← Фатава

Фатава · id 30275

المنتقى من فتاوى الأئمة الأعلام

عبد الرحمن الحميزي

Полный текст (445 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

منكراتٌ ناشئةٌ عن أكلِ القات، وكلُّها مُحرَّمَات، ومن أجلِ ذلك صارَ أكلُ القاتِ مُحرَّمًا شديدَ التَّحريم (١). س: هل شرب الدخان حرام أوْ لا؟ وما الدليل ؟ ج: شربُ الدُّخانِ حرامٌ؛ لأنَّهُ من الخبائثِ، وقد حرَّمَ اللهُ ورسولُهُ الخبائث، وقالَ تعالى في صفةِ النَّبيِّ ﷺ : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، ولما فيه من الضَّررِ بالصِّحَّة وتلفِ المال، وقد جاءتْ الشَّريعةُ بوجوبِ حفظِ الأبدانِ وحفظِ الأموال، وجعلَ العلماءُ -قديمًا وحديثًا- حفظَهُما من الضَّروريَّاتِ الخمس، التي لا بُدَّ منها في حفظِ كيانِ الأُمَّة، وقيامِ أمرِها على وجهٍ ينتظمُ به شأنُها، وثبتَ في الحديثِ النَّهي عن إضاعةِ المال، ولا شكَّ أنَّ إنفاقَهُ في شراءِ الدُّخانِ إنفاقٌ فيما لا جدوى فيه، بل إنفاقٌ له فيما فيهِ مضرَّةٌ لشاربِه وللمجتمع، فكان من إضاعةِ المال (٢). س: هل أكل البصل محرم يوم الجمعة أو مكروه، وهل هناك إثم إذا أكل إنسان بصلا يوم الجمعة ثم ذهبت الرائحة باستعمال النعناع ومعاجين الأسنان، وهل الحرمة متعلقة فقط بالرائحة، أم أن هناك أحاديث ترغب في أكل البصل ؟ ج: أكلُ البصلِ النَّيءِ مكروهٌ لرائحتِهِ الكريهة، مع توقُّعِ حضورِهِ

стр. 387

المساجد، والمجامع العامَّةِ، ومخالطتِهِ النَّاس، سواءً كان ذلك في يومِ الجمعةِ أو غيرِها، أمَّا إذا كان مطبوخًا فلا بأسَ بأكله؛ لزوالِ رائحتِه، وقد ثبتَ في الحديثِ: «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلا فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا»، ومَن أكلَ ثُومًا أو بصلا وأزالَ الرَّائحةَ بأيِّ مزيلٍ فلا إثمَ عليهِ في اختلاطِهِ بالنَّاس في المساجدِ ومجالسِ الخير (١). س: ما الحكمة في تحريم أكل لحم الخنزير ؟ ج: إنَّ اللهَ قد أحاطَ بكلِّ شيءٍ علمًا، ووسعَ كلَّ شيءٍ رحمةً وحكمةً وعدلا، فهو سبحانَهُ عليمٌ بمصالحِ عبادِه، رحيمٌ بهم، حكيمٌ في خلقِهِ وتدبيرِهِ وشرْعِه، فأمرَهُم بما يسعدُهمْ في الدُّنيا والآخرة، وأحلَّ لهم ما ينفعُهم من الطَّيِّبات، وحرَّم عليهم ما يضرُّهم من الخبائث، وقد حرَّم اللهُ أكلَ الخنزيرِ، وأخبرَ بأنَّه رجسٌ، قالَ تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ الآية فهو إذا من الخبائث، وقد قالَ تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، وقد ثبتَ بالمشاهدةِ أنَّ غذاءَهُ القاذوراتُ والنجاساتُ، وأنَّها أشهى طعامٍ إليه يتتبَّعُها ويغشى أماكنَها، وقد ذكرَ أهلُ الخبرةِ أنَّ أكلَه يولِّدُ الدُّودَ في الجوف، وأنَّ لهُ تأثيرًا في إضعافِ الغَيْرةِ والقضاءِ على العفَّة، وأنَّ له مضارَ أخرى كعسرِ الهضمِ ومنعِ بعضِ الأجهزةِ من إفرازِ عُصارتِها لتُساعدَ على هضمِ الطَّعام، فإنْ صحَّ ما ذكروا؛ فهو من الضَّررِ والخبثِ الذي حرَّم من أجله، وإن لم يصحَ؛ فعلى العاقلِ أنْ يَثِقَ بخبرِ اللهِ وحكمِه فيه بأنَّهُ رجس، ويؤمنُ بتحريمِ أكلِهِ، ويُسلِّمُ الحكمَ لله

стр. 388

فيه، فإنَّه سبحانَهُ هو الذي خلقَهُ وهو أعلمُ بما أودعَهُ فيه: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١). س: هل يجوز للولد أن يأكل من مال أبيه المرابي ؟ ج: الرِّبا محرَّمٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ والإجماع، وإذا كان والدك مرابيا فالواجبُ عليك نصحُهِ ببيانِ الرِّبا وحكمِه، وما أعدَ اللهُ لأهلِه من العذابِ، ولا يجوزُ لك أنْ تأخُذَّ من مالِ أبيك ما تعلمُ أنَّه داخلٌ إلى ملكِهِ من طريقٍ التَّعاملِ بالرِّبا، وعليك أن تطلبَ الرِّزقَ من اللهِ جلَّ وعلا، وتبذلَ الأسبابِ الشَّرعيَّة التي وضعَ اللهُ لطلبِ الرِّزق، ومن يتقِّ اللهَ يجعلْ له مخرجًا ويرزقُهُ من حيثُ لا يحتسب، ومن يتقِّ اللهَ يجعلْ له من أمرِه يُسرًا (٢). س: ما حكم ذبيحة من يعلق التميمة من القرآن أو غيره، ومن يعقد العُقَد من الخيوط وغيرها ؟ ج: التَّمائمُ: جمعُ تميمة، وهي: ما يُعلَّقُ من الخرزِ، والودعِ، والحجبِ في أعناقِ الصِّبيانِ والحيواناتِ والنِّساء ونحوِهم، وقد يُوضعُ ذلك في أحزمَتُهم أو يُعلَّقُ في شعرِهم للحفظِ من الشَّرِّ أو دفعِ ما نزلَ من الضُّرِّ. وهذا منهيٌ عنه بل هو شركٌ؛ لأنَّ اللهَ هو الذي بيدِهِ النَّفعُ والضُّرُّ، وليس ذلك لأحدٍ سواه؛ لما ثبتَ عن ابنِ مسعودٍ: أنَّه سَمِعَ النَّبيَّ ﷺ يقولُ: «إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ»، ولما رَوى عبدُ اللهِ بنُ حكيمٍ مرفوعًا: «مَنْ

стр. 389

تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ»، ولما في الصَّحيحيْنِ عن أبي بشيرٍ الأنصاريِّ، أنَّه كان مع النَّبيِّ ﷺ فأرسلَ رسولا: ألا يبقينَّ في رقبةِ بعيرٍ قلادةٌ من وتَرٍ أو قلادةٌ إلا قُطِعتْ»، فأنكرَ النَّبيُّ ﷺ تعليقَ الأوتارِ على الإبلِ مُطلقًا، معقودةً وغيرَ معقودة، وأمرَ بقطعِها، وذلك أنَّ أهلَ الجاهليَّةِ كانوا يشدُّون الأوتارَ على الإبلِ، ويضعونَ القلائدَ في أعناقِها، ويُعلِّقون عليها التَّمائمَ والعوذَ؛ للحفظِ من الآفاتِ ودفعِ العين، فنهاهُم ﷺ عنها، وأنكرَها عمليًّا، حيثُ أمرَ بقطعِها، ومن اعتقدَ أنَّ للتَّميمةِ ونحوِها تأثيرًا في جلبِ النَّفعِ أو دفعِ ضُرٍّ؛ فهو مشركٌ شِركًا أكبر، يخرجُهُ من المِلَّةِ والعياذُ بالله، وذبيحتُهُ لا تُؤكل، ومن اعتقدَ أنَّها أسبابٌ فقط، وأن اللهَ هو النَّافعُ الضَّارُّ، وأنَّهُ هو الذي يُرتِّبُ عليها المسببِّاتِ؛ فهو مشرك شركًا أصغر، لأنَّها ليستْ بأسبابٍ عاديَّةٍ ولا شرعيَّة، بل وهميَّة، وقد استثنى بعضُ العلماءِ من ذلك ما عُلِّقَ من القرآن، فرخَّصَ فيه وحملَ ما ثبتَ من أحاديثِ النَّهي عن تعليقِ التَّمائمِ على ما كان من غيرِ القرآن، لكن الصَّحيحَ أنَّ أحاديثَ النَّهي عامَّةٌ؛ لعدمِ وُرودِ مُخصِّصٍ لها عنه ﷺ ، وسدًّا للذَّريعة، فإنَّه يفضي إلى تعليقِ ما ليس كذلك، كما أنَّه يُفضي إلى امتهانِ القرآن (١). س: رجل يسب الدين أحيانًا في أوقات غضبه، يذبح ويبيع اللحم، هل تؤكل ذبيحته؟ مع العلم بأنه يصلي ويصوم. أفتونا مأجورين . ج: الذي يسبُّ الدِّينَ يكون مرتدًّا عن دينِ الإسلام، ولا تحلُّ ذبيحتُهُ ولو صلَّى وصامَ حتى يتوبَ إلى اللهِ تعالى توبةً صحيحةً، ويتركَ هذا القولَ المنكرَ المُوجبَ لردَّتِهِ عن الإسلام، وصلاتُهُ وصيامُهُ وغيرُهما من عبادتِهِ

стр. 390

كلِّها باطلةٌ حتى يتوبَ إلى اللهِ سبحانَه توبةً نصوحًا ممَّا صدرَ منه؛ لقولِ اللهِ : ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا... يَعْمَلُونَ﴾، وما جاءَ في معنى هذه الآيةِ من الآيات (١).

