← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 7386–7425 · переход к 7391.

стр. 7386

المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ والفعل (زار) في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار، والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. هذا؛ وقال الجمل: ﴿حَتّى زُرْتُمُ﴾ عطف على قوله: ﴿أَلْهاكُمُ﴾ وهو غاية في نفسه. أقول: والمعنى لا يؤيده؛ لأن معنى ﴿حَتّى﴾ هنا بمعنى إلى أن زرتم. ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ الشرح: ﴿كَلاّ:﴾ اعتبر الجلال ﴿كَلاّ﴾ الثالثة بمعنى: حقا والأوليين للردع، والزجر، وجرى غيره على التسوية بين الثلاثة، وفي القرطبي: وقيل: إن ﴿كَلاّ﴾ في المواضع الثلاثة بمعنى: ألا. قاله ابن أبي حاتم. وقال الفراء: هي بمعنى: حقا في المواضع الثلاثة. وقيل: هي للردع، والزجر في المواضع الثلاثة. انتهى. جمل. وانظر ما ذكرته بشأن ﴿كَلاّ﴾ في سورة (المدثر) برقم [١٦]. وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: ردع، وتنبيه على أن العاقل ينبغي له أن لا يكون جميع همه، وعظم سعيه للدنيا، فإن عاقبة ذلك وبال، وحسرة. ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ:﴾ خطأ رأيكم، إذا عاينتم ما وراءكم، وهو إنذار ليخافوا، ويتنبهوا من غفلتهم. ﴿ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ:﴾ تكرير للتأكيد، وفي ﴿ثُمَّ﴾ دلالة على أن الثاني أبلغ من الأول. أو الأول عند الموت، أو في القبر، والثاني عند النشور. انتهى. بيضاوي. وانظر مثل هذا التوكيد في سورة (القلم) رقم [٥] وفي أول سورة (النبأ). وقال ابن عباس-﵄: ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما ينزل بكم من العذاب في القبر. ﴿ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ في الآخرة إذا حل بكم العذاب. فالأول في القبر، والثاني في الآخرة، فالتكرار للحالتين. وروى زرّ بن حبيش عن علي-﵁-قال: كنا نشك في عذاب القبر؛ حتى نزلت هذه السورة فأشار إلى أن قوله تعالى: ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يعني في القبور. وقيل ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إذا نزل بكم الموت، وجاءتكم رسلي لنزع أرواحكم. ﴿ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إذا دخلتم قبوركم، وجاءكم منكر ونكير، وحاط بكم هول السؤال، وانقطع عنكم الجواب. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: فتضمنت السورة القول في عذاب القبر، وأن الإيمان به واجب، والتصديق به لازم، حسب ما أخبر به الصادق، وأن الله يحيي العبد المكلف في قبره، يرد الحياة إليه، ويجعل له من العقل في مثل الوصف؛ الذي عاش عليه، ليعقل ما يسأل عنه، وما يجيب به، ويفهم ما أتاه من ربه، وما أعدّ له في قبره من كرامة، أو هوان. وهذا هو مذهب أهل السنة، والذي عليه الجماعة من أهل الملة. هذا؛ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٧] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، تجد ما يسرك. وانظر شرح ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [٣١] من سورة (الحاقة). والفعل ﴿تَعْلَمُونَ﴾ من المعرفة، لا من العلم، انظر الآية رقم [٩] من سورة (العاديات) هذا؛ و ﴿سَوْفَ﴾ في حق الله تعالى تفيد التوكيد، والتحقيق.

стр. 7387

الإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ انظر ما قيل فيها في الشرح. ﴿سَوْفَ:﴾ حرف تسويف، واستقبال. وانظر الشرح أيضا. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين، والتي بعدها معطوفة عليها، وقد جعله ابن مالك من التوكيد اللفظي مع توسط حرف العطف. وقال الزمخشري: والتكرير تأكيد للردع، والرد عليهم، و ﴿ثُمَّ﴾ دالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول. وانظر الشرح. تنبيه: قال ابن هشام ﵀ في المغني: إذا تعلق الإعلام بمجرد إيقاع الفاعل للفعل، فيقتصر عليهما، ولا يذكر المفعول، ولا ينوى؛ إذ المنويّ كالثابت، ولا يسمى محذوفا؛ لأن الفعل ينزل لهذا القصد منزلة ما لا مفعول له، ومنه قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٥٨]: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الزمر) رقم [٩]: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وقوله تعالى في سورة (الأعراف) [٣١]: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا،﴾ وقوله تعالى في سورة (الإنسان) رقم [٢٠]: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ﴾ إذا المعنى: ربي الذي يفعل الإحياء، والإماتة. وهل يستوي من يتصف بالعلم، ومن ينتفي عنه العلم؟ وأوقعوا الأكل، والشرب، وذروا الإسراف. وإذا حصلت منك رؤية هنالك. ومنه على الأصح قوله تعالى في سورة (القصص) رقم [٢٣]: ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ ألا ترى أنه عليه الصلاة، والسّلام إنما رحمهما؛ إذ كانتا على صفة الذياد، وقومهما على السقي، لا لكون مذودهما غنما ومسقيهم إبلا، وكذلك التصور من قولهما (نسقي) السقي، لا المسقي، ومن لم يتأمل قدر يسقون إبلهم، وتذودان غنمهما، ولا نسقي غنما. انتهى. ﴿كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦)﴾ الشرح: أي: لو تعلمون اليوم من البعث، والحشر، والمجازاة ما تعلمونه إذا جاءتكم نفخة الصور، وانشقت اللحود عن جثثكم كيف يكون حشركم، وجزاؤكم؛ لشغلكم ذلك عن التكاثر بالدنيا. وقيل: المعنى لو تعلمون كيف تتطاير الصحف؛ فالناس بين شقي، وسعيد في ذلك اليوم العظيم شأنه، الطويل زمانه. ﴿عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ أي: علما يقينا. فهو من إضافة الموصوف إلى صفته. وقال القرطبي: وإضافة العلم إلى اليقين، كقوله تعالى في سورة (الواقعة) رقم [٩٥]: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ،﴾ وفي سورة (الحاقة) رقم [٥١]: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾. وقال النسفي: التقدير علم الأمر اليقين. ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ:﴾ فهو كقوله تعالى في سورة (النازعات): ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى﴾ والخطاب للكفار؛ الذين وجبت لهم النار. وقيل: هو عام لجميع الناس، كما قال تعالى في سورة (مريم) رقم [٧١]: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها..﴾. إلخ فهي للكفار دار، ومقر، وللمؤمنين على ظهرها ممر.

стр. 7388

هذا؛ والقاعدة: أن الفعل المضارع المراد توكيده بنون التوكيد، إذا أسند إلى واو الجماعة، أو ياء المؤنثة المخاطبة. فإن كان صحيح الآخر؛ حذف منه نون الرفع لتوالي الأمثال، وحذف منه واو الجماعة، وتبقى ضمة قبل نون التوكيد دليلا عليها، وحذف منه أيضا ياء المخاطبة، وتبقى كسرة قبل نون التوكيد دليلا عليها. وإن كان معتل الآخر، حذف منه حرف العلة، إن كان واوا، أو ياء، أو ألفا، وحذفت واو الجماعة أيضا؛ إلا مع المعتل بالألف، فتبقى محركة بحركة مجانسة لها مثل: ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ ولا يجوز حذف الواو لالتقاء الساكنين؛ لأن قبلها فتحة، والفتحة لا تدل على الواو لو حذفت، كما هو الظاهر. الإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ انظر الكلام عليها فيما سبق. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ﴿عِلْمَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْيَقِينِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، انظر تقديره في الشرح، وقدره ابن هشام في المغني: لارتدعتم، وما ألهاكم التكاثر. وقال الرسول ﷺ : «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا». و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف بعد ﴿كَلاّ،﴾ لا محل له. ﴿لَتَرَوُنَّ:﴾ اللام واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: وعزتي وجلالي. ونحو ذلك. (ترونّ): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال. والواو فاعله، والنون حرف لا محل له. ﴿الْجَحِيمَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف؛ الذي رأيت تقديره. والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها﴾ يعني: الجحيم. ﴿عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ أي: عيانا، ومشاهدة بأبصاركم عن بعد، وإذا رأوها؛ فإنها تراهم كذلك. قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [١٢]: ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ انظر شرحها هناك، فإنه جيد، والحمد لله. هذا؛ وقيل: معنى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ أي: لو تعلمون في الدنيا علم اليقين فيما أمامكم مما وصافات ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ بعيون قلوبكم، فإن علم اليقين يريك الجحيم بعين فؤادك، وهو أن تتصور لك تارات القيامة، وقطع مسافاتها. ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ أي: عند المعاينة بعين الرأس، فتراها يقينا، لا تغيب عن عينك. هذا؛ و ﴿عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ مثل: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ في سورة (الواقعة) وسورة (الحاقة). ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ أي: الذي ألهاكم، وشغلكم عن طاعة الله، وطاعة رسوله، والخطاب مخصوص بكل من ألهاه دنياه عن دينه، والنعيم مخصوص بما يشغله للقرينة، والنصوص

стр. 7389

الكثيرة، كقوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٣٢]: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ،﴾ وقال تعالى في سورة (البقرة) [١٦٨]: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً﴾ وما يشبهها في سورة (المائدة) رقم [٨٨] وسورة (الأنفال) رقم [٦٩] ونعيم الدنيا أهمه الأمن، والصحة، وسائر ما يتلذذ به من مطعم، ومشرب، ومسكن، ومفرش ومركب... إلخ. والسؤال يوم القيامة عن النعيم يعم الكافر، والمؤمن، وهو الأولى، لكن سؤال الكافر سؤال توبيخ، وتقريع؛ لأنه ترك شكر ما أنعم الله به عليه، والمؤمن يسأل سؤال تشريف، وتكريم؛ لأنه شكر ما أنعم الله به عليه، وأطاع ربه، فيكون السؤال في حقه تذكرة بنعم الله عليه. يدل على ذلك ما روي عن الزبير-﵁-قال: لما نزلت: ﴿لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ يا رسول الله! وأي نعيم نسأل عنه، وإنما هما الأسودان: التمر والماء. قال: «أما إنه سيكون». أخرجه الترمذي. انتهى. خازن. أقول: وهذا من النبي ﷺ بشارة، وإخبار بما سيكون من النعيم بعده، وقد كان، وكان، وكان... إلخ. وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: ما النعيم الذي يسأل عنه الإنسان، ويعاتب عليه؟ فما من أحد، إلا وله نعيم، قلت: هو نعيم من عكف همته على استيفاء اللذات، ولم يعش إلا ليأكل الطيب، ويلبس اللين، ويقطع أوقاته باللهو والطرب، لا يعبأ بالعلم، والعمل، ولا يحمل نفسه مشاقهما، فأما من تمتع بنعمة الله، وأرزاقه؛ التي لم يخلقها إلا لعباده، وتقوّى بها على دراسة العلم، والقيام بالعمل الصالح، وكان ناهضا بالشكر؛ فهو من ذاك بمعزل، وإليه أشار رسول الله ﷺ فيما يروى: «أنه أكل هو وأصحابه تمرا، وشربوا عليه ماء، فقال: الحمد لله الذي أطعمنا، وسقانا، وجعلنا مسلمين». انتهى. كشاف. هذا؛ وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة-﵁-قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم، أو ليلة، فإذا هو بأبي بكر، وعمر-﵄، فقال: «ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟». قالا: الجوع يا رسول الله! قال: «وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، قوما!». فقاما معه، فأتى رجلا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة. قالت: مرحبا، وأهلا، فقال لها رسول الله ﷺ : «أين فلان؟». قالت: يستعذب لنا من الماء؛ إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله ﷺ وصاحبيه، ثم قال: الحمد لله! ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني! قال: فانطلق، فجاءهم بعذق، فيه بسر، وتمر، ورطب، فقال: كلوا من هذه. وأخذ المدية، فقال له رسول الله ﷺ : «إيّاك والحلوب!». فذبح لهم، فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، وشربوا، فلما أن شبعوا، ورووا؛ قال رسول الله ﷺ لأبي بكر، وعمر-﵄: «والذي نفسي بيده لتسألن عن نعيم هذا اليوم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم». انتهى. وأخرجه الترمذي، وزاد فيه: «هذا والذي نفسي

стр. 7390

بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة: ظلّ بارد، ورطب طيب، وماء بارد». وكنّى الرجل الذي من الأنصار، فقال: أبو الهيثم بن التيهان، وذكر قصته. انتهى. قرطبي. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: اسم الرجل الأنصاري مالك بن التيهان، ويكنى: أبا الهيثم. وفي هذه القصة يقول عبد الله بن رواحة-﵁-يمدح بها أبا الهيثم بن التيهان: [الطويل] فلم أر كالإسلام عزّا لأمّة... ولا مثل أضياف الأراشيّ معشرا نبيّ وصدّيق وفاروق أمّة... وخير بني حوّاء فرعا وعنصرا فوافوا لميقات وقدر قضيّة... وكان قضاء الله قدرا مقدّرا إلى رجل نجد يباري بجوده... شموس الضحى جودا ومجدا ومفخرا وفارس خلق الله في كلّ غارة... إذا لبس القوم الحديد المسمّرا ففدّى وحيّا، ثمّ أوفى قراهم... فلم يقرهم إلا سمينا متمّرا انتهى. كله من القرطبي. ومثله في الخازن ما عدا الشعر. وجاء في: «الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري الحديث لكنه من رواية ابن عباس-﵄-وتخريج الطبراني، وابن حبان. والمضيف كان أبو أيوب، ﵁. هكذا ذكر هناك. الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لَتَرَوُنَّها:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم المحذوف. (ترونها): فعل مضارع مرفوع مثل سابقه، والواو فاعله، والنون حرف لا محل له، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف، والقسم، وجوابه كلام معطوف على ما قبله. ﴿عَيْنَ:﴾ مفعول مطلق، عامله ما قبله؛ لأن رأى، وعاين بمعنى واحد، و ﴿عَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿الْيَقِينِ:﴾ مضاف إليه. ﴿لَتُسْئَلُنَّ:﴾ مثل ما قبلها إعرابا ومحلا. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ (يوم): ظرف زمان متعلق بما قبله، و (إذ) في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض عن جملة محذوفة، التقدير: يوم إذ ترون الجحيم. ﴿عَنِ النَّعِيمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما أيضا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (التكاثر) شرحا، وإعرابا والحمد لله رب العالمين.

