← Тараджим

Тараджим · id 30277

الروض الناضر في سيرة الإمام أبي جعفر الباقر

بدر محمد باقر

Полный текст (336 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الفصل الثاني تفسيره للقرآن الكريم «التفسير علم يفهم به كتاب الله المنزل على نبيه ﵌، وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه» (١). وعرّفه بعضهم بأنه: «علم يبحث فيه عن أحوال القرآن المجيد، من حيث دلالته على مراد الله تعالى، بقدر الطاقة البشرية» (٢). ومن المعلوم أن الله قد خاطب خلقه بما يفهمونه، وإنما أرسل رسله إلى أقوامهم بلغتهم، وقد عاب الله جلَّ وعلا على المشركين عدم تدبّرهم للقرآن رغم نزوله بلغتهم فقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٣). وقال ﷻ : ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً﴾ (٤). وقال سبحانه: ﴿قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٥).

стр. 37

ويقرِّرُ الله سبحانه هذه المسألة، ويحتجُّ على المشركين بأن هذا القرآن إنَّما أُنزل بلغة تفهمونها ولو أَنزله سبحانه بلغة لا يعقلونها لاحتجّوا بعدم الفهم فقال سبحانه: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (١). من هنا يتبين أنّ من ادّعى - من الباطنية - بأنَّ الله سبحانه قد خاطب خلقه بالألغاز وبما لا يفهمون أو يعقلون وبأنَّ ظاهر القرآن بخلاف باطنه فقد نسب الظلم لله والعياذ بالله من ذلك، وقد خالف بقوله هذا قول الله : ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٢). فكيف يكون الكتاب تبياناً لكل شيء وهو غامض لا يفهمه إلا نفرٌ قليلٌ من النَّاس؟ وكيف يهدي الله به عباده وقد حصر فهم القرآن على نفرٍ قليل؟. فإن قال قائل: إن كان القرآن الكريم واضحاً ومفهوماً للنَّاس جميعاً فما الحاجة إلى التفسير إذاً؟.

стр. 38

والجواب أن يقال إنَّنا نحتاج التفسير لسببين: أولهما: كمال فضيلة هذا الكتاب، وهو لقوته العلميَّة يجمع المعاني الدقيقة في لفظ وجيز، فربما عسر على البعض فهم مراده، فقصد بالشرح ظهور تلك المعاني الخفية. ثانيهما: احتمال اللفظ لمعانٍ مختلفة فاحتجنا إلى علم التفسير لترجيح معنى على الآخر. ومن المعلوم أن هذا القرآن أول نزوله كان على أفصح العرب، وكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه، ولكن تخفى عليهم بعض الجوانب الدقيقة منه، وكانت تظهر لهم بعد البحث والنَّظر وسؤال النبي صلى الله عليه و آله وسلم، وذلك كسؤالهم عند نزول قوله جلَّ وعلا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (١)، فقالوا: أيّنا لم يظلم نفسه؟، ففسَّره النبي ﵌ بالشرك واستدلَّ بقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٢). أمّا في زماننا هذا فقد ازدادت الحاجة إلى هذا العلم، وذلك لبعدنا الشديد عن اللغة العربيَّة، ولقصورنا في فهم مدارك أحكامها.

стр. 39

أما عن أحسن طرق التفسير: فقد قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: «إنَّ أصح الطرق في ذلك أن يُفَسَّر القرآن بالقرآن، فما أُجْمِل في مكان فإنه قد فُسِّر في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له» (١). واستدل «﵀» على ذلك بقول رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه..» (٢). فإن لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة، «رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك، لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لا سيِّما علماؤهم وكبراؤهم» (٣). وإن لم نجد في أقوال الصحابة رجعنا إلى أقوال التابعين كمجاهد وعطاء وسعيد بن جبير و «الباقر» والضحَّاك وقَتاده وغيرهم من التابعين وأتباع التابعين رضوان الله عليهم.

стр. 40

أما تفسير القرآن بمجرد الرأي بلا علم فحرام، وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» (١).

стр. 41

منهج «الباقر» ﵁ في التفسير أما منهج الإمام «الباقر» في تفسير كتاب الله جلَّ وعلا، فهو موافق لما ذكرناه آنفاً، فقد استقى هذا التفسير عمّن لقيهم من أصحاب رسول الله ﵌، وعن أبيه وعن غيرهم من التابعين، وكل من اطلع على كتب التفسير فسيجد أقوال «الباقر» جنباً إلى جنب مع أقوال أقرانه من السلف رضوان الله عليهم أجمعين. قبسات من تفسير الإمام الباقر فيما يلي استعراض جانب من أقوال الإمام «الباقر» في التفسير: سورة البقرة: قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ﴾ (١). قال «الباقر» ﵁ في تفسير ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾: قولوا للنَّاس ما تحبون أن يقال لكم (٢). وقد فسَّر «الباقر» ﵁ ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ في قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ

стр. 42

وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (١)، بأنه الضيف الذي ينزل بالمسلمين (٢). ويقول في تفسير قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ (٣)، «ما يعبأ بمن يؤم هذا البيت إذا لم يأت بثلاث ورع يحجزه عن محارم الله، وحلم يكف به غضبه، وحسن الصحابة لمن يصحبه من المسلمين فهذه الثلاث يحتاج إليها المسافر خصوصا إلى الحج فمن كمَّلها فقد كمل حجه وإلا فلا» (٤). وروى الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ

стр. 43

وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (١)، أنّ سكينة ابنة حنظلة بن عبد الله بن حنظلة قالت: دخل عليَّ أبو جعفر محمد بن علي وأنا في عدّتي، فقال: يا ابنة حنظلة، أنا من علمت قرابتي من رسول الله ﵌، وحق جدي علي، وقدمي في الإسلام، فقلت: غفر الله لك يا أبا جعفر أتخطبني في عدتي، وأنت يُؤخذ عنك! فقال: أو قد فعلت! إنما أخبرك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم وموضعي! قد دخل رسول الله ﵌ على أم سلمة، وكانت عند ابن عمها أبي سلمة، فتوفي عنها، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم يذكر لها منزلته من الله وهو متحامل على يده حتى أثَّر الحصير في يده من شدة تحامله على يده، فما كانت تلك خطبة (٢). قال البغوي ﵀ تعليقاً على الرواية: «والتعريض بالخطبة جائزٌ في عدة الوفاة، أما المعتدة عن فرقة الحياة ينظر: إن كانت ممن لا يحل لمن بانت من نكاحها كالمطلقة ثلاثا والمبانة باللعان والرضاع فإنه يجوز خطبتها تعريضاً وإن كانت ممَّن يحلّ للزوج نكاحها كالمختلعة والمفسوخ نكاحها يجوز لزوجها خطبتها تعريضاً وتصريحاً. وهل يجوز للغير تعريضاً؟ فيه قولان: أحدهما يجوز كالمطلَّقة ثلاثا، والثاني لا يجوز لأن المعاودة ثابتة لصاحب العدة كالرجعية لا يجوز للغير تعريضها بالخطبة» (٣).

стр. 44

سورة آل عمران: فسَّرالإمام «الباقر» قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) بقوله: قرأ رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْر﴾ ثم قال: «الخير اتباع القرآن وسنتي» (٢). سورة النساء: وفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ (٣). قال «الباقر» ﵁: الباطل بأنَّه ما يخالف الشرع كالرِّبا والقمار والبخس والظلم (٤). وفسَّر ﴿ابْنِ السَّبِيل﴾ في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ

стр. 45

الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾ (١) بالذي: يمرُّ عليك مجتازًا في السفر (٢). وفسَّر ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٣) بقوله: مُوجَبًا (٤). سورة المائدة: روى الطبري بسنده في تفسير قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ

стр. 46

غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١) عن جعفر «الصادق» بن محمد، عن أبيه «الباقر»، عن علي بن أبي طالب قال: «إذا ركضت برجلها، أو طرفت بعينها، وحركت ذنبها، فقد أجزأ» (٢). وروى أيضاً في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إلى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٣) عن القاسم بن الفضل الحدّاني، قال، قال أبو جعفر: أين «الكعبين»؟ فقال القوم: هاهنا. فقال: هذا رأس الساق! ولكن «الكعبين» هما عند المفصل (٤). وفي قصة ابني آدم قال الله : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴿٢٧﴾ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴿٢٨﴾ إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ ﴿٢٩﴾ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ

стр. 47

الْخَاسِرِينَ ﴿٣٠﴾ فَبَعَثَ اللّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ﴿٣١﴾﴾ (١) وروى «الباقر» القصة قائلاً: قال آدم ﵇ لهابيل وقابيل: إنّ ربي عهد إليّ أنه كائن من ذريتي من يُقَرِّب القربان، فقربا قربانا حتى تَقَر عيني إذا تُقُبّل قربانكما فقربا. وكان هابيل صاحب غنم فقرب أكُولة غنمه، خَيْر ماله، وكان قابيل صاحب زرع، فقرب مشاقة من زرعة، فانطلق آدم معهما، ومعهما قربانهما، فصعدا الجبل فوضعا قربانهما، ثم جلسوا ثلاثتهم: آدم وهما، ينظران إلى القربان، فبعث الله نارًا حتى إذا كانت فوقهما دنا منها عنق، فاحتمل قربان هابيل وترك قربان قابيل فانصرفوا، وعلم آدم أن قابيل مسخوط عليه، فقال: ويلك يا قابيل رد عليك قربانك، فقال قابيل: أحببتَه فصليتَ على قربانه ودعوت له فتُقُبل قربانه، ورد عليَّ قرباني، وقال قابيل لهابيل: لأقتلنَّك فأستريح منك، دعا لك أبوك فصلى على قربانك فتقبل منك، وكان يتواعده بالقتل، إلى أن احتبس هابيل ذات عشية في غنمه، فقال آدم: يا قابيل، أين أخوك؟ قال: وبَعثتني له راعياً؟ لا أدري. فقال له آدم: ويلك يا قابيل، انطلق فاطلب أخاك، فقال قابيل في نفسه: الليلة أقتله، وأخذ معه حديدة فاستقبله وهو منقلب، فقال: يا هابيل، تقبل قربانك ورد علي قرباني، لأقتلنَّك، فقال

