← Акыда

Акыда · id 30281

ما قاله الثقلان في أولياء الرحمن

عبد الله بن جوران الخضير

Полный текст (146 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أما عطف الإيمان على الدار في التبوّء، فهو عطف ظاهري لا معنوي؛ لأن الإيمان لا يتبوأ، وتقديره وآثروا الإيمان على الكفر ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: قبل قدوم المهاجرين إليهم حين أحسنوا إليهم، بأن أسكنوهم بيوتهم وشاركوهم في أموالهم ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ أي: لم يكن في قلوبهم حزازة ولا غيظ ولا حسد بسبب ما أخذ المهاجرون من الفيء الذي استولوا عليه من مال بني النضير، بل طابت به نفوسهم وكانوا ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: يقدمون المهاجرين ويفضلونهم على أنفسهم في العطاء ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي: ولو كانت بهم حاجة وفقر، وذلك رأفة بإخوانهم وطلباً للأجر والثواب ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ أي: الفائزون بثواب الله تعالى الرابحون لجنته ونعيمها (١). وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٤ - ٧٥]. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: وهذه الآيات في بيان مدحهم وثوابهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ أي: المؤمنون من المهاجرين والأنصار ﴿هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ لأنهم صدقوا إيمانهم بما قاموا به من الهجرة والنصرة والموالاة بعضهم لبعض، وجهادهم لأعدائهم من الكفار والمنافقين. ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ من الله تمحى بها سيئاتهم، وتضمحل بها زلاتهم، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي: خير

стр. 37

كثير من الرب الكريم في جنات النعيم. وربما حصل لهم من الثواب المعجل ما تقر به أعينهم، وتطمئن به قلوبهم، وكذلك من جاء بعد هؤلاء المهاجرين والأنصار، ممن اتبعهم بإحسان فآمن وهاجر وجاهد في سبيل الله. ﴿فَأُولَئِكَ﴾ مِنْكُمْ لهم ما لكم وعليهم ما عليكم. (ثم قال): فهذه الموالاة الإيمانية - وقد كانت في أول الإسلام - لها وقع كبير وشأن عظيم، حتى إن النبي ﷺ آخى بين المهاجرين والأنصار أخوة خاصة، غير الأخوة الإيمانية العامة، وحتى كانوا يتوارثون بها، فأنزل الله ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ فلا يرثه إلا أقاربه من العصبات وأصحاب الفروض، فإن لم يكونوا، فأقرب قراباته من ذوي الأرحام، كما دل عليه عموم هذه الآية الكريمة، وقوله: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: في حكمه وشرعه. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ومنه ما يعلمه من أحوالكم التي يجري من شرائعه الدينية عليكم ما يناسبها. (١) وقال محمد السبزواري النجفي: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا﴾ أي: الذين صدقوا رسول الله ﵌ بما جاء به من عند الله، وأيقنوا بوجود الله ووحدانيته، وتركوا ديارهم فراراً بدينهم مع رسول الله ﵌ وحاربوا معه لينصروا دينه وشريعته ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٧٤] هم المصدقون فعلاً، قولاً وعملاً، وقد حققوا إيمانهم حتى برهنوا أنه إيمان حق، فهؤلاء ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾ أي: أعد الله لهم (مغفرة): تجاوزاً عن سيئاتهم، ورزقاً كريماً: واسعاً عظيماً لا

стр. 38

ينغصه شيء من المكدرات ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا﴾ [الأنفال: ٧٥] أي: الذين آمنوا بعد فتح مكة، وقيل: هم الذين آمنوا بعد إيمانكم ﴿وَهَاجَرُوا﴾ إلى النبي ﵌ بعد هجرتكم الأولى ﴿وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ﴾ فقاتلوا الكفار والمشركين بجانبكم ﴿فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ فهم من جملتكم إيماناً وهجرةً وجهاداً وحكماً في الموالاة والميراث والنصرة، رغم تأخر إيمانهم وهجرتهم (١). وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾ [التوبة: ٢٠]. قال الشيخ أبو بكر الجزائري: الذين آمنوا بالله وتركوا دار الكفر قاصدين دار الإسلام، وبذلوا أموالهم وأنفسهم في الجهاد لإعلاء كلمة الله، هؤلاء أعظم درجه عند الله، وأولئك هم الفائزون برضوانه (٢). وقال محمد حسين فضل الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا﴾ وتحملوا ما تحملوه من هجرة الوطن، إلى حيث يملك الإنسان حرية الحركة في الدعوة والجهاد، ويبتعد عن مواطن الضغط الذي قد يعرضه للفتنة في دينه، وذلك دليل الإخلاص العظيم لله فيما يمثله من التمرد على كل العواطف الذاتية والخصائص الحميمة، من أجل الله وحده، والذين جاهدوا ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ فيما بذلوه من أموالهم للدعوة وللجهاد، وفيما واجهوه من أخطاء مادية ومعنوية في

стр. 39

هذا الاتجاه، حيث فقدوا أي معنى للجانب الشخصي فيما يعيشون، وتحولوا إلى عنصر متحرك في نطاق الجوانب العامة المتصلة بالله، وبالحياة، أولئك ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ من كل النماذج الأخرى التي قد تعمل الخير في المجالات المحدودة ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾ برحمته ورضوانه وجنته (١). وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾ [آل عمران: ١٩٣ - ١٩٥]. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أي: أجاب الله دعاءهم، دعاء العبادة، ودعاء الطلب، وقال: إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر وأنثى، فالجميع سيلقون ثواب أعمالهم كاملا موفرا، ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: كلكم على حد سواء في الثواب والعقاب، ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ فجمعوا بين الإيمان والهجرة، ومفارقة المحبوبات من الأوطان والأموال، طلبا لمرضاة ربهم، وجاهدوا في سبيل الله. ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ الذي يعطي عبده الثواب الجزيل على العمل القليل.

стр. 40

﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فمن أراد ذلك، فليطلبه من الله بطاعته والتقرب إليه، بما يقدر عليه العبد. (١). وقال عبد الله شبر: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ ما طلبوا ﴿أَنِّي﴾ بأني ﴿لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ بيان لعامله ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ بجمع ذكوركم وإناثكم أصل واحد أو الإسلام ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ الشرك أو أوطانهم أو قومهم للدين ﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ من أجل ديني وبسببه ﴿وَقَاتَلُوا﴾ المشركين.. ﴿وَقُتِلُوا﴾ واستشهدوا، والواو لا توجب الترتيب، إذ المراد لما قيل لهم قاتلوا.. ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾ لأمحون ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يستحقونه منه.. ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ على الأعمال لا يقدر عليه أحد سواه (٢).

стр. 41

ثناء النبي ﵌ والعترة على المهاجرين والأنصار: تضافرت الروايات الصحيحة المستفيضة عن أهل البيت ﵈ الدالة على فضل المهاجرين والأنصار، نذكر منها ما يلي: عن جرير بن عبد الله ﵁ عن النبي ﵌ قال: (المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة، والطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف، بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة) (١). وفي الخبر عن كعب بن عجرة: (إن المهاجرين والأنصار وبني هاشم اختصموا في رسول الله ﵌ أينا أولى به وأحب إليه، فقال ﵌: أما أنتم يا معشر الأنصار فإنما أنا أخوكم فقالوا: الله أكبر! ذهبنا به ورب الكعبة! قال ﵌: وأما أنتم معشر المهاجرين فإنما أنا منكم فقالوا: الله أكبر! ذهبنا به ورب الكعبة! قال ﵌: وأما أنتم يا بني هاشم فأنتم مني وإلي فقمنا وكلنا راض مغتبط برسول الله ﵌) (٢). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله ﵌ يقول: (إني تارك فيكم الثقلين إلا أن أحدهما أكبر من الآخر... وقال: ألا إن أهل بيتي عيني التي آوي إليها، ألا وإن الأنصار ترسي فاعفوا عن مسيئهم، وأعينوا محسنهم) (٣). وهذه النصوص المباركة لم تكن غائبة عن أذهان أهل بيت النبي ﵌، بل إنهم وعوها وحفظوها ومن ذلك ما كان من مدح الإمام علي ﵇ للمهاجرين في جوابه لمعاوية، فيقول:

стр. 42

(فاز أهل السبق بسبقهم، وذهب المهاجرون الأولون بفضلهم) (١). وقال ﵇: (وفي المهاجرين خير كثير نعرفه، جزاهم الله خير الجزاء) (٢). وروى الحسن عن النبي ﵌ أنه قال: (من فرَّ بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان شبراً من الأرض استوجب الجنة، وكان رفيق إبراهيم ومحمد ﵌) (٣). وما سبق غيض من فيض، وقطرات من بحر عظيم يفيض على القلوب المحبة... لرسول الله ﵌ وأصحابه، فيكون بلسماً شافياً ونوراً هادياً، يحيا به من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ولله در أهل البيت ﵈ حين أثنوا على الصحابة ﵃ ولم يستثنوا من هذا الثناء والمديح أي أحد منهم.