стр. 7391

سورة العصر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (العصر) وهي مكية في قول ابن عباس والجمهور، ومدنية في قول قتادة، وهي ثلاث آيات، وأربع عشرة كلمة، وثمانية وستون حرفا. انتهى. خازن. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ الشرح: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ أي: الدهر. قاله ابن عباس-﵄-وغيره. فالعصر مثل: الدهر، ومنه قول الشاعر: [الطويل] سبيل الهوى وعر وبحر الهوى غمر... ويوم الهوى شهر وشهر الهوى دهر قيل: أقسم الله به لما فيه من العبر، والعجائب للناظر، وقد ورد في الحديث القدسي: «لا تسبّوا الدهر، فإن الله هو الدهر». وأيضا قوله تعالى في الحديث القدسيّ: «يسبّ ابن آدم الدّهر، وأنا الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار». وذلك؛ لأنهم كانوا يضيفون النوائب، والنوازل إلى الدهر، فأقسم الله به تنبيها على شرفه، وأن الله هو المؤثر فيه، فما حصل من النوائب، والنوازل، كان بقضاء الله وقدره. وقيل: تقديره: ورب العصر، وقد ذكرت مثل ذلك في أول سورة (الذاريات) و (المرسلات) وغيرهما. وقيل: أراد بالعصر: الليل والنهار؛ لأنهما يقال لهما: العصران. قال حميد بن ثور الهلالي: [الطويل] ولن يلبث العصران يوم وليلة... إذا طلبا أن يدركا ما تيمّما فنبه الله على شرف الليل، والنهار؛ لأنهما خزانتان لأعمال العباد. وقيل: أراد بالعصر: آخر طرفي النهار، ويقال: العصران على التغليب للغداة، والعشي. قال الشاعر: [الطويل] وأمطله العصرين حتّى يملّني... ويرضى بنصف الدّين والأنف راغم يقول: إذا جاءني أول النهار؛ وعدته آخره. وقيل: أراد صلاة العصر، أقسم بها لشرفها، ولأنها الصلاة الوسطى في قول بدليل قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٣٨]: ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾. وفي الصحيحين: قال الرسول ﷺ في غزوة الخندق: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر». وعن ابن عمر-﵄-عن النبي ﷺ قال: «الذي

стр. 7392

تفوته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله، وماله». رواه الستة ومالك. وقيل: أراد بالعصر: زمن رسول الله ﷺ ، أقسم بزمانه، كما أقسم بمكانه في قوله: ﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ نبه بذلك على أن زمانه أفضل الأزمان، وأشرفها، كما أن مكانه أفضل الأمكنة، وأشرفها، وبالجملة: فقد أقسم الله تعالى بالزمان، لأنه رأس عمر الإنسان، فكل لحظة تمضي، فإنها من عمرك ونقص من أجلك، كما قال القائل: [البسيط] إنا لنفرح بالأيّام نقطعها... وكلّ يوم مضى نقص من الأجل هذا؛ وجمع العصر: أعصار، وعصور، وأعصر، وعصر. ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ أي: لفي خسران، ونقصان. قيل: أراد بالإنسان جنس الإنسان بدليل قولهم: كثر الدرهم؛ أي: الدراهم، وذلك؛ لأن الإنسان لا ينفك عن خسران؛ لأن الخسران هو تضييع عمره، وذلك؛ لأن كل ساعة تمر من عمر الإنسان؛ إما أن تكون تلك الساعة في طاعة، أو معصية، فإن كانت في معصية؛ فهو الخسران المبين الظاهر، وإن كانت في طاعة؛ فلعل غيرها أفضل، وهو قادر على الإتيان بها، فكان فعل غير الأفضل تضييعا، وخسرانا، فبان بذلك: أنه لا ينفك أحد من خسران. وخذ قول الرسول ﷺ : «ما من أحد يموت إلاّ ندم». قالوا: وما ندامته يا رسول الله؟! قال: «إن كان محسنا؛ ندم ألاّ يكون ازداد، وإن كان مسيئا ندم ألا يكون نزع». أخرجه الترمذي، والبيهقي عن أبي هريرة-﵁. وقيل: إن سعادة الإنسان في طلب الآخرة، وحبها، والإعراض عن الدنيا، والزهد فيها. ثم إن الأسباب الداعية إلي حبّ الآخرة خفية والأسباب الدّاعية إلى حب الدنيا ظاهرة، فلهذا السبب كان أكثر الناس مشتغلين بحب الدنيا مستغرقين في طلبها، فكانوا في خسار، وبوار، قد أهلكوا أنفسهم بتضييع أعمارهم. وخذ قوله تعالى في سورة (الروم) رقم [٧]: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾ انظر شرحها هناك. وقيل: أراد الإنسان الكافر بدليل: أنه استثنى المؤمنين. أقول: بل المراد جنس الإنسان بمعنى كل إنسان، والاستثناء يكون أظهر. وقيل: المراد أن الإنسان إذا عمر في الدنيا، وهرم لفي نقص، وتراجع إلا الذين آمنوا؛ فإنه تكتب أجورهم، ومحاسن أعمالهم؛ التي كانوا يعملونها في شبابهم، وصحتهم، فهي مثل قوله تعالى في سورة (التين): ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ انتهى. كله من الخازن بتصرف كبير. هذا؛ و ﴿خُسْرٍ﴾ يقرأ بضم السين، وسكونها. انظر سورة (الشرح) رقم [٥]. الإعراب: ﴿وَالْعَصْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. وانظر الشرح لبيان المقسم به. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَفِي:﴾ اللام: هي

стр. 7393

المزحلقة. (في خسر): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية جواب القسم لا محل لها، والقسم، وجوابه كلام مبتدأ. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ الشرح: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ فليسوا في خسران، و ﴿الصّالِحاتِ﴾ امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، فحكم الله بالخسران على جميع الناس إلا من كان آتيا بهذه الأشياء الأربعة، وهي: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر. فهذه الأمور اشتملت على ما يخص الإنسان نفسه، وهو الإيمان، والعمل الصالح، وما يخص غيره، وهو: التواصي بالحقّ، والتواصي بالصبر. قال أبي بن كعب-﵁: قرأت على رسول الله ﷺ : ﴿وَالْعَصْرِ..﴾. إلخ، ثم قلت: ما تفسيرها يا نبي الله؟! قال: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ قسم من الله، أقسم ربكم بآخر النهار. ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ:﴾ أبو جهل. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ أبو بكر. ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ عمر. ﴿وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ:﴾ عثمان. ﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ:﴾ علي» ﵃ أجمعين-. وهكذا خطب ابن عباس ﵄-على المنبر. تنبيه: أخرج البيهقي في الشعب عن أبي حذيفة، عبيد الله بن حفص-وكانت له صحبة- قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقيا؛ لم يتفرقا؛ حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة (العصر)، ثم يسلم أحدهما على الآخر. هذا؛ وانظر شرح الحق في الآية رقم [٣٩] من سورة (النبأ) وشرح (الصبر) في الآية رقم [١٠] من سورة (المزمل). هذا؛ والإيمان الصحيح هو: الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان. ولما سئل الرسول ﷺ عن الإيمان قال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتابه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره، وشرّه من الله تعالى». والإيمان يزيد، وينقص على المعتمد كما رأيت في الآية رقم [٢] من سورة (الأنفال) وله شعب كثيرة، وهي سبع وسبعون شعبة، أعلاها: (لا إله إلا الله) وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق. وهو بفتح الهمزة جمع: يمين، وهو الحلف بالله، أو بصفة من صفاته، أو اسم من أسمائه. قال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ﴾. واليمين أيضا اليد اليمنى، ويجمع أيضا على أيمان، كما في الآيات الكثيرة ولا يجمع إذا كان بالمعنى الأول. هذا؛ وأصل آمن أأمن بهمزتين، قلبت الثانية مدا مجانسا لحركة الأولى، كما قلبت في إيمان، فإن أصله إإمان، وكما قلبت في أومن، فإن أصله أأأمن بثلاث همزات، فاستثقلوا اجتماع ثلاث همزات. فحذفوا الثانية طلبا للتخفيف، فبقي: أأمن بهمزتين: الأولى مضمومة،

стр. 7394

والثانية ساكنة، فقلبت الساكنة واوا لسكونها وانضمام ما قبلها، فصار أومن، ومثل آمن آدم في إعلاله، وما جرى مجراه. الإعراب: ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء من الإنسان. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. هذا الإعراب هو الظاهر، والمتعارف عليه في مثل هذا اللفظ، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضمة التي جيء بها لمناسبة واو الجماعة، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. (تواصوا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما. هذا؛ واعتبار الموصول في محل نصب على الاستثناء من ﴿الْإِنْسانَ﴾ فيه ضعف، والأقوى اعتباره مبتدأ، وخبره محذوف، التقدير: فإنهم ليسوا في خسر. أو التقدير: فإنهم اشتروا الآخرة بالدنيا، والجملة الاسمية حينئذ في محل نصب على الاستثناء من ﴿الْإِنْسانَ﴾. وتقدم كثير مثل ذلك. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم. انتهت سورة (العصر) شرحا، وإعرابا. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7395

سورة الهمزة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (الهمزة) مكية، وهي تسع آيات، وثلاثون كلمة، ومئة وثلاثون حرفا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلاّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤)﴾ الشرح: ﴿وَيْلٌ:﴾ انظر الآية رقم [١٥] من سورة (المرسلات). ﴿لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ:﴾ التاء فيهما للمبالغة في الوصف؛ أي: كثير الهمز، واللمز. قال ابن عباس-﵄: هم المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون العيب للبريء. وعليه فهما بمعنى واحد. وانظر الآية رقم [١١] من سورة (القلم). وقال زياد الأعجم في جمعهما بمعنى واحد: [البسيط] تدلي بودّ إذا لا قيتني كذبا... وإن أغيّب فأنت الهامز اللّمزة وقال آخر بجمعهما أيضا بمعنى واحد: [البسيط] إذا لقيتك عن شحط تكاشرني... وإن تغيّبت كنت الهامز اللّمزه الشحط: البعد. وقال أبو العالية، وغيره، الهمزة: الذي يغتاب، ويطعن في وجه الرجل، واللمزة: الذي يغتابه من خلفه إذا غاب، ومنه قول حسان-﵁: [الوافر] همزتك فاختضعت بذلّ نفس... بقافية تأجّج كالشّواظ واختار هذا القول النحاس. قال: ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ﴾ الآية رقم [٥٨] من سورة (التوبة). وقال مقاتل ضد هذا الكلام: إن الهمزة الذي يغتاب بالغيبة، واللمزة الذي يغتاب في الوجه. هذا؛ والمشهور: أن بناء فعلة (بضم الفاء وفتح العين) لمبالغة الفاعل، وبناء: فعلة (بضم الفاء، وسكون العين) لمبالغة المفعول، يقال: رجل لعنة (بضم اللام، وفتح العين) لمن كان يكثر لعن غيره، ولعنة (بضم اللام وسكون العين) إذا كان ملعونا للناس يكثرون لعنه. وعبارة السمين: والعامة على فتح ميم همزة، ولمزة على أن المراد الشخص الذي يكثر منه ذلك الفعل. ويقرأ بالسكون.

