Полный текст (7 463 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.
стр. 7036
المهموز قوله تعالى في سورة (المرسلات) رقم [٢٧]، وشاهد غير المهموز الآية التي نحن بصدد شرحها، ويحتملهما قوله تعالى: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيماً﴾ وقوله جل ذكره في سورة (المطففين): ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ وقد ورد اللغتان في قول لبيد-﵁: [الوافر]
سقى قومي بني مجد وأسقى... نميرا والقبائل من هلال
ولكنه حذف المفعول الثاني من كليهما، كما حذف المفعولان من الأفعال المذكورة في سورة (القصص): ﴿يَسْقُونَ﴾ ﴿لا نَسْقِي،﴾ ﴿فَسَقى لَهُما﴾. هذا؛ وفرق الأعلم بين المهموز وغيره، فقال: تقول: سقيتك ماء: إذا ناولته إياه يشربه، وتقول: أسقيتك إذا حصلت له سقيا.
الإعراب: ﴿عالِيَهُمْ:﴾ فعلى قراءته بسكون الياء ففيه أوجه: أظهرها: أن يكون خبرا مقدما، و ﴿ثِيابُ﴾ مبتدأ مؤخر، والثاني: أن (عاليهم) مبتدأ، و ﴿ثِيابُ﴾ فاعل به سد مسد الخبر، وإن لم يعتمد على وصف، أو نفي، أو استفهام، وهذا قول الأخفش، والكوفيين. والثالث: أن (عاليهم) منصوب، وإنما سكن تخفيفا. قاله أبو البقاء، ويجري فيه الاعتباران المذكوران من الإعراب. وعلى قراءته بالنصب ففيه أوجه: أحدها: أنه ظرف مكان بمعنى: فوقهم، فهو متعلق بمحذوف خبر مقدم، و ﴿ثِيابُ﴾ مبتدأ مؤخر، وعلى جميع الوجوه المذكورة فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. والثاني: أن ﴿عالِيَهُمْ﴾ حال من الضمير في ﴿عالِيَهُمْ﴾. الثالث: أنه حال من مفعول ﴿حَسِبْتَهُمْ﴾. الرابع: أنه حال من مضاف مقدر؛ أي: رأيت أهل نعيم وملك كبير عاليهم، ف: ﴿عالِيَهُمْ﴾ حال من «أهل» المقدر، ذكر هذه الأوجه الثلاثة الزمخشري، وغيره. والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وهذا على اعتباره حالا، وأما على اعتباره ظرف مكان؛ فالإضافة محضة، وحقيقية. و ﴿ثِيابُ﴾ مضاف، و ﴿سُندُسٍ﴾ مضاف إليه.
﴿خُضْرٌ:﴾ يقرأ بالرفع على أنه صفة ﴿ثِيابُ،﴾ وبالجر على أنه صفة ﴿سُندُسٍ﴾. ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ:﴾
يقرأ بالرفع عطفا على ﴿ثِيابُ،﴾ ويقرأ بالجر عطفا على ﴿سُندُسٍ﴾. ﴿وَحُلُّوا:﴾ الواو: واو الحال. (حلوا): فعل ماض مبني للمجهول، مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿أَساوِرَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ فِضَّةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿أَساوِرَ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير في ﴿عالِيَهُمْ،﴾ العائد إلى ﴿وِلْدانٌ،﴾ والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير «قد» قبلها، وإن عطفتها على جملة (يطوف) فلست مفندا.
﴿وَسَقاهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (سقاهم): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به أول. ﴿رَبُّهُمْ:﴾ فاعل مرفوع، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿شَراباً:﴾ مفعول به ثان. ﴿طَهُوراً:﴾ صفة (شرابا)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، على الاعتبارين فيها.
стр. 7037
﴿إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (٢٢)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ هذا كانَ..﴾. إلخ: أي: يقال لهم: إنما هذا جزاؤكم، وثوابكم. وهذا يكون بعد دخولهم فيها، ومشاهدتهم نعيمها، كما يقال لهم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾ سورة (الحاقة) رقم [٢٤]. وكقوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ سورة (الأعراف) رقم [٤٣]. ﴿وَكانَ سَعْيُكُمْ:﴾ عملكم. ﴿مَشْكُوراً﴾ أي: عند الله، وشكره للعبد قبول طاعته، وثناؤه عليه، وإثابته إياه.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿إِنَّ،﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمها يعود إلى اسم الإشارة. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿جَزاءً﴾ بعدهما. ﴿جَزاءً:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ لَكُمْ جَزاءً﴾ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، انظر تقديره في الشرح، والقول المحذوف، ومقوله كلام مستأنف، لا محل له. (كان): فعل ماض ناقص. ﴿سَعْيُكُمْ:﴾ اسم (كان)، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿مَشْكُوراً:﴾ خبر (كان)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.
﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً (٢٣)﴾
الشرح: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ:﴾ هذا خطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ . ﴿الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً:﴾
قال ابن عباس-﵄: متفرقا آية بعد آية، ولم ننزله جملة واحدة. والمعنى: أنزلنا عليك القرآن متفرقا لحكمة بالغة، تقتضي تخصيص كل شيء بوقت معين، والمقصود من ذلك تثبيت قلب رسول الله ﷺ ، وشرح صدره، وأن الذي أنزله إليه وحي منه، ليس بكهانة، ولا سحر؛ لتزول تلك الوحشة؛ التي حصلت له ﷺ من قول الكفار: إنه سحر، أو شعر، أو كهانة.
هذا؛ و ﴿نَزَّلْنا﴾ بتشديد الزاي بمعنى: أنزلنا، والفرق بين الفعلين: أن أنزل يفيد: أن القرآن، أو السورة إنما نزل دفعة واحدة، وأما نزّل فيفيد: أن القرآن نزل مفرقا في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع، ومقتضيات الأحوال على ما نرى عليه أهل الشعر، والخطابة. وهذا مما يريب القرشيين، كما حكى عنهم بقوله: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ فبين سبحانه الحكمة من ذلك بقوله: ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً﴾ سورة (الفرقان) رقم [٣٢] هذا؛ وانظر شرح (نا) في سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [١].
стр. 7038
الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ضمير فصل لا محل له من الإعراب. والثاني: أنه توكيد لاسم (إنّ) على المحل. والثالث: أنه في محل رفع مبتدأ.
﴿نَزَّلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْقُرْآنَ:﴾ مفعول به.
﴿تَنْزِيلاً:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية. ﴿نَزَّلْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ) على الوجه:
الأول، والثاني في الضمير، وفي محل رفع خبره على الوجه الثالث فيه، وعليه: فالجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا نَحْنُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (٢٤)﴾
الشرح: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أي: لعبادته، فهي من الحكمة المحضة. وقيل: معناه فاصبر لحكم ربك في تأخير الإذن بالقتال. وقيل: هو عام في جميع التكاليف، أي: فاصبر لحكم ربك في كل ما حكم الله به، سواء كان تكليفا خاصا، كالعبادات، والطاعات، أو عاما متعلقا بالغير، كالتبليغ، وأداء الرسالة، وتحمل المشاق، وغير ذلك.
﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ أي: لا تطع الكافرين، والمنافقين؛ إن أرادوا صدك عما أنزل إليك، بل بلغ ما أنزل إليك من ربك، وتوكل عليه، فإن الله يعصمك من الناس، فالآثم: هو الفاجر في أفعاله، والكفور: هو الكافر قلبه. قال تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٤٨]: ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾.
هذا؛ وقيل: أراد بالآثم، والكفور: أبا جهل، وذلك: أنه لما فرضت الصلاة على النبي ﷺ نهاه أبو جهل عنها. وقال: لئن رأيت محمدا يصلي؛ لأطأنّ على عنقه! وقيل: أراد بالآثم:
عتبة بن ربيعة، وبالكفور: الوليد بن المغيرة، وذلك: أنهما قالا للنبي ﷺ : إن كنت صنعت ما صنعت لأجل النساء والمال، فارجع عن هذا الأمر! وقال عتبة: أنا أزوجك ابنتي، وأسوقها إليك بغير مهر. وقال الوليد: أنا أعطيك من المال حتى ترضى، فارجع عن هذا الأمر! فأنزل الله هذه الآية. فإن قلت: هل من فرق بين الآثم، والكفور؟ قلت: نعم، الآثم: هو المقدم على المعاصي؛ أي: معصية كانت، والكفور: هو الجاحد، فكل كفور آثم، ولا ينعكس؛ لأن من عبد غير الله؛ فقد اجتمع في حقه هذان الوصفان؛ لأنه لما عبد غير الله؛ فقد عصاه، وجحد نعمه عليه. انتهى خازن. هذا؛ و (كفور) صيغة مبالغة، ومعناها: المبالغ في الكفر، والجحود.
وقيل: ﴿أَوْ﴾ هنا بمعنى الواو، فيكون قد جمع بين الوصفين.
الإعراب: ﴿فَاصْبِرْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر من تنزيل القرآن واقعا، وحاصلا من عندنا لا من عند غيرنا؛ فاصبر. (اصبر): فعل أمر،
стр. 7039
وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿لِحُكْمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (حكم) مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم.
﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تُطِعْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما. ﴿آثِماً:﴾ مفعول به. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿كَفُوراً:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة ﴿وَلا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
تنبيه: قيل: ﴿أَوْ﴾ في قوله تعالى: ﴿آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ أوكد من الواو؛ لأن الواو؛ إذا قلت:
«لا تطع زيدا، وعمرا» فأطاع أحدهما كان غير عاص؛ لأنه أمره ألا يطيع الاثنين، فإذا قال: «لا تطع زيدا، أو عمرا»؛ ف: «أو» قد دلت على أن كل واحد منهما أهل أن يعصى، كما أنك إذا قلت: «لا تخالف الحسن، أو ابن سيرين»، أو «اتبع الحسن، أو ابن سيرين» فقد قلت: هذان أهل أن يتبعا، وكل واحد منهما أهل لأن يتبع. قاله الزجاج. وقال الفراء: ﴿أَوْ﴾ هنا بمنزلة «لا» كأنه قال: ولا كفورا، وأنشد قول مالك بن عمرو القضاعي: [المنسرح]
لا وجد ثكلى كما وجدت ولا... وجد عجول أضلّها ربع
أو وجد شيخ أضلّ ناقته... يوم توافى الحجيج فاندفعوا
العجول من النساء، والإبل: الواله التي فقدت ولدها، سميت بذلك؛ لعجلتها في جيئتها، وذهابها جزعا، وهي هنا الناقة، والرّبع، كمضر: الفصيل ينتج في الربيع، والشيخ من تجاوز الأربعين، أو الخمسين من عمره، والوجد في البيتين: الحزن، واللهفة، ولا في أول البيتين تصلح؛ لأن تكون نافية للوحدة، ولأن تكون نافية للجنس، لذا يجوز رفع (وجد) ونصبه. انتهى قرطبي ما عدا الشرح بعد البيتين.
هذا؛ وقال ابن هشام في المغني: ومن الغريب: أن جماعة منهم ابن مالك ذكروا مجيء أو بمعنى الواو، ثم ذكروا: أنها تجيء بمعنى (ولا) بعد النهي، كقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ وبعد النفي، كقوله تعالى في سورة (النور) رقم [١٦]: ﴿وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ﴾ وهذه هي تلك بعينها، وإنما جاءت (لا) توكيدا للنفي السابق، ومانعة من توهم تعليق النفي بالمجموع، لا بكل واحد، وذلك مستفاد من دليل خارج عن اللفظ، وهو الإجماع، ونظيره قولك: (لا يحل لك الزنا، والسرقة) ولو تركت (لا) في التقدير لم يضر ذلك. انتهى. مغني. ومثله في الجني الداني، وزاد على المغني حيث أورد البيتين السابقين؛ اللذين نقلتهما من القرطبي، وخرجهما الدكتور فخر الدين قباوة في تعليقه على الجني الداني للحسن بن قاسم المرادي للشاعر المذكور.
стр. 7040
﴿وَاُذْكُرِ اِسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (٢٦)﴾
الشرح: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أي: صل لربك، وأكثر من عبادته، وطاعته. ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً:﴾
في الصباح، والمساء، في الصباح صلاة الصبح، وفي المساء صلاة الظهر، وصلاة العصر.
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾ يعني: صلاة المغرب، وصلاة العشاء، فعلى هذا تكون الآية جامعة لمواقيت الصلاة الخمس، كما في قوله تعالى في سورة (الروم): ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾. ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً:﴾
المراد به: صلاة التطوع بعد المكتوبة، وهو التهجد في الليل. وقد استوفيت الكلام على ذلك في سورة (المزمل)، وانظر شرح ﴿اللَّيْلِ﴾ في سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [٥].
تنبيه: لقد جاء لفظ التسبيح في القرآن الكريم بالماضي أحيانا، وبالمضارع أحيانا، وبالأمر أحيانا، وبالمصدر أحيانا أخرى استيعابا لهذه المادة من جميع جهاتها، وألفاظها، وهي أربع:
المصدر، والماضي، والمضارع، والأمر. وهذا الفعل بألفاظه الأربعة قد عدّي باللام تارة، مثل قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ،﴾ وقوله جلت حكمته: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ﴾ وبنفسه أخرى، مثل قوله تعالى شأنه في هذه الآية: ﴿وَسَبِّحْهُ﴾ وفي سورة (الفتح) رقم [٩]: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ،﴾ وفي سورة (الأحزاب) رقم [٤٢]: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً،﴾ وفي آخر سورة (ق): ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ وأصله التعدي بنفسه؛ لأن معنى سبحته: بعدته من السوء، منقول من: سبح: إذا ذهب، وبعد، فاللام إما أن تكون مثل: نصحته، ونصحت له، وشكرته، وشكرت له، وإما أن يراد ب:
سبّح لله: اكتسب التسبيح لأجل الله، ولوجهه خالصا. انتهى نسفي من سورة (الحديد). هذا؛ وفي الآية الكريمة دليل على عدم ما قاله بعض أهل المعاني والبيان: أن الجمع بين الحاء، والهاء في كلمة واحدة، يخرجها عن فصاحتها، وجعلوا من ذلك قول أبي تمام: [الطويل]
كريم متى أمدحه أمدحه والورى... معي وإذا ما لمته لمته وحدي
ويمكن أن يفرق بين ما أنشدوه، وبين الآية الكريمة بأن التكرار في البيت هو المخرج له عن الفصاحة، بخلاف الآية، فإنه لا تكرار فيها. انتهى جمل نقلا عن السمين. المراد: تكرار الكلمات.