стр. 391

فتاوى الأيْمان والنذور والإمامة

стр. 392

فتاوى الأَيْمان والنذور والإمامة س: الرجاء إفادتنا عن كيفية إطعام العشرة مساكين الواجبة في كفارة اليمين، هل هي لمدة يوم كامل أم وجبة واحدة لكل فرد، وما قيمتها؟ وهل يجوز دفع قيمتها نقدًا أم لا ؟ ج: كفَّارةُ اليمينِ هي: إطعامُ عشرةِ مساكين لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ من بُرٍّ، أو تمرٍ، أو أرزٍ، ونحوِه من قوتِ البلد، ومقدارُ نصفِ الصَاع كيلو ونصف، أو كسوةُ عشرةِ مساكين لكلِّ مسكينٍ قميص، أو تحريرُ رقبةٍ مؤمنة، فإن لم يستطعْ شيئًا من هذه الثلاث المذكورةِ؛ صامَ ثلاثةَ أيَّامٍ، ولا يجزئُ في كفَّارةِ اليمينِ دفعُ القيمة (١). س: حنث في يمينه وأراد أن يكفر عنه، فصام ثلاثة أيام متتالية مع قدرته على إطعام عشرة مساكين فهل يسقط الحكم عنه أم لا ؟ ج: لا يجزئُ الصِّيامُ مع القدرةِ على الإطعامِ أو الكسوةِ أو العتق؛ لأنَّ اللهَ سبحانَهُ رتَّبَ إجزاءَ الصِّيامِ على عدمِ وجودِ الطَّعامِ أو الكسوةِ أو العتق، فقال: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ... أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾.

стр. 393

س: في كفارة اليمين هل يجب إخراج الطعام مطبوخًا جاهزًا أم يجوز جافًّا مثل الأرز والبر ؟ ج: كلاهما مجزئ، فإذا صنعَ طعامًا ودَعا عشرةَ فقراءٍ أو أخرجَ خمسةَ آصع، لكلِّ فقيرٍ نصفُ صاع؛ أجزأ (١). س: هل يجوز إعطاء كفارة اليمين لفقير واحد أمْ لابد من عشرة فقراء، وما الحكم لو كررها لذلك الفقير لمدة عشرة أيام، وهل يجوز إعطاء الفدية عن عدم القدرة على صيام رمضان لفقير واحد بعد جمعها، أم تخرج كل يوم لفقير غير الفقير الأول؟ أفيدونا بالتفصيل بارك الله فيكم . ج: كفَّارةُ اليمينِ إذا أخرجَها من الطَّعامِ فلا بدَّ من استيعابِ عشرةِ مساكينَ لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ من الطَّعام، ولا يجزئُ فيها الاقتصارُ على فقيرٍ واحدٍ ولو كرَّرها عليه عشرةَ أيَّام؛ لأنَّ هذا خلافُ النَّصِّ، أمَّا الإطعامُ عن الصِّيامِ في رمضانَ فيجزئُ لو جمَعَها ودفَعَها لمسكينٍ واحدٍ عن عددِ الأيام (٢). س: إنسان أكثر من الحلف ولم يوف بها، فماذا يلزمه ؟ ج: أولا: يجبُ عليه تجنُّبُ كثرةِ الحلفِ؛ لقولِ اللهِ : ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ...﴾ الآية، وقولِه سبحانه: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾، ويتوبُ إلى اللهِ من ذلك، ويستغفرُ لعلَّ اللهَ أنْ يتوبَ عليه.

стр. 394

ثانيًا: ما ذكرَهُ من يمينٍ أو أيمانٍ إن كان على موضوعٍ واحدٍ يُكفِّرُ عنه كفَّارةَ يمينٍ واحدة، وما ذكرَه من أيمانٍ على موضوعاتٍ متعدِّدَةٍ يكفِّرُ عن كلِّ يمينٍ واحدةٍ كفَّارةً واحدة، وما لم يذكرْ لا كفَّارةَ عليه فيه، وكفَّارةُ اليمينِ الواحدة: إطعامُ عشرةِ مساكين، أو كسوتُهم، أو تحريرُ رقبةٍ مؤمنة، فإن لم يجدْ فصيامُ ثلاثةِ أيَّام، والأَولى أن تكونَ متتابعة؛ لقولِ اللهِ : ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ... أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (١). س: ما هو حكم الحلف بآيات الله، تقول: أقسم بآيات الله ؟ ج: يجوزُ الحلفُ بآياتِ اللهِ إذا كان قصدُ الحالفِ الحلفَ بالقرآن؛ لأنَّه من كلامِ اللهِ وكلامُه سبحانَهُ صفةٌ من صفاتِه، وأمَّا إن أرادَ بآياتِ اللهِ غيرَ القرآنِ؛ فإنَّه لا يجوز (٢). س: حلف بالله ألا يصافح الحريم بيده، وبعد مدة دخل مجلسًا فيه حريم جيران لهم، وصافحهم وهو ناسِ يمينه السابق، ويسأل ماذا يترتب عليه ؟ ج: إذا كان الأمرُ كما ذكرَهُ السَّائلُ من أنَّه صافحَ بيدِهِ الحريمَ بعد حَلِفِهِ اليمين لعدمِ مصافحتِهنَّ، وأنَّ ذلك كان منه على سبيلِ النِّسيان،

стр. 395

فلا حرجَ عليه؛ لقولِهِ تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ الآية، وصحَّ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قال: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَدْ فَعَلْتُ»، ولما رُويَ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قالَ: «عُفِيَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»، وإنْ حصلَ منه شيءٌ مستقبلا وهو ذاكرٌ عامدٌ لزمتْهُ كفَارةُ اليمين، مع العلمِ أنَّه لا يجوزُ له شرعًا مصافحةُ النِّساءِ إلا أنْ يَكُنَّ من محارمِهِ كأُمِّهِ وأختِهِ وبنتِهِ، ونحوِهنَّ (١). س: حلفت على أحد بقولي: والله نذرا على رقبتي ثلاثًا لتفعل كذا، ولم يتم ذلك، فما هو كفارة هذا اليمين ؟ ج: يجبُ عليك كفَّارةُ يمينٍ واحدةٌ؛ لحنثِك في اليمينِ والنَّذر؛ لأنَّ المحلوفَ عليه أمرٌ واحدٌ، والكفَّارةُ هي إطعامُ عشرةِ مساكينَ أو كسوتُهم، أو تحريرُ رقبةٍ مؤمنة، فإنْ لم تجدْ؛ فصُمْ ثلاثةَ أيَّام (٢). س: ما كيفية كفارة اليمين الغموس ؟ ج: اليمينُ الغموس، وهي: التي يحلفُها صاحبُها على أمرٍ ماضٍ كاذبًا عالمًا بكذِبِه، لا كفَّارةَ لها، لأنَّ من شروطِ وجوبِ الكفَّارة أنْ تكونَ اليمينُ منعقدةً وهي التي قصدَ الحالفُ عقدَها على أمرٍ مستقبلٍ ممكن، واليمينُ الغموسُ كبيرةٌ من الكبائر، يجبُ على صاحبِها التَّوبةُ النَّصوح منها،

