← Фатава

Фатава · id 30275

المنتقى من فتاوى الأئمة الأعلام

عبد الرحمن الحميزي

Полный текст (445 стр.). Показаны 421–445 · переход к 426.

стр. 421

الوخيمة، إذ يمكنُ الطُّلابُ أنْ يُوزِّعوا مذاكرةَ العلومِ المقرَّرةِ على مُدَّةِ الدِّراسة، وهذا أرسخُ للمعلوماتِ في أذهانِهم، وأعمقُ فهمًا لها، حتى إنَّها لا تكادُ تُنسى، ويمكنُ السَّائقين أن يستريحوا فتراتٍ في رحلاتِهم الطَّويلة، وإن تأخَّروا زمنًا في قطعِ المسافة، لكنَّه أسلَمُ لهم ولمَن ركبَ معهم ولمَن على طريقِهم، ولمواصلاتهم، وأوفقُ للنِّظامِ الذي وُضِعَ لمصلحتِهم (١). س: هل يجوز رفع الصوت عند الوالدين في حالة نقاش في أمور دينية، وهل تقبل دعوتهما إذا دعوا عليك وأنت تريد نصحهما ؟ ج: أمرَ اللهُ بالإحسانِ إلى الوالديْن وبرِّهما والرِّفقِ بهما، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا... رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾، ومن هذه الآيةِ الكريمةِ تعلمُ أنَّه لا يجوزُ رفعُ الصَّوتِ عليهما، بل يجبُ التَّأدُّبُ معهما وخفضُ الجناحِ لهما، أمَّا دعوتُهما على ولدِهما فخطرُها عظيم، وهي حَرِيَّةٌ بالاستجابةِ إذا كان الولدُ ظالمًا لهما (٢). * * *

стр. 422

س: عندما كان عمري ثلاثين عامًا كانت أمِّي تعيشُ في كنفي، وأُنفِقُ عليها وأُوَفِّرُ لها كلَّ ما تطلبُه، إلا أنها رحمة الله عليها كانت عصبيةً، إلى درجةٍ أنها تتشاجرُ معي دائمًا لأتفهِ الأسباب، وكنتُ أحيانًا أغضبُ من كلامِها وصِياحِها لِي؛ فأردُّ عليها بِصوتٍ مرتفعٍ وكلامٍ غيرِ لائق. وقد توفِّيت منذ عشرين عامًا تقريبًا، ومنذ ذلك الوقت وأنا أبكيها، ولا زالَ ضميري يؤنِّبُنِي ويؤرِّقُني، وسأظلُّ أبكي على هذا الذنبِ العظيمِ حتَّى يتوفاني اللهُ، وتكفيرًا عن ذنبي قد حَجَجْتُ لأمِّي حجَّتين، وحججتُ ثالثًا لأمها، وأُخرجُ الصدقاتِ لها، وعندي نَخْلٌ أجعلُ جزءًا منه سبيلا لها؛ فهل لي من توبة؟ وما هي الأعمالُ التي يمكنُ أن أقومَ بها لِيصلَ إليها ثوابُها؟ وما هي شروطُ التوبةِ تجاه من تُوفِّي والده ؟ ج: أوَّلا: أسأتَ في رفعِكَ صوتَك عليها، وكلامِك عليها كلامًا غيرَ لائق؛ لأنَّ ذلك من العقوق، وقد أوجبَ اللهُ برَّ الوالديْن، وحرَّم عقوقَهما في كتابِهِ وعلى لسانِ رسولِهِ ﷺ ، وقد أحسنتَ في ندمِكَ على ما حصلَ من ذلك وتوبتِكَ منه كلِّه، ونرجو أن يتقبَّلَ اللهُ توبتَكَ ويغفرَ ذنبك. ثانيًا: التَّوبةُ النَّصوحُ هي التي تشتملُ على: النَّدمِ على ما وقعَ من الذَّنب، والعزمِ على عدمِ العودةِ إليه. ثالثًا: أحسنتَ في الحجِّ عن أُمِّكَ وعن أُمِّها، وفي الصَّدقةِ عنها، ونرجو أنْ يُكَفِّرَ اللهُ بذلك ذنوبَكَ ويُثيبَكَ على ذلك، وهذا ممَّا ينفعُ اللهُ بهِ والدتَك ووالدتَها، وكذلك الدُّعاءُ بالمغفرةِ والرَّحمةِ ودخولِ الجنَّةِ والنَّجاةِ من النَّار. نسألُ اللهَ لنا، ولكَ التَّوفيقَ والمغفرةَ والرَّحمة (١).

стр. 423

س: ما حكم من يمتنع عن الدعاء لولي الأمر - حفظك الله -. ج: هذا من جهله، وعدم بصيرته؛ لأن الدعاء لولي الأمر من أعظم القربات، ومن أفضل الطاعات، ومن النصيحة لله ولعباده، «والنبي ﷺ لما قيل له: إن دوسا عصت وهم كفار قال: اللهم اهد دوسا وائت بهم». فهداهم الله وأتوه مسلمين. فالمؤمن يدعو للناس بالخير، والسلطان أولى من يدعى له؛ لأن صلاحه صلاح للأمة، فالدعاء له من أهم الدعاء، ومن أهم النصح: أن يوفق للحق وأن يعان عليه، وأن يصلح الله له البطانة، وأن يكفيه الله شر نفسه وشر جلساء السوء، فالدعاء له بالتوفيق والهداية وبصلاح القلب والعمل وصلاح البطانة من أهم المهمات، ومن أفضل القربات، وقد روي عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال: (لو أعلم أن لي دعوة مستجابة لصرفتها للسلطان)، ويروى ذلك عن الفضيل بن عياض ﵀ (١). س: شاب يقول: إن والده توفي وهو غير راض عنه، فماذا يعمل ؟ ج: يجبُ على الشَّابِّ الذي تُوُفِّيَ والدُهُ وهو غيرُ راضٍ عنه التَّوبةُ إلى اللهِ جلَّ وعلا، والاستغفارُ ممَّا حصلَ منه من العقوقِ لوالدِه، وأن يبرَّ والدَّهُ بعدَ موتِهِ بالدُّعاءِ له والاستغفارِ لهِ والصَّدقةِ عنه، وأنْ يُحْسِنَ إلى أقربائِهِ من جهةِ والدِه، وأنْ يبرَّ أصدقاءَ والدِه، وإن كان لهُ وصيَّةٌ شرعيَّةٌ فينفِّذُها على ما في الوصيَّة (٢). * * *

