← Тараджим

Тараджим · id 30277

الروض الناضر في سيرة الإمام أبي جعفر الباقر

بدر محمد باقر

Полный текст (336 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مبرة الآل والأصحاب سلسلة سير الآل والأصحاب (٧) الروض الناظر في سيرة الإمام أبي جعفر الباقر تفسيره وفقهه ومروياته كان من دعاء الإمام الباقر: (اللهم من كانت له حاجة ههنا وههنا، فإن حاجتي إليك وحدك لا شريك لك) بحار الأنوار ٩١/ ٢٧٠

стр. 2

مبرة الآل والأصحاب سلسلة سير الآل والأصحاب (٧) الروض الناظر في سيرة الإمام أبي جعفر الباقر تفسيره وفقهه ومروياته بقلم بدر محمد باقر البريد الإلكتروني للمؤلف BBaqer@gmail.com

стр. 3

فهرسة مكتبة الكويت الوطنية أثناء النشر

стр. 4

حقوق الطبع متاحة لكل محبي آل البيت الأطهار والصحابة الأخيار بشرط عدم إجراء أي تعديل بالإضافة أو الحذف أو التغيير إلا بإذن خطي من مبرة الآل والأصحاب الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ / ٢٠٠٧ م مبرة الآل والأصحاب هاتف: ٢٥٦٠٢٠٣ - ٢٥٥٢٣٤٠ فاكس: ٢٥٦٠٣٤٦ ص. ب: ١٢٤٢١ الشامية الرمز البريدي ٧١٦٥٥ الكويت E-mail: almabarrh@gmail.com www.almabarrah.net رقم الحساب: بيت التمويل الكويتي... ٢٠١٠٢٠١٠٩٧٢٣

стр. 5

إهداء إلى محبي آل البيت الأطهار والصحابة الأخيار

стр. 6

إنشاء المبرة وأهدافها (١) تأسست في دولة الكويت طبقاً لأحكام القوانين الصادرة في شأن الأندية وجمعيات النفع العام والمبرات الخيرية والقرارات المنفذة لها مبرة أطلق عليها اسم «مبرة الآل والأصحاب» مقرها مدينة الكويت. وقد تم إشهارها بموجب قرار وزير الشؤون الاجتماعية والعمل رقم ٢٨/ ٢٠٠٥ م وقد سجلت المبرة في إدارة الجمعيات الخيرية والمبرات بوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تحت رقم ٢٣ أهداف المبرة: ١ - العمل على غرس محبة الآل (آل البيت) الأطهار والأصحاب (الصحابة) الأخيار في نفوس المسلمين. ٢ - نشر العلوم الشرعية بين أفراد المجتمع وخصوصاً تلك المتعلقة بتراث الآل والأصحاب من عبادات ومعاملات. ٣ - التوعية بدور الآل والأصحاب، وما قاموا به من خدمات جليلة لنصرة الإسلام، والدفاع عن المسلمين وتحقيق هدي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. ٤ - دعم الوحدة الوطنية وزيادة التقارب بين شرائح المجتمع من خلال تجلية بعض المفاهيم الخاطئة التي رسخت في نفوس بعض المسلمين عن أهل البيت الأطهار والصحابة الأخيار.

стр. 7

«شكر وتقدير» يسر مبرة الآل والأصحاب أن تتقدم بالشكر والتقدير إلى الأخ الكريم بدر محمد باقر لجهده الطيب في إعداد هذا الكتاب. وتود أن توضح لقرائها الكرام أن مركز البحوث والدراسات فيها لا يألو جهداً على تأليف ما يتيسر له من مواد علمية يصُب محتواها في تحقيق الأهداف النبيلة للمبرة. وبالإضافة إلى ذلك لعله من المناسب الاستفادة من كل ما يتيسر للمركز من الكتابات المتاحة في المكتبة الاسلامية، سائلين الله سبحانه أن يجزي كل مجتهد بالاجرين، وأن يجمع هذه الأمة الإسلامية على كلمة الله تعالى وهدي رسوله الكريم ﵌ على المنهج المبارك للآل والأصحاب... اللهم آمين.

стр. 8

المقدمة الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، الحمدلله حتى يرضى والحمد لله إذا رضي، والحمد لله بعد الرضى، وصلى الله وسلم وبارك على خير ولد آدم سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته أجمعين أما بعد: فإني سأحاول في هذا البحث أن أطرح طرحا موضوعيا يبين للقارئ الكريم هدي أحد أئمة المسلمين وأئمة آل البيت وهو الإمام محمد بن علي بن الحسين المعروف بـ «الباقر»، أما اختياري لهذا البحث وهذه الشخصية تحديداً فكان لعدة أسباب منها: أولا: ندرة الكتب التي استقصت كل ما ورد عن الإمام الباقر من روايات صحيحة على المستوى العقائدي والفقهي والأخلاقي، وندرة الكتب التي تحدثت عن شخصية هذا الإمام بموضوعية ودون مبالغة أو تقصير. ثانياً: الدفاع عن هذا الإمام والذبّ عنه وعن آل بيت النبي صلوات الله وسلامه عليهم خاصة، وعن الإسلام عامة، فقد نُسبت للإمام «الباقر» أباطيل اتخذها أصحاب الأهواء رداءً يلتحفون به، وجعلوها ملجأً يلتجئون إليه لتبرير شذوذهم وضلالهم، ثم لبّسوا على عامة المسلمين وجعلوا هذا الشذوذ والضلال ديناً يتقربون به إلى الله وجعلوا من اسم «الباقر» وغيره من أئمة آل البيت ومن