стр. 43

المطلب الرابع: ثناء الثقلين على أهل بدر: وبعد بيان المديح العام للصحابة ﵃ بِقِسميهِم: المهاجرون والأنصار ﵃ جاء التحديد لفئات محددة من الصحابة، لتميزهم بعمل عظيم أو موقف خاص أدى إلى أن يكون لهم فضل على غيرهم من الصحابة. فقد جعل الله الأفضلية والمراتب العظيمة في الصحابة لمن شهد معركة بدر من المسلمين، وكانوا حينئذٍ قلة، ولم يستعدوا لقتال أو مواجهة ضد صناديد قريش بعددهم وعدتهم حين أتاهم المنادي لمواجهة قافلة الكفار. لكن تحقق النصر المبين بفضل الله ومنِّه على أيدي هؤلاء القلة، الذين أرهبوا العرب وأخافوهم، وجعلت هذه الغزوة لهم هيبة عظيمة بين القبائل العربية. وغزوة بدر لها مزية خاصة لأنها أول مواجهة بين الطليعة المؤمنة وجيش المشركين وفيها جنى المسلمون أولى ثمار دولتهم الناشئة، وفيها ظهرت بطولات وتضحيات من نوع فريد على أيدي القلة المؤمنة، وقد اطَّلع الله على أعمال هؤلاء الأطهار، وبشرهم بأنهم لن يموتوا على الكفر، وأن ذنوبهم مغفورة بإذنه سبحانه. وهذا ما أكده النبي ﵌ لعمر بن الخطاب ﵁ حينما أراد أن يضرب عنق حاطب بن أبي بلتعة ﵁ حين قال للنبي ﵌: إنه: قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه، فقال ﵌: (أليس من أهل بدر؟) ثم قال ﵌: (لعل الله اطلع إلى أهل بدر؟ فقال: اعملوا ما شئتم، فقد وجبت لكم الجنة، أو: فقد غفرت لكم) فدمعت عينا عمر. (١).

стр. 44

وفي رواية لغيره، أن النبي ﵌ قال له: (وما يدريك -يا عمر- لعل الله اطلع على أهل بدر فغفر لهم، فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غُفِرَ لكم) (١). وهذه تزكية وشهادة أبدية من الله سبحانه على لسان رسوله ﵌ لأهل بدر، وإعلان صريح أنهم استحقوا رضوان الله تعالى ومغفرته.

стр. 45

المطلب الخامس: ثناء الثقلين على من أنفق وقاتل قبل الفتح وبعده: وبعد ثناء الله ﵎ على أهل بدر ﵃، لمسارعتهم إلى القتال مع النبي ﵌ رغم عدم تَهيِئَتِهِم لذلك عدداً وعدةً، اتسعت دائرة الثناء لتشمل أولئك الذين أنفقوا وقاتلوا قبل الفتح وبعده. والمسلم يؤمن بأفضلية أولئك الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا من الصحابة ﵃ على من أنفق من بعد الفتح وقاتل. والفتح المقصود به (صلح الحديبية)، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ [الفتح: ١]. والحديبية: بئر قرب مكة، وقعت عندها بيعة الرضوان، وصلح الحديبية تحت شجرة كانت هناك، حينما صدَّ المشركون رسول الله ﵌ وأصحابه عن دخول مكة فبايعوه على الموت. وخُص أصحاب الفتح أو صلح الحديبية بهذه الخصيصة من الفضل وعلو المكانة للحاجة القاهرة التي ألمت بالنبي ﵌ والصحابة في وقتها إلى العدد والعدة في ظروف عصيبة، وكان الصلح وما جرى بعده من مبايعة بين الصحابة رضوان الله عليهم... والنبي ﵌، فتحا مبينا للنتائج الباهرة التي تبعته بعد ذلك. وقد بايع رسول الله ﵌ المسلمين، وكان عددهم يتجاوز ألف صحابي، ولعدم حضور عثمان في المبايعة- نتيجة ذهابه للوساطة من قبل النبي ﵌ إلى أهل مكة - ضرب النبي ﵌ بإحدى يديه الشريفتين على الأخرى مبايعاً لعثمان بن عفان ﵁ ويد رسول الله ﵌ خير من يد عثمان، بل إن رسول الله ﵌ دافع عنه في غيابه لما قال بعض المسلمين: طوبى لعثمان قد طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وأحلّ! فقال رسول الله ﵌: (ما كان ليفعل، فلما

стр. 46

جاء عثمان ﵁ قال له رسول الله ﵌: أطفت بالبيت؟ فقال: ما كنت لأطوف بالبيت ورسول الله ﵌ لم يطف به) (١). فسُميت هذه البيعة فتحاً، لما حصل بسببها وبعدها من الخير الكثير والنصر المبين للمسلمين، وقد أثنى الله ﵎ على هؤلاء الأطهار، وزكى ظاهرهم وباطنهم، فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح: ١٨]. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: يخبر تعالى بفضله ورحمته، برضاه عن المؤمنين إذ يبايعون الرسول ﵌ تلك المبايعة التي بيضت وجوههم، واكتسبوا بها سعادة الدنيا والآخرة، وكان سبب هذه البيعة -التي يقال... لها "بيعة الرضوان" لرضا الله عن المؤمنين فيها، ويقال لها "بيعة أهل الشجرة" - أن... رسول الله ﵌ لما دار الكلام بينه وبين المشركين يوم الحديبية في شأن مجيئه، وأنه لم يجئ لقتال أحد، وإنما جاء زائرا هذا البيت، معظما له، فبعث رسول الله ﷺ عثمان بن عفان لمكة في ذلك، فجاء خبر غير صادق، أن عثمان قتله المشركون، فجمع رسول الله ﵌ من معه من المؤمنين، وكانوا نحوا من ألف وخمسمائة، فبايعوه تحت شجرة على قتال المشركين، وأن لا يفروا حتى يموتوا، فأخبر تعالى أنه رضي عن المؤمنين في تلك الحال، التي هي من أكبر الطاعات وأجل القربات، ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من الإيمان، ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ شكرا لهم على ما في قلوبهم، زادهم هدى، وعلم ما في قلوبهم من الجزع من تلك الشروط التي شرطها المشركون على رسوله فأنزل عليهم السكينة تثبتهم، وتطمئن بها قلوبهم، ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾

стр. 47

وهو: فتح خيبر، لم يحضره سوى أهل الحديبية، فاختصوا بخيبر وغنائمها، جزاءا لهم، وشكرا على ما فعلوه من طاعة الله تعالى والقيام بمرضاته. (١) وقال أمين الدين أبو علي الطبرسي: (إنما سميت بيعة الرضوان بهذه الآية، (لأنهم) (٢) بايعوا النبي ﵌ بالحديبية تحت الشجرة المعروفة وهي شجرة السَّمُرة ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من صدق النية في القتال والصبر والوفاء، وكان عددهم ألفاً وخمسمائة أو وثلاثمائة ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ والضمير للمؤمنين، والسكينة هي اللطف المقوي لقلوبهم كالطمأنينة ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ يعني: فتح خيبر (٣). وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)﴾ [الحديد: ١٠]. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: المراد بالفتح هنا هو فتح الحديبية، حين جرى من الصلح بين الرسول وبين قريش مما هو أعظم الفتوحات التي حصل بها نشر الإسلام، واختلاط المسلمين بالكافرين، والدعوة إلى الدين من غير معارض، فدخل الناس من ذلك الوقت في دين الله أفواجا، واعتز الإسلام عزا عظيما، وكان المسلمون قبل هذا الفتح لا يقدرون على الدعوة إلى الدين في غير البقعة التي أسلم أهلها، كالمدينة وتوابعها، وكان من أسلم من أهل مكة وغيرها من ديار المشركين يؤذى ويخاف، فلذلك كان من أسلم قبل الفتح وأنفق وقاتل، أعظم درجة وأجرا وثوابا ممن لم يسلم

