س: طبيب عربي مسلم يعتاده كثير من الناس للعلاج وعندما يقابله بعض الناس يقول: اعلموا بأن الشافي هو الله، وإنما أنا متسبب، ويصف بعض العلاجات المباحة وبعض الأوراق بصفة محو تشرب بالماء أو ملاسًا إلا أنني استنكرت عليه أمرًا وهو وصف لرجل بورقة يضعها بباطن جلد حمار ويعلقها منعًا من مرض أم الصبيان، فما رأيكم في هذا الأمر؟ علمًا أن تعليقها لمدة الحمل فقط ثم تنزع ؟
ج: أولا: لا يجوزُ الإتيانُ إلى هذا الرَّجلِ الذي ذكرتَه؛ لأنَّه مُشَعْوِذٌ. ثانيًا: لا تجوزُ طاعتُه فيما ذكرَه من وصفِهِ لرجلٍ أن يأخذَ ورقةً ويضعَها بباطنِ جلدِ حمارٍ وغيره، ويصفُها بأنَّها تمنعُ من مرضِ أُمِّ الصِّبيان، ولا فرقَ بينَ طولِ المُدَّةِ وقِصَرِها؛ لأنَّ هذا شركٌ باللهِ حيثُ جعلَ مجرَّدَ وضعِ الورقةِ داخلَ جلدِ حمارٍ مانعًا لِما ذكرَ من المرض، فالذي يُزيلُ المرضَ هو اللهُ جلَّ وعلا، وهذا من جنسِ تعليقِ التَّمائمِ، ونحوِه التي قال فيها النَّبيُّ ﷺ «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ»، وقال فيها -أيضًا- ﵊: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلا أَتَمَّ اللهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدْعَةً فَلا وَدَعَ اللهُ لَهُ» (١). ...
س: لقد سمعنا أن هناك اعتقادات تفيد أن شهر صفر لا يجوز فيه الزواج والختان وما أشبه ذلك، نرجو إفادتنا في ذلك حسب الشرع الإسلامي والله يحفظكم ؟
ج: ما ذُكِرَ من عدمِ التَّزَوُّجِ أو الختانِ ونحوِ ذلك في شهرِ صفرَ نوعٌ من التَّشاؤُمِ من هذا الشَّهر، والتَّشاؤُمُ من الشُّهورِ أو الأيَّامِ أو الطُّيورِ
стр. 37
ونحوِها من الحيواناتِ لا يجوز؛ لِما رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ عن أبي هريرةَ ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «لا عَدْوَى، وَلا طِيَرَةَ، وَلا هَامَةَ، وَلا صَفَرَ» والتَّشاؤُمُ بشهرِ صفَرَ من جنسِ الطِّيَرَةِ المنهيِّ عنها، وهو من عملِ الجاهليَّة، وقد أبطلَه الإسلام (١).
س: ما هي ظواهر الشرك القولية والعملية الموجودة في المجتمع الإسلامي ؟
ج: الظَّواهرُ الشِّركيَّةُ في المجتمعاتِ الإسلاميَّةِ كثيرةٌ، منها: الاستغاثةُ، والاستعانةُ بغيرِ اللهِ فيما لا يقدرُ عليه إلا الله، والنَّذرُ لغيرِ اللهِ، والذَّبحُ لغيرِ الله، والحلفُ بغيرِ الله، ومِن وسائلِ الشِّرك: اتِّخاذُ القبورِ مساجدَ والصَّلاة فيها، وقد نُهوا عن ذلك، قالَ اللهُ تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾، وعلَّمَ اللهُ المسلمينَ أنْ يقولوا في كلِّ ركعةٍ من صلاتِهم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ»، وقال: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ»، وقال: «لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ...» الحديث وقوله ﷺ : «أَلا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلا فَلا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلَكَ»، وقال: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ أَشْرَكَ»، إلى غيرِ ذلكَ من مظاهرِ البدعِ الشِّركيَّة (٢).
стр. 38
س: في بلادنا عادة منتشرة من الكبائر، وهي: شتم الذات الإلهية، فما حكم الإسلام بهذا؟ وهل تطلق زوجة من يفعلها وهو غير مقر بها؟ أفتونا مأجورين ؟
ج: سبُّ الذَّاتِ الإلهيَّةِ من أكبرِ الكبائرِ، بل رِدَّةٌ عن الإسلام، ويجبُ على مَن وقعَ منه ذلك المبادرةُ بالتَّوبةِ، والاستغفارِ، والإكثارِ من الحسناتِ، فإذا تابَ توبةً نصوحًا؛ تابَ اللهُ عليه، وصارت زوجتُه في عصمَتِه بذلك (١).
س: يقال: إن الردة قد تكون فعلية أو قولية، فالرجاء أن تبينوا لي باختصار واضح أنواع الردة الفعلية والقولية والاعتقادية ؟
ج: الرِّدَّةُ: هي الكفرُ بعدَ الإسلام، وتكونُ بالقولِ، والفعلِ، والاعتقادِ، والشَّكِّ، فمَن أشركَ باللهِ، أو جحدَ ربوبيَّته أو وحدانيَّته أو صفةً من صفاتِه أو بعضَ كُتُبِه أو رُسُلِه، أو سبَّ اللهَ أو رسولَه، أو جحدَ شيئًا من المحرَّماتِ الُمجمعِ على تحريمِها أو استحلَّه، أو جحدَ وجوبَ رُكنٍ من أركانِ الإسلامِ الخمسةِ، أو شكَّ في وجوبِ ذلك، أو في صِدْقِ محمَّدٍ ﷺ أو غيرِه من الأنبياء، أو شكَّ في البعثِ، أو سجدَ لصنمٍ أو كوكبٍ ونحوِه؛ فقد كفرَ، وارتدَّ عن دينِ الإسلام. وعليكَ بقراءةِ أبوابِ حكمِ الرِّدَّةِ من كُتُبِ الفقهِ الإسلاميِّ؛ فقد اعتنَوا به، ﵏. وبهذا تعلمُ من الأمثلةِ السَّابقةِ الرِّدَّةَ القوليَّةَ والعمليَّةَ والاعتقاديّةَ، وصورةَ الرِّدَّةِ في الشَّكِّ (٢).
س: بعض الناس يقول الكلام قد يؤدي إلى الكفر أو الفسق، ويقول: إنني أمزح، فهل مزاحه به صحيح في رفع الحرج أم لا ؟
ج: يحرمُ المزحُ تحريمًا شديدًا بما فيه كفرٌ أو فسقٌ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، وتجبُ التَّوبةُ من ذلك العملِ، والاستغفارُ، عسى اللهُ أن يتوبَ على فاعِلِه (٣).
س: الكفار الذين يعملون معنا في الشركات من السيخ والهندوس والنصارى ماذا لهم وماذا علينا نحوهم؟ وكيف يمكننا معاملتهم دون الوقوع في الموالاة ؟
ج: تدعُونَهم إلى الإسلامِ، وتأمرُونَهم بالمعروفِ، وتنهونَهم عن
стр. 39
المنكر، وتقابلونَ بِرَّهُم بالبرِّ، وتَسْتَمِيلُونَهم بالمعروفِ إلى الإسلامِ، مع بُغضِ ما هُم عليهِ من الكفرِ والضَّلال (١).
س: ما حكم الشرع في نظركم في هذه الألفاظ: (يعلم الله) (لا سمح الله) (لا قدر الله) (إرادة الله) (الله ورسوله أعلم) ؟.
ج: قوله: (يعلمُ اللهُ) لا بأسَ بذلكَ إذا كان صادقًا، وقولُه: (لا سمحَ اللهُ، لا قدَّرَ الله) لا بأسَ به إذا كانَ المرادُ بذلكُ طلبَ العافيةِ ممَّا يَضرُّه، وقوله: (إرادةُ الله) إذا أرادَ بذلك أنَّ ما أصابَه من مرضٍ وفقرٍ ونحوِ ذلك هو من قدرِ اللهِ وإرادتِه الكونيَّة؛ فلا بأس، وقوله: (اللهُ ورسولُهُ أعلم) يجوزُ في حياةِ الرَّسولِ ﷺ ، أمَّا بعدَ وفاتِه فيقولُ: (اللهُ أعلمُ)؛ لأنَّ الرَّسولَ ﷺ بعدَ وفاتِهِ لا يعلمُ ما يحدثُ بعدَ وفاته (٢). ...
س: لماذا اختلف الأئمة الأربعة في بعض الأمور الشرعية؟ هل الرسول يعرف بأن هؤلاء سيأتون بعده ؟
ج: لا نعلمُ أنَّ الرَّسولَ ﷺ يعرفُ أو لا يعرفُ أنَّ الأئِمَّةِ الأربعةِ ﵏ سيأتونَ بعده؛ لأنَّه لا يعلمُ الغيب، وإنَّما يعلمُ ما علَّمَهُ اللهُ. أمَّا أسبابُ اختلافِ العلماءِ فكثيرةٌ، منها: أنَّ كلَّ واحدٍ منهمْ لا يُحيطُ بالعلمِ كُلِّهِ؛ فقد يخفى عليه ما عَلِمَ غيرُه، وقد يفهمُ من النُّصوصِ ما
стр. 40
لا يفهمُه غيرُه عندما يختفي عليه الدَّليلُ الواضح، وقد بسطَ الكلامَ في ذلك شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ ﵀ في كتابِه «رفعُ الملامِ»، فراجِعْه؛ تجد المطلوبَ واضحًا، إنْ شاءَ الله (١).
س: ما موقفنا عند اختلاف العلماء ؟
ج: من كان مؤهلا بالعلم الشرعي وعلى دراية بطرق الاستنباط والترجيح من الكتاب والسنة وما يلزم لذلك فلا يلتزم بمذهب معين، بل يأخذ ما قام عليه الدليل، وأما العاجز عن معرفة الحكم بدليله، أو تتشابه عليه الأدلة، أو يتعسر عليه الترجيح، أو ضاق عليه الوقت فلا يتسع لذلك فإنه يسأل من عرف بالعلم والتقوى والدراية والخبرة في الفتوى كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، ويعمل بما يفتيه به، أو يقرأ ما يعتمده أهل بلاده من كتب أحد المذاهب الأربعة المشهورة ويأخذ به ويدرسه ويفتي به ما لم يكن في شيء منه شذوذ مخالف للكتاب والسنة (٢).