стр. 9

العاطفة التي تربط المسلمين بآل بيت نبيهم، جوازاً لتمرير هذه البدع والضلالات على قلوب وعقول أهل القبلة. ثالثاً: الحب الذي يكنّه كل مسلم لمن ينحدر من نسل نبينا الكريم صلوات ربي وسلامه عليه والذي يحثنا على التعرّف على ترجمة أعلام بيت النبوة واستطلاع سيرتهم الطيبة العطرة، والاقتداء بهديهم والسير على نهجهم المستقى من نهج سيدهم وسيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمن كان صادقاً في حب النبي وآل بيته الكرام صلوات الله وسلامه عليهم فينبغي عليه أن يقتدي بهم ويتبعهم وأن لا يسمح للهوى وللتعصب أن يُبعدانه عن هدي من يحب، ورحم الله القاضي عياض إذ يقول: «اعلم أنّ من أحب شيئاً آثره وآثر موافقته وإلا لم يكن صادقاً في حبه وكان مدّعياً، فالصادق في حب النبي ﵌ من تظهر علامات ذلك عليه وأولها: الاقتداء به واتباع سنته واتباع أقواله وأفعاله والتأدب بآدابه في عسره ويسره، قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١)». وقد تعرضت خلال بحثي في سيرة «الباقر» ﵁ إلى صدمات عدّة وذلك بسبب الكمّ الهائل من الأحاديث المفتراة التي أُلصقت بهذا الإمام فجعلتُ منهجي في معرفة الحقّ ومعرفة منهج وسلوك وتراث هذا الإمام، هو قول

стр. 10

«الباقر»: «كلّ شيءٍ خالف كتاب الله ردَّ إلى كتاب الله والسنة»، فجعلت كتاب الله وسنة رسوله الصحيحة الميزان، فما كان راجحاً في كفتهما لم أجد ضيرا في قبول نسبته إلى «الباقر»، وأما ما خالفهما فقد نزَّهت الإمام الباقر عنه وعلمتُ يقينا بأنه من الأباطيل المفتراة عليه وقد ضربت أمثلة لبعض هذه الإفتراءات مع الرد عليها نقلاً وعقلاً، ولا أزعم أني قد استوفيت جميع الجوانب في حياة هذا الطود الشامخ وإنما اجتهدت قدر الطاقة فما كان حقا وصوابا فمن الله وحده الرحمن ذي المنن وأما ما كان خطأً فمن نفسي ومن الشيطان وأسال الله العفو والمغفرة. ولا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر الجزيل لكل من ساندني وعاونني في إتمام هذا البحث وأخصّ بالذكر أخويّ الفاضلين الشيخ الكريم محمد سالم الخضر والشيخ الكريم علي بن حمد التميمي، اللذين كانا مرجعاً لي بعد الله تعالى فلولا جهودهما الكريمة لما تمكنت من إتمام هذا البحث وأسأل الله جل وعلا أن يجعل ما كتبنا في ميزان حسناتنا وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل وأسأله أن يلهمنا التوفيق والسداد لما يحبه ويرضاه، وأن يجمعنا مع آل النبي وصحابته في دار الرضوان مع النبيين والشهداء والصالحين. الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورضوانه بدر محمد باقر

стр. 11

كلمةٌ لابد منها يهمُّنا قبل أن نشرع في الحديث عن سيرة الإمام «الباقر»، أن نعرف من هم آل بيت النبي صلوات الله وسلامه عليهم، وما الواجب علينا تجاههم. آل بيت النبي صلوات الله وسلامه عليهم هم كل من التقى مع النبيِّ محمد ﵌ في هاشم (١) ١) وهم آل العباس وآل علي، وآل جعفر وآل عقيل كما أن أزواج النبي محمد من آل بيته صلى الله وسلم عليهم أجمعين وذلك بسبب المصاهرة. والواجب علينا حبهم جميعاً وذلك لقرابتهم من النبي ﵌ ولأنَّ النبي صلوات الله وسلامه عليه أوصانا بذلك كما في الحديث الشريف الذي رواه الإمام «مسلم» بسنده عن يزيد بن حيان قال: «انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً رأيت رسول الله ﵌ وسمعت حديثه وغزوت معه وصليت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله ﵌، قال يا ابن أخي والله لقد

стр. 12

كبرت سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله ﵌ فما حدثتكم فاقبلوا وما لا فلا تكلفونيه، ثم قال: قام رسول الله ﵌ يوما فينا خطيباً بماءٍ يدعى خمّاً بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: أمّا بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي فقال له حصين ومن أهل بيته؟ يا زيد أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟، قال: نعم» (١). وقد غفل البعض عن فهم ذلك فضيَّقوا تعريف آل البيت واقتصروا على أفرادٍ معدودين منهم خصُّوهم بالحبِّ والثناء والتعظيم، وأهملوا الآخرين، بل وطعنوا في بعضهم، وغفلوا أنَّ آية الحب هي الاتِّباع، فعندما نجد من يدَّعي حب نبينا ﵌ فدليل حبِّه هو إتباع هديه وسيرته أمَّا أن يدَّعي حبه وهو أبعد ما يكون عن نهجه فليس صادقاً في ادعائه قط، وكذا من يدّعي حبَّ الصحابة وآل بيت النبي صلوات الله وسلامه عليهم، يتوجب عليه أن يكون هديه