هذا؛ و (البكرة) بمعنى: الغدوة، يقال: بكّر بالتشديد، وابتكر، وأبكر، وباكر، وبكر بالتخفيف: خرج في وقت البكرة. قال زهير في معلقته رقم [١٣]: [الطويل]
بكرن بكورا واستحرن بسحرة... فهنّ ووادي الرّسّ كاليد في الفم
стр. 7041
بمعنى: خرجت النسوة في وقت البكرة. وقيل: بكر بالتخفيف: جاء بكرة، وبكّر بالتشديد؛ فإنه للمبادرة أي وقت كان، ومنه: بكّروا لصلاة المغرب، أي: صلوها عند قرص الشمس.
انتهى. مختار. هذا؛ والبكرة، والغداة، والغدو النصف الأول من النهار. والأصيل، والعشي:
النصف الآخر من النهار، مع اختلاف في تحديد كلّ منهما. والأصيل: الوقت بين العصر، والمغرب على الراجح، ويجمع على آصال، وعلى أصائل، وأصل، وأصلان. وقيل: الآصال جمع: أصل، والأصل جمع: أصيل، ثم أصائل جمع الجمع. قال أبو ذؤيب الهذلي: [الطويل]
لعمري لأنت البيت أكرم أهله... وأجلس في أفيائه بالأصائل
هذا؛ ويطلق الأصيل على الشعاع الممتد من الشمس مثل الحبال، ويشبه لون أشعته في الماء لون الذهب. وأضيف: أن من جمع الأصيل على أصل قول الأعشى في معلقته رقم [١٤]: [البسيط]
يوما بأطيب منها نشر رائحة... ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل
الإعراب: ﴿وَاذْكُرِ:﴾ الواو: حرف عطف. (اذكر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».
﴿اِسْمَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿بُكْرَةً:﴾
ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿وَأَصِيلاً:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَمِنَ:﴾ الواو: حرف عطف.
(من الليل): متعلقان بما بعدهما. ﴿فَاسْجُدْ:﴾ الفاء: صلة لتحسين اللفظ، إلا إذا قدرت فعلا محذوفا قبل (من الليل)، فتكون حرف عطف، والفعلان: المحذوف، والمذكور معطوفان على:
اذكر السابق. (اسجد): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت». ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَسَبِّحْهُ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿لَيْلاً:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله. ﴿طَوِيلاً:﴾ صفة ﴿لَيْلاً﴾.
﴿إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (٢٧)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ﴾ يعني: كفار مكة. ﴿يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ:﴾ الدار العاجلة، وهي الدنيا.
قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [١٨]: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ..﴾. إلخ، وانظر سورة (القيامة) رقم [٢٠]. ﴿وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ:﴾ أمامهم؛ أي: ما يقدمون عليه. ﴿يَوْماً ثَقِيلاً:﴾ شديدا، وهو يوم القيامة، والمعنى: إنهم يتركونه، فلا يؤمنون به، ولا يعملون له. هذا؛ وفي الآية مقابلة لطيفة، حيث قابل بين المحبة، والترك، وبين العاجلة، والباقية. ووصف اليوم بالثقل على المجاز؛ لأنه من صفات الأعيان لا المعاني. والمعنى: ويذرون أمامهم؛ أي: ما يقدمون عليه يوما يجعل الولدان شيبا لشدة أهواله، وما يلقون فيه من المقت، والسخط، والعذاب المعد لهم فيه. وفي الكشاف، والبيضاوي: استعير الثقل لشدته، وهوله، من الشيء
стр. 7042
الثقيل الباهظ لحامله، ونحوه: قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٨٦] في وصف الساعة:
﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً﴾.
والوراء يأتي بمعنى: ما خلف الظهر، ويأتي بمعنى: قدام، وأمام، فهو من الأضداد. قال تعالى في سورة (الكهف) رقم [٧٩]: ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ أي: أمامهم. وقال تعالى شأنه في سورة (المؤمنون) رقم [١٠٠]: ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وقال عبيد بن الأبرص: [الطويل]
أليس ورائي إن تراخت منيتي... أدبّ مع الولدان أزحف كالنّسر
وخذ قول لبيد-﵁، وهو صحابي من بني ربيعة، وهو من المعمرين: [الطويل]
أليس ورائي إن تراخت منيّتي... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع
أخبّر أخبار القرون الّتي مضت... أدبّ كأنّي كلّما قمت راكع
المعنى: أليس أمامي، وقدامي. كما يأتي «وراء» بمعنى: بعد، خذ قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ أي: من بعد إسحاق، الآية رقم [٧١] من سورة (هود) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وقال النابغة الذبياني، من قصيدة يعتذر فيها إلى النعمان بن المنذر. [الطويل]
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة... وليس وراء الله للمرء مذهب
أي: وليس بعد الله ﷻ . وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ أي: من بعده الآية رقم [١٧] من سورة (إبراهيم) على حبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ومن مجيئه بمعنى أمام، وقدام قول سوار بن المضرب السعدي، وكان قد هرب من الحجاج حين فرض البعث مع المهلب بن أبي صفرة لقتال الخوارج: [الطويل]
أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي... وقومي تميم والفلاة ورائيا
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هؤُلاءِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب اسمها، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿يُحِبُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿الْعاجِلَةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية تعليل لما قبلها من النهي، والأمر، لا محل لها.
﴿وَيَذَرُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يذرون): فعل مضارع، وفاعله. ﴿وَراءَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَوْماً:﴾ مفعول به. ﴿ثَقِيلاً:﴾ صفة له، وجملة:
﴿وَيَذَرُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.
стр. 7043
﴿نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً (٢٨)﴾
الشرح: ﴿نَحْنُ خَلَقْناهُمْ:﴾ أوجدناهم من العدم، ولم يكونوا شيئا مذكورا. ﴿وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ:﴾ قوينا خلقهم، وأحكمنا ربط مفاصلهم بالأعصاب، والعروق؛ حتى كانوا أقوياء أشداء. هذا؛ و (الأسر) الربط، والتوثيق، ومنه: أسر الرجل، إذا أوثق بالقدّ، وهو الإسار، وفرس مأسور الخلق؛ أي: قوي الخلق. والمعنى: شددنا توصيل عظامهم، بعضها ببعض، وتوثيق مفاصلهم بالأعصاب. ومثله جارية معصوبة الخلق، ومجدولته، ويقال: أسره الله جل ثناؤه: إذا شدّد خلقه. قال لبيد بن ربيعة الصحابي-﵁: [الرمل]
ساهم الوجه شديد أسره... مشرف الحارك محبوك الكتد
ويروى: «محبوك الكفل» أي: مدمجه، والكفل بفتحتين للدابة، وغيرها: العجز، أو الردف، والجمع: أكفال. وقال الأخطل: [الكامل]
من كلّ مجتنب شديد أسره... سلس القياد تخاله مختالا
مجتنب: مفتعل من الجنيبة، وهي الفرس تقاد، ولا تركب، وكانوا يركبون الإبل، ويجتنبون الخيل، فإذا صاروا إلى الحرب؛ ركبوا الخيل. وقال مجاهد في تفسير الأسر: هو الشرج؛ أي:
إذا خرج البول، والغائط تقبض الموضع، وهو بفتح الهمزة، وبضمها: احتباس البول كالحصر في الغائط. وجميع ما ذكر من المعاني للأسر موجود في القاموس المحيط. وبالجملة فقد خرج الكلام مخرج الامتنان عليهم بالنعم حين قابلوها بالكفر، والفسوق، والفجور، والمعنى: سويت خلقهم، وأحكمته بالقوى، ثم هم يكفرون بي.
﴿وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً:﴾ قال ابن عباس-﵄: يقول الله: لو نشاء؛ لأهلكناهم، وجئنا بأطوع منهم. وعنه أيضا: لغيّرنا محاسنهم إلى أسمج الصور، وأقبحها. روى الأول عنه أبو صالح، والثاني رواه الضحاك عنه. انتهى قرطبي. هذا؛ وزلق الزمخشري حيث قال: وحقه أن يجيء ب: «إن»، لا ب: «إذا»، كقوله تعالى في آخر سورة (محمد ﷺ : ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ وقوله تعالى في سورة (النساء) رقم [١٣٣]: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ،﴾ وفي سورة (الأنعام) رقم [١٣٣]: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ،﴾ وأيضا في سورة (إبراهيم) [١٩] وفي سورة (فاطر):
﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾.
والجواب والرد على الزمخشري الذي زلق: أن «إذا» تستعمل في المحقق، و «إن» تستعمل في المحتمل، ومشيئة الله التبديل لمّا لم تقع؛ كانت غير محققة، فكان المقام ل: (إن)، بخلاف
стр. 7044
ما إذا أراد الله التنفيذ، فتكون مشيئة الله التبديل محققة، فكان المقام ل: (إذا)، وبالجملة فاستعمال (إذا) موضع (إن)، وبالعكس هو من التفنن في الكلام، والتقارض في الألفاظ. ولله في كتابه أسرار وأسرار غابت عن كثير من الناس، ولا سيما الملحدون، والفجار.
الإعراب: ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿خَلَقْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. والتي بعدها معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها، وإعرابها واضح، إن شاء الله تعالى، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): انظر الآية رقم [١٩]. ﴿شِئْنا:﴾ فعل، وفاعل، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿بَدَّلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَمْثَلُهُمْ:﴾ مفعول به أول، والهاء في محل جر بالإضافة، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: بدلنا أمثالهم بدلا منهم، ﴿تَبْدِيلاً:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف، لا محل له على الاعتبارين.
﴿إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (٢٩)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ هذِهِ﴾ أي: السورة، وما ذكر فيها. ﴿تَذْكِرَةٌ:﴾ عظة للخلق؛ لأن في تصفحها تنبيهات للغافلين، وفي تدبرها، وتفهمها فوائد جمة للطالبين السالكين ممن ألقى سمعه، وأحضر قلبه، وكانت نفسه مقبلة على ما ألقى سمعه إليه، وما وعاه قلبه. انتهى جمل نقلا عن الخطيب بتصرف. ﴿فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ..﴾. إلخ أي: اتخذ لنفسه في الدنيا طريقا موصلا إلى طاعة الله، وطلب مرضاته، وذلك بالإقبال عليها، والتقرب إليه، وهذه الآية مما يتمسك بها القدرية، يقولون:
اتخاذ السبيل هو عبارة عن التقرب إلى الله تعالى، وهو إلى اختيار العبد، ومشيئته. قال أهل السنة: ويرد عليهم الآية التالية، وما أحسن ما نقله الجمل عن الخطيب في هذا الصدد حيث قال بعد قوله: ﴿فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ..﴾. إلخ أي: لأنّا بينا الأمور غاية البيان، وكشفنا اللبس، وأزلنا جميع موانع الفهم، فلم يبق مانع من استطراق الطريق غير مشيئة العبد. انتهى. هذا؛ والآية مذكورة بحروفها في سورة (المزمل) برقم [١٩] انظرها؛ ففيها فائدة، وانظر الإعراب هناك؛ فإنه واف كاف، ولا حاجة إلى المزيد عليه.
﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٣٠)﴾
الشرح: ﴿وَما تَشاؤُنَ﴾ أي: الطاعة والاستقامة على الطريق السوي، واتخاذ السبيل المستقيم إلى الله. ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ أي: إلا بمشيئة الله تعالى؛ لأن الأمر إليه، ومشيئة الله مستلزمة لفعل العبد، فجميع ما يصدر عن العبد بمشيئة الله ﷻ ، وتعالى شأنه. ﴿إِنَّ اللهَ﴾
стр. 7045
﴿كانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ أي: عليم بأحوال خلقه، حكيم في تدبيره، وصنعه، عليم بمن يستحق الهداية، فييسرها له، ويقيض له أسبابها، وعليم بمن يستحق الغواية، فيصرفه عن الهدى، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة.
هذا؛ وقد علق أحمد بن المنير الإسكندري المالكي على قول الزمخشري في كشافه. ﴿وَما تَشاؤُنَ:﴾ الطاعة. ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ..﴾. إلخ: يقسرهم عليها بقوله: وهذا من تحريفاته للنصوص، وتسوره على خزائن الكتاب العزيز، كدأب الشطار، واللصوص، فلنقطع يد حجته التي أعدها، وذلك حكم هذه السرقة وحدها، فنقول: الله تعالى نفى، وأثبت على سبيل الحصر، الذي لا حصر، ولا نصر أوضح منه! ألا ترى: أن كلمة التوحيد اقتصر بها على النفي، والإثبات؛ لأن هذا النظم أعلق شيء بالحصر، وأدله عليه، فنفى الله تعالى أن يفعل العبد شيئا فيه اختيار، ومشيئة إلا أن يكون الله تعالى قد شاء ذلك الفعل، فمقتضاه: ما لم يشأ الله وقوعه من العبد، لا يقع من العبد، وما شاء منه وقوعه؛ وقع، وهو رديف: «ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن».