стр. 48

هابيل: قربتُ أطيب مالي، وقربتَ أنت أخبث مالك، وإن الله لا يقبل إلا الطيب، إنما يتقبل الله من المتقين، فلما قالها غضب قابيل فرفع الحديدة وضربه بها، فقال: ويلك يا قابيل أين أنت من الله؟ كيف يجزيك بعملك؟ فقتله فطرحه في جَوْبة من الأرض وحثى عليه شيئًا من التراب (١). وفي قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢). قال «الباقر» ﵁: تُقْطَعُ يدُ السارق في عشرة دراهم، أو دينار، أو ما يبلغ قيمته واحدًا منهما (٣). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (٤) قال «الباقر»: نزلت في المؤمنين، فقيل له: إنّ أناساً يقولون إنها نزلت في علي ﵁، فقال: هو من المؤمنين (٥).

стр. 49

سورة الأنعام: وفسَّر ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (١) بقوله: يعطي ضغثا (٢). سورة الأعراف: وفي تفسير قوله تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣). قال «الباقر» رضي الله تعالى عنه في قول الله تعالى ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾: كانوا كأنهم النخل الطوال وكان الرجل منهم يأتي الجبل فيهدم منه بيده القطعة العظيمة (٤).

стр. 50

سورة التوبة: وقال في تفسير ﴿الْحَجِّ الأَكْبَر﴾ من قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إلى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١): الحج الأكبر، يوم النحر (٢). وهذا دلالة على علم أبي جعفر ﵁ بالسنَّة الكريمة فقد ورد عن ابن عمر ﵄ قوله: «وقف النبي صلى الله عليه و آله وسلم يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج بهذا وقال: (هذا يوم الحج الأكبر)» (٣). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (٤). قال «الباقر» ﵁: أوصاني أبي زين العابدين ﵁ فقال: لا تصحبن خمسة ولا تحادثهم ولا ترافقهم في الطريق، لا تصحبن فاسقاً فإنه يبيعك بأكلة فما دونها، قلت: يا أبت وما دونها، قال: يطمع فيها ثم لا ينالها، ولا تصحبن البخيل فإنه يقطع بك أحوج ما تكون إليه، ولا تصحبن كذاباً فإنه بمنزلة السراب

стр. 51

يبعد عنك القريب ويقرب منك البعيد، ولا تصحبن أحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك وقد قيل عدو عاقل خير من صديق أحمق، ولا تصحبن قاطع رحم فإني وجدته ملعوناً في كتاب الله تعالى في ثلاثة مواضع (١). سورة هود: وفي تفسير ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً﴾ من قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ (٢) قال «الباقر» ﵁: مهجوراً لا تجالس ولا تعاشر (٣). سورة الرعد: وقال في تفسير ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾ من قوله تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (٤): الصاعقة تصيب المسلم وغير المسلم ولا تصيب الذاكر (٥).

стр. 52

سورة الحجر: وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١): «نحن أهل الذكر». والرواية هذه ضعيفة فيها جابر الجعفي فلا اعتبار لهذا السند ولكن في حال سلّمنا بصحتها، يكون مراده هو أن هذه الأمة أهل الذكر صحيح، فإن هذه الأمة أعلم من جميع الأمم السالفة، وعلماء أهل بيت الرسول، ﵈ والرحمة، من خير العلماء إذا كانوا على السنة المستقيمة، كعليّ، وابن عباس، وبني علي: الحسن والحسين، ومحمد بن الحنفية، وعلي بن الحسين زين العابدين، وعلي بن عبد الله بن عباس، وأبي جعفر «الباقر» وجعفر ابنه، وأمثالهم وأضرابهم وأشكالهم ممن هو متمسك بحبل الله المتين وصراطه المستقيم، وعرف لكل ذي حق حقه، ونزل كل المنزل الذي أعطاه الله ورسوله واجتمعت إليه قلوب عباده المؤمنين (٢) وقد يريد العلماء.

стр. 53

سورة الإسراء: وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ (١): لدلوك الشمس أي لزوالها (٢). سورة يوسف: قال الله : ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٣). روى الإمام «الباقر» عن آبائه رضي الله تعالى عنهم أجمعين عن النبي ﵌ قال: «أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل ﵇ وهو ابن أربع عشرة سنة». وروى أيضاً عن ابن عباس قوله: «إنّ إسماعيل ﵇ أول من تكلم بالعربية المحضة»، وأريد بذلك على ما قاله بعض الحفاظ، عربية قريش التي نزل بها القرآن وإلا فاللغة العربية مطلقاً كانت قبل إسماعيل ﵇ (٤). سورة الأنبياء: وقال في تفسير قوله : ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (٥).