стр. 396

وكثرةُ الاستغفارِ، والتَّقرُّبُ إلى اللهِ بكثرةِ النَّوافلِ، والتَّضرُّعُ بين يديْهِ لعلَّ اللهَ أنْ يعفوَ عنه ويقبلَ توبتَه (١). س: ما معنى الحديث الذي قال رسول الله ﷺ فيه: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلا حِنْثَ عَلَيْهِ» . ج: أخرجَ أصحابُ «السنَنِ» عن ابنِ عمرَ ﵄ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلا حِنْثَ عَلَيْهِ»، ومعنى الحديث: أنَّ مَن أتبعَ حلفَهُ بالتَّقييدِ بمشيئةِ اللهِ تعالى يمنعُ انعقادُ اليمين، فلو حلفَ على فعلِ شيءٍ، واستثنى، ولم يفعلْ ذلك الشَّيءَ؛ فلا كفَّارةَ عليه، وكذلك من حلفَ على تركِ شيءٍ واستثنى في كلامِهِ، ثم فعلَ؛ فلا كفَّارةَ عليه (٢). س: أراد أخ مسلم أن يعطيني شيئًا مأكولا (بطيخ) فأقسمت قائلا: (والله العظيم لا آخذ بطيخًا) ثم أخذته. ما نوع هذا اليمين، وهل علي كفارة ؟ ج: مَن حلفَ باسمٍ من أسماءِ اللهِ أو صفةٍ من صفاتِهِ مُختارًا على أمرٍ مستقبَلٍ ممكنٍ؛ فهي يمينٌ منعقدة، وحيثُ إنَّ ما حلفتَ على تركِهِ ليس بمعصيةٍ فإنَّ الواجب عليك الوفاءُ بما ألزمتَ بهِ نفسَك، فإنْ أردتَ الحنثَ في يمينِكَ بفعلِ ما حلفتَ على تركِهِ، ورأيتَ أنَّ الخيرَ في ذلك؛ فلك

стр. 397

الحنثُ في يمينِك، ويجبُ عليك كفَّارةُ يمين، وهي إطعامُ عشرةِ مساكين لكلِّ مسكينٍ كيلو ونصفٌ من الأُرزِ أو من غالبِ قوتِ البلد، أو كسوتُهم، أو عتقُ رقبةٍ مؤمنة، فإن لم تقدرْ على ذلكَ تصومُ ثلاثةَ أيَّام، ويدلُّ لذلك ما أخرجَهُ البخاريُّ في «صحيحِه» عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ سَمرةَ قال: قالَ النَّبيُّ ﷺ : «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ: لا تَسْأَلْ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُوتِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ»، وننصحُكَ بحفظِ أيمانِك، وألا تُكثِرَ من الحلفِ، لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾، وقولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ (١). س: رجل حلف بالطلاق ثلاثا ألا يكلم أخاه، ثم تأسف على ما صدر منه فهل يقع به طلاق أم ماذا ؟ ج: إذا كان الحال على ما ذكر وهو أن الذي حلف بالطلاق الثلاث ألا يكلم أخاه قاصدا بذلك منع نفسه من تكليم أخيه فلا يقع طلاقه وعليه كفارة يمين لقوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، ولأنه لم يقصد إيقاع الطلاق على زوجته، وإنما قصد منه نفسه من تكليم أخيه، في حين أن هذا لا يجوز له لما فيه من قطعية الرحم وهو مأمور بصلة رحمه، وهذا مروي عن عدد من الصحابة ﵃، منهم ابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وعائشة وأم سلمة وحفصة وزينب وغيرهم رضوان الله عليهم،

стр. 398

والمقصود أنها لا تطلق زوجته بتكليم أخيه وعليه كفارة يمين، والله أعلم (١). س: نذرت لله ألا أعصيه ولكن تحدث بعض المعاصي غير المقصودة فماذا أفعل؟ أرجو من سيادتكم أن تفيدني هل أصوم أم ماذا أفعل ؟ ج: يجبُ على المسلمِ تجنُّبُ المعاصي وإن لم ينذر، وإذا نذرَ ذلك تأكَّدَ في حقِّه ذلك، وإذا وقعتْ منه معصيةٌ فعليه المبادرةُ بالتَّوبةِ إلى اللهِ من تلك المعصيةِ، وعليه مع التَّوبةُ كفَّارةِ يمينٍ عتقُ رقبةٍ مؤمنة، أو إطعامُ عشرةِ مساكينَ أو كسوتُهم، فإن لم يجدْ؛ صامَ ثلاثةَ أيَّام؛ لأنَّ هذا النَّذرُ يجري مجرى اليمين (٢). س: شخص نذر أن يذبح نعجة عند أحد الأضرحة، فهل يجب عليه الوفاء بالنذر، أم يذبح النعجة في أي مكان ؟ ج: الذَّبحُ عند القبورِ بدعة، ووسيلةٌ من وسائلِ الشِّركِ الأكبر، فلا يجوزُ لمَن نذرَ أنْ يذبحَ عند قبرٍ أن يفيَ بنذرِه؛ لأنَّ نذرهُ نذرُ معصية، ونذرُ المعصيةِ لا يجوزُ الوفاءُ به؛ لما ثبتَ في «صحيحِ البخاريِّ» عن عائشةَ ﵂، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلا يَعْصِهِ»، رواهُ البخاريُّ، ولمَا رَوى أبو داودَ ﵀ بسندٍ

стр. 399

صحيحٍ، عن ثابتِ بن الضَّحَّاكِ ﵁ قال: نذرَ رجلٌ أنْ ينحرَ إبِلا ببوانة، فسألَ رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال: «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟» قالوا: لا، قال: «فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟» قَالُوا: لا، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ «أَوْفِ بِنَذْرِكَ فَإِنَّهُ لا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلا فِيمَا لا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ». أمَّا إن كانت الذَّبيحةُ لصاحبِ القبر، فإنَّ ذلك من الشِّركِ الأكبر؛ لقولِ اللهِ سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾، وصحَّ عن رسولِ اللهِ ﷺ «أنَّه لعنَ مَن ذبحَ لغيرِ اللهِ» (١). س: أصبت بمرض شديد، كنت أرى استحالة شفائي منه ولا مستحيل على الله، ولكن الله يقول في الإنسان: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾، ولقد كنت دائم الدعاء إلى الله أن يشفي مرضي هذا، ولكن كنت أضمن دعائي أن قلت: إذا شفيت من مرضي لأصومن شهرين، ولم أتأكد الآن هل هما متتابعان أم أنهما غير ذلك، والآن وبعد أن شفاني الله بعطفه ورحمته هل يلزمني صوم هذين الشهرين؟ وهل يلزم صيامهما تباعًا ؟ ج: قولُك: (إذا شُفيتُ من مرضي لأصومنَّ شهريْن) هذا نذرٌ، ونذرُ الطَّاعة يجبُ الوفاءُ به؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلا يَعْصِهِ»، وأمَّا التَّتابعُ: فلا يجبُ؛ لأنَّك لم تتأكَّدْ

стр. 400

منه، والأصلُ العدم، ونوصيكَ بعدمِ العودِ إلى النَّذر، لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن النَّذر، وقال: «إِنَّهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ» (١). س: الموظفون المطالبون بدوام رسمي ويخرجون أثناء هذا الدوام لمزاولة البيع والشراء دون إذن، ما حكم عملهم ذلك ؟ ج: خروجُ الموظَّفِ أثناءَ عملِهِ للبيعِ والشِّراءِ لا يجوز، سواءً أُذِنَ له من قِبَلِ المسؤولِ عن عملِهِ، أمْ لا؛ لما في ذلك من أمرِ مخالفةِ وُلاةِ الأمر. بمنعِ ذلك، ولما فيهِ من إضاعةِ عملِهِ الذي أؤتمنَ عليهِ، ممَّا يترتَّبُ عليه إضاعةُ حقوقِ المسلمينَ المرتبطين بعملِه، والإخلالِ بالقيامِ به على أكملِ وجه، وقد روى أبو يعلى والعسكريُّ، عن عائشةَ ترفعُهُ إلى النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلا أَنْ يُتْقِنَهُ»، وأخرجَ البيهقيُّ والطَّبرانيُّ نحوَه (٢). س: أفتوني مشكورين بما علمكم الله به عن شهادة الزور وما يترتب عليها من الأحكام الشرعية ؟ ج: شهادةُ الزُّورِ مُحرَّمَةٌ وكبيرةٌ من الكبائر، فقد ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ من حديثِ أبي بكرةَ ﵁ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» -ثلاثًا- قلنا: بلى يا رسول الله، قال: «الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ» وكان متَّكِئًا فجلس، فقال: «أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلا

стр. 401

وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ»، فما زالَ يقولُها حتى قلت: لا يسكتُ. والحكمُ المبنيُّ على شهادةِ الزُّورِ في الظَّاهرِ لا يحلُّ حرامًا في الحقيقة، وإنَّما هي قطعةٌ من النَّارِ يقتطعُها المُدَّعي بتلكَ الشَّهادة، وإذا ثبتَ أنَّ الشَّخصَ شهدَ شهادةَ زورٍ؛ فإنَّهُ يُعزِّرُهُ وليُّ الأمرِ بما يراه (١). س: ما حكم من يقود سيارته متجاوزًا بذلك السرعة المسموح بها معرضًا حياته وحياة الآخرين للخطر؟ وما حكم من يموت جرّاء تجاوزه السرعة المحددة ؟ ج: نص نظام المرور على تحديد السرعة بمقدار معين يختلف باختلاف طبيعة الطرق وكثافة السير حسب ضوابط معينة نص عليها النظام واللوائح الملحقة به، ولم يوضع ذلك عبثًا، وإنما روعي فيه تحقيق المصلحة العامة والخاصة حماية للإنسان من نفسه وحماية للآخرين منه، ومحافظة على سلامة الطريق والمركبات العابرة معه، ويتعين على قائد السيارة الالتزام بذلك، وعدم تجاوز السرعة المحددة نظامًا، فإن تجاوز ذلك القدر كان آثمًا نظرًا لما يترتب على ذلك من الأخطار التي تلحق به وبالآخرين، ولما في ذلك من المخالفة للنظام الصادر من ولي الأمر، والذي يجب على جميع أفراد المجتمع تطبيقه والالتزام به امتثالا لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، ومن حدث له حادث نتيجة لتجاوزه السرعة المقررة، ونشأ عن ذلك موته أو موت غيره فإنه يعتبر متسببًا في القتل ويأثم بذلك (٢).