стр. 7396

وحاصل هذه الأقاويل يرجع إلى أصل واحد، وهو: الطعن، وإظهار العيب، وأصل الهمز: الكسر، والقبض على الشيء بعنف، والمراد منه هنا: الكسر من أعراض الناس بأقوالهم، وأعمالهم، وأصواتهم ليضحكوا منه. واختلفوا فيمن نزلت هذه السورة من كفار قريش على أقوال كثيرة، والأولى التعميم، وذلك؛ لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ، والحكم. ﴿الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ:﴾ وإنما وصفه بهذا الوصف؛ لأنه يجري مجرى السبب، والعلة في الهمز، واللمز، يعني: وهو بإعجابه بما جمع من المال يستصغر الناس، ويسخر منهم. ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ أي: أحصاه من العدد. وقيل: هو من العدة؛ أي: استعده، وجعله ذخيرة له، وغنى مدخرا. وانظر شرح (جمع) في الآية رقم [١٨] من سورة (المعارج). هذا؛ ويقرأ بتخفيف الدالين على أنه اسم منصوب معطوف على ﴿مالاً،﴾ التقدير: جمع مالا، وعدده: وجمع عدده. ولا يحسن أن يكون فعلا ماضيا معناه التشديد، مع فك التضعيف؛ لأن فك التضعيف، لا يجوز إلا إذا اتصل الفعل بضمير رفع متحرك، مثل مددت، ومددنا، ومددن، ولذا شذ قول الشاعر وهو قعنب بن أم صاحب: [البسيط] مهلا أمامة قد جرّبت من خلقي... إنّي أجود لأقوام وإن ضننوا فأراد الشاعر: ضنّوا، وبخلوا، فأظهر التضعيف، لكن الشعر موضع ضرورة، ولا يحمل القرآن على الضرورة، بل حمله على المعنى الذي ذكرته أولى، وأحق. ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ أي: يظن: أنه يخلد في الدنيا، ولا يموت؛ ليساره، وغناه. قال: الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت. ومعناه: أن الناس لا يشكون في الموت، مع أنهم يعملون عمل من يظن أنه يخلد في الدنيا، ولا يموت، و ﴿أَخْلَدَهُ﴾ ماض بمعنى المستقبل أي: يظن لجهله: أن ماله يخلده؛ أي: يوصله إلى رتبة الخلود في الدنيا، فيصير خالدا فيها، فلا يموت، أو يعمل من تشييد البنيان الموثق بالحديد، والإسمنت، وغراس الأشجار، وعمارة الأرض عمل من يظن أن ماله يبقيه حيّا أبد الدهر. وانظر شرح (يحسب) في الآية رقم [٣] من سورة (القيامة). الإعراب: ﴿وَيْلٌ:﴾ مبتدأ، سوغ الابتداء به، وهو نكرة معنى الدعاء فيه. ﴿لِكُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و (كلّ) مضاف، و ﴿هُمَزَةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿لُمَزَةٍ:﴾ مرادف ل: ﴿هُمَزَةٍ﴾ على اعتبارهما بمعنى واحد، وبدل منه على اعتبارهما مختلفي المعنى. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بدلا من (كل)، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو

стр. 7397

الذي. ﴿جَمَعَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ والجملة صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مالاً:﴾ مفعول به. ﴿وَعَدَّدَهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (عدده): فعل ماض، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿يَحْسَبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿مالَهُ:﴾ اسم ﴿أَنَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَخْلَدَهُ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مالَهُ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿يَحْسَبُ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿جَمَعَ﴾ و ﴿أَخْلَدَهُ،﴾ والرابط: الضمير فقط، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿كَلاّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧)﴾ الشرح: ﴿كَلاّ:﴾ انظر الآية رقم [١٦] من سورة (المدثر). ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ أي: ليلقين، وليطرحن الذي جمع المال وعدده في الحطمة؛ أي: النار، وهو اسم من أسمائها. قال تعالى في سورة (الحجر) رقم [٤٤]: ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ أي: للنار سبع طبقات، بعضهم فوق بعض ينزلزن فيها بحسب مراتبهم في المتابعة. قال ابن جريج: النار سبع دركات، وهي منازل أهلها، والجنة درجات، فالدرك ما كان إلى أسفل، والدرج ما كان إلى أعلى، فالعليا من طبقات النار لعصاة المسلمين، وهي جهنم تكون بعد خروجهم منها خرابا يبابا، لا نار فيها. والثانية: لظى للنصارى. والثالثة: الحطمة لليهود. والرابعة: السعير للصابئين. والخامسة: سقر للمجوس. والسادسة: الجحيم لأهل الشرك. والسابعة: الهاوية. وهي الدرك الأسفل للمنافقين. قال تعالى في سورة (النساء) رقم [١٤٥]: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾ وإنما كان عقابهم كذلك؛ لأنهم أخبث أهل الكفر؛ لأنهم ضموا إلى الكفر استهزاء بالإسلام، وخداعا للمؤمنين. هذا؛ ودرجات الجنة ثمانية، وهي: دار الجلال، ودار السّلام، وجنة عدن، وجنة المأوى، وجنة الخلد، وجنة الفردوس، وجنة النعيم، ودار الكرامة. وهي المعبر عنها بدار المقامة بقوله تعالى في سورة (فاطر) رقم [٣٥] حكاية عن قول المؤمنين: ﴿الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ..﴾. إلخ. هذا؛ والردع الذي تضمنته ﴿كَلاّ﴾ ردّ على الذي جمع المال، وعدده. والمعنى: لا يخلده ماله، بل يخلده ذكر العلم، والعمل الصالح. ومنه قول علي-﵁: مات خزان المال وهم أحياء، والعلماء العاملون باقون ما بقي الدهر. وخذ قول أمير الشعراء أحمد شوقي: [الكامل] دقّات قلب المرء قائلة له... إنّ الحياة دقائق وثوان

стр. 7398

فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها... فالذّكر للإنسان عمر ثان هذا؛ وسميت ﴿الْحُطَمَةِ﴾ بذلك؛ لأنها تكسر كل ما يلقى فيها، وتحطمه، وتهشمه، والفعل من باب: ضرب. قال الراجز: [الرجز] إنّا حطمنا بالقضيب مصعبا... يوم كسرنا أنفه ليغضبا والمعنى: يا أيها الهمزة اللمزة الذي جمع المال، وعدده، والذي يأكل لحوم الناس، ويكسر من أعراضهم، إن وراءك الحطمة؛ التي تأكل اللحوم، وتكسر العظام. هذا؛ ويقرأ: «(لينبذان)» بالتثنية؛ أي: هو، وماله. ويقرأ بالبناء للمجهول، على معنى: لينبذنّ ماله، وقرئ: «(لننبذنّه)»، وقرئ: «(لينبذنّ)» بضم الذال، على أن المراد: الهمزة، واللمزة، والمال، وجامعه. ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ:﴾ استفهام للتهويل، والتعظيم، والتفخيم لشأن النار المسماة بذلك، ثم ذكر الله بقوله: ﴿نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ:﴾ زيادة في تعظيمها، وتفخيمها أضافها ذو الجلالة والإكرام إلى نفسه، ومعنى ﴿الْمُوقَدَةُ﴾ لا تخمد أبدا، فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «أوقد على النار ألف سنة حتّى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضّت، ثمّ أوقد عليها ألف سنة حتى اسودّت، فهي سوداء مظلمة». أخرجه الترمذي. ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ أي: يبلغ ألمها، وحرها إلى القلوب، والمعنى: أنها تحرق كل شيء، وتأكله حتى تنتهي إلى الفؤاد، وإنما خص الفؤاد بالذكر؛ لأنه ألطف شيء في بدن الإنسان، وأنه يتألم بأدنى شيء، فكيف إذا اطلعت عليه، واستولت عليه، ثم إنه مع لطافته لا يحترق؛ إذ لو احترق لمات صاحبه؛ أي: إنه في حال من يموت، وهم لا يموتون. قال تعالى في سورة (طه) رقم [٧٤]: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى،﴾ وقال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ رقم [١٧] وإنما خص الفؤاد بالذكر؛ لأنه موطن الكفر والعقائد والنيات الفاسدة. الإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع، وزجر. ﴿لَيُنْبَذَنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: وعزتي، وجلالي، ونحو ذلك. (ينبذن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف، لا محل له، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها، والقسم، وجوابه كلام مبتدأ بعد ﴿كَلاّ﴾ لا محل له. ﴿فِي الْحُطَمَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: ملقى، أو مطروحا في الحطمة. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الاستئناف. وانظر سورة (القارعة) رقم [٣] فالإعراب مثله بلا فارق. ﴿نارُ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي نار، والجملة الاسمية في محل نصب حال من (الحطمة)، والرابط: الضمير فقط، والعامل (ما) الاستفهامية. وقيل: بدل من (الحطمة)، و ﴿نارُ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه.

стр. 7399

﴿الْمُوقَدَةُ:﴾ صفة ﴿نارُ اللهِ﴾. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة ﴿نارُ اللهِ،﴾ أو هي في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف. التقدير: هي التي، أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف. التقدير: أعني: التي. ﴿تَطَّلِعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الَّتِي﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية لا محل لها صلة الموصول. ﴿عَلَى الْأَفْئِدَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾ الشرح: ﴿إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ:﴾ مطبقة مغلقة، لا يدخل إليهم روح، وريحان. وانظر ما ذكرته في آخر سورة (البلد) وخذ هنا زيادة على ذلك قول عبيد الله بن قيس الرقيات: [الخفيف] إنّ في القصر لو دخلنا غزالا... مصفقا موصدا عليه الحجاب ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ يعني: الأبواب هي الممددة. وقال ابن عباس-﵄: أدخلهم في عمد ممددة عليهم بعماد، في أعناقهم السلاسل، فسدت بها الأبواب. وقال قتادة: كنا نحدث: أنهم يعذبون بعمد من نار في النار. واختاره ابن جرير. وقال أبو صالح: هي القيود الثقال. وفي حديث أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ : «ثمّ إنّ الله يبعث إليهم ملائكة بأطباق من نار، ومسامير من نار، وعمد من نار، فتطبق عليهم بتلك الأطباق، وتشدّ عليهم بتلك المسامير، وتمدّ بتلك العمد، فلا يبقى فيها خلل يدخل فيه روح، ولا يخرج منه غمّ، وينساهم الرحمن على عرشه، ويتشاغل أهل الجنة بنعيمهم، ولا يستغيثون بعدها أبدا، وينقطع الكلام، فيكون كلامهم زفيرا، وشهيقا، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ»﴾. انتهى. قرطبي. هذا؛ ويقرأ: ﴿عَمَدٍ﴾ بضمتين، وفتحتين. قال الفراء: هما جمعان صحيحان ل: «عمود» مثل: أديم، وأدم، وأدم، وأفيق، وأفق، وأفق. الأديم: الجلد المدبوغ، والأفيق: الجلد الذي لم يدبغ. وقال الجوهري: العمود: عمود البيت، وجمع القلة: أعمدة، وجمع الكثرة: عمد، وعمد. تنبيه: فلا يبقى لما قاله الشيخ محمد عبده في تفسيره: إن المراد بذلك الكهرباء الناتج عنها الأشعة السينية، وغيرها التي تصور القلب، وغيره من الأحشاء الداخلية، فلا يبقى لقوله مجال بعد أن خوف الله الهمزة، واللمزة الذي يجمع المال، ويعدده بالحطمة الموصوفة بما ذكر. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿إِنَّها:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُؤْصَدَةٌ:﴾ خبر (إنّ). ﴿فِي عَمَدٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم في عمد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور

стр. 7400

ب: (على)، كما أجيز تعليق الجار، والمجرور بمفردهما في محل نصب حال من الضمير، التقدير: موثقين في عمد، ويجوز أن يكون الجار، والمجرور متعلقين بمحذوف صفة ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾. قال أبو البقاء: ﴿مُمَدَّدَةٍ:﴾ صفة ﴿عَمَدٍ﴾. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (الهمزة) شرحا، وإعرابا. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7401

سورة الفيل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (الفيل) مكية بالإجماع، وهي خمس آيات، وعشرون كلمة، وستة وتسعون حرفا. انتهى. خازن. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١)﴾ الشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ..﴾. إلخ: الخطاب لرسول الله ﷺ ، وهو وإن لم يشهد تلك الواقعة، لكن شاهد آثارها، وسمع بالتواتر أخبارها، فكأنه رآها، ولذا قال: ﴿كَيْفَ،﴾ ولم يقل: «ما»؛ لأن المراد تذكير ما فيها من وجوه الدلالة على كمال علم الله، وقدرته، وعزة نبيه، وشرف رسوله ﷺ ، فإنها من الإرهاصات. انتهى. بيضاوي. هذا؛ والفيل حيوان معروف، وجمعه: أفيال، وفيول، والأنثى: فيلة وصاحبها: فيّال، وقصة أصحاب الفيل كانت كما يلي. روي: أن أبرهة بن الصباح، ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي ملك الحبشة، وهو النجاشي الذي آمن بالنبي ﷺ بنى كنيسة بصنعاء، وسماها القلّيس، وأراد أن يصرف إليها الحاج عن مكة، فخرج رجل من كنانة، فقعد فيها، وتغوّط فيها، ولطخ بالعذرة قبلتها، فأغضب أبرهة ذلك. وقيل: أججت رفقة من العرب نارا، فحملتها الريح، فأحرقتها، فحلف: ليهدمن الكعبة! فخرج بجيشه، ومعه فيل عظيم، اسمه محمود، وكان قويا عظيما. واثنا عشر فيلا غيره، فلما جاء المغمّس (موضع قرب مكة في طريق الطائف) خرج إليه عبد المطلب، وعرض عليه ثلث أموال تهامة ليرجع، فأبى، وعبأ جيشه، وقدم الفيل، وكانوا كلما وجهوه إلى الحرم، برك، ولم يبرح، وإذا وجهوه إلى اليمن، أو إلى الشام؛ هرول. فأرسل الله عليهم طيرا مع كل طائر حجر بمنقاره، وحجران في رجليه، أكبر من العدسة، وأصغر من الحمصة، فكان الحجر يقع على رأس الرجل، فيخرج من دبره، وعلى كل حجر اسم من يقع عليه، ففروا، وهلكوا، وهلك أبرهة، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، وانفلت وزيره أبو يكسوم، وطائر يحلق فوقه؛ حتى بلغ النجاشي في الحبشة، فقص عليه القصة، فلما أتمها؛ وقع عليه الحجر، فخر ميتا بين يديه.