стр. 424

س: ما الحكم في المرأة التي تلعن والديها ووالدي أولادها ؟ ج: صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إِنَّ مِنْ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ» قيل: يا رسولَ الله، وكيف يلعنُ الرَّجلُ والديْه؟ قال: «يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ»، فإذا كان هذا في المُتسبِّبِ في لعنِ النَّاسِ لوالديْه، فكيف بمَن يلعنُ أبويْهِ بنفسِه؟ أو يلعنُ نفسَهُ بنفسِهِ كلعنِ هذه المرأةِ والِدَيْ أولادِها؟ فإنَّهُ أولى بالإثمِ والذَّنبِ وسخطِ اللهِ ولعنتِه، وحَرِيٌّ بهِ أنْ ترجعَ لعنتُهُ عليه، ويدلُّ لذلك ما أخرجَهُ الإمامُ مسلمٌ في «صحيحِهِ» عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁، أنَّه سمعَ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ»، وما روتْهُ أمُّ الدَّرداءِ قالت: سمعتُ أبا الدَّرداءِ يقول: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا لَعَنَ شَيْئًا صَعِدَتِ اللَّعْنَةُ إِلَى السَّمَاءِ فَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ دُونَهَا، ثُمَّ تَهْبِطُ إِلَى الأَرْضِ فَتُغْلَقُ أَبْوَابُهَا دُونَهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ يَمِينًا وَشِمَالا، فَإِذَا لَمْ تَجِدْ مَسَاغًا رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي لُعِنَ، فَإِنْ كَانَ لِذَلِكَ أَهْلا وَإِلا رَجَعَتْ إِلَى قَائِلِهَا»، أخرجَهُ أبو داودَ في «سننه»، فاللَّعنُ محرَّمٌ، ومن أكبرِ الكبائر، فالمسلمُ ليس بالسَّبَّابِ ولا اللَّعانِ ولا الفاحشِ البذيءِ، ويدلُّ لذلك ما رواهُ ابنُ عبَّاسٍ ﵄ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلا اللَّعَّانِ وَلا الفَاحِشِ وَلا البَذِيءِ»، أخرجَهُ التِّرمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ غريب، ولما رواهُ أنسُ بنُ مالكٍ ﵁ قال: لم يكن النبي ﷺ سبَّابًا ولا فحاشًا ولا لعَّانًا، كان يقول لأحدنا عند المعتبة: «مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ»، أخرجَهُ البخاريُّ في «صحيحِه» (١). * * *

стр. 425

س: هل يجوز للرجل أن يغسل أمه أو أباه حيًّا إذا مرض، أو عندما يأتي الوفاة أحدهما، وكذلك المرأة هل يجوز لها أن تغسل أمها أو أباها ؟ ج: المرأةُ إذا ماتتْ تُغسِّلُها النِّساءُ، ولا يُغسِّلُها الرِّجال، لا ابنُها ولا غيرُه، إلا الزَّوجِ، فيجوزُ لهُ أنْ يُغَسِّلَ زوجتَهُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لعائشةَ ﵂: «لَوْ مُتِّ قَبْلِي لَغَسَّلْتُكِ»، ولأنَّ عليًّا ﵁ غسَّلَ فاطمةَ ﵂، والرَّجلُ إذا ماتَ يُغسِّلُهُ الرِّجال، ولا يجوزُ للمرأةِ أنْ تُغسِّلَه، لا أمُّهُ ولا غيرُها، إلا الزَّوجةِ، فيجوزُ لها أنْ تُغَسِّلَ زوجَها؛ لأنَّ أسماءَ بنتَ -عميسٍ ﵂ غسَّلتْ زوجَها أبا بكرٍ ﵁ حينما أوصَاها بذلك، وأمَّا الحيُّ المريضً من الأبِ والأُمِّ فيجوزُ تغسيلُهُ لكلٍّ منهما، مع سترِ العورةِ، وعدمِ مسِّها بدونِ حائلٍ من وراءِ السِّتر (١). س: من هم الأرحام، وما حكم من يقطع رحمه ؟ ج: ذووا الأرحامٍ هم: كلُّ مَن تربطُهُ بكَ رابطةُ نسب؛ كالأبويْن والجدِّ والجدَّةِ وإنْ عَلَيا، وكالولدِ وولدِ الولدِ ذكرًا كان أو أنثى، وإنْ نَزَلا، وكالإخوةِ والأخواتِ وأولادِهم، وكالأعمامِ والعماتِ وأولادهم، وقطيعةُ أحدٍ منهم بغيرِ مُوجبٍ شرعيٍّ كبيرةٌ من كبائرِ الذُّنوب؛ لقولِهِ تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾، وفي الصَّحيحِ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ»، رواهُ مسلمٌ في «صحيحه» (٢).