стр. 402

فتاوى كتاب الجامع

стр. 403

فتاوى كتاب الجامع س: كيف يتخلص الإنسان من قسوة القلب وما هي أسبابه ؟ ج: أسباب قسوة القلب الذنوب والمعاصي وكثرة الغفلة وصحبة الغافلين والفساق، كل هذه الخلال من أسباب قسوة القلوب ومن لين القلوب وصفائها وطمأنينتها طاعة الله جل وعلا وصحبة الأخيار، وحفظ الوقت بالذكر وقراءة القرآن والاستغفار، ومن حفظ وقته بذكر الله وقراءة القرآن وصحبة الأخيار والبعد عن صحبة الغافلين والأشرار يطيب قلبه ويلين قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (١). س: نود منكم نصيحة حول قضاء الإجازة وبماذا تنصحون الإخوة ؟ ج: أنصح إخواني في الإجازة أن يستغلوها في كل ما يرضي الله: في حفظ القرآن الكريم والإكثار من تلاوته، وفي عمارة المكتبات للمطالعة والاستفادة بحضور المحاضرات العلمية والندوات المفيدة، وفي التعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق، والصبر عليه، وفي النصائح إلى غير هذا من وجوه الخير كالتزاور في الله فيما بينهم في أنحاء هذه البلاد؛ لأنها فرصة ينبغي أن تستغل في الخير.

стр. 404

ومن أحسن ما تستغل فيه العناية بالقرآن الكريم حفظا وتلاوة وتدبرا. والعناية بالكتب النافعة ومطالعتها، وحفظ الكتب المهمة والمقررات المفيدة ككتاب: التوحيد، وبلوغ المرام، وعمدة الحديث، والعقيدة الواسطية، والأربعين النووية وتتمتها لابن رجب، وبذلك صارت خمسين حديثا من جوامع الكلم، وهذه الخمسون ينبغي أن تحفظ مع مراجعة شرحها للحافظ ابن رجب ﵀، ومما يحسن الاهتمام به في الإجازة زيارة العلماء وسؤالهم عما أشكل على الطالب في وجوه العلم، ونسأل الله للجميع التوفيق والهداية وصلاح النية والعمل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (١). س: ما هو أفضل العلوم لزكاة النفوس في الدنيا والآخرة الواجب على المسلم الالتزام به ؟ ج: أفضل العلوم لزكاة النفوس: توحيد الله سبحانه، وطاعته، وطاعة رسوله ﷺ ، وأصلها: توحيد الله، والإخلاص له، وتحقيق معنى لا إله إلا الله بإخلاص العبادة لله وحده، وترك عبادة ما سواه، والإخلاص له في كل الأعمال، ثم بقية الأوامر من الصلاة والزكاة وغير هذا، وترك ما حرم الله، مع مخالقة الناس بالخلق الحسن والحلم والصبر والجود والكرم وكف الأذى، هكذا يكون المؤمن، يقول النبي ﷺ : «البر حسن الخلق»، ويقول ﷺ : «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة -يعني في ضواحي الجنة- لمن ترك المراء وإن كان محقا، وأنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، وأنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه».

стр. 405

فالحلم، والجود، والكرم، وحسن الخلق، والمبادرة إلى الخيرات، والبعد عن السيئات، والحرص على نفع الناس، كل هذا من الأخلاق العظيمة التي تزكي النفوس، كما قال : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾؛ أي: بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ واتباع شريعته، ونفع الناس ورحمتهم، ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾؛ أي: بالمعاصي والمخالفات. والله ولي التوفيق (١). س: ما حكم المُسْبِل ؟ ج: الإسبالُ بلبسِ الملابسِ الطَّويلةِ التي تصلُ إلى ما تحتَ الكعبينِ مُحرَّمٌ على الرِّجال، سواءً كان الملبوسُ ثوبًا أو قميصًا أو سروالا أو بنطلونًا أو عباءةً أو غيرَ ذلك؛ لعمومِ قولِهِ ﷺ : «مَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ مِنْ الإِزَارِ فَهُوَ فِي النَّارِ»، أخرجَهُ الإمامُ أحمدُ والبخاريُّ، ولقولِهِ ﷺ : «ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمْ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلا يُزَكِّيهِمِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: الْمُسْبِلُ إِزَارَهُ، وَالْمَنَّانُ فِي مَا أَعْطَى، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ»، أخرجَهُ مسلمٌ في «صحيحِه»، والإمامُ أحمدُ في «مسندِه» (٢). س: ما حكم حجز المكان في المسجد إذا أراد الشخص الخروج للوضوء ؟ ج: حجز المصلي المكان في المسجد لا يجوز؛ لأنه تحجر شيئًا لا يملكه، والمساجد بيوت الله من سبق إلى مكان فيها فهو أحق به، ومما

стр. 406

يدل على ذلك حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يقيم الرجل -يعني: أخاه- من مقعده ويجلس فيه». أخرجه مسلم. وأما إذا جلس في مكان ثم عرض له عارض من وضوء ونحوه فهو أحق بمجلسه من غيره إذا قام لحاجته ثم رجع إليه؛ لما أخرج مسلم، وأبو داود، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به»، وفي «سنن الترمذي»، عن وهب بن حذيفة الغفاري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «الرجل أحق بمجلسه، فإذا خرج لحاجة ثم عاد فهو أحق بمجلسه» (١). س: ما هو الزي الإسلامي بالنسبة للمرأة ؟ ج: الزِّيُّ الإسلاميُّ بالنِّسبةِ للمرأةِ: أنْ تسترَ جميعَ بدنِها عن الرِّجالِ غيرِ المحارم، بثيابٍ ضافيةٍ واسعةٍ غيرِ شفَّافة، ليس فيها زينةٌ، وأنٍ تُغطِّيَ وجهَهَا عن الرِّجال؛ لأنَّ وجهَها هو موضعُ الفتنة؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾، والمرادُ بالحجابِ: السِّترُ الذي يحصلُ به سترُ جميعِ بدنِ المرأةِ عن الرِّجال، بما في ذلك وجهُها، وقالَ تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾، والخمارُ: غطاءُ الرَّأس، أمرَ اللهُ سبحانَه بإضفائِهِ على النَّحرِ وهو: فتحةُ الجيبِ على الصَّدر، ويلزم من ذلك أن يمرَّ بالوجهِ ويسترَه، إلى غيرِ ذلك من الأدلَّةِ الدَّالَّةِ على وجوبِ الحجاب (٢). * * *

стр. 407

س: امرأة لها أب علم بأنها تحجبت عن الرجال فقطعها، فما الحكم في ذلك ؟ ج: إذا كانَ الواقعُ ما ذُكِرَ؛ فلا يضرُّها قطعُ والدِها لها، بل لا يجوزُ له ذلك؛ لأنَّ عملَها طاعةٌ لله، وتركَ الحجابِ معصيةٌ، فلا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالق، وهو آثمٌ فيما فعلَ، هداه الله (١). س: ما حكم لبس الملابس الرياضية التي تحمل شعارات خاصة بالكفار، مثل الفنايل الرياضية التي عليها شعارات إيطاليا أو ألمانيا أو أمريكا، أو التي مكتوب عليها أسماء بعض اللاعبين الكفار ؟ ج: الملابسُ التي تحملُ شعاراتِ الكُفَّار فيها تفصيلٌ كما يلي: ١ - إن كانتْ هذه الشِّعاراتُ ترمزُ إلى دياناتِ الكُفَّارِ كالصَّليب، ونحوِه، ففي هذه الحالِةِ لا يجوزُ استيرادُ هذه الملابسِ ولا بيعُها ولا لبسُها. ٢ - إنْ كانت هذه الشِّعاراتُ ترمزُ إلى تعظيمِ أحدٍ من الكفَّارِ بوضعِ صورتِهِ أو كتابةِ اسمِهِ ونحوِ ذلك؛ فهي أيضًا حرامٌ، كما سبق. ٣ - إذا كانت هذه الشِّعاراتُ لا ترمزُ إلى عبادةٍ ولا تعظيمِ شخص، وإنَّما هي علاماتٌ تجاريَّةٌ مباحة، وهي ما يُسمَّى بالماركاتِ؛ فلا بأسَ بها (٢). * * *