س: لدينا امرأة تسمى بـ: الغائبة، فإذا كان سبب تسميتها بهذا الاسم ادعاؤها علم الغيب فما الحكم ؟
ج: إدِّعاءُ علمِ الغيبِ كفرٌ، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، وينبغي أنْ تُغَيِّرَ اسمَها باسمٍ طيِّبٍ كفاطمةَ وعائشةَ
стр. 41
ونحوِ ذلك؛ حتى يزولَ عنها تلقيبُها بأنَّها تعلمُ الغيب، وعليها مع ذلك التَّوبةُ إلى اللهِ توبةً نصوحًا من دَعْواها علمِ الغيبِ أو تَعاطِيها ما حرَّمَ اللهُ عليها من الكهانَةِ والتَّنجيمِ وغيرِ ذلك، ممَّا ينتحلُه من يدَّعونَ علمَ الغيبِ، فإنْ لم تَتُبْ؛ وجبَ رَفْعُها إلى وليِّ الأمرِ بالبلدِ الذي هي فيه؛ لمعاقَبَتِها بما تستحقُّ، وتحذيرُ النَّاسِ من عمَلِها وتصديقِها (١).
س: كيف أتخلص من وسواس الشيطان في الصَّلاة ؟
ج: لا تَتَّبِعْهُ فيما يُوسوسُ به لك في صلاتِك؛ بل أعرضْ عنه، واشغلْ نفسك بتدبُّرِ ما تقرأُ من القرآنِ، والتَّفَكُّرِ في عظمةِ اللهِ وجلالِهِ في التَّكبيرِ والتَّسبيحِ والتَّحميدِ في قيامِكَ، ورُكوعِكَ، وسجودِك، وجلوسِك للتَّشَهُّدِ، وسائرِ الأقوالِ والأفعالِ المشروعةِ في صلاتِك، ولتَسْتَعِذْ باللهِ منه ثلاثَ مرَّات، ولتنفُثْ مع ذلك عن يسارِك (٢).
س: من هو الموفق أمام الله ؟
ج: الموفَّق: هو مَن تمسَّكَ بدينِ الإسلامِ فأخذَ بهِ اعتقادًا وقولا وعملا، مستنيرًا بالقرآنِ الكريمِ، وسُنَّةِ النَّبيِّ ﷺ وبما كان عليه السَّلفُ الصَّالحُ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ وأتباعِهِم بإحسان (٣).
* * *
стр. 42
س: ما موقف الشباب من الإسلام؟ وبماذا تنصح الشباب في الفترة الحرجة من حياتهم ؟
ج: يجبُ على المسلمِ أن يعتصمَ بحبلِ اللهِ، وأن يتمسكَ بكتابِه تعالى وسُنَّةِ نبيِّهِ ﷺ وأن يدعوَ إلى سبيلِ الله، وألا يتعصَّبَ لما رآهُ إذا ظهرَ الصَّوابُ في غيرِهِ، بل يَتَّبِعُ الحقَّ حيثُما كان، فإنَّ الحقَّ أحقُّ أنْ يُتَّبَع، وبالجملةُ فليتَّخذْ الرَّسولَ ﷺ قدوةً له في عمَلِهِ وحسنِ خُلُقِهِ وسمعتِه، وفي دعوتِه؛ لقولِه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١).
س: ما هي الوهابية ؟
ج: الوهابية: لفظةٌ يطلِقُها خصومُ الشَّيخِ محمَّدِ بنِ عبدِ الوهَّابِ ﵀ على دعوتِه إلى تجريدِ التَّوحيدِ من الشِّركيَّاتِ ونبذِ جميعِ الطُّرُقِ إلا طريقَ محمَّدِّ بنِ عبدِ اللهِ ﷺ ، ومرادُهم من ذلك: تنفيرُ النَّاسِ من دعوتِه وصدِّهم عمَّا دعا إليه، ولكنْ لم يضرَّها ذلك، بل زادَها انتشارًا في الآفاقِ، وشوقًا إليها ممَّن وفَّقهم اللهُ إلى زيادةِ البحثِ عن ماهيَّةِ الدَّعوةِ، وما ترمي إليه، وما تستنِدُ عليه من أدلَّةِ الكتابِ والسُّنَّةِ الصَّحيحةِ؛ فاشتدَّ تمسُّكُهم بها، وعَضُّوا عليها، وأخذوا يدعونَ النَّاسَ إليها، وللهِ الحمد (٢).
* * *
стр. 43
س: قولكم ما هي الوهابية وهل هي مذهب خامس أم تتبع بعض المذاهب الأربعة ؟
ج: هذه الكلمة يطلقها الكثير من الناس على دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي الحنبلي ﵀، ويسمونه وأتباعه الوهابيين، وقد علم كل من له أدنى بصيرة بحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ودعوته أنه قام بنشر دعوة التوحيد الخالص، والتحذير من الشرك بسائر أنواعه كالتعلق بالأموات وغيرهم كالأشجار والأحجار ونحو ذلك، وهو ﵀ في العقيدة على مذهب السلف الصالح، وفي الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل الشيباني ﵀ كما تدل على ذلك كتبه وفتاواه وكتب أتباعه من أبنائه وأحفاده وغيرهم، وقد طبعت كلها وانتشرت بين الناس، وقد قام الإمام محمد ﵀ في وقت استحكمت فيه غربة الإسلام، وخيم على الجزيرة العربية وغيرها إلا ما شاء الله سحب الجهالة، وانتشرت بها عبادة الأنداد والأوثان فما كان من أمر الشيخ ﵀ إلا أن شمر عن ساعد الجد، وناضل وكافح، وكرس جهوده في القضاء على طرق الغواية مستعملا في ذلك شتى الوسائل الموصلة إلى شر التوحيد النقي من الخرافات بين الناس، وكان من نعم الله سبحانه أن وفق الله الإمام محمد بن سعود أمير الدرعية في ذلك الوقت لقبول هذه الدعوة فقام معه في هذا السبيل هو وأولاده ومن تحت إمرته ومن تابعه في هذا الخير جزاهم الله كل خير وغفر لهم ووفق ذريتهم جميعا لكل ما فيه رضاه وصلاح عباده، وما زالت أصقاع الجزيرة العربية تعيش في ظل هذه الدعوة الخيرة إلى يومنا هذا، وكانت دعوته ﵀ وفق كتاب الله وسنة رسوله ﵊، وليست الوهابية مذهبا خامسا كما يزعمه الجاهلون والمغرضون، وإنما هي
стр. 44
دعوة إلى العقيدة السلفية وتجديد لما درس من معالم الإسلام والتوحيد في الجزيرة العربية كما سلف (١).
س: ما الكتب المفيدة في فهم العقيدة ؟
ج: تختلفُ الكتبُ المفيدةُ في فهمِ العقيدةِ وغيرِها باختلافِ النَّاسِ في فهمِهم وثقافتِهم ودرجاتِهم العلميَّة، وعلى كلٍّ أنْ يسترشِدَ في ذلك بمَن حولَه من العلماءِ الذين يعرفونَ حالَه وقوَّةَ إدراكِه وتحصيلِه للعلومِ. ومن الكُتُبِ النَّافعةِ في العقيدةِ إجمالا «العقيدةُ الواسطيَّة» بشروحِها، و «شرحُ العقيدةِ الطحاويَّة» و «كتابُ التَّوحيدِ» للشَّيخِ محمَّدِ بنِ عبدِ الوهَّابِ مع شرحِهِ «فتحُ المجيد»، وشرحِه أيضًا «تيسيرُ العزيزِ الحميدِ»، و «كشفُ الشُّبهات» و «ثلاثةُ الأُصول» كلاهُما للشَّيخِ محمَّدِ بنِ عبدِ الوهَّاب، و «التدمرية» و «الحموية» كلاهُما لشيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ، وكتابُ «التَّوحيد» لابنِ خُزيمةَ، و «القصيدةُ النُّونيَّة» مع شرحِها مع العلمِ بأنَّ أعظمَ الكتبِ وأشرفَها هوُ (كتابُ اللهِ العظيمِ)، وفيه أوضحُ بيانٍ للعقيدةِ الصَّحيحةِ، وبيانِ بطلانِ ما يُخالِفُها، فنُوصيكَ بالإكثارِ من تلاوتِهِ وتدَبُّرِ معانِيه؛ ففيهِ الهُدى والنُّورُ والدَّعوةُ إلى كلِّ خيرٍ، والتَّحذيرُ من كلِّ شرٍّ، كما قالَ تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٢).
* * *
стр. 45
س: في الحي الذي أسكن فيه يوجد مسجد وتوجد زاوية تابعة لطريقة صوفية، هل تجوز الصَّلاة في هذه الزاوية ؟
ج: لا تُصلِّ مع هؤلاءِ الصُّوفيَّةِ في زاويتهم، واحذرْ صحبتَهم والاختلاطَ بهم؛ لئلا يُصيبُك ما أصابَهم، وتحرَّ الصَّلاة في مسجدِ جماعةٍ يتحرَّونَ السُّنَّةَ ويحرصونَ عليها (١).
س: ما هو معنى حديث رسول الله ﷺ المتفق عليه حيث قال: «سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، أَحْدَاثُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ، لا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ»، فيمن قيل هذا الحديث، وأي: زمان الذي أشار إليه الرسول ﷺ -؟
ج: هذا الحديثُ وما في معناهُ قالَه النَّبيُّ ﷺ في الطَّائفةِ المُسماةُ بـ (الخوارجِ)؛ لأنَّهم يغلونَ في الدِّين ويُكفِّرونَ المسلمين بالذُّنوبِ التي لم يجعلْها الإسلامُ مُكَفِّرةً، وقد خرجوا في زمنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁، وأنكروا عليه أشياءً، فدعاهُم إلى الحقِّ وناظرَهم في ذلك؛ فرجعَ كثيرٌ منهم إلى الصَّوابِ وبقيَ آخرون، فلمَّا تعدَّوا على المسلمينَ قاتَلَهم عليٌّ ﵁ وقاتَلهم الأئمةُ بعدَه؛ عملا بالحديثِ المذكورِ، وما جاءَ في معناهُ من الأحاديث، ولهم بقايا إلى الآن، والحكمُ عامٌّ في كلِّ من اعتقدَ عقيدتَهم في كلِّ زمانٍ ومكانٍ (٢).