стр. 48

ويقاتل وينفق إلا بعد ذلك، كما هو مقتضى الحكمة، ولذلك كان السابقون وفضلاء الصحابة، غالبهم أسلم قبل الفتح، ولما كان التفضيل بين الأمور قد يتوهم منه نقص وقدح في المفضول، احترز تعالى من هذا بقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ أي: الذين أسلموا وقاتلوا وأنفقوا من قبل الفتح وبعده، كلهم وعده الله الجنة، وهذا يدل على فضل الصحابة [كلهم]، ﵃، حيث شهد الله لهم بالإيمان، ووعدهم الجنة، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فيجازي كلا منكم على ما يعلمه من عمله، ثم حث على النفقة في سبيله، لأن الجهاد متوقف على النفقة فيه، وبذل الأموال في التجهز له (١) وقال محمد السبزواري النجفي: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ﴾ أي: لا يتساوى ﴿مَنْ أَنْفَقَ﴾ من ماله في سبيل الله ﴿مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ الكفار، فإن ﴿أُولَئِكَ﴾ الفاعلين لذلك ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ أي: بعد فتح مكة أعزها الله، فالنفقة على جيش الإسلام مع الجهاد قبل فتحها، أعظم ثواباً عند الله من النفقة والجهاد بعده ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ أي: وعد هؤلاء وهؤلاء بالجنة وإن تفاضلوا في درجاتها ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾ أي أنه عليم بكل ما تفعلونه ولا يخفى عليه شيء من حالكم ومقالكم وإنفاقكم وجهادكم، بل هو أعلم بجميع تصرفاتكم ونياتكم) (٢). وقد حكم الله ﵎ لمن وعد بالحسنى بالجنة بقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء: ١٠١].

стр. 49

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: أي: سبقت لهم سابقة السعادة في علم الله، وفي اللوح المحفوظ وفي تيسيرهم في الدنيا لليسرى والأعمال الصالحة ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا﴾ أي: عن النار ﴿مُبْعَدُونَ﴾ فلا يدخلونها، ولا يكونون قريبا منها، بل يبعدون عنها، غاية البعد، حتى لا يسمعوا حسيسها، ولا يروا شخصها (١). وقال أبو جعفر الطوسي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ يعني: الوعد بالجنة... ثم قال: وأخبر تعالى أن من هذه صفته مبتعد عن النار ناءٍ عنها) (٢). وقد تميزت غزوة تبوك ببيانٍ كاشفٍ للمنافقين وفاضحٍ لهم، والتوبة عن النبي ﵌ والمهاجرين والأنصار وعلى الثلاثة المخلفين، حيث جاء القرآن مبيناً ذلك، فقال تعالى عن الصحابة ﵃ الذين خرجوا مع رسول الله ﵌ في غزوة تبوك: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ [التوبة: ١١٧]. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: يخبر تعالى أنه من لطفه وإحسانه تَابَ عَلَى النَّبِيِّ محمد ﵌ ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ فغفر لهم الزلات، ووفر لهم الحسنات، ورقاهم إلى أعلى الدرجات، وذلك

стр. 50

بسبب قيامهم بالأعمال الصعبة الشاقات، ولهذا قال: الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ أي: خرجوا معه لقتال الأعداء في وقعة تبوك وكانت في حر شديد، وضيق من الزاد والركوب، وكثرة عدو، مما يدعو إلى التخلف، فاستعانوا الله تعالى، وقاموا بذلك ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ أي: تنقلب قلوبهم، ويميلوا إلى الدعة والسكون، ولكن الله ثبتهم وأيدهم وقواهم. وزَيْغُ القلب هو انحرافه عن الصراط المستقيم، فإن كان الانحراف في أصل الدين، كان كفرا، وإن كان في شرائعه، كان بحسب تلك الشريعة، التي زاغ عنها، إما قصر عن فعلها، أو فعلها على غير الوجه الشرعي. وقوله ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: قبل توبتهم ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ومن رأفته ورحمته أن مَنَّ عليهم بالتوبة، وقبلها منهم وثبتهم عليها. (١). وقال محمد تقي المدرسي: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ توبة الله على النبي تعني المزيد من بركاته عليه، ولكن بالنسبة إلى المهاجرين والأنصار قد تعني أيضاً غفران ذنوبهم، ولكن بماذا وكيف غفرت ذنوبهم؟ بأنهم اتبعوا الرسول في ساعات الشدة، ولأن ذلك كان عملاً كبيراً والله سبحانه يغفر بسبب الحسنات الكبيرة الذنوب الصغيرة، لذلك أكدت الآية على هذه الحقيقة ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ فالصبر في ساعة العسرة عمل عظيم يغفر الله تعالى بسببه سائر الأعمال الصغيرة) (٢).

стр. 51

وقال الشيخ الطبرسي: تهيأ رسول الله ﵌ في رجب لغزو الروم، وكتب إلى قبائل العرب ممن دخل في الإسلام وبعث إليهم الرسل يرغبهم في الجهاد والغزو... فلما تهيأ للخروج قام خطيباً فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ورغب في المواساة وتقوية الضعيف والإنفاق، فكان أول من أنفق فيها عثمان بن عفان، جاء بأواني من فضة فصبها في حجر رسول الله ﵌، فجهز ناساً من أهل الضعف، وهو الذي يقال: إنه جهز جيش العسرة وقدم العباس على رسول الله ﵌ فأنفق نفقة حسنة وجهز وسارع فيها الأنصار وأنفق عبد الرحمن والزبير وطلحة، وأنفق ناس من المنافقين رياء وسمعة (١). فكل ما سبق من الآيات والروايات الباهرة تدل دلالة واضحة على علو شأن أولئك الصحب الكرام الذين بذلوا كل شيء في نصرة دين الله ، وإعلاءٍ لأمر... النبي ﵌، ومن تَتَبَّع أقوال العلماء المحبين لأهل بيت النبي ﵌ الآنفة، ونظر بعين التعقل وبنور الإنصاف، استبان له فضل تلك العصبة المباركة ذات الأفعال المخلصة المستضيئة بنور النبوة من تمسكهم بسنة حبيبهم المصطفى ﵌، ولهذا شهد لهم الثقلان بتلك المنزلة العالية.

стр. 52

المبحث الثالث: كيف ظهرت الفتنة بين الصحابة ﵃ - بعد أن بيّنا الروايات الدالة على فضل الصحابة ﵃ ومكانتهم السامية ومنزلتهم الرفيعة عند الأئمة ﵈ والعلماء، وذلك من خلال الآيات القرآنية، والروايات المنقولة عن العترة ﵈، يتبادر إلى أذهان فئة من المسلمين تساؤل هام: كيف إذاً وقع التفرق والخلاف بين الصحابة ﵃ وهم أهل الفضل والاتباع لدين الله؟ وهذا يتطلب منا الحديث عبر الملاحظات التالية: - أولاً: من أشعل الفتنة بين المسلمين ؟ إن العيش الهنيء الذي ساد مجتمع الصحابة ﵃، وكثرة الفتوحات المباركة والانتصارات العظيمة على أعداء الله، ابتداءً بطرد اليهود من المدينة ثم من الجزيرة وما تبعه من تقويض عرش فارس، ودخول جماعات جديدة في دين الإسلام والعيش مع المسلمين وهم من أهل فكر وأعراف سابقة لم ينزعوها من أذهانهم، كل هذا أوجد تربة خصبة لبذر الشقاق والفرقة في صفوف الأمة المسلمة. فما سبق بيانه من رغد العيش وكثرة الفتوحات والتمكين لدين الله فإن كل ذلك لم يناسب أهل الأهواء، فحاولوا جاهدين بذر وسائل الفرقة في هذا المجتمع المبارك المثالي واستماتوا في إشعال نار التَّفرِقة والابتداع في الدين الإسلامي من خلال تفريق صفوف الصحابة ﵃. فكانت أولى مداخل الشر إشعال نار الفتنة وزرع بذور الشبهة من خلال إغواء النفوس المريضة، فتم ابتداع قضية الطعن في أصحاب النبي ﵌، حتى يوهن جمع الصحابة ويفرق

