، وصدقة... إلخ، أمروا بوفاء النذر مطلقا إلا ما كان في معصية، فعن عائشة-﵂. قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من نذر أن يطيع الله؛ فليف بنذره، ومن نذر أن يعصي الله؛ فلا يف به». رواه البخاري. وفي رواية: «فليطعه، ولا يعصه». وعنها: أن رسول الله ﷺ قال: «لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين». أخرجه الترمذي، وأبو داود، والنسائي. وعن ابن عباس-﵄-قال: استفتى سعد بن عبادة-﵁-رسول الله ﷺ في نذر كان على أمّه، فتوفّيت قبل أن تقضيه، فأمره أن يقضيه عنها. أخرجه الجماعة. وفي الآية دليل على وجوب الوفاء بالنذر، وهذا مبالغة في وصف الأبرار بأداء الواجبات؛ لأن من وفى بما أوجب على نفسه؛ كان لما أوجبه الله عليه أوفى. وعن عمران بن الحصين-﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «خير القرون قرني، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ يكون بعدهم قوم يشهدون، ولا يستشهدون، ويخونون، ولا يؤتمنون، وينذرون، ولا يوفون، ويظهر فيهم السّمن». رواه البخاري، ومسلم. ﴿وَيَخافُونَ يَوْماً﴾ أي: يوم القيامة. ﴿كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ أي: منتشرا فاشيا ممتدا. وقيل: استطار خوفه في أهل السموات، وأهل الأرض، وفي أولياء الله، وأعدائه. وقيل: فشا شره في السموات فانشقت، وتناثرت الكواكب، وفزعت الملائكة، وكورت الشمس، والقمر، وفي الأرض فتشققت الجبال، وغارت المياه، ونسفت الجبال، فكانت هباء منبثا. هذا؛ والعرب تقول: استطار الصدع في القارورة، والزجاجة، واستطال إذا امتد. قال الأعشى: [المتقارب] وبانت وقد أورثت في الفؤا... د صدعا على نأيها مستطيرا ويقال: استطار الحريق: إذا انتشر. واستطار الفجر: إذا انتشر الضوء. قال حسان بن ثابت ﵁-مشيرا إلى ما فعله المسلمون ببني قريظة الذين نقضوا العهد، ونكثوا الميثاق مع النبي ﷺ : [الوافر] وهان على سراة بني لؤيّ... حريق بالبويرة مستطير هذا؛ وقد قال الخازن-رحمه الله تعالى-: لما وصف الله تعالى ثواب الأبرار في الآخرة؛ وصف أعمالهم في الدنيا؛ حتى استوجبوا هذا الثواب. وقال الكلبي: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ أي: يتممون العهود؛ لقوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ،﴾ وقوله جل ذكره في أول سورة (المائدة): ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أمروا بالوفاء بهما؛ لأنهم عقدوهما على أنفسهم باعتقادهم الإيمان. وأقول: بقولهم: لا إله إلا الله محمد رسول الله. ومن لوازم هذه الكلمة ومن متطلباتها الوفاء بالعهود، بل وكل ما أمر الله به، وكل ما نهى عنه من لوازمها، ومتطلباتها، ودليل ذلك

стр. 7020

قول الرسول ﷺ : «من قال: لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة». قيل: وما إخلاصها؟ قال: «أن تحجزه عن محارم الله». رواه الطبراني في الأوسط عن زيد بن أرقم-﵁، وفي الكبير؛ إلا أنه قال: «أن تحجزه عمّا حرّم الله». الإعراب: ﴿يُوفُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿بِالنَّذْرِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، واعتبار الباء هنا صلة، فالمعنى يؤيده، وعليه ف: (النذر) مفعول به فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية مستأنفة استئنافا بيانيا، كأنه قيل: بم استحقوا هذا النعيم؟ وجملة: ﴿وَيَخافُونَ يَوْماً﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿شَرُّهُ:﴾ اسمها، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مُسْتَطِيراً:﴾ خبرها، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿يَوْماً﴾. ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (٨)﴾ الشرح: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ:﴾ قال ابن عباس، ومجاهد-﵄: على حب الطعام، وقلته، وشهوتهم له، والحاجة إليه. انتهى. وعليه فقد وصفهم الله تعالى بأنهم يؤثرون غيرهم على أنفسهم بالطعام، ويواسو أهل الحاجة به، وذلك؛ لأن أشرف أنواع الإحسان، والبر إطعام الطعام؛ لأن به قوام الأبدان. وقال أبو سليمان الداراني: على حب الله تعالى، أقول: وكلاهما صحيح، وجيد. ومثل هذه الآية في إرجاع الضمير قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٧٦]: ﴿وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ..﴾. إلخ. ﴿مِسْكِيناً﴾ أي: ذا مسكنة، فعن أبي هريرة ﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «ليس المسكين الذي تردّه اللقمة، واللقمتان، والتمرة، والتمرتان، ولكن المسكين الّذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له، فيتصدّق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس». رواه البخاري، ومسلم. ﴿وَيَتِيماً﴾ أي: صغيرا، وهو الذي فقد أباه الذي يكتسب له، وينفق عليه، روى منصور عن الحسن: أن يتيما كان يحضر طعام ابن عمر-﵄، فدعا ذات يوم بطعامه، وطلب اليتيم فلم يجده، ثم جاء بعدما فرغ ابن عمر من طعامه، فلم يجد الطعام، فدعا له بسويق، وعسل، فقال: دونك هذا؛ فو الله ما غبنت! قال الحسن وابن عمر: والله ما غبن!. ﴿وَأَسِيراً:﴾ قيل: هو المسجون من أهل القبلة، يعني: من المسلمين. وقيل: هو من أهل الشرك، أمر الله المسلمين بالأسرى أن يحسنوا إليهم، وأن أسراهم يومئذ أهل الشرك. قال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: كان رسول الله ﷺ يؤتى بالأسير، فيدفعه إلى بعض المسلمين، ويقول له: أحسن إليه، فيكون عنده اليومين، والثلاثة، فيؤثره على نفسه، ويشهد لذلك أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم

стр. 7021

عند الغداء. فعلى هذا الوجه يجوز إطعام الأسرى، وإن كانوا على غير ديننا، وأنه يرجى ثوابه، ولا يجوز أن يعطى من الصدقة الواجبة؛ كالزكاة، والكفارات على اختلاف أنواعها، والنذور. وقيل: الأسير: المملوك. وهو قول عكرمة، واختاره ابن جرير لعموم الآية للمسلم، والمشرك، وقد وصى رسول الله ﷺ بالإحسان إلى الأرقاء؛ حتى كان آخر ما وصى به أن جعل يقول: «الصلاة، وما ملكت أيمانكم». وقيل: الأسير: المرأة؛ لقول النبي ﷺ : «اتقوا الله في النّساء، فإنهنّ عوان عندكم». هذا؛ واختلفوا في سبب نزول الآية، وما بعدها، فقيل: نزلت في رجل من الأنصار، يقال له: أبو الدحداح صام يوما، فلما كان وقت الإفطار؛ جاءه مسكين، ويتيم، وأسير، فأطعمهم ثلاثة أرغفة، وبقي له، ولأهله رغيف واحد. وروي عن ابن عباس-﵄-أنها نزلت في علي بن أبي طالب-﵁ وكرّم الله وجهه-وذلك: أنه عمل ليهودي على شيء من شعير، فقبض ذلك الشعير، فطحنت السيدة فاطمة-﵂-ثلثه، وأصلحوا منه شيئا يأكلونه، فلما فرغوا منه؛ أتى مسكين، فسأل، فأعطوه ذلك، ثم عملوا الثلث الثاني، فلما فرغوا منه؛ أتى يتيم فسأل، فأعطوه ذلك. ثم عملوا الباقي، فلما تم نضجه؛ أتى أسير من المشركين، فسأل فأعطوه ذلك، وطووا يومهم، وليلتهم، فنزلت هذه الآية. أقول: وخصوص السبب لا يمنع التعميم، فكل من أطعم المسكين، واليتيم، والأسير لله تعالى، وآثر على نفسه تشمله الآية. هذا؛ وقد ذكر النقاش، والثعلبي، والقشيري، وغير واحد من المفسرين في قصة علي، وفاطمة ﵄-حديثا لا يصح، ولا يثبت. رواه جابر الجعفي عن قنبر مولى علي-﵁ وفي تلك القصة قطع شعرية منسوبة إلى عليّ وإلى فاطمة، وإلى المسكين، واليتيم، والأسير، يخاطبون بها بيت النبوة. ولقد أحسن أبو حيان-رحمه الله تعالى-إذ يقول فيها: وذكر النقاش في ذلك حكاية طويلة جدا ظاهرة الاختلاق لسفساف ألفاظها، وكسر أبياتها، وسفاطة معانيها. هذا؛ وقد ذكر القرطبي-رحمه الله تعالى-القصة المختلقة، والأشعار المزيفة كلها، ثم قال: وليت شعري من حفظ هذه الأبيات كل ليلة عن علي وفاطمة-﵄، وإجابة كل واحد منهما صاحبه، حتى أدّاه إلى هؤلاء الرواة؟ فهذا وأشباهه من أحاديث أهل السجون فيما أرى، بلغني أن قوما يخالدون في السجون، فيبقون بلا حيلة، فيكتبون أحاديث في السمر، وأشباهه، ومثل هذه الأحاديث المفتعلة، فإذا صارت إلى الجهابذة؛ رموا بها، وزيفوها. وما من شيء إلا وله آفة ومكيدة، وآفة الدّين وكيده أكثر. انتهى. الإعراب: ﴿وَيُطْعِمُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يطعمون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿الطَّعامَ:﴾ مفعول به أول. ﴿عَلى حُبِّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما على عود الضمير إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من

