← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 7421–7460 · переход к 7426.

стр. 7421

﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿شانِئَكَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿الْأَبْتَرُ:﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾. هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ و ﴿الْأَبْتَرُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. هذا؛ وقال أبو البقاء: أو توكيدا ل: ﴿شانِئَكَ﴾ وهو غلط منه؛ لأن المظهر لا يؤكد بالمضمر، والجملة الاسمية فيها معنى التعليل، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين، تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (الكوثر) شرحا وإعرابا. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7422

سورة الكافرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (الكافرون) مكية في قول ابن مسعود، والحسن وعكرمة. ومدنية في أحد قولي ابن عباس، وقتادة، والضحاك. وهي ست آيات، وعشرون كلمة، وأربعة وتسعون حرفا. وعن أنس-﵁. قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ: ﴿إِذا زُلْزِلَتِ﴾ عدلت له نصف القرآن، ومن قرأ: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ عدلت له ربع القرآن، ومن قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ عدلت له ثلث القرآن». أخرجه الترمذي. وقال: حديث غريب، ووجه كون هذه السورة تعدل ربع القرآن: أن القرآن مشتمل على الأمر، والنهي، وكل واحد منهما ينقسم إلى ما يتعلق بعمل القلوب، وإلى ما يتعلق بعمل الجوارح، فحصل من ذلك أربعة أقسام، وهذه السورة مشتملة على النهي عن عبادة غير الله تعالى، وهي من الاعتقاد، وذلك من أفعال القلوب، فكانت هذه السورة ربع القرآن على هذا التقسيم، والله أعلم. انتهى. خازن. أقول: وإنما عدلت سورة (الزلزلة) نصف القرآن؛ لأنها تبين أهوال القيامة وما فيها من السعادة، والشقاوة، والإنسان متقلب بين الحياة الدنيا، والآخرة، فمقابلة القيامة وما فيها من أهوال بالحياة الدنيا، وما فيها، والقرآن كثير التحدث عن الحياتين، فهذا السبب جعل قراءة (الزلزلة) تعدل نصف القرآن. وإنما عدلت قراءة: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ثلث القرآن؛ لأن القرآن على ثلاثة أنحاء، أو على ثلاثة أقسام: قصص، وأحكام، وصفات لله تعالى. أو قل: وتوحيد لله، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ متمحضة للصفات، وللتوحيد، فهي ثلث القرآن بهذا المعنى. وروى جبير بن مطعم-﵁-أن النبي ﷺ قال: «أتحب يا جبير إذا خرجت سفرا أن تكون من أمثل أصحابك هيئة، وأكثرهم زادا؟». قلت: نعم يا رسول الله! قال: «فاقرأ هذه السور الخمس: من أول ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ إلى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ وافتتح قراءتك ب: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾. قال: فو الله لقد كنت غير كثير المال، إذا سافرت أكون أبذهم هيئة، وأقلهم زادا، فمنذ قرأتهنّ صرت أحسنهم هيئة، وأكثرهم زادا حتى أرجع من سفري ذلك. وقال فروة بن نوفل-﵁-قال رجل للنبي ﷺ : أوصني. قال: «اقرأ عند منامك: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ فإنها براءة من الشرك». وقال ابن عباس-﵄: ليس في القرآن أشد غيظا لإبليس منها؛ لأنها توحيد، وبراءة من الشرك. انتهى. قرطبي.

стр. 7423

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ الشرح: نزلت السورة الكريمة في رهط من قريش، منهم: الحارث بن قيس السهمي، والعاص بن وائل السهمي، والوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن عبد المطلب بن أسد، وأمية بن خلف. قالوا: يا محمد! هلمّ اتبع ديننا، ونتبع دينك، ونشركك في ديننا كله، تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، فإن كان الذي جئت به خيرا كنا قد شركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرا كنت قد شركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه، فقال رسول الله ﷺ : «معاذ الله أن أشرك به غيره!» قالوا: فاستلم بعض آلهتنا؛ نصدقك، ونعبد إلهك. قال: «حتى أنظر ما يأتي من ربي». فأنزل الله السورة بكاملها، فغدا رسول الله ﷺ إلى المسجد الحرام، وفيه أولئك الملأ من قريش، فقام على رؤوسهم، ثم قرأها عليهم حتى فرغ من السورة، فأيسوا منه عند ذلك، وآذوه وأصحابه. انتهى. خازن. وهذا يثبت: أن السورة مكية، ونزل قوله تعالى في سورة (القلم): ﴿فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾. هذا؛ وإن النبي ﷺ كان يأتيهم في ناديهم، ويقول لهم: «يا أيّها الكافرون» وهو يعلم أنهم يغضبون من أن ينسبوا إلى الكفر، ويدخلوا في جملة أهله؛ لأنه يعلم أنه محروس ممنوع من أن تنبسط عليه منهم يد، أو تقع به أذية منهم، وكثيرا ما كانوا يلجؤون إلى عمه أبي طالب، ويطلبون منه أن يكفه عن تسفيه أحلامهم، وشتم آبائهم، وعيب آلهتهم. وأما المسلمون؛ فلا يجوز لهم أن يسارعوا إلى مثلها، ويقيسوا على أنفسهم بنبيهم الذي حفظه الله، ورعاه، ومنعه من أعدائه. قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٠٨]: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ..﴾. إلخ. وأما وجه التكرار؛ فقيل: إنه للتأكيد في قطع أطماعهم، كما تقول: والله لا أفعل كذا! ثم والله لا أفعله! قال أكثر أهل المعاني: نزل القرآن بلسان العرب، ومن مذاهبهم التكرار إرادة التأكيد والإفهام، كما أنّ من مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف، والإيجاز؛ لأن خروج الخطيب، والمتكلم من شيء إلى شيء أولى من اقتصاره في المقام على شيء واحد. قال تعالى في سورة (الرحمن): ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ،﴾ وقال تعالى في سورة (المرسلات): ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ وقال في سورة (النبأ): ﴿كَلاّ سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلاّ سَيَعْلَمُونَ،﴾ وقال جل ذكره في سورة (الشرح): ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ هذا التكرار في السور المذكورة كله

стр. 7424

ومنه قول النبي ﷺ على المنبر: «إن بني هاشم بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم عليّ بن أبي طالب، فلا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، ثم لا آذن لهم إلا أن يحبّ ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي، وينكح ابنتهم، فإنما ابنتي بضعة مني، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها». رواه مسلم، وغيره، والتكرار وارد في الكلام العربي نثره، ونظمه، وهو كثير لا يعد، ولا يحصى. وقال ابن عباس-﵄: قالت قريش للنبي ﷺ نحن نعطيك من المال ما تكون به أغنى رجل بمكة. ونزوجك من شئت، ونطأ عقبك؛ أي: نمشي خلفك؛ وتكف عن شتم آلهتنا! فإن لم تفعل فنحن نعرض عليك خصلة واحدة، هي لنا ولك صلاح تعبد آلهتنا اللات والعزى سنة، ونحن نعبد إلهك سنة، فنزلت السورة، فكان التكرار في ﴿لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ؛﴾ لأن القوم كرروا عليه مقالهم مرة بعد مرة. والله أعلم. انتهى. قرطبي. وانظر شرح (الكافر) في سورة (الدهر) رقم [٤]، وشرح (الدين) في آخر سورة (الانفطار)، وشرح (العبادة) في الآية رقم [٥] من سورة (البينة). هذا؛ وقيل: قال له كفار قريش: اعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة. أو اعبد آلهتنا شهرا، ونعبد إلهك شهرا، فنزلت السورة الكريمة تردّ عليهم الحالتين، فلا يكون تكرار على هذا. وهذا جيد جدا! والله أعلم. تنبيه: ﴿ما﴾ في هذه السورة يجوز فيها وجهان: أحدهما: أنها بمعنى «الذي»، فإن كان المراد بها الأصنام، كما في الأولى، والثالثة؛ فالأمر واضح؛ لأنهم غير عقلاء، و ﴿ما﴾ أصلها أن تكون لغير العقلاء، وإذا أريد بها الباري تعالى، كما في الثانية، والرابعة، فاستدل به من جوز وقوعها على أولي العلم، ومن منع جعلها مصدرية، والتقدير: ولا أنتم عابدون عبادتي؛ أي: مثل عبادتي. مع أن المعنى يجوز اعتبارها مصدرية في بعض الجمل. وقال أبو مسلم: ﴿ما﴾ في الأوليين بمعنى: «الذي» والمقصود المعبود. وما في الأخريين مصدرية؛ أي: لا أعبد عبادتكم المبنية على الشك، وترك النظر، ولا أنتم تعبدون مثل عبادتي المبنية على اليقين. فتحصل من مجموع ذلك ثلاثة أقوال: أنها كلها بمعنى: «الذي» أو مصدرية، أو الأوليان بمعنى: «الذي»، والأخريان مصدريتان. انتهى. جمل. فائدة: حيث وقعت (ما) قبل (ليس)، أو (لم)، أو (لا)، أو بعد (إلاّ) فهي موصولة، نحو ﴿ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ ﴿ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ و ﴿إِلاّ ما عَلَّمْتَنا،﴾ وحيث وقعت بعد كاف التشبيه فهي مصدرية، وحيث وقعت بعد الباء؛ فإنها تحتملهما. نحو قوله تعالى: ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ،﴾ وحيث وقعت بين فعلين، سبقهما علم، أو دراية، أو نظر؛ احتملت الموصولة، والاستفهامية، نحو قوله تعالى: ﴿ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ﴿وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ وحيث وقعت في القرآن قبل (إلا) فهي نافية إلا في ثلاثة عشر

стр. 7425

موضعا: ﴿ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ﴾ ﴿ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾ ﴿وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ﴾ ﴿وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي﴾ ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ إلا موضعي: (هود) من قوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾ فهي فيهما مصدرية ﴿فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ ﴿يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاّ قَلِيلاً مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ﴾ ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ حيث كان. قاله في الإتقان. انتهى. كرخي نقله الجمل. أقول: اعتبار هذا ضابطا يجب اتباعه غير مسلّم؛ لأن بعض الآيات التي ذكرها، واعتبر فيها (ما) موصولة فقط تحتمل الموصولة، والموصوفة، ولأن بعضها تحتمل فيه (ما) الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. والحق: أن مدار ذلك على المعنى. وهذا ما اتبعته فيما تقدم من الإعراب، ولا أتخلّى عنه في حياتي، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين. تنبيه: الأصل أن تكون (من) للعاقل، و (ما) لغير العاقل، وقد يعكس هذا، فتستعمل (من) لغير العاقل، كما في قوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ﴾ الآية رقم [٤٥] من سورة (النور)، وتستعمل (ما) للعاقل، كما في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ رقم [٣] من سورة (النساء) وهذا من باب التقارض، وذلك قليل، وأكثر ما تكون (ما) للعاقل إذا اقترن العاقل بغير العاقل في حكم واحد، كما في الآية الكريمة، وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ فإن كل من في السموات، والأرض ممن يعقل، وما لا يعقل قد اقترنا في حكم واحد، وهو السجود، والتسبيح لله، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ ويكون في الكلام تغليب، كما تستعمل في المبهم أمره، كقولك، وقد رأيت شبحا من بعد: انظر إلى ما أرى، ومن، وما تكونان بلفظ واحد للمفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث. ملخص ما تقدم أن (من) تستعمل لغير العاقل في ثلاث مسائل: ١ - أن ينزل غير العاقل منزلة العاقل، وذلك كقوله تعالى في سورة (الأحقاف) رقم [٥]: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ فدعاء الأصنام التي لا تستجيب الدعاء نزلها منزلة العاقل؛ إذ لا ينادى إلا العقلاء. وخذ قول العباس بن الأحنف-وهو الشاهد رقم [٨٦] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الطويل] بكيت على سرب القطا إذ مررن بي... فقلت ومثلي بالبكاء جدير أسرب القطا هل من يعير جناحه؟ ... لعلّي إلى من قد هويت أطير وأيضا قول امرئ القيس-وهو الشاهد رقم [٨٥] من كتابنا: «فتح رب البرية»، والشاهد رقم [٣٠٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]

стр. 7426

ألا عم صباحا أيّها الطلل البالي... وهل يعمن من كان في العصر الخالي؟ ٢ - أن يندمج غير العاقل مع العاقل في حكم واحد كقوله تعالى في سورة (النحل) رقم [١٧] ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ،﴾ وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ رقم [١٨] من سورة (الحج). ٣ - أن يقترن غير العاقل بالعاقل في عموم مفصل، كما في آية (النور) المذكورة آنفا؛ إذ الدابة تعم أصناف من يدب على وجه الأرض، وقد فصلها على ثلاثة أنواع. وتستعمل (ما) للعاقل في ثلاث مسائل أيضا: ١ - إذا اقترن العاقل بغير العاقل في حكم واحد، كقوله تعالى في سورة (النحل) رقم [٤٩]: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ﴾ وقوله تعالى في سورة (طه) رقم [٦]: ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى﴾. ٢ - إذا نزل العاقل منزلة غير العاقل، كقوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٣]: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ وقوله تعالى-وهو كثير في القرآن-: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾. ٣ - تستعمل (ما) في المبهم أمره، كقولك وقد رأيت شبحا من بعد: انظر إلى ما أرى. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿يا أَيُّهَا:﴾ (يا): أداة نداء، تنوب مناب أدعو، أو أنادي، (أيها): نكرة مقصودة، مبنية على الضم في محل نصب ب: (يا)، و (ها): حرف تنبيه لا محل له، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الْكافِرُونَ:﴾ بعضهم يعرب هذا وأمثاله نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل: أن الاسم الواقع بعد «أي»، وبعد اسم الإشارة، إن كان مشتقا؛ فهو نعت، وإن كان جامدا؛ فهو بدل، أو عطف بيان، والمتبوع أعني: (أي) منصوب محلا، فكذا التابع أعني: الكافرون وأمثاله، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللفظية، وإنما أتبعت ضمة البناء مع أنها لا تتبع؛ لأنها وإن كانت ضمة بناء، لكنها عارضة فأشبهت ضمة الإعراب، فلذا جاز إتباعها. أفاده الصبان. لأنه قال: والمتجه وفاقا لبعضهم: أن ضمة التابع إتباع، لا إعراب، ولا بناء. وقيل: إن رفع التابع المذكور إعراب، واستشكل بعدم المقتضي للرفع، وأجيب بأن العامل يقدر من لفظ عامل المتبوع مبنيا للمجهول، نحو يدعى. وهو مع ما فيه من التكلف، يؤدي إلى قطع المتبوع. وقيل: إن رفع التابع المذكور بناء؛ لأن المنادى في الحقيقة هو المحلى بأل، ولكن لما لم يمكن إدخال حرف النداء عليه توصلوا إلى ندائه ب: «أي»؛ أي: مع قرنها بحرف التنبيه. ورده بعضهم بأن المراعى في الإعراب اللفظ وأن الأول منادى، والثاني تابع له. والإعراب السائد الآن أن تقول مرفوع تبعا للفظ. انتهى. جرجاوي.