стр. 408

س: هل يجوز استعمال الأقلام المحلاة بالذهب أوْ لا ؟ ج: ثبتَ في الصَّحيحيْنِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن الشُّربِ والأكلِ في آنيةِ الذَّهبِ والفِضَّة، فقال: «لا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا، فَإِنَّهَا لَكُمْ فِي الآخِرَةِ، وَلَهُمْ فِي الدُّنْيَا»، وقال: «مَنْ شَرِبَ فِيهِمَا فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْ فِيهِمَا فِي الآخِرَةِ»، وقال: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ»، ولم يثبتْ عنهُ فيما نعلمُ النَّهيُ عن استعمالِهما في غيرِ الأواني واللِّباسِ وخواتمِ الذَّهبِ للرِّجال؛ فكان استعمالُ الأقلامِ المُحلاةِ بالذَّهبِ في الكتابةِ محلَّ نظرٍ واجتهاد، والأقربُ تحريمُ استعمالِها؛ لأنَّه مَظنَّةُ السَّرَفِ والخُيَلاء، ومظهرٌ من مظاهرِ الكِبر، فوجبَ إلحاقُها بأواني الذَّهبِ والفِضَّةِ في تحريمِ الاستعمالِ بجامعِ العلَّةِ المذكورة (١). س: هل يجوز للمرأة أن تصلي بثياب رجل ؟ ج: يحرمُ على المرأةِ أن تلبسَ ثيابَ الرِّجالِ مُطلقًا، سواءً في الصَّلاةِ أو غيرِها، لما رواهُ البخاريُّ في «صحيحِهِ» عن ابنِ عبَّاس، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَعَنَ اللهُ الْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ، وَالْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ»، ولما رواهُ الإمامُ أحمدُ وأبو داودُ من حديثِ أبي هريرةَ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ لعنَ الرَّجلَ يلبسُ لبسةَ المرأةِ، والمرأةَ تلبسُ لبسةَ الرَّجل» (٢). * * *

стр. 409

س: كثر في هذا العصر عدم الاهتمام بتحية أهل الجنة، وهي: السلام، فالكثير من الناس عندما تسلم عليه يرد عليك بكلمة: أهلا وسهلا . ج ١: البدءُ بالسَّلامِ سُنَّة؛ لما فيهِ من تكريمِ المسلمين بعضهم بعضًا، وتذكيرِهم بخالقِهم (السَّلام) وتأليفِ القلوب، وإشاعةِ المحبَّة، والدُّعاءِ لهم بالسَّلامة، وقد ثبتَ في «صحيحِ مسلم»، عن أبي هريرةَ ﵁، قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَمْرٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ»، وردُّ تحيَّةِ السَّلامِ واجبٌ بالمثل، والزِّيادةُ عليها مندوبةٌ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ الآية، ولما وردَ في سننِ النَّسائيِّ والتِّرمذيِّ، عن عمرانَ بنِ حُصين: «أن رجلا جاءَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقال: السَّلامُ عليكم يا رسول الله، فردَّ ﵇ ثم جلس، فقال: «عَشْرٌ»، ثم جاءَ آخرُ فقال: السلامُ عليكمْ ورحمةُ اللهِ يا رسولَ اللهِ، فردَّ عليهِ ثم جلس، فقال: «عِشْرُونَ»، ثم جاءَ آخرُ فقال: السَّلامُ عليكمْ ورحمةُ اللهِ وبركاته، فردَّ ﵇ ثم جلس، فقال: «ثَلاثُونَ»، وأمَّا ردُّ تحيَّةِ السَّلام بـ: (أهلا وسهلا) فقطْ فلا تكفي في الرَّدِّ (١). س: ما هو ضابط التوسل بالله جل وعلا ؟ ج: التوسل بالله وبأسمائه وصفاته مشروع للمسلم، وهو من أسباب إجابة الدعاء؛ لقول الله : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، ولما ثبت عنه ﷺ في أحاديث كثيرة من التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته.

стр. 410

ويشرع التوسل أيضا إلى الله -سبحانه- بالإيمان به وبمحبته وبسائر الأعمال الصالحة، ومن ذلك محبة أنبياء الله ورسله والمؤمنين من عباده، ومن ذلك التوسل ببر الوالدين والعفة عن الزنا، وأداء الأمانة؛ للحديث الصحيح الوارد في قصة أصحاب الغار الذين انطبقت عليهم الصخرة، وعجزوا عن دفعها، وكانوا ثلاثة، فدعوا الله -سبحانه- وتوسلوا إليه بأعمالهم الصالحة، فانزاحت عنهم الصخرة، وحديثهم ثابت في الصحيحين، وكان أحدهم توسل ببره لوالديه، والثاني بعفته عن الزنا بعد القدرة، والثالث بأدائه الأمانة لأصحابها، والله الموفق (١). س: يقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، ما حق من دعا الله بأسمائه الحسنى؟ أيتوسل بعشرة أسماء من أسمائه أو أكثرها أو يتوسل بالاسم المقتضي لذلك المطلوب المناسب لحصوله ؟ ج: دعاءُ اللهِ بأسمائِهِ الحسنى، والتَّوسُّلُ إليهِ بها مشروع؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، ولما ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ»، وللدَّاعي أنْ يتوسَّلَ إلى اللهِ بأيِّ اسمٍ من أسمائِهِ الحسنى، التي سمَّى بها نفسَه، أو سمَّاهُ بها رسولُهُ ﷺ ، ولو اختارَ منها ما يناسبُ مطلوبَه؛ كان أحسن، مثل: يا مغيثُ أغثني، ويا رحمانُ ارحمني، ربِ اغفرْ لي وارحمنِي إنَّك أنتَ التَّوابُ الرَّحيم (٢). * * *

стр. 411

س: هل يجوز أن يقال: (أستغفر الله عدد ما خلق) ؟ ج: الواردُ عن النَّبيِّ ﷺ فيما نعلمُ أنَّه كان يقول: «سُبحَانَ اللهِ عَدَدَ خَلْقِهِ»، فقد روى مسلمٌ في «صحيحِه» عن ابنِ عبَّاسٍ، عن جويرية: أنَّ النَّبيَّ ﷺ خرجَ من عندِها بكرةً حين صلَّى الصُّبح، وهي في مسجدِها، ثم رجعَ بعد أنْ أضحى وهي جالسة، فقال: «مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟» قالت: نعم، قالَ النَّبيُّ ﷺ : «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ»، وفي لفظٍ لمسلمٍ أيضًا: عن ابنِ عبَّاسٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «سُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ». أمَّا الاستغفار: فالثابت عنهُ ﷺ أنَّه كان يُكثِرُ الاستغفار، وأنَّهُ كان يستغفرُ اللهَ في اليومِ مائةَ مرَّة، وقد جاءتْ الآياتُ والأحاديثُ في الحث على الاستغفارِ، وفضلِ المستغفرين، فقالَ اللهُ تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾، وقالَ تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى...﴾ الآية، وصحَّ عن النَّبيِّ ﷺ في الحديثِ الذي رواهُ شدَّادُ بنُ أوسٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنْتَ قَالَ: «وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ»، أخرجَهُ البخاريُّ في «صحيحِه»، وأخرجَ التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ والإمامُ أحمدُ نحوَه.