стр. 53

صفوف المسلمين ويضعف قوتهم، فكان الذي تولى كبر هذا الأمر الشنيع ورفع راية ذلك المكر الخبيث، عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أثار الناس ابتداءً بالخروج لقتل خليفة المسلمين عثمان بن عفان ﵁، وبعد ذلك قام بالكذب على لسان الإمام علي ﵇، ونسب إليه جملة من الأقوال والمعتقدات اليهودية، وروجها وأشاعها بين كثير من قاصري النظر وضعاف الإيمان ومحبي الفتن. ولما تطاير شرر هذه البدع الخطيرة بين الناس، وزين الشيطان لهم سوء أعمالهم، تناهت أقوالهم إلى سمع وعلم أمير المؤمنين علي ﵇، فغضب ولم يتهاون ولم يغض الطرف عن هذه المقولات الشنيعة، فما كان منه إلا أن حفر الأخاديد وأشعل فيها النيران وهدد بإحراق كل من لم يتراجع عن هذا الافتراء الخطير، فأحرق منهم عدداً، وأجلى قوماً آخرين. وقد نقل المجلسي في بحاره أن رجلاً قال لأمير المؤمنين ﵇: (إن على باب المسجد قوماً يزعمون أنك ربهم! فدعاهم فقال: ويلكم! إنما أنا عبد الله مثلكم، آكل الطعام، وأشرب الشراب، فاتقوا الله وارجعوا. فأتوه في اليوم الثاني والثالث، فقالوا مثل ذلك، فقال لهم ﵇: والله إن تبتم وإلا قتلتكم أخبث قتلة، فدعا قنبراً وأتى بقدوم، وحفر لهم أخدوداً بين باب المسجد والقصر فدعا بالحطب فطرحه والنار فيه، وقال: إني طارحكم فيها أو ترجعون! فأبوا فقذف بهم فيها حتى احترقوا. وقال بعض أصحابه: لم يحرقهم، وإنما أدخن عليهم. ثم قال ﵇: لما رأيت الأمر أمر منكرا... أوقدت ناري ودعوت قنبرا ثم احتفرت حفراً وحفرا... وقنبر يحطم حطماً منكرا (١)

стр. 54

فحذار أن يذهب بك التفكير - أيها القارئ الكريم- إلى أن هذه الشخصية التي حاكت المؤامرة الخبيثة كانت من نسج الخيال، أو جاءت من وهن المقال، بل كانت متواجدة في الساحة الإسلامية تدبر وتخطط، لذا لم يغفل عن بيان حالها العلماء، وكشفوا عوارها، فذكروا دورها الخبيث في تفريق صف الأسرة الإسلامية الواحدة، ونشر المفاسد الخطيرة في أذهان العوام. وقد ترجم لشخصية عبد الله بن سبأ كثير من العلماء، منهم: ١ - سعد بن عبد الله الأشعري القمي (٣٠١ هـ): فقال: هذه الفرقة تسمى السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ، وهو عبد الله بن وهب الراسبي الهمداني، وساعده على ذلك عبدالله بن حرسي وابن أسود، وهما من أجلّة أصحابه، وكان أول من أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم (١). ٢ - النوبختي (٣١٠ هـ): فقال: أصحاب عبد الله بن سبأ، وكان ممن أظهر الطعن... على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم، وقال: إن علياً ﵇ أمر بذلك... فأخذه علي فسأله عن قوله هذا، فأقر به، فأمر بقتله، فصاح الناس إليه: يا أمير المؤمنين! أتقتل رجلاً يدعو إلى حبكم أهل البيت، وإلى ولايتك والبراء من أعدائك؟ فصيره إلى... المدائن إلى أن قال... ولما بلغ عبد الله بن سبأ نعي الإمام علي بالمدائن قال للذي نعاه: كذبت لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة، وأقمت على قتله سبعين عدلاً لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل ولا يموت حتى يملك الأرض (٢).

стр. 55

٣ - الكشي (٣٦٩ هـ): فقال: عن أبان بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول: لعن الله عبد الله بن سبأ إنه ادعى الربوبية في أمير المؤمنين ﵇، وكان - والله- أمير المؤمنين ﵇ عبداً لله طائعاً، الويل لمن كذب علينا، وإن قوماً يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا، نبرأ إلى الله منهم، نبرأ إلى الله منهم. وقال أيضاً: ذكر بعض أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم، ووالى علياً ﵇، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بالغلو، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله ﵌ في علي ﵇ مثل ذلك، وكان أول من أشهر القول بفرض إمامة علي وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه وكفرهم (١). ٤ - شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي (٤٦٠ هـ): حيث ترجم في رجاله عبد الله بن سبأ في باب (أصحاب علي ﵇) وقال: عبد الله بن سبأ الذي رجع إلى الكفر وأظهر الغلو. وجاء في حاشية الكتاب: عبد الله بن سبأ - بالسين المهملة المفتوحة والباء المنقطة تحتها نقطة - غالٍ ملعون، حرقه أمير المؤمنين علي ﵇ بالنار، وكان يزعم أن علياً ﵇ إله وأنه نبي (٢). ٥ - العلامة علي القهبائي (١٠١٦ هـ): قال في رجاله: عبد الله بن سبأ الذي رجع إلى الكفر وأظهر الغلو (٣). ٦ - العلامة الأربلي (١١٠١ هـ): قال: غال ملعون... وإنه كان يزعم ألوهية علي ونبوته (٤).

стр. 56

٧ - ميرزا النوري الطبرسي (١٣٢٠ هـ) فقد ذكر في كتابه مستدرك الوسائل في باب (حكم الغلاة والقدرية) رواية عن عمار الساباطي، قال: قدم أمير المؤمنين ﵇ المدائن، فنزل بإيوان كسرى، وكان معه دلف بن مجير منجّم كسرى، فلما زال الزوال قال لدلف: قم معي... إلى أن قال: ثم نظر إلى جمجمة نخرة، فقال لبعض أصحابه: خذ هذه الجمجمة! وكانت مطروحة، وجاء إلى الإيوان وجلس فيه، ودعا بطست وصب فيه ماء، وقال له: دع هذه الجمجمة في الطست، ثم قال ﵇: أقسمت عليك يا جمجمة أخبريني من أنا؟ ومن أنتِ؟ فنطقت الجمجمة بلسان فصيح، وقالت: أما أنت فأمير المؤمنين، وسيد الوصيين، وأما أنا فعبد الله، وابن أمة الله: كسرى أنوشروان، فانصرف القوم الذين كانوا معه من أهل ساباط إلى أهاليهم، وأخبروهم بما كان وبما سمعوه من الجمجمة، فاضطربوا واختلفوا في معنى أمير المؤمنين ﵇، وحضروه وقال بعضهم فيه مثل ما قال النصارى في المسيح، ومثل ما قال عبدالله بن سبأ وأصحابه، فقال له أصحابه: فإن تركتهم على هذا كفر الناس! فلما سمع ذلك منهم، قال لهم: ما تحبون أن أصنع بهم؟ قال: تحرقهم بالنار، كما أحرقت عبد الله بن سبأ وأصحابه (١). فهذا ما كتبه العلماء في بيان حقيقة المفسدين وهذه أقوالهم تجاه الغلاة الذين وضعوا في هذا الشرع المبارك الكذب والسم، فهل نعي هذا الحق الواضح وما قاله الأولون في حق أمير المؤمنين؟