стр. 7427

هذا؛ والأخفش يعتبر (أيّ) في مثل هذه الآية موصولة و ﴿الْكافِرُونَ﴾ خبرا لمبتدأ محذوف، التقدير: يا من هم الكافرون، والجملة الاسمية صلة، والعائد الضمير المقدر، على أنه قد حذف حذفا لازما، كما في قول امرئ القيس: [الطويل] ألا ربّ يوم صالح لك منهما... ولا سيّما يوم بدارة جلجل وهذا هو الشاهد رقم [٢٤٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» وما قاله الأخفش لا يعتدّ به عند جمهرة النحاة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿أَعْبُدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿قُلْ﴾ المستتر، أو من ﴿الْكافِرُونَ﴾ والأول أقوى، والرابط: الضمير فقط. ﴿تَعْبُدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمفعول محذوف، وهو العائد، والجملة صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عابِدُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿ما:﴾ اسم موصول مفعول به ل: ﴿عابِدُونَ؛﴾ لأنه اسم فاعل. ﴿أَعْبُدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، ومفعوله محذوف، وهو العائد، والجملة صلة الموصول، والجمل كلها معطوفة على جملة: ﴿لا أَعْبُدُ﴾ فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿أَنا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عابِدٌ:﴾ خبره، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿ما:﴾ مفعول به. ﴿عَبَدْتُّمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: ولا أنا عابد الذي عبدتموه. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿دِينُكُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والكاف في محلّ جرّ بالإضافة، والجملة مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلِيَ:﴾ الواو: حرف عطف. (لي): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿دِينِ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. هذا؛ ولا تنس سبك (ما) مع ما بعدها بمصدر في المحال التي يمكن اعتبارها فيها مصدرية. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله، وصحبه، وسلم. انتهت سورة (الكافرون) شرحا، وإعرابا بعون الله، وتوفيقه. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7428

سورة النّصر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (النصر) مدنية بالإجماع، وتسمى سورة (التوديع) وهي ثلاث آيات، وسبع عشرة كلمة، وسبعة وسبعون حرفا. انتهى. خازن. قال القرطبي: وهي آخر سورة نزلت جميعا. قاله ابن عباس في صحيح مسلم، أقول: نزل بعدها آيات متفرقات، وآخر آية نزلت على قلب الرسول ﷺ آية (البقرة) وهي قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاِسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّاباً (٣)﴾ الشرح: ﴿إِذا جاءَ..﴾. إلخ: يعني: إذا جاءك النصر يا محمد نصر الله، ومعونته على من عاداك، وهم قريش. ومعنى مجيء النصر: أن جميع الأمور مرتبطة بأوقاتها، يستحيل تقدمها عن وقتها، أو تأخرها عنه، فإذا جاء ذلك الوقت المعين؛ حضر معه ذلك الأمر المقدر. فلهذا المعنى. قال: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ يعني: فتح مكة في قول جميع المفسرين، والفرق بين النصر والفتح: أن النصر هو الإعانة، والإظهار على الأعداء، وهو تحصيل المطلوب، وهو كالسبب للفتح، ولهذا بدأ بذكر (النصر) وعطف عليه (الفتح). وقيل: النصر: هو إكمال الدين، وإظهاره، والفتح هو الإقبال الذي هو تمام النعمة. انتهى. خازن. هذا؛ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: و ﴿إِذا﴾ بمعنى قد؛ أي: قد جاء نصر الله؛ لأن نزولها بعد الفتح، ويمكن أن يكون معناه: إذا يجيئك. أقول: ولا وجه له، بل إن التعبير على حقيقته، وهو من التعبير بالماضي عن المستقبل لتحقق وقوعه، وهذا كثير مستعمل في القرآن الكريم، وقد نبهت إليه مرارا. ﴿وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً﴾ أي: زمرا، وأرسالا، القبيلة بأسرها، والقوم بأجمعهم من غير قتال. قال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: لما فتح الله على رسوله ﷺ مكة؛ قالت العرب بعضها لبعض: إذا أظفر الله محمدا بأهل الحرم، وكان قد أجارهم من أصحاب

стр. 7429

الفيل؛ فليس لكم به يدان، فكانوا يدخلون في دين الله أفواجا، بعد أن كانوا يدخلون واحدا واحدا، واثنين، اثنين. وقيل: أراد ب: ﴿النّاسَ﴾ أهل اليمن. فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «أتاكم أهل اليمن، هم أضعف قلوبا، وأرقّ أفئدة، الإيمان يمان، والحكمة يمانية». متفق عليه. ودين الله هو الإسلام، وإضافته إليه تشريفا، وتعظيما له، كبيت الله، وناقة الله. فقد ذكر: أنه ورد من اليمن سبعمئة إنسان مؤمنين طائعين، بعضهم يؤذنون، وبعضهم يقرؤون القرآن، وبعضهم يهللون، فسر النبي ﷺ بذلك، وبكى عمر، وابن عباس-﵄. روى الحافظ البيهقي-رحمه الله تعالى-عن ابن عباس-﵄: قال: لما نزلت: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ دعا رسول الله ﷺ فاطمة-﵂-وقال: «إنّه قد نعيت إليّ نفسي». فبكت، ثم ضحكت. وقالت: أخبرني: أنه نعيت إليه نفسه، فبكيت، ثم قال: «اصبري فإنك أوّل أهلي لحاقا بي». فضحكت. انتهى. والمحفوظ: أن النبي ﷺ كلمها سرا أولا، وثانيا، ولم تخبر بذلك إلا بعد وفاته ﷺ ، وعاشت بعده ستة أشهر فقط. وروى الحديث النسائي بنحو رواية البيهقي. فعن جابر بن عبد الله-﵄: قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ النّاس دخلوا في دين الله أفواجا، وسيخرجون من دين الله أفواجا». أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وهذا حاصل، وواقع في هذا الزمن، وما بعده أعظم حتى يتحقق قوله ﷺ : «بدأ الدين غريبا وسيعود كما بدأ». هذا؛ وانظر شرح ﴿أَفْواجاً﴾ في الآية رقم [١٨] من سورة (النبأ). ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي: إذا صليت فأكثر من التسبيح، والتحميد. والتسبيح: هو التنزيه، والتقديس للملك الجليل؛ أي: نزهه عما لا يليق بجلاله وعظمته مع شكرك له. ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ أي: سل الله الغفران، روى الأئمة (واللفظ للبخاري) عن عائشة-﵂. قالت: ما صلى ﷺ بعد أن نزلت عليه سورة: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلا يقول: «سبحانك ربّنا وبحمدك، اللهمّ اغفر لي». وعنها أيضا قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه، وسجوده: «سبحانك اللهمّ ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي». وفي غير البخاري: وقالت أم سلمة ﵂: كان النبي ﷺ آخر أمره لا يقوم، ولا يقعد، ولا يجيء، ولا يذهب إلا قال: «سبحان الله وبحمده، أستغفر الله، وأتوب إليه». قال: «فإني أمرت بها». ثم قرأ: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلى آخرها. وقال أبو هريرة-﵁: اجتهد النبي ﷺ بعد نزول هذه السورة حتى تورمت قدماه، ونحل جسمه، وقل تبسمه، وكثر بكاؤه. وقال عكرمة-﵁: لم يكن النبي ﷺ قطّ أشدّ اجتهادا في أمور الآخرة، ما كان منه عند نزولها. وقال مقاتل: لما نزلت؛ قرأها النبي ﷺ على أصحابه، ومنهم أبو بكر، وعمر، وسعد بن أبي وقاص-﵃ أجمعين-ففرحوا واستبشروا، وبكى العباس-﵁،

стр. 7430

فقال له النبي ﷺ : «ما يبكيك يا عم؟». قال: نعيت إليك نفسك. قال: «إنه لكما تقول». فعاش بعدها ستين يوما، ما رئي فيها ضاحكا مستبشرا. وفي البخاري، وغيره عن ابن عباس-﵄-قال: كان عمر-﵁ يأذن لأهل بدر، ويأذن لي معهم. قال: فوجد بعضهم من ذلك، فقالوا: يأذن لهذا الفتى معنا، ومن أبنائنا من هو مثله، فقال لهم عمر: إنه من قد علمتم. قال: فأذن لهم ذات يوم، وأذن لي معهم، فسألهم عن هذه السورة: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلى آخرها فقالوا: أمر الله نبيه ﷺ إذا فتح عليه أن يستغفره، وأن يتوب إليه. فقال: ما تقول يابن عباس؟! قلت: ليس كذلك، ولكن أخبر الله نبيه ﷺ حضور أجله. فقال: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ..﴾. إلخ فذلك علامة موتك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ..﴾. إلخ فقال عمر-﵁: تلومونني عليه؟! وفي البخاري: فقال عمر-﵁: ما أعلم منها إلا ما تقول. فإن قيل: فماذا يغفر للنبي ﷺ حتى يؤمر بالاستغفار، وقد غفر الله له ما تقدم، وما تأخر من ذنبه؟ فالجواب: كان النبي ﷺ يقول في دعائه: «رب اغفر لي خطيئتي، وجهلي، وإسرافي في أمري كله، وما أنت أعلم به مني، اللهمّ اغفر لي خطئي، وعمدي، وجهلي، وهزلي، وكلّ ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدّمت، وما أخّرت، وما أعلنت وما أسررت، أنت المقدم، وأنت المؤخر، إنك على كل شيء قدير». فكان ﷺ يستقصر نفسه؛ لعظم ما أنعم الله به عليه. ويرى قصوره عن القيام بحق ذلك ذنوبا. وقيل: الاستغفار تعبد يجب إتيانه، لا للمغفرة، بل تعبدا. وقيل: ذلك تنبيه لأمته؛ لكيلا يأمنوا، ويتركوا الاستغفار. ﴿إِنَّهُ كانَ تَوّاباً﴾ أي: على المسبحين، والمستغفرين. يتوب عليهم، ويرحمهم، ويقبل توبتهم، و (توّاب): كثير قبول التوبة من عباده، أو الرجاع على عباده بالرحمة، والمغفرة، فهو صيغة مبالغة، وتوبة العبد: رجوعه عن المعصية إلى الطاعة، وقرع باب ربه بالندم، والإنابة. وانظر الاستغفار في الآية رقم [١٠] من سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وشرح ﴿كانَ﴾ برقم [١٠] منها. هذا؛ وعن عائشة-﵂-قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر من قول: «سبحان الله وبحمده، أستغفر الله، وأتوب إليه». قالت: فقلت: يا رسول الله! أراك تكثر من قول: (سبحان...) إلخ فقال: «خبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من قول: سبحان... إلخ». فقد رأيتها: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ..﴾. إلخ. وقال ابن عمر-﵄: نزلت هذه السورة بمنى في حجة الوداع، ثم نزلت: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ من الآية رقم [٣] من سورة (المائدة) فعاش بعدها النبي ﷺ ثمانين يوما، ثم نزلت آية الكلالة (آخر سورة النساء) فعاش بعدها خمسين يوما، ثم