стр. 412

فيُشرعُ لكلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ أنْ يحرصَ على ألا يفوتَهُ هذا الفضلُ الكبيرُ والثوابُ العظيم، وأنْ يقتصرَ على ما وردَ عن اللهِ وعن رسولِهِ ﷺ . وأمَّا الصِّيغةُ المذكورةُ في السُّؤالِ: فلا أصلَ لها بهذا اللَّفظ، فالأَوْلى تركُها؛ لأنَّ الذِّكرَ والاستغفارَ عبادةٌ لا يصحَّانِ إلا بتوقيف (١). س: هل يصاب الإنسان المؤمن بمس من الجن أي: يدخله جان وهو محافظ على الأذكار اليومية؟ وهل هناك أذكار خاصة للتحصن من الجن؟ أفيدونا جزاكم الله خير الجزاء، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ج: اللهُ سبحانَهُ أمرَ بالاستعاذةِ بهِ جلَّ وعلا من همَزاتِ الشَّياطين ومن حضورِهم في مسكنٍ أو عند مطعمٍ أو شربٍ أو منكح، فقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾، وثبتَ أنَّ «مَن نزلَ منزلا فقال: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلا ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ، حَتَّى يَرْتَحِلَ»، وثبتَ أنَّ «مَن قرأ آيةَ الكرسيِّ عندَ نومِهِ لم يقربْهُ شيطانٌ حتى يُصبح»، وثبتَ أنَّ «مَن قالَ في يومٍ مائةَ مرَّة: (لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، لهُ الملكُ ولهُ الحمد، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٍ) كانت له حِرزًا من الشَّيطانِ يومَه كلَّه»، وفي «سننِ التِّرمذيِّ» وغيرِه، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «قل: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) والمعوذتينِ حينَ تُمسي وحين تُصبح ثلاث مرَّات تَكْفِيك من كُلِّ شيء»، وقالَ التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ. وغيرُ ذلك من الأدعيةِ الواردة (٢).

стр. 413

س: هل هناك أدعية يدعو بها المرء لأقاربه وأصدقائه المرضى لكي يزول عنهم المرض؟ وما هي هذه الأدعية ؟ ج: المشروعُ أنْ يُرقَى المريضُ بالرُّقيةِ الشَّرعيَّة، فقد أباحَ النَّبيُّ ﷺ الرُّقيةَ ما لم تكنْ شركًا، فيُرقى المريضُ بمثلِ تلاوةِ سورةِ الإخلاصِ والمعوِّذتيْن والفاتحةِ وآيةِ الكرسيِّ، ونحوِ ذلك على المريض، وقد ثبتَ ذلك عن النَّبيِّ ﷺ بفعلِهِ وإقرارِهِ لأصحابِه، وكذلك يُرقى المريضُ بالأذكارِ والدَّعواتِ النَّبويَّةِ الثابتةِ عنه ﷺ مثل: «اللَّهمَّ أَذْهِبِ الْبَاسَ، رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لا شِفَاءَ إِلا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا»، مُتَّفقٌ عليه، ومثل: «أُعِيذُكَ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ»، وقد أخرجَ أبو داودَ والتِّرمذيُّ بسندٍ صحيحٍ عن ابنِ عباسٍ ﵄، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا، لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مِرَارٍ: أَسْأَلُ اللهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ، إِلا عَافَاهُ اللهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ»، ونحو ذلك ممَّا وردَ عنهُ ﷺ (١). س: ما هي الأدعية التي تقال لغرض التخلص من وسوسة الشيطان ؟ ج: يدعو الإنسان بما يسر الله له من الدعوات، مثل أن يقول: (اللهم أعذني من الشيطان، اللهم أجرني من الشيطان، اللهم احفظني من الشيطان، اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم احفظني من مكايد الشيطان)، ويكثر من ذكر الله، وقراءة القرآن، ويتعوذ بالله من وسوسة الشيطان الرجيم ولو في الصلاة.

стр. 414

وإذا غلب عليه الوسواس في الصلاة شرع له أن ينفث عن يساره (ثلاث مرات)، ويتعوذ بالله من الشيطان ثلاثا؛ لأنه قد صح عن رسول الله ﵊ أنه شكى إليه عثمان بن أبي العاص الثقفي ﵁ ما يجده من الوساوس في الصلاة، فأمره أن ينفث عن يساره ثلاث مرات، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وهو في الصلاة ففعل ذلك، فذهب عنه ما يجده. والحاصل: أن المؤمن والمؤمنة إذا ابتليا بهذا الشيء فعليهما: أن يجتهدا في سؤال الله العافية من ذلك، وأن يتعوذا بالله من الشيطان كثيرا ويحرصا على مكافحته في الصلاة وفي غيرها. وإذا توضأ فليجزم أنه توضأ ولا يعيد الوضوء، وإذا صلى يجزم أنه صلى ولا يعيد الصلاة، وكذلك إذا كبر لا يعيد التكبير؛ مخالفة لعدو الله، وإرغاما له، ولا ينبغي أن يخضع لوساوسه، بل يجتهد في التعوذ بالله منها، وأن يكون قويا في حرب عدو الله حتى لا يغلب عليه (١). س: ما السر في أن الإنسان يدعو فلا يستجاب له ؟ ج: اللهُ سبحانَهُ أمرَ بالدُّعاءِ وحضَّ عليه، ووعدَ بالإجابةِ، فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، وقالَ تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، وقالَ تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾، ولكن قد يؤخِّرُ اللهُ الإجابةَ لحكمةٍ يُريدُها الله، ومصلحةٍ لعبدِه، وقد يعطيه اللهُ خيرًا ممَّا طلبَ لما ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَدْعُو اللهَ بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلا قَطِيعَةُ

стр. 415

رَحِمٍ، إِلا أَعْطَاهُ اللهُ بِهَا إِحْدَى ثَلاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا»، قالوا: يا رسولَ الله: إذًا نُكثِر، قال: «اللهُ أَكْثَرُ»، وقد يكونُ المانعُ من الإجابةِ من ذاتِ الدَّاعي نفسِهِ من كونِهِ أتى في دعائِهِ بإثمٍ أو قطيعةِ رحمٍ أو اعتداءٍ في السُّؤالِ أو أكلِ حرامٍ، ونحوِ ذلك، فينبغي للدَّاعي أنْ يُخلِصَ للهِ في دعائهِ، ويبتعدَ عن الأسبابِ التي تحولُ بينَهُ وبين الإجابة، وأن يتحرَّى أوقاتَ الإجابة، كثُلُثِ اللَّيلِ الأخير، وبين الأذانِ والإقامة، ويومِ الجُمُعَة، فقد وردَ أنَّ فيها ساعةً لا يُوافِقُها عبدٌ يسألُ اللهَ شيئًا إلا أعطاهُ اللهُ إيَّاه، وفي حالةِ السُّجودِ في الصَّلاة؟ لحديث: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ»، ودعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب، ودعوة الصائم والمسافر والوالد على ولده ونحو ذلك، وينبغي أن يُلِحَّ العبدُ على ربِّهِ في مسألتِه، ويكثرَ الدُّعاءَ لعلَّ اللهَ أنْ يستجيبَ لدعائِه، فالدُّعاءُ له فضلٌ كبيرٌ، ولو لم يكنْ فيه إلا الخضوعُ والذُّلُّ للهِ تعالى، وإظهارُ الافتقارِ إليه، والتبرؤُ من الحولِ والقُوَّة، والثناءُ على الله، وإضافةُ الجودِ والكرمِ إليه، لكان في ذلك خيرٌ ممَّا طلب، ولذلك قالَ الرَّسولُ ﷺ : «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ»، أخرجَهُ الإمامُ التِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ، وأخرجَهُ أبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجَه في سنَنِهم (١). س: ما أنجع دعاء يدعو الإنسان به ربه لكي يتخلص من ضيق الصدر ؟ ج: كشفُ الغُمَّةِ وتفريجُ الكُربَةِ وشرحُ الصُّدورِ بيدِ اللهِ وحدَه، فإذا

стр. 416

أُصِبْتَ بكربٍ وضيقِ صدرٍ فافزعْ إلى اللهِ وحدَه، واطلبْ منه أنْ يكشفَ ما نزلَ بك، وافعلْ ما كانَ يفعلُ رسولُ اللهِ ﷺ ، فإنَّه كان إذا حزَبَهُ أمرٌ واشتدَّ بهِ الكربُ فزعَ إلى الصَّلاة، وعلَّمنا أنْ نقولَ عندَ الكربِ: «لا إِلهَ إِلا اللهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لا إِلَهَ إِلا اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لا إِلَهَ إِلا اللهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ» (١). س: رفع اليدين عند الدعاء هل هو مطلق أم مقيد، وهل يتأكد في مواضع معينة ؟ ج: الأصلُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا اجتهدَ في الدُّعاءِ رفعَ يديْهِ، وقال: «إِنَّ اللهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا»، ولعمومِ حديث: «وَذَكَرَ الْعَبْدَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ»، وقد رفعَ النَّبيُّ ﷺ يديْهِ يومَ استسقى على المنبرِ يومَ الجمعة. وأمَّا عقبَ الفرائضِ فلا يُشرعُ رفعُ اليديْن، وكذلك الدُّعاءُ على المنبرِ لا يُشرعُ رفعُ اليديْن فيه في غيرِ الاستسقاء؟؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يفعلْه، ولم يفعلْهُ خلفاؤُهُ الرَّاشدون، والخيرُ كلُّه في اتِّباعِهم (٢). س: إذا عمل الإنسان ذنوبًا كثيرة ومعاصي وسيئات وكبائر وتاب إلى الله توبة صادقة نصوحًا فهل يحاسب أو يعذب في النار يوم القيامة، والآية القرآنية تقول: التائب من الذنب كمن لا ذنب له .

