← Фатава

Фатава · id 30275

المنتقى من فتاوى الأئمة الأعلام

عبد الرحمن الحميزي

Полный текст (445 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المنتقى من فتاوى الأئمة الأعلام تقديم معالي الشيخ محمد بن حسن بن عبد الرحمن آل الشيخ عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للفتوى

стр. 2

المنتقى من فتاوى الأئمة الأعلام

стр. 3

عبد الرحمن محمد إبراهيم الحميزي ١٤٤١ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الحميزي، عبد الرحمن محمد إبراهيم المنتقى من فتاوى الأئمة الأعلام عبد الرحمن محمد إبراهيم الحميزي - الرياض ١٤٤١ هـ ٤٧١ ص؛ ١٧×٢٤ سم ردمك: ٣ - ٢٨١٢ - ٠٣ - ٦٠٣ - ٩٧٨ ١ - الفتاوى الشرعية ٢ - الفقه الحنبلي أ. العنوان ديوي ٢٥٨. ١ ٤١٧١/ ١٤٤١ رقم الإيداع: ٤١٧١/ ١٤٤١ ردمك: ٣ - ٢٨١٢ - ٠٣ - ٦٠٣ - ٩٧٨ حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى (١٤٤٢ هـ - ٢٠٢١ م) دار طيبة الخضراء للنشر والتوزيع من أراد طباعة هذا الكتاب يرجى التواصل مع دار طيبة الخضراء

стр. 4

المنتقى من فتاوى الأئمة الأعلام تقديم معالي الشيخ محمد بن حسن بن عبد الرحمن آل الشيخ عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للفتوى طبع على نفقة فاعل خير غفر الله له ولوالديه وذريته وللمسلمين دار طيبة الخضراء للنشر والتوزيع علم ينتفع به

стр. 5

مقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه، ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا وسيئاتِ أعمالنا، من يَهْدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريك له، وأشهدُ أن محمَّدًا عبده ورسوله. أما بعد: فإن من أفضل ما يشتغلُ به المشتغلون وخيرَ ما يعملُ به العاملون؛ نشرُ علمٍ نافعٍ تحتاجُ إليه الأمة، يهديها من الضلالة، وينقذها من الغواية، وكيف لا يكون كذلك، وقد حضَّ اللهُ تعالى عليه بقوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. وإن من أكبر نعم الله علينا أن حفظ هذا الدين برجاله المخلصين، وهم العلماء العاملون، الذين كانوا أعلامًا يهتدى بهم، وأئمة يقتدى بهم، فهم السياج المتين الذي حال بين الدين وأعدائه، والنور المبين الذي تستنير به الأمة عند اشتباه الحق وخفائه، وهم ورثة الأنبياء في أممهم، وأمناؤهم على دينهم، وهم شهداء الله في أرضه، فليس في الأمة كمثلهم ناصحًا مخلصًا يُعَلِّمُون أحكام الله ويعظون عباد الله ويقودون الأمة لما فيه الخير والصلاح، هم أهل الخشية، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.

стр. 6

فجزاهم الله خير الجزاء على ما بذلوه ويبذلونه من جهد عظيم لخدمة هذا الدين، ونسأل الله لهم حسن المثوبة والدرجات العلا. وإن مما يلزم التنبيه عليه أنه ينبغي على الأمة أن تعرف لعلمائها حقَّهم، ومن ذلك نشر علمهم بين الأمة حتى يستفيد العام والخاص منه. ومن هذا المنطلق استعنت بالله على انتقاء بعض فتاوى الأئمة الأعلام، مما تمس الحاجة إليه، ويكثر السؤال عنه، مقتديًا في ذلك بالسلف الصالح ﵏، فقد انتقى علماء السلف من كلام النبي ﷺ ، ومن كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان ﵃، ما تكثر الحاجة إليه من الأحكام والعقائد والآداب وغيرها، ومن ذلك: «المنتقى من عمل اليوم والليلة»؛ لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، و «المنتقى من السنن المسندة»؛ لعبد الله بن علي بن الجارود، و «المنتقى من أخبار المصطفى»؛ لمجد الدين عبد السلام ابن تيمية، وغيرها. وقد انتقيت هذا الكتاب بفضل الله تعالى من عشرات المجلدات من فتاوى الأئمة الأعلام المعاصرين، وحرصت على أن تكون هذه الفتاوى مما يحتاج إليه المسلم في غالب أمور دينه ويكثر السؤال عنه. وإنِّي أقترحُ على القارئِ الكريمِ أن يقرأَ مع عائلتِه في بيتِه وبشكلٍ يوميٍّ فتوى من هذه الفتاوى أو اثنتيْنِ أو ثلاثًا، ويتدارسونَها فيما بينَهم؛ ليستفيدُوا منها الفوائدَ العظيمةَ في الدُّنيا والآخرةِ، من تعلُّمِ العلمِ، وتنزُّلِ السَّكينةِ والطُّمأنينةِ على البيت، وتأليفِ قلوبِ البيتِ الواحدِ ونشرِ المحبَّةِ بينهم... إلخ.

стр. 7

كما أنِّي أقترح على إمامِ المسجدِ أن يقرأَ على جماعةِ مسجدِه من هذه الفتاوى المباركةِ، ويا حبَّذا أن يُراعِيَ الإمامُ الأمورَ التَّالية: ١ - أنْ تكونَ قراءةُ الفتوى بعدَ صلاةِ العشاءِ؛ لكي يحضرَها أكبرُ عددٍ من المصلِّينَ؛ لأنَّه كما هو مشاهدٌ أنَّ قرابةَ نصفِ المصلِّينَ في أكثر المساجد يأتونَ بعدَ إقامةِ الصَّلاة -وأيضًا- يكونُ المصلِّي له الحُرِّيَّةُ إن أحبَّ الاستماعَ؛ جلسَ، وإن أحبَّ الانصرافَ؛ انصرف. ٢ - أن تكونَ القراءةُ بشكلٍ يوميٍّ، وأن لا تزيدَ عن فتوى واحدةٍ إلا إذا كانت الفتوى قصيرةً فلا بأسَ بقراءةِ فتوى أخرى، لكي لا تأخذَ وقتًا طويلا فتسببَ المَللَ، ولكي يستمعَ لها أكبرُ عددٍ مُمكنٍ من المُصلِّين، بل وحتى النساء في البيوت. وإن في إصدار هذا الكتاب فوائد كثيرة منها: ١ - ربطُ النَّاسِ عامَّةً والشَّبابِ خاصَّةً بعلمائِهم الكبارِ الموثوقين. ٢ - إقامةُ مجالسِ ذكرٍ، وإن كان وقتُها قصير؛ يحضرُها الكثيرُ من النَّاسِ لتغشاهم الرَّحمةُ، وتتنزَّلَ عليهم السكينةُ، وتحفَّهم الملائكةُ، ويذكرَهم اللهُ فيمَن عندَه. ٣ - تعليمُ النَّاسِ وإبعادُهم عن الجهلِ الذي هو سببُ كلِّ شرٍّ وفتنةٍ وبليَّة. ٤ - فيها حفظٌ للعبادِ من العقوباتِ والشرور؛ لأنَّ الطَّاعاتِ والأعمالَ الصَّالحةَ سببُ الخيراتِ والبركاتِ، والأمنِ والأمانِ، ورغَدِ العيش، وضدُّها الغفلةُ والجهلُ والمعاصي، فهي سببُ كلِّ شرٍّ وابتلاءٍ وعقوبةٍ، إلى غيرِ ذلك من الفوائدِ والمصالحِ الكثيرةِ جدًّا.

стр. 8

نسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، نافعا لعباده المؤمنين، إنه بكل جميل كفيل وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلَّى اللهُ وسلَّم على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وأجمعين.