стр. 7022

إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: على حبهم الله، أو على حبهم الطعام. ﴿مِسْكِيناً:﴾ مفعول به ثان، وما بعده معطوف عليه. ﴿إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً (٩)﴾ الشرح: ﴿إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ:﴾ لأجل الله، وطلب ثوابه، ومرضاته؛ أي: يقولون ذلك بألسنتهم للمسكين، واليتيم، والأسير. ﴿لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً:﴾ مكافأة على ذلك. ﴿وَلا شُكُوراً﴾ أي: ولا أن تثنوا علينا بذلك. قال ابن عباس-﵄: كذلك كانت نياتهم في الدنيا حين أطعموا، وعن سالم عن مجاهد؛ قال: أما إنهم ما تكلموا به، ولكن علمه الله جل ثناؤه منهم، فأثنى به عليهم؛ ليرغب في ذلك راغب. وقيل: قالوا ذلك؛ ليقتدي بهم غيرهم، وذلك: أن الإحسان إلى الغير تارة يكون لأجل الله تعالى، لا يراد به غيره، فهذا هو الإخلاص، وهذا ما فعله الصديق-﵁-وأثنى الله به عليه في قوله في سورة (الليل): ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾. وتارة يكون لطلب المكافأة، أو لطلب الحمد، والثناء من الناس، أو لهما، وهذان القسمان مردودان، لا يقبلهما الله تعالى؛ لأن فيهما رياء، وشركا، انظر الآية رقم [٢٦٢] من سورة (البقرة)، والرسول ﷺ قد شدد النكير على المرائين، والأحاديث في ذلك كثيرة مسطورة، أكتفي منها بما يلي: عن شداد بن أوس-﵁: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «من صام يرائي؛ فقد أشرك، ومن صلّى يرائي؛ فقد أشرك، ومن تصدّق يرائي فقد أشرك». رواه البيهقي. هذا؛ ولا يفوتني أن أذكر أن شكر المعروف واجب، والثناء على فاعله من غير أن يبتغيه لا بأس به. وخذ ما يلي: فعن جابر-﵄-عن النبي ﷺ قال: «من أعطي عطاء، فوجد؛ فليجز به، فإن لم يجد؛ فليثن، فإنّ من أثنى؛ فقد شكر، ومن كتم؛ فقد كفر، ومن تحلّى بما لم يعط؛ كان كلابس ثوبي زور». أخرجه الترمذي. وعن أسامة بن زيد-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من صنع إليه معروف، فقال لفاعله: جزاك الله خيرا؛ فقد أبلغ في الثّناء». وعن النعمان بن بشير-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدّث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب». ورحم الله من يقول: [الطويل] ومن لم يؤدّ الشكر للنّاس لم يكن... لإحسان ربّ النّاس يوما بشاكر ولا تنس: أن الله جل ثناؤه قد قرن شكره بشكر الوالدين، وذلك بقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ رقم [١٤] من سورة (لقمان).

стр. 7023

الإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿نُطْعِمُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول بلفظ المقال، أو بلسان الحال، كما رأيت في الشرح وفيها معنى التعليل. ﴿لِوَجْهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (وجه) مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿نُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: «نحن». ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما على التنازع. ﴿جَزاءً:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿شُكُوراً:﴾ معطوف على ما قبله. وجملة: ﴿لا نُرِيدُ..﴾. إلخ في محل نصب حال، من فاعل ﴿نُطْعِمُكُمْ﴾ المستتر، والرابط الضمير فقط. ﴿إِنّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (١٠)﴾ الشرح: المعنى: إنّ إحساننا إليكم، وإيثارنا إياكم بالطعام للخوف من شدة ذلك اليوم، لا لطلب مكافأتكم، ووصف اليوم بالعبوس مجاز على طريقين: أن يوصف بصفة أهله من الأشقياء، كقولهم: نهارك صائم، فقد قال ابن عباس-﵄: يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل منه عرق كالقطران. وأن يشبه في شدته، وضرره بالأسد العبوس، أو بالشجاع الباسل. هذا؛ وعن ابن عباس أيضا: العبوس: الضيق، والقمطرير: الطويل. وقيل: القمطرير: الشديد، تقول العرب: يوم قمطرير، وقماطر، وعصيب بمعنى، وأنشد الفراء قول الشاعر: [الطويل] بني عمّنا هل تذكرون بلاءنا... عليكم إذا ما كان يوم قماطر؟ وقال الأخفش: القمطرير: أشد ما يكون من الأيام، وأطوله في البلاء. قال الشاعر: [الطويل] ففرّوا إذا ما الحرب ثار غبارها... ولجّ بها اليوم العبوس القماطر وقال أبو عبيدة: يقال: رجل قمطرير، أي: متقبّض ما بين العينين. وقال الزجاج: يقال: اقمطرّت الناقة: إذا رفعت ذنبها، وجمعت قطريها، وزمت بأنفها، فاشتقه من القطر، وجعل الميم زائدة. قال أسد بن ناعسة: [الخفيف] واصطليت الحروب في كلّ يوم... باسل الشّرّ قمطرير الصّباح الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿نَخافُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿مِنْ رَبِّنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَوْماً:﴾ مفعول به. ﴿عَبُوساً:﴾ صفة ﴿يَوْماً﴾. ﴿قَمْطَرِيراً:﴾ صفة ثانية، وجملة: ﴿نَخافُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للإطعام، وهي من جملة مقول القول.

стр. 7024

﴿فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (١١)﴾ الشرح: ﴿فَوَقاهُمُ اللهُ..﴾. إلخ: أي: حفظهم الله، ودفع عنهم بأس ذلك اليوم، وشدته، وعذابه. ﴿وَلَقّاهُمْ﴾ أي: آتاهم، وأعطاهم حين لقوه يوم القيامة. ﴿نَضْرَةً:﴾ حسنا في الوجوه. ﴿وَسُرُوراً:﴾ فرحا في القلوب. وفي النضرة ثلاثة أوجه: أحدها: البياض، والنقاء. قاله الضحاك. الثاني: الحسن، والبهاء. قاله ابن جبير. الثالث: أثر النعمة. قاله ابن زيد. وهذا كقوله تعالى في سورة (عبس): ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ وذلك: أن القلب إذا سر؛ استنار الوجه. قال كعب بن مالك-﵁-في حديثه الطويل عن تخلفه في غزوة تبوك، وكان رسول الله ﷺ : «إذا سرّ؛ استنار وجهه؛ حتى كأنّه فلقة قمر». وقالت عائشة-﵂: «دخل عليّ رسول الله ﷺ مسرورا، تبرق أسارير وجهه». من حديث الإفك الطويل. الإعراب: ﴿فَوَقاهُمُ:﴾ الفاء: حرف سبب، واستئناف، أو وتفريع. (وقاهم): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به أول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿شَرَّ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿الْيَوْمِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، والجملة الفعلية: (وقاهم...) إلخ مستأنفة، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً (١٢)﴾ الشرح: ﴿وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا﴾ أي: بصبرهم على طاعة الله، واجتناب معصيته، وعلى البلاء، الذي من جملته الفقر، والجوع، مع الوفاء بالنذر، والإيثار. وانظر الآية رقم [١٠] من سورة (المزمل) هذا؛ والجزاء، والمجازاة، والمكافأة على عمل ما تكون في الخير، وتكون في الشر. فمن الأول: ما في الآية الكريمة، وقوله تعالى في سورة (الرحمن): ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ والثاني كثير وذلك حينما يذكر عذاب الكافرين والظالمين، والفاسقين مثل: ﴿وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ،﴾ ﴿وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾. هذا؛ والفعل: جزى، يجزي ينصب مفعولين. ﴿جَنَّةً وَحَرِيراً:﴾ قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى ذكر الحرير مع الجنة؟ قلت: المعنى وجزاهم ربهم بصبرهم على الإيثار، وما يؤدي إليه من الجوع، والعري بستانا، فيه مأكل هني، وحريرا فيه ملبس بهيّ. انتهى. وقد قال الرسول ﷺ : «من لبس الحرير في الدّنيا، لم يلبسه في الآخرة». وإنما ألبسهم الله إياه في الجنة عوضا عن حبسهم أنفسهم في الدنيا عن الملابس التي حرم الله فيها. وانظر الآية رقم [١٥] الآتية.