стр. 54

في قوله ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ قال «الباقر» ﵁: قدرًا مُقَدرًا أن أهل كل قرية أهلكوا أنهم لا يرجعون إلى الدنيا قبل يوم القيامة (١). سورة الحج: وقال في تفسير ﴿مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ من قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٢): العفو والمغفرة (٣). سورة النور: وفي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ (٤). قال أبو ثابت: كنت جالساً عند محمد بن جعفر «الباقر» ﵁ فقال لي: أتدري ما تقول هذه العصافير عند طلوع الشمس وبعد طلوعها؟ قال: لا، قال: فإنهن يقدسن ربهن ويسألنه قوت يومهن (٥).

стр. 55

سورة الفرقان: قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَاماً﴾ (١) وقال «الباقر» ﵁ في تفسير الغرفة - وهي الجنة-: سميت بذلك لارتفاعها (٢). سورة القصص: قال تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إلى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِير﴾ (٣). قال «الباقر» ﵁ تعليقاً على قوله تعالى ﴿لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِير﴾: لقد قالها وإنه لمحتاج إلى شق تمرة (٤). سورة فاطر: في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (٥).

стр. 56

قال أبو الجارود: سألت محمد بن علي -يعني: «الباقر» -عن قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ فقال: هو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً (١). وفي قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ (٢). فسَّر أبو جعفر «الباقر» ﵁ ﴿النَّذِيرُ﴾ بالشيب (٣). سورة الأحقاف: قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ» (٤). قال «الباقر» ﵁ في تفسيره لقول الله تعالى ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾: لا تجعل للشيطان والنفس والهوى عليهم سبيلاً (٥).

стр. 57

سورة الجن: جاء فيها قوله تعالى على لسان الجن: ﴿وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَداً﴾ (١). روي عنه في هذه الآية أنه قال: ليس لله تعالى جد، وإنما قالته الجن للجهالة (٢)

стр. 58

فلم يؤاخذوا به (١). سورة الذاريات: قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (٢). فسَّر «الباقر» ﵁ ﴿يَهْجَعُونَ﴾ بقوله: كانوا لا ينامون حتى يصلوا العتمة (٣). سورة التحريم: وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٤). قال أبو جعفر «الباقر» ﵁ في تأويله للحجارة: «هي حجارة من كبريت» (٥).

стр. 59

سورة البلد: قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (١) روي عن أبي جعفر «الباقر» أنه سأل رجلاً من الأنصار عن قول الله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ قال: في قيامه واعتداله. فلم يُنكر عليه أبو جعفر (٢). سورة الضحى: قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (٣). فسَّر أبو جعفر «الباقر» الآية بالشفاعة (٤).

стр. 60

التأويلات المكذوبة على «الباقر» ﵁ قد اطَّلعنا معا عزيزي القارئ على نماذج من منهج الإمام «الباقر» ﵁ في التفسير، وهي مُوافقه لهدي النبي صلى الله عليه و آله وسلم، وهدي صحابة رسول الله رضوان الله عليه ومن تبعهم بإحسان من تابعيهم وأتباعهم. ولكن لم تُرضِ هذه التفاسير والتأويلات أصحاب الهوى، الذين ابتُلِيَ آل بيت النبيِّ صلوات الله وسلامه عليه بهم، فهذه التأويلات لا ترضي مزاعمهم ولا تخدم شهواتهم وضلالهم وهم يهدفون إلى إضلال أمَّة محمَّد وإلقائها في دياجير الظلام فلجأوا إلى الكذب ووضع أحاديث يَتأول فيها أئمّة آل البيت القرآن بطريقة ترفضها الفطرة السليمة ويستهجنها العقل السوي، ولمَّا كانت هذه التأويلات لا تُوافق بأي حال منهج القرآن ولا توافق معانيه وألفاظه لجأوا إلى كَذِبةٍ لمحاولة إغواء العامَّة وإقناعهم بهذه التأويلات، فقالوا بأنَّ لهذا القرآن تأويلاً ظاهراً وباطناً، فأما التأويل الظاهر فهو الذي يتأوله جميع من يقرأ القرآن، وأما الباطن فعند أهل البيت ﵈. فقد روى العياشي والفيض الكاشاني بسندهم عن جابر الجعفي قال: «سألت أبا جعفر عن شيء من تفسير القرآن فأجابني، ثم سألت ثانية فأجابني بجوابٍ آخر فقلت: جُعلت فداك كنتَ أجبت في هذه المسألة جواباً غير هذا قبل اليوم؟ فقال لي: يا جابر إن للقرآن بطنا وظهرا، وللظهر ظهرا، يا جابر، وليس شيء أبعد من عقول