стр. 7402

وروي: أن أبرهة أخذ لعبد المطلب، مئتي بعير، فخرج إليه يطلبها منه، فلما رآه عظم في عينه، وكان عبد المطلب رجلا جسيما، ووسيما. وقيل لأبرهة: هذا سيد قريش، وصاحب عير مكة الذي يطعم الناس في السهل، والوحوش، والطير في رؤوس الجبال، فلما ذكر حاجته، وهي الإبل. قال له أبرهة: سقطت من عيني! جئت لأهدم البيت؛ الذي هو دينك، ودين آبائك، وشرفكم في قديم الدهر، فألهاك عنه ذود من الإبل أخذ لك، فقال عبد المطلب: أنا رب الإبل، وللبيت ربّ سيمنعه منك! قال: ما كان ليمنعه مني! فقال: أنت، وذاك! فأمر بإبله، فردت عليه. فخرج عبد المطلب، فأخبر قريشا، وأمرهم أن يتفرقوا في الشعاب، ويتحرزوا في رؤوس الجبال تخوفا عليهم من معرة الجيش، ففعلوا، وأتى عبد المطلب الكعبة، وأخذ حلقة الباب، وجعل يقول: [الرجز] يا ربّ لا أرجو لهم سواكا... يا ربّ فامنع منهم حماكا إن عدوّ البيت من عاداكا... امنعهم أن يخربوا قراكا وفي رواية أخرى (إنّهم لن يقهروا قواكا) وقال أيضا: [مجزوء الكامل] لا همّ إن العبد يم... نع رحله فامنع رحالك وانصر على آل الصّل... يب وعابديه اليوم آلك لا يغلبنّ صليبهم... ومحالهم أبدا محالك جرّوا جموع بلادهم... والفيل كي يسبوا عيالك عمدوا حماك بكيدهم... جهلا وما رقبوا جلالك إن كنت تاركهم وكع... بتنا فأمر ما بدا لك تنبيه: لما خرج أبرهة من اليمن قاصدا مكة، فسمعت العرب بذلك، فعظموه، ورأوا جهاده حقا عليهم، فخرج ملك من ملوك اليمن، يقال له: ذو نفر بمن أطاعه من قومه. فقاتلوه، فهزمه أبرهة، وأراد قتله. فقال له: أيها الملك استبقني، فإن بقائي خير لك من قتلي. فاستحياه، وأوثقه، ثم سار حتى إذا دنا من بلاد خثعم، خرج إليه نفيل بن حبيب الخثعمي في خثعم، ومن اجتمع إليه من قبائل اليمن، فقاتلوه، فهزمهم، وأخذ نفيلا، فقال نفيل: أيّها الملك إني خبير بأرض العرب، وهاتان يداي على قومي بالسمع، والطاعة. فاستبقاه، وخرج معه يدله، حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن مغيث في رجال من ثقيف، فقال: أيها الملك نحن عبيدك، ليس عندنا خلاف لك، إنما تريد البيت الذي بمكة نحن نبعث معك من يدلك عليه، فبعثوا معه «أبا رغال» مولى لهم، فخرج حتى إذا كان بالمغمّس؛ مات أبو رغال، وهو الذي يرجم قبره، وفيه يقول الشاعر: [الوافر]

стр. 7403

وأرجم قبره في كلّ عام... كرجم الناس قبر أبي رغال فلما أنزل الله بهم بلاءه، ومات منهم من مات بالحجارة؛ التي نزلت عليهم من السماء، ومن بقي منهم؛ خرجوا هاربين مبتدرين الطريق؛ التي جاؤوا منها؛ أخذوا يسألون عن نفيل بن حبيب؛ ليدلهم على الطريق إلى اليمن فقال نفيل حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته: [الرجز] أين المفرّ والإله الطالب... والأشرم المغلوب ليس الغالب وهذا هو الشاهد رقم [٥٥١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» وقال أيضا: [الوافر] حمدت الله إذ أبصرت طيرا... وخفت حجارة تلقى علينا فكلّ القوم يسأل عن نفيل... كأنّ عليّ للحبشان دينا وقصة أصحاب الفيل كانت عام مولد النبي ﷺ . الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام بعده. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب مفعول مطلق، عامله ما بعده، أو في محل نصب حال من ﴿رَبُّكَ،﴾ واختار الأول ابن هشام في المغني، والمعنى: أي فعل فعل، وأما نصبه على الحالية من الفاعل؛ فممتنع؛ لأن فيه وصفه تعالى بالكيفية، وهو غير جائز. انتهى. جمل نقلا من الشهاب. وقال مكي: في محل نصب على الظرفية الزمانية، عامله ما بعده، وهو غير قوي، ولا يؤيده المعنى. تأمل. ﴿فَعَلَ:﴾ فعل ماض. ﴿رَبُّكَ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعول (ترى) المعلق عن العمل. ﴿بِأَصْحابِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (أصحاب): مضاف، و ﴿الْفِيلِ:﴾ مضاف إليه. وانظر الكلام على ﴿كَيْفَ﴾ في آخر سورة (الغاشية). ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢)﴾ الشرح: أي: ألم يجعل كيدهم في إبطال، وتضييع وخسار، ومنه قوله تعالى في سورة (غافر) رقم [٢٥]: ﴿وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ،﴾ وأيضا فيها رقم [٣٧]: ﴿وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاّ فِي تَبابٍ﴾ وذلك؛ لأن أبرهة الكافر، وجيشه أرادوا أن يكيدوا قريشا بالقتل، والسبي، والكعبة بالتخريب، والهدم، فحكي عن عبد المطلب: أنه بعث ابنه عبد الله على فرس له، ينظر ما لقوا من تلك الطير، فإذا القوم مشدخين جميعا، فرجع يركض فرسه كاشفا عن فخذه، فلما رأى ذلك أبوه قال: إن ابني هذا أفرس العرب، وما كشف عن فخذه إلا بشيرا، أو

стр. 7404

نذيرا، فلما دنا من ناديهم بحيث يسمعهم الصوت؛ قالوا: ما وراءك؟ قال: هلكوا جميعا! فخرج عبد المطلب، وأصحابه، فأخذوا أموالهم، وكانت أموال بني عبد المطلب منها، وبها تكاملت رياسة عبد المطلب؛ لأنه احتمل ما شاء من صفراء، وبيضاء، ثم خرج أهل مكة بعده، فنهبوا، فقال عبد المطلب عند ذلك: [الرجز] أنت منعت الحبش والأفيالا... وقد رعوا بمكة الأجبالا وقد خشينا منهم القتالا... وكان أمر لهم معضالا شكرا وحمدا لك ذا الجلالا قال ابن إسحاق: ولما ردّ الله الحبشة عن مكة؛ عظّمت العرب قريشا. وقالوا: هم أهل الله، قاتل الله عنهم، وكفاهم مؤونة عدوهم. وقال عبد الله بن عمرو بن مخزوم في قصة أصحاب الفيل: [الرجز] أنت الجليل ربّنا لم تدنس... أنت حبست الفيل بالمغمّس من بعد ما همّ بشرّ مبلس... حبسته في هيئة المكركس وما لهم من فرج ومنفس الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ مثل سابقه في إعرابه ومعناه. ﴿يَجْعَلْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم). والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّكَ﴾. ﴿كَيْدَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فِي تَضْلِيلٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، أو هما في محل نصب حال من ﴿كَيْدَهُمْ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة استئنافا بيانيا، وفيها معنى التفسير، والبيان لما قبلها ما فيها. ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ الشرح: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً:﴾ قال سعيد بن جبير-﵁: كانت طيرا من السماء لم ير قبلها، ولا بعدها مثلها. وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس-﵃ أجمعين-. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنها طير بين السماء والأرض تعشّش، وتفرّخ». وعن ابن عباس-﵄: (كانت لها خراطيم كخراطيم الطير، وأكف كأكف الكلاب). وقال عكرمة: كانت طيرا خضرا، خرجت من البحر، لها رؤوس كرؤوس السباع، ولم تر قبل ذلك، ولا بعده. وقالت عائشة-﵂: هي أشبه شيء بالخطاطيف. وقيل: بل كانت أشباه الوطاويط حمراء، وسوداء. انتهى. قرطبي.

стр. 7405

قال الخازن-رحمه الله تعالى-: ووجه الجمع بين هذه الأقاويل في اختلاف أجناس هذه الطير: أنها كانت فيها هذه الصفات كلها، فبعضها على ما حكاه ابن عباس، وبعضها على ما حكاه غيره، فأخبر كل واحد بما بلغه من صفاتها. والله أعلم. انتهى. هذا؛ والطير: اسم جمع مثل: غنم، وخيل. وقيل: بل هو جمع طائر، مثل: صحب، وصاحب. ويصح إطلاقه على المفرد، والمثنى، والجمع، وجمع الطير: طيور، وأطيار، مثل: فرخ، وفروخ، وأفراخ. وقال قطرب، وأبو عبيدة: الطير قد يقع أيضا على الواحد، كما في قوله تعالى: ﴿فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ﴾ الآية رقم [٤٩] من سورة (آل عمران). وطائر الإنسان: عمله الذي قلده. قال تعالى في سورة (الإسراء): ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ والطير أيضا: الاسم من التطير، ومنه قولهم: (لا طير إلاّ طير الله، كما يقال: لا أمر إلاّ أمر الله). انتهى. مختار بتصرف. ﴿أَبابِيلَ:﴾ متتابعة بعضها في إثر بعض. قاله ابن عباس، ومجاهد. وقيل: مختلفة متفرقة تجيء من كل ناحية، من هاهنا وهاهنا. قاله ابن مسعود، وابن زيد، والأخفش. واختلف في واحدها، فقيل: إبّول، كعجّول وعجاجيل. وقيل: واحدها: إبّيل كسكّين، وسكاكين. وقيل: واحدها: إبّال كدينار، ودنانير، وأصل دينار: دنّار، دليله تكرير النون في الجمع، والتصغير. وقيل: هو جمع لا واحد له. وقيل: هو اسم للجمع. انتهى. مكي. قال المبرد: ولم أجد العرب تعرف له واحدا في غير الصحاح. وقال رؤبة بن العجاج في الجمع: [الرجز] ولعبت طير بهم أبابيل... فصيّروا مثل كعصف مأكول وهذا هو الشاهد رقم [٣٢٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». وقال الأعشى: [الطويل] طريق وجبّار رواء أصوله... عليه أبابيل من الطّير تنعب الجبّار من النخل: ما طال، وفات اليد. وقال آخر: [البسيط] كادت تهدّ من الأصوات راحلتي... إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل الجرد (بضم الجيم): خيل لا رجالة فيها، وهو أيضا قصر شعر الجلد في الفرس. ﴿تَرْمِيهِمْ:﴾ ويقرأ: «(يرميهم)». ﴿بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ:﴾ قالوا: حجارة من طين طبخت بنار جهنم مكتوب فيها أسماء القوم، كقوله تعالى في سورة (الذاريات): ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً﴾ وقيل: ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾ من السماء، وهي الحجارة التي أنزلت على قوم لوط. وقيل: من الجحيم، وهي سجين، ثم أبدلت اللام نونا، كما قالوا في أصيلان: أصيلال. قال ابن مقبل: [البسيط] ورجلة يضربون البيض عن عرض... ضربا تواصت به الأبطال سجّينا هذا؛ وقالت طائفة، منهم: ابن عباس، وسعيد بن جبير، وابن إسحاق: إن سجيلا لفظة غير عربية عربت، أصلها: سنج وجيل، ويقال: سنك وكيل، وهما بالفارسية حجر وطين عربتهما العرب، فجعلتهما اسما واحدا؛ لأن العرب إذا تكلمت بشيء من الفارسي، صار لغة