стр. 7025

الإعراب: ﴿وَجَزاهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (جزاهم): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به أول. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿صَبَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، انظر الشرح، و (ما) والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار، والمجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿جَنَّةً:﴾ مفعول به ثان. ﴿(حَرِيراً):﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية (جزاهم...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً (١٣)﴾ الشرح: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ أي: مضطجعين، أو متربعين. وفي القاموس: توكأ عليه: تحامل، واعتمد. واتكأ: جعل له متكأ، وقوله ﷺ : «أمّا أنا فلا آكل متكئا». أي: جالسا جلوس المتمكن المتربع، ونحوه من الهيئات المستدعية لكثرة الأكل، بل كان جلوسه ﷺ للأكل مستوفزا مقعيا غير متربع ولا متمكن، وليس المراد الميل على شق، كما يظنه عوام الطلبة. هذا؛ وأصل متكئين: موتكئين، واتكأ أصله: اوتكأ، والتكأة أصلها: التّوكأة، فقلبت الواو تاء، وأدغمت في التاء. هذا؛ و ﴿الْأَرائِكِ﴾ السرر في الحجال، واحدها: أريكة، مثل: سفينة وسفائن، والمراد بها: نحو القبة تغلق على السرير، وتزين بها العروس. قال الشاعر: [الطويل] كأنّ احمرار الورد فوق غصونه... بوقت الضحى في روضة المتضاحك خدود عذارى قد خجلن من الحيا... تهادين بالرّيحان فوق الأرائك وقيل: الأريكة لا تكون إلا في حجلة على سرير، وإلا؛ فهي وسادة. قال ذو الرمة: [الطويل] خدود جنت في الليل حتّى كأنّما... يباشرن بالمعزاء مسّ الأرائك ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً﴾ أي: لا يرون في الجنة شدة حر كحر الشمس، ولا بردا مفرطا كبرد الدنيا. قال الأعشى: [المتقارب] منعّمة طفلة كالمها... ة لم تر شمسا ولا زمهريرا وعن أبي صالح عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «اشتكت النّار إلى ربّها . قالت: يا ربّ! أكل بعضي بعضا. فجعل لها نفسين: نفسا في الشتاء، ونفسا في الصيف، فشدّة ما تجدون من البرد من زمهريرها، وشدّة ما تجدون من الحرّ في الصّيف من سمومها». أخرجه الشيخان والترمذي مع اختلاف في بعض الألفاظ. وعن النبي ﷺ أنه قال: «إن هواء الجنة سجسج، لا حرّ، ولا برد». والسجسج الظل الممتد، كما بين طلوع الفجر، وطلوع الشمس.

стр. 7026

وقال مرّة الهمداني: الزمهرير: البرد القاطع. وقال مقاتل بن حيان: هو شيء مثل رؤوس الإبر، ينزل من السماء في غاية البرد. وقال ابن مسعود-﵁: هو لون من العذاب، وهو البرد الشديد، حتى إن أهل النار إذا ألقوا فيه سألوا الله أن يعذبهم بالنار ألف سنة أهون عليهم من عذاب الزمهرير يوما واحدا. قال أبو النجم العجلي: [الرجز] أو كنت ريحا كنت زمهريرا هذا؛ ولعلك تدرك معي: أن العقول كانت تستبعد، بل وتستنكر وجود الحر، والبرد في نار جهنم، ولكن في هذه الأيام تسلم العقول السليمة، والفطر المستقيمة بذلك، وذلك بعد التأمل في الكهرباء التي يصدر عنها الحر، والبرد، وهذا مشاهد، ومرئي لا خفاء فيه، ولا تنس استنكار كفار قريش لوجود شجرة الزقوم في النار، وقد بينه في كثير من الآيات. هذا؛ وقال ثعلب: الزمهرير القمر بالغة طيّئ. قال شاعرهم: [الرجز] وليلة ظلامها قد اعتكر... قطعتها والزمهرير ما زهر أي: لم يطلع القمر. فالمعنى لا يرون فيها شمسا كشمس الدنيا، ولا قمرا كقمر الدنيا؛ أي: إنهم في ضياء مستديم، لا ليل فيه، ولا نهار؛ لأن ضوء النهار بالشمس، وضوء الليل بالقمر، انظر ما ذكرته في سورة (مريم) رقم [٦٢] بعد هذا القول: المعتمد الأول، وهو وجود الزمهرير في نار جهنم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿مُتَّكِئِينَ:﴾ حال من الضمير المنصوب، وقال الجلال: حال من مرفوع «ادخلوها» المقدر، وأجاز أبو البقاء، والزمخشري اعتباره صفة ل: ﴿جَنَّةً﴾ ومنعه مكي لعدم الضمير الرابط، وأجيب بتقدير: متكئين هم فيها؛ لجريان الصفة على غير من هي له، وفاعله ضمير مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾. ﴿عَلَى الْأَرائِكِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر ب: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾. وقيل: العكس بتعليقهما، وإن علقتهما جميعا ب: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ فلست مفندا. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَرَوْنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿شَمْساً:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿زَمْهَرِيراً:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ فتكون حالا متداخلة، أو هي حال متكررة، كما أجيز اعتبارها صفة ﴿جَنَّةً﴾. ﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً (١٤)﴾ الشرح: ﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ أي: ظل الأشجار في الجنة قريبة من الأبرار، فهي مظلّة عليهم زيادة في نعيمهم، وإن كان لا شمس، ولا قمر ثمّ، كما أن أمشاطهم الذهب، والفضة، وإن كان

стр. 7027

لا وسخ، ولا شعث ثمّ، وإنما هي للتلذذ، والترفه. ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً﴾ أي: سخرت ثمارها لهم تسخيرا، يأكلون منها قياما، وقعودا، ومضطجعين، ويتناولونها كيف شاؤوا، وعلى أي حال أرادوا، وفي سورة (الحاقة): ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ،﴾ وفي سورة (الرحمن) الآية [٥٤]: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ هذا؛ و ﴿قُطُوفُها﴾ جمع: قطف بكسر القاف بمعنى مفعول، كالذّبح بمعنى المذبوح، وهو ما يجتنيه الجاني من الثمار، وأما القطف بالفتح؛ فالمصدر، والقطاف بالفتح، والكسر: وقت القطاف. هذا؛ والمذلل: القريب المتناول من قولهم: حائط ذليل، أي: قصير، و ﴿ذَلُولٌ﴾ لم تذلل للركوب، ولا للسقي، ولا للحرث. قال تعالى: ﴿قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ رقم [٧١] من سورة (البقرة) وقال امرؤ القيس من معلقته رقم [٤٧]: [الطويل] وكشح لطيف كالجديل مخصّر... وساق كأنبوب السّقيّ المذلّل تنبيه: قال الجمل نقلا عن كرخي: فإن قيل: كيف يوصف ظلها، أي: ظل ما فيها من الأشجار. مع أن الظل إنما يوجد حيث توجد الشمس، ولا شمس في الجنة؛ حتى يظل أهلها ما فيها من الأشجار؟ فالجواب أن المراد: أن أشجار الجنة تكون بحيث لو كانت هناك شمس، لكان ظل تلك الأشجار قريبا منهم. انتهى. الإعراب: ﴿وَدانِيَةً:﴾ فيها أوجه: أحدها: أنها عطف على محل ﴿لا يَرَوْنَ،﴾ الثاني: أنها معطوفة على ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ فيكون فيها ما فيها، ودخلت الواو للدلالة على أن الأمرين يجتمعان لهم، كأنه قيل: وجزاهم جنة جامعين فيها بين السلامة من الحر، والقر، ودنو الظلال عليهم. الثالث: أنها صفة لموصوف محذوف، أي: وجنة دانية. قاله أبو البقاء. الرابع: أنها صفة ل: ﴿جَنَّةً﴾ الملفوظ بها. قاله الزجاج. انتهى. جمل نقلا عن السمين. هذا؛ وقال الفراء: منصوب على المدح، أي: دنت دانية. هذا؛ وقرئ برفع (دانية) على أنه خبر مقدم، و ﴿ظِلالُها﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل ﴿لا يَرَوْنَ﴾. قاله الزمخشري. وقال مكي: في موضع الحال من الهاء، والميم، أو من المضمر في ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ وقول الزمخشري أحق بالاعتبار. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (دانية). ﴿ظِلالُها:﴾ فاعل بدانية، أو هو مبتدأ مؤخر حسبما رأيت. هذا؛ وينبغي أن تعلم: أن (دانية) في الأصل صفة ﴿ظِلالُها﴾ فلما تقدم النعت على المنعوت انتصب، ومثله قوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٣]: ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ وقوله تعالى في سورة (القلم) رقم [٤٢]: ﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ﴾. ﴿وَذُلِّلَتْ:﴾ الواو: واو الحال. (ذللت): فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿قُطُوفُها:﴾ نائب فاعل، و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على (دانية) فهي في محل نصب حال مثلها، وهي على تقدير: «قد» قبلها. هذا؛ وقال الزمخشري: فإن قلت: فعلام عطف: ﴿وَذُلِّلَتْ؟﴾ قلت: هي إذا رفعت (دانية) جملة فعلية معطوفة على جملة ابتدائية، وإذا نصبتها على الحال، فهي حال من