стр. 426

س: ما معنى: أن تصل الرحم، وما معنى عقوق الوالدين، وما هو حق الوالد على الولد والعكس ؟ ج: صلةُ الرَّحمِ تكونُ بالإحسانِ إلى الأقرباءِ من الزِّيارةِ ومدِّ يدِ العونِ ومساعدتِهم، ومعنى عقوقِ الوالديْن: عصيانُهما، وإلحاقُ الأذى بهما، وعدمُ الإحسانِ إليهما، ونحوُ هذا من قطعِ الصِّلة. - وحقُّ الوالدِ على الولدِ طاعتُهُ في غيرِ معصيةِ الله، والإحسانُ إليهِ بجميعِ وجوهِ الإحسانِ القوليِّ والفعليِّ، وحقُّ الولدِ على الوالدِ إحسانُ اسمه، ورعايتُه بَدَنِيًّا بالنَّفقةِ، وأدَبِيا بالتَّوجيهِ لأحسنِ الأخلاق، والتَّعليمِ لأمورِ الدُّنيا والدِّين (١). س: كيف تكون هناك روابط أسرية اجتماعية في البيت المسلم؟ أفتونا مأجورين . ج: أمرَ اللهُ بالمحافظةِ على ما تَقوى به الرَّوابطُ بين أفرادِ الأُسَرِ وجماعاتِها، فأمرَ بصلةِ الأرحامِ والإحسانِ إليهم؛ فقالَ سبحانَه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ... عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، وقالَ: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾، الآية وقالَ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾، الآيات، وقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآيات، إلى أمثالِ ذلك من آياتِ القرآن، وثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ»، يعني: قاطعُ رحم،

стр. 427

رواهُ البخاريُّ ومسلم، وقال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»، رواه البخاري، وقال: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ: عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ البَنَاتِ...» الحديث، رواهُ البخاريُّ ومسلم، إلى غيرِ ذلك من الأحاديثِ الكثيرةِ في الحث على صلةِ الأرحام، والتَّمَسُّكِ بآدابِ الإسلام، ومكارمِ الأخلاق، والمحافظةِ على حُسنِ العِشرة، فبهذا تقوى الرَّوابطُ بين الأُسَرِ وأفرادِ الأسرة، ويجتمعُ كلُّ المسلمين، لا بالتفسُّخِ والخروجِ على آدابِ الإسلامِ ومكارمِ الأخلاق (١). س: ما حكم قاطع الرحم؟ وما حكم شاهد الزور؟ وما الدليل على ذلك ؟ ج: قطيعةُ الرَّحمِ وشهادةُ الزُّورِ كلاهُما من كبائرِ الذُّنوب، وقد قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾، والدَّليلُ على أنَّ قطيعةَ الرَّحمِ من الكبائرِ قولُهُ تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية، وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ ثَلاثًا الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ وَقَوْلُ الزُّورِ»، وكانَ رسولُ اللهِ ﷺ مُتَّكِئًا فجلس، فما زالَ يُكرِّرُها حتى قلنا: ليتَهُ سكت. رواهُ أحمدُ والبخاريُّ ومسلمٌ (٢). * * *

стр. 428

س: إن لي أخًا من أمي وأبي أكبر مني لكنه يكرهني كراهة شديدة، فهل تجوز مفارقته أوْ لا ؟ ج: قابلْ سيِّئتَهُ بالحسنة، عسى أنْ يُزيلَ اللهُ كراهتَهُ لك ويُبدلَها حبًّا، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا... الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾، وثبتَ عن أبي هريرةَ ﵁: أنَّ رجلا قال: يا رسولَ الله، لي قرابةٌ أَصِلُهُم ويقطعونِي، وأُحْسِنُ إليهم ويُسيئونَ إلي، وأحلمُ عنهمْ ويجهلونَ عليَّ. فقال: «لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ»، رواهُ مسلم، وثبتَ عنه ﷺ أنَّه قال: «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنْ هُوَ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا»، رواه البخاريُّ، وثبتَ عنهُ ﷺ أنَّه قال: «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ»، رواهُ مسلم (١). س: أنا قد حصل بيني وبين أقاربي سوء تفاهم بعد صداقة قوية، وهم بنو عمي وأرحامي في نفس الوقت. تطورت إلى القطيعة بيننا، حتى أبنائي لا يعرفون جدهم لأمهم، وصار النساء عندنا يظنون أن بيننا عداوة بأسباب هذه القطيعة، وأنا أزورهم وهم لا يزوروننا. فهل علي إثم إذا قطعت صلتهم؟ رغم أنهم لا يردون الزيارة، وقد قطعوا صلتهم بنا رغم القرابة منذ (١٤) سنة، أفيدونا ؟ ج: صِلَةُ الرَّحمِ واجبةٌ، وقطيعتُها من كبائرِ الذُّنوبِ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾، وقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، إلى أنْ قالَ: ﴿وَآتِ ذَا

стр. 429

الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا... (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا...﴾ الآيات، وعن أنسٍ ﵁: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»، رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ. وعن عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ ﵄، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «لَيْسَ الوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا»، رواهُ البخاريُّ، وعن عائشةَ ﵂ قالت: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللهُ»، رواهُ البخاريُّ ومسلم، والآياتُ والأحاديثُ في الحث على صلةِ الرَّحمِ والتَّحذيرِ من القطيعةِ كثيرةٌ، فعليكَ أنْ تَصِلَ أقارِبَك قدرَ الطَّاقةِ ولو قطعوك، وأنْ تُحْسِنَ إليهم ولو أساءوا إليك (١). س: ما هي الطريقة الشرعية لإزالة الحزن عندما يصيب الإنسان مصيبة موت أحد الأعزاء عليه ؟ ج: الطَّريقةُ هي ما جاءَ في القرآنِ الكريم، قالَ تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾، وما ذَكرَهُ النَّبيُّ ﷺ بقولِه: «مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، اللهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلا أَجَرَهُ اللهُ فِي مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا» (٢).