стр. 7431

نزل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ..﴾. إلخ آخر سورة (التوبة) فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوما، ثم نزل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ..﴾. إلخ رقم [٢٨١] من سورة (البقرة) فعاش بعدها أحدا وعشرين يوما. وقال مقاتل: عاش سبعة أيام. وقيل: غير ذلك. والمشهور: أن سورة (النصر) نزلت قبل فتح مكة، وكانت بشارة بفتحها، وهذا من أعلام النبوة. هذا؛ وقال الرازي-رحمه الله تعالى-: اتفق الصحابة على أن هذه السورة دلت على نعي رسول الله ﷺ ، وذلك لوجوه: أحدها: أنهم عرفوا ذلك لما خطب رسول الله ﷺ عقب نزول السورة، وذكر التخيير، وهو قوله ﷺ في خطبته: «إن عبدا خيره الله تعالى بين الدنيا، وبين لقائه، فاختار لقاء الله تعالى». فقال أبو بكر-﵁: فديناك بأنفسنا، وأموالنا، وأولادنا، وآبائنا. ثانيها: أنه لما ذكر حصول النصر، والفتح، ودخول الناس في الدين أفواجا، دل ذلك على حصول الكمال، والتمام، وذلك يعقبه الزوال، والنقصان، كما قيل: [المتقارب] إذا تمّ أمر بدا نقصه... توقّع زوالا إذا قيل تم وقال الرندي: [البسيط] لكلّ شيء إذا ما تمّ نقصان... فلا يغرّ بطيب العيش إنسان ثالثها: أنه تعالى أمره بالتسبيح، والحمد، والاستغفار مطلقا، واشتغاله بذلك يمنعه من اشتغاله بأمر الأمة، فكان هذا كالتنبيه على أن أمر التبليغ قد تم، وكمل، وذلك يقتضي انقضاء الأجل؛ إذ لو بقي ﷺ بعد ذلك لكان كالمعزول من الرسالة، وذلك غير جائز. انتهى. جمل نقلا من الرازي. أقول: التعبير بقوله: كالمعزول من الرسالة غير جيد قطعا؛ لأن العزل يقتضي إبداله بغيره، وهذا مستحيل قطعا، وأبدا. تنبيه: والتعبير ب: ﴿جاءَ نَصْرُ اللهِ﴾ مستعار؛ لأن المقدر متوجه من الأزل لوقته، فكأنه سائر نحوه، فشبه حصول المقدورات، ووقوعها عند حضور أوقاتها بمجيئها إليها، فأطلق اسم المجيء على ذلك الحصول، ثم اشتق منه لفظ جاء، فيكون استعارة تبعية بالحرف. هذا؛ والفعل: «جاء» يستعمل لازما إن كان بمعنى: أقبل، ووصل، كما في هذه السورة، ويستعمل متعديا إن كان بمعنى: بلغ، كما في قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ﴾ ومثله: «أتى» يكون لازما، ومتعديا. الإعراب: ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض. ﴿نَصْرُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية

стр. 7432

ابتدائية لا محل لها، و ﴿إِذا:﴾ متعلقة بالفعل ﴿جاءَ﴾ ولا يجوز تعليقها بالفعل (سبّح)؛ لأنه لا يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها. (الفتح): معطوف على ما قبله. (رأيت الناس): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿يَدْخُلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿النّاسَ﴾ إن كانت رأى بصرية، أو مفعول ثان إن كانت علمية. ﴿أَفْواجاً:﴾ حال من واو الجماعة. ﴿فَسَبِّحْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا:﴾ (سبح): فعل أمر، وفاعله تقديره: «أنت»، والجملة جواب (إذا) لا محل لها. ﴿بِحَمْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و (حمد): مضاف، و ﴿رَبِّكَ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. (استغفره): فعل أمر، وفاعله مستتر، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّهُ:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو». ﴿تَوّاباً:﴾ خبرها، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية، لا محل لها؛ لأنها تعليل للأمر. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم. انتهت سورة (النصر) بعونه، وتوفيقه. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7433

سورة المسد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (تبت)، وتسمى سورة أبي لهب، وسورة (المسد)، وهي خمس آيات، وعشرون كلمة، وسبعون حرفا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ (٣) وَاِمْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾ جاء في الصحيحين وغيرهما، واللفظ لمسلم: عن ابن عباس-﵄: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ رقم [٢١٤] من سورة (الشعراء) خرج رسول الله ﷺ حتى صعد الصفا، فهتف: «يا صباحاه!». فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد، فاجتمعوا إليه؛ فقال: «أرأيتكم لو أخبرتكم: أن خيلا، تخرج بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم؛ أكنتم مصدقيّ؟» قالوا: ما جربنا عليك كذبا. قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد!» فقال أبو لهب: تبّا لك؛ ألهذا جمعتنا؟! ثم قام، فنزلت السورة الكريمة، فلما سمعت امرأته العوراء ما نزل بزوجها، وفيها من القرآن؛ أتت رسول الله ﷺ ؛ وهو جالس في المسجد عند الكعبة، ومعه أبو بكر-﵁-وفي يدها فهر (حجر ملء الكف) فلما وقفت عليه؛ أخذ الله بصرها عن رسول الله ﷺ ، فلا ترى إلا أبا بكر، فقالت: يا أبا بكر! إن صاحبك قد بلغني أنه يهجوني، والله لو وجدته؛ لضربت بهذا الفهر فاه! والله إني لشاعرة، وقائلة: [مجزوء الرجز] مذمّما عصينا... وأمره أبينا ودينه قلينا ثم انصرفت، فقال الصديق-﵁: يا رسول الله! أما تراها رأتك؟ قال: «ما رأتني! لقد أخذ الله بصرها عني!» وكانت قريش تسمي رسول الله ﷺ مذمما، يسبونه، ويهجونه، وكان ﷺ يقول: «ألا تعجبون لما صرف الله عني من أذى قريش، يسبون، ويهجون مذمما، وأنا محمد». هذا؛ وكان النبي ﷺ يعرض نفسه على قبائل العرب في موسم الحج، وأبو لهب يمشي خلفه، ويقول لهم: هذا ابن أخي، وهو كذاب، لا تصدقوه! فكانوا يردون على

стр. 7434

النبي ﷺ ، ويقولون: قوم الرجل أعلم به، فكانت السعادة مقدرة للأوس، والخزرج في المدينة المنورة. هذا؛ ومعنى ﴿تَبَّتْ:﴾ خابت، وخسرت، والتباب: الخسار، والهلاك. قال تعالى في سورة (غافر) رقم [٣٧]: ﴿وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاّ فِي تَبابٍ﴾. وقال يمان بن رئاب: ﴿تَبَّتْ﴾ صفرت من كل خير، حكى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء: أنه لما قتل عثمان-﵁-سمع الناس هاتفا يقول: [مجزوء الوافر] لقد خلّوك، وانصرفوا... فما آبوا ولا رجعوا ولم يوفوا بنذرهم... فيا تبّا لما صنعوا وخص اليدين بالتباب؛ لأن العمل أكثر ما يكون بهما؛ أي: خسرتا، وخسر هو. وقيل: المراد باليدين نفسه، وقد يعبر عن النفس باليد، كما قال تعالى في سورة (الحج) رقم [١٠]: ﴿بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾. ﴿وَتَبَّ:﴾ قال الفراء: التب الأول دعاء، والثاني خبر، كما يقال: أهلكه الله؛ وقد هلك. و (أبو لهب) اسمه عبد العزى، وهو ابن عبد المطلب عم النبي ﷺ ، وامرأته العوراء أم جميل، أخت أبي سفيان بن حرب، واسمها: أروى. وكلاهما كان شديد العداوة للنبي ﷺ . وكني بأبي لهب؛ لحسنه، وإشراق وجهه. فإن قلت: لم كناه، وفي الكنية تشريف، وتكرمة؟ قلت: فيه وجوه: أحدها: أنه كان مشتهرا بالكنية دون الاسم، فلو ذكره باسمه؛ لم يعرف. الثاني: أنه كان اسمه عبد العزى، فعدل عنه إلى الكنية لما فيه من الشرك. الثالث: أنه لما كان من أهل النار، ومآله إلى النار، والنار ذات لهب، وافقت حاله كنيته، وكان جديرا بأن يذكر بها. الرابع: أن الله تعالى أراد أن يحقق نسبته بأن يدخله النار، فيكون أبا لها، تحقيقا للنسب، وإمضاء للفأل، والطيرة؛ التي اختارها لنفسه. الخامس: أن المراد بالكنية التحقير، كما بكنية أبي جهل. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. ﴿ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ:﴾ قال ابن مسعود-﵁: لما دعا رسول الله ﷺ أقرباءه إلى الله تعالى؛ قال أبو لهب: إن كان ما تقول يا بن أخي حقا، فأنا أفتدي نفسي بمالي، وولدي، فأنزل الله تعالى: ﴿ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ﴾ أي: أي شيء يغني عنه ماله؟! أي: ما يدفع عنه عذاب الله ماله؛ الذي جمعه، واكتسبه. أو الذي ورثه من أبيه، والذي كسبه بنفسه. هذا؛ وقيل: وما كسب من الأولاد. فإن ولد الرجل من كسبه، كما جاء في الحديث من قول النبي ﷺ : «إنّ أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإنّ أولادكم من كسبكم». أخرجه الترمذي. قال الآلوسي-رحمه الله تعالى-: كان لأبي لهب ثلاثة أبناء: عتبة، ومعتب، وعتيبة. وقد أسلم

стр. 7435

الأولان يوم الفتح، وشهدا حنينا، والطائف، وأما عتيبة؛ فلم يسلم. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٧] من سورة (عبس) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، والحمد لله. فائدة بل طرفة: جاء بنو أبي لهب يختصمون عند ابن عباس-﵄-فاقتتلوا، فقام ليحجز بينهم، فدفعه بعضهم، فوقع على الفراش، فغضب. وقال: أخرجوا عني الكسب الخبيث، يعني: ولد أبي لهب. فائدة: يروى: أن معاوية قال لابن عباس: إذا دخلت النار؛ فأين تجد عمك أبا لهب؟ فقال له ابن عباس-﵄: إذا دخلت النار؛ تجده مفترشا عمتك أروى! فأفحم، ولم يحر جوابا. هذا؛ وهلك أبو لهب بعد وقعة بدر بسبع ليال بمرض معد كالطاعون يسمى العدسة، وبقي ثلاثة أيام حتى أنتن، فلما خافوا العار؛ حفروا له حفرة، ودفعوه إليها بعود حتى وقع فيها، ثم قذفوه بالحجارة؛ حتى واروه، فكان الأمر كما أخبر القرآن. هذا؛ والعدسة: قرحة تعتري الإنسان، كانت العرب تهرب منها؛ لأنها بزعمهم تعدي أشد العدوى. وفي القاموس: والعدسة: بثرة تخرج بالبدن فتقتل، وقد عدس، كعنى. فهو معدوس. انتهى. ﴿سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ﴾ أي: سيدخل نارا حامية، ذات اشتعال، وتوقد عظيم، وإحراق شديد. هذا؛ وانظر شرح: ﴿سَأُصْلِيهِ﴾ في سورة (المدثر) رقم [٢٦]، وشرح: ﴿ذاتَ﴾ في سورة (الملك) رقم [١٣]، وشرح ﴿ناراً﴾ في سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [٢٥]. ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ﴾ أي: امرأة أبي لهب المذكورة قريبا. والمعنى: ستدخل معه النار مع الداخلين؛ لأنها كانت مع زوجها في نهاية العداوة لرسول الله ﷺ . قيل: كانت تحمل الشوك، والحسك، والعضاه، والأقذار بالليل، فتطرحه في طريق رسول الله ﷺ وأصحابه؛ لتؤذيهم بذلك. وهي رواية عن ابن عباس-﵄. فإن قلت: إنها كانت من بيت العز، والشرف، فكيف يليق بها حمل الحطب، قلت: يحتمل أنها كانت مع كثرة مالها، وشرفها في نهاية البخل، والخسة، فكان يحملها بخلها على حمل الحطب بنفسها. ويحتمل: أنها كانت تفعل ذلك لشدة حقدها، وعداوتها لرسول الله ﷺ ، ولا ترى أنها تستعين في ذلك بأحد، بل تفعلها هي بنفسها. وقال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي: كانت تمشي بالنميمة بين الناس. تقول العرب: فلان يحطب على فلان: إذا حرش عليه. قال الشاعر: [الرجز] إنّ بني الأدرم حمالو الحطب... هم الوشاة في الرّضا وفي الغضب عليهم اللعنة تترى والحرب

стр. 7436

فكانت تمشي بالنميمة، وتنقل الحديث، وتلقي العداوة بين الناس، وتوقد نارها، كما توقد النار بالحطب. وقيل: حمالة الخطايا، والآثام؛ التي حملتها في عداوة رسول الله ﷺ ؛ لأنها كانت كالحطب في مصيرها إلى النار. ﴿فِي جِيدِها﴾ أي: عنقها. قال امرؤ القيس في معلقته رقم [٤٤]: [الطويل] وجيد كجيد الرّيم ليس بفاحش... إذا هي نصّته ولا بمعطّل ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ أي: من ليف. قال النابغة في معلقته رقم [٨]: [البسيط] مقذوفة بدخيس النّحض بازلها... له صريف صريف القعو بالمسد انظر شرح البيتين، وإعرابهما في كتابنا: «فتح الكبير المتعال». هذا؛ وجمع الجيد: أجياد، وجمع المسد: أمساد، وقال ابن عباس-﵄-في شرح ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ:﴾ سلسلة من حديد، ذرعها سبعون ذراعا تدخل من فيها، وتخرج من دبرها، ويكون سائرها في عنقها، فتلت من حديد فتلا محكما. وقيل: هو حبل من ليف، وذلك الحبل هو الذي كانت تحتطب به، فبينما هي ذات يوم حاملة الحزمة، أعيت، فقعدت على حجر لتستريح، أتاها ملك، فجذبها من خلفها، فأهلكها. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿تَبَّتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، لا محل له. ﴿يَدا:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، و ﴿يَدا:﴾ مضاف، و ﴿أَبِي:﴾ مضاف إليه مجرور وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿أَبِي:﴾ مضاف، و ﴿لَهَبٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَتَبَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (تب): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿أَبِي لَهَبٍ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، الأولى بالابتداء، والثانية بالإتباع. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَغْنى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿مالُهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والمفعول محذوف، التقدير: ما أغنى عنه ماله شيئا. هذا؛ ويجوز اعتبار (ما) استفهامية مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم، وعلى الاعتبارين فالجملة فعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع معطوف على ﴿مالُهُ﴾. ﴿كَسَبَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿أَبِي لَهَبٍ﴾. والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: والذي كسبه. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في رفع معطوف على ﴿مالُهُ﴾ التقدير: وكسبه. وأجاز السمين اعتبار (ما) استفهامية. والمعنى لا يؤيده. تأمل.