стр. 13

موافقاً لهديهم فيحبَّ من أحبّوا ويؤمن بما آمنوا به، ويعمل بعملهم ونهجهم، أمَّا أن يدعي حبَّهم ويكون مخالفاً لسيرتهم ونهجهم فهذا مسكين ما فهم حقيقة المحبة وما زاده ادّعاؤُه إلا حيرةً وضلالاً، فيظنُّ أنَّه على خيرٍ بحبِّه محمداً وآل بيته وأصحابه وهو أبعد ما يكون عن الحقِّ والله المستعان. أما اعتقادنا كمسلمين، فإنّنا نحبّ كل آل بيت محمد صلوات الله وسلامه عليهم ونوقِّرهم وذلك لقرابتهم من النَّبي ولحبِّنا لمحمد صلوات الله وسلامه عليه وأمّا من عرف منهم بالعلم والصلاح والتقوى فنحبُّه لأمرين، أولهما: تقواه وصلاحه وعلمه، وثانيهما: قرابته من النبي ﵌. وفي هذا البحث سأعمل جاهداً لأبيَّن سيرة ومنهج قطبٍ من أقطاب آل البيت وهو الإمام محمد «الباقر» رضوان الله عليه، وكيف أنَّه كان ممَّن يتبعون النبي ﵌ ولا يخالفونه، فلم يكن مبتدعاً، بل كان حكم الله ورسوله هو المقدَّم دائماً لديه رضوان الله تعالى عليه.

стр. 14

الفصل الأول إِشراقة ذاتية اسمه ولقبه: هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي أبو جعفر «الباقر» أمُّه أم عبد الله بنت الحسن بن علي بن أبي طالب (١) ﵃. لُقِّب بالباقر لنبوغه في العلم وتوسعه فيه كما قال ابن منظور في «لسان العرب»: «وكان يقال لمحمد بن علي بن الحسين بن علي «الباقر» رضوان الله عليهم لأَنَّه بقر العلم وعرف أَصله واستنبط فرعه، وتَبقَّر في العلم وأَصل البَقْر الشقّ والفتح والتوسعة، بَقَرْتُ الشيءَ بَقْراً فتحته ووسعته، وفي حديث حذيفة: فما بال هؤلاء الذين يَبْقُرونَ بيوتنا أَي يفتحونها ويوسعونها...» (٢). وقد قال فيه القرظي: يا باقر العلم لأهل التقى... وخير من لبّى على الأجبل (٣). وذكر المفيد في «الإرشاد» والمجلسي في «بحار الأنوار» أنّ من لقَّبه بالباقر هو رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وهذا القول لم نجد له مستندا صحيحا

стр. 15

تاريخيّا أو حديثيّا، وقد تتبع هذه الروايات آية الله الشيخ محمد آصف محسني في كتابه «مشرعة بحار الأنوار» فخلص إلى عدم صحة أيّ منها. ثناء العلماء عليه: قال عنه الحافظ الذهبي: «الإمام الثبت الهاشمي العلوي المدني أحد الأعلام» وقال: «كان أحد من جمع العلم والفقه والشرف والديانة والثقة والسؤدد وكان يصلح للخلافة» (١). وقال عنه الحافظ ابن كثير: «محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبو جعفر «الباقر»، وأمّه أمّ عبد الله بنت الحسن بن علي، هو تابعيٌّ جليل كبير القدر كثيراً، أحد أعلام هذه الأمة علماً وعملاً وسيادةً وشرفاً» (٢)، وقال أيضاً: «وسمي «الباقر» لبقره العلوم واستنباطه الحكم كان ذاكراً خاشعاً صابراً وكان من سلالة النبوة رفيع النسب عالي الحسب وكان عارفاً بالخطرات كثير البكاء والعبرات معرضاً عن الجدال والخصومات» (٣). وقال عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: «محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو جعفر «الباقر» ثقةٌ فاضل» (٤).

стр. 16

ومن تتبَّع أقوال أهل العلم في الإمام «الباقر» سيجد لا محالة مدحاً وإشادةً بفضله، بل حتى تقي الدين ابن تيميه الذي يتهمه المتعصبة بالنّصب قد مدحه في أكثر من موضع من كتبه ومن أراد التأكد من ذلك فليطالع «مجموع الفتاوى ١٩/ ٦٩» على سبيل المثال لا الحصر، أما المغالي فإنه لا يقنع سوى بالغلو فيهم، فينسب لهم العصمة والعلم المطلق وما أشبه ذلك، بل ويتَّهم من ينفي عنهم مثل هذا الغلو بالنصب وبمعاداة أهل البيت متناسياً بهذا الوصيَّة النبوية القائلة: «لاتطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا: عبد الله ورسوله» (١)، فإن كان الغلو في خير الخلق محمد ﵌ محرّما فكيف بمن هم دونه في الفضل والعلم والتقوى، ولو أنَّ هؤلاء الغلاة طرحوا التعصّب جانباً واكتفوا بما في كتاب الله وسنة نبيه الصحيحة الثابتة، لأدركوا البعد الكبير بينهم وبين هدي النبي ﵌ وآل بيته الكرام.