стр. 7406

للعرب، ولا يضاف للفارسية، مثل سندس، وإستبرق، والمشكاة، ونحو ذلك، فكل هذه الألفاظ فارسية، تكلمت بها العرب، واستعملتها، فصارت عربية. ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ أي: جعل الله أصحاب الفيل كورق الزرع؛ الذي أكلته الدواب، فرمت به إلى أسفل. شبه تقطع أوصالهم بتفرق أجزاء ورق الزرع، أكلته الدواب وداسته، بل وراثته؛ أي: ألقته روثا ثم يبس، وتفتت، ولم يقل: كروث لما في لفظ الروث من الهجنة، والشناعة وسمي عصفا؛ لأن الريح تعصف به، فتفرقه ذات اليمين وذات الشمال. هذا؛ والتشبيه مرسل مجمل ذكرت الأداة، وحذف وجه الشبه. هذا؛ وذكرت: أن الله أهلك كل واحد من أصحاب الفيل بحجر مكتوب عليه اسمه. وهو قول أكثر المفسرين. قال الجمل: يتأمل سر هذه الكتابة، وهل كان الطائر الذي يحمله يدرك ويفهم أن هذا الحجر لفلان بخصوصه حتى لا يرميه إلا فوقه؟ وإذا كان كذلك، فهل كان إدراكه لهذا المعنى من الكتابة المذكورة، أو بمجرد إلهام؟ يحرر. والله أعلم بمراده. الإعراب: ﴿وَأَرْسَلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (أرسل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿طَيْراً:﴾ مفعول به. ﴿أَبابِيلَ:﴾ صفة ﴿طَيْراً،﴾ ولم ينون؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وساغ ذلك؛ لأن الاستفهام للتقرير، فكان المعنى: قد جعل ذلك، وأرسل. وانظر ما ذكرته في سورة (الشرح) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿تَرْمِيهِمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل تقديره: «هي» يعود إلى ﴿طَيْراً أَبابِيلَ﴾ وعلى قراءة الفعل بالياء فالفاعل تقديره: «هو» يعود إلى (الله)؛ أي: يرميهم الله. ويجوز أن يكون راجعا إلى الطير لخلوها من علامات التأنيث، وهو ضعيف، فالأول أقوى وأولى، والهاء مفعول به، والجملة في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿طَيْراً﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، وعلى قراءته بالياء فالحالية تكون من الضمير المجرور ب: (على)، والرابط: الضمير على الاعتبارين. ﴿بِحِجارَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ سِجِّيلٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (حجارة). (جعلهم): فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله، والهاء مفعول به. ﴿كَعَصْفٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. هذا؛ وإن اعتبرت الكاف اسما وهو الأقوى هنا، فالمحل لها، وتكون مضافة، و (عصف): مضاف إليه. ﴿مَأْكُولٍ:﴾ صفة (عصف). تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (الفيل) شرحا، وإعرابا. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7407

سورة قريش بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (قريش) مكية، وهي أربع آيات، وسبع عشرة كلمة، وثلاثة وسبعون حرفا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢)﴾ الشرح: قيل: إن هذه السورة متصلة بالتي قبلها في المعنى، يقول الله: أهلكت أصحاب الفيل لإيلاف قريش؛ أي: لتأتلف، أو لتتفق قريش، أو لكي تأمن قريش، فتؤلف رحلتيها، وممن عدّ السورتين واحدة أبيّ بن كعب، ولا فصل بينهما في مصحفه. وقال عمرو بن ميمون الأودي: صلينا المغرب خلف عمر بن الخطاب-﵁، فقرأ في الأولى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ وفي الثانية ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ و ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ وقال الفراء: هذه السورة متصلة بالسورة التي قبلها؛ لأنه ذكّر أهل مكة عظيم نعمته عليهم فيما فعل بالحبشة، ثم قال: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ أي: فعلنا ذلك بأصحاب الفيل نعمة منا على قريش. وذلك: أن قريشا كانت تخرج في تجارتها، فلا يغار عليها، ولا تقرب في الجاهلية، يقولون: هم أهل بيت الله ، حتى جاء صاحب الفيل ليهدم الكعبة، ويأخذ حجارتها، فيبني فيها بيتا في اليمن، يحج الناس إليه، فأهلكهم الله ، فذكرهم نعمته. وقيل: ليست بمتصلة؛ لأن بين السورتين ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾. هذا؛ وقال الجوهري: وفلان قد ألف هذا الموضع، يألفه إلفا، وآلفه إيّاه غيره. ويقال أيضا: آلفت الموضع أولفه إيلافا، وكذلك: آلفت الموضع، أؤالفه مؤالفة، وإلافا. قال أبو طالب يوصي أخاه أبا لهب برسول الله: [الطويل] فلا تتركنه ما حييت لمعظم... وكن رجلا ذا نجدة وعفاف تذود العدا عن عصبة هاشمية... إلا فهم في النّاس خير إلاف وأما قريش فهم بنو النضر بن كنانة، فكل من كان من ولد النضر، فهو قرشي دون بني كنانة ومن فوقه، فإذا أردت بقريش الحي، أو الجد الأول صرفته، وإن أردت به القبيلة لم تصرفه. هذا شأن جميع أسماء القبائل، مثل: عاد، وثمود. وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «إنا ولد النضر بن كنانة، لا نقفوا أمّنا، ولا ننتفي من أبينا». أي: لا نتهم أمنا، ولا نقذفها. وقيل:

стр. 7408

معناه: لا نترك النسب إلى الآباء وننتسب إلى الأمهات. وقال واثلة بن الأسقع-﵁ قال النبي ﷺ : «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار». رواه الشيخان وغيرهما. هذا؛ و ﴿قُرَيْشٍ﴾ قبيلة النبي ﷺ ، ومنها بنو أمية، فيلتقون معه ﷺ في عبد مناف؛ لأن أولاده هم: هاشم، وعبد شمس، والمطلب، ونوفل. وكان يقال لهم: أقداح النضار؛ أي: الذهب، كما يقال لهم: المجيرون؛ لكرمهم، وفخرهم، وسيادتهم على سائر العرب. فالرسول ﷺ يرجع نسبه إلى هاشم، وبنو أمية يرجع نسبهم إلى عبد شمس، فهم جميعا أولاد عم. وبطون قريش غير هذين البطنين كثيرة كما هو معروف. وسموا جميعا قريشا على أقوال: أحدها: لتجمعهم بعد التفرق، والتقرش: التجمع، والالتئام. الثاني: لأنهم كانوا تجارا يأكلون من مكاسبهم، والتقرش: التكسب. الثالث: لأنهم كانوا يفتشون عن الفقير المحتاج، فيسدون خلته. والقرش: التفتيش. الرابع: ما روي: أن معاوية سأل ابن عباس-﵄: لم سميت قريش قريشا؟ فقال: لدابة في البحر من أقوى دوابه، يقال لها: القرش، تأكل، ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلى، وأنشد قول تبّع: [الخفيف] وقريش هي التي تسكن البح... ر بها سمّيت قريش قريشا تأكل الغثّ والسّمين ولا تت... رك فيه لذي جناحين ريشا هكذا في الكتاب حيّ قريش... يأكلون البلاد أكلا كميشا ولهم آخر الزمان نبيّ... يكثر القتل فيهم والخموشا يملأ الأرض خيله ورجاله... يحشرون المطيّ حشرا كميشا وإليك البيتين الآتيين، وهما لمساور بن قيس يهجو فيهما بني أسد: [الوافر] زعمتم أنّ إخوتكم قريش... لهم إلف وليس لكم إلاف أولئك أومنوا جوعا وخوفا... وقد جاعت بنو أسد وخافوا يقول: لستم من قريش، ولا قريش منكم، فدعواكم إخوتهم باطلة؛ لأنهم أطعموا من جوع وأومنوا من خوف، ولستم كذلك. ﴿إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ:﴾ قال ابن عباس-﵄: كانوا يشتون بمكة، ويصيفون بالطائف، فأمرهم الله تعالى أن يقيموا في الحرم، ويعبدوا رب هذا البيت. وقال الأكثرون: كانت لهم رحلتان في كل عام للتجارة: رحلة في الشتاء إلى اليمن؛ لأنها أدفأ، ورحلة في الصيف إلى الشام؛ لأنها أبرد، وكان الحرم حول مكة واديا لا زرع فيه، ولا ضرع،

стр. 7409

وكانت قريش تعيش بتجارتهم، ورحلتهم، وكانوا لا يتعرض لهم أحد بسوء، وكان الناس يقولون: قريش سكان حرم الله، وولاة بيته، وكانت العرب تكرمهم، وتعزهم وتعظمهم لذلك، فلولا الرحلتان لم يكن لهم مقام بمكة، ولولا الأمن بجوار البيت لم يقدروا على التصرف. فشق عليهم الاختلاف إلى اليمن، والشام، فأخصبت تبالة وحرش من بلاد اليمن، فحملوا الطعام إلى مكة، أهل الساحل حملوا طعامهم في البحر على السفن إلى مكة، وأخصب الشام، فحملوا الطعام منه أيضا إلى مكة، وألقوا بالأبطح، فامتار أهل مكة من قريب، وكفاهم الله مؤنة الرحلتين جميعا. وقال ابن عباس-﵄: كانوا في ضرّ ومجاعة؛ حتى جمعهم الله على الرحلتين، فكانوا يقسمون ربحهم بين الغني، والفقير حتى صار فقيرهم كغنيهم، وقال الكلبي: كان أول من حمل القمح من الشام، ورحل إليها الإبل هاشم بن عبد مناف، وفيه يقول الشاعر: [الكامل] عمرو العلا هشم الثريد لقومه... ورجال مكة مسنتون عجاف هذا؛ وذكر السيوطي في أسباب النزول. قال: أخرج الحاكم، وغيره عن أم هانئ بنت أبي طالب-﵂. قالت: قال رسول الله ﷺ : «فضّل الله قريشا بسبع خصال الحديث، وفيه نزلت فيهم سورة لم يذكر فيها أحد غيرهم: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ..﴾. إلخ». الإعراب: ﴿لِإِيلافِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: فعلنا كذا، وكذا بأصحاب الفيل. وهذا على اعتبار السورة متصلة بسابقتها. وقيل: متعلقان بمحذوف تقديره أعجبوا لإيلاف، ومتعلقان بالفعل الآتي على اعتبار السورة منفصلة عما قبلها، والفاء صلة، و (إيلاف) مضاف، و ﴿قُرَيْشٍ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِيلافِهِمْ:﴾ بدل مما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. من إضافة المصدر لفاعله. ﴿رِحْلَةَ:﴾ مفعول به للمصدر، والأصل: (رحلتي الشتاء والصيف) يدل عليه المعنى، و ﴿رِحْلَةَ:﴾ مضاف، و ﴿الشِّتاءِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، ﴿وَالصَّيْفِ:﴾ الواو: حرف عطف. (الصيف): معطوف على ما قبله. تنبيه: (الرحلة) بكسر الراء: الارتحال، والرّحلة (بضم الراء) الجهة التي يقصدها المسافر، وعالم رحلة: عالم يرتحل إليه من الآفاق. والرّحل مسكن الرجل، وما يستصحبه من الأثاث، وهو أيضا رحل البعير، وهو أصغر من القتب، والراحلة: الناقة التي تصلح؛ لأن ترحل. وقيل: الراحلة: المركب من الإبل ذكرا كان، أو أنثى. انتهى. ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ الشرح: لقد أمر الله جلت قدرته قريشا بعبادته؛ لإنعامه عليهم، وذلك؛ لأن الإنعام على قسمين: أحدهما: الأمن من الخوف ودفع الضرر، وهو ما ذكر في السورة السابقة. والثاني:

стр. 7410

السعة، والرغد في العيش، وجلب المنفعة. وهو ما ذكر في هذه السورة. ولما حقق الله لهم هذين الأمرين، وهما نعمتان عظيمتان؛ أمرهم بالعبودية، وأداء الشكر. وقيل: إنه تعالى لما كفاهم أمر الرحلتين؛ أمرهم أن يشتغلوا بعبادة رب هذا البيت. هذا؛ والمراد بالبيت: الكعبة المعظمة، وفي تعريف نفسه لهم بأنه رب البيت وجهان: أحدهما: لأنه كانت لهم أوثان، فميز نفسه عنها. والثاني: لأنهم بالبيت شرفوا على سائر العرب، فذكّرهم ذلك تذكيرا لنعمته. انتهى. قرطبي. ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ أي: بعد جوع. ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ أي: بعد خوف. قال ابن عباس-﵄: وذلك بدعوة إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-في سورة (البقرة) رقم [١٢٦]: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾. ومثلها في سورة (إبراهيم) رقم [٣٥]. وقال ابن زيد: كانت العرب يغير بعضها على بعض، ويسبي بعضها من بعض، فأمنت قريش من ذلك لمكانها في الحرم، وقرأ قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ رقم [٥٧] من سورة (القصص). وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ رقم [٦٧] من سورة (العنكبوت). وقيل: إن هذا الإطعام هو: أنهم لما كذبوا النبي ﷺ دعا عليهم، فقال: «اللهمّ اجعلها عليهم سنين كسني يوسف». فأجاب الله دعاءه، واشتد عليهم القحط. فقالوا: يا محمد! ادع الله لنا فإنا مؤمنون! فدعا رسول الله ﷺ ، فأخصبت البلاد، وأخصبت مكة بعد القحط، والجهد، فذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ..﴾. إلخ. هذا؛ ولا تنس الطباق بين ﴿الشِّتاءِ﴾ و (الصيف)، وبين (الجوع) و (الإطعام)، وبين (الأمن) و (الخوف)، وهو من المحسنات البديعية. هذا؛ وأصل الخوف: انزعاج في الباطن، يحصل من توقع أمر مكروه يقع في المستقبل. وأما التّخوّف فإنه يأتي بمعنى: التنقص. كما في قوله تعالى في سورة (النحل) رقم [٤٧]: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ يروى: أن الفاروق-﵁-قال على المنبر: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ؟﴾ فسكتوا، فقام شيخ من هذيل. وقال: هذه لغتنا (التخوف) التنقص. قال: فهل تعرف العرب هذا في أشعارهم؟ قال نعم. قال شاعرنا أبو كبير الهذلي: [البسيط] تخوّف الرّحل منها تامكا قردا... كما تخوّف عود النّبعة السّفن فقال الفاروق-﵁: أيها الناس عليكم بديوانكم لا تضلوا! قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم. هذا؛ ويأتي الخوف بمعنى العلم، وبه قيل في قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٨٢]: ﴿فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً... ،﴾ وفيها أيضا رقم [٢٢٩]: ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾.

стр. 7411

الإعراب: ﴿فَلْيَعْبُدُوا:﴾ الفاء: حرف استئناف على اعتبار السورة متصلة بما قبلها، وصلة على اعتبارها منفصلة. وقيل: واقعة في جواب شرط مقدر؛ أي: فإن لم يعبدوه لسائر نعمه؛ فليعبدوه لشأن هذه الواحدة؛ التي هي نعمة ظاهرة. وهذا يعني: أنها الفاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، كما رأيت، وهو جيد جدا. (ليعبدوا): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء. ﴿رَبَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿هذَا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْبَيْتِ:﴾ صفة اسم الإشارة، أو بدل منه. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب بدلا من ﴿رَبَّ،﴾ أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أمدح، ونحوه، وهذان الوجهان على القطع. ﴿أَطْعَمَهُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿مِنْ جُوعٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، التقدير: أطعمهم جائعين، والجملة الثانية معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها بلا فارق. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (قريش) شرحا، وإعرابا بعون الله وتوفيقه. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7412

سورة الماعون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (الماعون) مكية. وقيل: نزل نصفها بمكة في العاص بن وائل، والنصف الثاني نزل في المدينة في عبد الله بن أبيّ ابن سلول المنافق، وهي سبع آيات، وخمس وعشرون كلمة، ومئة وخمسة وعشرون حرفا. ومناسبتها لما قبلها: أن الله تعالى لمّا عدد نعمه على قريش، وكانوا لا يؤمنون بالبعث، والجزاء؛ أتبع امتنانه عليهم بتهديدهم بالجزاء، وتخويفهم بالعقاب. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣)﴾ الشرح: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ أي: بيوم الجزاء، والحساب. واختلف فيمن نزلت فيه من زعماء قريش، فقيل: العاص. وقيل: غيره، والمعنى: هل عرفت الذي يكذب بيوم الجزاء، والحساب؟ فإن لم تعرفه؛ فهو ذلك... إلخ. وذكرت لك شرح (الدّين) في آخر سورة (الانفطار). ﴿فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ:﴾ يدفعه بعنف عن حقه. قيل: كأبي جهل كان وصيا على يتيم، فجاءه عريانا يسأله من مال نفسه، فدفعه. وقيل: هو أبو سفيان نحر جزورا، فسأله يتيم لحما، فقرعه بعصاه. أو الوليد بن المغيرة، أو العاص بن وائل. وقد تقدم في سورة (النساء) أنهم كانوا لا يورثون النساء، ولا الصغار، وكانوا يقولون: إنما يحوز المال من يطعن بالسنان، ويضرب بالحسام. هذا؛ وخذ قوله تعالى في سورة (الطور) لتفسير الدّعّ: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ رقم [١٣]. هذا؛ واليتيم من الحيوان الذي فقد أمه فقط، ومن بني آدم من فقد أباه، أو أمه، أو فقدهما معا، وهو أسوأ أنواع اليتامى، والمراد به هنا: من فقد معيله، وهو الأب على الأكثر، وهناك يتيم العلم، والعقل، والتربية، والخلق، والدين، وهو أسوأ حالا من كل يتيم، وإن كان قد بلغ من العمر الستين، والسبعين، ويملك من الأموال الملايين. ولله در القائل: [البسيط] ليس اليتيم الّذي قد مات والده... إنّ اليتيم يتيم العلم والأدب ومن أنواع اليتيم من أهمل أبوه، وأمه تربيته مع كونهما موجودين، وخذ قول الآخر: [الكامل]

стр. 7413

ليس اليتيم من انتهى أبواه من... همّ الحياة وخلّفاه ذليلا إن اليتيم هو الذي تلقى له... أمّا تخلّت أو أبا مشغولا ﴿وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ:﴾ انظر شرح هذه الآية في سورة (الحاقة) رقم [٣٤] فإنه جيد؛ والحمد لله! هذا؛ والمسكين أحسن حالا من الفقير، كما بينته في سورة (التوبة) رقم [٦٠] وغيرها. والذي أريد أن أناقشه هنا قوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ الآية من سورة (المائدة) رقم [٨٩]. فبعض العلماء يفتي بأن كفارة اليمين من الإطعام خمسة كيلوات من القمح، لكل مسكين أقل من نصف كيلو، وهو ما يطلق عليه اسم المد، وقد ذكر الله في الآية الكريمة أن الإطعام يكون من أوسط ما يطعم المكفر أهله، فأنا أناشد هؤلاء بالله: أيكون نصف كيلو من القمح في هذه الأيام من أوسط إطعام المكفر أهله؟ وهل يعادل مد القمح في هذه الأيام شيئا من الكسوة؛ التي ذكرها الله؟ وأين هو من تحرير الرقيق؟ بل؛ وهل يعادل صيام يوم من الأيام؛ بله الثلاثة؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! وهل يعتبر هؤلاء المساكين طيرا من الطيور حمامة، أو نحوها يلتقط الحبات؛ التي تعطى له؟! الحق أقول: إنه يجب على المكفر أن يعطي للمسكين نقودا تكفي لغدائه، أو عشائه، أو يصنع في بيته طعاما من الوسط، ويدعو إليه عشرة من المساكين فإن ذمته تبرأ إن شاء الله، وبغير ذلك لا تبرأ ذمته. والإثم على العالم الذي يفتي بغير ذلك. والله المستعان، وبه التوفيق. الإعراب: ﴿أَرَأَيْتَ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام تعجبي. (رأيت): فعل، وفاعل. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف يقدر بجملة استفهامية، فقدره الحوفي: أليس مستحقا للعذاب؟ وقدره الزمخشري: من هو، وما هي أوصافه؟ وقدره القرطبي بقوله: أمصيب هو، أم مخطئ؟ وقيل: إن الفعل بمعنى: عرف، فيكتفي بمفعول واحد، وهو الموصول. ﴿يُكَذِّبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِالدِّينِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل المفعول به. ﴿فَذلِكَ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، انظر الشرح. (ذلك): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. وقال الجلال: خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو ذلك، ولا حاجة لذلك. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر في الشرح على رأي الدسوقي. ويقول غيره: في محل جزم جوابه. وجملة: ﴿يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والعائد عود الفاعل إليه. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَحُضُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى

стр. 7414

﴿الَّذِي﴾ أيضا. ﴿عَلى طَعامِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. و ﴿طَعامِ:﴾ مضاف، و ﴿الْمِسْكِينِ:﴾ مضاف إليه من إضافة اسم المصدر لمفعوله وفاعله محذوف. ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧)﴾ الشرح: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ:﴾ انظر شرح (الويل) في سورة (المرسلات). هذا؛ وقد قسم القرآن الكريم الناس بالنسبة إلى الصلاة أربعة أقسام: القسم الأول: أنكر الصلاة، وجحدها، ولم يعتقد بفرضيتها، وهم الكافرون. قال تعالى في سورة (المدثر) حكاية عن قول أصحاب اليمين في سؤالهم الكافرين: ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ فيجيب الكافرون بقولهم ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾. القسم الثاني: المنافقون الذين يراؤون في صلاتهم، وهو المذكورون في هذه السورة. القسم الثالث أقوام كان آباؤهم يصلون ويحسنون الصلاة، أما هم فقد أهملوها وضيعوها. قال تعالى في سورة (مريم): ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. والقسم الرابع: هم الفائزون بالصلاة، وثوابها. قال تعالى في أول سورة (المؤمنون): ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ:﴾ روى البغوي بسنده عن سعد بن أبي وقاص-﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الذين هم عن صلاتهم ساهون؟ قال: «إضاعة الوقت». وقال ابن عباس-﵄: هم المنافقون يتركون الصلاة؛ إذا غابوا عن الناس، ويصلون في العلانية؛ إذا حضروا معهم، لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ﴾. وقال تعالى في وصف المنافقين: ﴿وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النّاسَ﴾. وقيل: لا يرجون لها ثوابا؛ إن صلوا، ولا يخافون عليها عقابا؛ إن تركوا. وقيل: هم الذين إذا صلوها؛ صلوها رياء. وإن فاتتهم؛ لم يندموا عليها. وقيل: هم الذين لا يصلونها لمواقيتها، ولا يتمون لها ركوعها، ولا سجودها، ساهون عنها لا يبالون صلوا، أو لم يصلوا. هذا؛ وقال المفسرون: لما قال تعالى: ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ بلفظة ﴿عَنْ:﴾ علم أنها في المنافقين، ولهذا قال بعض السلف: الحمد لله الذي قال: ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ﴾ ولم يقل: ﴿فِي صَلاتِهِمْ؛﴾ لأنه لو قال ﴿فِي صَلاتِهِمْ﴾ لكانت في المؤمنين، والمؤمن قد يسهو في صلاته، والفرق بين السهوين واضح، فإن سهو المنافق سهو ترك، وقلة التفات إليها، فهو لا يتذكرها، ويكون مشغولا عنها، والمؤمن إذا سها في صلاته؛ تداركه في الحال، وجبره بسجود السهو. فظهر الفارق بين السهوين. هذا؛ وقد سها الرسول ﷺ في صلاته والصحابة كذلك حصل منهم سهو، وما كان الرسول ﷺ يسهو في صلاته إلا لفكرته فيما هو أعظم منها، ورحم الله من قال: [البسيط]

стр. 7415

يا سائلي عن رسول الله كيف سها؟ ... والسّهو من كلّ قلب غافل لاهي قد غاب عن كلّ شيء سرّه فسها... عمّا سوى الله فالتعظيم لله ﴿الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ﴾ أي: يتركون الصلاة في السر، ويفعلونها في الجهر، والفرق بين المنافق، والمرائي: أن المنافق هو الذي يبطن الكفر، ويعلن الإيمان، والمرائي يظهر الأعمال مع زيادة في الخشوع ليعتقد فيه من يراه: أنه من أهل الدين والصلاح، وأما من يظهر النوافل ليقتدى به، ويأمن على نفسه من الرياء؛ فلا بأس بذلك، وليس بمراء. هذا؛ والرياء يكون في الأقوال، والأفعال من صوم، وصلاة، وحج، وزكاة، وإنفاق المال، وفي الثياب القصار، والرثة؛ ليأخذ بذلك هيئة الزهد في الدنيا، وإظهار التقشف. وقد حذرنا الرسول ﷺ من ذلك، حيث قال: «يجاء بالدنيا يوم القيامة، فيقال: ميزوا ما كان منها لله فيماز، ويرمى سائره في النار». رواه البيهقي عن عبادة بن الصامت-﵁. وعن أبي هريرة-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من تزيّن بعمل الآخرة، وهو لا يريدها، ولا يطلبها؛ لعن في السموات، والأرض». رواه الطبراني في الأوسط. وعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج في آخر الزّمان رجال يختلون الدنيا بالدّين، يلبسون للنّاس جلود الضّأن من اللّين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم قلوب الذّئاب، يقول الله : أبي يغترّون أم عليّ يجترئون؟ فبي حلفت: لأبعثنّ على أولئك منهم فتنة تدع الحليم حيران». رواه الترمذي، وعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : «من تحبّب إلى الناس بما يحبون، وبارز الله بما يكرهون؛ لقي الله؛ وهو عليه غضبان». وقد ذكرت في آخر سورة (الكهف) وغيرها الكثير من ذلك، وبينت: أن الرياء شرك، ويجر إلى الشرك الحقيقي، والموت على غير الإيمان. وعن محمود بن لبيد-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر». قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟! قال: «الرياء. يقول الله إذا جزى النّاس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا؛ فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟!». رواه أحمد، والبيهقي، وغيرهما. وعن أبي موسى الأشعري-﵁: أن النبي ﷺ قال: «يا أيّها النّاس اتقوا هذا الشرك؛ فإنه أخفى من دبيب النمل». فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه، وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟! قال: «قولوا: إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه». رواه أحمد، والطبراني، وغيرهما. ﴿وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ:﴾ فيه أقوال كثيرة. روي عن علي-﵁: أنه قال: الزكاة وهو قول ابن عمر، والحسن، وقتادة، والضحاك. ووجه ذلك: أن الله تعالى ذكرها بعد