стр. 7437

﴿سَيَصْلى:﴾ السين: حرف استقبال. (يصلى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿أَبِي لَهَبٍ﴾ أيضا. ﴿ناراً:﴾ مفعول به. ﴿ذاتَ:﴾ صفة ﴿ناراً،﴾ و ﴿ذاتَ:﴾ مضاف، و ﴿لَهَبٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. (امرأته): مبتدأ. ﴿حَمّالَةَ:﴾ مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أذم حمالة، وأجيز اعتباره حالا، و ﴿حَمّالَةَ:﴾ مضاف، و ﴿الْحَطَبِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة مبالغة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِي جِيدِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و (ها) في محل جر بالإضافة. ﴿حَبْلٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَامْرَأَتُهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والجملة الفعلية: المقدرة: «أذمّ حمالة الحطب» معترضة بين المبتدأ والخبر، لا محل لها. ﴿مِنْ مَسَدٍ:﴾ جار، ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿حَبْلٌ﴾. هذا؛ ويقرأ برفع «(حمالة)» على أنه خبر: (امرأته)، وتكون جملة: ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ في محل نصب حال من الضمير المستتر ب: (حمالة)، أو في محل رفع خبر ثان للمبتدأ. والرابط على الاعتبارين الضمير، وعلى هذا يوقف على ﴿ذاتَ لَهَبٍ﴾ ويستأنف ما بعده، ويجوز عطف (امرأته) على الضمير المستتر ب: (يصلى) وعليه فلا يوقف على ﴿ذاتَ لَهَبٍ،﴾ ويوقف على (امرأته)، ويكون (حمالة) خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هي حمالة، والجملة الاسمية مستأنفة، وتكون الجملة الاسمية: ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ..﴾. إلخ محتملة للوجهين اللذين ذكرتهما سابقا. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿حَمّالَةَ﴾ في حال رفعها نعتا ل: (امرأته)، وجاز ذلك؛ لأن الإضافة حقيقية؛ إذ المراد المضي. واعتبارها عطف بيان، وبدلا من (امرأته)؛ لأنها تشبه الجوامد لتمحض الإضافة. انتهت سورة (المسد) شرحا، وإعرابا بعون الله، وتوفيقه. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7438

سورة الإخلاص بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (الإخلاص) وهي مكية. وقيل: مدنية، وهي أربع آيات، وخمس عشرة كلمة، وسبعة وأربعون حرفا. انتهى. خازن. ولها أسماء كثيرة. وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى. وخذ ما يلي في فضلها: فعن أبي سعيد الخدري-﵁: أن رجلا سمع رجلا يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي ﷺ ، فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقللها، فقال رسول الله ﷺ «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن!». أخرجه البخاري. وفي رواية قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟» فشق ذلك عليهم، فقالوا: أيّنا يطيق ذلك يا رسول الله؟! فقال: «﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١) اللهُ الصَّمَدُ﴾ ثلث القرآن». أخرجه مسلم عن أبي الدرداء-﵁. وانظر ما ذكرته في فضل سورة (الزلزلة) وسورة (الكافرون). وقال الإمام النووي-رحمه الله تعالى-: قيل: معناه: أن القرآن على ثلاثة أنحاء: قصص، وأحكام، وصفات لله تعالى، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ متضمنة للصفات، فهي ثلث القرآن، وجزء من ثلاثة أجزاء. وعن عائشة-﵂: أن النبي ﷺ بعث رجلا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم ب: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: «سلوه: لأي شيء يصنع ذلك؟» فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي ﷺ : «أخبروه: أنّ الله تعالى يحبّه». أخرجه البخاري في باب التوحيد. وقيل: سميت هذه السورة: سورة (الإخلاص)، إما؛ لأنها خالصة لله تعالى في صفته، أو؛ لأن قارئها قد أخلص لله التوحيد، ومن فوائد هذه السورة: أن الاشتغال بقراءتها يفيد الاشتغال بالله، وملازمة الإعراض عما سوى الله تعالى، وهي متضمنة تنزيه الله تعالى، وبراءته عن كل ما لا يليق به؛ لأنها مع قصرها جامعة لصفات الأحدنية، والصمدانية، والفردانية، وعدم النظير، والأحاديث في بيان فضلها، وفضل قراءتها كثيرة، ومشهورة، ومسطورة. سبب النزول: أن بعض المشركين جاؤوا إلى النبي ﷺ ، فقالوا: يا محمد! صف لنا ربك: أمن ذهب هو، أم من فضة، أم من زبرجد، أم من ياقوت؟ فنزلت السورة الكريمة. أخرجه الترمذي عن أبيّ بن كعب-﵁، وأخرجه الحاكم، وابن خزيمة من طريق أبي العالية

стр. 7439

عن أبيّ أيضا. وأخرج الطبراني، وابن جرير مثله من حديث جابر بن عبد الله-﵄ فاستدل بذلك على أن السورة مكية. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس-﵄: أن اليهود جاءت إلى النبي ﷺ منهم كعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، لعنهما الله! فقالوا: يا محمد! صف لنا ربك الذي بعثك. فأنزل الله ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ،﴾ فاستدل بهذا على أن السورة مدنية. انتهى. سيوطي أسباب النزول. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١) اللهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤)﴾ الشرح: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ:﴾ هو بمعنى واحد، وأصله: وحد، فقلبت الواو همزة لوقوعها طرفا في أول الكلمة، والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المستهزئين: الله هو الواحد الأحد؛ الذي لا نظير له، ولا وزير، ولا شبيه، ولا عديل؛ لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله، فهو جل وعلا واحد أحد، ليس كما يعتقد النصارى بالتثليث: الأب، والابن، وروح القدس. ولا كما يعتقد المشركون بتعدد الآلهة. قال في التسهيل: واعلم: أن وصف الله تعالى بالواحد الأحد، له ثلاثة معان، كلها صحيحة في حقه تعالى: الأول: أنه واحد لا ثاني معه، فهو نفي للعدد. والثاني: أنه واحد لا نظير له، ولا شريك له، كما تقول: فلان واحد في عصره؛ أي: لا نظير له. والثالث: أنه واحد لا ينقسم، ولا يتبعض. والمراد بالسورة نفي الشريك ردا على المشركين، وقد أقام الله في القرآن براهين قاطعة على واحدانيته تعالى، وذلك كثير جدا، وأوضحها أربعة براهين: الأول: قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ الآية رقم [١٧] من سورة (النحل)، وهذا دليل الخلق، والإيجاد. فإذا ثبت: أن الله تعالى خالق لجميع الموجودات؛ لم يصح أن يكون واحد منها شريكا له. والثاني: قوله تعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا﴾ رقم [٢٢] من سورة (الأنبياء) وهو دليل الإحكام والإبداع. الثالث قوله تعالى: ﴿لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ رقم [٤٢] من سورة (الإسراء) وهو دليل القهر، والغلبة. الرابع: قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ رقم [٩١] من سورة (المؤمنون) وهو دليل التنازع والاستعلاء. انتهى. صفوة التفاسير بتصرف، بعد هذا انظر شرح ﴿أَحَدٌ﴾ في سورة (الجن) [٢٦] فإنه جيد. ﴿اللهُ الصَّمَدُ:﴾ قال ابن عباس-﵄: هو الذي يصمد إليه في الحاجات، كما قال : ﴿ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ﴾ رقم [٥٣] من سورة (النحل). قال أهل اللغة: الصمد: السيد؛ الذي يصمد إليه في النوازل، والحوائج. قال الشاعر: [الطويل]

стр. 7440

ألا بكّر الناعي بخير بني أسد... بعمرو بن مسعود وبالسّيّد الصّمد وروى البخاري في أفراده عن أبي وائل شقيق بن سلمة-﵁-قال: ﴿الصَّمَدُ﴾ هو السيد الذي انتهى سؤدده. وهي رواية عن ابن عباس-﵄-قال: هو السيد الذي كمل فيه جميع أوصاف السؤدد. ومنه قول الشاعر: [البسيط] علوته بحسام ثمّ قلت له... خذها حذيف فأنت السّيّد الصّمد وبالجملة ف: ﴿الصَّمَدُ﴾ هو الباقي الدائم بعد فناء خلقه؛ الذي ليس فوقه أحد، وهو الذي لا تعتريه الآفات، ولا تغيره الأوقات، وهو الذي لا عيب فيه، وهو الأول الذي ليس له زوال، والآخر الذي ليس لملكه انتقال، الموصوف بما بعده. ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ وذلك: أن مشركي العرب قالوا: الملائكة بنات الله. وقالت اليهود: عزير ابن الله. وقالت النصارى: المسيح ابن الله. فكذبهم الله جميعا، ونفى عن نفسه ما قالوا بقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ،﴾ يعني كما ولد عيسى، وعزير، ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ معناه: من ولد كان له والد، فنفى عنه إحاطة النسب من جميع الجهات، فهو الأول الذي لم يتقدمه والد كان عنه، وهو الآخر الذي لم يتأخر عنه ولد يكون عنه. هذا؛ والفعل ﴿يَلِدْ﴾ أصله: (يولد) فحذفت الواو لوقوعها ساكنة بين عدوتيها، وهما: الياء، والكسرة من مضارع الغائب، وتحذف من مضارع المخاطب، والمتكلم قياسا عليه، مثل: يعد، ويزن، ونحوهما. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ أي: لم يكن له مكافئ، ولا مماثل، ولا مشابه في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله. هذا؛ ويقرأ (كفوا) بضم الفاء، وسكونها، مثل: العسر، واليسر في سورة (الشرح). وعن أبي هريرة-﵁: أن النبي ﷺ قال: قال الله : «كذّبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأمّا تكذيبه إياي؛ فقوله: لن يعيدني كما بدأني. وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته. وأما شتمه إيّاي، فقوله: اتخذ الله ولدا. وأنا الأحد الصمد؛ الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد». أخرجه البخاري. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿هُوَ:﴾ ضمير الشأن مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿اللهُ أَحَدٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول، هذا هو الإعراب المعتمد. وقال الجلال: ﴿اللهُ:﴾ خبر ﴿هُوَ،﴾ و ﴿أَحَدٌ:﴾ بدل منه، أو خبر ثان. وقال أبو البقاء الإعراب الأول، ثم قال: يجوز أن يكون ﴿اللهُ:﴾ خبر المبتدأ، و ﴿أَحَدٌ:﴾ بدل منه، أو خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون ﴿اللهُ:﴾ بدلا من الضمير، و ﴿أَحَدٌ:﴾ الخبر، انتهى. وقال مكي: ﴿اللهُ الصَّمَدُ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي في محل رفع خبر ثان للضمير. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب،

стр. 7441

وجزم. ﴿يَلِدْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ والفاعل ضمير مستتر يعود إلى ﴿اللهُ﴾ والمفعول محذوف، والجملة الفعلية مستأنفة، أو في محل رفع خبر ثالث للضمير. والحالية سائغة فيها أيضا. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لم): حرف جازم. ﴿يُولَدْ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم ب: (لم)، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾ أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لم): حرف جازم. ﴿يَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لم). ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب: ﴿كُفُواً﴾ بعدهما. ﴿كُفُواً:﴾ خبر ﴿يَكُنْ﴾ مقدم. ﴿أَحَدٌ:﴾ اسم مؤخر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (الإخلاص) شرحا، وإعرابا بحمد الله، وتوفيقه. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7442