стр. 7028

(دانية) أي: تدنو ظلالها عليهم في حال تذليل قطوفها لهم، أو معطوفة عليها، أي: ودانية عليهم ظلالها، ومذللة قطوفها، وإذا نصبت ﴿وَدانِيَةً﴾ على الوصف، فهي صفة مثلها، ألا ترى أنك لو قلت: جنة ذللت قطوفها كان صحيحا. ﴿تَذْلِيلاً:﴾ مفعول مطلق. ﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (١٥)﴾ الشرح: ﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ﴾ أي: يدور على هؤلاء الأبرار الخدم إذا أرادوا الشراب بآنية من فضة. قال ابن عباس-﵄: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء، أي: ما في الجنة أشرف، وأعلى، وأنقى! ثم لم تنف الأواني الذهبية، بل المعنى: يسقون في أواني الفضة، وقد يسقون في أواني الذهب، وقد قال تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٧١]: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ،﴾ والمعنى: أن لهم في الجنة أطعمة، وأشربة، يطاف بها عليهم في صحاف من ذهب، وأكواب، ولم يذكر الأطعمة، والأشربة؛ لأنه يعلم: أنه لا معنى للإطافة بالصحاف، والأكواب، والآنية عليهم من غير أن يكون فيها شيء. وفي الصحيحين عن حذيفة-﵁-أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لا تلبسوا الحرير، ولا الدّيباج، ولا تشربوا في آنية الذّهب، والفضّة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنّها لهم في الدّنيا، ولكم في الآخرة». وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله-﵄-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أهل الجنّة يأكلون فيها، ويشربون، ولا يتفلون، ولا يبولون، ولا يمتخطون». قالوا: فما بال الطعام؟ قال: «جشاء، ورشح كرشح المسك، يلهمون التّسبيح، والتّحميد، والتكبير كما يلهمون النّفس». وروى الأئمة من حديث أم سلمة-﵂ عن النبي ﷺ قال: «الّذي يشرب في آنية الذّهب، والفضّة؛ إنّما يجرجر في بطنه نار جهنم». وقال: «لا تشربوا في آنية الذّهب، والفضّة، ولا تأكلوا في صحافهما». وهذا يقتضي التحريم، ولا خلاف في ذلك. ويقاس على الأكل، والشرب سائر الاستعمالات. وأيضا: الاقتناء لقوله ﷺ في الذهب، والحرير: «هذان حرام لذكور أمتي حلّ لإناثها». هذا؛ و (أكواب) جمع: كوب، وهو وعاء مدور، لا أذن له، ولا عروة بخلاف الإبريق فإن له ذلك، والملاحظ: أن لفظ: (أكواب) جاء بسورة (الزخرف) وفي هذه السورة، وفي سورة (الواقعة) و (الغاشية) بلفظ الجمع ولم يأت له مفرد قطعا؛ لأنه لا يتهيأ فيها ما يجعلها في النطق، والظهور، والرقة، والانكشاف، وحسن التناسب كلفظ: (أكواب) الذي هو الجمع، وقل مثله في: أباريق، فإنه لم يستعمل منه مفرد، ولم يذكر إلا في سورة (الواقعة)، ومفرده: إبريق، سمي بذلك؛ لأنه يبرق لونه من صفائه. هذا؛ وقد جاء لفظ الكوب مفردا في قول عدي بن زيد: [السريع]

стр. 7029

متّكئا تقرع أبوابه... يسعى عليه العبد بالكوب قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: ما معنى ﴿كانَتْ؟﴾ قلت: هو من (يكون) في قوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: تكونت قوارير بتكوين الله تفخيما لتلك الخلقة العجيبة الشأن، الجامعة بين صفتي الجوهرين المتباينين، ومنه كان في قوله تعالى: ﴿كانَ مِزاجُها كافُوراً،﴾ ﴿كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً﴾. هذا؛ والقوارير: الزجاج الأبيض الجميل، وهو جمع: القارورة. وفي المصباح: القارورة: إناء من زجاج، والجمع: القوارير، والقارورة أيضا: وعاء الرطب، والتمر، وهي القوصرة. وتطلق القارورة على المرأة؛ لأن الولد، أو المني يقر في رحمها، كما يقر الشيء في الإناء، أو تشبيها لها بآنية الزجاج لضعفها، وفي الحديث الشريف من قول النبي ﷺ : «رفقا بالقوارير». قال الأزهري: والعرب تكني عن المرأة بالقارورة، والقوصرة. انتهى. وفي القاموس المحيط: والقارورة: حدقة العين، وما قرّ فيه الشراب، أو نحوه، أو يخص بالزجاج، و ﴿قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ﴾ أي: من زجاج في بياض الفضة، وصفاء الزجاج. وانظر ما قيل في صرف (سلاسل) فهو مثله. الإعراب: ﴿وَيُطافُ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (يطاف): فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، أو هما في محل رفع نائب فاعله، ومثلهما قوله: ﴿بِآنِيَةٍ﴾. ﴿مِنْ فِضَّةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (آنية). ﴿وَأَكْوابٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿كانَتْ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هي»، يعود إلى (أكواب). ﴿قَوارِيرَا:﴾ خبر (كان) وإن اعتبرتها تامة ف: ﴿قَوارِيرَا﴾ حال من فاعلها المستتر، والجملة الفعلية صفة (أكواب). ﴿قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً (١٦)﴾ الشرح: ﴿قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ:﴾ قال ابن عباس-﵄: ليس في الجنة شيء إلا قد أعطيتم في الدنيا شبهه إلا القوارير من فضة، وقال: لو أخذت فضة من فضة الدنيا فضربتها؛ حتى تجعلها مثل جناح الذباب لم تر من ورائها الماء، ولكن قوارير الجنة مثل الفضة في صفاء القوارير. والمعنى: يرى ما في باطنها من ظاهرها. ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيراً﴾ أي: قدروا الكؤوس على قدر ريهم، وكفايتهم لا تزيد، ولا تنقص، والمعنى: أن السقاة، والخدم الذين يطوفون عليهم، يقدرونها لهم، ثم يسقونها، وهو ألذ للشارب لكونه على مقدار حاجته، لا يفضل عنها، ولا يعجز، وعن مجاهد: لا تفيض، ولا تغيض. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿قَوارِيرَا:﴾ بدل مما قبله. ﴿مِنْ فِضَّةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿قَوارِيرَا﴾. ﴿قَدَّرُوها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿تَقْدِيراً:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿قَوارِيرَا،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم.