стр. 57

ثانياً: بداية الفتنة بين الصحابة ﵃ -: إن وقوع الفتن والقتال بين صحابة النبي ﵌ إنما حصل بعد الانتهاء من المؤامرة التي أوقدها عبد الله بن سبأ اليهودي نتيجة نشره الحقد وبثه السموم بين الجهلة وضعاف الإيمان من مسلمة الأمصار، وقد أتت هذه المؤامرات بثمارها الخبيثة والتي قطفها الأوباش بالخروج على خليفة المسلمين عثمان بن عفان وقتله في داره. وازداد الأمر سوءاً بعد استشهاد عثمان ﵁، فانتشرت جراثيم الشر في صفوف المسلمين لتنفث سمومها، ذلك أنه لما بويع علي ﵁ خليفة على المسلمين اندس هؤلاء الخوارج السبئيون بين صفوف أهل المدينة وجيش المسلمين، ولم يكن بمقدور أمير المؤمنين علي في وقتها إخراجهم وتصفيتهم، والأخذ بالثأر منهم في قتلهم لخليفة المسلمين عثمان بن عفان ﵁، خشية تفاقم الفتن والقتلى بين أهل المدينة، مثلما فعل الخليفة المظلوم عثمان ﵁. ولما طالبه أهل المدينة بمعاقبة من أجلب على عثمان بن عفان ﵁ الشر، قال لهم أمير المؤمنين: (يا إخوتاه! إني لست أجهل ما تعلمون، ولكن كيف لي بقوة والقوم المجلبون على حد شوكتهم يملكوننا ولا نملكهم، وهاهم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم، والتفت إليهم أعرابهم، وهم خلالكم ما شاءوا، وهل ترون موضعاً لقدرت على شيء تريدونه؟ إن هذا الأمر أمر جاهلية، وإن لهؤلاء القوم مادة - أي: عوناً - إن الناس من هذا الأمر - إذا حرك- على أمور: فرقة ترى ما ترون وفرقة ترى ما لا ترون، وفرقة لا ترى هذا ولا ذاك، فاصبروا حتى يهدأ الناس، وتقع القلوب مواقعها، وتؤخذ الحقوق مسمحة -أي: ميسرة- فاهدءوا عني، وانظروا ماذا يأتيكم به أمري، ولا تفعلوا فعلة تضعضع قوة وتسقط منه وتورث وهناً

стр. 58

وذلة وسأمسك الأمر ما استمسك، وإذا لم أجد بداً فآخر الدواء الكي) (١). منذ تلك اللحظات بدأت الفتن تتغلغل بين أصحاب النبي ﵌ وأفضت إلى انقسامهم إلى طوائف، لما أنقسمت الآراء وتعددت الإجتهادات، فترى طائفة وجوب السرعة في الأخذ بالثأر من قتلة خليفة المسلمين عثمان بن عفان، وطائفة أخرى ترى وجوب التريث حتى يستتب الأمر لأمير المؤمنين، فاندس أهل الفساد والسوء بين تلك الأطراف المجتهدة. ونتيجة لهذا التفرق لم يهدأ بال أهل الفساد من ترك الأمر على ما هو عليه، بل استغلوا كل مناسبة لتأجيج نار الفرقة والخلاف والنفخ في نار الفتنة والسوء، فانتهزوا فرصة خروج طائفة من الصحابة من مكة إلى البصرة، فأسرعوا بتهييج العواطف من أن هؤلاء أرادوا الشر وتفرقة صفوف الأمة.. ووقعت بعد ذلك.. معركة الجمل . معركة الجمل: تشير الروايات التاريخية إلى أنه لم يخرج طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة ﵃ ومن معهم من مكة إلى البصرة مقاتلين، ولا داعين أو طامعين لنزع الخلافة من أمير المؤمنين... علي ﵇، بل خرجوا إرادة الإصلاح وحسم الخلاف، وتجميع المسلمين بتوحيد كلمتهم والانتقام من قتلة خليفة المسلمين عثمان بن عفان ﵁ وإخراجهم من صفوف المسلمين هذا ما ذكرته كتب التاريخ، ولم تكن معركة الجمل هي الأخيرة ولكن تبعتها بعد فترة معركة صفين، ويمكن إجمال هذا الحدث الكبير في الآتي: لما اقترب موعد الاتفاق بين جيش علي وجيش طلحة والزبير ﵃ على إخراج هؤلاء الخوارج من الجيش وقتلهم، وانزوى كل صف إلى معسكره أبى أولئك الخوارج هذا التجمع المبارك والهدوء؛ لأنه اجتماع على قتلهم وقتالهم فسعوا في بث الفتنة بين الجيشين وإشعال

стр. 59

القتال بينهم بمؤامرة أخرى تكشف عن مكرهم وغدرهم، فدبروا المؤامرة ليلاً، والتي تمثلت في قتلهم من كلا الجيشين أفراداً، حتى ظن كل من الجيشين غدر الآخر وخفيت هذه المكيدة على الفريقين، فكانت سبباً في نشوب الحرب بين الصفين. معركة صفين: لم تكن معركة صفين مختلفة عن واقعة الجمل بأطرافها أو الغاية منها، لذا ذكر علماء التاريخ أن سبب الخلاف والقتال بين أمير المؤمنين علي ومعاوية في صفين لم يكن بسبب أن لمعاوية طمعاً وتطلعاً للخلافة كما يدعي ويروج له الكثير من الكتاب. فمعاوية لم يرفع إلى الخلافة رأساً، ولم يبايع له بها أحد من المسلمين، ولم يقاتل علياً على أنه خليفة، بل كان سبب الخلاف بين خليفة المسلمين علي بن أبى طالب وأمير الشام معاوية أنه لم يمتثل بما أمره به خليفة المسلمين من عزله من ولاية الشام والإقرار له بالخلافة. كان معاوية يريد إنفاذ القصاص في قتلة خليفة المسلمين المغدور به، وقد أشيع كذباً عند أهل الشام أن الخليفة علياً امتنع عن معاقبة وملاحقة قتلة عثمان عند توليه خلافة المسلمين وبدلاً من ذلك قاتل أهل الجمل، وأن في جيشه من هو متهم في قتل خليفة المسلمين السابق. وحرصاً من أمير المؤمنين على توضيح الأمر، وإبطال المزاعم المنشورة، وجمع شتات المسلمين، أرسل كتاباً لمعاوية، مبيناً فيه إثبات أحقية خلافته كما ثبتت خلافة من قبله مع تبرؤه من دم عثمان ﵁، فقال: (إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضاً، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتِّباع سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، ولعمري يا معاوية لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ الناس من دم

стр. 60

عثمان، ولتعلمن أني كنت في عزلة عنه إلا أن تتجنى، فتجنّ ما بدا لك، والسلام) (١). فلما نشب القتال بين صفوف المسلمين، وسالت الدماء فيما بينهم، انتهت المعركة برفع جيش معاوية ﵁ المصاحف، طالبين التحكيم فيما بينهم بما يرضي الله ، فرضي خليفة المسلمين علي ﵇ بهذا الطلب ورجع إلى الكوفة، ورجع معاوية ﵁ إلى الشام بشروط اتفق عليها الطرفان. وقد قصّ أمير المؤمنين علي ﵇ للأمصار ما جرى بينه وبين أهل صفين، فقال: (وكان بدء أمرنا أنَّا التقينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد، ونبينا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله ولا يستزيدوننا، والأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان، ونحن منه براء) (٢). ولم يكن الأمر سرّاً، أو ما جرى بين الصحابة في صفين في خفاء عن المسلمين، أو عن أحد من أهل بيت النبي ﵌، بل كان الحدث جلياً معلوماً تتداوله ألسنة الأئمة فيما بينهم. فقد روى الإمام جعفر الصادق عن أبيه: أن علياً ﵇ كان يقول لأهل حربه: (إنا لم نقاتلهم على التكفير لهم، ولم نقاتلهم على التكفير لنا، ولكن رأينا أنَّا على الحق ورأوا أنهم على الحق) (٣). إن تلك الخلافات والفتن التي حدثت بين أصحاب النبي ﵌ من قتال فيما بينهم، مع بغي أحدهم على الآخر، وما حصل بينهم بعد ذلك من إصلاح وتحكيم بما يرضي الله ، ثم قبول كل من الطرفين بهذا الحكم، إنما يذكرنا بقول الله ﵎: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ

стр. 61

إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠]. قال الشيخ محمد على الصابوني ﵀ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ أي وإنْ حدث أنَّ فئتين وجماعتين من إخوانكم المؤمنين جنحوا إلى القتال فأصلحا بينهما، واسعوا جهدكم للإِصلاح بينهما، والجمعُ ﴿اقْتَتَلُوا﴾ باعتبار المعنى، والتثنية بَيْنَهُمَا باعتبار اللفظ ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ أي فإِن بغت إحداهما على الأخرى، وتجاوزت حدَّها بالظلم والطغيان، ولم تقبل الصلح وصمَّمت على البغي ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي فقاتلوا الفئة الباغية حتى ترجع إلى حكم الله وشرعه، وتُقلع عن البغي والعدوان، وتعمل بمقتضى أخوة الإِسلام ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾ أي فإن رجعت وكفَّت عن القتال فأصلحوا بينهما بالعدل، دون حيفٍ على إِحدى الفئتين، واعدلوا في جميع أموركم ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أي يحبُّ العادلين الذين لا يجورون في أحكامهم (١) وقال الشيخ محمد باقر الناصري في تفسيره: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ أي: فريقان من المؤمنين قاتل أحدهما الآخر ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ وابذلوا الوسع في إصلاحهما، ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ بأن طلبت ما لا يحق لها، وقاتلت ظالمة معتدية، فانصروا الفئة المظلومة ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ لأنها ظالمة، ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ حتى ترجع إلى طاعة الله وتترك البغي والظلم، فإن رجعت وتابت فعودوا لإجراء الصلح بينهما، ﴿بِالْعَدْلِ﴾ دون ميل أو جور ﴿وَأَقْسِطُوا﴾ أي:

стр. 62

اعدلوا ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ في الدين فأصلحوا بين الفريقين وأعينوا المظلوم وادفعوا الظالم عن ظلمه (١). والحرص على الإصلاح والسعي، وإلى جمع شعث المسلمين كان رجاء أمير المؤمنين... علي ﵇، وكذلك البعد عن كل ما يوقع البغضاء والفرقة في نفوس المسلمين، لهذا سعى أمير المؤمنين علي ﵇ إلى البعد عن كل ما يثير الأحقاد ويفرق الصفوف ومن ذلك: القول السيئ، فنهى من كان في جيشه عن لعن وشتم جيش معاوية بن أبي سفيان، مع حدوث القتال فيما بينهم. فعن عبد الله بن شريك قال: (خرج حجر بن عدي وعمرو بن الحمق يظهران البراءة واللعن لأهل (٢) الشام، فأرسل إليهما علي ﵇: أن كفّا عما يبلغني عنكما. فأتياه فقالا: يا أمير المؤمنين، ألسنا محقين؟ قال: بلى. قالا: أوليسوا مبطلين؟ قال: بلى. قالا: فلم منعتنا من شتمهم؟ قال: كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين يشهدون ويتبرءون، ولكن لو وصفتم مساوئ أعمالهم، فقلتم: من سيرتهم كذا وكذا، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان لعنكم إياهم وبراءتكم منهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم واهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحق منهم من جهله، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به، كان هذا أحب إلي وخيراً لكم) (٣).

стр. 63

وهذا النهي منه ﵇ لم يكن لخاصة شيعته فقط، بل جهر بنهيه ﵇ وأوصى جيشه بأكمله، قاصداً أن يعمم هذا النهي لكل زمان ومكان، فقال لجيشه في صفين أيضاً: (إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصَوَب في القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم) (١). كانت هذه صفحات من تاريخنا الإسلامي رويت على غير مقصدها وعلى خلاف ما كانت عليه بعد أن لعبت فيها أيدي التشويه والتحريف، وكان لابد لنا من هذه الوقفة حتى نضع الأمور في نصابها الصحيح وموضعها اللائق بها، وحتى نُعذر إلى الله تعالى، ونبرأ مما لوَّثته أقلام حرَّكها الزيف، ومن ورائها قلوب ملأها الحقد على الإسلام وأهله.

стр. 64

ما بعد استشهاد الإمام علي ﵇: وبعدما قُتل أمير المؤمنين علي ﵇ شهيداً على يد الخارجي الغادر ابن ملجم بويع لابنه الحسن ﵇ بالخلافة على المسلمين، فما كان منه إلا أن جمع صفوف المسلمين، وتحققت فيه معجزة النبي ﵌. فعن أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي قال: رأيت رسول الله ﵌ والحسن بن علي ﵇ إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه مرة، ويقول: (إن هذا ابني سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين عظيمتين) (١). وقد جعل الإمام الحسن بن علي ﵇ أحد شروط الصلح مع معاوية، أن يحكم في الناس بالكتاب والسنة، وعلى سيرة الخلفاء الراشدين (٢). وهنا يجدر بنا أن نلتفت الأنظار إلى شيء هام ألا وهو أنه على الرغم مما حدث بين أمير المؤمنين علي ومعاوية ﵄ إلا أن الروح السائدة التي كانت بينهما هي روح المودة والمحبة والتلاحم والترابط، ومما يدل على التلاحم الأخوي والتراحم الديني بين أمير المؤمنين علي ومعاوية ﵄ مع ما كان بينهما من اختلاف اجتهادي - فقد كان معاوية كلما تذكر علياً بعد استشهاده بكى على فقده وترحم عليه. فعن الأصبغ بن نباتة قال: (دخل ضرار بن ضمرة النهشلي على معاوية بن أبي... سفيان ﵁، فقال له: صف لي علياً؟ قال: أو تعفيني؟ فقال: لا، بل صفه لي. قال ضرار: رحم الله علياً! كان والله فينا كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه ويقربنا إذا زرناه، لا يغلق له دوننا باب، ولا يحجبنا عنه حاجب، ونحن -والله- مع تقريبه لنا

стр. 65

وقربه منا لا نكلمه لهيبته، ولا نبتديه لعظمته، فإذا تبسم فمن مثل اللؤلؤ المنظوم. فقال معاوية: زدني في صفته. فقال ضرار: رحم الله علياً كان -والله- طويل السهاد، قليل الرقاد، يتلو كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار... قال: فبكى معاوية وقال: حسبك يا ضرار! كذلك والله كان علي، رحم الله أبا الحسن) (١). هذا هو حال أخوة الدين وأخوة العقيدة، فلم يمنع الصحابة رضوان الله عليهم الاختلاف في الاجتهاد من التراحم والاعتراف بحسنات بعضهم البعض مما يدل على خلو قلوبهم من الغل والبغضاء، والتاريخ مليء بالشواهد الدالة على هذه الحقيقة الإيمانية الراسخة في قلوب الصحابة رضوان الله عليهم خاصة إذا رددنا تلك الروايات التي مبناها عاطفة مشوهة هوجاء تتقاذف بالمسلم في كل صوب فتؤدي بصاحبها إلى الزيغ والانحراف وتملأ قلبه من الشبهات فينطق لسانه بما يسخط الله تعالى من الوقوع في أعراض المسلمين.

стр. 66

المبحث الرابع المؤامرة ضد الإسلام والمسلمين اتخذ المستشرقون ومن اغتر بهم ما وقع بين الصحابة في وقت الفتنة من الاختلاف والاقتتال سبباً وذريعة للوقيعة بين المسلمين، والنيل من عدالة الصحابة ﵁. فقاموا بترويج ما كتبه زنادقة ذلك العصر وأعادوا بعثه من جديد وزادوا من عند أنفسهم، وقد تأثر بسمومهم هذه بعض الكتاب المتأخرين ممن اغتر بأقوال المستشرقين وعمي قلبه عن الحق وزين له سوء عمله، وأصبح هؤلاء الكتاب أشد حرصاً على ميراث المستشرقين من المستشرقين أنفسهم فجعلوا أنفسهم حكماً بين أصحاب النبي ﵌ يصوبون بعضهم، ويخطئون البعض الآخر بلا دليل ولا حجة وإنما تقليداً للمستشرقين واتباعاً للهوى. ولتقوية باطلهم والتغطية على زيف كلامهم وضعوا شبهات وروجوا لها بأساليب ملتوية تؤدي إلى تشويه التاريخ الإسلامي، ومن ثم تحقيق غايتهم من زرع الفتن والبغضاء بين المسلمين عن طريق التشكيك في نقلة الشريعة الإسلامية بأساليب متعددة، ومن تلك الأساليب: أولاً: إسقاط عدالة أصحاب النبي ﵌ -: سعى المستشرقون وأتباعهم إلى إسقاط عدالة الصحابة من خلال وضع الشبهات حولهم ليزرعوا الشك في حملة الإسلام من خلال وضع التساؤلات التالية على سبيل المثال: - أيعقل أن يأخذ الإنسان دستوره القويم ومنهجه المستقيم المتمثل في القرآن والسنة النبوية من أناس قد وقعت منهم زلات وهفوات ولا يطمئن الإنسان إلى أحوالهم؟!