стр. 417

ج: إذا تابَ العبدُ من ذنوبِهِ وصدقَ في توبتِهِ؛ فإنَّ اللهَ يقبلُها، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، وهذه الآيةُ في التَّائبينَ بإجماعِ أهلِ العلم. أمَّا قولُك: الآيةُ القرآنيَّة... إلخ فنفيدُكَ بأنَّها ليستْ آيةً من القرآن، وإنَّما ذلك ما وردَ في الحديثِ الصَّحيحِ عن النَّبيِّ ﷺ ، فالواجبُ عليك التَّثبُّتُ فيما تنقلُهُ عن القرآنِ الكريمِ، وعن السُّنَّة، حتى لا تقولَ على اللهِ ولا على رسولِهِ ﷺ غيرَ الحقِّ (١). س: إني في سن ١٥ سنة، وبدأت الصَّلاة في السن العاشرة من عمري، ورغم ذلك فإني أريد التوبة إلى الله أكثر، كيف تكون هذه التوبة لله؟ أريد أن أعرفها مفصلة كما في القرآن ؟ ج: التَّوبةُ هي: التَّخلي والرُّجوعُ عن الذُّنوبِ والمعاصي من فعلِ مُحرَّمٍ أو تركِ واجب، ولها شروطٌ هي: ١ - تركُ الذَّنبِ، والتَّخلي عنه والمعصيةِ والإقلاعُ عنها. ٢ - النَّدمُ على الذُّنوبِ التي فعل. ٣ - العزمُ على عدمِ العودةِ إلى الذَّنبِ. وإذا كان منها أخذُ أموالِ النَّاسِ من اغتصابٍ أو سرقةٍ أو احتيالٍ فيجبُ عليه إرجاعُها عليهم، أو أيُّ حقٍّ للنَّاسِ فيُطلبُ منهم أنْ يُحلِّلوهُ منه، والواجبُ على المسلمِ التَّوبةُ الصَّادقةُ المستمرَّةُ من جميعِ الذُّنوبِ صغيرِها

стр. 418

وكبيرِها؛ لقولهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، ولما رَوى مسلمٌ، عن الأغرِّ المزنيِّ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» (١). س: لقد عدت إلى الله وتبت من جميع الذنوب أسأل الله المغفرة وقد سمعت أن التائب يلزمه أن يصلي ركعتين لا يوسوس فيها، ثم يتوب بعدها أو في أثناء الصَّلاة، وقد سألت أخًا لي في الله، فقال: لا بل التوبة بدون ذلك، في أي وقت تتوب، وليس عليك أن تصلي. فماذا أفعل أرشدوني جزاكم الله عنا خيرًا ؟ ج: لا يُشترطُ لصحَّةِ التَّوبةِ أن تُصلِّيَ ركعتيْن، وإنَّما يُشترطُ الإقلاعُ عن الذَّنبِ، والعزمُ ألا تعودَ إليه، والنَّدمُ على ما فات، والتَّخَلُّصُ من حقوقِ الخلق، واللهُ يتوبُ علينا وعليك، ولكن من تطهَّرَ وصلَّى ركعتيْنِ، ثم تابَ إلى اللهِ سبحانَهُ بالنَّدمِ على ما مضى والإقلاعِ عن ذلك، والعزمِ الصَّادقِ ألا يعودَ فيه؛ كان ذلك أكملَ وأقربَ إلى قبولِ التَّوبة؛ لما ثبتَ عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَيَسْتَغْفِرُ اللهَ إِلا غُفِرَ لَهُ»، أخرجَهُ الإمامُ أحمدُ في «المسند» (٢). * * *

стр. 419

س: رجل نصراني وعند موته قال: لا إله إلا الله، فهل يحكم بأنه مسلم ؟ ج: من نطق بالشهادتين قبل بلوغ الروح الحلقوم، ولم يكن يقولها في صحته ويتعاطى أنواع الشرك الأكبر، ثم مات فإنه يعد بذلك مسلما، ويعامل معاملة المسلمين من حيث التغسيل والصلاة عليه، والدفن والدعاء له بالمغفرة والرحمة، يدل لذلك قول النبي ﷺ : «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر». رواه أحمد، والترمذي، وغيرهما. وكما تدل عليه قصته ﵊ مع عمه أبي طالب وهي: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال: «أي عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله»، فقال أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه، ويعودان لتلك المقالة؛ حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، قال رسول الله ﷺ : «والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك»، فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، وأنزل الله في أبي طالب قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، متفق عليه، فقد عرض عليه الشهادة، وهو على فراش الموت، لكنه أبى النطق بها. وفي صحيح البخاري: أن النبي ﷺ عاد غلامًا يهوديًّا في مرضه، وعرض عليه الإسلام فأسلم، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: «الحمد لله الذي

стр. 420

أنقذه بي من النار»، لكن من آمن بالله ولم يؤمن برسوله ﷺ فلا يدخل في الإسلام (١). س: ما هو الزهد، هل الزهد لبس الثياب المرقوعة، وصيام الدهر، والابتعاد عن المجتمع، أو غير ذلك؟ إن كان غير ذلك، ما الدليل ؟ ج: ليس الزُّهدُ لبسَ المُرَقَّعِ من الثياب، ولا اعتزالَ النَّاسِ، والبعدَ عن المجتمع، ولا صيامَ الدَّهر؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ سيِّدُ الزَّاهدين، وكان يلبسُ الجديدِ من الثياب، ويتزيَّنُ للوفودِ وفي الجُمَعِ والأعياد، ويخالطُ النَّاس، ويدعُوهم إلى الخيرِ ويُعلِّمُهم أمورَ دينِهم، وكان ينهى أصحابَه ﵃ عن صيامِ الدَّهر، وإنَّما الزُّهدُ التَّعفُّفُ عن الحرامِ وما يكرهُهُ اللهُ تعالى، وتجنُّبُ مظاهرِ التَّرفِ والإفراطِ في مُتَعِ الدُّنيا، والإقبالُ على عملِ الطَّاعات، والتَّزوُّدُ للآخرةِ بخيرِ الزَّاد، وخيرُ تفسيرٍ لهُ سيرةُ النَّبيِّ ﷺ العمليَّة (٢). س: ما حكم الأدوية المسهرة للطلاب للمذاكرة والسائقين في الرحلات الطويلة ؟ ج: ضررُها أكثرُ من نفعِها، وكلُّ ما كان كذلك فهو مُحرَّم، ثم يمكنُ الاستغناءُ عن هذه الأدويةِ بما هو أنفعُ منها مع السَّلامةِ من آفاتِها وعواقبِها

стр. 421

الوخيمة، إذ يمكنُ الطُّلابُ أنْ يُوزِّعوا مذاكرةَ العلومِ المقرَّرةِ على مُدَّةِ الدِّراسة، وهذا أرسخُ للمعلوماتِ في أذهانِهم، وأعمقُ فهمًا لها، حتى إنَّها لا تكادُ تُنسى، ويمكنُ السَّائقين أن يستريحوا فتراتٍ في رحلاتِهم الطَّويلة، وإن تأخَّروا زمنًا في قطعِ المسافة، لكنَّه أسلَمُ لهم ولمَن ركبَ معهم ولمَن على طريقِهم، ولمواصلاتهم، وأوفقُ للنِّظامِ الذي وُضِعَ لمصلحتِهم (١). س: هل يجوز رفع الصوت عند الوالدين في حالة نقاش في أمور دينية، وهل تقبل دعوتهما إذا دعوا عليك وأنت تريد نصحهما ؟ ج: أمرَ اللهُ بالإحسانِ إلى الوالديْن وبرِّهما والرِّفقِ بهما، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا... رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾، ومن هذه الآيةِ الكريمةِ تعلمُ أنَّه لا يجوزُ رفعُ الصَّوتِ عليهما، بل يجبُ التَّأدُّبُ معهما وخفضُ الجناحِ لهما، أمَّا دعوتُهما على ولدِهما فخطرُها عظيم، وهي حَرِيَّةٌ بالاستجابةِ إذا كان الولدُ ظالمًا لهما (٢). * * *