стр. 7030

﴿وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً (١٧)﴾ الشرح: ﴿وَيُسْقَوْنَ﴾ أي: الأبرار. ﴿فِيها:﴾ في الجنة. ﴿كَأْساً﴾ أي: مملوءة خمرا من خمر الآخرة، المنزهة عن اللغو، والرفث. ﴿كانَ مِزاجُها:﴾ شوبها، وخلطها. ﴿زَنْجَبِيلاً﴾ والمعنى: يسقى هؤلاء الأبرار في الجنة كأسا من الخمر ممزوجة بالزنجبيل، والعرب تستلذ من الشراب ما مزج بالزنجبيل لطيب رائحته، فتارة يمزج للأبرار الشراب بالكافور، وهو بارد، وتارة بالزنجبيل، وهو حار ليعتدل الأمر، وأما المقربون؛ فإنهم يشربون من كل منهما صرفا، كما قاله قتادة، وغير واحد. وكانت العرب تستلذ من الشراب ما يمزج بالزنجبيل لطيب رائحته؛ لأنه يحذو اللسان، ويهضم المأكول، فرغبوا في نعيم الآخرة بما اعتقدوه نهاية النعمة، والطيب. وقال المسيب بن علس يصف ثغر المرأة: [الكامل] وكأنّ طعم الزّنجبيل به... إذ ذقته وسلافة الخمر وقال الأعشى: [المتقارب] كأنّ القرنفل والزنجبي... ل باتا بفيها وأريا مشورا وقال بعض بني تميم-وهو الشاهد رقم [٦٨٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الرجز] وا بأبي أنت وفوك الأشنب... كأنّما ذرّ عليه الزّرنب أو زنجبيل وهو عندي أطيب هذا؛ والأري: العسل. و «مشور» مستخرج من بيوت النحل. والشنب: رقة الأسنان. وقيل: عذوبة الفم، والزرنب: نبت طيب من نبات البادية. الإعراب: ﴿وَيُسْقَوْنَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يسقون): فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿كَأْساً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (يطاف...) إلخ على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿مِزاجُها:﴾ اسمها، و (ها) في محل جر بالإضافة. ﴿زَنْجَبِيلاً:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿كَأْساً﴾. ﴿عَيْناً فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلاً (١٨)﴾ الشرح: ﴿تُسَمّى سَلْسَبِيلاً:﴾ السلسبيل: الشراب اللذيذ، وهو فعلليل من السّلاسة، تقول العرب: هذا شراب سلس، وسلسال، وسلسل وسلسبيل بمعنى. أي: طيب الطعم لذيذه، وفي الصحاح: وتسلسل الماء في الحلق: جرى، وسلسلته أنا: صببته فيه. وماء سلسل، وسلسال: سهل الدخول

стр. 7031

في الحلق لعذوبته، وصفائه. وقال الزجاج: السلسبيل في اللغة: اسم لما كان في غاية السّلاسة، فكأن العين سميت بصفتها. وقيل: حديدة الجرية سميت سلسبيلا؛ لأنها تسيل عليهم في طرقهم ومنازلهم، تنبع من أصل العرش من جنة عدن إلى سائر الجنان، وبه قال ابن عباس-﵄. ومنه قول حسان بن ثابت-﵁-في مدح آل جفنة قبل إسلامه: [الكامل] يسقون من ورد البريص عليهم... بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل وقال أبو كبير الهذلي-وهو الشاهد رقم [٤٤٩] من كتابنا: «فتح رب البرية»، وهو في «فتح القريب المجيب» أيضا-: [الكامل] أم لا سبيل إلى الشّباب وذكره... أشهى إليّ من الرّحيق السّلسل هذا؛ وقد عزوا إلى علي بن أبي طالب-﵁-أن معناه: سل سبيلا إليها، وهذا غير مستقيم على ظاهره إلا أن يراد أن جملة قول القائل: سل سبيلا جعلت علما للعين، كما قيل: (تأبط شرّا) و (ذرى حبّا) وسميت بذلك؛ لأنه لا يشرب منها إلا من سأل إليها سبيلا بالعمل الصالح، وهو مع استقامته في العربية تكلف، وابتداع، وعزوه إلى مثل علي-﵁-أبدع، وفي شعر بعض المحدثين: [الخفيف] سل سبيلا فيها إلى راحة النّف... س براح كأنّها سلسبيل انتهى. كشاف واستبعد ابن هشام في المغني الاعتبارين. هذا؛ وقال صاحب منجد الطلاب: سلسبيل: اسم عين يقولون: إنها في الجنة. انتهى. نعم! نقول: إنها في الجنة، ولا حظ له فيها قطعا، بل هي محرمة عليه وعلى من على شاكلته بلا شك. وقال ابن الأعرابي: لم أسمع السلسبيل إلا في القرآن، وقال مكي: هو اسم أعجمي نكرة، فلذلك صرف، ووزنه مثل: دردبيس، وزنه: فعفليب. وانظر الآية. الإعراب: ﴿عَيْناً:﴾ بدل من ﴿زَنْجَبِيلاً﴾. وقيل: بدل من ﴿كَأْساً،﴾ وأجيز اعتباره منصوبا بفعل مضمر، أي: يسقون عينا، وأجيز نصبه بإسقاط الخافض، أي: من عين. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿عَيْناً﴾. ﴿تُسَمّى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل تقديره: «هي» يعود إلى ﴿عَيْناً﴾ وهو المفعول الأول. ﴿سَلْسَبِيلاً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿عَيْناً،﴾ أو في محل نصب حال منها بعد وصفها. ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً (١٩)﴾ الشرح: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أي: غلمان لا يموتون، ولا يهرمون، ولا يتغيرون، ولا ينتقلون من حالة إلى حالة. ومنه قول امرئ القيس: [الطويل]

стр. 7032

وهل ينعمن إلاّ سعيد مخلّد... قليل الهموم ما يبيت بأوجال وقال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ مقرّطون، والخلد: القرط، وهو الحلقة تعلق في الأذن. قال الشاعر: [الطويل] ومخلّدات بالّجين كأنّما... أعجازهنّ أقاوز الكثبان فهم على سن واحدة أنشأهم الله لأهل الجنة يطوفون كما شاؤوا من غير ولادة. وقال علي بن أبي طالب-﵁-والحسن البصري: الولدان هاهنا ولدان المسلمين؛ الذين يموتون صغارا، ولا حسنة لهم ولا سيئة. وقال سلمان الفارسي-﵁: أطفال المشركين هم خدم أهل الجنة. وقال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: لم يكن لهم حسنات يجزون بها، ولا سيئات يعاقبون عليها، فوضعوا هذا الموضع. والمقصود: أن أهل الجنة على أتم السرور، والنعمة، والنعمة إنما تتم باحتفاف الخدم، والولدان بالإنسان. أقول: ما نسب إلى علي، والحسن ضعيف جدا؛ لأن أولاد المسلمين الصغار، يكونون مع آبائهم، وأمهاتهم، وهو من جملة السرور، بل من أعظم السرور اجتماعهم بهم. قال تعالى في سورة (الطور) رقم [٢١]: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ وتشبهها آية (الرعد) رقم [٢٣] ولأن من المؤمنين من لا ولد له، فلو خدمه ولد غيره كان منقصة بأبي الخادم، وقول سلمان الفارسي أولى بالاعتبار؛ لأنه قد اختلف في أولاد المشركين على ثلاثة مذاهب، فقال الأكثرون: هم في النار تبعا لآبائهم، وتوقف فيهم طائفة، والمذهب الثالث، (وهو الصحيح) الذي ذهب إليه المحققون: أنهم من أهل الجنة. ولكل مذهب دليل ليس هنا موضعه. وقال الخازن في سورة (الواقعة): والصحيح الذي لا معدل عنه إن شاء الله تعالى: أنهم ولدان خلقوا في الجنة لخدمة أهل الجنة كالحور العين، ولم يولدوا، ولم يخلقوا عن ولادة. ولا بأس به!. ﴿إِذا رَأَيْتَهُمْ﴾ أي: أبصرتهم. ﴿حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً﴾ أي: ظننتهم من حسنهم، وكثرتهم، وصفاء ألوانهم لؤلؤا في مجالسهم، ومنازلهم، شبهوا باللؤلؤ المنثور هنا وهناك، واللؤلؤ إذا نثر بساطا، كان أحسن منه منظوما. وعن المأمون العباسي: أنه ليلة زفت إليه بوران بنت الحسن بن سهل، وهو على بساط منسوج من ذهب، وقد نثرت عليه نساء دار الخلافة اللؤلؤ، فنظر إليه منثورا على ذلك البساط، فاستحسن المنظر. وقال: لله در أبي نواس، كأنه أبصر هذا؛ حيث قال: [البسيط] كأنّ صغرى وكبرى من فقاقعها... حصباء درّ على أرض من الذّهب وقيل: شبهوا باللؤلؤ الرطب؛ إذا نثر من صدفه؛ لأنه أحسن، وأكثر رواء. وقيل: إنما شبهوا بالمنثور؛ لأنهم سراع في الخدمة، بخلاف الحور العين؛ إذ شبههن الله باللؤلؤ المكنون المخزون؛ لأنهن لا يمتهن بالخدمة، وذلك بقوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ (٢٢)