стр. 61

الرجال من تفسير القرآن، إن الآية لتكون أولها في شيء وآخرها في شيء وهو كلام متصل يصرف على وجوه» (١). فنسبوا للإمام «الباقر» العبث في كتاب الله تعالى، ونسبوا له تكذيب الله تعالى حين يدّعي أن كتاب الله أبعد من عقول الرجال وأنّ له بطناً وظهراً وأن للظهر ظهراً بينما يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (٣) وأيضا قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إلى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (٤)، فكيف يصف الله تعالى هذا القرآن بأنه يهدي إلى صراط عزيز، وهو أبعد ما يكون عن عقول الرجال؟، بل إنّ الإمام نفسه يفسره بتفسيرات متضاربة، سبحانك ربِّ هذا بهتان عظيم. وهذه التأويلات الباطنية لا ضابط لهاً، ولا قاعدة تحكمها، اللهمَّ إلَّا تأويل كل ما هو حسن بالأئمَّة من آل البيت، وكل ما هو سيِّء بأصحاب النبيِّ رضوان الله تعالى عليهم، وعلى رأسهم أبي بكر وعمر، فحوَّل هؤلاء المفترون كتاب الله المحكم إلى

стр. 62

كتاب مدح وهجاء، وكأنَّ الله ﵎ يتِّقي الكفَّار فلا يذكر أسماءهم صراحةًّ بل يكنِّي بهم والعياذ بالله من هذا القول!. لقد استنكر أئمَّة أهل البيت هذه التأويلات واستشنعوها وحذَّروا منها تحذيراً شديداً، فقد قيل للإمام جعفر «الصادق»: إنَّ أحدَهم يروي عنك تفسير قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾: بالإمام، فقال «الصادق» ﵁: لا والله لا يأويني وإيَّاه سقفُ بيتٍ أبداً، هم شرٌّ من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا، والله ما صغَّر عظمة الله تصغيرهم شيء قط.. والله لو أقررت بما يقول فيَّ أهل الكوفة لأخذتني الأرض، وما أنا إلا عبد مملوك لا أقدر على شيءٍ ضرَّ ولا نفع (١). وأهل الكوفة الذين حذَّر منهم «الصادق» في الرواية السابقة، هم جابر الجعفي وزرارة بن أعين، وأمثالهما ممن استحلّوا الكذب على أهل البيت، ووضعوا عليهم الأحاديث والأكاذيب فأضلَّوا بها خلقاً كثيراً، نسأل الله العافية، ودورنا أيها القارئ الكريم - إن كنَّا من محبِّي أهل البيت حقا- أن ننزَّههم من هذا الكذب وننصرهم على من كذبوا عليهم بإظهار تراثهم الحقيقي من بين أكوام الكذب والافتراءات المنسوبة لهم رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.

стр. 63

وقبل أن نتطرق إلى أمثلة من التأويلات الباطنية المفتراة على «الباقر» ﵁ وننقدها ونظهر زيغها وعوارها، أود أذكِّرك أيها القارئ الكريم بحديث «الباقر» ﵁ إذ قال: «كلّ شيءٍ خالف كتاب الله ردَّ إلى كتاب الله والسنة» (١). وقال ابنه «الصادق» ﵁: «كل شيء مردود إلى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف» (٢). فمن أبى إلا الإصرار على الباطل بالتمسك بهذه التفاسير الباطنية التي ما أنزل الله بها من سلطان رجونا له الهداية وتبرأنا منه ومن باطله، فإن الله تعالى قد حكى عن المؤمنين استبشارهم بكتاب الله، وحكى عن أهل الضلال والشقاق استزادتهم للضلال والكفر صرف الله تعالى آياته فهذان طريقان لا يلتقيان أبدا، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿١٢٤﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ ﴿١٢٥﴾ أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴿١٢٦﴾ وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون ﴿١٢٧﴾﴾

стр. 64

لقد حذر الله جلَّ شأنه عباده من أن يتَقَوَّلوا عليه ما ليس لهم به علم فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١). عزيزي القارئ اسأل نفسك، من أصدق؟ آلله أم من يكذبون عليه ويدَّعون أنَّ للقرآن ظهراً وبطناً، ثم ينسبون هذه الأقوال لأئمة أهل البيت، ليجعلوا لهم موطأ قدم وقبول بين عامَّة النَّاس، فلا تنخدع وتنقاد خلف العواطف وارجع إلى كتاب الله ففيه الهدى والنور، اقرأه وتفكر وتمعن فيه، وادعُ الله صادقاً واطلب منه الهداية فوالله ما لجأ أحد إلى الله تعالى فخاب رجاؤه كما قال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢). دعوتنا بسيطة وظاهرة، ارجع إلى كتاب الله واعرض عليه الأقوال فما وافقه فخذ بها وما خالفه فاضرب بها عرض الحائط، فهل هذه دعوة جائرة؟. كان من دعاء الإمام أحمد ﵁: «اللهم من كان على هوى أو على رأي وهو يظن أنه على الحق، فرده إلى الحق حتى لا يضل من هذه الأمة أحداً» (٣).