стр. 430

س: ما حكم الشرع في رجل كره هذه الحياة الدنيا أشد كراهية، وسأل الله أن يميته إن كان ذلك خيرًا له، وانتظر الشيء المكروه بفارغ الصبر، ألا وهو الموت ؟ ج: لا يجوزُ للمسلمِ أن يكرَهَ الحياةَ وييأسَ فيما عندَ اللهِ تعالى من فرجٍ وخير، والواجبُ عليهِ أن يصبرَ على ما يُلاقيهِ من أقدارِ اللهِ، ويحتسِبَ ما يُصابُ به من مصائبَ عندَهُ تعالى، ويسألَهُ سبحانَهُ أنْ يصرِفَها عنه، ويعينَهُ، ويأجُرَه على ما يقدرُ عليه منها، وينتظرَ الفرجَ منه تعالى، قال سبحانه: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ... يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ... يُسْرًا﴾، ويُكرهُ للمسلمِ تمنِّي الموتِ لضُرٍّ نزلَ به من مرضٍ أو ضيقِ دنيا أو غيرِ ذلك، وفي الصَّحيحيْنِ عن أنسٍ ﵁ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي»، ولما في التَّمنِّي المطلقِ للموتِ من الاعتراضِ ومراغمةِ القدر، وفي الصُّورةِ المذكورةِ في الحديثِ نوعُ تفويضٍ وتسليمٍ للقضاء، وما يُصيبُ المسلمَ في هذه الدُّنيا من مصائبَ كفارةٌ له، إذا احتسبها عندَ اللهِ تعالى ولم يتسخَّط، وفيها إيقاظٌ لقلبِهِ من الغفلة، وموعظةٌ في المستقبل (١). س: إذا كنت أعرف عن بعض الناس أنه لا يصلي ولا يذكر الله، بل يعمل فوق ذلك أعمالا سيئة تغضب الله تعالى ورسوله ﵊ من كل النواحي، فهل يجوز لي أن أغتابه لأعرف الناس به أو لا يجوز لي ذلك ؟

стр. 431

ج: عليك أن تنصحَهُ أوَّلا، فتأمرَهُ بفعلِ ما أمرَهُ اللهُ به، وتنكرَ عليهِ فعلَ ما نهاهُ اللهُ عنه، فإن امتثلَ ولو شيئًا فشيئًا؛ فاستمرْ معهُ في النَّصيحةِ حسبَ وُسْعِك، وإلا فاجتنِبْهُ قدرَ طاقتِك؛ اتِّقاءً للفتنة، وبعدًا عن المنكر، ثم لك بعدَ ذلك أنْ تذكرَه بما هو فيهِ من التَّفريطِ في الواجبات، وفعلِ المنكراتِ عند وجودِ الدَّواعي، قصدًا للتَّعريفِ به، وحفظًا للنَّاس من شرِّه، وقد يجبُ عليك ذلك إذا استنصحَكَ أحدٌ في مصاهرتِهِ أو مشاركتِهِ أو استخدامِهِ مثلا، أو خِفْتَ على شخصٍ أن يقعَ في حبالِهِ ويُصابَ بِشرِّه، فيجبُ عليك بيانُ حالِهِ؛ إنقاذًا لأهلِ الخيرِ من شرِّه، وأملا في ازدجارِهِ إذا عرفَ كفَّ النَّاسِ عنه وتجنُّبَهُم إيَّاه، وليس لك أن تتَّخِذَ من ذكرِ سيرتِهِ السَّيِّئةِ تسليةً لك وللنَّاس، وفكاهةً تتفكَّهُ بها في المجالس، فإنَّ ذلك من إشاعةِ الشَّرِّ، وبهِ تتبلَّدُ النفوس، ويذهبُ إحساسُها باستبشاعِ المنكرات، أو يُضعِفُها، وليس لك أنْ تفتريَ عليه منكراتٍ لم يفعلْها رغبةً في زيادةِ تشويهِ حالِه، والتَّشنيعِ عليه، فإنَّ هذا كذبٌ وبهتانٌ، وقد نهى عنه النَّبيُّ ﷺ (١). س: ما حكم الذي يغتاب الناس بما ليس فيهم، وأنا أسمع كلمة (البهتان) فما معناها ؟ ج: الغِيبةُ: أنْ تذكرَ أخاكَ بما فيهِ وهو يكرهُه، وإذا ذكرتَهُ بما ليس فيه وهو يكرهُهُ فهو بهتان، وكلاهُما مُحرَّم، قالَ تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، في هذه الآيةِ النَّهيُ عن الغِيبةِ، وفسَّرَها النَّبيُّ ﷺ ، هي والبهتان، فقد روى مسلمٌ، وأبو داودَ عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قيل: يا رسولَ اللهِ:

стр. 432

ما الغيبة؟ قال: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ»، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال ﷺ : «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ» (١). س: هل يجوز مثلا أن أقول: هذا رجل متكبر، إذا كان متكبرًا ؟ ج: ذَمُّكَ للرَّجلِ بقولِك: إنَّه متكبِّر، إن كنتَ صادقًا فيما تقولُ؛ فهو من الغِيبةِ المنهيِ عنها، وإن كنتَ كاذبًا فيما تقولُ؛ فهو من الكذبِ والبهتان، لما ثبتَ في حديثِ أبي هريرةَ ﵁: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟»، قالوا: اللهُ ورسولُهُ أعلم، قال: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ»، قيل: أفرأيتَ إن كانَ في أخي ما أقول؟ قال: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ» (٢). س: ما هي النميمة، وما الغيبة، وما قول الزور، وما معنى كلمة: (اتقِ الله) ؟ ج: أوَّلا: النَّميمة هي: السَّعيُ بين النَّاس على وجهِ الإفساد. ثانيًا: الغِيبةُ هي: ذِكركَ أخاكَ بما يكرهُ، فإن كان ذلك فيهِ؛ فقد اغتبتَهُ، وإلا؛ فقد بَهتَّه. ثالثًا: قولُ الزُّورِ هو: القولُ المائلُ عن الحقِّ المنحرفُ عن الصَّواب.