سورة الفلق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (الفلق) مدنية. وقيل: مكية. وهو ضعيف. وهي خمس آيات، وثلاث وعشرون كلمة، وأربعة وسبعون حرفا، انتهى. خازن. وخذ ما يلي: قال ابن عباس، وعائشة-﵄: كان غلام من اليهود يخدم النبي ﷺ ، فدبت إليه اليهود، فلم يزالوا به؛ حتى أخذ من مشاطة رأس رسول الله ﷺ ، وعدة من أسنان مشطه، فأعطاها اليهود، فسحروه بها. وتولى ذلك لبيد بن الأعصم، رجل من اليهود. انتهى. وعن عائشة-﵂: أنّ النبي ﷺ سحر؛ حتى كان يخيل إليه: أنه فعل الشيء، وما فعله؛ حتى إذا كان ذات يوم؛ وهو عندي؛ دعا الله، ودعاه، ثم قال: «أشعرت يا عائشة! أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟». قلت: وما ذاك يا رسول الله؟! قال: «جاءني رجلان، فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب. قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي من بني زريق. قال: فبماذا؟ قال: في مشط، ومشاطة، وجف طلعة ذكر (وعاء طلع النخل). قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذروان (ومن الرواة من قال: في بئر بني زريق». فذهب النبي ﷺ في أناس من أصحابه إلى البئر، فنظر إليها، وعليها نخل، ثم رجع إلى عائشة-﵂-فقال: «والله لكأنّ ماءها نقاعة حناء، ولكأن نخلها رؤوس الشياطين!». قلت: يا رسول الله! فأخرجه! قال: «أما أنا فقد عافاني الله وشفاني، وخفت أن أثير على الناس منه شرا». متفق عليه. وفي رواية للبخاري: أنه كان يرى: أنه يأتي النساء، ولا يأتيهن. قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذلك. وعن زيد بن أرقم-﵁-قال: سحر رجل من اليهود النبي ﷺ ، فاشتكى ذلك أياما، فأتاه جبريل ﵇، فقال: إن رجلا من اليهود سحرك، وعقد لك عقدا في بئر كذا، فأرسل رسول الله ﷺ عليا-﵁-ومعه الزبير، وعمار بن ياسر-﵃-فاستخرجها، فجاء بها، فحلّها، فجعل كلّما حلّ عقدة؛ وجد لذلك خفة، فقام رسول الله ﷺ كأنما نشط من عقال، فما ذكر ذلك لليهودي، ولا رآه في وجه قط. أخرجه النسائي. فأنزل الله هاتين السورتين، وهما إحدى عشرة آية، سورة (الفلق) خمس آيات، وسورة (الناس) ست آيات، فكان كلما قرأ آية انحلت عقدة، حتى انحلت العقد كلها. فقام النبي ﷺ ،

стр. 7443

كأنما نشط من عقال. انتهى. خازن. وفي فتح الباري: وكان من جملة السحر صورة من شمع على صورة رسول الله ﷺ ، وقد جعلوا في تلك الصورة إبرا مغروزة ووترا فيه إحدى عشرة عقدة، وكان النبي ﷺ كلما قرأ آية انحلت عقدة، وكلما نزع إبرة، وجد لها ألما في بدنه، ثم يجد بعدها راحة. انتهى. جمل. هذا؛ وقال الراغب: تأثير السحر في النبي ﷺ لم يكن من حيث إنه نبي، وإنما كان في بدنه من حيث إنه إنسان، أو بشر، كما كان يأكل، ويتغوط، ويغضب، ويشتهي، ويمرض فتأثيره فيه من حيث هو بشر، لا من حيث هو نبي، وإنما يكون ذلك قادحا في النبوة لو وجد للسحر تأثير في أمر يرجع للنبوة، كما أنّ جرحه، وكسر ثنيته يوم أحد لم يقدح فيما ضمن الله له من عصمته في قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٦٧]: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ وكما لا اعتداد بما يقع في الإسلام من غلبة بعض المشركين على بعض النواحي فيما ذكر من كمال الإسلام في قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٤]: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾. انتهى. جمل. أقول: والمحفوظ: أن النبي ﷺ دعا لبيدا، وسأله عن فعله السحر، فاعترف، واعتذر بأن اليهود رشوه بأموال كثيرة، فعفا عنه الرسول ﷺ . وهذا كله يؤيد: أن السورتين الكريمتين نزلتا في المدينة المنورة. وخذ ما يلي: فقد أخرج النسائي عن عقبة بن عامر-﵁-أن النبي ﷺ قال له: «يا عقبة تعوّذ بهما، فما تعوذ متعوذ بمثلهما!» وكان ﷺ يتعوذ ب ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾. وفي صحيح البخاري، ومسلم عن عائشة-﵂: أن النبي ﷺ ، كان إذا اشتكى؛ قرأ على نفسه بالمعوذتين، وينفث، فلما اشتد وجعه؛ كنت أقرأ عليه، وأمسح عنه بيده رجاء بركتها. وعن أبي سعيد الخدري-﵁: أن جبريل-﵇-أتى النبي ﷺ ، فقال: «يا محمد! اشتكيت؟ قال: نعم. قال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس، أو عين حاسد، الله يشفيك، بسم الله أرقيك». أخرجه مسلم. تنبيه: قال الإمام المازري: مذهب أهل السنة، وجمهور علماء الأمة على إثبات السحر، وأن له حقيقة، كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة خلافا لمن أنكر ذلك، ونفى حقيقته، وأضاف: ما يقع منه إلا خيالات باطلة، لا حقائق لها. وقد ذكره الله في كتابه، وذكر أنه مما يتعلم، وذكر ما فيه إشارة إلى أنه مما يكفر به، وأنه يفرق بين المرء، وزوجه. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٠٢]: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾. وهذا كله لا يمكن أن يكون مما لا حقيقة له. والحديث

стр. 7444

الصحيح المتقدم مصرح بإثباته، ولا يستنكر في العقل: أن الله تعالى يخرق العادة عند النطق بكلام ملفق، أو تركيب أجسام، أو المزج بين قوى؛ لا يعرفها إلا الساحر، وأنه لا فاعل إلا الله تعالى، وما يقع من ذلك فهو عادة أجراها الله تعالى على يد من يشاء من عباده. انتهى. خازن. فإن قلت: المستعاذ منه هل هو بقضاء الله وقدره، أم لا؟ فإن كان بقضاء الله، وقدره؛ فكيف يأمر بالاستعاذة، مع أن ما قدر لا بد واقع؟ وإن لم يكن بقضاء الله، وقدره، فذلك قدح في القدرة. قلت: كل ما وقع في الوجود، هو بقضاء الله، وقدره، والاستشفاء بالتعوذ، والرقى من قضاء الله وقدره، يدل على صحة ذلك ما روى الترمذي عن ابن خزامة، عن أبيه قال: سألت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! أرأيت رقى نسترقي بها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا. قال: «هي من قدر الله تعالى». قال الترمذي: هذا حديث حسن. وروي عن عمر-﵁-قوله: «نفرّ من قدر الله إلى قدر الله تعالى». انتهى. خازن. يتلخص مما تقدم: أن السحر له حقيقة، ولا يلتفت لما قاله بعض المبتدعة من أنه لا حقيقة له. هذا؛ وأما الرقى، والتعاويذ؛ فقد اتفق الإجماع على جواز ذلك إذا كان بآيات القرآن، أو إذا كانت وردت في الأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك، منها حديث أبي سعيد الخدري-﵁-المتقدم، وأن جبريل ﵇ رقى النبي ﷺ . ومنها ما روي عن عبيد بن رفاعة الزرقي أن أسماء بنت عميس-﵂. قالت: يا رسول الله! إن ولد جعفر تسرع إليهم العين، فأسترقي لهم؟ قال: «نعم، فإنه لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين». أخرجه الترمذي. وقال: حديث صحيح. وعن أبي سعيد-﵁: أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ، ويقول: «أعوذ بالله من الجان، وعين الإنسان». فلمّا نزلت المعوذتان؛ أخذ بهما وترك ما سواهما. أخرجه الترمذي. وقال: حديث حسن غريب. ومنها رقية أبي سعيد الخدري-﵁-رئيس الحي الذي لدغ، وحديثه صحيح مشهور. فهذه الأحاديث تدلّ جواز الرقية، وإنما المنهي عنه منها ما كان فيه كفر، أو شرك، أو ما لا يعرف معناه مما ليس بعربي، لجواز أن يكون فيه كفر، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. انتهى. خازن بتصرف. تنبيه: وقد بين الواقدي السنة التي وقع فيها السحر، كما أخرجه عنه ابن سعد بسند له إلى عمر بن الحكم مرسل. قال: لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية في ذي الحجة، ودخل المحرم سنة سبع، وفرغ من وقعة خيبر؛ جاءت رؤساء اليهود إلى لبيد بن الأعصم، وكان حليفا في بني زريق، وكان ساحرا، فقالوا: أنت أسحرنا؛ أي: أعلمنا بالسحر، وقد سحرنا محمدا، فلم يؤثر فيه سحرنا، ونحن نجعل لك جعلا على أن تسحره لنا سحرا يؤثر فيه، فجعلوا له ثلاثة دنانير. انتهى. جمل نقلا من المواهب. واختلف في مدة سحره ﷺ ، وأعتمد: أنها كانت أربعين يوما فقط.

стр. 7445

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (٥)﴾ الشرح: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ:﴾ أراد بالفلق: الصبح، وهو قول الأكثرين، ورواية عن ابن عباس-﵄؛ لأن الليل ينفلق عنه الصبح. وسبب تخصيصه في التعوذ: أن القادر على إزالة هذه الظلمة عن العالم، قادر على أن يدفع عن المستعيذ ما يخافه، ويخشاه، والعرب تقول: هو أبين من فلق الصبح، وفرق الصبح. قال الشاعر: [البسيط] يا ليلة لم أنمها بتّ مرتفقا... أرعى النجوم إلى أن نوّر الفلق هذا، وعن ابن عباس-﵄-قال: إن الفلق سجن في جهنم. وقال الكلبي: هو واد في جهنم، إذا فتح؛ استعاذ منه أهل النار من حره. ووجهه: أن المستعيذ قال: أعوذ برب هذا العذاب القادر عليه من شر عذابه، وغيره، وعن ابن عباس-﵄-قال: الفلق: الخلق كله. قال رؤبة بن العجاج: [الرجز] وسوس يدعو مخلصا ربّ الفلق... سرّا وقد أوّن تأوين العقق قال القرطبي: وهذا القول يشهد له الاشتقاق، فإن الفلق: الشق، يقال: فلقت الشيء فلقا أي: شققته، والتفليق مثله، يقال: فلقته، فانفلق، وتفلّق. فكل ما انفلق عن شيء من حيوان، وصبح، وحب، ونوى، وماء فهو فلق. قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٩٦]: ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ﴾ وقال في الآية قبلها: ﴿فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى﴾ وقال ذو الرمة يصف الثور الوحشي: [البسيط] حتى إذا ما انجلى عن وجهه فلق... هاديه في أخريات الليل منتصب فهو يعني بالفلق هنا: الصبح بعينه. والفلق: المطمئن من الأرض بين الربوتين، وجمعه: فلقان، مثل خلق، وخلقان. وربما قالوا: كان ذلك بفالق كذا وكذا، يريدون المكان المنحدر بين الربوتين. والفلق أيضا: مقطرة السجان، وقد كان، ولا يزال يستعمل في بعض الأحيان لزجر، وتأديب التلاميذ في المدارس، وكلمة: (تحتاج إلى فلقة) مثل من الأمثال الشعبية السائرة. والفلق بكسر الفاء الداهية والأمر العجيب، وشاعر مفلق، وقد جاء بالفلق؛ أي: بالداهية، والفلق أيضا القضيب يشق باثنين، فيعمل منه قوسان، يقال لكل واحدة منهما: فلق. انتهى. قرطبي بتصرف. وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: الفلق ما يفلق عنه؛ أي: يفرق عنه، كالفرق، فعل بمعنى مفعول، وهو يعم جميع الممكنات، فإنه تعالى فلق ظلمة العدم بنور الإيجاد عنها، سيما ما يخرج من أصل، كالعيون، والأمطار، والنبات، والأولاد، ويخص عرفا بالصبح، ولذلك فسر به، وتخصيصه