стр. 46
[س: هل من تبيين لنا عن فرقتي الخوارج والشيعة ؟
ج: الخوارج: هم أول من فارق جماعة المسلمين من أهل البدع المارقين، القائلون بتكفير عثمان وعلي ﵄ ويقدمون ذلك على كل طاعة، وكذلك تكفير الحَكَمَيْن، وكل من رضي بالتحكيم، ويكفرون أصحاب الكبائر، ويرون الخروج على الإمام إذا خالف السنة حقًّا واجبًا، وينقسمون إلى عدة فرق، ونوصيك بمراجعة كتاب: «الفرق بين الفرق» للبغدادي، و «الملل والنحل» للشهرستاني، و «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية».
ومذهب الشيعة الإمامية: مذهب مبتدع في الإسلام، يعتمد الغلو في أئمة أهل البيت، حيث يعتقدون عصمة اثني عشر إمامًا؛ آخرهم يصفونه بالمنتظر، يدعون اختفاءه عن الأعين وبقاءه حيًّا.
ونوصيك بمراجعة كتاب «الخطوط العريضة» لمحب الدين الخطيب، و «مختصر التحفة الاثني عشرية»، و «منهاج السنة» لشيخ الإسلام ابن تيمية، ففي هذه المراجع بيان لحالهم وكثير من بدعهم (١).] [*]
س: اختلف علماؤنا في البدعة، فقال بعضهم: البدعة منها ما هو حسن ومنها ما هو قبيح فهل هذا صحيح ؟
ج: البدعة: هي كلُّ ما أُحدِثَ على غيرِ مثالٍ سابقٍ، ثم منها ما يتعلَّقُ بالمعاملاتِ وشُئونِ الدُّنيا، كاختراعِ آلاتِ النَّقلِ من طائراتٍ وسياراتٍ وقاطراتٍ، وأجهزةِ الكهرباءِ، وأدواتِ الطَّهيِ، والمُكيِّفاتِ التي تُستعملُ للتَّدفِئَةِ والتَّبريدِ، وآلاتِ الحربِ من قنابل وغوَّاصاتٍ ودبَّاباتٍ، ... إلى غيرِ ذلك ممَّا يرجعُ إلى مصالحِ العبادِ في دُنياهم؛ فهذه في نفسِها لا حرجَ فيها، ولا إثمَ في اختراعِها.
أمَّا بالنِّسبةِ للمقصدِ من اختراعِها وما تُستعملُ فيه: فإنْ قُصِدَ بها خيرٌ، واستُعينَ بها فيه؛ فهي خير، وإنْ قُصِدَ بها شرٌّ من تخريبٍ وتدميرٍ وإفسادٍ في الأرضِ، واستُعينَ بها في ذلك؛ فهي شرٌّ وبلاءٌ، وقد تكونُ البدعةُ في الدِّين عقيدةً، أو عبادةً -قوليَّة أو فعليَّة-، كبدعةِ نفيِ القَدَرِ، وبناءِ المساجدِ على القبورِ، وإقامةِ القِبابِ على القبور، وقراءةِ القرآنِ عندَها للأموات، والاحتفالِ بالموالدِ إحياءً لذكرى الصَّالحين والوُجهاء، والاستغاثةِ بغيرِ اللهِ، والطَّوافِ حولَ المزارات، فهذه وأمثالُها كلُّها ضلالٌ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ»، لكن منها ما هو شركٌ أكبرُ يُخرِجُ من الإسلام، كالاستغاثةِ بغيرِ اللهِ فيما هو من وراءِ الأسبابِ العاديَّة، والذَّبحِ والنَّذرِ لغيرِ الله... إلى أمثالِ ذلك ممَّا هو عبادةٌ مُختصَّةٌ بالله، ومنها ما هو ذريعةٌ إلى الشِّرك؛ كالتَّوسُّلِ إلى اللهِ بجاهِ الصَّالحين، والحلفِ بغيرِ الله، وقولِ الشَّخص «مَا شَاءَ اللهُ، وَشِئْتَ»، ولا تنقسمُ البدعُ في العباداتِ إلى الأحكامِ الخمسةِ كما زعمَ بعضُ النَّاسِ؛ لعمومِ حديثِ: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ» (٢).
стр. 47
س: إذا خرج بعض الإخوان لرحلة أو لعمرة أو نحوهما، فيأمرون أحدهم أو بعضهم يوميًّا صباحًا ومساءً بقراءة ورد الصباح والمساء الوارد عن الرسول ﷺ وبقية الجماعة يستمعون إليه، فما حكم ذلك ؟
ج: كان لرسولِ اللهِ ﷺ أذكارٌ وأدعيةٌ يذكرُ اللهَ ويدعُوه بها صباحًا ومساءً في نفسِه، وسَمِعَها منه أصحابُه وتعلَّموها، وذكروا اللهَ ودعوه بها صباحًا ومساءً كلٌّ منهم في نفسِهِ منفردًا؛ اقتداءً برسولِ اللهِ ﷺ ، ولمْ يُنقلْ عنه ﷺ ولا عن أصحابِه ﵃ فيما نعلم- أنَّهم كانوا يقولون تلك الأذكارِ والأدعيةِ مجتمعين، يقرؤونها جميعًا أو يقرؤُها بعضُهم ويستمعُ الآخرون، فينبغي للمسلمِ أن يهتدي بهدي الرَّسولِ ﷺ وأصحابِه ﵃ في ذكرِهِ ودعائِهِ، وكيفيَّةِ ذلك، وفي سائرِ ما شرعَه ﵊ فإنَّ الخيرَ كلَّ الخيرِ في إتِّباعِه، والشَّرَّ كلَّ الشَّرِّ في مخالفتِه، والاجتماعُ لذلك واتِّخاذُه طريقةً وعادةً من البدعِ المُحدَثَة، وقد قالَ ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» مُتَّفَقٌ على صِحَّتِه، وقال ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ»، وممَّا ثبتَ عنه ﷺ من أذكارِ وأدعيةِ الصَّباح والمساءِ ما رواهُ ابن عمر ﵄ قال: لم يكنْ رسولُ اللهِ ﷺ يدعُ هذه الكلماتِ حين يُمسي وحين يُصبح: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي وَاحْفَظْنِي مِنْ بَيْنَ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» أخرجَه النَّسائيُّ، وابنُ ماجه، وصحَّحهُ الحاكم، ومنها ما رواهُ أبو هريرة ﵁ قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا أصبحَ يقول: «اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ النُّشُورُ»، وإذا
стр. 48
أمسى قال مثل ذلك إلا أنه قال: «وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ» أخرجَهُ أبو داودَ، والنَّسائيُّ، والتِّرمذيُّ، وابنُ ماجه (١).
س: هل كان النبي ﷺ يقرأ الفاتحة بعد الدعاء ؟
ج: لم يثبتْ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه كان يقرأُ الفاتحةَ بعدَ الدُّعاءِ فيما نعلم، فقراءتُها بعد الدُّعاءِ بدعة (٢).
س: ما حكم القول: الفاتحة على روح فلان، أو الفاتحة إن الله ييسر لنا ذلك الأمر، وبعد ذلك يقرؤون، أو بعد أن يقرأ القرآن وينتهي من قراءته يقول الفاتحة ويقرؤها الحاضرون، وكذلك جرى العرف على قراءة الفاتحة قبل الزواج، فما حكم ذلك ؟
ج: قراءةُ الحاضرِ الفاتحةَ بعد الدُّعاءِ، أو بعد قراءةِ القرآن، أو قبلَ الزَّواجِ بدعة؛ لأنَّ ذلك لم يثبتْ عن النَّبيِّ ﷺ ولا عن أحدٍ من صحابتِه ﵃، وقد ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٣).
* * *
стр. 49
س: بعض الناس يرون فرض السلام على النبي ﷺ مرة واحدة وفيما بعد يبقى مستحبًّا ؟
ج: إنَّ الصَّلاة والسَّلامَ على النَّبيِّ ﷺ فرضٌ؛ لأمرِ اللهِ سبحانَه بذلك في قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، والأصلُ في الأمرِ الوجوبُ، ولمَّا لمْ يدلْ الأمرُ في الآيةِ على التَّكرارِ كانَ وجوبُ ذلك مرَّةً في العمر، وكان تَكرارُهما مُستحبًّا؛ للأحاديثِ التي وردتْ في التَّرغيبِ في ذلك إلا في المواضعِ التي دلَّتْ الأحاديثُ على وُجوبِها فيها (١).
س: ما حكم الاحتفال بمولد النبي ﷺ في شهر ربيع الأول تعظيمًا له ﵊ ؟
ج: تعظيمُ النَّبيِّ واحترامُه إنَّما هو: بالإيمانِ بكلِّ ما جاءَ به من عندِ الله، واتِّباعِ شريعتِه -عقيدة، وقولا، وعملا، وخلقًا-، وتركِ الابتداعِ في الدِّين، ومن الابتداعِ في الدينِ الاحتفالُ بمولدِ النَّبيِّ ﷺ (٢).
س: ما حكم الكتاب المسمى بـ [البردة المديح] التي تستعمل في الدعاء في وطننا، وهل هذا الكتاب إذا قرأته تثاب أم لا، وهل قراءة هذا الكتاب تصل إلى النبي ﷺ كما يقول بعض الناس أم لا ؟
ج: أكثرْ من قراءةِ القرآنِ الكريم، ومن ذِكْرِ اللهِ بما ثبتَ من الأذكارِ عن النَّبيِّ ﷺ ، واستغنِ بذلك عن قراءةِ البُردَةِ ونحوِها، فإنَّ التَّعَبُّدَ بقراءتِها
стр. 50
وقراءةِ أمثالِها بدعةٌ مُحدثةٌ، وقد ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» وفي روايةٍ «مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، وعلى هذا فلا ثوابَ في قراءتِها، بل في بعضِ أبياتِها شركٌ أكبرُ، مثل:
يَا أَكْرَمَ الْخَلْقِ مَا لِي مَنْ أَلُوذُ بِهِ... سِوَاكَ عِنْدَ حُلُولِ الْحَادِثِ الْعَمِمِ
إلى أن قال:
إِنْ لَمْ تَكُنْ فِي مَعَادِي آخِذًا بِيَدِي... فَضَلا وَإِلا فَقُلْ يَا زَلَّةَ الْقَدَمِ
فإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتِهَا... وَمِنْ عُلُومِكَ عِلْمُ اللَّوْحِ وَالْقَلَمِ (١)
س: هل يجوز حضور الاحتفالات البدعية، كالاحتفال بليلة المولد النبوي، وليلة المعراج، وليلة النصف من شعبان، لمن يعتقد عدم مشروعيتها لبيان الحق في ذلك ؟
ج: أولا: الاحتفالُ بهذه اللَّيالي لا يجوز، بل هو من البدعِ المنكرة.