стр. 7033

﴿كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ كما وصفهم الله باللؤلؤ المكنون للتفنن، وذلك في سورة (الطور) رقم [٢٤] بقوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ انظر شرح هذه الآية في محلها. وفي قوله تعالى: ﴿حَسِبْتَهُمْ..﴾. إلخ، تشبيه مأخوذ من معنى حسبتهم، وهو تشبيه بديع، فقد شبه الولدان باللؤلؤ المنثور، فهو قسم من أقسام التشبيه جاءت فيه الأداة فعلا من أفعال الظن، ومثله قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [١٨]: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ،﴾ وقوله تعالى في سورة (النمل) رقم [٤٤]: ﴿فَلَمّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾. الإعراب: ﴿وَيَطُوفُ:﴾ الواو: حرف عطف. (يطوف): فعل مضارع. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وِلْدانٌ:﴾ فاعل (يطوف). ﴿مُخَلَّدُونَ:﴾ صفة ﴿وِلْدانٌ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿رَأَيْتَهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿حَسِبْتَهُمْ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿لُؤْلُؤاً:﴾ مفعول به ثان. ﴿مَنْثُوراً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿وِلْدانٌ،﴾ أو هو كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (٢٠)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ:﴾ خطاب للنبي ﷺ ، أو لكل من يدخل الجنة، وحذف المفعول للتعميم. ﴿رَأَيْتَ نَعِيماً:﴾ النعيم: سائر ما يتنعم به. ﴿وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ أي: مملكة لله هناك عظيمة، وسلطانا باهرا، وثبت في الصحيح: أن الله تعالى يقول لآخر أهل النار خروجا منها، وآخر أهل الجنة دخولا إليها: «إن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها». وفي الحديث عن ابن عمر مرفوعا: «إنّ أدنى أهل الجنّة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة، ينظر إلى أقصاه، كما ينظر إلى أدناه». فإذا كان هذا عطاء الله تعالى لأدنى أهل الجنة، فما ظنك بمن هو أعلى منزلة، وأحظى عنده تعالى؟ وقال سفيان الثوري-رحمه الله تعالى-: بلغنا: أن الملك الكبير هو تسليم الملائكة عليهم. وقيل: كون التيجان على رؤوسهم كما تكون على رؤوس الملوك في الدنيا، وأعظمهم منزلة من ينظر إلى وجه ربه كلّ يوم. هذا؛ و ﴿ثَمَّ﴾ هنا بفتح الثاء ظرف مكان، وهي بخلاف «ثمّ» بضم الثاء، انظر الآية رقم [٣٢] من سورة (الحاقة). والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. تنبيه: ذكر السيوطي في: «أسباب النزول» فقال: وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: دخل عمر على النبي ﷺ ، وهو راقد على حصير من جريد؛ وقد أثر في جنبه، فبكى عمر-﵁-فقال: «ما يبكيك»؟! قال: ذكرت كسرى، وملكه، وهرمز، وملكه، وصاحب الحبشة، وملكه، وأنت رسول الله تنام على حصير من جريد! فقال رسول الله ﷺ : «أما ترضى أنّ لهم

стр. 7034

الدنيا، ولنا الآخرة؟!». فأنزل الله: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ..﴾. إلخ، وانظر ما ذكرته في سورة (الأحقاف) رقم [٢٠] فإنه جيد. الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): انظر الآية السابقة. ﴿رَأَيْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والمفعول لم يذكر، ولا ينوى، ولا يسمى محذوفا؛ لأن الفعل نزل منزلة ما لا مفعول له إذا المراد الإعلام بمجرد إيقاع الفاعل للفعل، أفاده ابن هشام في المغني. وقال الفراء: ﴿ثَمَّ﴾ مفعول به لرأيت. وقال أيضا: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ﴾ تقديره: ما ثمّ، فحذفت «ما»، وقامت ﴿ثَمَّ﴾ مقام «ما»، ورد هذا الزمخشري، فقد قال: ومن قال معناه: ما ثمّ فقد أخطأ؛ لأن ﴿ثَمَّ﴾ صلة ل: «ما» ولا يجوز إسقاط الموصول وترك الصلة، وما قاله الزمخشري محجوج بقوله حسان ﵁-في هجاء أبي سفيان-وهو الشاهد رقم [١٠٥٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» إعراب شواهد مغني اللبيب-: [الوافر] أمن يهجو رسول الله منكم... ويمدحه وينصره سواء التقدير: ومن يمدحه... إلخ. ﴿ثَمَّ:﴾ ظرف مكان بمعنى هنالك مبني على الفتح في محل نصب متعلق بالفعل ﴿رَأَيْتَ،﴾ أو هو متعلق بمحذوف صلة الموصول المحذوف، أو هو في محل نصب مفعول به حسبما رأيت في الشرح، وجملة: ﴿رَأَيْتَ ثَمَّ﴾ في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿رَأَيْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿نَعِيماً:﴾ مفعول به. (ملكا): معطوف على ما قبله. ﴿كَبِيراً:﴾ صفة (ملكا)، وجملة: ﴿رَأَيْتَ نَعِيماً..﴾. إلخ جواب (إذا)، لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله. هذا؛ وانظر حذف مفعول رأيت في سورة (التكاثر)، فإنه جيد والحمد لله. ﴿عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً (٢١)﴾ الشرح: ﴿عالِيَهُمْ:﴾ يقرأ بسكون الياء، وتحريكها بالفتحة. انظر الإعراب، وهو بمعنى: فوقه. ﴿ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ﴾ أي: ما يعلوهم من الثياب، وما يتجملون به، إنما هو من سندس، وهو ما رقّ من الحرير. ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ:﴾ هو ما غلظ من الحرير، وقد يطلق على النوعين اسم: الديباج. هذا؛ وقيل: السندس يكون مما يلي أبدانهم، والإستبرق، وهو ما فيه بريق ولمعان يكون فوق الأول، كما هو المعهود في لباس الدنيا: ثياب داخلية، وثياب فوقها. هذا؛ و ﴿ثِيابُ﴾ جمع: ثوب، أصله: ثواب، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، ومثله: صيام، وحياض... إلخ، وانظر ما ذكرته برقم [٧] من سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. والإستبرق: مختلف فيه، هل هو عربي، مشتق أصله من البريق، أو هو معرب، أصله استبره؟ خلاف بين اللغويين.