وانظر إدخاله القسر في تعطيل الآية، لا تأويلها كيف ناقض به؟ فإن معنى الآية عنده: أن مشيئة العبد الفعل، لا تكون إلا إذا قسره الله عليها، والقسر مناف للمشيئة، فصار الحاصل: أن مشيئة العبد لا توجد إلا إذا انتفت، فإذا لا مشيئة للعبد ألبتة، ولا اختيار، وما هو إلا فرّ من إثبات قدرة للعبد غير مؤثرة، ومشيئة غير خالفة؛ ليتم له إثبات قدرة، ومشيئة مؤثرين، فوقع في سلب القدرة، والمشيئة أصلا، ورأسا، وحيث لزم الحيد عن الاعتزال انحرف بالكلية إلى الطرف الأقصى متحيزا إلى الجبر، فيا بعد ما توجه بسوء نظره! والله الموفق. انتهى بحروفه.
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿تَشاؤُنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة حصر، أو استثناء. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب.
﴿يَشاءَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والمفعول محذوف، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بإضافته لظرف محذوف، التقدير: إلا وقت مشيئة الله.
قاله أبو البقاء، ونقله الجمل عن السمين. وقال مكي: المصدر المؤول في موضع نصب على الاستثناء، أو في موضع خفض على قول الخليل بإضمار الخافض، وعلى قول غيره هي في موضع نصب؛ إذ قد حذف الخافض.
أقول: وكلامه غير واضح، وشرحه: أن الجار، والمجرور (على تقدير الجار) متعلقان بمحذوف مستثنى من عموم الأحوال، وكذلك الظرف الذي رأيت تقديره على قول أبي البقاء والسمين متعلق بمحذوف حال مستثنى... إلخ. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها.
стр. 7046
﴿كانَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمه مستتر تقديره: «هو». ﴿عَلِيماً:﴾ خبر أول. ﴿حَكِيماً:﴾ خبر ثان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنْ،﴾ والجملة الاسمية تعليلية، أو مستأنفة، لا محل لها.
﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٣١)﴾
الشرح: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ أي: في دينه. وقيل: في جنته، فإن فسرت الرحمة بالدين؛ كان ذلك من الله تعالى، وإن فسرت بالجنة؛ كان دخول الجنة بسبب مشيئة الله ﷻ ، وتعالى شأنه، وفضله، وإحسانه، لا بسبب الاستحقاق، وهو فحوى قول الرسول ﷺ :
«لن يدخل أحدا عمله الجنّة». قالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: «ولا أنا إلاّ أن يتغمدني الله بفضله، ورحمته، فسدّدوا، وقاربوا، ولا يتمنينّ أحدكم الموت، إمّا محسنا؛ فلعلّه أن يزداد، وإمّا مسيئا؛ فلعلّه أن يستعتب». أخرجه البخاري عن أبي هريرة-﵁.
﴿وَالظّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ﴾ أي: هيأ الله للظالمين عذابا أليما؛ لأنهم وضعوا العبادة غير موضعها.
قال النسفي-رحمه الله تعالى-: والآية حجة على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: قد شاء أن يدخل كلا في رحمته؛ لأنه شاء إيمان الكل، ولله أن يدخل من يشاء في رحمته، وهو الذي علم منه أن يختار الهدى.
الإعراب: ﴿يُدْخِلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله، والمفعول محذوف وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها. ﴿فِي رَحْمَتِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يُدْخِلُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من اسم (كان) المستتر، أو في محل نصب خبر ثالث لها، وهي بمعنى المستقبل هنا. ﴿وَالظّالِمِينَ:﴾ مفعول به لفعل محذوف، التقدير: ويعذب الظالمين، وبعضهم يقدر:
(أوعد، وكافأ) ولا ينصبه ما بعده؛ لأنه غير متعد، ولكنه يفسره في المعنى، ومثل هذه الآية قول الربيع بن ضبع الفزاري: [المنسرح]
أصبحت لا أحمل السّلاح ولا... أملك رأس البعير إن نفرا
والذّئب أخشاه إن مررت به... وحدي وأخشى الرّياح والمطرا
التقدير: أخشى الذئب أخشاه. قال الزجاج: والاختيار النصب، وإن جاز الرفع، تقول:
أعطيت زيدا، وعمرا أعددت له برا. فيختار النصب، أي: وبررت عمرا، أو أبر عمرا، وقوله تعالى في سورة (الشورى) رقم [٨]: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ ارتفع (الظالمون)؛ لأنه لم يذكر بعده فعل يقع عليه، فينصب في المعنى، فلم يجز العطف على
стр. 7047
المنصوب قبله، فارتفع بالابتداء، وها هنا قوله: ﴿أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً﴾ يدل على: «ويعذب» فجاز النصب. هذا؛ وقرأ أبان بن عثمان: (والظالمون) رفعا بالابتداء، والخبر ﴿أَعَدَّ لَهُمْ﴾ وعليه فالجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. وأيضا إذا اعتبرتها فعلية على قراءة النصب معطوفة على ما قبلها، واعتبار الجملة على الوجهين في محل نصب حال من فاعل ﴿يُدْخِلُ﴾ و ﴿يَشاءُ﴾ المستتر جيد، ويكون الرابط: الواو، وفاعل ﴿أَعَدَّ﴾ المستتر، وتقدر «قد» قبلها على اعتبارها فعلية. ﴿أَعَدَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو». ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿عَذاباً:﴾ مفعول به. ﴿أَلِيماً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (الظالمون) على رفعه، ومفسرة للجملة المقدرة قبله على نصبه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.
انتهت سورة (الدهر) شرحا، وإعرابا بحمد الله، وتوفيقه.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 7048
سورة المرسلات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة (المرسلات) وهي مكية بالاتفاق، وآياتها خمسون، وكلماتها مئة وثمانون، وحروفها ثمانمئة وستة عشر. وقال ابن مسعود-﵁: نزلت: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً﴾ على النبي ﷺ ليلة الجن، ونحن معه نسير حتى أوينا إلى غار بمنى، فنزلت، فبينما نحن نتلقاها منه، وإن فاه لرطب بها؛ إذ وثبت علينا حية، فقال النبي ﷺ : «اقتلوها». فابتدرناها، فذهبت، فقال النبي ﷺ : «وقيت شرّكم، كما وقيتم شرّها». أخرجه البخاري، ورواه مسلم مع اختلاف في بعض ألفاظه. والغار المذكور مشهور في منى يسمى غار المرسلات.
وعن كريب مولى ابن عباس-﵄-قال: قرأت سورة: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً﴾ فسمعتني أم الفضل امرأة العباس، فبكت. وقالت: والله يا بني لقد أذكرتني بقراءتك هذه السورة؛ إنها لآخر ما سمعته من رسول الله ﷺ يقرأ بها في صلاة المغرب. أخرجاه في الصحيحين من طريق مالك عن الزهري.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (٢) وَالنّاشِراتِ نَشْراً (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً (٤) فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (٥) عُذْراً أَوْ نُذْراً (٦) إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (٧)﴾
الشرح: اختلف المفسرون اختلافا كبيرا في تفسير هذه الآيات الخمس، فبعضهم حملها جميعا على الرياح، وبعضهم حملها جميعا على الملائكة، وبعضهم فصل، وتوقف الإمام ابن جرير، وقد اخترنا ما ذهب إليه ابن كثير، وما رجحه صاحب التسهيل؛ حيث قال: والأظهر في: (المرسلات، والعاصفات): أنها الرياح؛ لأن وصف الريح بالعصف حقيقة، والأظهر في (النّاشرات، والفارقات): أنها الملائكة؛ لأن قوله: ﴿فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً﴾ المذكورة بعدها هي الملائكة. ولم يقل أحد: إنها الرياح، ولذلك عطف المتجانسين بالفاء، فقال: (والمرسلات فالعاصفات) ثم عطف ما ليس من جنسها بالواو، فقال: (والنّاشرات) ثم عطف بالفاء، وهذا قول جيد.
هذا؛ ومعنى ﴿عُرْفاً:﴾ يتبع بعضها بعضا كعرف الفرس، تقول العرب: الناس إلى فلان عرف واحد: إذا توجهوا إليه، فأكثروا. وقيل: (عرفا): كثيرا. والأول أقوى. ﴿فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً﴾
стр. 7049
أي: الرياح الشديدة الهبوب بغير اختلاف قاله المهدوي. وعن ابن مسعود-﵁:
هي الرياح العواصف تأتي بالعصف، وهو ورق الزرع، وحطامه. أقول: ويؤيده قوله تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾. ﴿وَالنّاشِراتِ نَشْراً﴾ (٣): يعني الرياح اللينة. وقال ابن مسعود، ومجاهد: هي الرياح يرسلها الله تعالى بشرا بين يدي رحمته؛ أي: تنشر السحاب للغيث. ويؤيده قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٥٧] وفي سورة (الفرقان) رقم [٤٨]: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾
وما يشبه ذلك في سورة (النمل) رقم [٦٣]، وفي سورة (الروم) رقم [٤٦]: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ..﴾. إلخ. وقيل: المراد الملائكة الموكلون بالسحب ينشرونها، وهو ضعيف، وأضعف منه القول: إنها آيات القرآن تنشر الهداية، والمعرفة في قلوب المؤمنين.
﴿فَالْفارِقاتِ فَرْقاً:﴾ الملائكة تنزل بالفرق بين الحق والباطل. وعن الضحاك عن ابن عباس ﵄: ما تفرقه الملائكة من الأقوات والأرزاق والآجال، وعن مجاهد قال:
(الفارقات) الرياح تفرق بين السحاب، وتبدده. وهو ضعيف. وعن قتادة قال: (الفارقات):
الآيات القرآنية، فرق الله بها بين الحق، والباطل، والحلال، والحرام، والمعتمد الأول بدليل:
﴿فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً﴾ فإنهم الملائكة بالإجماع، أي: يلقون كتب الله إلى الأنبياء، عليهم الصلاة والسّلام.
هذا؛ وقد قيل: ليس المراد من هذه الآيات؛ بل الكلمات الخمس شيئا واحدا بعينه. فعلى هذا يكون المراد بقوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (٢) وَالنّاشِراتِ نَشْراً﴾ الرياح، ويكون المراد بقوله: ﴿فَالْفارِقاتِ فَرْقاً (٤) فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً:﴾ الملائكة. بعد هذا ينبغي أن تعرف حكم الفاء إذا جاءت عاطفة في الصفات، كما في هذه الآيات هنا، وفي أوائل (الصافات)، وأوائل (النازعات) وخذ قول ابن زيابة، -وهو الشاهد رقم [٢٩٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [السريع]
يا لهف زيّابة للحارث الصّا... بح فالغانم فالآيب
قيل: إما أن تدل هذه الصفات على ترتيب معانيها في الوجود، كما في هذا البيت، كأنه قال: الذي صبّح، فغنم، فآب. وإما أن تدل على ترتيب موصوفاتها في ذلك، كقول النبي ﷺ :
«رحم الله المحلّقين فالمقصّرين». وإما على ترتيبها في التفاوت من بعض الوجوه، كقولك: خذ الأفضل، فالأكمل، واعمل الأحسن، فالأجمل. انتهى كشاف، وقرطبي بتصرف.
قال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: وما المجانسة بين الرياح، والملائكة حتى جمع بينهما في القسم؟ قلت: الملائكة روحانيون، فهم بسبب لطافتهم، وسرعة حركاتهم شابهوا الرياح، فحصلت المجانسة بينهما من هذا الوجه، فحسن الجمع بينهما في القسم.
стр. 7050
هذا؛ وذكرت لك في مناسبات كثيرة عن عبد الله بن عمر-﵄-أنه قال: (إنّ الرّياح ثمان: أربع منها عذاب، وهي القاصف والعاصف، والصّرصر والعقيم، وأربع منها رحمة، وهي النّاشرات والمبشّرات والمرسلات والذّاريات). هذا؛ وإنما أقسم الله تعالى بالمرسلات وبما بعده، ومثل هذا كثير في أوائل السور، وأثنائها. قال الشعبي-رحمه الله تعالى-: الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا ينبغي له أن يقسم إلا بالخالق. وقال أبو حيان-رحمه الله تعالى-:
أقسم الله بهذه الأشياء تشريفا لها، وتنبيها على ما يظهر من عجائب الله، وقدرته، وقوام الوجود بإيجادها. وقيل: فيه مضمر، تقديره: ورب المرسلات... إلخ.
﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾ أي: الملائكة ألقت ذكرا على الرسل بسبب الوحي؛ إما عذرا للذين يعتذرون إلى الله بتوبتهم، واستغفارهم إذا رأوا نعمة الله في الغيث، ونحوه، فيشكرونها. وإما إنذارا للذين لا يشكرون الله، وينسبون ذلك إلى الأنواء، وغيرها من الأسباب. وقيل: ﴿أَوْ﴾ هنا بمعنى الواو، فتكون الملائكة قد ألقت الذكر للإعذار، والإنذار معا.
﴿إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ:﴾ هذا هو جواب القسم، أي: إن ما وعدتم به من قيام الساعة، والنفخ في الصور، وبعث الأجساد، وجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ومجازاة كل واحد بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، إن هذا كله لواقع؛ أي: لكائن، لا محالة، فلا مجال للشك والافتراء. هذا؛ وجواب القسم المتكرر في أول سورة (الذاريات) قوله تعالى: ﴿إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ وهو يشبه الجواب هنا، ولا تنس الطباق بين ﴿عُذْراً﴾ و ﴿نُذْراً﴾.