ثانيًا: غشيانُ هذه الاحتفالاتِ وحضورُها لإنكارِها وبيانِ الحقِّ فيها، وأنَّها بدعةٌ لا يجوزُ فعلُها مشروعٌ، ولا سيَّما في حقِّ من يقوى على البيانِ، ويغلبُ على ظنِّهِ سلامتُه من الفتنِ، أما حضورُها للفُرْجَةِ والتَّسليةِ والاستطلاعِ فلا يجوز؛ لما فيه من مشاركةِ أهلِها في مُنكَرِهم، وتكثيرِ سوادِهم، وترويجِ بدعتهم (٢).
* * *
стр. 51
س: ما حكم الاحتفال بليلة السابع والعشرين من رمضان خاصة ؟
ج: الاحتفالُ بليلةِ السَّابع والعشرينَ من شهرِ رمضانَ خاصَّةً بدعةٌ مُحدثةٌ، وقد ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»، وإنَّما المشروعُ: إحياؤُها بالعبادةِ، والصَّدقةِ، ونحوِها كسائرِ ليالي العشر (١).
س: عندنا مساجد يجتمع فيها أناس في ليلة خمس عشرة من شعبان ويقرؤون المولد ؟
ج: هذا من البدع، وقد ثبتَ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»، وقولُه في الحديثِ: «وَإِيَّاكُم وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ»، والعباداتُ مبناها على الأمرِ والنَّهي والإتِّباع، وهذا العملُ لمْ يأمرْ به رسولُ اللهِ ﷺ ، ولمْ يفعلْهُ، ولا فعلَهُ أحدٌ من الخلفاءِ الرَّاشدين ولا من الصَّحابةِ والتَّابعين، وقد قالَ النَّبيُّ ﷺ في بعضِ ألفاظِ الحديثِ الصَّحيحِ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، وهذا العملُ ليس عليه أمرُه ﷺ ؛ فيكونُ مردودًا يجبُ إنكارُه؛ لدخولِه فيما أنكرَهُ اللهُ ورسولُه، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، وهذا الأمرُ ممَّا أحدثَهُ الجهلةُ بغيرِ هدًى من الله، وقد كتبَ سماحةُ الشَّيخِ عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بازٍ رسالةً في «حكمِ الاحتفالِ بليلةِ النِّصفِ من شعبانَ والاحتفالِ بليلةِ الإسراءِ والمعراج» (٢).
* * *
стр. 52
س: الاحتفالات بالأعياد الدينية: مولد النبي ﷺ ، النصف من شعبان - إلخ حسب المناسبات هل ذلك جائز ؟
ج: (أ) الاحتفالُ بالأعيادِ البدعيَّةِ لا يجوز.
(ب) في السَّنَةِ عيدان: عيدُ الأضحى وعيدُ الفِطر، ويُشرعُ في كلٍّ منهما إظهارُ الفرحِ والسُّرور، وفعلُ ما شرَعَهُ اللهُ سبحانه فيهما من الصَّلاة وغيرِها، ولكن لا يُستباحُ فيها ما حرَّمَ اللهُ .
(ج) لا يجوزُ أن يُقامَ احتفالٌ بمولدِ النَّبيِّ ﷺ ، ولا بمولدِ غيرِه؛ لأنَّ الرَّسولَ ﷺ لم يفعلْ ذلك، ولم يشرعْهُ لأُمَّتِه، وهكذا أصحابُه ﵃ لم يفعلوه، وهكذا سلفُ الأُمَّةِ من بعدِهم في القرونِ المُفضَّلةِ لم يفعلوه، والخيرُ كلُّه في اتِّباعِهم.
(د) الاحتفالُ بليلةِ النِّصفِ من شعبانَ بدعة، وهكذا الاحتفالُ بليلةِ سبعٍ وعشرينَ من رجبَ التي يُسَمِّيها بعضُ النَّاسِ بـ: ليلةِ الإسراءِ والمِعراجِ، كما تقدَّم في فقرةِ (ج)، واللهُ المستعان (١).
س: ما حكم الشرع في الولائم التي تقدم إلى الأولياء سنويًّا حيث عندنا يقام كل عام على الأولياء ولائم تكلف الناس كثيرًا، ويرى ضعفاء العقول أنه واجب عليهم القيام بذلك ؟
ج: لا يجوزُ عملُ ولائمَ باسمِ الأولياءِ؛ لأنَّ هذا من البدعِ الُمحْدَثَة، وقد ثبتَ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، ولا يجوزُ للمسلمٍ حضورُها؛ لأنَّه من التَّعاون على الإثمِ والعُدوان، وقد نهى اللهُ جل وعلا عنه بقولِه تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، وإن كان المقصودُ بإقامةِ الولائمِ التَّقرُّبَ إلى الأولياءِ بذلك طمعًا في شفاءِ المرضى، وشفاعتِهم يومَ القيامة، أو حصولِ المددِ منهم للأحياءِ الذين أقاموا الولائمَ؛ فهذا شركٌ أكبر؛ لأنَّ ذلك عبادةً لهم (٢). ...
س: ما معنى (مضلات الفتن)، وما معنى قول بعضهم: إن هذه الفتنة هي من الله إلى عبده ؟
ج: أولا: مُضلاتُ الفتنِ هي الفتن التي تُصيبُ النَّاسَ؛ فتنحرفُ بهم عن سواءِ السَّبيلِ، وتصدُّهم عن الصِّراطِ المستقيم، كالشُّبَهِ التي تُضِلُّ الإنسانَ عن الحقِّ وتنحرفُ به عن جادَّةِ الصَّواب، وكدُعاةِ السُّوءِ الذين يلبسونَ الحقَّ بالباطل، ويموِّهونَ على ضعافِ النُّفوس، فيستهوونَهم بما
стр. 53
أُوتوا من فصاحةٍ وقوةِ بيانٍ، وكالمرضِ أو الفقرِ الذي يتبرَّمُ به المرء، ويضيقُ منه صدرُه، فيسخطُ على قضاءِ اللهِ وقدَرِه، وكالغِنَى الذي يغترُّ به كثيرٌ من النَّاس، ويُحدِّثُهُم به الشَّيطانُ؛ فيصطفيهم ويصدُّهم عن الصِّراطِ السَّويِّ، ونحوِ ذلك ممَّا يفتنُ المسلمَ عن دينِه أو يَصُدُّ الكافرَ عن الهداية.
ثانيا: الشَّيءُ قد يكونُ في ظاهرِهِ فتنةً ومحنةً كالفقرِ والمرضِ، وتسلُّطِ الخصوم، وهو في الحقيقةِ وواقعِ الأمرِ منحةٌ ونعمةٌ، فقد يكون سببًا للتَّوبةِ إلى الله، والهدايةِ والتَّوفيق، وتحوُّلِ الإنسانِ إلى خيرٍ وسَعَةٍ بعدما كان ضيِّقَ الصَّدرِ متبرِّمًا بالحياةِ فتفضي به الشِّدَّةُ إلى سهولةٍ، والبلاءُ إلى راحةٍ وسعادةٍ، فيجبُ على المسلمِ الصَّبرُ، والرُّجوعُ إلى اللهِ في كشفِ الضُّرِّ، عسى أنْ يجعلَ له من أمرِهِ يُسرًا (١).
س: ما الفرق بين أسماء الله وصفاته ؟
ج: أسماءُ اللهِ كلُّ ما دلَّ على ذاتِ اللهِ مع صفاتِ الكمالِ القائمةِ به، مثلُ القادر، العليم، الحكيم، السَّميع، البصير، فإنَّ هذه الأسماءَ دلَّتْ على ذاتِ الله، وعلى ما قامَ بها من العلمِ والحكمةِ والسَّمعِ والبصر.
أمَّا الصِّفاتُ فهي نعوتُ الكمالِ القائمةُ بالذَّاتِ كالعلمِ والحكمةِ والسَّمع والبصرِ؛ فالاسمُ دلَّ على أمرين، والصِّفةُ دلَّتْ على أمرٍ واحدٍ، ويُقالُ: الاسمُ متضمِّنٌ للصِّفة، والصِّفةُ مستلزمَةٌ للاسمِ، ويجبُ الإيمانُ بكلِّ ما ثبتَ منهما عن اللهِ تعالى، أو عن النَّبيِّ ﷺ على الوجهِ اللائقِ باللهِ سبحانه مع الإيمانِ بأنَّه سبحانه لا يُشبِهُ خلقَهَ في شيءٍ من صفاتِه، كما أنَّه سبحانه لا يُشبهُهُم في ذاتِه، لقولِهِ تعالى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ
стр. 54
الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وقولِهِ سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ... شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١).