стр. 65

أمثله من التأويل الباطني المكذوب على «الباقر»: اقرأ معي هذه الروايات عزيزي القارئ وتأمَّل وتفكَّر هل يمكن أن تصدر هذه التأويلات عن إمامٍ جليلٍ مثل «الباقر» رضي الله تعالى عنه، وهل هذه التأويلات توافق ما أنزله تعالى في كتابه؟ وهل توافق هذه التأويلات العقل السليم؟. ١ - روى ابن بابويه القمي في معاني الأخبار ما نصه: حدثنا جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه، قال: حضرت عند جعفر بن محمد «الباقر» ﵉ فدخل عليه رجل فسأله عن ﴿كهيعص﴾ فقال ﵇: «كاف»، كاف لشيعتنا، «ها» هادي لهم، «يا» ولي لهم، «عين» عالم بأهل طاعتنا، «صاد» صادق لهم وعدهم حتى يبلغ بهم المنزلة التي وعدها إياهم في بطن القرآن (١). وفي رواية أخرى طويلة يسأل أحد الأشخاص الإمام فيقول: فأخبرني يا ابن رسول الله عن تأويل ﴿كهيعص﴾ قال: هذه الحروف من أنباء الغيب، أطلع الله عليها عبده زكريا، ثم قصها على محمد صلى الله عليه وآله وذلك أنّ زكريا سأل ربه أن يعلمه أسماء الخمسة فأهبط عليه جبرئيل فعلمه إياها، فكان زكريا إذا ذكر محمداً وعليا وفاطمة والحسن والحسين سري عنه همه، وانجلى كربه، وإذا ذكر الحسين خنقته العبرة، ووقعت عليه البهرة، فقال ذات يوم: يا إلهي ما بالي إذا ذكرت أربعة منهم تسليت بأسمائهم من همومي، وإذا ذكرت الحسين تدمع عيني وتثور زفرتي؟

стр. 66

فأنبأه الله تعالى عن قصته، وقال: ﴿كهيعص﴾، «فالكاف» اسم كربلاء، و «الهاء» هلاك العترة، و «الياء» يزيد، وهو ظالم الحسين ﵉، و «العين» عطشه، و «الصاد» صبره (١). أقول: أيُّ منهج اتَّبعه هؤلاء المتقولون في التفسير؟ ولنا أن نسألهم إن أتانا شخصٌّ وفسَّر الآيات كالتَّالي: كاف: كعب الأحبار، هاء: هند بنت عتبه، ياء: يزيد بن أبي سفيان، عين: عبد الله بن عثمان، صاد: صدقوا ولهم الجنة. ٢ - واقرأ هذه الرواية: قال «الباقر» ﵇: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ قال: كرهوا عليّا، وكان أمر الله بولايته يوم بدر ويوم حنين وببطن النخلة ويوم التروية ويوم عرفة نزلت فيه خمس عشرة آية في الحجة التى صدعها رسول الله «صلى الله عليه وآله» عن المسجد الحرام وبالجحفة وبخم (٢). انظر كيف يحصر رضوان الله جل وعلا بولاية علي ويتهم أصحاب النبي أنهم كرهوا رضوان الله، ثم أنظر كيف يكذب بقوله: «نزلت فيه خمسة عشرة آية»، لنا أن نسأل أين هذه الآيات الخمسة عشر؟ ثم إن صاحب هذه الرواية يُكذِّب الله ، والعياذ بالله منه ومن كذبه فقد شهد الله تعالى لأصحاب النبي صلى الله عليه و آله وسلم أنهم يبتغون رضوانه

стр. 67

فاقرأ معي قول الله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (١). إذاً هم يبتغون من الله الرضوان، ثم إنَّ الله سبحانه قد لبَّى طلبهم فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢). فكيف بعد أن رضي الله عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وعلى رأسهم أبي بكر وعمر، ينسب هذا المُبْطِل إلى «الباقر» أنه يذمُّ أصحاب النبيّ وأنَّهم كرهوا عليا. ٣ - روى الحر العاملي في الوسائل بسنده عن «الباقر» و «الصادق» رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾، قال: هي لنا خاصة، إيَّانا عنى (٣).

стр. 68

قلت: إن إكمال الآية كافٍ في دحض هذا الافتراء، إذ يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (١). لنا أن نسأل، من هو الظالم لنفسه من بين أئمة أهل البيت؟، لا أظن أن من هؤلاء الغلاة يملك على هذا التساؤل المنطقي إجابة. ٤ - روى القاضي النعماني بسنده عن جابر بن عبد الله عن «الباقر» ﵁: كنا جلوساً معه فتلا رجل هذه الآية «كل نفس...»، فقال رجل: ومن أصحاب اليمين؟ قال ﵇: شيعة علي بن أبي طالب ﵇ (٢). نسأل هنا، لو أن الانتساب لعلي بن أبي طالب ﵁ يجعل الإنسان من أصحاب اليمين ويكون نصيبه الجنَّة، أليس من باب أولى أنَّ المنتسب إلى رسول الله ﵌ كحال أصحاب النبي رضوان الله عليه هو أيضا من أصحاب اليمين؟ فكيف ينسب هؤلاء الكفر والردة إلى أصحاب النبي؟، أم أنَّ الانتساب إلى علي هو أكرم من الانتساب إلى الرسول صلى الله عليه و آله وسلم؟ لا أظنُّ أنَّنا سنجد جواباً أيضاً.