стр. 422

س: عندما كان عمري ثلاثين عامًا كانت أمِّي تعيشُ في كنفي، وأُنفِقُ عليها وأُوَفِّرُ لها كلَّ ما تطلبُه، إلا أنها رحمة الله عليها كانت عصبيةً، إلى درجةٍ أنها تتشاجرُ معي دائمًا لأتفهِ الأسباب، وكنتُ أحيانًا أغضبُ من كلامِها وصِياحِها لِي؛ فأردُّ عليها بِصوتٍ مرتفعٍ وكلامٍ غيرِ لائق. وقد توفِّيت منذ عشرين عامًا تقريبًا، ومنذ ذلك الوقت وأنا أبكيها، ولا زالَ ضميري يؤنِّبُنِي ويؤرِّقُني، وسأظلُّ أبكي على هذا الذنبِ العظيمِ حتَّى يتوفاني اللهُ، وتكفيرًا عن ذنبي قد حَجَجْتُ لأمِّي حجَّتين، وحججتُ ثالثًا لأمها، وأُخرجُ الصدقاتِ لها، وعندي نَخْلٌ أجعلُ جزءًا منه سبيلا لها؛ فهل لي من توبة؟ وما هي الأعمالُ التي يمكنُ أن أقومَ بها لِيصلَ إليها ثوابُها؟ وما هي شروطُ التوبةِ تجاه من تُوفِّي والده ؟ ج: أوَّلا: أسأتَ في رفعِكَ صوتَك عليها، وكلامِك عليها كلامًا غيرَ لائق؛ لأنَّ ذلك من العقوق، وقد أوجبَ اللهُ برَّ الوالديْن، وحرَّم عقوقَهما في كتابِهِ وعلى لسانِ رسولِهِ ﷺ ، وقد أحسنتَ في ندمِكَ على ما حصلَ من ذلك وتوبتِكَ منه كلِّه، ونرجو أن يتقبَّلَ اللهُ توبتَكَ ويغفرَ ذنبك. ثانيًا: التَّوبةُ النَّصوحُ هي التي تشتملُ على: النَّدمِ على ما وقعَ من الذَّنب، والعزمِ على عدمِ العودةِ إليه. ثالثًا: أحسنتَ في الحجِّ عن أُمِّكَ وعن أُمِّها، وفي الصَّدقةِ عنها، ونرجو أنْ يُكَفِّرَ اللهُ بذلك ذنوبَكَ ويُثيبَكَ على ذلك، وهذا ممَّا ينفعُ اللهُ بهِ والدتَك ووالدتَها، وكذلك الدُّعاءُ بالمغفرةِ والرَّحمةِ ودخولِ الجنَّةِ والنَّجاةِ من النَّار. نسألُ اللهَ لنا، ولكَ التَّوفيقَ والمغفرةَ والرَّحمة (١).

стр. 423

س: ما حكم من يمتنع عن الدعاء لولي الأمر - حفظك الله -. ج: هذا من جهله، وعدم بصيرته؛ لأن الدعاء لولي الأمر من أعظم القربات، ومن أفضل الطاعات، ومن النصيحة لله ولعباده، «والنبي ﷺ لما قيل له: إن دوسا عصت وهم كفار قال: اللهم اهد دوسا وائت بهم». فهداهم الله وأتوه مسلمين. فالمؤمن يدعو للناس بالخير، والسلطان أولى من يدعى له؛ لأن صلاحه صلاح للأمة، فالدعاء له من أهم الدعاء، ومن أهم النصح: أن يوفق للحق وأن يعان عليه، وأن يصلح الله له البطانة، وأن يكفيه الله شر نفسه وشر جلساء السوء، فالدعاء له بالتوفيق والهداية وبصلاح القلب والعمل وصلاح البطانة من أهم المهمات، ومن أفضل القربات، وقد روي عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال: (لو أعلم أن لي دعوة مستجابة لصرفتها للسلطان)، ويروى ذلك عن الفضيل بن عياض ﵀ (١). س: شاب يقول: إن والده توفي وهو غير راض عنه، فماذا يعمل ؟ ج: يجبُ على الشَّابِّ الذي تُوُفِّيَ والدُهُ وهو غيرُ راضٍ عنه التَّوبةُ إلى اللهِ جلَّ وعلا، والاستغفارُ ممَّا حصلَ منه من العقوقِ لوالدِه، وأن يبرَّ والدَّهُ بعدَ موتِهِ بالدُّعاءِ له والاستغفارِ لهِ والصَّدقةِ عنه، وأنْ يُحْسِنَ إلى أقربائِهِ من جهةِ والدِه، وأنْ يبرَّ أصدقاءَ والدِه، وإن كان لهُ وصيَّةٌ شرعيَّةٌ فينفِّذُها على ما في الوصيَّة (٢). * * *

стр. 424

س: ما الحكم في المرأة التي تلعن والديها ووالدي أولادها ؟ ج: صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إِنَّ مِنْ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ» قيل: يا رسولَ الله، وكيف يلعنُ الرَّجلُ والديْه؟ قال: «يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ»، فإذا كان هذا في المُتسبِّبِ في لعنِ النَّاسِ لوالديْه، فكيف بمَن يلعنُ أبويْهِ بنفسِه؟ أو يلعنُ نفسَهُ بنفسِهِ كلعنِ هذه المرأةِ والِدَيْ أولادِها؟ فإنَّهُ أولى بالإثمِ والذَّنبِ وسخطِ اللهِ ولعنتِه، وحَرِيٌّ بهِ أنْ ترجعَ لعنتُهُ عليه، ويدلُّ لذلك ما أخرجَهُ الإمامُ مسلمٌ في «صحيحِهِ» عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁، أنَّه سمعَ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ»، وما روتْهُ أمُّ الدَّرداءِ قالت: سمعتُ أبا الدَّرداءِ يقول: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا لَعَنَ شَيْئًا صَعِدَتِ اللَّعْنَةُ إِلَى السَّمَاءِ فَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ دُونَهَا، ثُمَّ تَهْبِطُ إِلَى الأَرْضِ فَتُغْلَقُ أَبْوَابُهَا دُونَهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ يَمِينًا وَشِمَالا، فَإِذَا لَمْ تَجِدْ مَسَاغًا رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي لُعِنَ، فَإِنْ كَانَ لِذَلِكَ أَهْلا وَإِلا رَجَعَتْ إِلَى قَائِلِهَا»، أخرجَهُ أبو داودَ في «سننه»، فاللَّعنُ محرَّمٌ، ومن أكبرِ الكبائر، فالمسلمُ ليس بالسَّبَّابِ ولا اللَّعانِ ولا الفاحشِ البذيءِ، ويدلُّ لذلك ما رواهُ ابنُ عبَّاسٍ ﵄ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلا اللَّعَّانِ وَلا الفَاحِشِ وَلا البَذِيءِ»، أخرجَهُ التِّرمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ غريب، ولما رواهُ أنسُ بنُ مالكٍ ﵁ قال: لم يكن النبي ﷺ سبَّابًا ولا فحاشًا ولا لعَّانًا، كان يقول لأحدنا عند المعتبة: «مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ»، أخرجَهُ البخاريُّ في «صحيحِه» (١). * * *

стр. 425

س: هل يجوز للرجل أن يغسل أمه أو أباه حيًّا إذا مرض، أو عندما يأتي الوفاة أحدهما، وكذلك المرأة هل يجوز لها أن تغسل أمها أو أباها ؟ ج: المرأةُ إذا ماتتْ تُغسِّلُها النِّساءُ، ولا يُغسِّلُها الرِّجال، لا ابنُها ولا غيرُه، إلا الزَّوجِ، فيجوزُ لهُ أنْ يُغَسِّلَ زوجتَهُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لعائشةَ ﵂: «لَوْ مُتِّ قَبْلِي لَغَسَّلْتُكِ»، ولأنَّ عليًّا ﵁ غسَّلَ فاطمةَ ﵂، والرَّجلُ إذا ماتَ يُغسِّلُهُ الرِّجال، ولا يجوزُ للمرأةِ أنْ تُغسِّلَه، لا أمُّهُ ولا غيرُها، إلا الزَّوجةِ، فيجوزُ لها أنْ تُغَسِّلَ زوجَها؛ لأنَّ أسماءَ بنتَ -عميسٍ ﵂ غسَّلتْ زوجَها أبا بكرٍ ﵁ حينما أوصَاها بذلك، وأمَّا الحيُّ المريضً من الأبِ والأُمِّ فيجوزُ تغسيلُهُ لكلٍّ منهما، مع سترِ العورةِ، وعدمِ مسِّها بدونِ حائلٍ من وراءِ السِّتر (١). س: من هم الأرحام، وما حكم من يقطع رحمه ؟ ج: ذووا الأرحامٍ هم: كلُّ مَن تربطُهُ بكَ رابطةُ نسب؛ كالأبويْن والجدِّ والجدَّةِ وإنْ عَلَيا، وكالولدِ وولدِ الولدِ ذكرًا كان أو أنثى، وإنْ نَزَلا، وكالإخوةِ والأخواتِ وأولادِهم، وكالأعمامِ والعماتِ وأولادهم، وقطيعةُ أحدٍ منهم بغيرِ مُوجبٍ شرعيٍّ كبيرةٌ من كبائرِ الذُّنوب؛ لقولِهِ تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾، وفي الصَّحيحِ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ»، رواهُ مسلمٌ في «صحيحه» (٢).
следующие страницы →