стр. 17

مولده ونشأته: ولد سنة ست وخمسين على قول أحمد بن البرقيّ (١). وكان ذلك قبلَ استشهادِ الحسين ﵁ وأرضاه بأربع سنين، قال أبو جعفر الباقر: «قتل جدي الحسين ولي أربع سنين، وإني لأذكر مقتله، وما نالنا في ذلك الوقت» (٢). وقال ابن خلكان: «إن مولده يوم الثلاثاء ثالث صفر سنة سبع وخمسين للهجرة، وكان عمره يوم قتل جده الحسين ﵁ وأرضاه ثلاث سنين» (٣). وأما البيت الذي نشأ فيه «الباقر» رضي الله تعالى عنه، فهو بيتٌ زاخرٌ بالتقوى والورع والعلم والعبادة؛ كما سنبين ذلك في المباحث القادمة. أبوه: هو الإمام علي بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي المدني زين العابدين (٤) ﵁، أمُّه أم ولد، اسمها سلافه بنت ملك الفرس يزدجرد، وقيل: غزالة (٥)، وقد ذكر أبو القاسم الزمخشري في كتاب «ربيع الأبرار» أنَّ الصحابة، ﵃، لما أتوا المدينة بسبي فارس في خلافة عمر بن

стр. 18

الخطاب، ﵁، كان فيهم ثلاث بنات ليزدجرد، فباعوا السبايا، وأمر عمر ببيع بنات يزدجرد أيضاً، فقال له علي بن أبي طالب، ﵁: إنَّ بنات الملوك لا يعاملن معاملة غيرهن من بنات السوقة، فقال: كيف الطريق إلى العمل معهن قال: يقومن مهما بلغ ثمنهن قام به من يختارهن فقومن وأخذهن علي، ﵁، فدفع واحدة لعبد الله بن عمر وأخرى لولده الحسين وأخرى لمحمد بن أبي بكر الصديق، وكان ربيبه (١)، ﵃ أجمعين، فأولد عبد الله أمته ولده سالماً، وأولد الحسين زين العابدين، وأولد محمد ولده القاسم، فهؤلاء الثلاثة بنو خالة، وأمهاتهم بنات يزدجرد (٢)، وكان أهل المدينة يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد حتى نشأ فيهم علي بن الحسين والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله، ففاقوا أهل المدينة فقهاً وورعاً، فرغب الناس في السراري (٣). وكان ﵁ وأرضاه ثقةً عابداً زاهداً عالماً ورعاً، اجتمعت فيه جلُّ الفضائل وقد مَدحه خلقٌ كثير ممن عاصروه. قال ابن سعد في ترجمته للإمام «زين العابدين» ما نصه: «وكان ثقة مأمونا كثير الحديث عالياً رفيعاً ورعاً»، وقد نقل ابن عيينة عن الزهري قوله: «ما رأيت قرشيًّا

стр. 19

أفضل من علي بن الحسين وكان مع أبيه يوم قتل وهو مريض فسلم»، وقال أيضا: «ما رأيت أحداً كان أفقه منه ولكنَّه كان قليل الحديث»، وقال ابن وهب عن مالك: «لم يكن في أهل بيت رسول الله ﵌ مثل علي بن الحسين»، وقال حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد: «سمعت علي بن الحسين وكان أفضل هاشمي أدركته»، ويروى أن سعيد بن المسيب قال: «ما رأيت أورع منه»، وقال العجلي: «مدني تابعي ثقة»، وقال جويرية بن أسماء: «ما أكل علي بن الحسين لقرابته من رسول الله ﵌ درهماً قط» (١). وقد كان الإمام علي بن الحسين رضي الله تعالى عنه وأرضاه محبّاً للصالحين وعلى رأسهم خير البشر بعد الأنبياء، وهم صحابة النبيّ ﵌ فقد كان يجلُّ الشيخين أبا بكر وعمر حتى أنه قد سُئِل: كيف كانت منزلة أبي بكر وعمر عند رسول الله ﵌، فأشار بيده إلى القبر، ثم قال: «بمنزلتهما منه الساعة» (٢). وعن جعفر «الصادق» بن محمد عن أبيه قال: «جاء رجل إلى أبي فقال: أخبرني عن أبي بكر؟ قال: عن الصدِّيق تسأل؟ قال: وتسمِّيه الصدِّيق؟! قال: ثكلتك أمّك قد سمَّاه صدِّيقاً من هو خير مني، رسول الله ﵌، والمهاجرون

стр. 20

والأنصار، فمن لم يسمه صديقاً، فلا صدق الله قولَه، اذهب فأحب أبا بكر وعمر وتولهما، فما كان من أمر ففي عنقي» (١). وكان ﵁ وأرضاه يقول: «والله ما قتل عثمان ﵀ على وجه الحق» (٢). وعُرف ﵁ بحسن الخلق ولين الجانب، فروي أنه كان بينه وبين حسن بن الحسن (٣) أمر، فما ترك حسن شيئا إلا قاله، وعلي ساكت، فذهب حسن، فلما كان في الليل، أتاه علي، فخرج، فقال علي: «يا ابن عمي إن كنت صادقاً فغفر الله لي، وإن كنت كاذباً، فغفر الله لك، السلام عليك، قال: فالتزمه حسن، وبكى حتى رثى له» (٤). وعرف في زمانه برفعة القدر بين الناس وفاق بذلك الخلفاء، فيُروى أن هشام بن عبد الملك حج قبيل ولايته الخلافة، فكان إذا أراد استلام الحجر زوحم عليه، وإذا دنا علي بن الحسين من الحجر تفرقوا عنه إجلالاً له، فوجم لها هشام وقال: من هذا؟ فما أعرفه، فأنشأ الفرزدق يقول: هذا الذي تعرفُ البطحاءُ وطأتَهُ... والبيتُ يعرفهُ والحلُّ والحرمُ