стр. 9

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الرئاسة العامة للبحوث العلمية والأفتاء مكتب معالي الشيخ محمد بن حسن آل الشيخ رقم المعاملة: ٤٢٠٠٤٠٦٥ التاريخ: ١٤٤٢/ ٠١/ ١٨ المرفقات: ١ محمد بن حسن بن عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإن مِن سُبل تيسير العلم للناس وتقريبه لهم أن يكون على شكل سؤال وجواب، فإن ذلك يسهل عليهم فهم الأحكام الشرعية، ويعينهم على العمل بها، ومن هذا المنطلق قام الشيخ عبد الرحمن بن محمد الحميزي وفقه الله بانتقاء بعض فتاوى اللّجنة الدائمة مما تمس حاجة الناس إليه من أمور دينهم، ويكثر السؤال عنه، وهو عمل مفيد جدا، فجزاه الله خيرا، ونفع به الإسلام والمسلمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للفتوى محمد بن حسن بن عبد الرحمن آل الشيخ

стр. 10

فتاوى العقيدة

стр. 11

فتاوى العقيدة س: ما حدُّ التوحيد وما أقسامه ؟ ج: حدُّ التوحيد الجامع لكل أنواعه هو: علمُ العبدِ واعتقادُه واعترافُه وإيمانُه بتفرُّدِ الربِّ بكلِّ صفةِ كمال، وتوحده في ذلك، واعتقاد أنه لا شريك له، ولا مثيل له في كماله، وأنه ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، ثم إفراده بأنواع العبادة، فدخل في هذا التعريف أقسام التوحيد الثلاثة. أحدها: توحيد الربوبية، وهو الاعتراف بانفراد الرب بالخلق والرَّزْق والتدبير والتربية. الثاني: توحيد الأسماء والصفات، وهو إثبات جميع ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله محمد ﷺ ، من الأسماء الحسنى وما دلت عليه من الصفات، من غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل. الثالث: توحيد العبادة، وهو إفراد الله وحده بأجناس العبادات وأنواعها، وإفرادها، وإخلاصها لله من غير إشراك به في شيء منها. فهذه أقسام التوحيد التي لا يكون العبد موحدا حتى يلتزم بها كلها ويقوم بها (١). * * *

стр. 12

س: ما هي أنواعُ التَّوحيدِ مع تعريفِ كلٍّ منها ؟ ج: أنواعُ التَّوحيدِ ثلاثةٌ: توحيدُ الرُّبُوبِيَّة، وتوحيدُ الإلَهِيَّة، وتوحيدُ الأسماءِ والصِّفات، فتوحيدُ الرُّبوبيَّة: هو إفرادُ اللهِ تعالى بالخلقِ والرَّزقِ والإحياءِ والإماتَةِ وسائرِ أنواعِ التَّصريفِ والتَّدبيرِ لملكوتِ السماواتِ والأرض، وإفرادُه تعالى بالحُكمِ والتَّشريعِ بإرسالِ الرُّسلِ وإنزالِ الكُتُب، قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، وتوحيدُ الإلهيَّة: هو إفرادُ اللهِ تعالى بالعبادةِ؛ فلا يُعبدُ غيرُه، ولا يُدعى سواه، ولا يُستغاثُ ولا يُستعان إلا به، ولا يُنذَرُ ولا يُذبحُ ولا يُنحرُ إلا له، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾، وقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، وتوحيدُ الأسماءِ والصِّفات: هو وصفُ اللهِ تعالى وتسميتُه بما وصفَ وسمَّى به نفسَه، وبما وصفَه وسمَّاهُ به رسولُه ﷺ في الأحاديثِ الصَّحيحة، وإثباتِ ذلك له من غيرِ تشبيهٍ ولا تمثيلٍ ومن غيرِ تأويلٍ ولا تعطيلٍ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ... شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١). س: وجدت في بعض الكتب عبارة (وأنتم أيها المسلمون خلفاء الله في أرضه) فما حكم ذلك ؟ ج: هذا التَّعبيرُ غيرُ صحيحٍ من جهةِ معناه؛ لأنَّ اللهَ تعالى هو الخالقُ لكلِّ شيء، المالكُ له، ولمْ يغبْ عن خلقِهِ ومُلكِه، حتى يَتَّخِذَ خليفةً عنه في أرضِه، وإنَّما يجعلُ اللهُ بعضَ النَّاسِ خلفاءَ لبعضٍ في الأرض، فكلَّما هلَكَ فردٌ أو جماعةٌ أو أُمَّةٌ جعلَ غيرَها خليفةً منها، يَخلُفُها في عمارةِ

стр. 13

الأرض؛ كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾، وقال: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، أي: نوعًا من الخلقِ يخلُفُ مَن كان قبلَهم من مخلوقاتِه (١). س: لماذا سُمِّي الدين الإسلامي (بالإسلام) ؟ ج: لأنَّ مَن دخلَ فيه أسلَمَ وجهَهُ للهِ، واستسلمَ، وانقادَ لكلِّ ما جاءَ عن اللهِ وعن رسول الله ﷺ من الأحكامِ؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ إلى قولِه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وقال: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ (٢). س: ما معنى العبادة ؟ ج: معناها: التألُّهُ والتذلُّلُ للهِ وحدَه، والانقيادُ له سبحانَه بفعلِ ما أمرَ به، وترْكِ ما نهى عنه، وقد عرَّفها العلماءُ بأنَّها: اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يُحبُّهُ اللهُ ويرضاه (٣). * * *

стр. 14

س: أريد تفسير كلمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ؟ ج: شهادةُ (أنَّ لا إلِهَ إلا الله) و (أنَّ محمدًا رسولُ الله) هي الرُّكنُ الأوَّلُ من أركانِ الإسلام، ومعنى (لا إلِهَ إلا الله): لا معبودَ بحقٍّ إلا الله، وهي نفيٌّ، وإثبات. (لا إلَهَ): نافيًا جميعَ العبادةِ لغيرِ الله، (إلا الله) مُثبِتًا جميعَ العبادةِ لله وحدَه لا شريكَ له، ونُوصيكَ بمراجعةِ كتابِ «فتحِ المجيدِ شرحُ كتابِ التَّوحيد» تأليفُ الشَّيخِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ حسن؛ لأنَّه قد بسطَ الكلامَ في ذلك في بابِ «تفسيرِ التَّوحيدِ، وشهادةِ أنَّ لا إِلَهَ إلا الله». وأمَّا كلمةُ (محمَّدٌ رسولُ الله) فمعناها: الإقرارُ برسالةِ محمَّدٍ ﷺ ، والإيمانُ بها، والانقيادُ لها قولا وفعلا واعتقادًا، واجتنابُ كلِّ ما يُنافيها من الأقوالِ والأعمالِ والمقاصدِ والتُّروك، وبعبارةٍ أخرى معناها: طاعتُه فيما أمرَ، وتصديقُه فيما أخبرَ، واجتنابُ ما نهى عنه وزجر، وأن لا يُعبدَ اللهُ إلا بما شرع (١). س: الاستغاثة بالأنبياء والأولياء والصالحين في حياتهم وبعد مماتهم في كشف السوء وجلب الخير والتوسل بهم أيضًا في الحالتين لقضاء الحوائج والمآرب أيجوز ذلك أم لا ؟ ج: أمَّا الاستغاثةُ بالأمواتِ من الأنبياءِ وغيرِهم: فلا تجوز، بل هي من الشِّركِ الأكبر، وأمَّا الاستغاثةُ بالحيِّ الحاضرِ والاستغاثةُ به فيما يقدرُ عليه: فلا حرج؛ لقولِ اللهِ سبحانه في قصَّةِ موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾، أمَّا التَّوسُّلُ بالأحياءِ أو الأمواتِ من الأنبياءِ