стр. 433

رابعًا: معنى: (اتَّقِ الله): اجعلْ بينَك وبينَ عذابِ اللهِ وقايةً بفعلِ ما أمرَ اللهُ بهِ واجتنابِ ما نهى اللهُ عنه (١). س: قولكم لقد أخذت من بعض الناس أشياء بسيطة بدون علمهم، ثم أحصيتها وتصدقت بها عنهم، فهل يكفي ذلك؟ علما بأن اطلاعهم عليها ربما يسئ إليك من ناحية الأمانة ؟ ج: إذا كان إخبارك لهم يؤدي إلى وقوع شيء من التنافر والتباغض فيما بينك وبينهم، والذي أخذته شيء يسير، فأرجو بتصدقك به عنهم، والدعاء لهم، والاستغفار أن تبرأ ذمتك من حقوقهم، وعليك ألا تعود لمثل هذا وأن تتذكر الحساب العظيم، وأن هناك موقفا بينك وبينهم أمام الله فيؤخذ من حسناتك لهم عوضا عن حقوقهم في الوقت الذي أنت فيه أحوج إلى حسناتك من كل شيء (٢). س: ما هو التناجي بالإثم والعدوان، مع ذكر مثال ؟ ج: التَّناجي بالإثمِ والعدوانِ معناه: التَّحَدُّثُ بين شخصيْن فأكثرَ سرًّا بما هو معصيةٌ للهِ تعالى ورسولِه ﷺ ، والتَّواصي بذلك، وبما فيهِ ضررٌ وكيدٌ، وإساءةٌ للمؤمنين، وهذه من صفاتِ المنافقين واليهودِ أعداءِ المؤمنين، ولذا أمرَ اللهُ سبحانه المؤمنين بما يُقابلُ هذه الصِّفاتِ الذَّميمة، وهو التَّناجِي بالبرِّ والتَّقوى، وهو كلُّ خيرٍ وطاعة، وتركِ كلِّ مُحَرَّمٍ وإثم،

стр. 434

والتَّواصي بنفعِ المسلمين، ودفعِ المضارِّ عنهم، كما بيَّنَ ذلك اللهُ جلَّ وعلا في سورةِ المجادلة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ... تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١). س: الحسد في الإسلام موجود أم غير موجود؟ وإذا كان يوجد حسد بين الناس فكيف تتعامل معهم ؟ ج: الحسدُ تمنِّي زوالِ النِّعمةِ التي أنعمَ اللهُ بها على المحسودِ، وقد أمرَ اللهً نبيَّهُ ﷺ بالاستعاذةِ من شرِّ الحاسدِ إذا حسد، فقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾، ومعنى إذا حسد: إذا أظهرَ ما في نفسِهِ من الحسدِ، وعملَ بمقتضاه، وحملَهُ الحسدُ على إيقاعِ الشَّرِّ بالمحسود. والحسدُ على درجات: الأولى: أنْ يُحبَّ الإنسانُ زوالَ النِّعمةِ عن أخيهِ المسلم، وإنْ كانت لا تنتقلُ إليه، بل يكرهُ إنعامَ اللهِ على غيرِهِ ويتألَّمُ به. الثانية: أنْ يُحبَّ زوالَ النِّعمةِ عن غيرِه لرغبتِه فيها؟ رجاءَ انتقالِها إليه. الثالثة: أنْ يتمنَّى لنفسِهِ مثلَ تلك النَّعمة، من غيرِ أنْ يُحِبَّ زوالَها عن غيرِه، وهذه الدَّرجةُ جائزةٌ، وليست من الحسدِ في شيء، بل هي غِبْطَة.

стр. 435

والحاسدُ يضرُّ نفسَهُ من ثلاثةِ وجوه: أحدُها: اكتسابُ الذُّنوب؛ لأنَّ الحسدَ حرامٌ. الثاني: سوءُ الأدبِ مع اللهِ تعالى، فإنَّ حقيقةَ الحسدِ كراهيةُ إنعامِ اللهِ على عبدِه، واعتراضٌ على اللهِ في فعلِه. الثالث: تألُّمُ قلبِهِ من كثرةِ همِّهِ وغمِّه (١). س: ما هي آفات اللسان ؟ ج: آفةُ اللِّسانِ هي: كلُّ كلامٍ يُخالِفُ الشَّرعَ ينطقُ به العبدُ المكلَّف، وهذا الكلامُ إمَّا كفرٌ؛ كسبِّ اللهِ وسبِّ رسولِه وسبِّ دينه، وتكذيبِ ما أخبرَ اللهُ به في كتابِهِ العزيز، وإمَّا أن يكونَ الكلامُ فسقًا ومعصية، كالكذبِ والنَّميمةِ والغيبةِ والسخريةِ والاستهزاءِ والقذفِ وشهادةِ الزُّورِ واليمينِ الغموس (٢). س: ما حكم الكذب الذي لا يوقع أحدًا في مضرة أبدًا ؟ ج: يحرمُ الكذبُ مطلقًا، إلا ما استثناهُ الشَّارع، وليس ما ذُكِرَ منها؛ لعمومِ الأدلَّةِ كقولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، وفي الصحيحيْن وغيرِهما، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ

стр. 436

الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا»، وعن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ أيضًا أنَّهُ قال: الكذبُ لا يصلحُ منه جدٌّ ولا هزلٌ، اقرءوا إن شئتُم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، هكذا قرأها، ثم قال: فهل تجدونَ لأحدٍ فيه رخصةً؟ (١). س: هل عندما يلعن رجل رجلا آخر ولا تفتح لها أبواب السماء؛ لأنه غير مستحق لها ترجع على الرجل الأول أمْ لا؟ وهل يجوز لعن امرأة بحجة أنها غير متحجبة ؟ ج: اللَّعنُ ليس من صفاتِ المؤمنِ الكاملِ الإيمانِ، فقد روى الإمامُ أحمدُ في «مسندِه» والتِّرمذيُّ في «الجامع» عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ﵁ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلا اللَّعَّانِ وَلا الفَاحِشِ وَلا البَذِيءِ»، قال التِّرمذيُّ: حديثٌ حسنٌ غريب، وثبتَ في الصَّحيحيْن من حديثِ ثابتِ بنِ الضَّحَّاك، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: «لَعَنَ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ»، وعلى ذلك فإنَّه لا يجوزُ للمؤمنِ أنْ يلعنَ أحدًا من إخوانِهِ المسلمين، إلا مَن لعنَهُ اللهُ في كتابِهِ أو لعنَهُ رسولُه ﷺ ، ولا يجوزُ لعنُ مَن ارتكبَ معصيةً لمعصيتِه، كالمرأةِ غيرِ المتحجبةِ، ونحوها، بل على المسلمِ أنْ يقومَ بمناصحتِها وحثها على التَّحَجُّبِ بالأسلوبِ الطَّيِّبِ والدَّعوةِ الحسنة، ومن لعنَ أحدًا لا يستحقُّ اللَّعن فقد وردَ الوعيدُ الشَّديدُ في حقِّه، وإنَّ اللَّعنةَ ترجعُ إلى قائِلِها إنْ لمْ تجدْ مساغًا، ويدلُّ لذلك ما رواهُ أبو الدَّرداءِ ﵁ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا لَعَنَ شَيْئًا صَعِدَتِ

стр. 437

اللَّعْنَةُ إِلَى السَّمَاءِ فَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ دُونَهَا، ثُمَّ تَهْبِطُ إِلَى الأَرْضِ فَتُغْلَقُ أَبْوَابُهَا دُونَهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ يَمِينًا وَشِمَالا، فَإِذَا لَمْ تَجِدْ مَسَاغًا رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي لُعِنَ، فَإِنْ كَانَ لِذَلِكَ أَهْلًا وَإِلَّا رَجَعَتْ إِلَى قَائِلِهَا»، رواهُ الإمامُ أحمدُ في «مسندِهِ» وأبو داودَ في «سننِه» (١). س: كيف يعامل المسلم أخاه المسلم ؟ ج: للمسلمِ على المسلمِ حقوقٌ كثيرةٌ مبيَّنَةٌ في كتابِ اللهِ تعالى وسنَّةِ نبيِّهِ محمَّدٍ ﷺ ، من ذلك: تعاونُهُ معه على البرِّ والتَّقوى، وألا يتعاونَ معه على الإثمِ والعدوان، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، ومنها: ما ذكرَهُ النَّبيُّ ﷺ في قولِه: ««حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ» قِيلَ: ما هُنَّ يا رسولَ الله؟، قال: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَسَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ»، رواهُ مسلم، ومنها: قولُه: «إِذَا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فَلا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ، حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُحْزِنَهُ»، رواهُ البخاريُّ ومسلم، ومنها: قولُه: «لا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا» رواهُ البخاريُّ ومسلم، ومنها: قولُه: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»، رواهُ البخاريُّ ومسلم، ومنها: قوله: «لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ» رواهُ البخاريُّ ومسلم، ومنها: قولُه: «لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق» وقولُه: «إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً، فَأَكْثِرْ مَاءَهَا،

стр. 438

وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ» أخرجَهُما مسلم، ومنها: قولُه: «لا تَحَاسَدُوا، وَلا تَنَاجَشُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ وَلا يَخْذُلُهُ، وَلا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا» ويشيرُ إلى صدره ثلاث مرَّات «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» رواه مسلم، إلى غيرِ ذلك من النُّصوصِ الدَّالَّةِ على آدابِ الأُخُوَّةِ الإسلاميَّة (١). س: أنا ولله الحمد تبت من سماع الأغاني، ولكنني في بعض الأوقات أتغنى بأغان قديمة، فهل ترديد الأغاني على الفم فقط بدون موسيقى حرام ؟ ج: احْمَد اللهَ الذي وفَّقكَ للتَّوبةِ من سماعِ الأغاني، واحرصْ على تناسي ما كنتَ تحفظُه منها، واشغلْ لسانَك بذكرِ اللهِ تعالى؛ لقولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾، وعن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «أَلا أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الْكَلامِ إِلَى اللهِ؟ إِنَّ أَحَبَّ الْكَلامِ إِلَى اللهِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ» رواهُ مسلم، وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ للهِ وَلا إِلَهَ إِلا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» رواه مسلم، وعن عبدِ اللهِ بنِ بسرٍ ﵁: أنَّ رجلا قال: يا رسولَ اللهِ، إنَّ شرائعَ الإسلامِ قد كَثُرَتْ عَلَيَّ، فأخبرني بشيءٍ أتشبَّثُ به، قال: «لا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللهِ» رواهُ التِّرمذيُّ وحسَّنَه، وأحمدُ بنُ حنبل،