س: ما الذي يجب على المسلم علمه من العقيدة حتى يكون مسلمًا حقًّا ؟
ج: المسلمون يتفاوتون في مقدرَتِهم العقليَّةِ، وفي فراغِهم، ومشاغِلهم الحيويَّةِ، وفي تيسُّرِ طُرُقِ التَّعلُّمِ وصعوبتِها، فيجبُ على مسلمٍ ما لا يجبُ على الآخر، وأقلُّ ما يجبُ من ذلك على كلِّ مُكلَّفٍ الإيمانُ باللهِ، وملائكتِهِ، وكُتُبِه، ورُسُلِه، واليومِ الآخِر، والإيمانِ بالقدَرِ خيرِه وشرِّه، حُلوهِ ومُرِّه، وفهمُ معنى ذلك إجمالا، والنُّطقُ بشهادةِ أنَّ لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، وفهمُ معناها ولو إجمالا، وإقامُ الصَّلاة، وإيتاءُ الزَّكاة بالنِّسبةِ للأغنياء، وصومُ رمضانَ، وحجُّ البيتِ الحرامِ لمَن استطاعَ إليه سبيلا، ثم معرفةُ حكمِ ما يُبتلى به من النَّوازل؛ ليُقدِّمَ على ما يجوزُ منها ويجتنبَ ما لا يجوزُ منها، مع الحذرِ من كلِّ ما حرَّمَ اللهُ على عبادِه، وأكثر من تلاوة القرآن الكريم مع قراءة بعض الكتب السلفية كـ «شرح الطحاوية» لابن أبي العز، و «زاد المعاد» لابن القيم ونحوها لتزداد علمًا في ذلك (٢).
* * *
стр. 55
س: ما أنواع العقائد المطلوب من المسلم الإيمان بها ؟
ج: هي أن تؤمنَ باللهِ، وملائكتِه، وكتبِه، ورُسُلِه، وباليومِ الآخرِ، وتؤمنَ بالقدرِ خيرِهِ وشرِّهِ، وحُلْوِهِ ومُرِّه، على ما بيَّنهُ اللهُ في كتابِه، وبيَّنَهُ رسولُ اللهِ ﷺ في سُنَّتهِ، مع الالتزامِ بأركانِ الإسلامِ الخمسةِ والإيمانِ بها، وهي شهادةُ أنَّ لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ الله، وإقامُ الصَّلاة، وإيتاءُ الزَّكاة، وصومُ رمضانَ، وحجُّ البيت، والإيمانُ بأنَّ اللهَ سبحانه هو المستحقُّ للعبادةِ دونَ سواهُ، وهذا معنى شهادةِ أنَّ لا إلهَ إلا اللهُ، معناها لا معبودَ حقٌّ إلا الله، كما قالَ تعالى ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾، مع الإيمانِ بأسماءِ اللهِ سبحانه وصفاتِه الواردةِ في القرآنِ العظيمِ والسُّنَّةِ الصَّحيحةِ عن النَّبيِّ ﷺ ، وإثباتِها للهِ سبحانَه على الوجهِ اللائقِ به، كما قالَ تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ... شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١).
س: الإيمان يزيد وينقص، فإذا كنت ممن نقص إيمانه وقسا قلبه، فكيف لي بزيادة إيماني وليونة قلبي وخشوع جوارحي في وسط صراع الدنيا ومغرياتها في هذا الزمان؟ فضيلة الشيخ أرجو من سيادتكم الإفادة بالتفصيل وجزاك الله عنا خير الجزاء ؟
ج: حقًّا الإيمانُ يزيدُ بطاعةِ الله، وينقصُ بمعصيتِه، فحافظْ على ما أوجبَ اللهُ من أداءِ الصَّلواتِ في وقتِها جماعةً في المساجد، وأداءُ الزَّكاة طيَّبةً بها نفسُكَ طهرةٌ لك من الذُّنوبِ ورحمةٌ بالفقراءِ والمساكين، وجالسْ أهلَ الخيرِ والصَّلاح؛ ليكونوا عونًا لك على تطبيقِ الشَّريعة، وليُرشِدُوك إلى ما فيه السَّعادةُ في الدُّنيا والآخرة، وجانبْ أهلَ البدعِ والمعاصي؛ لئلا
стр. 56
يفتنوك، ويُضعِفوا عزيمةَ الخيرِ فيك، وأكثرْ من فعلِ نوافلِ الخير، والجأْ إلى اللهِ واسألْهُ التَّوفيق، إنَّك إنْ فعلتَ ذلك؛ زادَكَ اللهُ إيمانًا، وأدركتَ ما فاتَك من المعروف، وزادَكَ اللهُ إحسانًا واستقامةً على جادَّةِ الإسلام (١).
س: كنت في المرحلة الثانوية قابضًا على ديني بشدة ولكن الآن أشعر بنقصان في إيماني منذ دخولي الجامعة فأرجو منكم النصيحة والعون في أمري هذا ؟
ج: عليك تلاوةَ القرآنِ، وتدبُّرُه، والعملُ بما فيه، وقراءةُ ما يُوضِّحُهُ من سُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، والرُّجوعُ إلى كلامِ أهلِ العلمِ الموثوقين في العقيدةِ والفقه، وعليك الإكثارُ من الأعمالِ الصَّالحةِ، ومجالسةُ أهلِ الخيرِ، والبُعْدُ عن الشرِّ وأهلِه، وادفعْ عنك وَساوِسَ الشَّيطانِ بكثرةِ ذكرِ اللهِ والاستغفارِ، وحاسبْ نفسَك فيما مضى منك، فإن كنتَ مُسيئًا؛ فَتُبْ إلى اللهِ، واستغفرْه، وأقلع من الذُّنوب، واندمْ على فِعْلِك، واعزمْ على عدمِ العودةِ إلى مثلِ ذلك (٢). ...
س: بأي شيء فضَّل الله رسوله محمد ﷺ على سائر الرسل ؟
ج: فضَّلَ اللهُ عبدَهُ ورسولَه محمَّدَ بنَ عبدِ اللهِ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليه على سائرِ الخلقِ والرُّسُلِ جميعًا بفضائلَ كثيرة، منها: أنَّه سبحانه اتَّخذَه خليلا كما اتَّخذَ إبراهيمَ خليلا، وأرسلَه إلى النَّاسِ كافَّةً، وسائرُ من
стр. 57
أُرْسِلَ قَبْلَه من الرُّسُلِ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه وعليهم أجمعين يُرْسَلُ إلى قومِه خاصَّةً، قالَ تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، وقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، ومنها تكريمُهُ وتخصيصُهُ بالشَّفاعةِ الكُبرى دونَ غيرِه من الرُّسُلِ، إلى غيرِ ذلك من الخصائصِ الكثيرةِ المعروفةِ من الكُتُبِ المؤلَّفةِ في ذلك، كـ «كتابِ الخصائص» للسيوطي (١).
س: هل الدعوة إلى الله توقيفية أو توفيقية ؟
ج: الدَّعوةُ إلى اللهِ توقيفيَّةٌ من جهةِ أنَّ الدَّاعي يتَّبِعُ في دعوتِهِ المنهاجَ الذي أرشدَ اللهُ الدُّعاةَ إليه من الحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ والمناقشةِ في المسائلِ الاجتهاديَّةِ بالتي هي أحسنُ؛ للوصولِ إلى الحقِّ، لا لقصدِ التَّغلُّبِ على غيرِه والتَّعصُّبِ لرأي نفسِه، قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وأنَّه ينكرُ المنكرَ بيدِه إن استطاعَ وكانَ أهلا لذلك، فإنْ لمْ يستطعْ فبلسانِه، فإنْ لمْ يستطعْ فبقلبِه وذلك أضعفُ الإيمان، وهي فرضُ كفايةٍ إذا قام بها البعض؛ سقطتْ عن الباقين، وتتعيَّنُ على مَن لا تقومُ إلا بهم، أمَّا من جِهَةِ الوُقوعِ فهي توفيقيَّةٌ، بمعنى أنَّ مَن شاءَ اللهُ تعالى لهُ التَّوفيقَ لأداءِ واجبِ الدَّعوةِ إلى اللهِ؛ شرحَ صدرَه لها وهيَّأَ له أسبابَها؛ فضلا منه تعالى ورحمة (٢).
стр. 58
س: قد جاء في الحديث أن الإنسان لن يدخل الجنة بفضل عمله، بل بفضل الله تعالى وأرجو أن تعرفوني بمزيد من الأقوال عن هذا الصدد ؟
ج: ليس بمجردِ العملِ ينالُ الإنسانُ السَّعادةَ، بل العملُ سببٌ، يدلُّ على ذلك قولُه تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فهذه باءُ السَّبب، وأمَّا ما نفاهُ النَّبيُّ ﷺ بقولِه «لَنْ يَدْخَلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ» الحديث، فهي باءُ المقابَلةِ، كما يُقالُ اشتريتُ هذه بهذا، أي ليس العملُ عِوضًا وثمنًا كافيًا في دخولِ الجنَّةِ، بل لا بُدَّ مع ذلك من عفوِ اللهِ وفضلِه ورحمتِه، فبعفوِه يمحو السَّيِّئات، وبرحمتِهِ يأتي بالخيرات، وبفضلِه يُضاعِفُ الحسنات (١).
س: هل يميت الله العصاة من هذه الأمة إن دخلوا النار إماتة حقيقية وما معنى لا يذوقون فيها الموت هل ورد في ذلك حديث أصلا ؟ ...
ج: (أ) لا يموتُ الكفَّارُ ولا المؤمنونَ ولا عُصاةُ المؤمنين بعد موتَتِهم التي ماتُوها عند انتهاءِ أجلِهم في الحياةِ الدُّنيا، لا موتًا حقيقيًّا ولا موتًا غيرَ حقيقيٍّ كالنَّوم، لكن ناسٌ من عصاةِ المؤمنينَ أصابتهُم النَّارُ بذنوبِهم فأماتَتْهُم إماتةً حتى إذا كانوا فحمًا أُذِنَ بالشَّفاعة فيهم، كما جاءَ في حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ قالَ قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلا يَحْيَوْنَ، وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ -أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ-فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا، أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ، فَجِيءَ بِهِمْ
стр. 59
ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ، فَبُثوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ قِيلَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ، فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ»، فقال رجلٌ من القومِ: كأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قد كانَ في البادية.
(ب) كلمة: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾، سِيقتْ ضِمنَ آياتٍ في نعيمِ المُتَّقينَ، هي قولُ اللهِ سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١).
س: ما معنى القدر مع تفصيل شامل ؟
ج: معناهُ أنَّ اللهَ علمَ الأشياءَ كلَّها قبلَ وجودِها، وكتبَها عندَه، وشاءَ ما وُجِدَ منها، وخلقَ ما أرادَ خلقَه، وهذه هي مراتبُ القَدَرِ الأربعِ التي يجبُ الإيمانُ بها، ولا يكونُ العبدُ مؤمنًا بالقَدَرِ على الكمالِ حتى يكونّ مؤمنًا بها، كما ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه أجابَ جبريلَ لمَّا سألَه عن الإيمانِ قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» رواه مسلمٌ في «صحيحِهِ».