стр. 69

إنّ الذين ينسبون مثل هذه التأويلات المكذوبة الباطنية لآل بيت النبي ﵌، هم أيضاً من ينسبون اليهم الأحاديث التي تطعن بأصحاب النبي وأمهات المؤمنين. ٥ - واقرأ عزيزي القارئ هذه الرواية: «عن أبي جعفر «الباقر» ﵇ في قول الله تعالى ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ قال: رسول الله «﵌» المنذر، وعلى الهادي، أما والله ما ذهبت منا وما زالت فينا إلى الساعة» (١). أقول: تكرَّم المُبطل صاحب هذه الرواية على النبي صلى الله عليه و آله وسلم فلم يسلبه صفة الإنذار كما سلبه صفة الهداية، ولنتمعَّن في الآية الكريمة ونتأمَّل كيف يكذب هؤلاء على أهل البيت، وكيف يتجرؤون على أن يُحرفوا آيات الله عن موضعها. قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (٢). إذاً الخطاب في الآية للنبي صلى الله عليه و آله وسلم، فعلى أي أساس وبأي منطق، أُشرك غيره في الخطاب؟، ثمَّ ألا يعي من يقول بهذا القول أنه يُشرك عليّا في النبوة؟، سبحان الله كيف يُضل الهوى أصحابه.

стр. 70

نعم نحن نقول أن عليّ بن أبي طالب ﵁ إمام هدى، ولكن لا نغلو فيه فنشركه مع النبي في الدرجة والمنزلة. ٦ - عن أسيد بن ثعلبة، عن أم هانئ قالت: «لقيت أبا جعفر محمد بن علي «الباقر» ﵉ فسألته عن هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾، فقال: الخنس إمام يخنس نفسه في زمانه عند انقطاع من علمه عند الناس سنة ستين ومائتين، ثم يبدو كالشهاب الواقد في ظلمة الليل، فإذا أدركت ذلك قرت عينك» (١). الإمام «الباقر» توفي سنة «١١٤» هـ على الراجح من قول أهل العلم، ومع هذا يُدّعى أنه يعلم ما يحدث عام مئتين وستين!. وكل من له دراية ولو بسيطة في لغة العرب يعلم يقيناً أن الله تعالى في هذه الآية قد أقسم بالكواكب، فكيف تحولت الكواكب إلى رجال؟، ثم لو قال قائل: إن المقصود هو عيسى ﵇، والخنس هو صعوده إلى السماء، ثم رجوعه إلى الدنيا، كيف يُنقض هذا التأويل؟، سبحان الله كيف يتلاعب هؤلاء المُبطلون بكتاب الله. ٧ - عن جابر بن يزيد الجعفي عن «الباقر» في قوله ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ الآية قال: شهورها اثنا عشر وهو أمير المؤمنين وعدد الأئمة بعده (٢).

стр. 71

وفي أخرى قال «الباقر»: والتين الحسن والزيتون الحسين وطور سينين أمير المؤمنين وهذا البلد الأمين ذاك رسول الله لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، قال حين أخذ الله ميثاقه لمحمد وأوصيائه بالولاية (١). التين هو الحسن!، والزيتون الحسين!، والشهور هم الأئمّة؟. هل بعد هذا الظلم من ظلم؟، هل يقول هذا الكلام محبٌّ لآل البيت؟ ثم هل يخاطبنا ربنا بلغة لا تُفهم وبألغاز تحتاج إلى تفكيك؟ أليس هو جلّ في علاه من قال: ﴿قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٢) أترك الجواب للقارئ الحصيف. ٨ - يقول أحد المفترين «وما أكثرهم»: «وجدت في كتاب المنزل عن «الباقر»: بئس ما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله في علي، وعنه في قوله: وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم في علي؟ قالوا أساطير الأولين، وعنه والذين كفروا بولاية علي بن أبي طالب أولياؤهم الطاغوت قال: نزل جبرئيل بهذه الآية كذا، وعنه في قوله: إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات في علي بن أبي طالب، قال نزل جبرئيل بهذه الآية هكذا» (٣).