стр. 7446

لما فيه من تغير الحال، وتبدل وحشة الليل بسرور النهار، ومحاكاة فاتحة يوم القيامة، والإشعار بأن من قدر أن يزيل ظلمة الليل عن هذا العالم؛ قدر أن يزيل عن العائذ ما يخافه. انتهى. ﴿مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ:﴾ قيل: يريد به إبليس خاصة؛ لأنه لم يخلق خلقا هو شر منه؛ لأن السحر لا يتم إلا به، وبأعوانه، وجنوده. وقيل: من شر كل ذي شر. وقيل: من شر ما خلق من الجن، والإنس، وقال النسفي: وقرأ أبو حنيفة بتنوين «(شرّ)»، فقال مكي: ومن قرأ بالتنوين؛ فقد ألحد وغيّر اللفظ، والمعنى. انظر الإعراب. ﴿وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ:﴾ الغاسق: الليل إذا اعتكر ظلامه. ووقوبه: دخول ظلامه في كل شيء. قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٧٨]: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾. يقال: غسق الليل، يغسق؛ أي: أظلم. قال عبد الله بن قيس الرقيات: [المديد] إن هذا الليل قد غسقا... واشتكيت الهمّ والأرقا وقال آخر: [البسيط] يا طيف هند لقد أبقيت لي أرقا... إذ جئتنا طارقا والليل قد غسقا هذا قول ابن عباس-﵄-وغيره، وعلى هذا التفسير، فيكون معنى ﴿وَقَبَ:﴾ نزل، يقال: وقب العذاب على الكافرين: نزل. قال الشاعر: [الكامل] وقب العذاب عليهم فكأنهم... لحقتهم نار السموم فأحصدوا وقيل: الغاسق: القمر، فعن عائشة-﵂. قالت: إن رسول الله ﷺ نظر إلى القمر، فقال: «يا عائشة! استعيذي بالله من شر هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب». أخرجه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح، فعلى هذا الحديث المراد به: القمر إذا خسف، واسود، ومعنى ﴿وَقَبَ:﴾ دخل في الخسوف، أو أخذ في الغيبوبة. وقيل: سمي به؛ لأنه إذا خسف؛ اسود، وذهب ضوءه. قال الزجاج: قيل الليل غاسق؛ لأنه أبرد من النهار، والغاسق البارد، والغسق: البرد، ولأن السباع تخرج في الليل من آجامها، والهوام من أماكنها، وينبعث أهل الشر على العبث، والفساد. وقيل: الغاسق الثريا. وقيل: الحيّة. وقيل: الشمس إذا غربت. وقيل الغاسق: كل هاجم يضر، كائنا ما كان، من قولهم: غسقت القرحة: إذا جرى صديدها. والمعتمد الأول، ثم الثاني. هذا؛ ويقال: غسق الجرح، يغسق غسقا: إذا خرج منه ماء أصفر. قال الشاعر: [الطويل] إذا ما تذكّرت الحياة وطيبها... إليّ جرى دمع من الليل غاسق ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفّاثاتِ فِي الْعُقَدِ:﴾ يعني الساحرات اللاتي ينفثن في عقد الخيط حين يرقين عليها. قال الشاعر: [المتقارب]

стр. 7447

أعوذ بربّي من النّافثا... ت في عضه العاضه المعضه العضه كعنب: الكذب، والسحر، والبهتان، والعاضه: الساحر. وقال متمم بن نويرة: [السريع] نفثت في الخيط شبيه الرّقى... من خشية الجنّة والحاسد وقيل: المراد ب: ﴿النَّفّاثاتِ:﴾ بنات لبيد بن الأعصم، اللاتي سحرن النبي ﷺ . والنفث: النفخ مع ريق قليل. وقيل: إنه النفخ فقط. واختلفوا في جواز النفث في الرّقى، والتعاويذ الشرعية المستحبة. فجوزه الجمهور من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم. ويدل عليه حديث عائشة-﵂-قالت: كان رسول الله ﷺ ، إذا مرض أحد من أهله، نفث عليه بالمعوذات... الحديث. وأنكر جماعة التفل، والنفخ في الرقى، وأجازوا النفخ بلا ريق. قال عكرمة: لا ينبغي للراقي أن ينفث، ولا يمسح، ولا يعقد. وقيل: النفث في العقد إنما يكون مذموما إذا كان سحرا مضرا بالأرواح، والأبدان، وإذا كان النفث لإصلاح الأرواح، والأبدان وجب أن لا يكون مذموما، ولا مكروها، بل هو مندوب إليه، وعلى الأول يحمل قول الرسول ﷺ : «من عقد عقدة، ثمّ نفث فيها؛ فقد سحر، ومن سحر؛ فقد أشرك، ومن علّق شيئا؛ وكل إليه». أخرجه النسائي عن أبي هريرة-﵁. أي: من علق شيئا من التعاويذ، والتمائم، واعتقد: أنها تجلب نفعا، أو تدفع عنه ضررا. وقيل: المراد تمائم الجاهلية، مثل الخرزات، وأظفار السباع، أما ما يكون من القرآن، والأسماء الإلهية؛ فهو خارج عن هذا الحكم. انتهى. خازن، وقرطبي. بتصرف. ﴿وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ:﴾ إذا ظهر حسده، وعمل بمقتضاه من بغي الغوائل للمحسود؛ لأنه إذا لم يظهر أثر ما أضمره؛ فلا ضرر يعود منه على من حسده، بل هو الضار لنفسه، لاغتمامه بسرور غيره. وعن عمر بن عبد العزيز-﵁. قال: لم أر ظالما أشبه بالمظلوم من حاسد! هذا؛ والحسد نوعان: ممدوح ومذموم، فالأول يسمى: حسد الغبطة، والمنافسة، وهي مطلوبة، ومرغب فيها، والرسول ندب إليها وقال: «المؤمن يغبط، والمنافق يحسد». وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود-﵁-عن النبي ﷺ قال: «لا حسد إلاّ في اثنتين، رجل آتاه الله مالا، فسلطه على هلكته بالحقّ، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها، ويعلّمها الناس». فهذا هو الحسد الممدوح، ومنه أن يتمنى مثل ما عند غيره من النعمة مع تمنيه بقاء نعمة الله عليه من صحة، ومال، وولد، ومنصب، وجاه. وأما الحسد المذموم؛ فهو أن يتمنى الحاسد زوال نعمة الله عن المحسود؛ وإن لم يصبه منها شيء. قال العلماء: الحاسد لا يضر إلا إذا ظهر حسده بفعل، أو بقول، وذلك بأن يحمله الحسد على إيقاع الشر بالمحسود، فيتبع مساوئه، ويطلب عثراته. هذا؛ والحسد أول ذنب عصي الله به في السماء، وأول ذنب عصي به في الأرض، فحسد إبليس آدم، وحسد قابيل هابيل. انظر

стр. 7448

سورة (المائدة) رقم [٢٧] وما بعدها. ولا تنس حسد أولاد يعقوب لأخيهم يوسف، على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ والحاسد ممقوت، مبغوض، مطرود، ملعون. ولقد أحسن من قال: [الكامل] قل للحسود إذا تنفّس طعنة... يا ظالما وكأنه مظلوم والحسد نار تضطرم في صدر الحسود، وسعير يتلظى في حشاه، ورحم الله القائل، وهو أبو الحسن التهامي: [الكامل] إني لأرحم حاسديّ لفرط ما... ضمّت صدورهم من الأوغار نظروا صنيع الله بي فعيونهم... في جنة وقلوبهم في نار والحسود غضبان على الأقدار، قد عادى حكمة القهار. قال تعالى في سورة (النساء) رقم [٥٤]: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ..﴾. إلخ. ورحم الله القائل: [المتقارب] أيا حاسدا لي على نعمتي... أتدري على من أسأت الأدب؟ أسأت على الله في حكمه... لأنّك لم ترض لي ما وهب فأخزاك ربّي بأن زادني... وسدّ عليك وجوه الطّلب هذا؛ وإن كل عداوة ترجى إزالتها، ويمكن علاجها إلا عداوة الحاسد، فإنه لا يرضيه إلا زوال النعمة، وكيف يرضى الحاسد عن أخيه، ويصفو لأحد؛ وهو غير راض عن ربه، متبرم لقضاء الله وقدره، منكر لقسمة الباري وعدله، يا سبحان الله! قال تعالى في سورة (الزخرف) [٣٢]: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ..﴾. إلخ. هذا؛ والأحاديث المنفرة من الحسد، والمتوعدة الحسود بالويل، والثبور، وعظائم الأمور كثيرة، ومشهورة، ومسطورة، أكتفي منها بما يلي: فعن أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إيّاكم والحسد، فإنّ الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، أو قال: العشب». رواه أبو داود، وابن ماجه، والبيهقي. وعن عبد الله بن بسر-﵁-عن النبي ﷺ قال: «ليس منّي ذو حسد، ولا نميمة، ولا كهانة، ولا أنا منه». ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ من سورة (الأحزاب) وإني أتمثل بقول القائل: [البسيط] إن يحسدوني فإني غير لائمهم... كذا ذوو الفضل من قبلي قد حسدوا فدام لي ما بي ودام الذي لهم... ومات أكثرنا غيظا لما يجد

стр. 7449

الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ﴿أَعُوذُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: «أنا». ﴿بِرَبِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (رب): مضاف، و ﴿الْفَلَقِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية: ﴿أَعُوذُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مبتدأة، لا محل لها. ﴿مِنْ شَرِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَعُوذُ،﴾ و ﴿شَرِّ:﴾ مضاف، و ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (رب الفلق)، والجملة الفعلية صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: شر الذي، أو شيء خلقه. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: من شر خلقه. هذا؛ وعلى قراءة: «(شرّ)» بالتنوين (وقال عنها ابن هشام في المغني: قراءة عمرو بن فائد) فقال: ف: ﴿ما﴾ بدل من (شرّ)، بتقدير مضاف؛ أي: من شرّ شرّ ما خلق، وحذف الثاني لدلالة الأول. انتهى. وقال أبو البقاء: و ﴿ما﴾ على هذا بدل من شر، أو زائدة، ولا يجوز أن تكون ﴿ما﴾ نافية؛ لأن النافية لا يتقدم عليها ما في حيّزها، فلذلك لم يجز أن يكون التقدير: ما خلق من شر، ثم هو فاسد في المعنى. انتهى. هذا؛ وانظر ما ذكرته في سورة (الصافات) رقم [٩٦] نقلا عن مكي تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من شر): معطوفان على ما قبلهما، و ﴿شَرِّ:﴾ مضاف، و ﴿غاسِقٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿إِذا:﴾ ظرف مجرد عن الشرطية مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿شَرِّ؛﴾ أي: أعوذ بالله من الشر في وقت كذا، ﴿وَقَبَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿غاسِقٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفّاثاتِ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه ظاهر، إن شاء الله تعالى. ﴿فِي الْعُقَدِ:﴾ متعلقان ب: ﴿النَّفّاثاتِ﴾. والجملة التالية لا خفاء في إعرابها إن شاء الله تعالى. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (الفلق) شرحا، وإعرابا، بحمد الله وتوفيقه. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7450

سورة النّاس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (الناس) نزلت مع سورة (الفلق) جملة واحدة. وهي ست آيات، وعشرون كلمة، وتسعة وسبعون حرفا. انتهى. خازن. هذا؛ وروى الترمذي عن عقبة بن عامر الجهني-﵁، عن النبي ﷺ قال: «قد أنزل عليّ آيات لم ير مثلهن: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ..﴾. إلخ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ..﴾. إلخ». قال: هذا حديث حسن صحيح، ورواه مسلم أيضا. وانظر ما ذكرته في أول سورة (الفلق). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ (١) مَلِكِ النّاسِ (٢) إِلهِ النّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ (٦)﴾ الشرح: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ:﴾ إنما خصص الناس بالذكر؛ وإن كان رب جميع المحدثات؛ لأنه لما أمر بالاستعاذة من شر الوسواس، فكأنه قال: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم، وهو إلههم، ومعبودهم، فإنه هو الذي يعيذ من شرهم. وقيل: إن أشرف المخلوقات هم الناس، فلهذا خصهم بالذكر. والمعنى: قل يا محمد: أعتصم، وألتجئ برب الناس؛ أي: بخالق الناس، ومربيهم، ومدبر شؤونهم؛ الذي أحياهم، وأوجدهم من العدم، وأنعم عليهم بأنواع النعم. وخصهم بالذكر، وإن كان جلت قدرته رب جميع الخلائق تشريفا، وتكريما لهم حيث سخر لهم سبحانه ما في الكون، وأمدهم بالعقل، والفهم، والعلم، وفضلهم على سائر الخلق، كما قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٧٠]: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً﴾. ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ أي: مالك جميع الخلق حاكمين، ومحكومين ملكا تاما، شاملا عاما، يحكمهم، ويضبط أعمالهم، ويدبر شؤونهم، فيتصرف بهم كيف يشاء، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