وثبتَ عنه ﷺ في حديثِ عُبادةَ بنِ الصَّامتِ أنَّه قالَ له: «إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ الإِيمَانِ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا
стр. 60
أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ» الحديث، وقد أوضحَ هذا المعنى شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ ﵀ في «العقيدةِ الواسطيَّة»، فنوصيكَ بمراجعتِها وحِفظِها (١).
س: كم مراتب الإيمان بالقضاء والقدر؟ وما هي ؟
الجواب: مراتب ذلك أربعة لا يتم الإيمان بالقدر إلا بتكميلها، الإيمان بأن الله بكل شيء عليم، وأنه علمه محيط بالحوادث، دقيقها وجليلها، وأنه كتب ذلك باللوح المحفوظ، وأن جميعها واقعة بمشيئته وقدرته، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه مع ذلك مَكَّن العباد من أفعالهم فيفعلونها اختيارًا منهم بمشيئتهم وقدرتهم، كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَاب﴾ [الحج: ٧٠]، وقال: ﴿لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩] (٢).
س: ما حكم قولنا هذه الكلمة التالية: «هذا ما يستاهل اللي جاه» إذا وقع حادث في منزل رجل صالح ؟
ج: هذه اللفظة لا تجوز؛ لأن فيها اعتراضًا على قدر الله وقضائه، والله سبحانه حكيم فيما يقضي ويُقَدِّر، لطيف خبير رحيم بعباده، فكل قضاء الله خير وحكمة (٣).
стр. 61
وسئل: هل الإنسان مسير أم مخير؟ وما هي الأدلة على ذلك؟
فأجاب: الإنسان مسير ومخير معًا، فأنت مجبر بالنسبة إلى خلقك، فالله خلقك وجعل لك عقلاً لتميز به بين الخطأ والصواب، فيختار ما هو أنفع لك؟ فاختيارك للأصلح والأنفع هو دليل على أنك مخير. فأنت تفعل هنا الشيء باختيارك وأنت اختيارك بيد الله ، فالله سبحانه هو المتصرف في هذا الكون. قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢].
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية معنى هذا البحث فقال ما معناه: العبد مخير بحيث يختار ما ينفعه ويبتعد عما يضره، ألا ترى أن الذي ينفعك هو الإبقاء على حياتك فهل أنت مسير بأن تلقي نفسك في البئر، أو تعرض نفسك لهلاك أم أنك تحافظ عليها؟ فأنت هنا تفعل ما تقتضيه مصلحتك من أنك تحافظ على بقائك حيًا، وفعلك هذا باختيارك. أما أنك ترتكب المحرم وتقول: إني مسير. لأنك الذي فعلت هذا باختيارك وإرضاء لشهوتك. فأنت معاقب بهذا، وذلك من جهلك لنفسك، فأنت مخير، والله أعطاك العقل وأعطاك مشيئة حسن تصرف وإرادة فتفعل ما فيه مصلحة لنفسك، وترتكب المعاصي التي تهواها نفسك كل هذا من اختيارك. فأنت من اختار ذلك ولم يجبرك عليه أحد.
فالله سبحانه أعطاك العقل وبين لك طريق الخير وطريق الشر وأعطاك حرية الاختيار بين الطريقين، وإن كان مقدر عليك كل شيء في حياتك حتى شربة الماء. ولكن هذا لا يعطل عمل الاختيار.
والإنسان مسير في أمور فمنها الأجل وتحديده، فليس له اختيار في
стр. 62
تحديد أجله من تقديم له أو تأخير. والحاصل أن الإنسان مسير ومخير في آن معًا، والله أعلم (١).
س: فهمني بإيجاز عن التسيير والتخيير ؟ ...
ج: الإنسانُ مُخيَّرٌ ومُسَيَّرٌ، أمَّا كونُهُ مُخَيَّرًا: فلأنَّ اللهَ سبحانه أعطاهُ عقلا وسمعًا وبصرًا وإرادةً فهو يُعرفُ بذلك الخيرِ من الشَّرِّ، والنَّافعِ من الضَّارِ، ويختارُ ما يناسبه، وبذلك تعلَّقتْ به التَّكاليفُ من الأمرِ والنَّهي، واستحقَّ الثوابَ على طاعةِ اللهِ ورسولِه، والعقابَ على معصيةِ اللهِ ورسولِه، وأمَّا كونُه مُسيَّرًا: فلأنَّه لا يخرجُ بأفعالِه وأقوالِه عن قَدَرِ اللهِ ومشيئتِه، كما قالَ سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾، وقال سبحانه: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ...﴾ الآية، وفي البابِ آياتٌ كثيرةٌ، وأحاديثٌ صحيحةٌ كلُّها تدلُّ على ما ذكرْنَا لمَن تأمَّلَ الكتابَ والسُّنَّة (٢).
س: أنا شاب أعاني من حالة نفسية صعبة للغاية وكنت دائما حتى الآن أتمنى الموت ليرتاح الإنسان، فهل يجوز ذلك، وماذا أعمل؛ لأن ديني وإسلامي ضعيف وأهلي يلوموني وكل الناس يلوموني ؟
ج: لا يجوزُ لك أن تتمنَّى الموتَ؛ لعمومِ قولِه ﷺ : «لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فَإِنْ كَانَ لا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ
стр. 63
الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيرًا لِي»، وننْصَحُك بالتَّوبةِ والاستغفارِ، وكثرةِ الطَّاعات، والمحافظةِ على الفرائض، والقُرْبِ من أهلِ الخير، وكثرةِ مجالستِهم، والبعدِ عن الأشرارِ ومجالستِهم، عسى اللهُ أنْ يُعافيَك ويشرحَ صدرَك للحقِّ (١).
س: امرأة قلقة لكونها لم تحمل، وتلجأ أحيانا إلى البكاء والتفكير الكثير والزهد من هذه الحياة، فما هو الحكم وما هي النصيحة لها ؟
ج: لا ينبغي لهذه المرأةِ أنْ تقلقَ وتبكي لكونِها لم تحمل؛ لأنَّ إيجادَ الاستعدادِ الكونيِّ في الرَّجلِ والمرأةِ لإنجابِ الأولادِ ذكورًا فقط أو إناثا فقط أو جمعًا بين الذُّكورِ والإناثِ، وكونَ الرَّجلِ والمرأةِ لا يُنْجِبان كلُّ ذلك بتقديرِ اللهِ جلَّ وعلا، قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾، فهو جلَّ وعلا عليمٌ بمَن يستحقُّ كلَّ قسمٍ من هذه الأقسام، قديرٌ على ما يشاءُ من تفاوتِ النَّاس في ذلك، وللسَّائلةِ أسوةٌ في يحيى بنِ زكريَّا وعيسى ابنِ مريمَ -عليهما الصَّلاة والسَّلام- فإنَّ كلا منهما لم يُولد له، فعليها أن ترضى، وتسألَ اللهَ حاجتَها؛ فلهُ الحكمةُ البالغةُ والقدرةُ القاهرةُ، ولا مانِعَ من عرض نفسِها على بعضِ الطَّبيباتِ المُختصَّاتِ، والطَّبيبِ المُخْتَصِّ عند عدمِ وجودِ الطَّبيبةِ المختصَّة، لعلَّه يُعالجُ ما يمنعُ الإنجابَ من بعضِ العوارضِ التي تُسبِّبُ عدمَ الحمل، وهكذا زوجُها ينبغي أن يَعْرِضَ نفسَه على الطَّبيبِ المختصِّ؛ لأنَّه قد يكونُ المانعُ فيه نفسُه (٢).
стр. 64
س: أعيش منذ الصبى بذبحة صدرية ونزيف داخلي:
(أ) هل لي أجر عند الله في ذلك، لأني حرمت من شبابي وصحتي. ... (ب) معظم الأيام أصلي بتيمم لأني لا أستطيع الاستحمام هل يجوز لي ذلك؟
(ج) هل أستطيع تعليم التلاميذ القرآن وأنا غير طاهر؟ ...
ج: أولا: إنْ صبرتَ على ما أصابَك؛ فلك الأجرُ عندَ الله، وإنْ جزِعْتَ ولم تصبِرْ؛ حُرِمْتَ الأجر.
ثانيًا: إذا كان الواقعُ كما ذكرتَ من أنَّك لا تستطيعُ الاستحمامَ شُرِعَ لك التَّيمُّمُ عن الجنابة.
ثالثًا: إذا كنتَ لا تستطيعُ استعمالَ الماءِ في الطَّهارةِ من الحدثِ؛ كفاكَ التَّيمُّمُ للطَّهارةِ من الحدثِ لتلاوةِ القرآنِ وتعليمِه (١).
س: ما معنى توحيد الربوبية والألوهية ؟
ج: معنى توحيدِ الرُّبوبيَّة: إفرادُ اللهِ جلَّ وعلا بأفعالِه؛ كالخلقِ، والإيجادِ، والرَّزقِ، والإحياءِ، والإماتَة.
ومعنى توحيدِ الألوهيَّةِ: إفرادُ اللهِ بأفعالِ العبادِ؛ كالدُّعاءِ، والاستعانةِ، والاستغاثةِ، والخوفِ، والرَّجاءِ، والتَّوكُّلِ، وجميعِ أنواعِ العبادة (٢).
* * *
стр. 65
س: نرجو التفضل ببيان: المراد بـ: (أصول الدين) على وجه التحديد ؟
ج: يختلفُ المرادُ بأصولِ الدِّين، فمرَّةً يُقصَدُ به أركانُ الإسلامِ والإيمانِ، ومرَّةً يُقصَدُ به مباحثُ العقيدةِ، ومرَّةً يُقْصَدُ به ما لا يُعْذَرُ المسلمُ بجهلِهِ من أحكامِ الإسلامِ؛ كتحريمِ الزِّنا والخمرِ، وهي اصطلاحاتٌ تختلفُ باختلافِ آراءِ المصطلحين. ولا مشاحَّةَ في الاصطلاح، والذي يهمُّ المسلمَ القيامُ بأمرِ اللهِ تعالى، والانتهاءُ عن نهيهِ بسلوكِ جادَّةِ الشَّرعِ المُطَهَّر (١).