стр. 7416

الصلاة، وذمّهم على ترك الصلاة، ومنع الزكاة، وعطف الزكاة على الصلاة، وقرنها بها، ورد ذلك في ثلاث وثلاثين آية. وقال ابن مسعود-﵁-الماعون: الفأس، والدلو، والقدر، وأشباه ذلك من الأمتعة المستعملة في البيت، والمتداولة في أيدي الناس. وبالجملة: فالماعون: طاعة الله، والمعروف بين الناس، وقضاء حوائج الناس، وعامة الأمتعة المستعملة في البيوت، والزكاة. وكل عمل بر. وخذ قول الراعي النميري: [الكامل] أخليفة الرّحمن إنّا معشر... حنفاء نسجد بكرة وأصيلا عرب نرى لله في أموالنا... حقّ الزكاة منزّلا تنزيلا قوم على التنزيل لمّا يمنعوا... ما عونهم ويبدّلوا التنزيلا الإعراب: ﴿فَوَيْلٌ:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل: الفصيحة. ولا وجه له. وقال السمين: للسببية، وهو أولى. (ويل): مبتدأ، وساغ الابتداء به؛ لأنه متضمن معنى الدعاء. ﴿لِلْمُصَلِّينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة، أو بدل من (المصلين)، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين، أو في محل نصب مفعول به بفعل محذوف، التقدير: أذم، ونحوه. وهذان الوجهان على القطع. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿ساهُونَ﴾ بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ساهُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿الَّذِينَ:﴾ مثل سابقه في جميع وجوهه. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿يُراؤُنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَيَمْنَعُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يمنعون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعوله الأول محذوف، التقدير: يمنعون الناس. ﴿الْماعُونَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (الماعون) شرحا، وإعرابا. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7417

سورة الكوثر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (الكوثر) مكية في قول ابن عباس-﵄-والجمهور، ومدنية في قول الحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة، وهي ثلاث آيات، وعشر كلمات، واثنان وأربعون حرفا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَاِنْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ الشرح: الخطاب للنبي ﷺ ، تكريما لمقامه الرفيع، وتشريفا لجاهه العظيم؛ أي: نحن أعطيناك يا محمد الخير الكثير الدائم في الدنيا، والآخرة، ومن هذا الخير نهر الكوثر، وخذ ما يلي: عن عبد الله بن عمر-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، ومجراه على الدرّ، والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل، وأبيض من الثلج، من شرب منه شربة؛ لم يظمأ بعدها أبدا». رواه ابن ماجه، والترمذي، وورد: أول من يرده فقراء المهاجرين، الدنس الثياب، الشعث الرؤوس؛ الذين لا يزوّجون المنعّمات، ولا تفتح لهم أبواب السّدد، يموت أحدهم، وحاجته في صدره، لو أقسم على الله لأبرّه. وعن ابن عباس-﵄-في قوله : ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ قال: نهر في الجنة، عمقه سبعون ألف فرسخ، ماؤه أشدّ بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، شاطئاه اللؤلؤ، والزبرجد، والياقوت، خصّ الله به نبيه ﷺ قبل الأنبياء. رواه ابن أبي الدنيا موقوفا، والكوثر: وزنه: فوعل، وهو يدل على الكثرة. وعن أنس-﵁-قال: بينا الرسول ﷺ ذات يوم بين أظهرنا؛ إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه مبتسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟! قال: «أنزلت عليّ آنفا سورة». فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ السورة. ثم قال: «أتدرون ما الكوثر؟». قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنه نهر وعدنيه ربي ، فيه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد-أي: ينتزع، ويقتطع-منهم، فأقول: إنه من أمتي،

стр. 7418

فيقال: إنك لا تدري ما أحدث بعدك». أخرجه مسلم، والترمذي. وهذا يثبت: أن السورة مدنية، واستدل الشافعي-﵁-بهذا الحديث على أن البسملة آية من الفاتحة. قال أبو حيان-رحمه الله تعالى-: وذكر في الكوثر ستة وعشرون قولا، والصحيح هو ما فسره به رسول الله ﷺ . فقال: «هو نهر في الجنة، حافتاه من ذهب... إلخ». الحديث الأول. وعن ابن عباس-﵄: الكوثر: الخير الكثير. وما ذهب إليه من أنه الخير الكثير جامع لأقوال المفسرين. فقد أعطي الرسول ﷺ الفضائل الكثيرة العميمة، أعطي النبوة، والكتاب، والحكمة، والعلم، والشفاعة، والحوض المورود، والمقام المحمود، وكثرة الأتباع، والنصر على الأعداء، وكثرة الفتوحات؛ إلى غير ما هنالك من الخيرات، صلوات الله، وسلامه عليه. وما أحسن قول القرطبي-رحمه الله تعالى-: ثم يجوز أن يسمى ذلك النهر، أو الحوض كوثرا، لكثرة الواردة والشاربة من أمة محمد ﷺ هناك، ويسمى به لما فيه من الخير الكثير والماء الكثير. انتهى. وفي حوضه ﷺ يقول الشاعر: [المنسرح] يا صاحب الحوض من يدانيكا... وأنت حقا حبيب باريكا وخذ هذا الحديث، فعن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ أتى المقبرة، فقال: «وددت أنا قد رأينا إخواننا». قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟! قال: «أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد». قالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟! قال: «أرأيتم لو أنّ رجلا له خيل غرّ محجلة بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟». قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «فإنهم يأتون غرّا محجلين من آثار الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض». رواه مسلم، وزاد غيره: «ألا ليذادنّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضالّ، فأناديهم: ألا هلمّ فيقال: إنهم قد بدّلوا بعدك! فأقول: سحقا! سحقا!». هذا؛ والكوثر من الرجال: السيد الكثير الخير. قال الكميت في مدح عبد الملك: [الطويل] وأنت كثير يابن مروان طيّب... وكان أبوك ابن العقائل كوثرا وقال ابن إسحاق: الكوثر: العظيم من الأمر، وذكر بيت لبيد: [الطويل] وصاحب ملحوب فجعنا بفقده... وعند الرداع بيت آخر كوثرا تنبيه: ذهب صاحب كتاب القوت، وغيره إلى أن حوض النبي ﷺ إنما هو بعد الصراط. والصحيح: أن للنبي حوضين، وكلاهما يسمى كوثرا، والكوثر في كلام العرب: الخير الكثير، فحوض يكون قبل الصراط، وحوض بعد الصراط؛ لأن طرد المنافقين والفاسدين المفسدين يكون قبل الصراط، ولا يكون هذا الطرد بعد الصراط؛ لأنه لا ينجو من الصراط؛ إلا المؤمنون الذين فازوا برضا الله، ورضوانه، وآمنوا من سخطه، وغضبه، وأما المنافقون والفاسدون المفسدون؛ فلا وجود لهم بعد الصراط؛ لأنهم يسقطون في جهنم، وبئس المصير.

стр. 7419

ولا يخطر ببالك، ويذهب وهمك إلى أن الحوض يكون على وجه هذه الأرض، وإنما يكون وجوده في الأرض المبدلة على مسامتة هذه الأقطار، أو في المواضع التي تكون بدلا من هذه المواضع في هذه الأرض، وهي أرض بيضاء كالفضة لم يسفك فيها دم، ولم يظلم على ظهرها أحد. قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ الآية رقم [٤٨] من سورة (إبراهيم) -على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-تظهر تلك لفصل القضاء. هذا؛ واختلف في الميزان، والحوض: أيهما قبل الآخر؟ فقيل: الميزان قبل. وقيل: الحوض. قال أبو الحسن القابسي: والصحيح: أن الحوض قبل. قلت: والمعنى يقتضيه، فإن الناس يخرجون من قبورهم عطاشا، فيقدم قبل الصراط، والميزان. انتهى. والله أعلم نقلا من هنا، وهناك. ولا بد من القول: إن الميزان، والصراط، والحوض، والجنة، والنار، وغير ذلك إنما هي من الأمور المغيبة التي يجب الإيمان بها، وهي من صميم العقيدة الإسلامية. هذا؛ والتعبير بالماضي عن المستقبل يفيد تحقق الوقوع. ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ:﴾ لقد اختلف في ذلك على أقوال كثيرة، وأذكر من ذلك أقوالا ثلاثة: الأول: قال قتادة، وعطاء وعكرمة: فصل لربك صلاة العيد يوم النحر، وانحر نسكك؛ أي: اذبح أضحيتك. وقال أنس-﵁: كان النبي ﷺ ينحر، ثم يصلي، فأمر أن يصلي، ثم ينحر. وقال سعيد بن جبير-﵁-أيضا: صل لربك صلاة الصبح المفروضة بجمع، وانحر البدن بمنى. وعن البراء بن عازب-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلّي، ثم نرجع، فننحر. من فعل هذا؛ فقد أصاب سنّتنا. وفي رواية: نسكنا. ومن ذبح قبل؛ فإنما هو لحم قدّمه لأهله ليس من النسك في شيء». أخرجه البخاري. وهذا يفيد: أن السورة مدنية. الثاني: عن علي-﵁-قال: لما نزلت: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ قال النبي ﷺ لجبريل ﵇: «ما هذه النحيرة التي أمرني الله بها؟». قال: ليست بنحيرة، ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، وإذا سجدت، فإنها صلاتنا، وصلاة الملائكة الذين هم في السموات السبع، وإن لكل شيء زينة، وإن زينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة. الثالث: قال محمد بن كعب القرظي-﵁: يقول الله : إن ناسا يصلون لغير الله، وينحرون لغير الله، وقد أعطيناك الكوثر، فلا تكن صلاتك، ولا نحرك إلا لله. وقال ابن العربي: والذي عندي: أنه أراد: اعبد ربك، وانحر له، فلا يكن عملك إلا لمن خصك بالكوثر. والمعتمد القول الأول من الثلاثة. والله أعلم. والمعنى لما تقدم، يقول الله : قد أعطيتك ما لا نهاية لكثرته من خير الدارين، وخصصتك بما لم أخص به أحدا غيرك، فاعبد ربك؛ الذي أعطاك هذا العطاء الجزيل، والخير

стр. 7420

الكثير، وأعزك، وشرفك على كافة الخلق، ورفع منزلتك فوقهم، فصل له، واشكره على إنعامه عليك، وانحر البدن ضحايا متقربا إليه. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ يعني: إن عدوك ومبغضك هو الأبتر الأذل المنقطع دابره. قال المفسرون: لما مات القاسم بن النبي ﷺ . قال العاص بن وائل السهمي: دعوه فإنه رجل أبتر، لا عقب له، فإذا هلك؛ انقطع ذكره. فأنزل الله- -هذه السورة، وأخبر الله تعالى: أن هذا الكافر هو الأبتر، وإن كان له أولاد يفخر بهم، ويعتز بكثرتهم؛ لأنه مبتور من رحمة الله، ولأنه لا يذكر إلا باللعنة، بخلاف الرسول ﷺ ، فإنّ ذكره خالد أبد الدهر، مرفوع على المآذن، والمنابر، مقرون بذكر الله تعالى: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله) والمؤمنون من زمانه إلى يوم القيامة أتباعه، فهو كالوالد لهم، وهو أولى بهم من أنفسهم. قال تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٦]: ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾. وانظر سورة (القدر). هذا؛ وفي المصباح المنير: شنئه كسمعه، ومنعه؛ أي: هو من بابين: الرابع، والثالث، والمصدر شنأ وشنآنا بفتح النون وسكونها: أبغضه، واسم الفاعل: شانئ، وشانئة، في المذكر، والمؤنث، خذ قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٩]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا﴾. وفي المختار: بتره: قطعه قبل الإتمام، وبابه: نصر، والانبتار: الانقطاع، والأبتر: المقطوع الذنب، وبابه: طرب، والأبتر أيضا: الذي لا عقب له، وكل أمر انقطع من الخير أثره فهو أبتر. انتهى. هذا؛ وقد روى الخطيب في كتاب الجامع عن النبي ﷺ قال: «كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم، فهو أبتر، وفي رواية: (فهو أقطع) وفي أخرى: (فهو أجذم)». والمعنى: قليل البركة، أو معدومها، وقد سميت الخطبة التي ألقاها زياد بن سمية في العراق بالبتراء؛ لأنه لم يبدأها بذكر الله تعالى. الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعولاه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مبتدأة لا محل لها. ﴿فَصَلِّ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي: من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا تكرمنا عليك بما ذكر؛ فصل. (صل): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب: «إذا». ﴿لِرَبِّكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. (انحر): معطوف على ما قبله.