стр. 7035

قال الزمخشري: فإن قلت: ذكر هاهنا: أن أساورهم من فضة، وفي موضع آخر أنها من ذهب؟ قلت: هب أنه قيل: وحلّوا أساور من ذهب، ومن فضة، وهذا صحيح لا إشكال فيه على أنهم يسورون بالجنسين، إما على المعاقبة، وإما على الجمع، كما تزاوج نساء الدنيا بين أنواع الحلي، وتجمع بينها، وما أحسن بالمعصم أن يكون فيه سواران: سوار من ذهب، وسوار من فضة! ولا تنس: أن التعبير بالماضي (حلوا) عن المستقبل: «يحلون» لتحقق وقوعه. وقال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: على كل واحد منهم ثلاثة أسورة: واحد من ذهب، وواحد من ورق، وواحد من لؤلؤ. وهو المنصوص عليه في القرآن، في سورة (الكهف) رقم [٣١]، وفي سورة (الحج) رقم [٢٣]، وأيضا في سورة (فاطر) رقم [٣٣]، وقال هنا: ﴿وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. وخص اللون الأخضر بالذكر هنا وفي سورة (الكهف) رقم [٣١]؛ لأنه أحسن الألوان، وأكثرها طراوة، وأعلاها بهجة، ولأن البياض يبدد النظر، ويؤلم، والسواد يذم، والخضرة بينهما، وذلك يجمع الشعاع. ﴿وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ..﴾. إلخ يعني: طاهرا من الأقذار، والأدران، لم تمسه الأيدي، ولم تدنسه الأرجل كخمر الدنيا. وقيل: إنه لا يستحيل بولا، ولكنه يستحيل رشحا في أبدانهم، كرشح المسك، وذلك: أنهم يؤتون بالطعام، ثم من بعده يؤتون بالشراب الطهور، فيشربون منه، فتطهر بطونهم، ويصير ما أكلوا رشحا، يخرج من جلودهم أطيب من المسك الأذفر، وتضمر بطونهم، وتعود شهياتهم. وقيل: الشراب الطهور هو عين ماء على باب الجنة، من شرب منه نزع الله ما كان في قلبه من غل، وغش، وحسد، وكبر... إلخ. ولا تنس أن (الطهور) صيغة مبالغة. وكل ما ذكر في هذه الآيات من النعيم المعد للأبرار مع ما ذكر من الأغلال، والسعير في الآية رقم [٤] المعد للكافرين، والفجار إنما هو على طريقة القرآن في المقارنة بين حال الأبرار، وحال الفجار، وتلك سنة اقتضتها حكمة العليم الخبير، ورحمته في كتابه بأن لا يذكر التكذيب من الكافرين، والمنافقين؛ إلا ويذكر التصديق من المؤمنين، ولا يذكر الإيمان؛ إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنة، ونعيمها؛ إلا ويذكر النار، وجحيمها، ولا يذكر الرحمة؛ إلا ويذكر الغضب، والسخط، ليكون المؤمن راغبا، راهبا، خائفا، راجيا. كما روي عن علي-﵁-أنه قال: إذا انتهى أهل الجنة إلى باب الجنة؛ وجدوا هنالك عينين، فكأنما ألهموا ذلك، فشربوا من إحداهما، فأذهب الله ما في بطونهم من أذى، ثم اغتسلوا من الأخرى، فجرت عليهم نضرة النعيم. فأخبر بحالهم الظاهر، وجمالهم الباطن. هذا؛ وانظر قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ في سورة (الأعراف) رقم [٤٣] وسورة (الحجر) رقم [٤٧]. هذا؛ والفعل: (سقاهم) من الثلاثي، كما يأتي من الرباعي: أسقى، وهما بمعنى واحد، تقول: سقى الله هذه البلاد الغيث، وأسقاها الغيث، فيكون بالهمزة تارة، وبدونه أخرى، وشاهد

стр. 7036

المهموز قوله تعالى في سورة (المرسلات) رقم [٢٧]، وشاهد غير المهموز الآية التي نحن بصدد شرحها، ويحتملهما قوله تعالى: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيماً﴾ وقوله جل ذكره في سورة (المطففين): ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ وقد ورد اللغتان في قول لبيد-﵁: [الوافر] سقى قومي بني مجد وأسقى... نميرا والقبائل من هلال ولكنه حذف المفعول الثاني من كليهما، كما حذف المفعولان من الأفعال المذكورة في سورة (القصص): ﴿يَسْقُونَ﴾ ﴿لا نَسْقِي،﴾ ﴿فَسَقى لَهُما﴾. هذا؛ وفرق الأعلم بين المهموز وغيره، فقال: تقول: سقيتك ماء: إذا ناولته إياه يشربه، وتقول: أسقيتك إذا حصلت له سقيا. الإعراب: ﴿عالِيَهُمْ:﴾ فعلى قراءته بسكون الياء ففيه أوجه: أظهرها: أن يكون خبرا مقدما، و ﴿ثِيابُ﴾ مبتدأ مؤخر، والثاني: أن (عاليهم) مبتدأ، و ﴿ثِيابُ﴾ فاعل به سد مسد الخبر، وإن لم يعتمد على وصف، أو نفي، أو استفهام، وهذا قول الأخفش، والكوفيين. والثالث: أن (عاليهم) منصوب، وإنما سكن تخفيفا. قاله أبو البقاء، ويجري فيه الاعتباران المذكوران من الإعراب. وعلى قراءته بالنصب ففيه أوجه: أحدها: أنه ظرف مكان بمعنى: فوقهم، فهو متعلق بمحذوف خبر مقدم، و ﴿ثِيابُ﴾ مبتدأ مؤخر، وعلى جميع الوجوه المذكورة فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. والثاني: أن ﴿عالِيَهُمْ﴾ حال من الضمير في ﴿عالِيَهُمْ﴾. الثالث: أنه حال من مفعول ﴿حَسِبْتَهُمْ﴾. الرابع: أنه حال من مضاف مقدر؛ أي: رأيت أهل نعيم وملك كبير عاليهم، ف: ﴿عالِيَهُمْ﴾ حال من «أهل» المقدر، ذكر هذه الأوجه الثلاثة الزمخشري، وغيره. والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وهذا على اعتباره حالا، وأما على اعتباره ظرف مكان؛ فالإضافة محضة، وحقيقية. و ﴿ثِيابُ﴾ مضاف، و ﴿سُندُسٍ﴾ مضاف إليه. ﴿خُضْرٌ:﴾ يقرأ بالرفع على أنه صفة ﴿ثِيابُ،﴾ وبالجر على أنه صفة ﴿سُندُسٍ﴾. ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ:﴾ يقرأ بالرفع عطفا على ﴿ثِيابُ،﴾ ويقرأ بالجر عطفا على ﴿سُندُسٍ﴾. ﴿وَحُلُّوا:﴾ الواو: واو الحال. (حلوا): فعل ماض مبني للمجهول، مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿أَساوِرَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ فِضَّةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿أَساوِرَ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير في ﴿عالِيَهُمْ،﴾ العائد إلى ﴿وِلْدانٌ،﴾ والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير «قد» قبلها، وإن عطفتها على جملة (يطوف) فلست مفندا. ﴿وَسَقاهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (سقاهم): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به أول. ﴿رَبُّهُمْ:﴾ فاعل مرفوع، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿شَراباً:﴾ مفعول به ثان. ﴿طَهُوراً:﴾ صفة (شرابا)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، على الاعتبارين فيها.

стр. 7037

﴿إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (٢٢)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ هذا كانَ..﴾. إلخ: أي: يقال لهم: إنما هذا جزاؤكم، وثوابكم. وهذا يكون بعد دخولهم فيها، ومشاهدتهم نعيمها، كما يقال لهم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾ سورة (الحاقة) رقم [٢٤]. وكقوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ سورة (الأعراف) رقم [٤٣]. ﴿وَكانَ سَعْيُكُمْ:﴾ عملكم. ﴿مَشْكُوراً﴾ أي: عند الله، وشكره للعبد قبول طاعته، وثناؤه عليه، وإثابته إياه. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿إِنَّ،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمها يعود إلى اسم الإشارة. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿جَزاءً﴾ بعدهما. ﴿جَزاءً:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ لَكُمْ جَزاءً﴾ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، انظر تقديره في الشرح، والقول المحذوف، ومقوله كلام مستأنف، لا محل له. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿سَعْيُكُمْ:﴾ اسم (كان)، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿مَشْكُوراً:﴾ خبر (كان)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً (٢٣)﴾ الشرح: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ:﴾ هذا خطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ . ﴿الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً:﴾ قال ابن عباس-﵄: متفرقا آية بعد آية، ولم ننزله جملة واحدة. والمعنى: أنزلنا عليك القرآن متفرقا لحكمة بالغة، تقتضي تخصيص كل شيء بوقت معين، والمقصود من ذلك تثبيت قلب رسول الله ﷺ ، وشرح صدره، وأن الذي أنزله إليه وحي منه، ليس بكهانة، ولا سحر؛ لتزول تلك الوحشة؛ التي حصلت له ﷺ من قول الكفار: إنه سحر، أو شعر، أو كهانة. هذا؛ و ﴿نَزَّلْنا﴾ بتشديد الزاي بمعنى: أنزلنا، والفرق بين الفعلين: أن أنزل يفيد: أن القرآن، أو السورة إنما نزل دفعة واحدة، وأما نزّل فيفيد: أن القرآن نزل مفرقا في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع، ومقتضيات الأحوال على ما نرى عليه أهل الشعر، والخطابة. وهذا مما يريب القرشيين، كما حكى عنهم بقوله: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ فبين سبحانه الحكمة من ذلك بقوله: ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً﴾ سورة (الفرقان) رقم [٣٢] هذا؛ وانظر شرح (نا) في سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [١].