стр. 67

وعندما يطرحون مثل هذه الشبهة فإنهم ينفثون السموم من خلالها على عوام المسلمين والواقع أن المستشرق بتسليطه الضوء وَكَيلِهِ الإتهام لا يقصد صحابيا لم يشتهر، ولم يفصّل التاريخ في خبره، أو يسهب في أثره، أو في صحابية من عامة الصحابيات زنت ثم اعترفت فرجمها النبي ﵌، أو من رجل كان مبتلى بشرب الخمر فأقام النبي ﵌ عليه الحد، ولا يريد بشبهته تلك أمثال حاطب بن أبي بلتعة ﵁ الذي زل في رأيه ولم يوفق في اجتهاده، عندما أخبر قريشاً بقدوم النبي ﵌ فاتحاً، فكل أولئك ﵃ قد تابوا إلى الله ، إما باستغفار وإنابة منهم، أو بإقامة حد دنيوي عليهم. لكنه يتخذ ذلك ذريعة لطعنه في كبار الصحابة من خلال اختلاق القصص حولهم وإبراز الخلافات فيما بينهم لتمهيد الطريق لإطفاء نور الله المبين الذي سار عليه المسلمون وإذا نجح المستشرق في إسقاط عدالة الصحابة عموماً فإنه يسهل عليه الطعن في كتاب الله الذي نقلوه وحفظوه، ومن ثم سنة نبيه محمد ﵌، التي فيها تفصيل التشريعات الربانية فيسهل بعد ذلك تفريق صفوف المسلمين وجعل الفتنة والبغضاء بينهم. لذلك يقوم المستشرقون بالإعتماد على ما كتبه زنادقة ذلك العصر باعتبارهم يمثلون الإسلام، واعتبار التاريخ والوقائع التي نقلوها وزوَّروها تعبر عن تلك المرحلة تعبيراً صادقاً وهذا ملاحظ فيما يشاع بين المسلمين من ترويج ونشر للأحاديث المكذوبة على أصحاب النبي ﵌ المتناثرة في الكتب الجامعة للأحاديث والروايات الغير معتمدة والتي بحمد لله لم تصمد أمام القواعد والضوابط التي وضعها علماء الجرح والتعديل. والدليل على ذلك أنك لن تجد في هذه الروايات الداعية إلى الفرقة والاختلاف بين الصحابة رواية واحدة صحيحة، متصلة السند عن رواة عدول عن مثلهم عن النبي ﵌ ولذلك فليطمئن المسلم على دينه وليكن على بينة من عدة أمور:

стр. 68

١ - أن الثناء على الصحابة قد تحقق في كتاب ربنا، وفي سنة نبينا محمد ﵌ وكذا على لسان العترة ﵈ (١). ٢ - أن مقولة: (إن من الصحابة منافقين) كذبٌ، لأن المنافقين ليسوا من الصحابة حقيقة، والمنافقون كانوا معروفين للنبي ﵌ وأصحابه، إما بأعيانهم وإما بأوصافهم؛ لأن آيات القرآن قد بينت كل حركاتهم وسكناتهم، بل حتى خلجات نفوسهم. وإذا أخذنا غزوة تبوك مثلاً، وهي من أواخر غزوات الرسول ﵌، نجد أن فيها بياناً لحال المنافقين، فمنهم من تخلف عنها بأعذار واهية، أو بدعوى خشية الافتتان بنساء الروم وغيرها من الأعذار السَّمِجَة التي عادة ما يتعذر بها المنافقون حينما يكون هنالك جهاد في سبيل الله. ومما يدل على أن المنافقين معلوم أمرهم وأنهم ليسوا من الصحابة، أن الله لم يذكر توبته عليهم ضمن من تاب عليهم من المؤمنين عامة، والثلاثة الذين خلفوا خاصة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١١٧] إلى قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾ [التوبة: ١١٨]. ومن الجدير بالذكر القول: إن آيات سورة التوبة قسمت أهل المدينة بعد غزوة تبوك إلى ثلاثة أصناف، ولم تتكلم عن طائفة رابعة، وهي التي أذِن لها النبي ﵌ بالتخلف أمثال الإمام علي وابن أم مكتوم، ونفر من الفقراء الذين لم يجدوا ما يستعينون به على الخروج.

стр. 69

فبينت آيات سورة التوبة أن الله تاب على الصحابة الذين شهدوا المعركة في الآية الأولى وهم الصنف الأول، واستثنى في الآية الثانية المنافقين من مجتمع المدينة، الذين تخلفوا عن الخروج وهم من الصنف الثاني، ثم قص الله علينا شأن ثلاثة من الذين تخلفوا عن المعركة من الصحابة، وأنه سبحانه قد تاب عليهم، بسبب صدقهم مع نبيه ﵌ وهم الصنف الثالث والأخير. فأين النفاق في أولئك، مع وضوح الآيات الدالة على حقيقة ما وقع؟! وماذا بعد الحق إلا الضلال، بل إن الصحابة ﵃ كانوا من أكثر الناس خوفاً من الله خشية على أنفسهم أن يقعوا في النفاق. فعن سلام بن المستنير قال: (كنت عند أبي جعفر ﵇، فدخل عليه حمران بن أعين فسأله عن أشياء، فلما همّ حمران بالقيام قال لأبي جعفر ﵇: أخبرنا -أطال الله بقاءك لنا وأمتعنا بك- إنا نأتيك فما نخرج من عندك حتى ترق قلوبنا وتسلو أنفسنا عن الدنيا ويهون علينا ما في أيدي الناس من هذه الأموال، ثم نخرج من عندك، فإذا صرنا مع الناس والتجار أحببنا الدنيا. قال: فقال أبو جعفر ﵇: إنما هي القلوب مرة تصعب، ومرة تسهل، ثم قال أبو جعفر ﵇: أما إن أصحاب رسول الله ﵌ قالوا: يا رسول الله، تخاف علينا النفاق؟ قال: فقال لهم: ولم تخافون ذلك؟ قالوا: إنا إذا كنا عندك فذكرتنا ورغبتنا ووجِلنا، ونسينا الدنيا وزهدنا، حتى كأنّا نعاين الآخرة والجنة والنار ونحن عندك، فإذا خرجنا من عندك ودخلنا هذه البيوت وشممنا الأولاد ورأينا العيال والأهل والأولاد، يكاد أن نحوّل عن الحال التي كنا عليها عندك، وحتى كأنّا لم نكن على شيء، أفتخاف علينا أن يكون هذا النفاق؟ فقال رسول الله ﵌: كلا إن هذه من خطوات الشيطان ليرغبكم في الدنيا، والله لو أنكم تدومون على الحاله التي وصفتم أنفسكم بها لصافحتكم الملائكة، ومشيتم على الماء، ولولا

стр. 70

أنكم تذنبون فتستغفرون الله لخلق الله خلقاً لكي يذنبوا ثم يستغفروا، فيغفر لهم، إن المؤمن مفتّنٌ توابٌ، أما سمعت قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣]) (١). ٣ - أن الصحابة ﵃ معصومون في إجماعهم، فلا يمكن أن يجتمعوا على شيء من كبائر الذنوب أو صغيرها فيستحلوها ويفعلوها، وأما وقوع المعاصي من بعضهم ففيه الدلالة على عدم عصمة أفرادهم، ولا يضر هذا الزلل في عدالتهم، ولا يحطّ من مكانتهم. ومما يدل على عدالتهم على وجه العموم، ما قام به الأئمة ﵈ من تمحيص لروايات الصحابة التي رووها عن النبي ﵌ فلم يجدوا بعد الفحص والنظر صحابياً كذب كذبة واحدة على النبي ﵌، ومع كثرة انتشار البدع في أواخر عهدهم كبدعة القدرية والخوارج والمرجئة، التي منشأها من تحكيم سقيم العقل وفساد الرأي، إلا أنه لم يوجد صحابي واحد في أولئك المبتدعة أبداً، وهذا يدل على أن الله قد اصطفاهم ورعاهم، وميزهم واختارهم لصحبة نبيه ﵌ ونشر دينه القويم. قال أبو عبد الله ﵇: (كان أصحاب رسول الله ﵌ اثني عشر ألفاً، ثمانية آلاف من المدينة، وألفان من مكة، وألفان من الطلقاء، ولم ير فيهم قدري ولا مرجئ ولا حروري ولا معتزلي ولا صاحب رأي، كانوا يبكون الليل والنهار، ويقولون: اقِْض أرواحنا من قبل أن نأكل خبز الخمير) (٢).