الإعراب: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ:﴾ الواو: حرف قسم وجر. (المرسلات): مقسم به مجرور، أو المقسم به محذوف كما رأيت تقديره في الشرح، وهو صفة لموصوف محذوف، التقدير: ورب الرياح المرسلات، ونائب فاعله مستتر يعود إلى الرياح، والجار، والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم، أو أحلف. ﴿عُرْفاً:﴾ حال من الضمير المستكن في (المرسلات)، والمعنى على التشبيه؛ أي: حال كونها عرفا؛ أي: شبيهة بعرف الفرس؛ من حيث تتابعها، وتلاحقها. وقال الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي: و ﴿عُرْفاً﴾ نقيض النكر، وانتصابه على العلة (مفعول لأجله) أي: أرسلن للإحسان، والمعروف. أو بمعنى المتتابعة من عرف الفرس، وانتصابه على الحال. وعلى تفسير المرسلات بالملائكة، فهو منصوب على نزع الخافض، التقدير: والمرسلات بالعرف. قاله أبو البقاء، ومكي. ﴿فَالْعاصِفاتِ:﴾ الفاء: حرف عطف.
(العاصفات): معطوف على (المرسلات). ﴿عَصْفاً:﴾ مفعول مطلق مؤكد لعامله، وهو (العاصفات). ﴿وَالنّاشِراتِ نَشْراً (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً﴾ هذه الكلمات معطوفة على ما قبلها، وهي مثلها بلا فارق. هذا؛ وقال القرطبي: (والناشرات) بالواو؛ لأنه استئناف قسم آخر. ولا وجه له؛ لأن الجواب الآتي لجميع المتعاطفات بالواو، أو بالفاء. ﴿فَالْمُلْقِياتِ:﴾ معطوف على ما قبله، وفاعل الجميع مستتر تقديره: «هي». ﴿ذِكْراً:﴾ مفعول به لما قبله بلا شك.
стр. 7051
﴿عُذْراً:﴾ مفعول لأجله؛ إذ المعنى الملقيات ذكرا للإعذار، والإنذار. أو هما حال، التقدير:
يلقون الذكر في حال الإعذار، والإنذار؛ أي: معذرين، ومنذرين. وأجاز أبو البقاء اعتبارهما بدلا من ﴿ذِكْراً﴾ وهو قول للزمخشري ومن تبعه، كما أجاز أبو البقاء اعتبارهما مفعولين ل: ﴿ذِكْراً﴾.
﴿إِنَّما:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم (إنّ). ﴿تُوعَدُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، ونائب الفاعل الواو، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني وهو العائد محذوف؛ إذ التقدير: إن الذي توعدونه. ﴿لَواقِعٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (واقع): خبر (إنّ)، والجملة الاسمية جواب للقسم الأول، وما عطف عليه، وانظر ما ذكرته في أول النازعات بشأن الجواب للجميع، فإنه جيد. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) مصدرية، فتؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب اسم (إنّ) التقدير: إن وعد الله لواقع.
﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾
الشرح: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ:﴾ ذهب ضوءها ومحي نورها، أو محقت ذواتها، فهو كقوله تعالى في سورة (التكوير): ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ،﴾ وفي سورة (الانفطار): ﴿وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾.
﴿وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ:﴾ فتحت، وشقت، مثل قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ،﴾ و ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ وقوله تعالى في سورة (النبأ): ﴿وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً﴾. ﴿وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ:﴾ قلعت من أماكنها، وهو مثل قوله تعالى في سورة (طه) رقم [١٠٥]: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً﴾ والنسف: الأخذ بسرعة، مثل الخطف، يقال: نسفت الشيء، وأنسفته: إذا أخذته كله بسرعة، ونحوه قوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا،﴾ وقوله تعالى في سورة (المزمل) الآية [١٤]: ﴿وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً﴾ ومثل ذلك في المعنى كثير.
﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ أي: جمعت لوقتها ليوم القيامة. وقال مجاهد والزجاج: المراد بهذا التأقيت تبيين الوقت، الذي فيه يحضرون للشهادة على أممهم، والوقت: الأجل الذي يكون عنده الشيء المؤخر إليه، والمعنى الإجمالي: جمعت لميقات يوم معلوم، وهو يوم القيامة؛ ليشهدوا على الأمم، ونحوه قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [١٠٩]: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ..﴾.
إلخ. هذا؛ وقرئ: «(وقّتت)» والمعنى واحد، وإبدال الهمزة واوا كثير ومستعمل مثل: (وجوه وأجوه) ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ أي: أخرت، وهذا تعظيم لذلك اليوم، فهو استفهام على التعظيم، والمعنى: جمعت الرسل في ذلك اليوم، لتعذيب من كذبهم، وتعظيم من آمن بهم. ثم بين ذلك اليوم، فقال تعالى: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾ قال ابن عباس-﵄: يوم يفصل الرحمن فيه بين الخلائق بأعمالهم إلى الجنة، أو إلى النار.
стр. 7052
﴿وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ:﴾ هذا استفهام للتعظيم والتهويل؛ أي: وما أعلمك أيها الإنسان بيوم الفصل وشدته وهوله؟ فإن ذلك اليوم أعظم من أن يعرف أمره إنسان، أو يحيط به عقل، أو وجدان. قال الإمام فخر الرازي: عجب العباد من تعظيم ذلك اليوم، فقال: لأي يوم أجلت الأمور المتعلقة بهؤلاء الرسل، وهي تعذيب من كذبهم، وتعظيم من آمن بهم، وظهور ما كانوا يدعون الخلق إلى الإيمان به، من الأهوال والعرض والحساب.
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: هلاك كبير، وخسار عظيم في ذلك اليوم لأولئك المكذبين بهذا اليوم الموعود. قال المفسرون: كرر هذه الجملة في هذه السورة عشر مرات لمزيد الترغيب والترهيب، وفي كل جملة وردت إخبار عن أشياء عن أحوال الآخرة، وتذكير بأحوال الدنيا، فناسب أن يذكر الوعيد عقيب كل جملة منها بالويل والدمار للكفرة الفجار، ولما ذكر الله جلت قدرته في سورة (الدهر) السابقة بعضا من أحوال الكفار في الآخرة، وأطنب في وصف أحوال المؤمنين هناك، جاء في هذه السورة بالإطناب في وصف الكفار، والإيجاز في وصف المؤمنين.
هذا؛ وفائدة التكرار لقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ في هذه السورة أن يجدد الكفار والفجار عند سماع كل نبأ اتعاظا، وخوفا من عقاب الله لهم في الآخرة، إن هم أصروا على تكذيبهم، ومثله التكرير لقوله تعالى في سورة (القمر): ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ وأيضا التكرير لقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ في سورة (الرحمن).
هذا؛ و ﴿وَيْلٌ﴾ كلمة تقولها العرب لكل من وقع في هلكة، وأصلها في اللغة: العذاب، والهلاك. وقال ابن عباس-﵄: الويل: شدة العذاب، يقال: ويله وويلك وويلي، وفي الندبة: ويلاه! وتقول: ويل لزيد، وويلا لعمرو، فالرفع على الابتداء، والنصب على إضمار الفعل، هذا إذا لم تضفه، وأما إذا أضفته؛ فليس إلا النصب؛ لأنك لو رفعته لم يكن له خبر بخلافه في قول الأعشى وهو البيت رقم [٢١] من معلقته: [البسيط]
قالت هريرة لمّا جئت زائرها... ويلي عليك وويلي منك يا رجل
وقال عطاء بن يسار-رحمه الله تعالى-: الويل واد في جهنم لو أرسالات فيه الجبال؛ لماعت من شدة حره. انتهى. مختار الصحاح. وعن أبي سعيد الخدري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «الويل واد في جهنّم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره». أخرجه الترمذي. هذا؛ والويل مصدر لم يستعمل منه فعل؛ لأن فاءه، وعينه معتلتان، ومثله: ويح، وويس، وويب، وهو لا يثنى، ولا يجمع. وقيل يجمع على: ويلات بدليل قول امرئ القيس في معلقته رقم [١٨]: [الطويل]
ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة... فقالت: لك الويلات إنّك مرجلي
стр. 7053
وإذا أضيفت هذه الأسماء؛ فالأحسن النصب على المفعولية المطلقة، وإذا لم تضف؛ فالواجب فيها الرفع على الابتداء، وهي نكرات، وساغ ذلك لتضمنها معنى خاصا. هذا؛ وويل: نقيض وأل، وهو النجاة. وقد ينادى الويل إذا أضيف لياء المتكلم، أو نا، وسبقته أداة النداء، مثل قوله تعالى في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، حكاية عن قول سارة زوج إبراهيم على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ رقم [٧٢]، وقوله تعالى في سورة (الكهف) حكاية عن قول الكافرين يوم القيامة: ﴿يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾ رقم [٤٩]. ولا تنس أنه قد أنث (الويل) في الآيتين المذكورتين، وأيضا في الآية رقم [٣١] من سورة (المائدة)، ورقم [٢٨] من سورة (الفرقان) والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿فَإِذَا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿النُّجُومُ:﴾
فاعل لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده عند البصريين ما عدا الأخفش منهم، وللكوفيين في هذه الآية وشبهها ثلاثة أقوال: الأول: وافقوا فيه البصريين. والثاني: هو فاعل مقدم للفعل بعده؛ إذ يجوز عندهم أن يتقدم الفاعل على الفعل كما يتأخر عنه. والقول الثالث لهم: هو مبتدأ، والجملة الفعلية بعده خبره، انظر الكلام على الشاهد رقم [٩٩٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ففيه بحث واف كاف، والجملة الفعلية على قول البصريين في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح، وجواب (إذا) محذوف، التقدير: فإذا طمست النجوم؛ وقع ما توعدون، لدلالة قوله تعالى: ﴿إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ عليه. وقيل: هو قوله تعالى: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ على إضمار القول؛ أي: يقال: لأي يوم أجلت، فالفعل في الحقيقة هو الجواب. وقيل:
الجواب هو ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ نقله مكي، وهو غلط؛ لأنه لو كان جوابا؛ للزمته الفاء لكونه جملة اسمية. انتهى جمل نقلا عن السمين. ﴿طُمِسَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿النُّجُومُ،﴾ والجملة الفعلية مفسرة لشرط (إذا) عند البصريين، وهي في محل رفع خبر المبتدأ عند الكوفيين، والجمل: ﴿وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ كلها معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها؛ لأن الأولى مستأنفة.
﴿لِأَيِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، و (أي): مضاف، و ﴿يَوْمٍ﴾ مضاف إليه.
﴿أُجِّلَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿الرُّسُلُ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: يقال: لأي يوم أجلت، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي جواب ل: (إذا) كما رأيت سابقا. ﴿لِيَوْمِ:﴾ جار ومجرور بدل من قوله: ﴿لِأَيِّ﴾ بإعادة العامل. وقيل: بل متعلقان بفعل محذوف، التقدير: أجلت ليوم، و (يوم) مضاف، و ﴿الْفَصْلِ﴾ مضاف إليه.
стр. 7054
﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. وقيل: حرف عطف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَدْراكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (ما) تقديره: «هو»، والكاف مفعول به أول. ﴿ما:﴾ مبتدأ. ﴿يَوْمُ:﴾ خبره، و (يوم) مضاف، و ﴿الْفَصْلِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعول ﴿أَدْراكَ﴾ الثاني المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. وقال زاده: في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني والثالث ل: (أدرى) لأنه بمعنى: أعلم، والجملة الفعلية: ﴿أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، الذي هو (ما) على الوجهين، والجملة الاسمية، لا محل لها على الوجهين المعتبرين بالواو. ﴿وَيْلٌ:﴾ مبتدأ. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ (يوم): ظرف زمان متعلق ب: ﴿وَيْلٌ﴾ لما فيه من معنى الهلاك، و (إذ) ظرف مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض من جملة محذوفة مضافة إذ إليها. ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ مستأنفة على المعتمد لا محل لها.
﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩)﴾
الشرح: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: ألم نهلك السابقين من لدن آدم إلى عهد محمد ﷺ كقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح... إلخ، بتكذيبهم؟! ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾ أي: السالكين سبيلهم في الكفر، والتكذيب، وهم كفار قريش؛ أي: نهلكهم بتكذيبهم محمد ﷺ ، وصدهم الناس عن الدخول في دين الله. ﴿كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ أي: نهلك جميع المجرمين في كل وقت وحين.
وهذا وعد من العلي القدير. هذا؛ وقيل: المراد ب: ﴿الْآخِرِينَ﴾ قوم لوط، وشعيب، وموسى.
ولا أراه قويا، وإنما أعتمد الأول. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ:﴾ انظر التكرار في الآية السابقة. وقال البيضاوي: فليس تكرارا، وكذا إن أطلق التكذيب، أو علق في الموضعين بواحد؛ لأن الويل الأول لعذاب الآخرة، وهذا للإهلاك في الدنيا مع أن التكرير للتوكيد حسن شائع في كلام العرب. هذا؛ ولا تنس الطباق بين ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ و ﴿الْآخِرِينَ﴾.
الإعراب: ﴿أَلَمْ﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.
﴿نُهْلِكِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الفعلية مستأنفة.
﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿نُتْبِعُهُمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن» والهاء مفعول به أول. ﴿الْآخِرِينَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة؛ لأن هلاك الآخرين لم يقع بعد.
стр. 7055
﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر، و (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار، والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: نفعل بالمجرمين فعلا كائنا مثل فعلنا بالأولين، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿نَفْعَلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: «نحن». ﴿بِالْمُجْرِمِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.
﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤)﴾
الشرح: هذا نوع آخر من تخويف الكفار، وهو من وجهين: الأول: أنه تعالى ذكرهم عظيم إنعامه عليهم، وكل من كانت نعمه تعالى عليه أكثر؛ كانت خيانته في حقه تعالى أقبح، وأفحش. الثاني: أنه تعالى ذكرهم: أنه قادر على الابتداء، والقادر على الابتداء؛ قادر على الإعادة. فلما أنكروا هذه الدلالة الظاهرة؛ لا جرم قال تعالى في حقهم: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ،﴾ ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة (السجدة): ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾. انتهى جمل نقلا من الخطيب.
والمعنى: ألم نخلقكم يا معشر الكفار من ماء مهين ضعيف حقير، هو مني الرجل؟! وفي الحديث القدسي، يقول الله : «ابن آدم أنّى تعجزني، وقد خلقتك من مثل هذه؟!». فقد روي: أن رسول الله ﷺ بصق يوما في كفه، فوضع عليها أصبعه، ثم قال: «يقول الله :
ابن آدم أنّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه؟! حتى إذا سوّيتك، وعدّلتك مشيت بين برديك، وللأرض منك وئيد، فجمعت، ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي؛ قلت: أتصدّق، وأنّى أوان الصّدقة؟!». أخرجه الإمام أحمد، وابن ماجه.
﴿فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ أي: فجعلنا الماء المهين في مكان حريز، وهو الرحم. سمي مكينا؛ لاستقرار النطفة فيه إلى وقت الولادة يحفظ فيه المني من الآفات المفسدة له كالهواء، ونحوه.
﴿إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ:﴾ إلى مقدار معلوم من الوقت قدره الله تعالى للولادة، لا يعلم ذلك غيره.
﴿فَقَدَرْنا:﴾ على ذلك، أو فقدّرناه من التقدير؛ أي: قدرنا ذلك تقديرا. ﴿فَنِعْمَ الْقادِرُونَ:﴾ نحن على ذلك حيث خلقناه في أحسن صورة وهيئة!.
هذا؛ و (نعم) فعل ماض جامد لإنشاء المدح، وضدها: «بئس» لإنشاء الذم. قال في المختار: نعم منقول من «نعم فلان» بفتح النون وكسر العين: إذا أصابته النعمة، و «بئس» منقول من «بئس فلان» بفتح الباء وكسر الهمزة: إذا أصابه بؤس، فنقلا إلى المدح، والذم، فشابها
стр. 7056
الحروف، فلم يتصرفا، وفيهما أربع لغات: نعم، وبئس بكسر فسكون، وهي أفصحن، وهي لغة القرآن، ثم: نعم، وبئس بكسر أولهما، وثانيهما، غير أن الغالب في نعم أن يجيء بعدها (ما) كقوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٥٨]: ﴿إِنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ،﴾ وقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٧١]: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾. وبئس جاءت بعدها (ما) على اللغة الفصحى، كقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٩٠]: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ وقد تكرر هذا التركيب في القرآن كثيرا. واللغة الثالثة: نعم وبئس بفتح فسكون، والرابعة نعم وبئس بفتح فكسر، وهي الأصل فيهما.
ولا بد لهما من شيئين: فاعل، ومخصوص بالمدح، أو الذم، ويشترط في الفاعل أن يكون مقرونا ب: «أل»، كما في قوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ،﴾ أو مضافا لمقترن بها، كما في قوله تعالى:
﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ والقول بفعليتهما إنما هو قول البصريين، والكسائي بدليل دخول تاء التأنيث عليهما في قول الرسول ﷺ : «من توضّأ يوم الجمعة؛ فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل». وقال الكوفيون إلا الكسائي: هما اسمان بدليل دخول حرف الجر عليهما في قول أعرابي. وقد أخبر بأن امرأته ولدت بنتا له: «والله ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرّها سرقة». وقول غيره: «نعم السّير على بئس العير». وأوله البصريون على حذف كلام مقدر؛ إذ التقدير: والله ما هي بولد مقول فيه: نعم الولد! ونعم السير على عير مقول فيه: بئس العير! والمعتمد في ذلك قول البصريين، ويلزم الكوفيين جر الولد، والعير بسبب الإضافة. والرواية بالرفع لا غير.
الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقدير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.
﴿نَخْلُقْكُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ ماءٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مَهِينٍ:﴾
صفة ﴿ماءٍ﴾. ﴿فَجَعَلْناهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (جعلناه): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فِي قَرارٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل المفعول الثاني له. ﴿مَكِينٍ:﴾ صفة (قرار). ﴿إِلى قَدَرٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب؛ أي: مؤخرا إلى ﴿قَدَرٍ﴾. ﴿مَعْلُومٍ:﴾ صفة ﴿قَدَرٍ﴾. ﴿فَقَدَرْنا:﴾
الفاء: حرف عطف. (قدرنا): فعل، وفاعل، ومفعوله محذوف. التقدير: قدرنا ذلك تقديرا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿فَنِعْمَ:﴾ الفاء: حرف عطف.
(نعم): فعل ماض لإنشاء المدح. ﴿الْقادِرُونَ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، والمخصوص بالمدح محذوف، التقدير: الممدوحون: نحن، والكلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله.
стр. 7057
﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)﴾
الشرح: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً﴾ أي: ضامة، تضم الأحياء على ظهرها، والأموات في بطنها. وهذا يدل على وجوب مواراة الميت ودفنه، ودفن شعره، وسائر ما يزيله عنه. قال الرسول ﷺ : «قصّوا أظافركم، وادفنوا قلاماتكم». قال المفسرون: الكفت: الجمع، والضم، فالأرض تجمع، وتضم إليها جميع البشر، فهي كالأم لهم، الأحياء يسكنون فوق ظهرها في المنازل، والدور، والأموات يسكنون في بطنها في القبور. قال تعالى في سورة (طه) رقم [٥٥]:
﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى﴾. وخذ قول الشاعر: [الوافر]
فأنت اليوم فوق الأرض حيّا... وأنت غدا تضمّك في كفات
هذا؛ وقد قال الزمخشري هناك: عدد الله على الخلق ما علق بالأرض من مرافقهم، حيث جعلها لهم فراشا، ومهادا يتقلبون عليها، وسوى لهم فيها مسالك يترددون فيها كيف شاؤوا، وأنبت لهم فيها أصناف النبات؛ التي منها أقواتهم، وعلوفات بهائمهم، وهي أصلهم الذي تفرعوا منه، وأمهم التي ولدوا منها، ثم هي كفاتهم؛ إذا ماتوا، ومن ثم قال رسول الله ﷺ :
«تمسّحوا بالأرض فإنّها بكم برّة». انتهى. هذا؛ وخذ ما رواه ربيعة الجرشي-﵁ عن النبي ﷺ قال: «استقيموا ونعمّا إن استقمتم، وحافظوا على الوضوء فإن خير أعمالكم الصلاة، وتحفّظوا من الأرض؛ فإنها أمّكم، وإنه ليس أحد عامل عليها خيرا، أو شرّا إلاّ وهي مخبرة به». رواه الطبراني.
هذا؛ وقد ورد بأن الأرض تضم كل إنسان يدفن فيها بعد موته؛ لأنها أمه، والأم من بني آدم تضم ولدها إذا كان غائبا، وحضر، ولكن ضمة الأرض للعبد المؤمن، والأمة المؤمنة ضمة عطف، ولطف، وشفقة، وحنان، وضمها للكافر، والفاجر، والفاسق، والأمة من ذلك ضمة غضب، وسخط، وقسوة، وإزعاج. اللهم وفقنا للعمل بكتابك، وللاهتداء بهدي نبيك محمد ﷺ !
﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ أي: جعلنا في الأرض جبالا راسخات، عاليات مرتفعات لئلا تضطرب بكم، ومنه شمخ بأنفه إذا رفعه كبرا. قال تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٣١]: ﴿وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ ومثلها في (النحل) رقم [١٥]، ومثلها في سورة (الرعد) رقم [٣]. وقال تعالى في سورة (فصلت) رقم [١٠]: ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها﴾ انظر شرحها هناك فإنه جيد جدا جدا والحمد لله.
هذا؛ وقد قال الصابوني في كتابه: «صفوة التفاسير»: لقد كشف القرآن عن حكمة وجود الجبال فوق الأرض قبل أن يكتشفها العلم الحديث، فالجبال كالأوتاد للأرض تثبتها، وتقيها
стр. 7058
الاضطراب والميدان، كما تقي أوتاد الخيمة الخيمة، وقد كشف الوحي عن هذا المعنى، فقال في سورة (النحل) رقم [١٥]: ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ ولولا هذه الجبال الشاهقة؛ لكانت الأرض بما في جوفها من الغازات، والأبخرة، والمواد المتراكمة المشتعلة دائمة الاضطراب، والخفقان، ولكانت كالريشة في مهب الهواء. فسبحان الحكيم العليم! على أن في خلق الجبال الشوامخ نعمة أخرى هي: نشوء السحب فوقها، وهطول الأمطار والثلوج عليها، فتتكون بسبب ذلك الأنهار، والعيون، وثم تكثر الأشجار، والزروع. فالجبال مخازن للثلوج، والأمطار، ومستودعات عامة لبركات السماء، ولهذا قرن تعالى بها نعمة الماء، فقال:
﴿وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً﴾ فلله ما أبدع أسرار القرآن. انتهى.
هذا؛ و (الفرات) الماء العذب، يشرب منه، ويسقى الزرع. وفي القاموس: فرت الماء، ككرم فروتة عذب. قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٥٣]: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ وقال يزيد بن الصعق-وهو الشاهد رقم [٣٥١] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الوافر]
فساغ لي الشّراب وكنت قبلا... أكاد أغصّ بالماء الفرات
الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.
﴿نَجْعَلِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به أول. ﴿كِفاتاً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَحْياءً وَأَمْواتاً:﴾ حالان عاملهما، وصاحبهما، مضمون الجملة السابقة، التقدير: تضمهم، وتجمعهم الأرض في هاتين الحالتين. وقيل: هما مفعولان ل: ﴿كِفاتاً؛﴾ لأنه مصدر: كفت، يكفت. وقيل: بل هو جمع:
كافت، كصيام، وقيام في جمع: صائم، وقائم. ﴿وَجَعَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل المفعول الثاني، تقدم على الأول. ﴿رَواسِيَ:﴾ مفعول به، وهو صفة لموصول محذوف. ﴿شامِخاتٍ:﴾ صفة ثانية للموصوف المحذوف، وإن اعتبرته حالا منه بعد وصفه ب: ﴿رَواسِيَ﴾ فلست مفندا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَأَسْقَيْناكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أسقيناكم): فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿ماءً:﴾ مفعول به ثان. ﴿فُراتاً:﴾ صفة ﴿ماءً،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة برقم [١٥].
﴿اِنْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) اِنْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤)﴾
الشرح: ﴿اِنْطَلِقُوا إِلى..﴾. إلخ: أي: يقال للكفار: اذهبوا إلى ما كنتم به تكذبون من
стр. 7059
العذاب؛ يعني: النار فقد شاهدتموها عيانا. ﴿اِنْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ﴾ أي: دخان، سماه الله ظلا تهكما، واستهزاء بالمكذبين. ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ أي: الدخان الذي يرتفع من نار جهنم يتشعب إلى ثلاث شعب، وهذا شأن الدخان العظيم في الدنيا، إذا ارتفع تشعب. وقيل: يخرج لسان من النار، فيحيط بالكفار كالسرداق، ويتشعب من دخانها ثلاث شعب. فتظلهم؛ حتى يفرغ من حسابهم، والمؤمنون في ظل العرش، ولا سيما المذكورون في قول النبي ﷺ : «سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه: الإمام العادل، وشابّ نشأ في عبادة ربّه ، ورجل قلبه معلّق في المساجد. ورجلان تحابّا في الله، اجتمعا على ذلك، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه». أخرجه البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة-﵁.
﴿لا ظَلِيلٍ﴾ أي: ليس هو كالظل الذي يقي حر الشمس. فهو تهكم بهم، وتعريض بأن ظلهم غير ظل المؤمنين. ﴿وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ بمعنى: لا يدفع عنهم من لهب جهنم شيئا، واللهب: ما يعلو على النار إذا اضطرمت من أحمر، وأصفر، وأخضر. قيل: يتفرق الدخان المذكور ثلاث شعب: شعبة تقف فوق الكافر، وشعبة عن يمينه، وشعبة عن يساره.