стр. 439

والحاكمُ وصحَّحَه. وأمَّا ترديدُ الشِّعرِ الحسنِ: فلا بأسَ به، والاشتغالُ عنه بالذِّكرِ أفضل (١). س: ما نصيحة الشيخ لي، حفظه الله ؟ ج: ننصحكَ بتقوى اللهِ تعالى في السِّرِّ والعلن، والاعتصامِ بالكتابِ والسُّنَّة، والإكثارِ من تلاوةِ القرآنِ الكريمِ بالتَّدَبُّر والتَّعَقُّل، وأنْ تَحْرِصَ على التَّفَقُّهِ في دينِكَ عن طريقِ أهلِ العلمِ الموثوقين، والاطِّلاعِ في كتبِ السَّلفِ الصَّالح، المبيِّنَةِ لكتابِ اللهِ تعالى وسنَّةِ نبيِّهِ ﷺ مثل: كُتُبِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميَّة، وتلميذِهِ ابنِ القيِّم، والشَّيخِ محمَّدِ بنِ عبدِ الوهَّابِ، وأبنائِه؛ مثلَ: كتابِ «فتحِ المجيد»، و «تيسرِ العزيزِ الحميد»، وهما في شرحِ «كتابِ التَّوحيد» للشَّيخِ محمَّدِ بنِ عبدِ الوهَّاب. وننصحُكَ بالحذرِ من البدعِ والأوهامِ والوساوس، وأنْ تسألَ اللهَ تعالى العافيةَ في دينِك ودُنياك (٢). س: الحمد لله التزمت أخيرًا، بعد ضياع دام أكثر من (٦) سنوات من عمري، ولكن لا زلت متعلقًا بالماضي، فكلما ذهبت للمسجد لمجالس الذكر راودني الشك في الرجوع عنها، بحجة أنني لا أصلح أن أجلس مع هؤلاء الصالحين، فأرجع قبل وصول بوابة المسجد . ج: الواجبُ عليك حمدُ اللهِ وشكرُهُ أنْ أخرجَكَ من حياةِ الضَّياعِ والضَّلالِ إلى نورِ الهُدى والإيمان، ومن حمأةِ الفسادِ والمعاصي إلى نبراسِ

стр. 440

الطَّاعةِ واليقين. وينبغي لك الإكثارُ من فعلِ الطَّاعات، ومجالسةِ الصَّالحين وأهلِ العلم، وحضورِ حِلَقِ الذِّكرِ في المساجد، ولا تلتفتْ إلى تخذيلِ الشَّيطان، بل لازمْ حِلَقَ الذِّكر، فإنَّ فيها خيرًا كثيرًا، وعليك الابتعادُ عن قُرناءِ السُّوء، والحذرُ منهم ومن صحبتِهم، فقد حذَّرَ النَّبيُّ ﷺ من مصاحبتِهم، ومَثلَ جليسَ السُّوءِ بنافخِ الكير، إمَّا أنْ يحرقَ ثيابَك، وإمَّا أنْ تجدَ منه ريحًا خبيثة (١). س: كيف عالج رسولنا محمد ﷺ مرحلة المراهقة لدى شباب المسلمين؛ كي يساعدهم على المرور من تلك المرحلة ؟ ج: لقد اهتمَّ النَّبيُّ ﷺ بشبابِ الإسلام، ووجَّهَ إليهم وإلى آبائِهم إرشاداتٍ وتوجيهاتٍ خاصَّة، فأمرَ الآباءَ بقوله: «مُرُوا أَوْلادَكُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ»، رواهُ أحمدُ وأبو داود، وخاطبَ الشَّبابَ بقولِهِ ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وِجاء»، مُتَّفقٌ على صحَّتِه (٢). س: ما حكم قول هذه الكلمات: أ-توفي شخص فقال بعضهم: والله ما يستاهل! ب-شورك وهداية الله.

стр. 441

ج-إذا حصل أذى للإنسان قالوا: مسكين، يعني: لماذا يحصل له هذا؟ ! ج: أوَّلا: قولُ: (واللهِ، ما يستاهل) لا يجوزُ استعمالُه؛ لأنهُ اعتراضٌ على اللهِ جلَّ وعلا في حكمِهِ وقضائِه، إذ معناها: أنَّ ما أصابَ فلانًا من مرضٍ أو محنةٍ أو موتٍ ونحوِ ذلك لا يستحقُّه، وهذا طعنٌ في حِكمةِ اللهِ سبحانَه. ثانيًا: قولُ: (شوركَ وهدايةَ اللهِ) ظاهرُ هذا اللَّفظِ أنَّ قائِلهُ يطلبُ مشورةَ صاحبِه، ثم الأمرُ كلُّهُ من قبلُ ومن بعدُ مفتقرٌ إلى هدايةِ الله، فهذا معنى صحيحٌ، ولا حرجَ فيه، ولو كانت العبارة: (شورك ثم هدايةَ الله) لكان أوْلى. ثالثًا: قولُ: (مسكين) لمَن حصلَ له أذًى، يعني لماذا يحصلُ له هذا: يُقالُ في هذا اللَّفظُ ما قيلَ في اللَّفظِ الأوَّل (١). س: رجل يقول لزميله: (ياغبي) أو (يا أحمق)، أو (يا أبله)، ما حكم ذلك؟ علمًا أن أخاه يشعر بضيق في صدره، هل يجوز أن نتلفظ بتلك الكلمات حتى لو لم يشعر بضيق، وبماذا تنصح الشباب الذين يفرطون في الاستهزاء بالآخرين ؟ ج: لا يجوزُ للمسلمِ أن يحقرَ أخاهُ المسلم، أو يصفَهُ بصفاتِ النَّقص، ولا أنْ يُلَقِّبَهُ بالألقابِ التي لا يرضاها؛ لقولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ولقولِهِ ﷺ : «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَحْقِرْهُ وَلا يَخْذِلْهُ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» رواهُ