стр. 7038

الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ضمير فصل لا محل له من الإعراب. والثاني: أنه توكيد لاسم (إنّ) على المحل. والثالث: أنه في محل رفع مبتدأ. ﴿نَزَّلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْقُرْآنَ:﴾ مفعول به. ﴿تَنْزِيلاً:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية. ﴿نَزَّلْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) على الوجه: الأول، والثاني في الضمير، وفي محل رفع خبره على الوجه الثالث فيه، وعليه: فالجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا نَحْنُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (٢٤)﴾ الشرح: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أي: لعبادته، فهي من الحكمة المحضة. وقيل: معناه فاصبر لحكم ربك في تأخير الإذن بالقتال. وقيل: هو عام في جميع التكاليف، أي: فاصبر لحكم ربك في كل ما حكم الله به، سواء كان تكليفا خاصا، كالعبادات، والطاعات، أو عاما متعلقا بالغير، كالتبليغ، وأداء الرسالة، وتحمل المشاق، وغير ذلك. ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ أي: لا تطع الكافرين، والمنافقين؛ إن أرادوا صدك عما أنزل إليك، بل بلغ ما أنزل إليك من ربك، وتوكل عليه، فإن الله يعصمك من الناس، فالآثم: هو الفاجر في أفعاله، والكفور: هو الكافر قلبه. قال تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٤٨]: ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾. هذا؛ وقيل: أراد بالآثم، والكفور: أبا جهل، وذلك: أنه لما فرضت الصلاة على النبي ﷺ نهاه أبو جهل عنها. وقال: لئن رأيت محمدا يصلي؛ لأطأنّ على عنقه! وقيل: أراد بالآثم: عتبة بن ربيعة، وبالكفور: الوليد بن المغيرة، وذلك: أنهما قالا للنبي ﷺ : إن كنت صنعت ما صنعت لأجل النساء والمال، فارجع عن هذا الأمر! وقال عتبة: أنا أزوجك ابنتي، وأسوقها إليك بغير مهر. وقال الوليد: أنا أعطيك من المال حتى ترضى، فارجع عن هذا الأمر! فأنزل الله هذه الآية. فإن قلت: هل من فرق بين الآثم، والكفور؟ قلت: نعم، الآثم: هو المقدم على المعاصي؛ أي: معصية كانت، والكفور: هو الجاحد، فكل كفور آثم، ولا ينعكس؛ لأن من عبد غير الله؛ فقد اجتمع في حقه هذان الوصفان؛ لأنه لما عبد غير الله؛ فقد عصاه، وجحد نعمه عليه. انتهى خازن. هذا؛ و (كفور) صيغة مبالغة، ومعناها: المبالغ في الكفر، والجحود. وقيل: ﴿أَوْ﴾ هنا بمعنى الواو، فيكون قد جمع بين الوصفين. الإعراب: ﴿فَاصْبِرْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر من تنزيل القرآن واقعا، وحاصلا من عندنا لا من عند غيرنا؛ فاصبر. (اصبر): فعل أمر،

стр. 7039

وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿لِحُكْمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (حكم) مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تُطِعْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما. ﴿آثِماً:﴾ مفعول به. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿كَفُوراً:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة ﴿وَلا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. تنبيه: قيل: ﴿أَوْ﴾ في قوله تعالى: ﴿آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ أوكد من الواو؛ لأن الواو؛ إذا قلت: «لا تطع زيدا، وعمرا» فأطاع أحدهما كان غير عاص؛ لأنه أمره ألا يطيع الاثنين، فإذا قال: «لا تطع زيدا، أو عمرا»؛ ف: «أو» قد دلت على أن كل واحد منهما أهل أن يعصى، كما أنك إذا قلت: «لا تخالف الحسن، أو ابن سيرين»، أو «اتبع الحسن، أو ابن سيرين» فقد قلت: هذان أهل أن يتبعا، وكل واحد منهما أهل لأن يتبع. قاله الزجاج. وقال الفراء: ﴿أَوْ﴾ هنا بمنزلة «لا» كأنه قال: ولا كفورا، وأنشد قول مالك بن عمرو القضاعي: [المنسرح] لا وجد ثكلى كما وجدت ولا... وجد عجول أضلّها ربع أو وجد شيخ أضلّ ناقته... يوم توافى الحجيج فاندفعوا العجول من النساء، والإبل: الواله التي فقدت ولدها، سميت بذلك؛ لعجلتها في جيئتها، وذهابها جزعا، وهي هنا الناقة، والرّبع، كمضر: الفصيل ينتج في الربيع، والشيخ من تجاوز الأربعين، أو الخمسين من عمره، والوجد في البيتين: الحزن، واللهفة، ولا في أول البيتين تصلح؛ لأن تكون نافية للوحدة، ولأن تكون نافية للجنس، لذا يجوز رفع (وجد) ونصبه. انتهى قرطبي ما عدا الشرح بعد البيتين. هذا؛ وقال ابن هشام في المغني: ومن الغريب: أن جماعة منهم ابن مالك ذكروا مجيء أو بمعنى الواو، ثم ذكروا: أنها تجيء بمعنى (ولا) بعد النهي، كقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ وبعد النفي، كقوله تعالى في سورة (النور) رقم [١٦]: ﴿وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ﴾ وهذه هي تلك بعينها، وإنما جاءت (لا) توكيدا للنفي السابق، ومانعة من توهم تعليق النفي بالمجموع، لا بكل واحد، وذلك مستفاد من دليل خارج عن اللفظ، وهو الإجماع، ونظيره قولك: (لا يحل لك الزنا، والسرقة) ولو تركت (لا) في التقدير لم يضر ذلك. انتهى. مغني. ومثله في الجني الداني، وزاد على المغني حيث أورد البيتين السابقين؛ اللذين نقلتهما من القرطبي، وخرجهما الدكتور فخر الدين قباوة في تعليقه على الجني الداني للحسن بن قاسم المرادي للشاعر المذكور.

стр. 7040

﴿وَاُذْكُرِ اِسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (٢٦)﴾ الشرح: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أي: صل لربك، وأكثر من عبادته، وطاعته. ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً:﴾ في الصباح، والمساء، في الصباح صلاة الصبح، وفي المساء صلاة الظهر، وصلاة العصر. ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾ يعني: صلاة المغرب، وصلاة العشاء، فعلى هذا تكون الآية جامعة لمواقيت الصلاة الخمس، كما في قوله تعالى في سورة (الروم): ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾. ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً:﴾ المراد به: صلاة التطوع بعد المكتوبة، وهو التهجد في الليل. وقد استوفيت الكلام على ذلك في سورة (المزمل)، وانظر شرح ﴿اللَّيْلِ﴾ في سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [٥]. تنبيه: لقد جاء لفظ التسبيح في القرآن الكريم بالماضي أحيانا، وبالمضارع أحيانا، وبالأمر أحيانا، وبالمصدر أحيانا أخرى استيعابا لهذه المادة من جميع جهاتها، وألفاظها، وهي أربع: المصدر، والماضي، والمضارع، والأمر. وهذا الفعل بألفاظه الأربعة قد عدّي باللام تارة، مثل قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ،﴾ وقوله جلت حكمته: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ﴾ وبنفسه أخرى، مثل قوله تعالى شأنه في هذه الآية: ﴿وَسَبِّحْهُ﴾ وفي سورة (الفتح) رقم [٩]: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ،﴾ وفي سورة (الأحزاب) رقم [٤٢]: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً،﴾ وفي آخر سورة (ق): ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ وأصله التعدي بنفسه؛ لأن معنى سبحته: بعدته من السوء، منقول من: سبح: إذا ذهب، وبعد، فاللام إما أن تكون مثل: نصحته، ونصحت له، وشكرته، وشكرت له، وإما أن يراد ب: سبّح لله: اكتسب التسبيح لأجل الله، ولوجهه خالصا. انتهى نسفي من سورة (الحديد). هذا؛ وفي الآية الكريمة دليل على عدم ما قاله بعض أهل المعاني والبيان: أن الجمع بين الحاء، والهاء في كلمة واحدة، يخرجها عن فصاحتها، وجعلوا من ذلك قول أبي تمام: [الطويل] كريم متى أمدحه أمدحه والورى... معي وإذا ما لمته لمته وحدي ويمكن أن يفرق بين ما أنشدوه، وبين الآية الكريمة بأن التكرار في البيت هو المخرج له عن الفصاحة، بخلاف الآية، فإنه لا تكرار فيها. انتهى جمل نقلا عن السمين. المراد: تكرار الكلمات. هذا؛ و (البكرة) بمعنى: الغدوة، يقال: بكّر بالتشديد، وابتكر، وأبكر، وباكر، وبكر بالتخفيف: خرج في وقت البكرة. قال زهير في معلقته رقم [١٣]: [الطويل] بكرن بكورا واستحرن بسحرة... فهنّ ووادي الرّسّ كاليد في الفم
следующие страницы →