﴿إِنَّها:﴾ الضمير يعود إلى جهنم؛ لأنها مفهوم من سياق الكلام. ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ:﴾ جمع شررة، مثل: رقبة، ورقاب، ورحبة، ورحاب. ﴿كَالْقَصْرِ﴾ أي: كل شررة من نار جهنم كالقصر العظيم من القصور في عظمها. وقيل: هو الغليظ من الشجر الواحدة: قصرة، مثل: جمرة، وجمر، وقرئ بفتحتين، وهي أعناق الإبل، أو أعناق النخل، مثل شجرة وشجر. ﴿كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ جمع: جمل، وتجمع «الجمالة» جمع الجمع على: جمالات. هذا؛ وقيل: القصر:
الجبل العظيم، فشبه الله الشرر بالقصر في مقاديره، ثم شبهه في لونه بالجمالات الصفر، وهي الإبل السود، والعرب تسمي السود من الإبل: صفرا. قال الأعشى: [الخفيف]
تلك خيلي منه وتلك ركابي... هنّ صفر أولادها كالزّبيب
أي: هن سود، وإنما سميت السود من الإبل صفرا؛ لأنه يشوب سوادها شيء من صفرة، كما قيل لبيض الظباء: الأدم؛ لأن بياضها تعلوه كدرة، والشرر إذا تطاير، وسقط؛ وفيه بقية من لون النار أشبه الإبل السود؛ لما يشوبها من صفرة. وفي شعر عمران بن حطان الخارجي: [الطويل]
دعتهم بأعلى صوتها ورمتهم... بمثل الجمال الصّفر نزّاعة الشّوى
هذا ففي قوله تعالى: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ تشبيه مرسل مجمل. وفي قوله جل ذكره:
﴿كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ تشبيه مرسل مفصل. هذا؛ وقال أبو العلاء: [الكامل]
حمراء ساطعة الذّوائب في الدّجى... ترمي بكلّ شرارة كطراف
стр. 7060
فشبهها بالطراف، وهو بيت الأدم في العظم، والحمرة، وكأنه قصد بخبثه أن يزيد على تشبيه القرآن ولتبجحه بما سول له من توهم الزيادة جاء في صدر بيته بقوله: «حمراء» توطئة لها، ومناداة عليها، وتنبيها للسامعين على مكانها، ولقد عمي-جمع الله عليه عمى الدارين-عن قوله : ﴿كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ فإنه بمنزلة قوله (كبيت أحمر) وعلى أن التشبيه بالقصر، وهو الحصن تشبيه من جهتين، من جهة العظم، ومن جهة الطول في الهواء، وفي التشبيه بالجمالات، وهي القلوص بل القلص تشبيه من ثلاث جهات: من جهة العظم، والطول، والصفرة، فأبعد الله إغرابه في أطرافه، وما نفخ شدقيه من استطرافه. انتهى. كشاف من بيت المعري إلى هنا. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿اِنْطَلِقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.
﴿إِلى ما:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، والقائل لهم الملائكة، و ﴿ما﴾ موصولة مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿إِلى﴾. ﴿كُنْتُمْ:﴾
فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، وجملة: «تكذبون به» المقدرة في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿اِنْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ﴾ تأكيد لسابقتها، أو هي بدل منها. ﴿ذِي:﴾ صفة ﴿ظِلٍّ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذِي﴾ مضاف، و ﴿ثَلاثِ﴾ مضاف إليه، و ﴿ثَلاثِ﴾ مضاف، و ﴿شُعَبٍ﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿ظَلِيلٍ:﴾ صفة ثانية ل: ﴿ظِلٍّ﴾ وتوسطت ﴿لا﴾ بين الصفة والموصوف، كما في قوله تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ رقم [٣٥] من سورة (النور)، وأيضا قوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ وقبله بآيات: ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يُغْنِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿ظِلٍّ﴾. ﴿مِنَ اللَّهَبِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثالثة لظل، وهي صفة منفية أيضا، وجيء بالصفة الأولى اسما، وبالثانية فعلا دلالة على نفي ثبوت هذه الصفة، ونفي التجدد، والحدوث للإغناء عن اللهب. انتهى جمل نقلا عن السمين.
هذا؛ وأرى جواز اعتبار الجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿ظِلٍّ؛﴾ لأنه وصف بصفتين قبلها، والنكرة إذا وصافات تخصصت، فتأتي الحال منها بلا ضعف. قال ابن مالك -رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]
ولم ينكّر غالبا ذو الحال إن... لم يتأخّر أو يخصّص أو يبن
﴿إِنَّها:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (ها): اسمها. ﴿تَرْمِي:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى جهنم المفهومة من سياق الكلام، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)،
стр. 7061
والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِشَرَرٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿كَالْقَصْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (شرر). هذا؛ وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى مثل، فهي الصفة، وتكون مضافة، و (القصر) مضاف إليه. ﴿كَأَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿جِمالَتٌ:﴾ خبرها.
﴿صُفْرٌ:﴾ صفة ﴿جِمالَتٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل جر صفة ثانية ل: (شرر)، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم على مثال ما تقدم. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ انظر إعرابها ومحلها في الآية رقم [١٥].
﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧)﴾
الشرح: ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ:﴾ يعني بحجة تنفعهم. قيل: هذا في بعض مواطن القيامة، ومواقفها، وذلك؛ لأن في بعضها يتكلمون، وفي بعضها يختصمون، وفي بعضها يختم على أفواههم، فلا ينطقون. وهذا مروي مثله عن ابن عباس-﵄. ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ:﴾ انظر سورة (غافر) رقم [٥٢].
والمعنى: لا يكون لهم إذن، واعتذار. قال الجنيد-رحمه الله تعالى-: أي: عذر لمن أعرض عن منعمه، وجحده، وكفر أياديه، ونعمه؟! فإن قلت: قد توهم أن لهم عذرا، ولكن قد منعوا من ذكره؛ قلت: ليس لهم عذر في الحقيقة؛ لأنه قد تقدم الإعذار، والإنذار في الدنيا، فلم يبق لهم عذر في الآخرة، ولكن ربما تخيلوا خيالا فاسدا: أن لهم عذرا، فلم يؤذن لهم في ذلك العذر الفاسد. انتهى. خازن.
وقال أيضا: عطف ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾ على ما قبله، واختير ذلك؛ لأن رؤوس الآي بالنون، فلو قال: فيعتذروا لم يوافق الآيات. والعرب تستحب وفاق الفواصل، كما تستحب وفاق القوافي، والقرآن نزل على ما تستحب العرب من موافقة المقاطع، والمعنى لا يكون إذن، واعتذار. انتهى.
هذا؛ وقال الجلال: عطف على (يؤذن) من غير تسبب عنه، فهو داخل في حيز النفي؛ أي:
لا إذن، فلا اعتذار. قال الجمل: ما قاله جواب عما يقال: إن العطف بالفاء، أو بالواو على المنفي يقتضي نصب المعطوف؛ فلم رفع في الآية؟ وحاصل الجواب: أنه إنما ينصب إذا كان متسببا عن المنفي، نحو قوله تعالى في سورة (فاطر) رقم [٣٦]: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ أما إذا لم يكن متسببا، كما هنا، وإنما قصد توجه النفي إلى كل من المعطوف، والمعطوف عليه، فإنه يرفع. انتهى. جمل. أقول: ومثل ذلك قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٦٣]: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ حيث رفع (تصبح) ولم ينصب بعد الفاء؛ لأن خضرة الأرض لا تتسبب عن الرؤية، وإنما تتسبب عن نزول المطر.
стр. 7062
وفي السمين: وفي رفع ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾ وجهان: أحدهما: أنه مستأنف؛ أي: فهم يعتذرون.
قال أبو البقاء: ويكون المعنى: أنهم لا ينطقون نطقا ينفعهم، أو ينطقون في بعض المواقف، ولا ينطقون في بعضها. والثاني: أنه معطوف على ﴿يُؤْذَنُ﴾ فيكون منفيا، ولو نصب لكان مسببا عنه. وقال ابن عطية: ولم ينصب في جواب النفي لتشابه رؤوس الآي، والوجهان جائزان.
انتهى جمل. والله أعلم بمراده، وأسراره كتابه.
الإعراب: ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَوْمُ:﴾ خبر المبتدأ. ويقرأ بالنصب على أنه ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والكوفيون يعتبرونه مبنيا على الفتح في محل رفع خبر المبتدأ، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [١١٩]: ﴿قالَ اللهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ..﴾. إلخ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَنْطِقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يُؤْذَنُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿فَيَعْتَذِرُونَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (يعتذرون): مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وانظر الشرح. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ:﴾ انظر رقم [١٥].
﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠)﴾
الشرح: ﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ أي: يقال لهم يوم القيامة: هذا هو يوم الفصل بين العباد، يفصل فيه بين المحق، والمبطل، وبين المحسن، والمسيء، فيثيب المحق المحسن، ويعاقب فيه المبطل المسيء. ﴿جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ:﴾ قال ابن عباس-﵄: يجمع الذين كذبوا محمدا ﷺ ، ويجمع الذين كذبوا النبيين قبله. والجملة الفعلية هذه فيها معنى التوكيد للجملة الاسمية قبلها؛ لأنه إذا كان يوم الفصل بين السعداء، والأشقياء، وبين الأمم ورسلهم؛ فلا بد من جمع الأولين، والآخرين، حتى يقع الفصل بينهم. هذا؛ والتعبير بالماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق الوقوع، وهذا أسلوب بلاغي مستعمل في القرآن الكريم كثيرا.
﴿فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ:﴾ توبيخ، وتقريع للكافرين يوم القيامة على كيدهم لدين الله، وأتباعه، وتسجيل عليهم بالعجز، والذلة، والإهانة. وقيل: المعنى: إن قدرتم على حربي؛ فحاربوني! وقيل: المعنى: إن قدرتم على أن تتخلصوا من قبضتي، وتنجوا من حكمي؛ فافعلوا، فإنكم لا تقدرون على ذلك! كما قال تعالى في سورة (الرحمن): ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاّ بِسُلْطانٍ﴾
стр. 7063
وعن عبادة بن الصامت-﵁-أنه قال: (إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، ينفذهم، ويسمعهم الداعي، ويقول الله: ﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ اليوم لا ينجو منّي جبّار عنيد، ولا شيطان مريد). أخرجه ابن أبي حاتم، وانظر (جمع) في سورة (المعارج) رقم [١٨].
الإعراب: ﴿هذا يَوْمُ:﴾ مبتدأ، وخبر، و ﴿يَوْمُ﴾ مضاف، و ﴿الْفَصْلِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿جَمَعْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من يوم الفصل، والرابط محذوف، التقدير: جمعناكم فيه، والعامل في الحال اسم الإشارة، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً،﴾ ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخاً،﴾ وقيل: مفسرة موضحة لقوله: ﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾. ﴿وَالْأَوَّلِينَ:﴾
معطوف على (الكاف)، أو هو مفعول معه، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم.
﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿كَيْدٌ:﴾ اسمها مؤخر، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:
لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَكِيدُونِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (كيدون): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة، المدلول عليها بالكسرة مفعول به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف بالنسبة لما قبله، وهو في محل نصب مقول القول للقول المحذوف. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ انظر رقم [١٥].
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥)﴾
الشرح: لما ذكر الله في سورة (الدهر) السابقة أحوال الكفار في الآخرة على سبيل الاختصار، وأطنب في ذكر أحوال المؤمنين الأبرار فيها؛ ذكر في هذه السورة أحوال الكفار على سبيل الإطناب، وأحوال المؤمنين على سبيل الإيجاز، فوقع التعادل بين السورتين. انتهى جمل نقلا من البحر.
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: الذين خافوا ربهم في الدنيا، واتقوا عذابه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. ﴿فِي ظُلَلٍ﴾ أي: تكاثف أشجار؛ إذ لا شمس يظل من حرها. ﴿وَعُيُونٍ:﴾ من ماء، وعسل، ولبن، وخمر، كما قال تعالى في سورة (محمد ﷺ رقم [١٥]: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ﴾
стр. 7064
الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى. هذا؛ وقال تعالى في سورة (يس) رقم [٥٦]: ﴿هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ﴾. وقال تعالى في سورة (الذاريات) رقم [١٥]: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾.
﴿وَفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أي: وفواكه كثيرة متنوعة مما يستلذون، ويستطيبون. قال تعالى في سورة (الواقعة): ﴿وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ،﴾ وقال تعالى فيها أيضا: ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾. ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: ويقال لهم على سبيل الأنس، والتكريم:
كلوا أكلا لذيذا، واشربوا شربا هنيئا بسبب ما قدمتم في الدنيا من صالح الأعمال. وهذه الآية مذكورة في سورة (الطور) برقم [١٩]. وقال تعالى في سورة (الحاقة) رقم [٢٤]: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾ انظر ما ذكرته في شرحها هناك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، فالبحث قيم جدا؛ إن شاء الله تعالى.
﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ:﴾ هذه الآية مكررة كثيرا فقد ذكرت في سورة (الصافات) وحدها خمس مرات، وهي تذكر بعد ذكر الصالحين، وما عملوا من أعمال صالحة، والمعنى: نثيب المحسنين العمل ثوابا عظيما، ونجزيهم جزاء جزيلا، وما أكثر ما يذكر ضدها ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ،﴾ ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ،﴾ ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ والمعنى: نعاقب المسيئين العمل، والظالمين، والمفترين، والخبثاء عقابا شديدا، ونعذبهم عذابا أليما.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْمُتَّقِينَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿فِي ظُلَلٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَعُيُونٍ:﴾ معطوف على ﴿ظِلالٍ﴾. ﴿وَفَواكِهَ:﴾ معطوف أيضا مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (فواكه)، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿يَشْتَهُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو من شيء يشتهونه. ﴿كُلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، يقع حالا من الضمير المستقر في ﴿ظِلالٍ،﴾ والقائل لهم الله، أو الملائكة، وجملة: ﴿وَاشْرَبُوا﴾ معطوفة عليها، ومفعول الفعلين محذوف للاختصار، والتعميم أيضا.
﴿هَنِيئاً:﴾ حال من واو الجماعة، بمعنى: مهنئين، أو هو صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: كلوا أكلا هنيئا، واشربوا شربا هنيئا. وفاعله مستتر محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: هنيئا لكم الأكل. وهنيئا لكم الشرب. وقيل: الفاعل (ما) المجرورة بالباء، وعليه يكون مثله قول كثير عزة: [الطويل]
стр. 7065
هنيئا مريئا غير داء مخامر... لعزّة من أعراضنا ما استحلّت
فيكون مثل (ما) يرتفع بالفعل؛ أي: كما تقول: هنأكم ما كنتم تعملون، أو هنأكم الأكل، والشرب. فعلى الأول الباء زائدة في الفاعل، وعلى الثاني فالباء أصلية. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿هَنِيئاً،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: هنيئا بالذي، أو بشيء كنتم تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: هنيئا بعملكم.
﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها.
﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر، و (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار، والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير:
نجزي المحسنين جزاء كائنا مثل جزاء المتقين. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له.
﴿نَجْزِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره:
«نحن». ﴿الْمُحْسِنِينَ:﴾ مفعول به... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ:﴾ انظر إعرابها الآية رقم [١٥].
﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧)﴾
الشرح: ﴿كُلُوا:﴾ خطاب للكفار في الدنيا على وجه التهديد، كقوله تعالى لهم: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ الآية رقم [٤٠] من سورة (فصلت). هذا؛ وإن كان في ظاهر اللفظ أمرا، إلا أنه في المعنى نهي بليغ، وزجر عظيم، واعتبره الزمخشري فيما يخاطبون به في الآخرة، وعلله بقوله:
يقال لهم ذلك في الآخرة إيذانا بأنهم كانوا في الدنيا أحقاء بأن يقال لهم، وكانوا من أهله تذكيرا بحالهم السمجة، وبما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع القليل على النعيم، والملك الخالد.
وفي طريقته قول فاطمة بنت الأخرم الخزاعية تبكي إخوتها، وتندبهم-وهو الشاهد رقم [٣٦٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» إعراب شواهد مغنى اللبيب-: [المديد]
إخوتي لا تبعدوا أبدا... وبلى والله قد بعدوا
كلّ ما حيّ وإن أمروا... واردو الحوض الّذي وردوا
وما قاله الزمخشري لم يوافقه أحد عليه. ﴿وَتَمَتَّعُوا﴾ أي: تمتعوا من دنياكم، واستمتعوا بلذائذها الفانية. كما هو شأن البهائم التي همها ملء بطونها، ونيل شهواتها زمانا قليلا إلى
стр. 7066
منتهى آجالكم، وانقضاء أعماركم. ﴿إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ:﴾ كافرون، فاسدون، مفسدون، لا تستحقون الإنعام، والتكريم.
قال بعض العلماء: التمتع بالدنيا من أفعال الكافرين، والسعي لها من أفعال الظالمين، والاطمئنان إليها من أفعال الكاذبين، والسكون فيها على حد الإذن، والأخذ منها على قدر الحاجة من أفعال عوام المؤمنين، والإعراض عنها من أفعال الزاهدين، وأهل الحقيقة أجل خطرا من أن يؤثر فيهم حب الدنيا، وبغضها، وجمعها، وتركها. انتهى جمل نقلا من الخطيب.
وما أحسن قولهم: الكافر يتمتع، والمنافق يتزين، والمؤمن يتزود. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (لقمان) رقم [٢٤]: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾.
هذا؛ والتمتع: التلذذ بالشيء، والانتفاع به، ومثله: الاستمتاع، والاسم: المتعة. فهنيئا لمن تمتع واستمتع بالحلال المباح! وويل، ثم ويل لمن تمتع، واستمتع بالحرام! هذا؛ والمتعة بكسر الميم وضمها: اسم للتمتيع، والزاد القليل، وما يتمتع به من الصيد، والطعام، ومتعة المرأة: ما وصلت به بعد الطلاق من نحو قميص، وإزار، وملحفة. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٣٦]: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. والمراد من الآية، وأمثالها الأمر للكفار بأن يتمتعوا بدنياهم قليلا، أو بعبادتهم الأوثان، أو باتباعهم الأهواء، فإنها من قبيل الشهوات التي يتمتع بها، وفي التهديد بصيغة الأمر إيذان بأن المهدّد عليه كالمطلوب؛ لإفضائه إلى المهدد به.
الإعراب: ﴿كُلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، وجملة: ﴿وَتَمَتَّعُوا﴾ معطوفة عليها. ﴿قَلِيلاً:﴾ صفة «زمان» محذوف؛ أي: زمانا قليلا، أو صفة «مصدر» محذوف، التقدير:
تمتيعا قليلا. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿مُجْرِمُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ:﴾ انظر الآية رقم [١٥].
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِرْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ﴾ أي: للكافرين المكذبين بيوم الحساب، والجزاء. ﴿اِرْكَعُوا:﴾
صلوا. ﴿لا يَرْكَعُونَ:﴾ لا يصلون. قاله مجاهد. وقال مقاتل: نزلت في بني ثقيف، امتنعوا من الصلاة، فنزل ذلك فيهم. قال لهم النبي ﷺ : «أسلموا». وأمرهم بالصلاة، فقالوا: لا ننحني
стр. 7067
فإنها مسبة علينا. فقال ﷺ : «لا خير في دين، ليس فيه ركوع ولا سجود». يذكر: أن مالكا ﵀-دخل المسجد بعد صلاة العصر، وهو ممن لا يرى الركوع بعد العصر، فجلس، ولم يركع، فقال له صبي: يا شيخ! قم فاركع، فقام، فركع، ولم يحاجه بما يراه مذهبا، فقيل له في ذلك. فقال: خشيت أن أكون من الذين ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾.
وقال ابن عباس-﵄: إنما يقال لهم هذا في الآخرة حين يدعون إلى السجود، فلا يستطيعون. انتهى أقول: انظر ما ذكرته في سورة (القلم) رقم [٤٢] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وقال ابن العربي: هذه الآية حجة على وجوب الركوع، وإنزاله ركنا في الصلاة، وقد انعقد الإجماع عليه. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٤٣]: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ وقال جل ذكره في سورة (آل عمران) رقم [٤٣]: ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ وقال في سورة (الحج) رقم [٧٧]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾.
﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ:﴾ بعد القرآن. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ إذا لم يؤمنوا به، وهو معجز في ذاته، مشتمل على الحجج الواضحة، والمعاني الشريفة. هذا؛ وقد جاء التعبير عن القرآن بالحديث في كثير من الآيات قال تعالى في سورة (الطور) رقم [٣٤]: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ وقال في سورة (الواقعة): ﴿أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ،﴾ وقال في سورة (القلم) الآية [٤٣]: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ،﴾ وقد قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٨٤]: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ انظر ما ذكرته في آخر سورة (القيامة).
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [٨]. ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿اِرْكَعُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع نائب فاعل ﴿قِيلَ﴾ أفاده ابن هشام في مغنيه، وهذا يكون جاريا على القاعدة العامة: «يحذف الفاعل ويقام المفعول به مقامه». وهذا لا غبار عليه، وقد ذكرت لك مرارا أن بعضهم يعتبر نائب الفاعل ضميرا مستترا تقديره: «هو»، يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام؛ أي:
وقيل قول، وبعضهم يعتبر الجار، والمجرور (لهم) المذكور، أو المقدر في كثير من الآيات هو نائب الفاعل. والمعتمد الأول، وأيده ابن هشام في المغني، حيث قال: إن الجملة التي يراد بها لفظها، يحكم لها بحكم المفردات، ولهذا تقع مبتدأ، نحو: (لا حول ولا قوة إلا بالله: كنز من كنوز الجنة) ونحو: (زعموا: مطية الكذب) وجملة: ﴿قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ في محل جر بإضافة (إذا) إليها، على المرجوح المشهور. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَرْكَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ:﴾ انظر الآية رقم [١٥].
стр. 7068
﴿فَبِأَيِّ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (بأي): جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، و (أي):
مضاف، و ﴿حَدِيثٍ﴾ مضاف إليه. ﴿بَعْدَهُ:﴾ ظرف زمان متعلق بمحذوف صفة ﴿حَدِيثٍ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا، وحاصلا؛ فبأي: حديث بعد القرآن يؤمنون؛ إذا لم يؤمنوا به؟! ولم يتقدم للقرآن ذكر؛ لأنه مفهوم من المقام. والكلام كله مستأنف، لا محل له. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم.
انتهت سورة (المرسلات) شرحا، وإعرابا بعون الله وتوفيقه.
والحمد لله ربّ العالمين.
стр. 7069
سورة النّبإ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة (النبأ) وتسمى سورة التساؤل مكية، وهي أربعون آية، أو إحدى وأربعون، ومئة وثلاث وسبعون كلمة، وتسعمئة وسبعون حرفا. انتهى خازن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلاّ سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلاّ سَيَعْلَمُونَ (٥)﴾
الشرح: ﴿عَمَّ:﴾ كلمة مؤلفة من حرف، واسم، فالحرف: (عن) الجارة، والاسم (ما) الاستفهامية، وقد حذفت ألفها، كما تحذف مع كل جار، نحو قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ،﴾ ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها،﴾ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ وذلك للفرق بين الموصولة، والاستفهامية.
ويقال: للفرق بين الخبر، والاستخبار، ومن شواهدها الشعرية قول الكميت-وهو الشاهد رقم [٥٥٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: إعراب شواهد مغني اللبيب-: [الطويل]
فتلك ولاة السّوء قد طال مكثهم... فحتّام حتّام العناء المطوّل؟!
وأيضا قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي المذحجي-﵁-وهو الشاهد رقم [٢٥٠] من الكتاب المذكور، وأيضا رقم [٤٥٤] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل]
علام تقول: الرّمح يثقل عاتقي... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرّت؟
هذا؛ وقرأ عكرمة، وعيسى بن عمر: «(عمّا)» بإثبات الألف، وهي قراءة فوق السبعة، ومنه قول حسان بن المنذر-﵁-يهجو رجلا من بني مخزوم-وهو الشاهد رقم [٥٥٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر]
على ما قام يشتمني لئيم... كخنزير تمرّغ في دمان؟
هذا؛ وقرأ ابن كثير «(عمّه)» بهاء السكت وصلا، وهذا يكون في الوقف، فيكون أجرى الوصل مجرى الوقف. ﴿يَتَساءَلُونَ:﴾ يسأل بعضهم بعضا، والضمير يعود إلى قريش؛ إذ هم المقصودون بذلك، روي: أن النبي ﷺ لما بعث؛ جعل المشركون يتساءلون بينهم، فيقولون: ما الذي أتى به محمد، ويتجادلون فيما بعث به، فبعضهم يقول: شعر، وبعضهم يقول: سحر،
стр. 7070
وبعضهم يقول: كهانة، فنزلت هذه السورة. ومناسبتها لما قبلها ظاهرة، لما ذكر في قوله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ وكانوا يتجادلون فيه، ويتساءلون عنه، فقال: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ والاستفهام عن هذا فيه تفخيم، وتهويل، وتقرير، وتعجيب. انتهى. جمل.
﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ:﴾ بيان لذلك الشيء، والاستفهام لتفخيمه؛ لأنه تعالى لا تخفى عليه خافية، وهو ما جاء به النبي ﷺ من القرآن المشتمل على البعث، وغيره.
﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ:﴾ فمن فسر النبأ العظيم بالقرآن؛ قال: اختلافهم فيه قولهم: إنه سحر، أو شعر، أو كهانة، أو نحو ذلك مما قالوه في القرآن. ومن فسر النبأ العظيم بالبعث؛ قال:
اختلافهم فيه: فمن مصدق به، وهم المؤمنون، ومن مكذب به، وهم الكافرون. ومن فسره بنبوة محمد ﷺ ؛ قال: اختلافهم فيه كاختلافهم في القرآن.
﴿كَلاّ سَيَعْلَمُونَ:﴾ ردع فيه معنى الوعيد، والتهديد؛ أي: سيعلمون عاقبة تكذيبهم حين ينكشف الأمر يعني في القيامة، وسيعلمون صدق ما جاء به محمد ﷺ من القرآن، ومما ذكره لهم من البعث بعد الموت، والتكرير للتوكيد. انظر مثله في سورة (ن) رقم [٥]، وفي سورة (التكاثر).
هذا؛ والنبأ: الخبر وزنا، ومعنى. ويقال: النبأ أخص من الخبر؛ لأن النبأ لا يطلق إلا على كل ما له شأن، وخطر من الأنباء. وقال الراغب: النبأ خبر ذو فائدة، يحصل به علم، أو غلبة ظن، ولا يقال للخبر في الأصل: نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحقه أن يتعرى عن الكذب كالمتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر الرسول ﷺ . هذا؛ والفعل منه من الأفعال التي تنصب ثلاثة مفاعيل، وقد يجيء الفعل منه غير مضمن معنى: أعلم، فيتعدى لواحد بنفسه، وللآخر بحرف الجر، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ رقم [١٤] من سورة (المائدة)، والآية رقم [٦] من سورة (المجادلة)، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣] من سورة (التحريم) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
الإعراب: ﴿عَمَّ:﴾ (عن): حرف جر. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل جر ب: (عن)، حذفت ألفها كما رأيت في الشرح، وبقيت الفتحة دليلا عليها، والجار، والمجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿يَتَساءَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مبتدأة لا محل لها. ﴿عَنِ النَّبَإِ:﴾ متعلقان بفعل محذوف لدلالة ما قبله عليه، ولا يجوز أن يتعلقا بالفعل المذكور؛ لأنه كان يلزم دخول حرف الاستفهام، فيكون التقدير: أعن النبأ العظيم؟ ويكون الجار والمجرور بدلا من قوله: ﴿عَمَّ﴾ كقولك: كم مالك؟ أثلاثون، أم أربعون؟ فوجب لما ذكرناه من امتناع تعلقهما بالفعل المذكور، وإنما يتعلقان بفعل مقدر. وقيل: الاستفهام مقدر قبل عن الثانية والمقدر كالمذكور. ﴿الْعَظِيمِ:﴾ صفة ﴿النَّبَإِ﴾.
﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون، وفيه ثلاثة أوجه: الأول: على أنه في محل جر صفة، أو هو بدل من ﴿النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾. والثاني: على أنه في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف،
стр. 7071
التقدير: هو الذي. والثالث: على أنه في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني الذي. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُخْتَلِفُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع وزجر. ﴿سَيَعْلَمُونَ:﴾ السين: حرف استقبال. (يعلمون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمفعول محذوف للاختصار، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، والتي بعدها معطوفة عليها ومؤكدة لها.
﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١)﴾
الشرح: بعد أن هدد الله الكافرين، وتوعدهم بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم، وفي ضمنه وعد للمؤمنين بالجزاء الحسن؛ ذكر الله أشياء من عجائب صنعه؛ ليستدلوا بذلك على توحيده، ويعلموا: أنه قادر على إيجاد العالم بعد عدمه، ثم فنائه، ثم بعثه للحساب، والثواب، والعقاب، فقال:
﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً﴾ أي: فراشا، وبساطا؛ لتستقر عليها الأقدام، كما قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٢]: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً﴾ وقال في سورة (نوح) -على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً﴾ والمعنى: ألم نجعل هذه الأرض التي تسكنونها ممهدة للاستقرار عليها، والتقلب في أنحائها؟ جعلناها لكم كالفراش، والبساط؛ لتستقروا عليها، كما يتقلب الإنسان على فراشه، وبساطه. قال في التسهيل: شبه الله الأرض بالبساط، والفراش في امتدادها، واستقرار الناس عليها. وأخذ بعضهم من الآيات: أن الأرض غير كروية. وفي ذلك نظر.
هذا؛ وقال الآلوسي-رحمه الله تعالى-: وليس في الآيات دلالة على أن الأرض مبسوطة غير كروية؛ لأن الكرة العظيمة يرى كل من عليها ما يليه مسطحا. ثم إن اعتقاد الكروية، أو عدمها ليس بلازم في الشريعة، لكن كرويتها كالأمر اليقيني، ومعنى جعلها بساطا، ومهادا، وفراشا؛ أي: تتقلبون عليها كالبساط... إلخ. وانظر الآية رقم [٤٨] من سورة (الذاريات).
﴿وَالْجِبالَ أَوْتاداً:﴾ انظر الآية رقم [٢٧] من سورة (المرسلات). ﴿وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً﴾ أي:
وجعلناكم أيها الناس أصنافا: ذكورا، وإناثا؛ لينتظم أمر النكاح؛ الذي يحصل به التناسل.
وانظر ما ذكرته في سورة (القيامة) رقم [٣٩] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً:﴾ راحة للأبدان بالانقطاع عن الأشغال، وأصل السبات من التمدد. وقيل للنوم: سبات؛ لأنه بالتمدد يكون، وفي التمدد معنى الراحة. وقيل: السبت: القطع، فالنوم انقطاع عن
стр. 7072
الأعمال، ومنه سبت اليهود؛ لانقطاعهم عن الأعمال فيه. هذا؛ وسبت الشيء: قطعه، وسبت الرأس: حلقه. والسبت مصدر، ويوم من أيام الأسبوع، وجمعه: أسبت، وسبوت، والسبت أيضا: النوام، والفرس، والجواد، والرجل الداهية. هذا؛ والسبت بكسر السين: الجلد المدبوغ. قال عنترة في وصف الشجاع الذي افتخر بقتله-وهو البيت من معلقته رقم [٧٣]، وأيضا هو الشاهد رقم [٣٠٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الكامل]
بطل كأنّ ثيابه في سرحة... يحذى نعال السّبت ليس بتوءم
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً﴾ أي: سترا للخلق يقوم مقام اللباس في ستر البدن. قال الطبري: وصف الليل باللباس تشبيها من حيث يستر الأشياء ويغشاها. ﴿وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً﴾ أي: وقت معاش؛ أي: متصرفا فيه لطلب المعاش، وهو كل ما يعاش به من المطعم، والمشرب، والملبس، وغير ذلك. وفي الكشاف: لباسا يستركم عن العيون، إذا أردتم هربا من عدو، أو بياتا له، أو إخفاء ما لا تحبون الإطلاع عليه من كثير من الأمور. قال أبو الطيب المتنبي من قصيدته التي مدح بها كافور الإخشيدي: [الطويل]
وكم لظلام اللّيل عندك من يد... تخبّر أنّ المانويّة تكذب
ومن المعلوم من مذهب المانوية: أن الخير منسوب إلى النور، والشر منسوب إلى الظلام، فكذبهم أبو الطيب بأن نعمته، وخيريته إنما حصلت من الظلام، وبيّن تلك النعمة في قوله بعده: [الطويل]
وقاك ردى الأعداء تسري إليهم... وزارك فيه ذو الدلال المحجّب
وهذه الآيات مع دلالتها على قدرة الخالق، فيها إظهار لنعمته على خلقه؛ لأن في الاحتجاب بستر الليل فوائد دينية، ودنيوية، وقد كثر الامتنان من الله على خلقه، بذلك مثل قوله تعالى في سورة (الفرقان) الآية رقم [٤٧]: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً،﴾ وأيضا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية رقم [١٢] من سورة (الإسراء)، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية رقم [٢٣] من سورة (الروم).
هذا؛ وفي الآيات تشبيه بليغ؛ إذ أصل الكلام: جعلنا الأرض كالمهاد الذي يفترشه النائم، وجعلنا الجبال كالأوتاد التي تثبت الدعائم، وجعلنا الليل كاللباس في الستر، والخفاء، فحذف أداة التشبيه، ووجه الشبه، فأصبح بليغا. وبعضهم يعتبر الجميع من باب الاستعارة. ولا تنس المقابلة في الآيتين رقم [١٠ و ١١] حيث قابل بين الليل، والنهار، والراحة، والعمل، وهو من المحسنات البديعية.
стр. 7073
هذا؛ والنوم قسمان: نوم العين، ونوم القلب، فنوم العين: فترة طبيعية تعتري الحيوان، وتتعطل حواسه بها، وأما نوم القلب: فهو تعطيل القوى المدركة. والثاني: لم يقع من النبي ﷺ ؛ لأن قلبه لا ينام، كما في حديث الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: «إنّ عينيّ تنامان، ولا ينام قلبي».
ورحم الله البوصيري إذ قال: [البسيط]
لا تنكر الوحي من رؤياه إنّ له... قلبا إذا نامت العينان لم ينم
هذا؛ والمنام مصدر ميمي بمعنى النوم، أو هو اسم مكان بمعنى موضعه، أو اسم زمان بمعنى زمانه؛ لأن «مفعلا» يصلح لهذا كله. هذا؛ والنوم هو الموتة الصغرى، لذا أرشدنا سيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ أن نقول عند القيام من النوم: «سبحان من أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور». والجنة لا نوم فيها، انظر الآية رقم [٢٤] الآتية.
الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.
﴿نَجْعَلِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به أول. ﴿مِهاداً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالْجِبالَ أَوْتاداً:﴾
معطوفان على: ﴿الْأَرْضَ مِهاداً﴾. ﴿وَخَلَقْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿أَزْواجاً:﴾ حال من الكاف والميم بمعنى متجانسين متشابهين. قال مكي: وخلق بمعنى: ابتدع، فلذلك لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد. أقول: ولا مانع من اعتبار خلق بمعنى: جعل، فتكون قد نصبت مفعولين، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجمل الثلاث الآتية معطوفة عليها أيضا، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى، وهي: ﴿وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً﴾.
﴿وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (١٢) وَجَعَلْنا سِراجاً وَهّاجاً (١٣) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجاً (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (١٥) وَجَنّاتٍ أَلْفافاً (١٦)﴾
الشرح: ﴿وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً﴾ أي: وبنينا فوقكم أيها الناس سبع سموات، محكمة الخلق، بديعة الصنع، متينة في إحكامها، وإتقانها، لا تتأثر بمرور العصور والأزمان، خلقناها بقدرتنا لتكون كالسقف للأرض، كقوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٣٢]: ﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً،﴾ وقال تعالى في سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً﴾ انظر شرحها فإنه جيد. ﴿وَجَعَلْنا سِراجاً وَهّاجاً﴾ أي: وخلقنا لكم شمسا منيرة ساطعة، يتوهج ضوءها، ويتوقد لأهل الأرض كلهم، دائمة الحرارة، والتوقد. قال أهل اللغة: الوهاج: المتوقد الشديد الإضاءة؛ الذي يضطرم، ويلتهب من شدة لهبه.
стр. 7074
﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجاً﴾ أي: وأنزلنا من السحب التي حان وقت إمطارها ماء دافقا منهمرا بشدة، وقوة. قال في التسهيل: المعصرات: هي السحب، مأخوذة من العصر؛ لأن السحاب ينعصر، فينزل منه الماء، شبهت السحابة التي حان وقت إمطارها بالجارية التي قد دنا حيضها؛ ولم تحض قال أبو النجم العجلي، ونسب لليث المجاشعي: [الرجز]
تمشي الهوينى مائلا خمارها... قد أعصرت أو قد دنا إعصارها
وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل]
فكان مجنّي دون من كنت أتقي... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر
هذا؛ وقيل: المعصرات: الرياح، يقال: أعصرت الرياح، تعصر إعصارا: إذا أثارت العجاج، وهي الإعصار. وقيل: المعصرات السماء، والأصح: أن المعصرات السحاب، كذا المعروف: أن الغيث منها، وانظر سورة (الواقعة) رقم [٦٩] حيث أطلق على السحب لفظ المزن، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ وماء ثجاجا دافقا منهمرا بشدة وقوة، يقال:
ثججت دمه فأنا أثجه ثجّا، والثجاج في الآية المنصب. قال عبيد بن الأبرص: [البسيط]
فثجّ أعلاه ثمّ ارتجّ أسفله... وضاق ذرعا بحمل الماء منصاح
وفي حديث النبي ﷺ : أنه سئل عن الحج المبرور، فقال: «العجّ، والثجّ». فالعج: رفع الصوت بالتلبية، والثج إراقة الدماء، وذبح الهدايا. ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ:﴾ بذلك الماء. ﴿حَبًّا:﴾
كالحنطة، والشعير، وغير ذلك. ﴿وَنَباتاً:﴾ من الأبّ، وهو ما تأكله الدواب من الحشيش، والتبن، كما قال تعالى في سورة (طه) رقم [٥٤]: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ﴾ وقوله تعالى في سورة (الرحمن) رقم [١٢]: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ﴾ ورحم الله زيد بن عمرو بن نفيل؛ الذي كان متحنفا قبيل الإسلام؛ إذ قال من قصيدة له مشهورة: [الطويل]
وقولا له من ينبت الحبّ في الثرى... فيصبح منه البقل يهتزّ رابيا
ويخرج منه حبّه في رؤوسه... ففي ذاك آيات لمن كان واعيا
﴿وَجَنّاتٍ أَلْفافاً﴾ أي: وحدائق، وبساتين كثيرة الأشجار، والأغصان، ملتف بعضها على بعض، لكثرة أغصانها، وتقارب أشجارها. ولا واحد له من لفظه، كالأوزاع، والأخياف.
وقيل: الواحد: لفّ بكسر اللام، وضمها. وقال صاحب الإقليد: أنشدني الحسن بن علي الطوسي، وهو له: [الرمل]
جنّة لفّ وعيش مغدق... وندامى كلّهم بيض زهر
هذا؛ و (جعل) في الآية رقم [١٣] نصب مفعولا واحدا، مثل: خلق، وأنشأ، وأوجد، والفرق بين خلق، وجعل الذي له مفعول واحد: أن الخلق فيه معنى التقدير، والجعل فيه معنى
стр. 7075
التضمين، ولذا عبر سبحانه في كثير من الآيات عن إحداث النور، والظلمات بالجعل. فقال في كثير من الآيات: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما، كما زعمت المجوس، بخلاف الخلق فإن فيه معنى الإيجاد، والإنشاء، ولذا عبر في كثير من الآيات عن إيجاد السموات، والأرض بالخلق، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَبَنَيْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (بنينا): فعل، وفاعل. ﴿فَوْقَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿سَبْعاً:﴾ مفعول به. ﴿شِداداً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، والتي بعدها: (جعلنا سراجا وهاجا) معطوفة على ما قبلها أيضا. (أنزلنا): فعل، وفاعل. ﴿مِنَ الْمُعْصِراتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿ماءً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿لِنُخْرِجَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿حَبًّا:﴾ مفعول به. ﴿وَنَباتاً:﴾
معطوف على ما قبله، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار، والمجرور متعلقان بالفعل (أنزلنا). ﴿وَجَنّاتٍ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿أَلْفافاً:﴾ صفة (جنات).
﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (١٨) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً (٢٠)﴾
الشرح: ذكر الله الأدلة التسع المتقدمة على قدرته تعالى، كبرهان واضح على إمكان البعث، والنشور والجزاء، فإن من قدر على هذه الأشياء قادر على البعث، والإحياء، ولهذا قال: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً﴾ أي: إن يوم الحساب، والجزاء، ويوم الفصل بين الخلائق، له وقت محدود، معلوم في علمه تعالى، وقضائه، لا يتقدم، ولا يتأخر. قال تعالى في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾.
قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وسمي: يوم الفصل؛ لأن الله تعالى يفصل فيه بين خلقه، وقد جعله الله وقتا، ومجمعا، وميعادا للأولين، والآخرين، وانظر الآية رقم [٣٨] من سورة (المرسلات). هذا؛ وميقات أصله: موقات، فقلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها، وقل مثله في: ميعاد، وميثاق... إلخ.
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ:﴾ انظر الآية رقم [١٣] من سورة (الحاقة) ففيها الكفاية. ﴿فَتَأْتُونَ:﴾
فتساقون إلى المحشر. ﴿أَفْواجاً﴾ أي: أمما، كل أمة مع إمامهم. وقيل: زمرا، وجماعات،
следующие страницы →