стр. 15

وغيرِهم بذواتِهم أو جاهِهِم أو حقِّهم: فلا يجوز، بل هو من البدعِ ووسائلِ الشِّرك (١). س: ما حكم طالب المدد من شخص ميت بأن يقول: مدد يا فلان، وما الحكم في طلبه أيضًا من الأحياء الغير حاضرين لذلك الشخص الطالب للمدد ؟ س: يقول الناس عند النوازل والشدائد: يا رسول الله، وغيره من الأولياء، ويذهبون إلى مقابر الصالحين في حالة المرض ويستغيثون بهم، ويقولون: إن الله يدفع البلاء بهم، نحن نستمدهم لكن نيتنا إلى الله، لأن المؤثر هو الله، هل هذا شرك أم لا، وهل يقال لهم: إنهم مشركون؟ والحال أنهم يصلون ويقرأون القرآن وغيره من العمل الصالح؟ ج: ما يفعله هؤلاء هو الشِّركُ الذي كان عليه أهلُ الجاهليَّةِ الأولى، فإنَّهم كانوا يدعون اللاتَ والعُزَّى ومناةَ وغيرَهم ويستغيثونَ بهم؛ تعظيمًا لهم، ورجاءَ أن يُقرِّبوهم إلى اللهِ ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، ويقولون أيضًا: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، وقد بيَّنَ النَّبيُّ ﷺ أنَّ الدُّعاءَ عبادة، وأنَّها لا تكونُ إلا لله، ونهى اللهُ تعالى عن دعاءِ غيرِه، فقال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، وعلى المسلمين أنْ يقولوا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؛ في كلِّ ركعةٍ من صلواتِهم؛ إرشادًا لهم إلى أنَّ العبادةَ لا تكونُ إلا له، وأنَّ الاستعانةَ لا تكونُ إلا بهِ دونَ الأمواتِ من الأنبياءِ وسائرِ الصَّالحين، ولا يغُرَّنَّك مع ذلك كثرةُ صلاةِ هؤلاءِ وصيامِهم وقراءتِهم، فإنَّهم ممَّن ضلَّ سعيُهم في الحياةِ الدُّنيا وهم يحسبونَ أنَّهم يُحسنون صُنعًا؛ وذلك أنَّها لم تُبنَ على أساسِ التَّوحيدِ الخالص، فكانت هباءً منثورًا، والأدلَّةُ من الكتابِ والسُّنَّةِ على شِركِهِم وإحباطِ عَمَلِهم كثيرة، فراجعْ في ذلك آياتِ القرآنِ، والسُّنَّةَ الصَّحيحةَ، وكُتُبَ أهلِ السُّنَّة، نسألُ اللهَ لنا ولكَ الهداية (٢). س: يقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، ما حق من دعا الله بأسمائه الحسنى؟ أيتوسل بعشرة أسماء من أسمائه أو أكثرها أو يتوسل بالاسم المقتضي لذلك المطلوب المناسب لحصوله ؟ ج: دعاءُ اللهِ بأسمائِه الحُسنى، والتَّوسُّلُ إليه بها مشروع؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، ولما رواهُ الإمامُ أحمدُ من حديثِ ابنِ مسعودٍ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلا أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا»، قال: فقيل: يا رسولَ الله، ألا نتعلَّمُها؟ فقال: «بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهًا»، وللدَّاعي أنْ يتوسَّلَ إلى اللهِ بأيِّ اسمٍ من أسمائِه الحُسنى التي سمَّى بها نفسَه، أو سمَّاهُ بها رسولُه ﷺ ، ولو اختارَ منها ما يُناسبُ مطلوبَه؛ كان أحسنَ، مثل: يا مغيثُ، أَغِثنِي، ويا رحمنُ، ارحمني، ربِّ اغفرْ لي وارحمنِي، إنَّك أنت التَّوابُ الرَّحيم (٣). * * *

стр. 16

س: امرأة استعاذت بالله من زوجها أو العكس فما الحكم ؟ ج: تجبُ إعاذةُ مَن استعاذَ باللهِ تعظيمًا له جلَّ شأنُه؛ فقد أخرجَ أبو داودَ والنَّسائيُّ بسندٍ صحيحٍ، عن ابنِ عمرَ ﵄ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ سَأَلَ بِاللهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنِ اسْتَعَاذَ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِؤُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِؤُوهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ»، وهذا إذا كان المُستعيذُ لا يلزمُه ما استعاذَ منه، أمَّا إنْ كانَ يلزمُه ما استعاذَ منه كالدَّين، وحقِّ الزَّوجِ، والقِصاص، ونحوِ ذلك لم تجبْ إعاذته، والواجبُ عليه أداءُ الحقِّ عليهِ إلا أنْ يسمحَ خصمُهُ عن حقِّه؛ جمعًا بين الأدلَّة (١). س: ما حكم النذر لغير الله ؟ ج: النَّذرُ لغيرِ اللهِ شركٌ؛ لكونِه مُتضمِّنًا التَّعظيمَ للمنذورِ له والتَّقَرُّبَ إليه بذلك، ولكونِ الوفاءِ به لهُ عبادةٌ إذا كان المنذورُ طاعة، والعبادةُ يجبُ أنْ تكونَ للهِ وحدَه بأدلَّةٍ كثيرةٍ، منها: قولُه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ... إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، فَصَرْفُها لغيرِ اللهِ شِرك (٢). * * *

стр. 17

س: ما حكم الاستعانة بقبور الأولياء والطواف بها والتبرك بأحجارها والنذر لهم والإظلال على قبورهم واتخاذهم وسيلة عند الله ؟ ج: الاستعانةُ بقبورِ الأولياءِ، أو النَّذرُ لهم، أو اتِّخاذُهم وسطاءَ عندَ اللهِ بطلبِ ذلك منهم شِركٌ أكبر مخرجٌ من الملَّةِ الإسلاميَّةِ مُوجبٌ للخلودِ في النَّار لمَن ماتَ عليه. أمَّا الطَّوافُ بالقبورِ، وتظليلُها فبدعةٌ يحرمُ فِعْلُها ووسيلةٌ عُظمى لعبادةِ أهلِها من دونِ الله، وقد تكونُ شركًا؛ إذا قصدَ أنَّ الميِّتَ بذلك يجلبُ له نفعًا أو يدفعُ عنه ضُرًّا، أو قصدَ بالطَّوافِ التَّقَرُّبَ إلى الميِّت (١). س: ما هو حكم الذبح للميت الذي يدعي أنه ولي الله ويبنى عليه الجدران ؟ ج: الذَّبحُ لمَن ذكرتَ من الميِّتِ الذي يَدَّعِي أنَّه وليٌّ للهِ نوعٌ من أنواعِ الشِّرك، وذابِحُها للوليِّ مُشركٌ ملعونٌ، وهي ميتةٌ يحرمُ على المسلمِ الأكلُ منها؛ لقولِه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾، ولِما ثبتَ عن عليٍّ ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ» (٢). س: ما حكم الصلاة خلف رجل يأكل ما ذبح لغير الله ويحتج بأنه حين الذبح ذكر اسم الله على الذبيحة ؟ ج: الذَّبحُ لغيرِ اللهِ شركٌ، وحكمُ الذَّبيحةِ حكمُ الميتَة، ولا يجوزُ أكلُها، ولو ذكرَ عليها اسمَ اللهِ إذا تحقَّقَ أنَّها ذُبحتْ لغيرِ الله، ومَن أَكلَ منها اجتهادًا منهُ بُيِّنَ لهُ الحُكم، ومَن أكلَ منها بعدَ العلمِ فلا ينبغي أن يكونَ إمامًا، بل تُلتَمَسُ الصَّلاةُ خلفَ غيرِه (٣). س: إن في بلادي التي أنا فيها مشايخ كثيرين، وإذا مرض أحد من الناس يأخذونه إليهم ويقرءون عليه الآيات، ويقولون تأتي بكبش أو ثور أو ناقة وغيره من المواشي، وفي السنة يدفع الناس مالا كثيرا ويذهبون إليهم، فهل هذا شيء محرم في ديننا ؟ ج: رُقيةُ المريضِ بقراءةِ القرآنِ، والأذكارِ، والدَّعواتِ النَّبويَّةِ الثابتةِ عنه ﵊ مشروعةٌ، أمَّا الذَّهابُ إلى مَن ذكرتَ ليقرأَ عليه آياتٍ، ويأمُرَه بذبحِ كبشٍ أو ثورٍ مثلا فهذا لا يجوز؛ لأنَّ ذلك رقيةٌ بدعيَّةٌ، وأكلٌ للمالِ بالباطلِ، وقد يكونُ شِركًا إذا ذَبَحَ ما ذُكِرَ للجنِّ أو للأمواتِ ونحوِ ذلك لدفعِ شرٍّ أو جلبِ نفعٍ منهم (٤). * * *

стр. 18

س: ما حكم الرقية بالقرآن وبالأذكار والدعوات الثابتة عن النبي ﷺ -؟ ج: تجوزُ الرُّقيةُ بالقرآنِ، وبالأذكارِ، والدَّعواتِ الثابتةِ عن النَّبيِّ ﷺ للحفظِ والوِقايَةِ ولدفعِ ما أُصيبَ به الإنسانُ من الأمراض، مثل تلاوةِ آيةِ الكُرْسِيِّ، و (قل هو الله أحد) و (المعوِّذتيْن)، ومثل: «أَذْهِبِ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لا شِفَاءَ إِلا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا»، ومثل: «أُعِيذُكَ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ»، ونحوِ ذلك (١). س: هل يجوز للمسلم أن يرقي بأي نوع من الرقى ؟ ج: تجوزُ الرُّقيةُ بما ليسَ فيه شركٌ، كَسُوَرِ القرآنِ وآياتِه، وكالأذكارِ الثابتةِ عن النَّبيِّ ﷺ ، وتحرمُ بما فيه شرك، كتعويذِ المريضِ بذكرِ أسماءِ الجِنِّ والصَّالحين، وبما لا يُفهمُ معناه؛ خشيةَ أن يكونَ شِركًا؛ لِما ثبتَ من قولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ تَكُنْ شِرْكًا» رواه مسلم (٢). س: هل يجوز التبخر بالشب أو الأعشاب أو الأوراق وذلك من إصابة بالعين ؟ ج: لا يجوزُ علاجُ الإصابةِ بالعينِ بما ذُكِرَ؛ لأنَّها ليستْ من الأسبابِ العاديَّةِ لعلاجِها، وقد يكونُ المقصودُ بهذا التَّبَخُّرِ استرضاءَ شياطينِ الجِنِّ،

стр. 19

والاستعانةَ بهم على الشِّفاء، وإنَّما يُعالَجُ ذلك بالرُّقى الشَّرعيَّةِ ونحوِها ممَّا ثبتَ في الأحاديثِ الصَّحيحة (١). س: من الناس من تلبس بهم الجن فيقال: عليه أسياد أو عليه شيخ ويكون من الجان وقد يكون كافرًا أو نصرانيًّا فيأمر المتلبس بأشياء مخالفة للشرع مثل عدم الصلاة أو الذهاب للكنيسة أو بعمل أشياء لا يطيقها وإن لم يفعل فإنهم يعذبوه. ما هي الطريقة الشرعية للتخلص من هؤلاء ؟ ج: مسُّ الجنِّ الإنسانَ أمرٌ واقعٌ، وإذا أمرَ الجِنِّيُّ مَن مسَّهُ بمُحرَّمٍ؛ وجبَ على المُصابِ أنْ يتمسَّكَ بشرعِ اللهِ، وأن يعصيَ الجِنِّيَّ في أمرِهِ بمعصيتِهِ اللهَ وإنْ آذاهُ الجِنِّيُّ، وعليه أنْ يتعوَّذَ باللهِ من شرِّهِ، ويُحصِّنَ نفسَه بقراءةِ القرآنِ وبالتَّعوُّذاتِ الشَّرعيَّةِ وبالأذكارِ الثابتة عن النَّبيِّ ﷺ منها: الرُّقيةُ بقراءةِ سورة (الفاتحة)، ومنها: قراءةُ سورة (قل هو الله أحد)، والمعوِّذتين، ثم ينفثُ في يديْهِ، ويمسحُ بهما وجهَه وما استطاعَ من بدنِه، ثم يقرأُ هذه السُّوَرَ الثلاثَ مرَّةً ثانيةً، وينفثُ في يديْه، ويمسحُ بهما وجهَه وما استطاعَ من بدنِه، ثم يقرَؤُها مرَّةً ثالثةً، وينفثُ في يديْه، ويمسحُ بهما ما استطاعَ من بدنِه، إلى غيرِ ذلك من الرُّقيةِ بِسُوَرِ القرآنِ وآياتِهِ وبالأذكارِ الثابتةِ مع اللُّجوءِ إلى اللهِ في طلبِ الشِّفاءِ والحفظِ من شياطينِ الجنِّ والإنس، وارجعْ إلى كتابِ «الكَلِمِ الطَّيِّب» لابنِ تيمية، وكتاب «الوابلِ الصَّيِّب» لابنِ القَيِّم، و «الأذكارِ» للنَّوويِّ؛ ففيها بيانُ كثيرٍ من أنواعِ الرُّقية (٢).

стр. 20

س: ما الحكم في الذين يكتبون آيات الله البينات ويأمرون المريض بتعليقها في رأسه أو في أي جهة من جسده ويقولون له: هذا سبب الشفاء، ويأخذون منه شيئا، ومنهم من لا يأخذ شيئًا ؟ ج: الصَّحيحُ أنَّ كتابةَ آياتٍ من القرآنِ أو غيرِها من الأدعيةِ المأثورةِ، وتعليقَها على المريضِ رجاءَ الشِّفاءِ ممنوعٌ؛ لثلاثةِ أمورٍ: الأوَّل: عمومُ أحاديثِ النَّهي عن تعليقِ التَّمائمِ، ولا مُخَصِّصَ لها. الثاني: سدُّ الذَّريعة؛ فإنَّ تعليقَ ما يُكتبُ من آياتِ القرآنِ يُفضي إلى تعليقِ ما ليسَ كذلك. الثالثُ: أنَّ ما عُلِّقَ من ذلك يكونُ عُرْضَةً للامتهانِ بحملِه في محالِّ قضاءِ الحاجةِ والاستنجاءِ، ونحوِ ذلك، وإذا كان ذلك ممنوعًا فأخذُ الأُجرةِ على كتابتِه ليُعَلَّقَ على المريضِ لرجاءِ الشِّفاءِ ممنوعٌ أيضًا (١). س: ما هو حكم الرقى والتمائم ؟ ... ج: الرُّقيةُ مشروعةٌ إذا كانتْ بالقرآنِ، أو بأسماءِ اللهِ الحُسنى، وبالأدعيةِ المشروعةِ، وما في معناها، مع اعتقادِ أنَّها أسبابٌ، وأنَّ مالكَ الضَّررِ والنَّفعِ والشِّفاءِ هو اللهُ سبحانه؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ تَكُنْ شِرْكًا»، وقد رقَى ورُقيَ عليهِ ﵊. أمَّا الرُّقى المنهيُّ عنها فهي الرُّقى المخالِفَةُ لِما ذكرنا؛ كما صرَّحَ بذلك أهلُ العلم.

стр. 21

أمَّا تعليقُ التَّمائمِ فلا يجوزُ سواءً كانتْ من القرآنِ أو من غيرِه؛ لعمومِ الأحاديثِ الواردةِ في ذلك (١). س: هل تجوز ذبيحة من ينطق بشهادة ألا إله إلا الله مع صلاته وزكاته وصومه وحجه ولكن يعلق التمائم من القرآن وغيره ؟ ج: إنْ كانت التَّمائمُ من القرآنِ، وأسماءِ اللهِ وصفاتِه فإنَّ ذبيحةَ مَن يُعَلِّقُها حلالُ، وإنْ كانتْ من غيرِ ذلك؛ فقد روى أحمدُ، وأبو داودَ، عن ابنِ مسعودٍ ﵁ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «إِنَّ الرُّقَى، وَالتَّمَائِمَ، وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ» وحيثُ ثبتَ أنَّها شركٌ؛ فذبيحةُ مَن يُعلِّقُها لا تجوزُ؛ لأنَّه مُشركٌ إذا كانَ يعتقدُ أنَّ التَّمائمَ تنفعُ وتضرُّ، أمَّا إن كان يعتقدُها من الأسبابِ واللهُ هو النَّافعُ الضَّارُّ؛ فتعليقُها من الشِّركِ الأصغر، وتركُ الأكلِ من ذبيحتِه أولى؛ تأكيدًا لمنعِه من تعليقِها وتنفيرًا له (٢). س: هل يجوز الحلف بغير الله ؟ ج: لا يجوزُ الحَلِفُ بغيرِ اللهِ؛ لقولِهِ ﵊ «أَلا إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» مُتَّفقٌ عليه، وفي روايةٍ لأبي داودَ، والنَّسائيِّ، عن أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «لا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَأُمَّهَاتِكُمْ، وَلا تَحْلِفُوا بِاللهِ إِلا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ»، ولِما

стр. 22

رواهُ أبو داودَ، والتِّرمذيُّ بإسنادٍ صحيحٍ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ» (١). س: اعتاد بعض الناس الحلف بالنبي ﷺ وأصبح الأمر عاديا عندهم ولا يعتقدون ذلك اعتقادا فما حكم ذلك ؟ ج: الحلف بالنبي ﷺ أو غيره من المخلوقات منكر عظيم ومن المحرمات الشركية ولا يجوز لأحد الحلف إلا بالله وحده، وقد حكى الإمام ابن عبد البر ﵀ الإجماع على أنه لا يجوز الحلف بغير الله وقد صحت الأحاديث عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك وأنه من الشرك كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت». وفي لفظ آخر «فليحلف بالله أو ليسكت». وخرج أبو داود والترمذي بإسناد صحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» وصح عنه ﷺ أنه قال: «من حلف بالأمانة فليس منا» والأحاديث في هذا الباب كثيرة معلومة، والواجب على جميع المسلمين ألا يحلفوا إلا بالله وحده ولا يجوز لأحد أن يحلف بغير الله كائنا من كان للأحاديث المذكورة وغيرها. ويجب على من اعتاد ذلك أن يحذره وأن ينهى أهله وجلساءه وغيرهم عن ذلك لقول النبي ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان». خرجه مسلم في «صحيحه».

стр. 23

والحلف بغير الله من الشرك الأصغر للحديث السابق، وقد يكون شركا أكبر إذا قام بقلب الحالف أن هذا المحلوف به يستحق التعظيم كما يستحقه الله، أو أنه يجوز أن يعبد مع الله ونحو ذلك من المقاصد الكفرية، نسأل الله أن يمن على المسلمين جميعا بالعافية من ذلك، وأن يمنحهم الفقه في دينه والسلامة من أسباب غضبه إنه سميع قريب (١). س: كيف يكون المرء قوي الإيمان مطبقًا لأوامر الله خائفًا من عقابه ؟ ج: يكونُ ذلكَ بتلاوةِ كتابِ اللهِ، ودراستِهِ، وتدَبُّرِ معانِيه وأحكامِه، وبدراسةِ سُنَّةِ النَّبيِّ ﷺ ، ومعرفةِ تفاصيلِ الشَّريعةِ منها، والعملِ بمُقتضى ذلك والتزامِه عقيدةً وفعلا وقولا، ومراقبةِ اللهِ، وإشعارِ القلبِ عظمتَه، وتذكُّرِ اليومِ الآخرِ، وما فيه من حسابٍ وثوابٍ وعقابٍ وشِدَّةٍ وأهوالٍ، وبمخالطةِ مَن يُعرفُ من الصَّالحين، ومجانبةِ أهلِ الشَّرِّ والفساد (٢). س: أخاف من عذاب الله ﵎ ووعيده ولكن همتي في العمل ضعيفة جدا فعندما أقرأ في كتب علماء الأمة من السلف الصالح أجد أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يعملون في كل أبواب الخير وكانوا يبكون وينزلون أنفسهم منزلة العصاة فماذا أفعل حتى أدخل الجنة وأنجو من النار وأحشر مع الصالحين ؟ ج: الخوفُ من اللهِ ومِن وعيدِه وعذابِه ممَّا يُحمَدُ شرعًا وممَّا يزيدُ العبدَ في تقوى اللهِ؛ فيبعثُه على فعلِ أوامِرِه واجتنابِ ما نهى عنه ،

стр. 24

فأخلصْ قلبَكَ لله، واصدقْ في خشيتِكَ منه؛ لتقوى عزيمتُك على فعلِ الطَّاعةِ، والبعدِ عن المعصية، وأكثرْ من قراءةِ القرآنِ مع تدبُّرٍ واعتبارٍ؛ ليكونَ لك عظةً ومنهجًا، ومن القراءةِ في سيرةِ الرَّسولِ ﷺ ، وأصحابِه ﵃؛ لتتَّخِذَ لنفسِكَ من عمَلِهِم أُسوةً، وتسلكَ ما سلكوه من طُرُقِ الخير. كتبَ اللهُ لنا ولكَ التّوفيقَ وقوَّةَ العزيمةِ في العقيدةِ والعملِ الصَّالح (١). س: ما حكم الخوف الذي يعتري القلب عند مواجهة الحوادث ؟ ج: هذا الخوف من الخوف الطبيعي لا حرج على الإنسان فيه، لكن يجب أن لا يحمله خوفه هذا على الإخلال بالعمل، بل يبذل الأسباب مع توكله على الله ولا يخل بعمله (٢). س: آية في القرآن الكريم يقول فيها المولى بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾. وبعض المفسرين يقول بهذه الآية: إن الله يغفر كل الذنوب بما فيها الشرك فهل المقصود هنا الشرك الأصغر أو الأكبر أو كلاهما ؟ ج: قولُه تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ... الرَّحِيمُ﴾، نهيٌ منه لعبادِه أنْ

стр. 25

ييأسُوا من رحمتِه، ووعدٌ أكيدٌ منه سبحانه بأنَّه يغفرُ الذُّنوبَ جميعًا، صغيرَها وكبيرَها، وما كانَ شركًا أصغرَه وأكبرَه لمَن تابَ منها، فهي عامَّةٌ في كلِّ ذنبٍ لمَن تابَ منه، كما قالَ تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (١). س: أريد شرحًا وافيًا لهذا الحديث حتى نفهمه الفهم الصحيح: «لَوْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» ؟ ج: الحديثُ عن عمرَ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «لَوْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» رواهُ الإمامُ أحمدُ، والتّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجه، وابنُ حِبَّانَ، والحاكم، وقال التِّرمذيُّ: «حسنٌ صحيحٌ»، حقيقةُ التَّوَكُّلِ هو صدقُ اعتمادِ القلبِ على اللهِ في استجلابِ المصالحِ، ودفعِ المضارِّ من أمورِ الدُّنيا والآخرة. ومعنى الحديثِ: أنَّ النَّاسَ لو حقَّقوا التَّوكُّلَ على اللهِ بقلوبِهم واعتمدوا عليهِ اعتمادًا كُلِّيًّا في جلبِ ما ينفعُهُم، ودفعِ ما يضرُّهم، وأخذوا بالأسبابِ المفيدةِ لساقَ إليهم أرزاقَهُمْ مع أدنى سببٍ؛ كما يسوقُ إلى الطَّيرِ أرزاقَها بمجردِ الغدوِّ والرَّواح، وهو نوعٌ من الطَّلبِ، ولكنَّهُ سعيٌ يسيرٌ، وتحقيقُ التَّوكُّلِ لا يُنافي السَّعيَ في الأسبابِ التي قدَّرَ اللهُ المقدَّراتِ بها، وجرتْ سنَنُهُ في خلقِهِ بذلك؛ فإنَّ اللهَ تعالى أمرَ بتعاطي الأسبابِ مع أمرِه

стр. 26

بالتَّوَكُّل، فالسَّعيُ في الأسبابِ بالجوارحِ طاعةٌ والتَّوكُّلُ بالقلبِ عليه إيمانٌ به، قالَ تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، فجعلَ التَّوكُّلَ مع التَّقوى التي هي القيامُ بالأسبابِ المأمورِ بها، والتَّوكُّلُ بدونِ القيامِ بالأسبابِ المأمورِ بها عجزٌ محضٌ، وإن كان مشوبًا بنوعٍ من التَّوكُّل، فلا ينبغي للعبدِ أن يجعل توكُّلَه عجزًا ولا عجزَه توكُّلا، بل يجعلُ توكُّلَه من جملةِ الأسبابِ التي لا يتمُّ المقصودُ إلا بها كلِّها (١). س: ما الحد الذي إذا زاد عنه الإنسان في الدين يعتبر غلوًّا، وما تعريف الغلو، وكذلك حد التفريط في الدين ؟ ج: الحدُّ الذي إذا زادَ عليهِ في الدِّينِ يُعتبرُ غُلُوًّا هو الزِّيادةُ عن المشروع، والغُلُوُّ هو: التَّعَمُّقُ في الشَّيءِ والتَّكَلُّفُ فيه، وقد نهى النَّبيُّ ﷺ عن الغُلُوِّ، فقال: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» رواهُ أحمدُ، وغيرُه بإسنادٍ صحيحٍ. أمَّا التَّفريطُ فهو التَّقصيرُ في القيامِ بما أوجبَ اللهُ؛ من فعلِ بعضِ المعاصي، كالزِّنى والغيبةِ والنَّميمة، أو تركِ بعضِ الواجباتِ كبرِّ الوالديْن وصِلَةِ الأرحام وردِّ السَّلام، ونحوِ ذلك (٢). * * *