стр. 21

هذا ابنُ خيرِ عبادِ اللهِ كلهمُ... هذا التقيُّ النقيُّ الطاهرُ العلمُ إذا رأتهُ قريشٌ قالَ قائلُها... إلى مكارمِ هذا ينتهي الكرمُ يكادُ يمسكهُ عرفانُ راحتِهِ... ركنُ الحطيمِ إذا ما جاءَ يستلمُ يغضي حياءً ويُغْضَى من مهابتهِ... فما يُكَلَّمُ إلا حين يبتسمُ هذا ابنُ فاطمةٍ إن كنتَ جاهلهُ... بجدّهِ أنبياءُ اللهِ قد خُتِموا وهي قصيدةٌ طويلة جميلة (١). أمّه وإخوته: أمّا أمّ الإمام «الباقر» ﵄ فهي أمّ عبد الله بنت الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين، وبهذا النسب الشريف يكون «الباقر» قد جمع بين شرف الانتساب للنبي ﵌ من جهتين، جهة جده لأبيه الحسين وجهة جده لأمّه الحسن ﵄. وللباقر ﵁ عدد من الإخوة، وقد نُقل عنه مدح لبعض إخوته في هذه الرواية: قال أبو الجارود زياد بن المنذر: «قيل لأبي جعفر «الباقر» ﵇: أي إخوتك أحبُّ إليك وأفضل؟ فقال ﵇: أمّا عبد الله فيدي التي أبطش بها - وكان عبد الله أخاه لأبيه وأمه - وأما عمر فبصري الذي أبصر به، وأمّا زيد فلساني

стр. 22

الذي أنطق به، وأمَّا الحسين فحليم يمشي على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما» (١). ومن المعلوم أنَّ الإمام «الباقر» ﵁ لم يكن متفرداً عن إخوته بالتقوى والصلاح والعلم والرفعة بل إنَّ بيت الإمام علي بن الحسين بما فيه من مراقبة الله تعالى والاقتداء بهدي خير المرسلين سيدنا محمد ﵌ قد أخرج لأمَّة الإسلام أعلاماً يُقتدى بهم ويهتدي المسلم بالسير على نهجهم ومنهم: ١ - زيد بن علي بن الحسين: زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو الحسين الهاشميّ العلويّ المدنيّ أخو أبي جعفر محمد وعبد الله وعمر وعلي والحسين وهو ابن أمَة. روى عن أبيه وأخيه أبي جعفر «الباقر» وعروة، وعنه ابن أخيه جعفر بن محمد وشعبة وفضيل بن مرزوق والمطلب بن زياد وسعيد بن خثيم الهلالي وعبد الرحمن بن أبي الزناد وآخرون سواهم. قال عنه الذهبي: «وكان أحد العلماء الصلحاء بدت منه هفوة فاستشهد فكانت سبباً لرفع درجته في آخرته» (٢).

стр. 23

وكان الإمام زيد رضي الله تعالى عنه عالماً بكتاب الله تعالى وله تفسير ألقاه على بعض النقلة عنه وهو في حبس هشام بن عبد الملك وفيه من العلم والاستشهاد بكلام العرب حظٌّ وافر. و يقال: إنَّه كان إذا تناظر هو وأخوه محمد «الباقر» اجتمع الناس بالمحابر يكتبون ما يصدر عنهما من العلم رحمهما الله تعالى ورضي عنهما (١). وعن قصّة استشهاده قال الذهبي: «روى أبو اليقظان عن جويرية بن أسماء أو غيره أن زيد بن علي وفد من المدينة على يوسف بن عمر الثقفي أمير العراقين الحيرة فأحسن جائزته ثم رجع إلى المدينة فأتاه ناس من أهل الكوفة فقالوا: ارجع فليس يوسف بشيء فنحن نأخذ لك الكوفة، فرجع ناس كثير وخرجوا معه فعسكر فالتقاه العسكر العراقي فقتل زيدٌ في المعركة ثم صلب فبقي معلقاً أربعة أيام ثم أنزل فأحرق فإنّا لله وإنّا إليه راجعون» (٢). وقد مدحه كثيرٌ من أهل زمانه، ووردت طعونات فيه ولكنّها كانت من أهل الأهواء والمذاهب الفاسدة الكاسدة.