стр. 72

انظر كيف بلغ بهم الغلو واتباع الهوى، إلى أن وصلوا إلى القول بأن كتاب الله قد حُرِّف وأنقصت منه آيات فيها اسم علي بن أبي طالب ﵁ مع أنّ الله تعالى تكفل بحفظه، ثم ينسبون هذا الكفر إلى أئمة أهل البيت. ٩ - وفي «مناقب آل أبي طالب»: سأل عبد الله بن عطاء المكي «الباقر» عن قوله: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ لولاية أمير المؤمنين، وقال أبو جعفر: نزلت هذه الآية على النبيّ صلى الله عليه وآله هكذا ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ آل محمد حقهم ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ وعلي هو العذاب ﴿هَلْ إلى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ﴾ فيقولون نرد فنتولى عليا قال الله ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ يعني أرواحهم تعرض على النار ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ﴾ إلى علي ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بآل محمد ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إلا إن الظالمين لآل محمد حقهم في عذاب اليم (١). انظر كيف نسبوا النقص والتحريف لكتاب الله، وكيف كذَّبوا الله تعالى الذي قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢). أيُّ حفظٍ لكتابٍ محرف؟ أعود فأقول من الأصدق آلله أم أولئك المبطلون؟ ثم انظر كيف يؤولون العذاب بعلي بن أبي طالب ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ وعلي هو العذاب!، هل بعد هذا الطعن من طعن؟ عندما أراد الله جلَّ وعلا أن يمدح رسول

стр. 73

الله ﵌ قال فيه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (١)، فالمدح كان بوصف رسولنا بأنه رحمة ومن المعلوم أنّ وصف شخص بالعذاب هو منقصة لا منقبة ولكن لا حلَّ مع أصحاب العقول المعكوسة والقلوب المنكوسة. ١٠ - وإليك هذه الرواية: قيل لـ «الباقر» ﵇: فإنّ بعض من ينتحل موالاتكم يزعم أنّ البعوضة علي وأن ما فوقها وهو الذباب محمد رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال «الباقر» ﵇: سمع هؤلاء شيئاً لم يضعوه على وجهه، إنما كان رسول الله صلى الله عليه وآله قاعداً ذات يوم وعلي إذ سمع قائلا يقول: ما شاء الله وشاء محمد وسمع آخر يقول: ما شاء الله وشاء علي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تقرنوا محمدا ولا عليا بالله ولكن قولوا: ما شاء الله ثم ما شاء محمد ما شاء الله ثم ما شاء علي إن مشية الله هي القاهرة التي لا تساوى ولا تكافئ ولا تدانى وما محمد رسول الله صلى الله عليه وآله في دين الله وفي قدرته إلا كذبابة تطير في هذه الممالك الواسعة، وما علي في دين الله وفي قدرته إلا كبعوضة في جملة هذه الممالك مع أن فضل الله تعالى على محمد وعلي الفضل الذي لا يفي به فضله على جميع خلقه من أول الدهر إلى آخره، هذا ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله في ذكر الذباب والبعوضة في هذا المكان فلا يدخل في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً﴾ (٢).

стр. 74

وأسألك بالله عزيزي القارئ، إن أتاك أحد وقال لك محمد كالذبابة، وعلي كالبعوضة، هل تقبل هذا القول على النبي صلى الله عليه و آله وسلم، وعلى علي ﵁؟، هل يقول هذا من يحبُّ النبي؟ بل هل يقول هذا مسلم؟، وهل ترضى أن ينسب مثل هذا القول إلى «الباقر» ﵁؟ ١١ - واقرأ معي ما نسب إلى «الباقر» و «الصادق» رضوان الله عليهما في تأويل الآية التالية: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١). روى حمزة عن «الباقر»، وضريس الكناسي عن «الصادق» في قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، قال: نحن الوجه الذي يؤتى الله منه (٢). وضلال هذا التأويل بيّن ولا يحتاج إلى توضيح، ومع ذلك فسأبين ضلاله لتعلم مدى خطورة ما يدعون إليه. عندما نقرأ هذه الآية نفهم منها أن الله سبحانه حَصَر البقاء بذاته جل وعلا، وأن كل ما دونه - ما لم يُستثنَ بنص آخر- مصيره إلى الهلاك والزوال، فعندما نقول إن الوجه يعنى به الأئمة من أهل البيت، فيلزم من هذا القول عدم فناء الأئمة وعدم موتهم، فهل هذا واقع؟، ويلزم من هذا أيضاً عدم تفرّد الله سبحانه بالبقاء والخلود

стр. 75

ويلزم اشتراكهم مع الله في صفتين خاصَّتين به، وهي كون الله سبحانه هو الحيّ وأيضاً كونه هو الآخر، فأشركوا مع الله غيره والعياذ بالله من هذا القول. ثم لنقرأ آية أخرى فيها صفة الوجه، قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (١). في قول الله سبحانه: ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، وقد أتت «ذو» مرفوعة وهي عائدة على الوجه، فإن تأولنا الوجه بالإمام فهذا يعني أن الإمام هو ذو الجلال والإكرام!، أي أنه هو الله والعياذ بالله من ذلك. فإن زعموا أنّ الوجه في هذه الآية لا يعني الإمام، فنقول ما الضابط الذي يمكِّنكم من تأويل الوجه مرة في الإمام، ومرّةً في غيره؟. إنه المنهج الباطني الدخيل على الإسلام الذي جاء ليفسر الدابة والبئر والبعوضة بعلي ﵁!، والبقرة والعنكبوت بعائشة ﵂! وفرعون وهامان بأبي بكر وعمر ﵄!، والوتر بالإمام!، والتين بالحسن ﵁! والزيتون بالحسين ﵁...
следующие страницы →