стр. 7451

﴿إِلهِ النّاسِ﴾ أي: معبودهم الذي لا رب لهم سواه. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وإنما قال: ﴿مَلِكِ النّاسِ (٢) إِلهِ النّاسِ؛﴾ لأن في الناس ملوكا، فذكر: أنه ملكهم، وفي الناس من يعبد غيره، فذكر: أنه هو إلههم، ومعبودهم، وأنه هو الذي يجب أن يستعاذ به، ويلجأ إليه، دون الملوك والعظماء. انتهى. هذا؛ وقال الصابوني: وترتيب السورة بهذا الشكل في منتهى الإبداع، وذلك؛ لأن الإنسان أولا يعرف: أن له ربا، لما يشاهده من أنواع التربية: (رب الناس) ثم إذا تأمل؛ عرف: أن هذا الرب متصرف في خلقه، غني عنهم، فهو الملك لهم: ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ ثم إذا زاد تأمله؛ عرف: أنه يستحق أن يعبد؛ لأنه لا عبادة إلا للغني عن كل ما سواه، المفتقر إليه كل ما عداه. ﴿إِلهِ النّاسِ﴾ وإنما كرر لفظ ﴿النّاسِ﴾ ثلاثا، ولم يكتف بالضمير، لإظهار شرفهم، وتعظيمهم، والاعتناء بشأنهم، كما حسن التكرار في قول عدي بن زيد العبادي-وهو الشاهد رقم [٨٨٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الخفيف] لا أرى الموت يسبق الموت شيء... نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا ولا تنس ما في سورة (الواقعة) و (الحاقة) و (القارعة) من تكرار بعض الكلمات، وبعضها للتشريف، والتعظيم، وبعضها للتهويل، والتخويف. ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ﴾ أي: قل: أعتصم برب الناس... من شر الوسواس الخناس؛ أي: الشيطان ذي الوسواس الموكل بالإنسان، فإنه ما من أحد من بني آدم إلا وله قرين يزين له الفواحش ولا يألوه جهدا في الفساد، والخبال، والمعصوم من عصمه الله. وفي كتب اللغة: الوسوسة: حديث النفس. يقال: وسوست إليه نفسه وسوسة، ووسواسا بالكسر. والوسواس بالفتح الاسم مثل الزلزال، والزلزال، وقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ﴾ يريد إليهما، ويقال لهمس الصائد، والكلاب، وأصوات الحلي: وسواس. قال الأعشى من معلقته رقم [٤]: [البسيط] تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت... كما استعان بريح عشرق زجل ﴿الْخَنّاسِ:﴾ الكثير الخنس، وهو الرجوع، والخناس: الرجاع. وصف الشيطان بهاتين الصفتين؛ لأنه يوسوس لقرينه، ويزين له المعاصي، والمنكرات، فإذا ذكر العبد ربه؛ خنس؛ أي: تأخر، فإذا غفل عن ذكر الله؛ عاد إليه. قال قتادة-﵁: الخناس له خرطوم كخرطوم الكلب. وقيل: كخرطوم الخنزير في صدر الإنسان، فإذا غفل الإنسان وسوس له، وإذا ذكر ربه؛ خنس. وخذ ما يلي: عن أنس-﵁-عن النبي ﷺ قال: «إنّ الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله؛ خنس، وإن نسي؛ التقم قلبه». رواه البيهقي، وأبو يعلى، وابن أبي الدنيا. وفيه

стр. 7452

دلالة واضحة على أن القلب متى ذكر الله تصاغر الشيطان، وذل، وحقر، وإن لم يذكر الله تعالى؛ تعاظم، وغلب. هذا؛ وانظر شرح قوله تعالى في سورة (التكوير): ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ وخذ قول الراجز: [الرجز] وصاحب يمتعس امتعاسا... يزداد إن حيّيته خناسا ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ:﴾ وهذا يكون منه إذا غفلوا عن ذكر ربهم. قال مقاتل -رحمه الله تعالى-: إن الشيطان في صورة خنزير يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق، سلطه الله على ذلك، فذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ﴾. وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: «إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدّم في العروق». ويزاد فيه: «فضيّقوا مجاريه بالجوع». وهذا يصحح ما قاله مقاتل. وروى شهر بن حوشب عن أبي ثعلبة الخشني ﵁-قال: سألت الله أن يريني الشيطان، ومكانه من ابن آدم، فرأيته: يداه في يديه، ورجلاه في رجليه، ومشاعبه في جسده، غير أن له خطما كخطم الكلب، فإذا ذكر الله؛ خنس، ونكس. وإذا سكت العبد عن ذكر الله؛ أخذ بقلبه. فعلى ما وصف أبو ثعلبة: أنه متشعب في الجسد؛ أي: في كل عضو منه شعبة. وروي عن عبد الرحمن بن الأسود، أو غيره (وهو من التابعين): أنه قال-وقد كبرت سنه- ما أمنت الزنى، وما يؤمنني أن يدخل الشيطان ذكره فيوتده؟! فهذا القول ينبئك: أنه متشعب في الجسد، وهذا معنى قول مقاتل. ووسوسة الشيطان: هو الدعاء لطاعته بكلام خفي، يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع صوت. انتهى. قرطبي بحروفه. ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ:﴾ أخبر الله تعالى: أن الموسوس من الجن، وقد يكون من الناس. قال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: هما شيطانان: أما شيطان الجن؛ فيوسوس في صدور الناس خفية، ولا يرى. وأما شيطان الإنس فيأتي علانية، وجهرا، فيزين المنكر بلسان طلق، كله خديعة، ومكر، واحتيال. فالنمام أخبث من سبعين شيطانا من الجن، والمنافق المتزلف أخبث من ثمانين شيطانا، فقد قال قتادة-﵁: إن من الجن شياطين، وإن من الإنس شياطين، فتعوذ بالله من شياطين الإنس، والجن. وروي عن أبي ذر-﵁: أنه قال لرجل: هل تعوذت بالله من شياطين الإنس؟ فقال: أو من الإنس شياطين؟ قال: نعم لقوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ..﴾. إلخ رقم [١١٢] من سورة (الأنعام). وذهب قوم إلى أن ﴿النّاسِ﴾ هنا يراد به الجن، سمّوا ناسا كما سمّوا رجالا في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ رقم [٦] من سورة (الجن)، وسمّوا قوما، ونفرا في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ..﴾. إلخ رقم [٢٩] من سورة (الأحقاف). انظر شرح هذه الآيات في محالها، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، فعلى هذا يكون: ﴿وَالنّاسِ﴾ عطفا على الجنة، ويكون التكرير لاختلاف اللفظين.

стр. 7453

وقيل: ﴿الْوَسْواسِ:﴾ هو الشيطان، وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ﴾ بيان: أنه من الجن، و (الناس) معطوف على ﴿الْوَسْواسِ﴾. والمعنى: قل: أعوذ برب الناس من شر الوسواس؛ الذي هو من الجنة، ومن شر الناس، فعلى هذا أمر بأن يستعيذ بالله من شر الإنس، والجن. انتهى. قرطبي. بعد هذا أصل ﴿أَعُوذُ:﴾ أعوذ فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى العين قبلها بعد سلب سكونها، وقل مثله في كل فعل أجوف، واوي، أو يائي، مثل: يقول، يصون، يبيع، يكيل... إلخ. وانظر شرح (الرب) في الآية رقم [٣٩] من سورة (النبأ). هذا؛ و ﴿النّاسِ:﴾ اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: معشر، ونفر... إلخ، واحده: إنسان من غير لفظه، وهو يطلق على الإنس، والجن، لكن غلب استعماله في الإنس، كما في هذه السورة، وأصله: الأناس، حذفت منه الهمزة تخفيفا على غير قياس، وحذفها مع لام التعريف كاللازم، لا يكاد يقال: الأناس. وقد نطق القرآن الكريم بهذا الأصل، لكن بدون لام التعريف. قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ رقم [٧١] من سورة (الإسراء). وقيل: إن أصله: النّوس، ولم يحذف منه شيء، وإنما قلبت الواو ألفا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها. وانظر شرح (الإنس) في سورة (الرحمن) رقم [٥٦]، وشرح (الإنسان) في سورة (المعارج) رقم [١٩]. ولا تنس قوله تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٤٩]: ﴿وَأَناسِيَّ كَثِيراً﴾. أما ﴿الْجِنَّةِ:﴾ بكسر الجيم؛ فهي: الجن، ويطلق على الملائكة أيضا. قال تعالى في سورة (الصافات) رقم [١٥٨]: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ فقد قال المشركون: إن الملائكة بنات الله تعالى، سميت الملائكة جنة؛ لاجتنانهم؛ أي: لاختفائهم عن الأنظار. قال الزمخشري: وعلى هذا فالجن، والملائكة جنس واحد، ولكن من خبث من الجن، ومرد، وكان شرا كله، فهو شيطان، ومن طهر منهم، ونسك، وكان خيرا كله، فهو ملك، فذكرهم في هذا الموضع؛ أي: في آية (الصافات) باسم جنسهم، وإنما ذكرهم بهذا الاسم وضعا منهم، وتقصيرا بهم؛ وإن كانوا معظمين في أنفسهم أن يبلغوا منزلة المناسبة التي أضافوها إليهم. انتهى. كشاف. وهذا مردود قطعا؛ لأن الملائكة مخلوقون من نور، والجن مخلوقون من نار، وشتان ما بين المادتين، وما قاله الزمخشري يقال في مؤمني الجن، وكافرهم، فمن طهر منهم؛ فهو مؤمن، وكان خيرا كله، ومن خبث منهم؛ فهو شيطان، وكان شرا كله، ولكن تبقى التسمية جائزة على الملائكة والجن لعدم رؤيتنا لهم بسبب اجتنانهم؛ أي: اختفائهم عن الأبصار. وانظر ما ذكرته في آخر سورة (الجن) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وجنة بكسر الجيم أيضا: الجنون؛ أي: ذهاب العقل. قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٨٤]: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ،﴾ وقال في سورة (المؤمنون)

стр. 7454

رقم [٧٠]: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ..﴾. إلخ. والجنّة بفتح الجيم: البستان، والحديقة، وأيضا جنة عدن؛ التي وعد الله عباده المؤمنين، سميت بذلك لكثرة أشجارها؛ التي تجن؛ أي: تستر، وتخفي من يدخل فيها. وجنة بضم الجيم: وقاية من الشر. قال الرسول ﷺ ، من وصية لمعاذ بن جبل-﵁: «والصيام جنّة». وقال تعالى في الآية رقم [١٦] من سورة (المجادلة)، ورقم [٢] من سورة (المنافقون): ﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾. ومن ذلك الجنين الذي يكون في بطن المرأة أيام حملها، وجمعه: أجنة. قال تعالى في سورة (النجم) رقم [٣٢]: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾. والمجن، والمجنة بكسر الجيم فيهما، وهو الترس الذي كان يتخذ وقاية من ضربات السيوف، والرماح، ونحوه، وكل ما يقيك سوءا. ومن كلام الفصحاء: جبّة البرد جنّة البرد. هذا؛ والقول يطلق على خمسة معان: أحدها: اللفظ الدال على معنى. الثاني: حديث النفس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ﴾ المجادلة [٨]. الثالث: الحركة، والإمالة، يقال: قالت النخلة؛ أي: مالت. الرابع: ما يشهد به الحال، كما في قوله تعالى: ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ سورة (فصلت) رقم [١١]. الخامس: الاعتقاد، كما تقول: قول الأشاعرة، وهذا قول المعتزلة؛ أي: ما يعتقدونه. أما الكلام بالنسبة للبشر فهو يدل على ثلاثة أمور: أولها: الحدث الذي يدل على لفظ التكليم، تقول: أعجبني كلامك زيدا، تريد: تكليمك إياه، ومنه قول الشاعر: [البسيط] قالوا كلامك هندا وهي مصغية... يشفيك قلت صحيح ذاك لو كانا وثانيها: ما يدور في النفس من هواجس وخواطر، وكل ما يعبر عنه باللفظ، لإفادة السامع ما قام بنفس المخاطب، فيسمى هذا الذي تخيلته في نفسك كلاما في اللغة العربية. تأمل قول الأخطل التغلبي: [الكامل] لا يعجبنّك من خطيب خطبة... حتّى يكون مع الكلام أصيلا إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما... جعل اللّسان على الفؤاد دليلا والثالث: كل ما تحصل به الفائدة، سواء أكان ما حصلت به لفظا، أو خطا، أو إشارة، أو دلالة حال؟ انظر إلى قول العرب: (القلم أحد اللسانين) وانظر إلى تسمية المسلمين ما بين دفتي المصحف: (كلام الله) ثم انظر إلى قوله تعالى: ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ﴾ وقال جل شأنه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ والدليل عليه في الإشارة قوله تعالى: ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً﴾ فاستثنى الرمز من الكلام، والأصل في الاستثناء

стр. 7455

الاتصال، ثم انظر إلى قول عمر بن أبي ربيعة؛ الذي نفى الكلام اللفظي عن محبوبته، وأثبت لعينها الكلام، وذلك في قوله: [الطويل] أشارت بطرف العين خيفة أهلها... إشارة محزون ولم تتكلّم فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم والدليل على الكلام فيما نطق به لسان الحال قول نصيب بن رباح: [الطويل] فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَعُوذُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿بِرَبِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (رب): مضاف، و ﴿النّاسِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿أَعُوذُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مبتدأة لا محل لها. ﴿مَلِكِ النّاسِ (٢) إِلهِ النّاسِ:﴾ قال الجلال المحلي: بدلان، أو صفتان، أو عطفا بيان، وأظهر المضاف إليه فيهما زيادة للبيان؛ لأنه يقال لغيره: رب الناس كقوله تعالى: ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ﴾ الآية رقم [٣١] من سورة (التوبة)، وقد يقال: ملك الناس، وأما ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ فخاص، لا شركة فيه فجعل غاية للبيان، و ﴿مَلِكِ:﴾ مضاف، و ﴿النّاسِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل، أو الصفة المشبهة لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، ومثله ما بعده. ﴿مِنْ شَرِّ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿أَعُوذُ،﴾ و (شر): مضاف، و ﴿الْوَسْواسِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الْخَنّاسِ:﴾ بدل من ﴿الْوَسْواسِ،﴾ أو صفة له. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة، أو بدل من ﴿الْوَسْواسِ،﴾ أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أذم الذي، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: هو الذي. ﴿يُوَسْوِسُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي صُدُورِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿صُدُورِ:﴾ مضاف، و ﴿النّاسِ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنَ الْجِنَّةِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿يُوَسْوِسُ﴾ العائد على الموصول، ومن بيان لما أبهم فيه. ﴿وَالنّاسِ:﴾ الواو: حرف عطف. (الناس): معطوف على ﴿الْوَسْواسِ،﴾ أو هو معطوف على ﴿الْجِنَّةِ﴾. انظر الشرح؛ يتبين لك صحة الاعتبارين. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم. انتهت سورة (الناس) شرحا وإعرابا بعون الله وتوفيقه. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7456