стр. 7421

﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿شانِئَكَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿الْأَبْتَرُ:﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾. هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ و ﴿الْأَبْتَرُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. هذا؛ وقال أبو البقاء: أو توكيدا ل: ﴿شانِئَكَ﴾ وهو غلط منه؛ لأن المظهر لا يؤكد بالمضمر، والجملة الاسمية فيها معنى التعليل، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين، تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (الكوثر) شرحا وإعرابا. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7422

سورة الكافرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (الكافرون) مكية في قول ابن مسعود، والحسن وعكرمة. ومدنية في أحد قولي ابن عباس، وقتادة، والضحاك. وهي ست آيات، وعشرون كلمة، وأربعة وتسعون حرفا. وعن أنس-﵁. قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ: ﴿إِذا زُلْزِلَتِ﴾ عدلت له نصف القرآن، ومن قرأ: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ عدلت له ربع القرآن، ومن قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ عدلت له ثلث القرآن». أخرجه الترمذي. وقال: حديث غريب، ووجه كون هذه السورة تعدل ربع القرآن: أن القرآن مشتمل على الأمر، والنهي، وكل واحد منهما ينقسم إلى ما يتعلق بعمل القلوب، وإلى ما يتعلق بعمل الجوارح، فحصل من ذلك أربعة أقسام، وهذه السورة مشتملة على النهي عن عبادة غير الله تعالى، وهي من الاعتقاد، وذلك من أفعال القلوب، فكانت هذه السورة ربع القرآن على هذا التقسيم، والله أعلم. انتهى. خازن. أقول: وإنما عدلت سورة (الزلزلة) نصف القرآن؛ لأنها تبين أهوال القيامة وما فيها من السعادة، والشقاوة، والإنسان متقلب بين الحياة الدنيا، والآخرة، فمقابلة القيامة وما فيها من أهوال بالحياة الدنيا، وما فيها، والقرآن كثير التحدث عن الحياتين، فهذا السبب جعل قراءة (الزلزلة) تعدل نصف القرآن. وإنما عدلت قراءة: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ثلث القرآن؛ لأن القرآن على ثلاثة أنحاء، أو على ثلاثة أقسام: قصص، وأحكام، وصفات لله تعالى. أو قل: وتوحيد لله، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ متمحضة للصفات، وللتوحيد، فهي ثلث القرآن بهذا المعنى. وروى جبير بن مطعم-﵁-أن النبي ﷺ قال: «أتحب يا جبير إذا خرجت سفرا أن تكون من أمثل أصحابك هيئة، وأكثرهم زادا؟». قلت: نعم يا رسول الله! قال: «فاقرأ هذه السور الخمس: من أول ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ إلى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ وافتتح قراءتك ب: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾. قال: فو الله لقد كنت غير كثير المال، إذا سافرت أكون أبذهم هيئة، وأقلهم زادا، فمنذ قرأتهنّ صرت أحسنهم هيئة، وأكثرهم زادا حتى أرجع من سفري ذلك. وقال فروة بن نوفل-﵁-قال رجل للنبي ﷺ : أوصني. قال: «اقرأ عند منامك: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ فإنها براءة من الشرك». وقال ابن عباس-﵄: ليس في القرآن أشد غيظا لإبليس منها؛ لأنها توحيد، وبراءة من الشرك. انتهى. قرطبي.

стр. 7423

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ الشرح: نزلت السورة الكريمة في رهط من قريش، منهم: الحارث بن قيس السهمي، والعاص بن وائل السهمي، والوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن عبد المطلب بن أسد، وأمية بن خلف. قالوا: يا محمد! هلمّ اتبع ديننا، ونتبع دينك، ونشركك في ديننا كله، تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، فإن كان الذي جئت به خيرا كنا قد شركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرا كنت قد شركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه، فقال رسول الله ﷺ : «معاذ الله أن أشرك به غيره!» قالوا: فاستلم بعض آلهتنا؛ نصدقك، ونعبد إلهك. قال: «حتى أنظر ما يأتي من ربي». فأنزل الله السورة بكاملها، فغدا رسول الله ﷺ إلى المسجد الحرام، وفيه أولئك الملأ من قريش، فقام على رؤوسهم، ثم قرأها عليهم حتى فرغ من السورة، فأيسوا منه عند ذلك، وآذوه وأصحابه. انتهى. خازن. وهذا يثبت: أن السورة مكية، ونزل قوله تعالى في سورة (القلم): ﴿فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾. هذا؛ وإن النبي ﷺ كان يأتيهم في ناديهم، ويقول لهم: «يا أيّها الكافرون» وهو يعلم أنهم يغضبون من أن ينسبوا إلى الكفر، ويدخلوا في جملة أهله؛ لأنه يعلم أنه محروس ممنوع من أن تنبسط عليه منهم يد، أو تقع به أذية منهم، وكثيرا ما كانوا يلجؤون إلى عمه أبي طالب، ويطلبون منه أن يكفه عن تسفيه أحلامهم، وشتم آبائهم، وعيب آلهتهم. وأما المسلمون؛ فلا يجوز لهم أن يسارعوا إلى مثلها، ويقيسوا على أنفسهم بنبيهم الذي حفظه الله، ورعاه، ومنعه من أعدائه. قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٠٨]: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ..﴾. إلخ. وأما وجه التكرار؛ فقيل: إنه للتأكيد في قطع أطماعهم، كما تقول: والله لا أفعل كذا! ثم والله لا أفعله! قال أكثر أهل المعاني: نزل القرآن بلسان العرب، ومن مذاهبهم التكرار إرادة التأكيد والإفهام، كما أنّ من مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف، والإيجاز؛ لأن خروج الخطيب، والمتكلم من شيء إلى شيء أولى من اقتصاره في المقام على شيء واحد. قال تعالى في سورة (الرحمن): ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ،﴾ وقال تعالى في سورة (المرسلات): ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ وقال في سورة (النبأ): ﴿كَلاّ سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلاّ سَيَعْلَمُونَ،﴾ وقال جل ذكره في سورة (الشرح): ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ هذا التكرار في السور المذكورة كله

стр. 7424

ومنه قول النبي ﷺ على المنبر: «إن بني هاشم بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم عليّ بن أبي طالب، فلا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، ثم لا آذن لهم إلا أن يحبّ ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي، وينكح ابنتهم، فإنما ابنتي بضعة مني، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها». رواه مسلم، وغيره، والتكرار وارد في الكلام العربي نثره، ونظمه، وهو كثير لا يعد، ولا يحصى. وقال ابن عباس-﵄: قالت قريش للنبي ﷺ نحن نعطيك من المال ما تكون به أغنى رجل بمكة. ونزوجك من شئت، ونطأ عقبك؛ أي: نمشي خلفك؛ وتكف عن شتم آلهتنا! فإن لم تفعل فنحن نعرض عليك خصلة واحدة، هي لنا ولك صلاح تعبد آلهتنا اللات والعزى سنة، ونحن نعبد إلهك سنة، فنزلت السورة، فكان التكرار في ﴿لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ؛﴾ لأن القوم كرروا عليه مقالهم مرة بعد مرة. والله أعلم. انتهى. قرطبي. وانظر شرح (الكافر) في سورة (الدهر) رقم [٤]، وشرح (الدين) في آخر سورة (الانفطار)، وشرح (العبادة) في الآية رقم [٥] من سورة (البينة). هذا؛ وقيل: قال له كفار قريش: اعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة. أو اعبد آلهتنا شهرا، ونعبد إلهك شهرا، فنزلت السورة الكريمة تردّ عليهم الحالتين، فلا يكون تكرار على هذا. وهذا جيد جدا! والله أعلم. تنبيه: ﴿ما﴾ في هذه السورة يجوز فيها وجهان: أحدهما: أنها بمعنى «الذي»، فإن كان المراد بها الأصنام، كما في الأولى، والثالثة؛ فالأمر واضح؛ لأنهم غير عقلاء، و ﴿ما﴾ أصلها أن تكون لغير العقلاء، وإذا أريد بها الباري تعالى، كما في الثانية، والرابعة، فاستدل به من جوز وقوعها على أولي العلم، ومن منع جعلها مصدرية، والتقدير: ولا أنتم عابدون عبادتي؛ أي: مثل عبادتي. مع أن المعنى يجوز اعتبارها مصدرية في بعض الجمل. وقال أبو مسلم: ﴿ما﴾ في الأوليين بمعنى: «الذي» والمقصود المعبود. وما في الأخريين مصدرية؛ أي: لا أعبد عبادتكم المبنية على الشك، وترك النظر، ولا أنتم تعبدون مثل عبادتي المبنية على اليقين. فتحصل من مجموع ذلك ثلاثة أقوال: أنها كلها بمعنى: «الذي» أو مصدرية، أو الأوليان بمعنى: «الذي»، والأخريان مصدريتان. انتهى. جمل. فائدة: حيث وقعت (ما) قبل (ليس)، أو (لم)، أو (لا)، أو بعد (إلاّ) فهي موصولة، نحو ﴿ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ ﴿ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ و ﴿إِلاّ ما عَلَّمْتَنا،﴾ وحيث وقعت بعد كاف التشبيه فهي مصدرية، وحيث وقعت بعد الباء؛ فإنها تحتملهما. نحو قوله تعالى: ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ،﴾ وحيث وقعت بين فعلين، سبقهما علم، أو دراية، أو نظر؛ احتملت الموصولة، والاستفهامية، نحو قوله تعالى: ﴿ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ﴿وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ وحيث وقعت في القرآن قبل (إلا) فهي نافية إلا في ثلاثة عشر

стр. 7425

موضعا: ﴿ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ﴾ ﴿ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾ ﴿وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ﴾ ﴿وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي﴾ ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ إلا موضعي: (هود) من قوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾ فهي فيهما مصدرية ﴿فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ ﴿يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاّ قَلِيلاً مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ﴾ ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ حيث كان. قاله في الإتقان. انتهى. كرخي نقله الجمل. أقول: اعتبار هذا ضابطا يجب اتباعه غير مسلّم؛ لأن بعض الآيات التي ذكرها، واعتبر فيها (ما) موصولة فقط تحتمل الموصولة، والموصوفة، ولأن بعضها تحتمل فيه (ما) الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. والحق: أن مدار ذلك على المعنى. وهذا ما اتبعته فيما تقدم من الإعراب، ولا أتخلّى عنه في حياتي، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين. تنبيه: الأصل أن تكون (من) للعاقل، و (ما) لغير العاقل، وقد يعكس هذا، فتستعمل (من) لغير العاقل، كما في قوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ﴾ الآية رقم [٤٥] من سورة (النور)، وتستعمل (ما) للعاقل، كما في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ رقم [٣] من سورة (النساء) وهذا من باب التقارض، وذلك قليل، وأكثر ما تكون (ما) للعاقل إذا اقترن العاقل بغير العاقل في حكم واحد، كما في الآية الكريمة، وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ فإن كل من في السموات، والأرض ممن يعقل، وما لا يعقل قد اقترنا في حكم واحد، وهو السجود، والتسبيح لله، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ ويكون في الكلام تغليب، كما تستعمل في المبهم أمره، كقولك، وقد رأيت شبحا من بعد: انظر إلى ما أرى، ومن، وما تكونان بلفظ واحد للمفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث. ملخص ما تقدم أن (من) تستعمل لغير العاقل في ثلاث مسائل: ١ - أن ينزل غير العاقل منزلة العاقل، وذلك كقوله تعالى في سورة (الأحقاف) رقم [٥]: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ فدعاء الأصنام التي لا تستجيب الدعاء نزلها منزلة العاقل؛ إذ لا ينادى إلا العقلاء. وخذ قول العباس بن الأحنف-وهو الشاهد رقم [٨٦] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الطويل] بكيت على سرب القطا إذ مررن بي... فقلت ومثلي بالبكاء جدير أسرب القطا هل من يعير جناحه؟ ... لعلّي إلى من قد هويت أطير وأيضا قول امرئ القيس-وهو الشاهد رقم [٨٥] من كتابنا: «فتح رب البرية»، والشاهد رقم [٣٠٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]
следующие страницы →