стр. 442

أحمدُ والبخاري، ومن حصلَ منهُ شيءٌ من احتقارِ إخوانِهِ أو الاستهزاءِ بهم؛ فإنَّ عليهِ التَّوبةَ وطلبَ المسامحةِ من إخوانِه (١). س: هل يجوز التصفيق من الرجل لمداعبة طفله؟ أو أن يطلب من التلاميذ في الفصل التصفيق لتلميذ آخر وذلك لتشجيعه ؟ ج: لا ينبغي هذا التَّصفيق، وأقلُّ أحوالِهِ الكراهةُ الشَّديدة؛ لكونِهِ من خصالِ الجاهليَّة؛ ولأنَّه -أيضًا- من خصائصِ النِّساءِ للتَّنبيهِ في الصَّلاةِ عند السَّهو (٢). س: في بعض قريتنا علماء يضربون الدفوف والطبل ويبنون مساجد على القبور، ويذبحون لها الأغنام والأبقار والإبل وغيرها، ويأخذون المال من الناس في الشهر والسنة هل يدخلون في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ ؟ ج: نعم، يدخلونَ تحتَ عمومِ الآيةِ بسببِ ذبحِهم لغيرِ الله؛ لأنَّه من الشِّركِ باللهِ سبحانه، أمَّا ضربُ الدُّفوفِ والطُّبولِ ممَّن ذكرتُم: فمعصيةٌ ومنكر، هداهُم اللهُ ومَّن عليهم بالتَّوبةِ إليه سبحانَه من الشِّركِ وسائرِ المعاصي (٣). * * *

стр. 443

س: يوجد في المساجد صور لذوات الأرواح فهل تبطل الصَّلاة فيها وما حكم الإسلام في هذا ؟ ج: لا يجوزُ اتِّخاذُ الصُّورِ من ذواتِ الأرواحِ، ولا تعليقُها في المساجدِ وغيرِها كالمساكن؛ لعمومِ أدلَّةِ تحريمِ الصُّور، أخرجَ البخاريُّ ومسلمٌ في صحيحَيْهما، والنَّسائيُّ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»، وللتِّرمذيِّ عن جابرِ بنِ عبد الله ﵄ قال: «نهى رسولُ اللهِ ﷺ عن الصورةِ في البيتِ، ونهى أن يصنعَ ذلك»، وفي «صحيحِ مسلمٍ»، عن عليٍّ ﵁، أن النبي ﷺ قالَ له: «لا تَدَعْ صُورَةً إِلا طَمَسْتَهَا، وَلا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلا سَوَّيْتَهُ». وأما الصَّلاةُ في المسجدِ الذي فيه صورٌ فصحيحة، ومن الواجبِ مناصحةُ المسؤولين عن المسجدِ؛ حتى يُزيلوا ما فيهِ من الصُّور (١). س: ما حكم طالب المدد من شخص ميت بأن يقول: مدد يا فلان، وما الحكم في طلبه أيضًا من الأحياء الغير حاضرين لذلك الشخص الطالب للمدد ؟ ج: أولًا: طالبُ المدد من شخصٍ ميت بأن يقول مَدد يا فلان، يجب نُصحه وتنبيهه بأن هذا أمر محرم، بل هو شِرك، فإن أصرَّ على ذلك؛ فهو مُشرك كافر؛ لأنه طَلب من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله، فقد

стр. 444

صَرف حق الله إلى المخلوق، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾. ثانيًا: طلب المدد من الحي الذي ليس بحاضر لا يجوز؛ لأنه دعا غير الله وطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى وهو شِرك أيضًا، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، ودعاء الحي الغائب نوع من العبادة، فمن فعل ذلك نُصح، فإن لم يقبل فهو مُشرك شِركًا يُخرج من المِلة (١). س: يقال: إن الردة قد تكون فعلية أو قولية، فالرجاء أن تبينوا لي باختصار واضح أنواع الردة الفعلية والقولية والاعتقادية ؟ ج: الرِّدَّة: هي الكفرُ بعدَ الإسلام، وتكونُ بالقولِ، والفعلِ، والاعتقادِ، والشَّكِّ، فمَن أشركَ باللهِ، أو جحدَ ربوبيَّته أو وحدانيَّته أو صفةً من صفاتِه أو بعضَ كُتُبِه أو رُسُلِه، أو سبَّ اللهَ أو رسولَه، أو جحدَ شيئًا من المحرَّماتِ المُجمعِ على تحريمِها أو استحلَّه، أو جحدَ وجوبَ رُكنٍ من أركانِ الإسلامِ الخمسةِ، أو شكَّ في وجوبِ ذلك، أو في صِدْقِ محمد ﷺ أو غيرِه من الأنبياء، أو شكَّ في البعثِ، أو سجدَ لصنمٍ أو كوكبٍ ونحوِه؛ فقد كفرَ، وارتدَّ عن دينِ الإسلام. وعليكَ بقراءةِ أبوابِ حكمِ الرِّدَّةِ من كُتُبِ الفقهِ الإسلاميِّ؛ فقد اعتنَوا به، ﵏. وبهذا تعلمُ من الأمثلةِ السَّابقةِ الرِّدَّةِ القوليَّةَ والعمليَّةَ والاعتقاديَّةَ، وصورةَ الرِّدَّةِ في الشَّكِّ (٢). * * *

стр. 445

س: ما حكم الشرع في الولائم التي تقدم إلى الأولياء سنويًّا حيث عندنا يقام كل عام على الأولياء ولائم تكلف الناس كثيرًا، ويرى ضعفاء العقول أنه واجب عليهم القيام بذلك ؟ ج: لا يجوزُ عملُ ولائمَ باسمِ الأولياءِ؛ لأنَّ هذا من البدعِ المُحْدَثَة، وقد ثبتَ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، ولا يجوزُ للمسلم حضورُها؛ لأنَّه من التَّعاون على الإثم والعُدوان، وقد نهى اللهُ جل وعلا عنه بقوله تعالى: وتعاونوا على البر والتقو ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، وإن كان المقصود بإقامةِ الولائمِ التَّقرُّبَ إلى الأولياءِ بذلك طمعًا في شفاءِ المرضى، وشفاعتِهم يومَ القيامة، أو حصولِ المددِ منهم للأحياءِ الذين أقاموا الولائمَ؛ فهذا شركٌ أكبر؛ لأنَّ ذلك عبادةَ لهم (١). * * * وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم. تمَّ بحمدِ اللهِ وعونِه، ونسألُ اللهَ القبول