خاتمة قد حض النبي ﷺ على تلاوة القرآن الكريم، ورغب فيها كثيرا، وبين: أن لها ثوابا كثيرا، وجزاء جزيلا. وخذ نبذة من أحاديثه ﷺ في بيان ذلك: فأول ذلك ما خرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري-﵁: قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الربّ ﵎: من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السّائلين». قال: «وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه». وقال: هذا حديث حسن غريب. وعن عثمان بن عفان-﵁-عن النبي ﷺ : قال: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه». رواه الستة. وعن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ حرفا من كتاب الله؛ فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ﴿الم﴾ حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». أخرجه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح غريب. وعن أبي موسى الأشعري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجّة، ريحها طيّب، وطعمها طيّب. ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة، لا ريح لها، وطعمها حلو، ومثل المنافق؛ الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيّب، وطعمها مرّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة؛ ليس لها ريح، وطعمها مرّ». وفي رواية: «مثل الفاجر». بدل «المنافق». رواه البخاري، ومسلم، والنسائي وابن ماجه. وعن عائشة-﵂-واسم أمّها زينب الفراسية. قالت: قال رسول الله ﷺ : «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن، ويتتعتع فيه، وهو عليه شاقّ له أجران». وفي رواية: «والذي يقرؤه وهو يشتدّ عليه له أجران». رواه الستة. التتعتع: التردد في الكلام عيّا، وصعوبة، وإنما كان له أجران من حيث التلاوة، ومن حيث المشقة، ودرجات الماهر فوق ذلك كله؛ لأنه قد كان القرآن متعتعا عليه، ثم تمرن على تلاوته، وجهد نفسه بالعناية به؛ حتى أتقنه، ومهر به إلى أن شبه بالملائكة. وعن عقبة بن عامر-﵁-قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، ونحن في الصّفّة، فقال: «أيّكم يحبّ أن يغدو كلّ يوم إلى بطحان، أو إلى العقيق، فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم، ولا قطيعة رحم؟». فقلنا: يا رسول الله كلّنا نحبّ ذلك! قال: «أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد، فيتعلم، أو يقرأ آيتين من كتاب الله ، خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهنّ من الإبل». رواه مسلم، وأبو داود.

стр. 7457

وعن جابر بن عبد الله-﵄-عن النبي ﷺ قال: «القرآن شافع مشفّع، وماحل مصدّق، من جعله أمامه؛ قاده إلى الجنّة، ومن جعله خلف ظهره؛ ساقه إلى النّار». رواه ابن حبان. ومعنى ماحل: خصم مجادل. ومعنى (جعله أمامه): عمل به، واهتدى بهديه، ومعنى (جعله خلف ظهره): لم يعمل به. والأحاديث في ذلك كثيرة، ومسطورة في كتاب: «الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري، وغيره. وهذا ما يلزم قارئ القرآن، وحامله من تعظيم القرآن، وحرمته، كما في القرطبي. قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول: فمن حرمة القرآن: ألا يمسه القارئ إلا طاهرا. ومن حرمته أن يقرأه؛ وهو على طهارة. وأن يستاك، ويتخلل، فيطيب فاه؛ إذ هو طريقه. قال يزيد بن أبي مالك: إن أفواهكم طرق من طرق القرآن، فطهروها، ونطفوها ما استطعتم! ومن حرمته: أن يلبس كما يلبس للدخول على الأمير؛ لأنه مناج، وأن يستقبل القبلة لقراءته. وكان أبو العالية إذا قرأ اعتمّ، ولبس، وارتدى، واستقبل القبلة. وأن يتمضمض كلّما تنخع. روى شعبة عن أبي حمزة عن ابن عباس-﵄-أنه كان بين يديه تور إذا تنخع مضمض، ثم أخذ في الذكر. وإذا تثاءب يمسك عن القراءة؛ لأنه إذا قرأ، فهو مخاطب ربه، ومناج له، والتثاؤب من الشيطان. قال مجاهد-رحمه الله تعالى-: إذا تثاءبت وأنت تقرأ القرآن فأمسك عن القرآن تعظيما؛ حتى يذهب تثاؤبك. وأن يستعيذ بالله عند ابتدائه للقراءة من الشيطان الرجيم، ويقرأبسم الله الرحمن الرحيم؛ إن كان ابتداء قراءته من أول السورة، أو من حيث بلغ، وإذا أخذ في القراءة لم يقطعها ساعة فساعة بكلام الآدميين من غير ضرورة، وأن يخلو بقراءته حتى لا يقطع عليه أحد بكلامه، فيخلط بجوابه؛ لأنه إذا فعل ذلك زال عنه سلطان الاستعاذة الذي استعاذ في البدء. ومن حرمته: أن يقرأه على تؤدة، وترسل، وترتيل، وأن يستعمل فيه ذهنه، وفهمه؛ حتى يعقل ما يخاطب به، وأن يقف على آية الوعد، فيرغب إلى الله تعالى، ويسأله من فضله، وأن يقف على آية الوعيد، فيستجير بالله منه، وأن يقف على أمثاله، فيتمثلها، وأن يلتمس غرائبه، وأن يؤدي لكل حرف حقه من الأداء؛ حتى يبرز الكلام باللفظ تماما، فإن له بكل حرف عشر حسنات، ومن حرمته: أنه إذا انتهت قراءته أن يصدق ربه، ويشهد بالبلاغ لرسوله ﷺ ، ويشهد على ذلك: أنه حق، فيقول: صدقت ربنا، وبلغ رسولك، ونحن على ذلك من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء الحق القائمين بالقسط! ثم يدعو بدعوات. ومن حرمته: أنه إذا قرأه لا يلتقط الآي من كل سورة، فيقرأ، فقد روي لنا: أن النبي ﷺ مر ببلال-﵁، وهو يقرأ من كل سورة شيئا، فأمره أن يقرأ على السور، أو كما

стр. 7458

قال، وإذا وضع المصحف لا يتركه منشورا، ولا يضع فوقه شيئا من الكتب، وغيرها؛ حتى يكون أبدا عاليا فوق كل شيء، وأن يضعه في حجره إذا قرأه، أو على شيء بين يديه، ولا يضعه على الأرض، وألا يمحوه من اللوح بالبصاق، ولكن يغسله بالماء، ويتوقى النجاسات، وكان السلف الصالح يستشفي بغسالته. وألا يتخذ منه شيئا وقاية لكتاب، وألا يخلي يوما من أيامه من النظر في المصحف مرة. وكان أبو موسى الأشعري-﵁-يقول: إني لأستحي ألا أنظر كل يوم في عهد ربي مرة. ومن حرمته أن يعطي عينيه حظهما من المصحف، فإن العين تؤدي إلى النفس، وبين النفس والصدر حجاب، والقرآن في الصدر، فإذا قرأه عن ظهر قلب، فإنما يسمع أذنه فتؤدي إلى النفس، فإذا نظر في الخط كانت العين، والأذن قد اشتركا في الآداء، وذلك أوفر للأداء، فقد روى زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «أعطوا أعينكم حظّها من العبادة». قالوا: يا رسول الله! وما حظّها من العبادة؟! قال: «النظر في المصحف، والتفكّر فيه، والاعتبار عند عجائبه». وروى مكحول عن عبادة بن الصامت-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل عبادة أمّتي قراءة القرآن نظرا». ومن حرمته: ألاّ يتأوله عند ما يعرض له شيء من أمر الدنيا، مثل: إذا جاءك أحد، فلا تقل: (جئت على قدر يا موسى) ومثل قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾. هذا عند حضور الطعام، وأشباه ذلك، وألا يتلى منكوسا كفعل معلمي الصبيان، وألا يقعر في قراءته، وألا يجهر بعض على بعض في القراءة، فيفسد عليه؛ حتى يبغض إليه ما يسمع كهيئة المغالبة. ومن حرمته: ألاّ يقرأ في الأسواق، وفي مواطن اللغط، واللغو، ومجمع السفهاء، ومن ذلك ما يفعل في أيامنا هذه في المآتم حيث توضع المسجلات في باب الدار، والناس يجلسون في بيت المتوفى، وهم مشغولون بشرب الشاي، والقهوة، والدخان، والقيل، والقال، والهذر، والقر، وألا يتوسد المصحف، ولا يعتمد عليه، ولا يرمي به إلى صاحبه، إذا أراد أن يناوله، وألاّ يحلّى المصحف، أو يكتب بالذهب، فتخلط به زينة الدنيا. فعن أبي الدرداء-﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا زخرفتم مساجدكم، وحلّيتم مصاحفكم، فالدّبار عليكم». وألا يكتب على الأرض، ولا على حائط، كما يفعل بهذه المساجد المحدثة، وأن يفتحه كلما ختامه حتى لا يكون في هيئة المهجور، ولذلك كان رسول الله ﷺ ، إذا ختم يقرأ من أول القرآن قدر خمس آيات، وروى ابن عباس-﵄: قال: جاء رجل، فقال: يا رسول الله! أي العمل أفضل؟ قال: «عليك بالحال المرتحل». قال: وما الحال المرتحل؟! قال: «صاحب القرآن يضرب من أوله حتى يبلغ آخره، ثم يضرب من أوله، كلما حلّ؛ ارتحل».

стр. 7459

ويستحب للقارئ إذا ختم القرآن أن يجمع أهله، ويدعو، فإن الرحمة تنزل عند ختم القرآن، وعن إبراهيم التيمي قال: من ختم القرآن أول النهار؛ صلت عليه الملائكة حتى يمسي، ومن ختامه أول الليل؛ صلت عليه الملائكة؛ حتى يصبح. قال: فكانوا يستحبون أن يختموا أول الليل، وأول النهار. ومن حرمته: ألاّ يكتب التعاويذ منه، ثم يدخل به في الخلاء إلا أن يكون في غلاف من أدم، أو فضة، أو غيره، فيكون كأنه في صدرك. ومن حرمته: إذا كتابه، وشربه؛ سمى الله على كل نفس، وعظم النية، فإن الله يؤتيه على قدر نيته. انتهى. بتصرف بسيط مني. وأخيرا ينبغي: أن تعلم: أن الذي يسمع من الكلام بواسطة الراديو، أو المسجلة فإنه ألفاظ وكلمات حقيقية، وليست صدى كالذي يسمع في الجبال، وغيرها، فيجب الإصغاء إليه، وتدبره، واحترامه، في كل ما تقدم ذكره، وسجود التلاوة إذا تليت آية سجدة، كما ذكرته في كل آية سجدة مرت معنا. هذا؛ وللشيخ مصطفى عمارة-﵀-كلام جيد في تعليقه على كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري. انظره في آخر مبحث قراءة القرآن؛ فإنه جيد، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين. وخذ ما قاله البوصيري-رحمه الله تعالى-في شرف القرآن ومدحه: [البسيط] دعني ووصفي آيات له ظهرت... ظهور نار القرى ليلا على علم فالدّرّ يزداد حسنا وهو منتظم... وليس ينقص قدرا غير منتظم فما تطاول آمالي المديح إلى... ما فيه من كرم الأخلاق والشيم آيات حقّ من الرحمن محدثة... قديمة صفة الموصوف بالقدم لم تقترن بزمان وهي تخبرنا... عن المعاد وعن عاد وعن إرم دامت لدينا ففاقت كلّ معجزة... من النبيّين إذ جاءت ولم تدم محكمات فما تبقين من شبه... لذي شقاق وما تبغين من حكم ما حوربت قطّ إلا عاد من حرب... أعدى الأعادي إليها ملقي السّلم ردّت بلاغتها دعوى معارضها... ردّ الغيور يد الجاني عن الحرم لها معان كموج البحر في مدد... وفوق جوهره في الحسن والقيم فما تعدّ ولا تحصى عجائبها... ولا تسام على الإكثار بالسّأم قرّت بها عين قاريها فقلت له: ... لقد ظفرت بحبل الله فاعتصم

стр. 7460

إن تتلها خيفة من حرّ نار لظى... أطفأت حرّ لظى من وردها الشّبم كأنّها الحوض تبيضّ الوجوه به... من العصاة وقد جاؤوه كالحمم وقال المرحوم أحمد شوقي أمير الشعراء: [البسيط] جاء النبيون بالآيات فانصرمت... وجئتنا بحكيم غير منصرم آياته كلّما طال المدى جدد... يزينهنّ جلال العتق والقدم يكاد في لفظة منه مشرّفة... يوصيك بالحقّ والتّقوى وبالرّحم
следующие страницы →