стр. 71

وقد أثبت الإمام الصادق ﵇ عدالة أصحاب النبي ﵌ على صدق ما يروونه في حديثهم للنبي ﵌. فعن منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد الله ﵇: (ما بالي أسألك عن المسألة فتجيبني فيها بالجواب، ثم يجيئك غيري فتجيبه فيها بجواب آخر؟ فقال: إنا نجيب الناس على الزيادة والنقصان! قال: قلت: فأخبرني عن أصحاب رسول الله ﵌ صدقوا على محمد أم كذبوا؟ قال: بل صدقوا، قال: قلت: فما بالهم اختلفوا؟ فقال: أما تعلم أن الرجل كان يأتي رسول الله ﵌ فيسأله عن المسألة فيجيبه فيها بالجواب، ثم يجيبه بعد ذلك بما ينسخ ذلك الجواب، فنسخت الأحاديث بعضها بعضاً) (١). ولو جاء مدّعٍ وقوع كذب في الصحابة أو حدوث نفاق في قلوبهم لقيل له مباشرة: فأين الدليل الصريح على استثناء بعضهم من هذا الادعاء؟ ٤ - أنه لا يلزم من إثبات العدالة للصحابة ﵃ إثبات العصمة لهم من الأخطاء فهم بشر يخطئون ويصيبون، وإن كانت أخطاؤهم مغمورة في بحور حسناتهم. فلهم من السوابق والفضائل التي لن يلحقهم فيها أحد، فهم الذين نصروا النبي ﵌ حين اجتمع عليه العرب، وجاهدوا بأموالهم وأولادهم وأنفسهم، وقاتلوا آباءهم وإخوانهم وعشيرتهم، وبذلوا أرواحهم لإعلاء كلمة الله، وكانوا سبباً في نشر ووصول هذا الدين العظيم إلينا، فهذه - بإذن الله-توجب مغفرة ما صدر منهم، ولو كان من أعظم الذنوب ما لم يصل إلى الكفر، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].

стр. 72

قال المجلسي: (وإذا زالت العدالة بارتكاب ما يقدح فيها، فتعود بالتوبة بغير خلاف ظاهر، وكذلك من حُدّ في معصية ثم تاب رجعت عدالته وقبلت شهادته، ونقل بعض الأصحاب إجماع الفرقة على ذلك) (١). وقال السيد أبو القاسم الخوئي: (ترتفع العدالة بمجرد وقوع المعصية، وتعود بالتوبة والندم، وإنه لا يفرق في ذلك بين الصغيرة والكبيرة) (٢). وقال السيد محمد حسين فضل الله عن عدالة أئمة الجماعات المعاصرين، والذين هم أدنى منزلة ممن أكرمه الله بصحبة رسول الله ﵌: (العدالة ليست العصمة، فقد يعصي المؤمن العادل ثم يتوب بعد انتباهه لذلك، على هدي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: ٢٠١]، وأما كيف تثبت العدالة؟ فذلك بحسب الظاهر في سلوكه العام في المجتمع، بحيث يرى الناس فيه الإنسان المستقيم في دينه، وفي أخلاقه الفردية، أو الاجتماعية المرتبطة بالحدود الشرعية، كما تثبت بالشياع المفيد للعلم أو الاطمئنان، وبخبر الثقة بعدالته، ولا قيمة لخبر الفاسق في العدالة سلباً أو إيجاباً) (٣).

стр. 73

ثانياً: تشويه سيرة الصحابة ﵃: عرفنا أن أعداء الإسلام من المستشرقين والمفرقين لشمل المسلمين في سبيل... سعيهم لإسقاط عدالة الصحابة، استخدموا لتحقيق هذه الغاية كل الوسائل لتشويه صورة الصحابة ﵃، واستحلوا جميع المحرمات بألسنة حدادٍ أشحةٍ على الخير، مما أدى إلى نتائج وخيمة وعواقب أليمة كاستحلال لعن الصحابة وسبهم، وإلصاق كل قبيح بهم مثل: - ١ - اختلاق القصص، سواء كانت على لسان صحابي أو عدة من الصحابة ﵃. ٢ - القيام بالزيادة في الحوادث الصحيحة أو النقصان منها، أو بإسنادها كذباً إلى كتب حديثية غير موجودة فيها. ٣ - القيام بتأويل الأحداث الصحيحة في آيات القرآن، والأحاديث النبوية الصحيحة تأويلاً باطلاً يتماشى مع أهوائهم ومعتقداتهم وبدعهم، كما قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]. ٤ - التركيز على إظهار أخطاء الصحابة ﵃ التي صدرت منهم لقرب عهدهم - في بدء الدعوة والإسلام - بالجاهلية وتأثرهم بشيء منها في أول أمرهم، ومن ثم تغطية محاسنهم وتضحياتهم وجهادهم العظيم، بعد تمكّن التربية والإيمان في قلوبهم. ٥ - القيام بتأليف أبيات من الأشعار ونسبتها لشخصيات بارزة، والتي تتماشى مع دعوتهم في نشر فتنتهم بين المسلمين وتقويتها، مثلما نُسِب كذباً وزوراً لأمير المؤمنين ﵇ الكثير من الأقوال والأبيات الشعرية (١)

стр. 74

المبحث الخامس: الموقف الصحيح (الحق) من أصحاب النبي ﵌ - إن الموقف الصحيح فيما حدث بين أصحاب النبي ﵌ هو موقف الاعتدال والوسط بعيداً عن الإفراط والتفريط، والغلو والجفاء، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. فالواجب علينا أن نتولى جميع أصحاب النبي ﵌، لاسيما السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وكذلك الذين اتبعوهم بإحسان، ونعرف فضلهم ومناقبهم ودرجاتهم كما ذكر الله في كتابه، وما جاء في سنة النبي ﵌، وأن نمسك عما شجر بينهم من خلاف، وأن نعلم أن ما وقع بينهم بعد مقتل خليفة المسلمين عثمان بن عفان ﵁ من فتنة وفرقة مرجعه إلى الاجتهاد، إذ كل واحد منهم يظن أنه على الحق دون غيره، مثلما كان يقول أمير المؤمنين علي ﵇ لأهل حربه: (إنا لم نقاتلهم على التكفير لهم، ولم نقاتلهم على التكفير لنا، ولكنا رأينا أنّا على الحق ورأوا أنهم على الحق) (١). وعلينا أن نقتدي ونهتدي بهدي الأئمة ﵈ في ذلك، فلا نلعن ولا نسب أحداً من أصحاب النبي ﵌ لنكون ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].

стр. 75

قال الشيخ محمد علي الصابوني: بيَّن تعالى أن من شأن من جاء من بعد المهاجرين والأنصار أن يذكر السابقين بالرحمة والدعاء، فمن لم يكن كذلك بل ذكرهم بسوء فقد كان خارجاً عن جملة أقسام المؤمنين بمقتضى هذه الآيات (١). وقال الشيخ محمد باقر الناصري: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني من بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ أي يدعون ويستغفرون لأنفسهم ولمن سبقهم بالإيمان ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا﴾ أي حقداً وغشاً وعداوة للمؤمنين، ولا إشكال أن من أبغض مؤمنا وأراد به السوء لأجل إيمانه فهو كافر، وإذا كان لغير ذلك فهو فاسق (٢). وقال الشيخ محمد السبزواري النجفي: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني من بعد هؤلاء وهؤلاء، وهم سائر التابعين لهم إلى يوم القيامة ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ أي أنهم يدعون لأنفسهم ولمن سبقهم من المؤمنين بالمغفرة والتجاوز عن الذنوب ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي لا تجعل فيها حقداً ولا كرهاً ولا غشا، واجعل قلوبنا معصومة عند ذلك لا تحب لهم إلا الخير ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ أي متجاوز عن خطاياهم متعطف عليهم
следующие страницы →