стр. 24

وروي أن عمرو بن القاسم دخل على جعفر «الصادق» وعنده قوم، فقال له: «إنّ هؤلاء يبرؤون من عمّك زيد، فقال «الصادق»: برئ الله ممن برئ منه كان والله أقرأنا لكتاب الله وأفقهنا في دين الله وأوصلنا للرحم ما ترك فينا مثله» (١). وهذا المدح من «الصادق» لعمِّه زيد يدل على حب «الصادق» لزيد وإجلاله له وعلو شأنه في بني هاشم في زمنه ﵁ وعن أبيه وجده. ومن دلائل علمه وقوة حجته ما رواه ابن عساكر في تاريخه: «أن زيداً بن علي بن الحسين بن علي دخل على هشام بن عبد الملك، وكان زيد لأمّ ولد، فقال له هشام: يا زيد، بلغني أنّ نفسك تسمو بك إلى الإمامة، والإمامة لا تصلح لأبناء الإماء. فقال له زيد: يا أمير المؤمنين، هذا إسماعيل بن إبراهيم ﵉ كان لأمَة وقد صلحت له النبوّة، وكان صادق الوعد وكان عند ربه مرضيّاً، والنبوّة أكبر من الإمامة. فقال له هشام: يا زيد، إن الله لا يجمع النبوة والملك لأحد، فقال زيد: يا أمير المؤمنين، ما هكذا قال الله ﵎: أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً» (٢). وهذا الموقف مثالٌ بسيطٌ على قوة الإمام زيد بن علي وشجاعته وظهور حجته.

стр. 25

وقد كان ﵁ محبّاً للصحابة وعلى رأسهم الشيخين أبي بكر وعمر غير آبهٍ بخذلان أهل الأهواء له فروي عنه قوله: «كان أبو بكر إمام الشاكرين ثم تلا: ﴿سَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ﴾» (١). وقال كثير النوا: «سألت زيد بن علي عن أبي بكر وعمر، فقال: «تولَّهما وابرأ ممن تبرأ منهما» (٢). وروى هاشم بن البريد عن زيد بن علي قال: «البراءة من أبي بكر براءة من علي» (٣). وعن فضيل بن مرزوق قال: «قال زيد بن علي بن الحسين بن علي: أمّا أنا فلو كنت مكان أبي بكر حكمتُ بمثل ما حكم به أبو بكر في فدك» (٤). وعن محمد بن سالم قال: «كان عندنا زيد بن علي مختفياً، فذكر أبو بكر وعمر فجاء بعض الاعتراض، فقال زيد: مه يا محمد بن سالم! لو كنت حاضراً ما كنت تصنع؟ قال: أصنع كما كان يصنع علي، قال: فارض بما صنع علي» (٥).

стр. 26

وقد اختُلف في تاريخ مصرعه على أقوال فقال مصعب الزبيري: «قُتل في صفر سنة عشرين ومائة وله اثنتان وأربعون سنة»، وقال أبو نُعيم: «قُتل يوم عاشوراء سنة اثنتين وعشرين ومائة» رواه ابن سعد عنه. وقال هشام بن الكلبي والليث بن سعد والهيثم بن عدي وغيرهم: «قتل سنة اثنتين وعشرين». وقال محمد بن الحسن: «قتل زيد يوم الإثنين ثاني صفر سنة اثنتين». وكذا روي عن يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن (١). فرحم الله زيداً الشهيد وجمعنا به في الجنة بجوار أبيه وجدّه رضوان الله عليهم أجمعين. ٢ - عمر بن علي بن الحسين: كان أحد علماء السادة، وكان المتولّي لصدقات جدّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ في مدة عهده، وكان لا يمنع من أَكَل من الصدقات شيئاً (٢). ومن أقواله المشهورة ﵁ قوله: «المفرط في حبنا كالمفرط في بغضنا أنزلونا ما أنزلنا الله به، ولا تقولوا فينا ما ليس فينا». (٣)

стр. 27

وفي تسمية «زين العابدين» لابنه بـ «عمر» ما يدل دلالة واضحة على إِجلال آل البيت للصحابة عامة ولأبي بكر وعمر ﵄ خاصة (١)، ولقد توفي عمر بن علي بن الحسين ﵄ وهو ابن سبعين سنة (٢). ٣ - عبد الله بن علي بن الحسين: وعبد الله بن زين العابدين ﵁ كان عالماً راوياً للأخبار، وهو الذي يروي عن أبيه عن جده رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: «البخيل كل البخيل من إذا ذكرت عنده فلم يصلّ علي» (٣)، وتوفي وهو ابن سبع وخمسين سنة (٤). ٤ - الحسين بن علي بن الحسين: عرف باسم الحسين الأصغر، وقد روى عن أبيه وعن عمته فاطمة بنت الحسين ﵁، وعن أخيه أبي جعفر «الباقر» ﵁، وكتب الناس عنه الحديث، قال عنه النسائي: ثقة، وروى له الترمذي والنسائي (٥).

стр. 28

ومات سنة سبع وخمسين ومائة من الهجرة بالمدينة، ودفن بالبقيع، ويقال له أبو عبد الله وقد أعقب (١). أولاد محمد «الباقر»: كان له «﵁» من الولد خمسة ذكور: جعفر، عبد الله، إبراهيم، عبيد الله درج (٢) صغيراً، وعلي درج صغيراً (٣)، وتجدر الإشارة إلى أن أمّ جعفر «الصادق» هي أمّ فروة بنت القاسم الفقيه ابن محمد بن أبي بكر، وأمّها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، ويَحكي لنا «الباقر» قصة زواجه بكريمة القاسم وحفيدة أبي بكر الصدّيق ﵁ فيقول: قال لي سعيد بن المسيب: إذا أردت أن تنكح فأخبرني فإني عالم بأنساب قريش قال: فنكحت بنت القاسم بن محمد ولم أخبره فبلغه ذلك، فقال: جاد ما وضع الحسيني نفسه (٤).