س: عندنا في البادية إذا بنى بعض الناس بيتا جديدا، أو اشترى سيارة جديدة، يذبح ذبيحة اعتقادا منه أنها تقيه من الخراب أو العين، وقمنا بنصحهم فقالوا: هي صدقة .
ج: لا يجوزُ ذبحُ الذَّبيحةِ بهذا القصد، وإذا كانَ قصدُ الذَّابحِ التَّقَرُّبَ إلى الجنِّ لدفعِ شرِّهم، فهو شركٌ أكبرُ، وعبادةٌ لغيرِ الله؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢).
* * *
стр. 66
س: بعض الأحيان يضيق صدري بدون أي سبب يذكر، فهل يوجد آيات قرآنية تنصحني بقراءتها في ذلك الوقت لينصرف مني وسوسة الشيطان ؟
ج: يقرأُ على نفسِهِ سورةَ الفاتحة، ويقرأُ المعوِّذات: (قل هو الله أحد)، و (قل أعوذ برب الفلق)، و (قل أعوذ برب الناس)، يُكرِّرُ المعوِّذاتِ ثلاثَ مرَّات، كلّ مرَّةٍ ينفثُ في كفَّيهِ، ويمسحُ بهما وجهِهِ وما استطاعَ من بدنه، ويدعو بدعاءِ الكربِ: (لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب العرش الكريم)، ويلجأُ إلى اللهِ، ويدعوه؛ ليُفَرِّجَ كربَه ويشرحَ صدرَه (١).
س: ما رأي الدين الإسلامي في حمل التمائم والقيام بالتعويذات ؟
ج: لا يجوزُ حملُ التمائمِ ولا تعليقُها على الأشخاصِ؛ لنهي النَّبيِّ ﷺ عن ذلك بقولِه: «إِنَّ الرُّقَى، وَالتَّمَائِمَ، وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ» والمرادُ بالرُّقى: ما كانَ من غيرِ القرآنِ والأدعيةِ المشروعةِ، أمَّا الرُّقيةُ بالقرآنِ والأدعيةِ الشَّرعيَّة، بأن يُقرأُ على المريضِ ويُعَوَّذ، فهذا لا بأسَ به؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ تَكُنْ شِرْكًا»، والتَّمائمُ: هي الأشياءُ التي تُحْمَلُ أو تُعَلَّقُ؛ لدفعِ العينِ أو رفعِ البلاءِ أو دفعِه (٢).
س: ما حكم التمائم والتعاويذ في الإسلام، الإمام الذي يتداوى بها هل أصلي وراءه، وهل علي ذنب في الصَّلاة وراءه بعد علمي بذلك ؟
стр. 67
ج: التَّمائمُ والتَّعاويذُ على ثلاثةِ أقسامٍ:
القسمُ الأوَّلُ: ما كانَ من التَّعاويذِ، والتَّمائمِ الشِّركيَّة، كالاستغاثةِ بغيرِ الله، ودعاءِ غيرِ اللهِ من الجنِّ والشَّياطينِ والأولياءِ والصَّالحين، فهذه تمائمٌ وتعاويذٌ شِركيَّةٌ لا تجوزُ كتابتُها ولا استعمالُها، ومَن كان يكتُبُها أو يستعمِلُها أو يُرَوِّجُها بين النَّاسِ، فإنَّه مشركٌ، لا تجوزُ الصَّلاة خلفَه.
القسمُ الثاني: التَّمائمُ المشتمِلُةُ على حروفٍ مُقطَّعةٍ أو طلاسمٍ أو كلامٍ لا يُفْهَمُ معناه، أو على شيءٍ من الخَرَزِ والوَدَعِ، ونحوِ ذلك؛ فهذه تمائمٌ محرمَّةٌ إذا كانَ لا يعتقدُ فيها النَّفعَ والضُّرَّ، وإنَّما هي سببٌ، وتعليقُها يُعتبرُ من الشِّركِ الأصغرِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللهُ لَهُ وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَلا وَدَعَ اللهُ لَهُ»، وفي روايةٍ: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ». وقد يكونُ تعليقُها من الشِّركِ الأكبرِ؛ إذا اعتقدَ مُعلِّقُها أنَّها تدفعُ عنهُ البلاءَ بنفسِها، لا أنَّها سببٌ لذلك، والشَّخصُ الذي يقومُ بكتابةِ هذهِ التَّمائمِ الواجبُ نُصْحَهُ وتحذيرُه من هذا العملِ، فإنَّ استجابَ وإلا؛ وجبُ على الجِهَةِ المسئولةِ عزلُهُ عن الإمامةِ في الصَّلاة؛ حتى لا يغترَّ به النَّاسُ ويقلِّدُوه، والصَّلاة خلفَهُ صحيحةٌ؛ إذا لم يعتقدْ فيها النَّفعَ بنفسِها.
القسمُ الثالثِ: التَّمائمُ، والتَّعاويذُ التي من القرآن، والأدعيةِ المشروعةِ المكتوبةِ بألفاظٍ عربيَّةٍ؛ فهذه موضِعُ خلافٍ بين العلماءِ، على قولين: القولُ الأوَّل: بجوازِها؛ لخلُوِّها من الشِّركِ ووسائِلِه.
القولُ الثاني: القولُ بتحريمِها؛ لعمومِ نهي النَّبيِّ ﷺ عن تعليقِ التَّمائم، والوعيدِ عليها، مثلَ قولِه ﷺ : «إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ»،
стр. 68
وقولِه ﷺ : «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً، فَلا أَتَمَّ اللهُ لَهُ»، وهذا هو الصَّحيحُ؛ لعمومِ الأحاديثِ في المنعِ من التَّمائم (١).
س: ما حكم من أخذ بالأسباب ولم يتوكل على الله ، وحكم من توكل على الله ولم يأخذ بالأسباب ؟
ج: يجبُ على المسلمِ أنْ يتوكَّلَ على اللهِ مع الأخذِ بالأسبابِ النَّافعة، ولا يجوزُ تركُ الأسبابِ بحُجَّةِ التَّوكُّلِ على الله؛ لأنَّه لا تنافي بينهما، ولأنَّ اللهَ شرعَ اتِّخاذَ الأسبابِ مع التَّوكُّلِ عليه (٢).
س: ذهبت إلى أحد أقاربي فصليت صلاة الظهر في البلدة التي هو فيها، فلما انتهيت من الصلاة وجدت القبور أمام المسجد ولم أعلم عنها فهل صلاتي صحيحة ؟
ج: لا تصح الصلاة في المسجد الذي فيه قبر؛ لأن النبي ﷺ نهى عن اتخاذ القبور مساجد، كما في حديث جندب بن عبد الله، عن النبي ﷺ أنه قال قبل أن يموت بخمس: «أَلا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلا فَلا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ». أخرجه مسلم، والنهي يقتضي الفساد، ولأن هذا وسيلة إلى الشرك بأصحاب القبور، هذا إذا كان القبر في المسجد أو المسجد مبني من أجله. أما إذا كان منفصلا عنه بجدار أو بشارع أو ممر فلا بأس بالصلاة فيه لعدم المحذور؛ لأنه والحال ما ذكر لا يكون الإنسان قد اتخذ القبور مسجدًا (٣).
стр. 69
* * *
س: ما حكم زيارة الأولياء، حيث إن عندنا قبر اثنين من الأولياء، يزورهم أهل القرية للتبرك والتوسل بهم إلى الله، والدعاء عندهم ؟
ج: لا تجوزُ زيارةُ الأولياءِ ولا غيرِهم من أجلِ التَّبَرُّكِ والتَّوَسُّلِ بهم إلى اللهِ؛ لأنَّ هذا شركٌ أو وسيلةٌ إلى الشِّرك، فطلبُ البركةِ من أهلِ القبورِ شركٌ بالله؛ لأنَّ البركةَ تُطلبُ من اللهِ لا من غيرِه، وبذلك يُعْلَمُ أنَّ ما يفعلُهُ الكثيرُ من الجَهَلَةِ حولَ بعضِ القبورِ من الاستغاثةِ بأهلِها، والاستنصارِ بهم، وطلبِ الشِّفاءِ للمرضِ منهم، شركٌ أكبر. أمّا التَّوَسُّلُ إلى اللهِ بحقِّهم أو بجاهِهِم أو بذواتِهم، فهذا من البدعِ الُمحَرَّمةِ، ومن وسائلِ الشِّركِ الأكبر. نسألُ اللهَ لجميعِ المسلمينِ العافيةَ من ذلك (١).
س: سمعت من بعض الناس يقولون: إن اسم أحمد ومحمد لا يدخلان إلى النار يوم القيامة، تكريمًا وتعظيمًا لاسم الرسول ﷺ وبحيث إنني أعرف بعض الناس اسمهم أحمد ومحمد يخالفون كل ما أمرنا الله به، ونهى عنه الرسول ﷺ ، لا يصومون رمضان، ولا يؤدون فريضة الصَّلاة، ومنهم من ينكر وجود الله تعالى -أعوذ بالله-، كيف يمكن لهم الدخول إلى الجنة ؟
стр. 70
ج: ما ذُكِرَ في السُّؤال من أنَّ مَن سُمِّيَ محمدًا أو أحمدَ لا يدخلُ النَّارَ يومَ القيامة، تكريمًا أو تعظيمًا للرسولِ ﷺ غيرُ صحيحٍ، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ دعا عشيرتَه الأقربينَ وأنذَرَهُم، وأمرَهُم بالتَّوحيد، وأنْ يُؤمنوا، وقال: «لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا»، فكلُّ نفسٍ بما كَسَبَتْ رهينةٌ، لها ما كسبتْ وعليها ما اكتسَبَت (١).