стр. 27

س: هل يجوز إقامة المساجد على قبور أولياء الله الصالحين، وهل تجوز الصَّلاة في هذه المساجد مع وجود مساجد أخرى في نفس البلد خالية من القبور ؟ ج: لا يجوزُ بناءُ المساجدِ على قبورِ أولياءِ اللهِ الصَّالحين، ولا تجوزُ الصَّلاة في هذه المساجدِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» مُتَّفَقٌ على صِحَّتِهِ، ولقولِه ﷺ : «أَلا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلا فَلا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ»، خرَّجهُ مسلمٌ في «صحيحِه»، وخرَّج مسلمٌ -أيضًا- عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، عن النَّبيِّ ﷺ «أنَّه نهى أنْ يُجَصَّصَ القبرُ، وأنْ يُقعدَ عليه، وأنْ يُبنَى عليه» (١). س: إن الكثير من النساء بعد أدائهن لفريضة الحج يسافرن إلى المدينة المنورة لزيارة المسجد النبوي وقبر الرسول ﷺ فهل يلزم المرأة زيارة المسجد النبوي وزيارة الرسول ﷺ أو يلزمها أحدهما أو لا يلزمها الاثنان؟ أفيدونا عن ذلك ؟ ج: ليستْ زيارةُ المسجدِ النَّبويِّ واجبةً على النِّساءِ ولا على الرِّجال، بل سُنَّةٌ للصَّلاةِ فيه فقط، ويجوزُ شدُّ الرِّحالِ لذلك، وليستْ زيارةُ قبرِ الرَّسولِ ﷺ واجبةٌ أيضًا، بل هي سُنَّةٌ بالنِّسبَةِ لمَن لم يتوقَّف ذلك منه على سفرٍ كزيارةِ سائرِ قبورِ المسلمين؛ وذلك للعبرةِ والاتِّعاظِ وتَذَكُّرِ الآخرةِ بزيارَتِها، وقد زارَ النَّبيُّ ﷺ القبورَ، وحث على زيارتِها لذلكَ، لا للتَّبَرُّكِ بها، ولا لِسؤالِ مَن فيها من الموتى قضاءَ الحاجاتِ، وتفريجَ الكُرباتِ كما يفعلُ ذلك كثيرٌ من المبتدعةِ رجالا ونساءً، أمَّا إذا توقَّفتْ زيارةُ قبرِ

стр. 28

الرَّسولِ ﷺ أو غيرِهِ على سفرٍ؛ فلا يجوزُ ذلك من أجلِها؛ لِما ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى». مع العلمِ أنَّ النِّساءَ لا يجوزُ لهنَّ زيارةُ القبورِ؛ لِما ثبتَ عنه ﷺ أنَّه «لعنَ زائراتِ القبور» (١). س: هل يلزم الحجاج من رجال ونساء زيارة قبر الرسول ﷺ والبقيع وأحُد وقباء أم الرجال فقط ؟ ج: لا يلزمُ الحُجَّاج رجالا ونساءً زيارةُ قبرِ الرَّسولِ ﷺ ولا البقيعِ، بل يحرمُ شدُّ الرِّحالِ إلى زيارةِ القبورِ مطلقًا، ويحرمُ ذلك على النِّساءِ ولو بلا شدِّ رحالٍ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى» مُتَّفَقٌ عليه، ولأنَّه ﷺ «لعنَ زائراتِ القبور»، ويكفي النَّساءَ أنْ يُصلِّينَ في المسجدِ النَّبويِّ ويُكثرنَ من الصَّلاة والسَّلامِ على الرَّسولِ ﷺ في المسجدِ، وغيرِه (٢). س: ما حكم من قال: ببركة النبي، أو ببركة الشيخ، أو ببركة القرآن، هل هو مشرك أم لا ؟ ج: أولا: التَّوَسُّلُ إلى اللهِ ببركةِ القرآنِ مشروعٌ، وليس شركًا. ثانيًا: التَّوسُّلُ ببركةِ بعضِ المخلوقينَ، مثل النَّبيِّ ﷺ من البدعِ المُنكرةِ؛ لأنَّ التَّوسُّلَ من العباداتِ التَّوقيفيَّة، ولم يثبتْ في الشَّرعِ المُطهَّرِ ما

стр. 29

يدلُّ على جوازِه في المخلوقين، أو حقِّهم، أو جاهِهِم، أو بركتِهم، وقد صحَّ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (١). س: ما هو الفرق بين السحر والعين؟ وهل العين تقع في الدين ولها حكم؟ وما هو العلاج للطرفين العاين والمعيون إن كان ذلك صحيحا ؟ ج: السِّحرُ في اللُّغة: عبارةٌ عمَّا خفيَ ولطفَ سببُه، وفي الاصطلاح: السِّحر: عزائمُ ورُقى، ومنه ما يُؤثر في القلوبِ والأبدانِ فيُمْرضُ ويقتلُ ويُفرِّقُ بين المرءِ وزوجِه، قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. وأمَّا العينُ: فهي مأخوذةٌ من عانَ يعينُ إذا أصابَه بعينِه، والعينُ حقٌّ، كما وردَ في الحديثِ الصَّحيحِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الْعَيْنُ حَقٌّ وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقَ الْقَدَرِ؛ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا». وحُكمُها: أنَّها مُحرَّمة كالسِّحر. وأما العلاج للعائن: فإذا رأى ما يُعجِبُه فليذكرِ اللهَ وليُبرِّك، كما جاءَ في الحديث «هَلَّا إِذَا رَأَيْتَ مَا يُعْجِبُكَ بَرَّكْتَ»، فيقولُ: ما شاءَ اللهُ لا قوَّةَ إلا بالله، ويدعو للشَّخص بالبركةِ. وأمَّا المعيون: فيُحصِّنُ نفسَه بالإيمانِ باللهِ والتَّوكُّلِ عليه، وقراءةِ وردٍ من القرآنِ والأدعيةِ المأثورة، وإذا عَلِمَ المعيون مَن أصابَه بعينِه فإنَّه يُشرعُ

стр. 30

له أنْ يطلُبَ منه أن يغسلَ وجهَهَ ويديْهِ وداخلةَ إزارِه في إناءٍ، ثم يغتسلُ المعينُ بذلك؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا» (١). س: ما هي الطريقة الشرعية للوقاية من السحر ؟ ج: أن يسأل الله جل وعلا: العافية، ويتعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، وأن يقول: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم (ثلاث مرات) في اليوم والليلة؛ لقول النبي ﷺ : «من قال: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات لم يضره شيء»، وكذلك إذا نزل بيتا فقال: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك»، ويكرر في الصباح والمساء: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» ثلاث مرات «باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم» ثلاث مرات، كذلك يقرأ آية الكرسي بعد كل صلاة وعند النوم. ومن أسباب السلامة أيضا قراءة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و (المعوذتين) بعد كل صلاة، فهي من أسباب السلامة، وبعد الفجر والمغرب (ثلاث مرات): ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و (المعوذتين)، هذه من أسباب السلامة أيضا مع الإكثار من ذكر الله جل وعلا، والإكثار من قراءة كتابه العظيم، وسؤاله : أن يكفيك شر كل ذي شر. ومن أسباب السلامة أيضا أن يقول: «أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة، أعوذ بكلمات الله التامات التي

стр. 31

لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر طوارق الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن». هذه من التعوذات التي يقي الله بها العبد الشر (١). س: من كان به سحر هل يجوز أن يذهب إلى ساحر ليزيل السحر عنه ؟ ج: لا يجوزُ ذلك، والأصلُ فيه ما رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ بسندِه عن جابرٍ ﵁ قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن النُّشرةِ فقال: «هِي مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ»، وفي الأدويةِ الطبيعيَّةِ والأدعيةِ الشَّرعيَّةِ ما فيه كفايةٌ، فإنَّ اللهَ ما أنزلَ داءً إلا أنزل له شفاءً عَلِمَهُ مَن عَلِمَه، وجَهِلَهُ مَن جَهِلَه، وقد أمرَ رسولُ اللهِ ﷺ بالتَّداوي، ونهى عن التَّداوي بالمُحرَّم، فقال ﷺ : «تَدَاوَوْا، وَلا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ» ورُويَ عنه ﷺ أنَّه قال: «إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْهَا» (٢). س: هل للأولياء كرامة، وهل لهم أن يتصرفوا في عالم الملكوت في السماوات والأرض، وهل يشفعون وهم في البرزخ لأهل الدنيا أم لا ؟ ج: الكرامة: أمرٌ خارقٌ للعادَةِ يُظهرُهُ اللهُ تعالى على يدِ عبدٍ حيٍّ من عبادِه الصَّالحين؛ إكرامًا له، فيدفعُ به عنه ضُرًّا أو يُحقِّقُ له نفعًا أو ينصرُ به حقًّا، وذلك الأمرُ لا يملكُ العبدُ الصَّالحُ أنْ يأتيَ به إذا أرادَ؛ كما أنَّ النَّبيَّ

стр. 32

لا يملكُ أن يأتيَ بالمعجزةِ من عند نفسِه، بل كلُّ ذلك إلى اللهِ وحدَه، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، ولا يملكُ الصَّالحونَ أن يتصرَّفوا في ملكوتِ السَّماواتِ والأرضِ إلا بقدرِ ما آتاهُم اللهُ من الأسبابِ كسائرِ البشرِ من زرعٍ وبناءٍ وتجارةٍ ونحوِ ذلك ممَّا هو من جنسِ أعمالِ البشرِ بإذنِ اللهِ تعالى، ولا يملكونَ أن يشفعوا وهم في البرزخِ لأحدٍ من الخلقِ أحياءً وأمواتًا، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، وقال: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، ومَن اعتقدَ في أنَّهم يتصرَّفون في الكونِ أو يعلمونَ الغيبَ فهو كافرٌ؛ لقولِ اللهِ : ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ وقوله سبحانه آمرًا نبيه ﷺ بما يزيل اللَّبس ويوضح الحق: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١). س: هل يقتدى بالعالم الذي يدعي علم الغيب على سبيل الخط في الرمل؟ أم لا يجوز، وهل يجوز أيضا أن يؤكل ما ذبحه ذلك العالم أو مصافحته ؟ ج: مَن يدَّعي علمَ الغيبِ بالخطِّ في الرَّملِ أو فتحِ الكتابِ أو النَّظرِ في النُّجومِ أو باستحضارِ الجِنِّ أو نحوِ ذلك: كاهنٌ، وقد صحَّ عن

стр. 33

رسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قال: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ». وعلى ذلك لا يجوزُ الأكلُ من ذبيحتِه، ولا الإتيانُ إليه ولا مجالستُه ولا مصافحتُه، لكن يجبُ أن تُرشدوه، وتنصحوهُ، وتخبروهُ أنَّ دعوى علمِ الغيبٍ كفرٌ يُخرِجُهُ من دينِ الإسلامِ؛ عسى اللهُ أن يتوبَ عليه (١). س: قال أحد الصالحين: «من عَمَّرَ ظاهرَه باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغض بصره عن المحارم، وكف نفسه عن الشبهات، واغتذى بالحلال، لم تخطئ له فراسة» ما المقصود من قوله: «لم تخطئ له فراسة» ؟ ج: قال عمرو بن نجيد: كان شاه الكرماني -وهو من العباد في القرن الثالث- حاد الفراسة لا يخطئ ويقول: «من غض بصره عن المحارم، وأمسك نفسه عن الشهوات، وعمر باطنه بالمراقبة، وظاهره باتباع السنة، وتعود أكل الحلال، لم تخطئ فراسته». والفراسة هي: القدرة على معرفة بعض الأحوال ببعض العلامات الظاهرة. والفراسة الصادقة سببها نور يقذفه الله في قلب عبده، يفرق به بين الحق والباطل، والصادق والكاذب، وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان، فمن كان أقوى إيمانًا، فهو أحد فراسة، فإنها نوع من الإلهام،

стр. 34

ويستدل لها بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾، وعلى كل حال لا تعد هذه الفراسة دليلا شرعيًّا يبنى عليه الحكم، بل يستأنس بها الشخص في خاصة أمره (١). س: ما حكم ما يفعله بعض الناس بإرسال ثوب أو قميص لبعض الناس الذين يدعون المعرفة وذلك لتحديد الداء ووصف الدواء بعد ذلك ؟ ج: يحرُمُ الذَّهابُ لمَن يدَّعونَ عِلْمَ المغيباتِ، ولا يجوزُ أن يُرسَلَ لهم ثوبٌ ولا قميصٌ ولا غيرهُما، ويحرُمُ تصديقُهم بما يقولون؛ للأحاديثِ الصَّحيحةِ الثابتةِ عن النَّبيِّ ﷺ الدالة على ذلك (٢). س: ما حكم الذين يتوقتون بالنجوم مثل يقول شخص: إذا كان هذا النجم في هذا المكان فإنه سوف تأتي أمطار غزيرة ؟ ج: بناءُ الأحكامِ على مواقيتِ النُّجومِ كما في السُّؤال لا يجوزُ، وهذا القائلُ إمَّا أن يعتقدَ أنَّ له تأثيرًا في إنزالِ المطرِ؛ فهذا شركٌ وكفرٌ، وإمَّا أنْ يعتقدَ أن المؤثرَ هو اللهُ وحدَه، ولكنَّه أجرى العادَةَ بوجودِها عندَ سقوطِ ذلك النَّجمِ؛ فهذا مُحرَّمٌ، فلا يجوزُ للعبدِ أنْ يُثْبِتَ ما هو من خصائصِ اللهِ إلى كائنٍ مسخَّرٍ لا على سبيلِ الحقيقةِ ولا على سبيلِ المجاز، والأصلُ في ذلك عمومُ قولِه ﷺ : «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ

стр. 35

بِالأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ»، رواهُ مسلمٌ في «صحيحِهِ»، وقولُه ﷺ لأصحابِه في صباحِ يومٍ مطيرٍ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» قالوا: اللهُ ورسولُه أعلم، قال: «قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» مُتَّفقٌ على صِحَّتِهِ، من حديثِ زيدِ بنِ خالدٍ الجهنيِّ ﵁ (١). س: هل كلام المنجمين صادق، وهل هم يقدرون على أن يعرفوا أي شيء من الغيبيات، وهل السحر يؤثر على الإنسان أم لا ؟ ج: المُنَجِّمونَ لا يعرفونَ الغيبيَّاتِ، وكلامُهم فيها مبنيٌّ على الظَّنِّ والتَّخمينِ والكذبِ؛ فهو مُحرَّمٌ؛ لقولِه تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ... عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾، إلى غيرِ ذلك من الآياتِ والأحاديثِ. أمَّا السِّحرُ فقد يكونُ تخييلا لا حقيقةَ له، كما قال سبحانَه في قصَّةِ موسى وفرعون: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ وقد يُؤثرُ في المسحورِ، ويضرُّهُ بإذنِ اللهِ الكونيِّ القدريِّ؛ لقولِه سبحانه في السَّحرةِ في سورةِ البقرة: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ...﴾ الآية (٢). * * *

стр. 36

س: طبيب عربي مسلم يعتاده كثير من الناس للعلاج وعندما يقابله بعض الناس يقول: اعلموا بأن الشافي هو الله، وإنما أنا متسبب، ويصف بعض العلاجات المباحة وبعض الأوراق بصفة محو تشرب بالماء أو ملاسًا إلا أنني استنكرت عليه أمرًا وهو وصف لرجل بورقة يضعها بباطن جلد حمار ويعلقها منعًا من مرض أم الصبيان، فما رأيكم في هذا الأمر؟ علمًا أن تعليقها لمدة الحمل فقط ثم تنزع ؟ ج: أولا: لا يجوزُ الإتيانُ إلى هذا الرَّجلِ الذي ذكرتَه؛ لأنَّه مُشَعْوِذٌ. ثانيًا: لا تجوزُ طاعتُه فيما ذكرَه من وصفِهِ لرجلٍ أن يأخذَ ورقةً ويضعَها بباطنِ جلدِ حمارٍ وغيره، ويصفُها بأنَّها تمنعُ من مرضِ أُمِّ الصِّبيان، ولا فرقَ بينَ طولِ المُدَّةِ وقِصَرِها؛ لأنَّ هذا شركٌ باللهِ حيثُ جعلَ مجرَّدَ وضعِ الورقةِ داخلَ جلدِ حمارٍ مانعًا لِما ذكرَ من المرض، فالذي يُزيلُ المرضَ هو اللهُ جلَّ وعلا، وهذا من جنسِ تعليقِ التَّمائمِ، ونحوِه التي قال فيها النَّبيُّ ﷺ «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ»، وقال فيها -أيضًا- ﵊: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلا أَتَمَّ اللهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدْعَةً فَلا وَدَعَ اللهُ لَهُ» (١). ... س: لقد سمعنا أن هناك اعتقادات تفيد أن شهر صفر لا يجوز فيه الزواج والختان وما أشبه ذلك، نرجو إفادتنا في ذلك حسب الشرع الإسلامي والله يحفظكم ؟ ج: ما ذُكِرَ من عدمِ التَّزَوُّجِ أو الختانِ ونحوِ ذلك في شهرِ صفرَ نوعٌ من التَّشاؤُمِ من هذا الشَّهر، والتَّشاؤُمُ من الشُّهورِ أو الأيَّامِ أو الطُّيورِ

стр. 37

ونحوِها من الحيواناتِ لا يجوز؛ لِما رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ عن أبي هريرةَ ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «لا عَدْوَى، وَلا طِيَرَةَ، وَلا هَامَةَ، وَلا صَفَرَ» والتَّشاؤُمُ بشهرِ صفَرَ من جنسِ الطِّيَرَةِ المنهيِّ عنها، وهو من عملِ الجاهليَّة، وقد أبطلَه الإسلام (١). س: ما هي ظواهر الشرك القولية والعملية الموجودة في المجتمع الإسلامي ؟ ج: الظَّواهرُ الشِّركيَّةُ في المجتمعاتِ الإسلاميَّةِ كثيرةٌ، منها: الاستغاثةُ، والاستعانةُ بغيرِ اللهِ فيما لا يقدرُ عليه إلا الله، والنَّذرُ لغيرِ اللهِ، والذَّبحُ لغيرِ الله، والحلفُ بغيرِ الله، ومِن وسائلِ الشِّرك: اتِّخاذُ القبورِ مساجدَ والصَّلاة فيها، وقد نُهوا عن ذلك، قالَ اللهُ تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾، وعلَّمَ اللهُ المسلمينَ أنْ يقولوا في كلِّ ركعةٍ من صلاتِهم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ»، وقال: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ»، وقال: «لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ...» الحديث وقوله ﷺ : «أَلا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلا فَلا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلَكَ»، وقال: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ أَشْرَكَ»، إلى غيرِ ذلكَ من مظاهرِ البدعِ الشِّركيَّة (٢).

стр. 38

س: في بلادنا عادة منتشرة من الكبائر، وهي: شتم الذات الإلهية، فما حكم الإسلام بهذا؟ وهل تطلق زوجة من يفعلها وهو غير مقر بها؟ أفتونا مأجورين ؟ ج: سبُّ الذَّاتِ الإلهيَّةِ من أكبرِ الكبائرِ، بل رِدَّةٌ عن الإسلام، ويجبُ على مَن وقعَ منه ذلك المبادرةُ بالتَّوبةِ، والاستغفارِ، والإكثارِ من الحسناتِ، فإذا تابَ توبةً نصوحًا؛ تابَ اللهُ عليه، وصارت زوجتُه في عصمَتِه بذلك (١). س: يقال: إن الردة قد تكون فعلية أو قولية، فالرجاء أن تبينوا لي باختصار واضح أنواع الردة الفعلية والقولية والاعتقادية ؟ ج: الرِّدَّةُ: هي الكفرُ بعدَ الإسلام، وتكونُ بالقولِ، والفعلِ، والاعتقادِ، والشَّكِّ، فمَن أشركَ باللهِ، أو جحدَ ربوبيَّته أو وحدانيَّته أو صفةً من صفاتِه أو بعضَ كُتُبِه أو رُسُلِه، أو سبَّ اللهَ أو رسولَه، أو جحدَ شيئًا من المحرَّماتِ الُمجمعِ على تحريمِها أو استحلَّه، أو جحدَ وجوبَ رُكنٍ من أركانِ الإسلامِ الخمسةِ، أو شكَّ في وجوبِ ذلك، أو في صِدْقِ محمَّدٍ ﷺ أو غيرِه من الأنبياء، أو شكَّ في البعثِ، أو سجدَ لصنمٍ أو كوكبٍ ونحوِه؛ فقد كفرَ، وارتدَّ عن دينِ الإسلام. وعليكَ بقراءةِ أبوابِ حكمِ الرِّدَّةِ من كُتُبِ الفقهِ الإسلاميِّ؛ فقد اعتنَوا به، ﵏. وبهذا تعلمُ من الأمثلةِ السَّابقةِ الرِّدَّةَ القوليَّةَ والعمليَّةَ والاعتقاديّةَ، وصورةَ الرِّدَّةِ في الشَّكِّ (٢). س: بعض الناس يقول الكلام قد يؤدي إلى الكفر أو الفسق، ويقول: إنني أمزح، فهل مزاحه به صحيح في رفع الحرج أم لا ؟ ج: يحرمُ المزحُ تحريمًا شديدًا بما فيه كفرٌ أو فسقٌ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، وتجبُ التَّوبةُ من ذلك العملِ، والاستغفارُ، عسى اللهُ أن يتوبَ على فاعِلِه (٣). س: الكفار الذين يعملون معنا في الشركات من السيخ والهندوس والنصارى ماذا لهم وماذا علينا نحوهم؟ وكيف يمكننا معاملتهم دون الوقوع في الموالاة ؟ ج: تدعُونَهم إلى الإسلامِ، وتأمرُونَهم بالمعروفِ، وتنهونَهم عن

стр. 39

المنكر، وتقابلونَ بِرَّهُم بالبرِّ، وتَسْتَمِيلُونَهم بالمعروفِ إلى الإسلامِ، مع بُغضِ ما هُم عليهِ من الكفرِ والضَّلال (١). س: ما حكم الشرع في نظركم في هذه الألفاظ: (يعلم الله) (لا سمح الله) (لا قدر الله) (إرادة الله) (الله ورسوله أعلم) ؟. ج: قوله: (يعلمُ اللهُ) لا بأسَ بذلكَ إذا كان صادقًا، وقولُه: (لا سمحَ اللهُ، لا قدَّرَ الله) لا بأسَ به إذا كانَ المرادُ بذلكُ طلبَ العافيةِ ممَّا يَضرُّه، وقوله: (إرادةُ الله) إذا أرادَ بذلك أنَّ ما أصابَه من مرضٍ وفقرٍ ونحوِ ذلك هو من قدرِ اللهِ وإرادتِه الكونيَّة؛ فلا بأس، وقوله: (اللهُ ورسولُهُ أعلم) يجوزُ في حياةِ الرَّسولِ ﷺ ، أمَّا بعدَ وفاتِه فيقولُ: (اللهُ أعلمُ)؛ لأنَّ الرَّسولَ ﷺ بعدَ وفاتِهِ لا يعلمُ ما يحدثُ بعدَ وفاته (٢). ... س: لماذا اختلف الأئمة الأربعة في بعض الأمور الشرعية؟ هل الرسول يعرف بأن هؤلاء سيأتون بعده ؟ ج: لا نعلمُ أنَّ الرَّسولَ ﷺ يعرفُ أو لا يعرفُ أنَّ الأئِمَّةِ الأربعةِ ﵏ سيأتونَ بعده؛ لأنَّه لا يعلمُ الغيب، وإنَّما يعلمُ ما علَّمَهُ اللهُ. أمَّا أسبابُ اختلافِ العلماءِ فكثيرةٌ، منها: أنَّ كلَّ واحدٍ منهمْ لا يُحيطُ بالعلمِ كُلِّهِ؛ فقد يخفى عليه ما عَلِمَ غيرُه، وقد يفهمُ من النُّصوصِ ما

стр. 40

لا يفهمُه غيرُه عندما يختفي عليه الدَّليلُ الواضح، وقد بسطَ الكلامَ في ذلك شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ ﵀ في كتابِه «رفعُ الملامِ»، فراجِعْه؛ تجد المطلوبَ واضحًا، إنْ شاءَ الله (١). س: ما موقفنا عند اختلاف العلماء ؟ ج: من كان مؤهلا بالعلم الشرعي وعلى دراية بطرق الاستنباط والترجيح من الكتاب والسنة وما يلزم لذلك فلا يلتزم بمذهب معين، بل يأخذ ما قام عليه الدليل، وأما العاجز عن معرفة الحكم بدليله، أو تتشابه عليه الأدلة، أو يتعسر عليه الترجيح، أو ضاق عليه الوقت فلا يتسع لذلك فإنه يسأل من عرف بالعلم والتقوى والدراية والخبرة في الفتوى كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، ويعمل بما يفتيه به، أو يقرأ ما يعتمده أهل بلاده من كتب أحد المذاهب الأربعة المشهورة ويأخذ به ويدرسه ويفتي به ما لم يكن في شيء منه شذوذ مخالف للكتاب والسنة (٢). س: لدينا امرأة تسمى بـ: الغائبة، فإذا كان سبب تسميتها بهذا الاسم ادعاؤها علم الغيب فما الحكم ؟ ج: إدِّعاءُ علمِ الغيبِ كفرٌ، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، وينبغي أنْ تُغَيِّرَ اسمَها باسمٍ طيِّبٍ كفاطمةَ وعائشةَ
следующие страницы →