стр. 29

وقد نتج عن هذا الزواج المبارك ثمرةٌ طيبةٌ هي جعفر «الصادق» بن محمد «الباقر» ﵄، لذلك كان «الصادق» ﵁ يفخر قائلا: «ولدنى أبو بكر مرتين» (١)، وحق له أن يفخر، فجده لأبيه سيد البرية محمد صلوات الله وسلامه عليه، وجده لأمه أبو بكر الصدِّيق صاحب النبي وصهره، ورفيقه ووزيره، وخليفته من بعده. وفي هذه المصاهرة والنسب الدلالة على حبّ آل البيت للصحابة وتقديرهم لهم وفيه الحجّة والبرهان الدامغ على المحبة المتبادلة بين الصحابة والقرابة، وردّ على كلّ من أبغضهما ﵄. وفاته: اختلف المؤرخون في السنة التي توفي فيها «الباقر» رضي الله تعالى عنه، فقيل مات سنة أربع عشرة بعد المئة وقيل خمس عشرة وقيل ست عشرة وقيل سبع عشرة وقال ابن سعد مات سنة ثماني عشرة ومائة (٢)، والصحيح أنه قد توفي سنة أربع عشرة

стр. 30

والله تعالى أعلم، وقد رجحه بعض المؤرخين والمحدثين (١)، وكان نقش خاتمه «القوة لله جميعاً» (٢). وكانت وفاته بالحميمة (٣)، ونقل إلى المدينة ودفن بالبقيع في القبر الذي فيه أبوه وعم أبيه الحسن بن علي في القبة التي فيها قبر العباس (٤). ونقل ابن بابويه القمي روايات تفيد أن «الباقر» ﵁ قد مات مسموماً وأنّ المتهم في قتله هو الخليفة الأموي، ويهدف القمي من نقل هذه الروايات: اتهام الأمويين وتعزيز الحقد عليهم وإظهار أنَّ الدولة الأموية لم يكن لها غرض إلا تتبع أهل البيت وقتلهم، وليس المراد من الإشارة إلى هذه النقطة تبرئة الدولة الأموية من المظالم بحق معارضي الخلافة من أهل البيت ومن غيرهم (٥)، لكن الذي

стр. 31

نستنكره هو تضخيم هذه الأحداث التاريخية بحيث تُظهر العلاقة بين بني هاشم وبني أمية كعلاقة عداء وأحقاد متبادلة (١). نعم كان للدولة الأموية مثالب عديدة، ولكن كان لها محاسن كثيرة أيضاً، منها الفتوحات والتوسع فيها، ودخول عدد كبير من الخلق في الإسلام، ويجب على المسلم أن يكون منصفاً محكِّماً لعقله متجرداً عن الهوى والتعصب مع من يكره قبل من يحب وحسبنا قول الله في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى

стр. 32

وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿إِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (٢). حرصه على اتباع السنّة حتى في لحظاته الأخيرة: كان «الباقر» ﵁ حريصا على السنّة مجانبا للبدعة وأهلها حتى في لحظات عمره الأخيرة. وقد روى الكليني في «الكافي» بسنده عن جعفر بن محمد ﵄ أنه قال: «إنّ أبي (ع) استودعني ما هناك، فلما حضرته الوفاة قال: ادع لي شهوداً فدعوت له أربعة من قريش، فيهم نافع مولى عبد الله بن عمر فقال: اكتب، هذا ما أوصى به يعقوب بنيه ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ وأوصى محمد بن علي إلى جعفر بن محمد وأمره أن يكفنه في برده الذي كان يصلي فيه الجمعة، وأن يعممه بعمامته، وأن يربع قبره ويرفعه أربعة أصابع وأن يحل عنه أطماره عند دفنه، ثم قال للشهود: انصرفوا رحمكم الله، فقلت له: يا أبت - بعد ما انصرفوا - ما كان في هذا بأن تشهد عليه فقال: يا بني كرهت أن تغلب وأن يقال: إنه لم يوص إليه، فأردت أن تكون لك الحجة» (٣).

стр. 33

وفي هذه الوصية فوائد عظيمة منها: ١ - الاقتداء بالأنبياء والصالحين وبأفعالهم، فوصية «الباقر» ﵁ كانت هي وصية يعقوب ﵇ لأبنائه كما ورد في التنزيل. ٢ - الاقتداء بالنبي ﵌، في النهي عن رفع القبر ما فوق أربعة أصابع، ومن هنا يتبين أن الأضرحة وتجصيصها، وجعلها مزارات تعبد من دون الله، يُطاف ويُستغاث بها ويُطلب المدد والعون من أصحابها، وتقديم القرابين وأكاليل الزهور لها، وما إلى ذلك من البدع المنكرة، لم تكن بأمر أئمة الهدى من أهل البيت، ولم يرضوا بها (١)، وهم بذلك متبعون لنهج النبي ﵌ الذي قال: «اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢)، وقوله ﵌ الذي رواه عنه الإمام علي بن أبي طالب ﵁: «لاتتخذوا قبري عيداً، ولاتتخذوا قبوركم مساجدكم ولابيوتكم قبورا» (٣).

стр. 34

ولعل من أبرز مظاهر التزامه بسنة النبي ﵌ نهيه عن الجزع والنياحة واللطم فهو القائل: «ما من مؤمن يصاب بمصيبة في الدنيا فيسترجع عند مصيبته إلا غفر الله له ما مضى من ذنوبه» (١). وقال: «أشد الجزع الصراخ بالويل والعويل ولطم الوجه والصدر وجز الشعر من النواصي ومن أقام النواحة فقد ترك الصبر وأخذ في غير طريقه ومن صبر واسترجع وحمد الله فقد رضي بما صنع الله ووقع أجره على الله ومن لم يفعل ذلك جرى عليه القضاء وهو ذميم وأحبط الله تعالى أجره» (٢). كل ذلك اقتداء بالنبي ﵌ الذي فقد ابنه ابراهيم ﵇ فلم يقم عليه مأتما ولا أمر بالنياحة عليه بل قال: «تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضى ربنا والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون» (٣)، وروى عنه النوري الطبرسي في الوسائل قوله ﵊: «ما كان من حزن في القلب أو في العين فإنما هو رحمة، وما كان من حزن باللسان و باليد فهو من الشيطان» (٤).

стр. 35

وأوصى ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها قبل موته بالتزام سنته واجتناب فعل أهل الجاهلية فقد روى الكليني في «الكافي» أن النبي ﵌ قبل موته أوصى ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها بقوله: «إذا أنا مت فلا تخمشي علي وجها ولا تنشري علي شعراً ولا تنادي بالويل ولا تقيمي علي نائحة» (١).

стр. 36

الفصل الثاني تفسيره للقرآن الكريم «التفسير علم يفهم به كتاب الله المنزل على نبيه ﵌، وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه» (١). وعرّفه بعضهم بأنه: «علم يبحث فيه عن أحوال القرآن المجيد، من حيث دلالته على مراد الله تعالى، بقدر الطاقة البشرية» (٢). ومن المعلوم أن الله قد خاطب خلقه بما يفهمونه، وإنما أرسل رسله إلى أقوامهم بلغتهم، وقد عاب الله جلَّ وعلا على المشركين عدم تدبّرهم للقرآن رغم نزوله بلغتهم فقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٣). وقال ﷻ : ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً﴾ (٤). وقال سبحانه: ﴿قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٥).

стр. 37

ويقرِّرُ الله سبحانه هذه المسألة، ويحتجُّ على المشركين بأن هذا القرآن إنَّما أُنزل بلغة تفهمونها ولو أَنزله سبحانه بلغة لا يعقلونها لاحتجّوا بعدم الفهم فقال سبحانه: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (١). من هنا يتبين أنّ من ادّعى - من الباطنية - بأنَّ الله سبحانه قد خاطب خلقه بالألغاز وبما لا يفهمون أو يعقلون وبأنَّ ظاهر القرآن بخلاف باطنه فقد نسب الظلم لله والعياذ بالله من ذلك، وقد خالف بقوله هذا قول الله : ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٢). فكيف يكون الكتاب تبياناً لكل شيء وهو غامض لا يفهمه إلا نفرٌ قليلٌ من النَّاس؟ وكيف يهدي الله به عباده وقد حصر فهم القرآن على نفرٍ قليل؟. فإن قال قائل: إن كان القرآن الكريم واضحاً ومفهوماً للنَّاس جميعاً فما الحاجة إلى التفسير إذاً؟.

стр. 38

والجواب أن يقال إنَّنا نحتاج التفسير لسببين: أولهما: كمال فضيلة هذا الكتاب، وهو لقوته العلميَّة يجمع المعاني الدقيقة في لفظ وجيز، فربما عسر على البعض فهم مراده، فقصد بالشرح ظهور تلك المعاني الخفية. ثانيهما: احتمال اللفظ لمعانٍ مختلفة فاحتجنا إلى علم التفسير لترجيح معنى على الآخر. ومن المعلوم أن هذا القرآن أول نزوله كان على أفصح العرب، وكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه، ولكن تخفى عليهم بعض الجوانب الدقيقة منه، وكانت تظهر لهم بعد البحث والنَّظر وسؤال النبي صلى الله عليه و آله وسلم، وذلك كسؤالهم عند نزول قوله جلَّ وعلا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (١)، فقالوا: أيّنا لم يظلم نفسه؟، ففسَّره النبي ﵌ بالشرك واستدلَّ بقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٢). أمّا في زماننا هذا فقد ازدادت الحاجة إلى هذا العلم، وذلك لبعدنا الشديد عن اللغة العربيَّة، ولقصورنا في فهم مدارك أحكامها.

стр. 39

أما عن أحسن طرق التفسير: فقد قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: «إنَّ أصح الطرق في ذلك أن يُفَسَّر القرآن بالقرآن، فما أُجْمِل في مكان فإنه قد فُسِّر في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له» (١). واستدل «﵀» على ذلك بقول رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه..» (٢). فإن لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة، «رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك، لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لا سيِّما علماؤهم وكبراؤهم» (٣). وإن لم نجد في أقوال الصحابة رجعنا إلى أقوال التابعين كمجاهد وعطاء وسعيد بن جبير و «الباقر» والضحَّاك وقَتاده وغيرهم من التابعين وأتباع التابعين رضوان الله عليهم.

стр. 40

أما تفسير القرآن بمجرد الرأي بلا علم فحرام، وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» (١).
следующие страницы →