س: ما حكم التمسح بالجدران وقضبان الحديد عند زيارة قبر الرسول ﷺ -؟
ج: المشروعُ عند زيارةِ قبرِ الرَّسولِ ﷺ السَّلامُ عليه وعلى صاحِبَيْه، كما كان الصَّحابةُ ﵃ يفعلونَ ذلك، وكذلك من جاءَ بعدَهُم من التَّابعينَ وبقيَّةِ القرونِ المُفضَّلةِ ومن سارَ على نهجِهِم من أئمةِ الهُدى. وأمَّا التَّمَسُّحُ بجدرانِ الحُجْرَةِ وقُضبانِ حديدِ الشَّبابيك: فليس هذا من عملِ المسلمين، فهو بدعةٌ في الدِّين، ووسيلةٌ من وسائلِ الشِّركِ، فالواجبُ تركُهُ، والنَّهيُ عنه، والتَّحذيرُ منه (٢).
س: ما هو الفرق بين التوسل الشركي، والتوسل البدعي جزاكم الله خيرًا ؟
ج: التَّوسُّلُ الشِّركيُّ: هو الذي يتقرَّبُ فيه المتوسِّلُ إلى المتوسَّلِ به بشيءٍ من أنواعِ العبادة، كالذَّبحِ والنَّذرِ والاستغاثةِ والدُّعاء، مثلَ ما كان أهلُ الجاهليَّةِ يفعلونَه، كما قالَ تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، ومثلَ ما يفعلُهُ
стр. 71
القبوريِّونَ اليومَ حولَ الأضرحةِ من الشِّركِ بالله، ودعوةِ الأمواتِ، والذَّبحِ والنَّذر لهم.
وأمَّا التَّوسُّلُ البدعيُّ: فهو سؤالُ اللهِ بجاهِ أو بحقِّ أحدٍ من الأنبياءِ أو الأولياءِ والصَّالحين، دون أن يتقرَّبَ إليهم بشيءٍ من العبادة (١).
س: ما هو حكم الشرع حول الاعتقاد بصدق أبراج الحظ الموجودة في الجرائد والمجلات وقراءتها ؟
ج: تعليقُ النَّحسِ والسَّعدِ في الأفلاكِ والأبراجِ من شركِ الأوائلِ من المجوس، والصَّابئةِ من الفلاسفة، ونحوِهم من طوائفِ الكفرِ والشِّرك، وادِّعاءُ علمِ ذلك هو في الظَّاهرِ ادِّعاءٌ لعلمِ الغيب، وهذا منازعةٌ للهِ في حُكمِهِ، وهذا شركٌ عظيم، ثم هو في حقيقتِهِ دَجَلٌ وكَذِبٌ وتلاعبٌ بعقولِ النَّاس، وأكلٌ لأموالِهم بالباطل، وإدخالٌ للفسادِ في عقائِدِهم والتَّلبيسِ عليهمِ وعليه؛ فإنَّ (أبراجَ الحظ) يحرمُ نشرُها والنَّظرُ فيها وترويجُها بين النَّاس، ولا يجوزُ تصديقُهُم، بل هو من شُعَبِ الكفرِ والقَدْحِ في التَّوحيد، والواجبُ الحذرُ من ذلك، والتَّواصي بتركِه، والاعتمادُ على اللهِ ، والتَّوكُّلُ عليه في كلِّ الأمور (٢).
س: ما حكم الكهنة والعرافين الذين يدعون بالعلم بكل شيء، حتى إن بعضنا يذهب إليهم إذا فقد شيئا، وقد يتحقق البعض من ذلك ؟
стр. 72
ج: لا يجوزُ الذَّهابُ إلى الكهنةِ والعرَّافين، ولا سؤالُهم ولا تصديقُهم؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ »، وقولِه ﵊: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً»، خرَّجَهُ مسلمٌ في «صحيحِه»، وهؤلاءُ الكهنةُ والعرَّافونُ بادِّعائِهم الغيبَ قد كفروا باللهِ العظيمِ، وخرَجُوا عن الإسلام؛ لأنَّ علمَ الغيبِ من خصائصِ الرَّبِّ جلَّ وعلا، قالَ سبحانه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، وقال : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ... عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (١).
س: هناك فئة من الناس يعالجون بالطب الشعبي على حسب كلامهم، وحينما أتيت إلى أحدهم قال لي: أخبرني عن اسمك واسم والدتك، ثم ارجع في اليوم الفلان وحين رجعت قال لي: إنك مصاب بكذا وكذا. ويقول أحدهم: إنه يستعمل كلام المولى في العلاج. فما رأيكم في مثل هؤلاء، وما حكم الذهاب إليهم ؟
ج: هذا الرَّجلُ وأمثالُه الذي يزعمُ أنَّه يعرفُ أنَّ المريضَ مصابٌ بكذا وكذا بمجردِ أخذِ اسمِ المريضِ واسمِ والدتِه، أو أنَّه يستعملُ كلامَ المولى، هو من عملِ الكهنةِ والمشعوذِين، تجبُ نصيحتُه وتحذيرُه من عملِه، وأمرُه بالتَّوبةِ النَّصوحِ إلى الله، فإنْ تابَ وإلا رُفِعَ أمرُهُ للجهاتِ المختصَّةِ؛ لمنع شرِّهِ عن النَّاس. ويحرمُ الذَّهابُ إلى هذا الرَّجلِ وأمثالِه؛ لما رواهُ أبو هريرةَ ﵁، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ »، أخرجَهُ أصحابُ السُّنَنِ،
стр. 73
والحاكمُ، وصحَّحه. وعلى ذلك فمَنْ يذهبُ للكهنةِ والعرَّافين ويصدِّقُهم فيما يقولونَه من أخبارِ الغيبِ، فإنَّه يكفرُ كفرًا يُخرِجُهُ من الملَّةِ والعياذُ بالله؛ لقولِ اللهِ سبحانه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (١).
س: لماذا قبح الله الشرك، وتوعد المشرك بعدم المغفرة وبالخلود في النار ؟
ج: قبَّحَ اللهُ الشِّركَ، وتوعَّدَ المُشْرِكَ بعدمِ المغفرةِ له، وبالخلودِ في النَّارِ إذا مات عليه؛ لأنَّه أعظمُ ذنبٍ عُصِيَ اللهُ به، وأعظمُ ما نهى اللهُ عنه، ولهذا أخبرَنا سبحانَه أنَّه لا يغفرُهُ لصاحبِه إذا ماتَ على شركِهِ ولم يَتُبْ منه، وأنَّ عملَ صاحبِه حابِطٌ، وأنَّه لا أحدَ أضلُّ من فاعلِه، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾، وقالَ تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، فمَن أشركَ مع اللهِ أحدًا غيرَه؛ فقد ساوى الخالقَ بالمخلوق، وجعلَ المخلوقَ نِدًّا للهِ، صرفَ لهُ من أنواعِ العبادةِ ما لا يستحقُّهُ إلا الله؛ ولهذا توعَّدَ اللهُ فاعلَهُ بالخلودِ في النَّار، قالَ تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾، وقالَ النَّبيُّ ﷺ لمَّا سُئلَ: أيُّ الذَّنبِ أعظمُ؟ قال: «أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»، قيل: ثم أيُّ؟ قال: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ»، قيل: ثم أيُّ؟ قال: «أَنْ
стр. 74
تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ»، فأنزلَ اللهُ في ذلك قولَه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ (١).
س: ما الفرق بين المشرك والمنافق ؟
ج: المشركُ هو: من صرفَ شيئًا من العبادةِ لغيرِ الله، وأعلنَ ذلك، كعُبَّادِ القبورِ، ونحوِهم، وهذا هو الشِّركُ لا يبقى مع صاحبِهِ شيءٌ من التَّوحيد، وهذا المشركُ هو الذي حرَّم اللهُ عليه الجنَّةَ ومأواهُ النَّار، ولا يغفرُ اللهُ لهُ شِركَهُ إذا ماتَ عليه ولمْ يَتُبْ منه؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾، وقولِه تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾.
أما المنافقُ النِّفاق الاعتقاديّ، فهو من أظهرَ الإسلامَ وأبطنَ الكُفرَ، كتكذيبِ الرَّسولِ ﷺ وبُغضِهِ، أو تكذيبِ وبغضِ بعضِ ما جاءَ به، أو السُّرورِ بانخفاضِ دينِ الرَّسولِ ﷺ وكراهيةِ انتصارِه، ونحو ذلك. وصاحبُ هذا النِّفاقِ مُخَلَّدٌ في النَّار، ومن أهلِ الدَّركِ الأسفلِ من النَّار إذا ماتَ على ذلك، كما قالَ تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (٢).
* * *
стр. 75
س: ما هو النفاق وأقسامه وصفته ؟
ج: حد النفاق: إظهار الخير وإبطان الشر: وهو قسمان:
نفاق أكبر: اعتقادي مخلد صاحبه في النار، وذلك مثل ما أخبر الله به عن المنافقين في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]؛ من المبطنين للكفر المظهرين للإسلام.
ونفاق أصغر: عملي، مثل ما ذكره النبي ﷺ في قوله: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ»، فالكفر الأكبر والنفاق لا ينفع معه إيمان ولا عمل، وأما الأصغر منهما فقد يجتمع مع الإيمان فيكون في العبد خير وشر، وأسباب ثواب وأسباب عقاب (١).
س: نأمل منكم التكرم بأن تبينوا لي التبرك الممنوع (البدعي) متى يكون شركًا أكبر، ومتى يكون شركا أصغر. مع ذكر الأمثلة ؟
ج: التَّبرُّكُ بالمخلوقِ قسمان: أحدُهُما: التَّبَرُّكُ بالمخلوقِ من قبرٍ أو شجرٍ أو حجرٍ أو إنسانٍ -حيٍّ أو ميّتٍ-، يعتقدُ فاعلُ ذلك حصولَ البركةِ من ذلك المخلوقِ المتبرَّكِ به، أو أنَّه يُقرِّبهُ إلى اللهِ سبحانه، ويشفع له عنده، كفعلِ المشركينَ الأوَّلين، فهذا يُعتبرُ شركًا أكبرَ من جنسِ عملِ المشركينِ مع أصنامِهم وأوثانِهم، وهو الذي وردَ فيه حديثُ أبي واقدٍ اللَّيثيِّ في تعليقِ المشركين أسلحتَهم على الشَّجرة، واعتبرَ النَّبيُّ ﷺ ذلك شركًا أكبرَ من المُعلِّقين، وشبَّهَ قولَ مَن طلبَ ذلك منه بقولِ بني إسرائيلَ لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾.