وقد أثبت الإمام الصادق ﵇ عدالة أصحاب النبي ﵌ على صدق ما يروونه في حديثهم للنبي ﵌.
فعن منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد الله ﵇: (ما بالي أسألك عن المسألة فتجيبني فيها بالجواب، ثم يجيئك غيري فتجيبه فيها بجواب آخر؟ فقال: إنا نجيب الناس على الزيادة والنقصان! قال: قلت: فأخبرني عن أصحاب رسول الله ﵌ صدقوا على محمد أم كذبوا؟ قال: بل صدقوا، قال: قلت: فما بالهم اختلفوا؟ فقال: أما تعلم أن الرجل كان يأتي رسول الله ﵌ فيسأله عن المسألة فيجيبه فيها بالجواب، ثم يجيبه بعد ذلك بما ينسخ ذلك الجواب، فنسخت الأحاديث بعضها بعضاً) (١).
ولو جاء مدّعٍ وقوع كذب في الصحابة أو حدوث نفاق في قلوبهم لقيل له مباشرة: فأين الدليل الصريح على استثناء بعضهم من هذا الادعاء؟
٤ - أنه لا يلزم من إثبات العدالة للصحابة ﵃ إثبات العصمة لهم من الأخطاء فهم بشر يخطئون ويصيبون، وإن كانت أخطاؤهم مغمورة في بحور حسناتهم.
فلهم من السوابق والفضائل التي لن يلحقهم فيها أحد، فهم الذين نصروا النبي ﵌ حين اجتمع عليه العرب، وجاهدوا بأموالهم وأولادهم وأنفسهم، وقاتلوا آباءهم وإخوانهم وعشيرتهم، وبذلوا أرواحهم لإعلاء كلمة الله، وكانوا سبباً في نشر ووصول هذا الدين العظيم إلينا، فهذه - بإذن الله-توجب مغفرة ما صدر منهم، ولو كان من أعظم الذنوب ما لم يصل إلى الكفر، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
стр. 72
قال المجلسي: (وإذا زالت العدالة بارتكاب ما يقدح فيها، فتعود بالتوبة بغير خلاف ظاهر، وكذلك من حُدّ في معصية ثم تاب رجعت عدالته وقبلت شهادته، ونقل بعض الأصحاب إجماع الفرقة على ذلك) (١).
وقال السيد أبو القاسم الخوئي: (ترتفع العدالة بمجرد وقوع المعصية، وتعود بالتوبة والندم، وإنه لا يفرق في ذلك بين الصغيرة والكبيرة) (٢).
وقال السيد محمد حسين فضل الله عن عدالة أئمة الجماعات المعاصرين، والذين هم أدنى منزلة ممن أكرمه الله بصحبة رسول الله ﵌: (العدالة ليست العصمة، فقد يعصي المؤمن العادل ثم يتوب بعد انتباهه لذلك، على هدي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: ٢٠١]، وأما كيف تثبت العدالة؟
فذلك بحسب الظاهر في سلوكه العام في المجتمع، بحيث يرى الناس فيه الإنسان المستقيم في دينه، وفي أخلاقه الفردية، أو الاجتماعية المرتبطة بالحدود الشرعية، كما تثبت بالشياع المفيد للعلم أو الاطمئنان، وبخبر الثقة بعدالته، ولا قيمة لخبر الفاسق في العدالة سلباً أو إيجاباً) (٣).
стр. 73
ثانياً: تشويه سيرة الصحابة ﵃:
عرفنا أن أعداء الإسلام من المستشرقين والمفرقين لشمل المسلمين في سبيل... سعيهم لإسقاط عدالة الصحابة، استخدموا لتحقيق هذه الغاية كل الوسائل لتشويه صورة الصحابة ﵃، واستحلوا جميع المحرمات بألسنة حدادٍ أشحةٍ على الخير، مما أدى إلى نتائج وخيمة وعواقب أليمة كاستحلال لعن الصحابة وسبهم، وإلصاق كل قبيح بهم مثل: -
١ - اختلاق القصص، سواء كانت على لسان صحابي أو عدة من الصحابة ﵃.
٢ - القيام بالزيادة في الحوادث الصحيحة أو النقصان منها، أو بإسنادها كذباً إلى كتب حديثية غير موجودة فيها.
٣ - القيام بتأويل الأحداث الصحيحة في آيات القرآن، والأحاديث النبوية الصحيحة تأويلاً باطلاً يتماشى مع أهوائهم ومعتقداتهم وبدعهم، كما قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧].
٤ - التركيز على إظهار أخطاء الصحابة ﵃ التي صدرت منهم لقرب عهدهم - في بدء الدعوة والإسلام - بالجاهلية وتأثرهم بشيء منها في أول أمرهم، ومن ثم تغطية محاسنهم وتضحياتهم وجهادهم العظيم، بعد تمكّن التربية والإيمان في قلوبهم.
٥ - القيام بتأليف أبيات من الأشعار ونسبتها لشخصيات بارزة، والتي تتماشى مع دعوتهم في نشر فتنتهم بين المسلمين وتقويتها، مثلما نُسِب كذباً وزوراً لأمير المؤمنين ﵇ الكثير من الأقوال والأبيات الشعرية (١)
стр. 74
المبحث الخامس:
الموقف الصحيح (الحق) من أصحاب النبي ﵌ -
إن الموقف الصحيح فيما حدث بين أصحاب النبي ﵌ هو موقف الاعتدال والوسط بعيداً عن الإفراط والتفريط، والغلو والجفاء، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
فالواجب علينا أن نتولى جميع أصحاب النبي ﵌، لاسيما السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وكذلك الذين اتبعوهم بإحسان، ونعرف فضلهم ومناقبهم ودرجاتهم كما ذكر الله في كتابه، وما جاء في سنة النبي ﵌، وأن نمسك عما شجر بينهم من خلاف، وأن نعلم أن ما وقع بينهم بعد مقتل خليفة المسلمين عثمان بن عفان ﵁ من فتنة وفرقة مرجعه إلى الاجتهاد، إذ كل واحد منهم يظن أنه على الحق دون غيره، مثلما كان يقول أمير المؤمنين علي ﵇ لأهل حربه: (إنا لم نقاتلهم على التكفير لهم، ولم نقاتلهم على التكفير لنا، ولكنا رأينا أنّا على الحق ورأوا أنهم على الحق) (١).
وعلينا أن نقتدي ونهتدي بهدي الأئمة ﵈ في ذلك، فلا نلعن ولا نسب أحداً من أصحاب النبي ﵌ لنكون ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].
стр. 75
قال الشيخ محمد علي الصابوني:
بيَّن تعالى أن من شأن من جاء من بعد المهاجرين والأنصار أن يذكر السابقين بالرحمة والدعاء، فمن لم يكن كذلك بل ذكرهم بسوء فقد كان خارجاً عن جملة أقسام المؤمنين بمقتضى هذه الآيات (١).
وقال الشيخ محمد باقر الناصري:
﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني من بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة
﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ أي يدعون ويستغفرون لأنفسهم ولمن سبقهم بالإيمان ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا﴾ أي حقداً وغشاً وعداوة للمؤمنين، ولا إشكال أن من أبغض مؤمنا وأراد به السوء لأجل إيمانه فهو كافر، وإذا كان لغير ذلك فهو فاسق (٢).
وقال الشيخ محمد السبزواري النجفي:
﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني من بعد هؤلاء وهؤلاء، وهم سائر التابعين لهم إلى يوم القيامة ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ أي أنهم يدعون لأنفسهم ولمن سبقهم من المؤمنين بالمغفرة والتجاوز عن الذنوب ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي لا تجعل فيها حقداً ولا كرهاً ولا غشا، واجعل قلوبنا معصومة عند ذلك لا تحب لهم إلا الخير ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ أي متجاوز عن خطاياهم متعطف عليهم
стр. 76
بالرزق والمغفرة (١).
ولله در الإمام العابد الزاهد زين العابدين ﵇ حين سنّ لنا منهجاً مباركاً يسير... عليه أحبابه وشيعته، وذلك لما قدم إليه نفر من أهل العراق، فخاضوا في أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، فلما فرغوا من كلامهم، قال لهم: (ألا تخبروني، أنتم من الذين قال الله فيهم ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر: ٨]؟ قالوا: لا.
قال: فأنتم من الذين قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]؟ قالوا: لا.
قال: أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠] اخرُجُوا عني، فعل الله بكم) (٢). انتهى.
ولنتذكر قول المولى سبحانه: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾ [البقرة: ١٣٤].
стр. 77
قال ابن كثير:
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ أي: مضت ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ أي: إن السلف الماضين من آبَائِكُمْ من الأنبياء والصالحين لا ينفعكم انتسابكم إليهم إذا لم تفعلوا خيراً يعود نفعهُ عليكم، فإن لهم أعمالهم التي عملوها ولكم أعمالكم: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١)
وقال محمد جواد مغنية:
هذه الآية تشير إلى مبدأ عام، وهو أن نتائج الأعمال وآثارها تعود غداً على العامل وحده، لا ينتفع بها من ينتسب إليه إن تكن خيراً، كما لا يتضرر بها غيره إن تكن شراً، وقرر الإسلام هذا المبدأ بأساليب شتى، منها الآية (١٦٤) من سورة الأنعام: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، ومنها الآية (٣٩) من سورة النجم: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ ... ومنها قول الرسول الأعظم ﵌ لوحيدته فاطمة (٢): (يا فاطمة، اعملي ولا تقولي: إني ابنة محمد فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً) وأمثال ذلك، والتبسط في هذا الموضوع إن دل على شيء فإنما يدل على أننا حتى اليوم نجهل أوضح الواضحات، وأظهر البديهيات (٣).
وإذا أردت أن ترى المنهج الواقعي في حياة أهل بيت النبي ﵌ في إظهار محبة الصحابة والترابط الذي كان بينهم فاقرأ ما يأتي.
стр. 78
المبحث السادس
الأسماء والمصاهرات بين الصحابة وأهل البيت ﵈ -
لم يستطع بعض الجهلة إخفاء الحقائق التاريخية الدالة على ما كان بين الصحابة وأهل البيت ﵈ من محبة ومودة فيما بينهم، ومن مظاهر ذلك تسمية بعضهم بأسماء بعض، أو ما وقع بينهم من مصاهرات.
فهؤلاء الأطهار لم يسموا أو يزوجوا أولادهم لمصالح دنيوية، أو لإدراك مناصب فانية أو طمعاً في كثرة مال وعَرَض، لكنهم إنما سموا أولادهم بأسماء من يُقتدى بحالهم، وزوَّجوا بناتهم أناساً فيهم صفات طيبة مباركة حرصوا على نيلها مثل سلامة الدين وصفاء القلوب وهذا الحرص كان نابعا من اتباعهم منهج سيد البشر المصطفى ﵌ وكانوا يفتون به لشيعتهم المخلصين.
فعن إبراهيم بن محمد الهمداني قال: (كتبت إلى أبي جعفر؛ في التزويج، فأتاني كتابه بخطه، قال رسول الله ﵌: إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾ [الأنفال: ٧٣] (١).
وفي فقه الإمام الرضا ﵇: (إن خطب إليك رجل رضيتم في دينه وخلقه فزوجوه ولا يمنعك فقره وفاقته، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]) (٢).
وعن أبي عبد الله ﵇ قال: (إن الله لم يترك شيئاً مما يحتاج إليه إلا علمه... نبيه ﵌ فكان من تعليمه إياه أنه صعد المنبر ذات يوم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها
стр. 79
الناس: إن جبريل ﵇ أتاني عن اللطيف الخبير فقال: إن الأبكار بمنزلة الثمر على الشجر، إذا أدرك ثمارها فلم تجتن أفسدته الشمس ونثرته الرياح، وكذلك الأبكار إذا أدركن ما تدرك النساء فليس لهن دواء إلا البعولة، وإلا لم يؤمن عليهن الفساد لأنهن بشر. قال: فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله! فمن أزوج؟ قال: الأكفاء. قال: يا رسول الله! من الأكفاء؟ فقال: المؤمنون بعضهم أكفاء بعض) (١).
وقال الصادق ﵇: (الكفو أن يكون عفيفاً وعنده يسار) (٢).
وقد حذر العترة ﵈ من تزويج أولادهم من النواصب أو أصحاب الكبائر والمعاصي لا سيما الكفار والمنافقين المرتدين.
فعن أبي عبد الله ﵇ قال: (لا يتزوج المؤمن الناصبة المعروفة بذلك) (٣).
وعن أبي عبد الله ﵇ أنه قال له الفضيل: (أتزوج الناصبة؟ قال: لا، ولا كرامة. قلت: جعلت فداك، والله! إني لأقول لك هذا، ولو جاءني ببيت ملآن دراهم ما فعلت) (٤).
وعن أبي عبد الله ﵇ أنه قال: (تزوج اليهودية والنصرانية أفضل، أو قال: خير من تزوج الناصب والناصبة) (٥).
وعن أحمد بن محمد رفعه قال: قال أبو عبد الله ﵇: (من زوج كريمته من شارب خمر فقد قطع رحمها) (٦).
стр. 80
وقال رسول الله ﵌: (من زوج كريمته بفاسق نزل عليه كل يوم ألف لعنة، ولا يصعد له عمل إلى السماء، ولا يستجاب له دعاؤه، ولا يقبل منه صرف ولا عدل) (١).
وقال أبو عبد الله ﵇ أيضاً (قال رسول الله ﵌: شارب خمر لا يُزوج إذا خطب) (٢).
وقال الرسول ﵌: (من زوج كريمته من شارب خمر فكأنما ساقها إلى الزنا) (٣).
وعن الحسين بن بشار الواسطي قال: (كتبت إلى أبي الحسن الرضا ﵇: إن لي قرابة قد خطب إلي، وفي خلقه سوء! قال: لا تزوجه إن كان سيئ الخلق) (٤).
فهل يعقل بعد هذا أن يُقدِمَ أهل بيت النبي ﵌ على تزويج أولادهم من أناس مطعون في دينهم أو خلقهم بل مرتدين؟!
ومما يدل على مراعاتهم لهذه القضية الهامة نرى أبا بكر وعمر وعثمان ضمن الساعين إلى تزويج فاطمة لعلي ﵃ أجمعين.
فعن الضحاك بن مزاحم قال: سمعت علي بن أبي طالب ﵇ يقول: (أتاني أبو بكر وعمر فقالا: لو أتيت رسول الله ﵌ فذكرت له فاطمة) (٥).
وهذا نصح من الصحابيين الجليلين للإمام علي ﵇ تظهر رغبة الصحابة في مصاهرة علي بن أبي طالب لرسول الله ﵌.
ولما كان علي ﵇ معسراً، قليل ذات اليد، لم يبخل أو يتقاعس عنه إخوانه بشيء عند
стр. 81
زواجه، وممن شارك في مساعدة أمير المؤمنين علي ﵇ في زواجه من فاطمة الزهراء عثمان بن عفان ﵁.
يقول أمير المؤمنين علي ﵇ راوياً قال لي رسول الله ﵌: (يا أبا الحسن انطلق الآن فبع درعك وأتني بثمنها حتى أهيئ لك ولابنتي فاطمة ما يصلحكما قال علي: فأخذت درعي فانطلقت به إلى السوق فبعته بأربعمائة درهم سود هجرية إلى عثمان بن عفان، فلما قبضت الدراهم منه، وقبض الدرع مني، قال: يا علي! ألست أولى بالدرع منك وأنت أولى بالدراهم مني؟! فقلت: بلى، قال: فإن هذا الدرع هدية مني إليك! فأخذت الدرع والدراهم وأقبلت إلى رسول الله، فطرحت الدرع والدراهم بين يديه وأخبرته بما كان من أمر عثمان، فدعا له النبي ﵌ بخير) (١).
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أمر النبي ﵌ بعض الصحابة بأن يشتروا للزهراء ما تحتاجه للعرس بإشراف من أبي بكر الصديق ﵁ (٢).
فالخلفاء الثلاثة ﵃ خاصة، وغيرهم من الصحابة، ممن ساهم واشترك بل وممن أشهدهم النبي ﵌ على زواج الإمام علي ﵇ من فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﵌ كان لهم الدور الفعال في إتمام هذا الزواج المبارك.
قال أنس ﵁: قال ﵌: (انطلق فادع لي أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وطلحة والزبير وبعددهم من الأنصار، قال: فانطلقت فدعوتهم له، فلما أخذوا مجالسهم قال: إني أشهدكم أني قد زوجت فاطمة من علي، على أربعمائة مثقال من فضة) (٣).
стр. 82
ولا يخفى عليك -أيها القارئ الكريم- أن أهل البيت ﵈ من أحرص الناس على تزويج أولادهم من أهل الصلاح والتقى، وهم كذلك من أبعد الناس عن تزويج أولادهم للفساق والمنافقين ولا سيما النواصب والمرتدين، ومن ادعى أنهم زوجوا مرتداً أو منافقاً أو فاسقاً فقد أعظم عليهم الفرية، واتهمهم بمخالفة أفعالهم أقوالهم وهو شيء مقته الله على بني إسرائيل وعلى غيرهم، قال ﵎: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة: ٤٤]، والمحب يجلّ أهل البيت ﵈ من هذه الصفة، ويعتقد في حقهم أنهم ما زَوَّجوا إلا عدلاً صالحاً.
وإليك أيها القارئ بعضاً من مصاهرات وأسماء أولاد أهل البيت ﵈، لتعلم مقدار التداخل بين العترة والصحابة الدال على الحب والوفاق والود؛ لأنهم ﵈ يعتقدون صلاح أصحاب رسول الله ﵌ فزوجوهم، وتزوجوا منهم، وسموا أبناءهم بأسمائهم.
١) الرسول ﵌:
من زوجاته: عائشة بنت أبي بكر الصديق.
حفصة بنت عمر بن الخطاب.
رمله بنت أبي سفيان.
أسماء من صاهروه: علي بن أبي طالب: وقد تزوج ابنته (فاطمة).
عثمان بن عفان: وقد تزوج ابنتيه (رقية) ثم (أم كلثوم).
أبو العاص بن الربيع، وقد تزوج ابنته (زينب).
٢) علي بن أبي طالب ﵇:
من زوجاته - بعد وفاة فاطمة ﵇:
أسماء بنت عميس (أرملة أبي بكر الصديق).
стр. 83
أمامة بنت أبي العاص بن الربيع (أمها زينب بنت النبي ﵌).
من أولاده: أبو بكر، عمر، عثمان.
أسماء من صاهروه: عمر بن الخطاب، وقد تزوج ابنته (أم كلثوم).
عبد الرحمن بن عامر بن كريز الأموي، وقد تزوج ابنته (خديجة).
معاوية بن مروان بن الحكم، وقد تزوج ابنته (رملة).
المنذر بن عبيدة بن الزبير بن العوام، وقد تزوج ابنته (فاطمة).
٣) عقيل بن أبي طالب: من أولاده: عثمان
٤) الحسن بن علي بن أبي طالب:
من زوجاته: أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التيمي.
حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر.
من أولاده: أبو بكر، عمر، طلحة.
أسماء من صاهروه: عبد الله بن الزبير بن العوام، وقد تزوج ابنته (أم الحسن).
عمرو بن الزبير بن العوام، وقد تزوج ابنته (رقية).
جعفر بن مصعب بن الزبير، وقد تزوج ابنته (مليكة).
٥) الحسين بن علي بن أبي طالب:
من زوجاته: ليلى بنت أبي مرة (أمها ميمونة بنت أبي سفيان).
أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التيمي (١).
من أولاده: أبو بكر، عمر.
أسماء من صاهروه: عبدالله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وقد تزوج ابنته (فاطمة).
مصعب بن الزبير بن العوام، وقد تزوج ابنته (سكينة).
стр. 84
٦) إسحاق بن جعفر بن أبي طالب:
من زوجاته: أم حكيم بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق.
٧) عبد الله بن جعفر بن أبي طالب:
من أولاده: أبوبكر و معاوية
صاهره: عبدالملك بن مروان، وقد تزوج ابنته (أم أبيها)
٨) علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (زين العابدين) ويكنى بأبي بكر (١):
من أولاده: عمر.
٩) زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب:
صاهره: الوليد بن عبد الملك بن مروان، وقد تزوج ابنته (نفيسة).
١٠) الحسين بن الحسن بن علي بن أبي طالب:
من زوجاته: أمينة بنت حمزة بن المنذر بن الزبير بن العوام.
١١) الحسن (المثنى) بن الحسن بن علي بن أبي طالب:
من زوجاته: رملة بنت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي.
صاهره: الوليد بن عبد الملك بن مروان وقد تزوج ابنته (زينب).
١٢) محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب:
من أولاده: عمر.
١٣) محمد (الباقر) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:
من زوجاته: أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق.
стр. 85
١٤) موسى (الجون) بن عبد الله المحض بن الحسن بن علي بن أبي طالب:
صاهره: ابن أخي المنصور العباسي، وقد تزوج ابنته (أم كلثوم).
١٥) الحسين الأصغر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:
من زوجاته: خالدة بنت حمزة بن مصعب بن الزبير بن العوام
١٦) عبيد الله بن محمد بن عمر (الأطرف) بن علي بن أبي طالب:
من زوجاته: عمة أبي جعفر المنصور.
١٧) جعفر بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب:
من أولاده: عمر
١٨) الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب:
من أولاده: عمر
١٩) جعفر (الصادق) بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:
قال الإمام الصادق ﵇: (ولدني أبو بكر مرتين) (١)، وكان يقال له: (عمود الشرف) (٢).
٢٠) الحسن (الأفطس) بن علي بن علي زين العابدين بن الحسين:
من زوجاته: بنت خالد بن أبي بكر بن عبدالله بن عمر بن الخطاب
٢١) محمد بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:
من أولاده: عمر
стр. 86
٢٢) موسى بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:
من زوجاته: عبيدة بنت الزبير بن هشام بن عروة بن الزبير بن العوام.
٢٣) عبدالله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:
من زوجاته: أم عمرو بنت عمرو بن الزبير بن عروة بن عمر بن الزبير
٢٤) محمد بن عوف بن علي بن محمد بن علي بن أبي طالب:
من زوجاته: صفية بنت محمد بن مصعب بن الزبير
٢٥) محمد بن عبدالله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب:
من زوجاته: فاختة بنت فليح بن محمد بن المنذر بن الزبير
٢٦) موسى الجون بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب:
من زوجاته: أم سلمة بنت محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق.
٢٧) جعفر بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:
من زوجاته: فاطمة بنت عروة بن الزبير بن العوام.
٢٨) عبد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:
من زوجاته: أم عمرو بنت عمرو بن الزبير بن عروة بن الزبير بن العوام.
٢٩) الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:
من أولاده: عمر
٣٠) علي بن الحسين بن علي بن عمر بن علي بن أبي طالب:
من أولاده: عمر
стр. 87
٣١) موسى (الكاظم) بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي:
من أولاده: عمر، عائشة.
٣٢) يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:
من أولاده: عمر.
٣٣) علي (الرضا) بن موسى بن جعفر الصادق. ويكنى بأبي بكر (١):
من زوجاته: أم حبيب بنت المأمون العباسي
له من الأولاد خمسة ذكور وبنت واحدة واسمها: عائشة (٢).
٣٤) جعفر بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق:
من بناته: عائشة.
٣٥) محمد (الجواد) بن علي بن موسى بن جعفر:
من زوجاته: أم الفضل بنت المأمون العباسي (٣).
стр. 88
٣٦) علي (الهادي) بن محمد بن علي بن موسى:
من بناته: عائشة (١).
وهذا الترابط والتلاحم الأسري المبارك، بين آل بيت النبي ﵌ وبين الصحابة وغيرهم في التزاوج، وتسمية بعضهم بأسماء بعض، وكثرة المصاهرات بينهم، إنما تدل دلالة واضحة على مودتهم لبعضهم بعضاً، واستقامة دينهم ومنهجهم، وسلامة قلوبهم وألسنتهم فيما بينهم، لا كما يروج أصحاب الفتن والبغضاء، فتنبه رعاك الله.
стр. 89
المبحث السابع
سؤال وجواب
نقدم لك - أيها القارئ الكريم - ونضع بين يديك مجموعة من التساؤلات والاستفسارات نسمعها وتسمعها من حين لآخر يضعها الغلاة وأهل الشبه، ممن يريدون أن يقذفوا بأحقادهم، وينفثوا بسمومهم في عقول المسلمين، ليستبيحوا الطعن في من صحبوا رسول الله ﵌ من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين ﵃ في صريح الكتاب، الذين أفنوا زهرة شبابهم في سبيل الله، حبا لله ورسوله وجهاداً في سبيله وبادلهم الرسول ﵌ هذا الحب وتوفاه الله وهو عنهم راضٍ.
هل يعقل أنهم بعد كل هذه التضحيات، يحبطون ثوا ب جهادهم وحجهم وعبادتهم مع رسول الله ﵌ من أجل البيعة لأبي بكر ولو كان مصيرهم بعد ذلك خلود في النار!
إن مثل هذا الأمر لا يصدر من مسلم تربى في مدرسة رسول الله ﵌، والذين يبثون هذه الروايات المكذوبة يريدون من ورائها أن يقطعوا الصلة بين المسلمين وذلك الجيل المشرق الذي صحب رسول الله ﵌ الله ويجهل هؤلاء أن طعنهم لا يضر تلك الجبال الراسية
كناطح صخرة يوماً ليوهنها... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
وما ستقع عليه عيناك هي مجموعة من هذه الشّبه التي يتعلق بها هؤلاء الذين غفلوا عن حقائق تاريخنا الإسلامي المشرق تجاه من سبقنا في اتباع منهج النبي ﵌، وقد جعلت هذه الشّبهات على شكل أسئلة يلحق كل سؤال الجواب عليه ليستبين الحق بإذن الله تعالى.
стр. 90
السؤال الأول: «القول بردة الصحابة»:
كيف يمكن لنا أن نقول بعدالة الصحابة جميعاً، والله ﵎ قد صرح بردتهم جميعاً بعد وفاة نبيه إلا ثلاثة منهم (١)، مثلما جاء في قوله ﵎: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [آل عمران: ١٤٤].
الجواب:
أولاً: يجب على القارئ لكتب التفسير أن يختار من يقرأ له من المفسرين، فيتحرى أصحاب العقائد الصحيحة، ممن شهد له العلماء المجتهدون بالعلم والفضل، ويكون على إلمام بأصول التفسير كأسباب نزول القرآن، والناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، وغيره حتى لا يفسر أو يؤّول كلام الله تعالى من غير علم.
ثانياً: ذكر علماء التاريخ، وكذا المفسرون أن تلك الآية نزلت في واقعة محددة معلومة وهي انهزام المسلمين في غزوة أحد، وكانت هذه الواقعة من أوائل الغزوات التي قاتل فيها المسلمون، فكيف يكون ما نَزَل من القرآن في بداية الهجرة، وفي حادثة معينة محددة، دليلاً على ردة الصحابة بعد وفاة النبي ﵌؟!
قال ابن كثير في تفسيره: لما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد وقتل من قتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن محمدا قد قتل، ورجع ابن قَمِيئَةَ إلى المشركين، فقال لهم: قتلت محمدا، وإنما كان قد ضرب رسول الله ﵌ فشجه في رأسه، فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس واعتقدوا أن رسول الله ﵌ قد قتل، وجوزوا عليه ذلك، ... فحصل ضعف ووهن
стр. 91
وتأخر عن القتال، ففي ذلك أنزل الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أي له أسوة بهم في الرسالة وفي جواز القتل عليه (١)
وقال الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره: سبب النزول، أن الآية الأولى من هاتين الآيتين ناظرة أيضاً إلى حادثة أخرى من حوادث معركة أحد، وهي الصيحة التي ارتفعت فجأة في ذروة القتال بين المسلمين والوثنين: أن قتلت محمداً، قتلت محمداً (٢).
وقال محمد جواد مغنية في تفسيره: تشير هذه الآية إلى واقعة معينة وهي واقعة أحد (٣).
ثالثاً: سياق الآية لا يدل على ردة الصحابة، بل فيه معاتبة وإرشاد من الله للصحابة على ما كان منهم من هلع وجزع في غزوة أحد، عندما قيل لهم: إن النبي ﵌ قد قُتل، فيخبر الله هؤلاء النفر: أن محمداً بشر، اختاره الله لرسالته إلى خلقه وقد مضت قبله رسل، بعثهم الله لأقوامهم فأدوا الرسالة ومضوا وماتوا وقُتل بعضهم، وأنه ﵌ حاله كحال الرسل في الحياة والممات فقال تعالى مبياً هذا المعنى بصيغة الاستفهام الإستنكاري: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] فمعناه: أفإن أمات الله نبيه، أو قتله الكفار ارتددتم كفاراً بعد إيمانكم؟! فسمي الارتداد انقلاباً على العقب: وهو الرجوع القهقرى لأن الردة رجوع إلى أقبح الأديان، كما أن الانقلاب رجوع عن الإقدام، والألف في قوله ﴿أَفَإِنْ مَاتَ﴾: ألف إنكار، صورته صورة الاستفهام، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ [الأنبياء: ٣٤]، فهذه الآية ليست إخباراً من الله بخلود
стр. 92
الصحابة بعد موت النبي ﵌، كما أن الآية الأولى ليست إخباراً بردتهم بعده ﵌.
رابعاً: كيف نحكم على من انهزم من الصحابة بالردة وقد عفا الله عنهم بقوله:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾ [آل عمران: ١٥٥]؟!
خامساً: إن هذه الآية تذكرنا بموقف أبي بكر الصديق ﵁، وشجاعته وقوة تعلقه بالله واستحضاره للأدلة القرآنية عند المواقف العصبية بعد موت رسول الله ﵌ بقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [آل عمران: ١٤٤]، حينما كان... أصحاب النبي ﵌ في صدمة من شدة الموقف، فمنهم من أنكر موت النبي ﵌ كعمر بن الخطاب ﵁ لشدة تعلق قلبه بحبيبه، ومنهم من التزم الصمت بسبب موت النبي ﵌.
سادساً: من المعلوم أن الذي يرتد عن الإسلام بعد وفاة النبي ﵌ لا يقال عنه صحابي لأن الصحابي في الشرع كما أسلفنا هو من لقي النبي مؤمناً به ومات على الإسلام، والذي يرتد عن الإسلام لا يكون منهم إلا إذا رجع إلى الإسلام من جديد.
واختم هذا المبحث بتساؤل مهم ألا وهو: كيف يأتي الثناء العام من الله مثلما مرَّ معنا سابقاً - وكذا أهل بيت النبي ﵌ على عموم الصحابة، ثم يقع التغيير المخالف لهذه الأقوال المباركة... أليس هذا فيه طعن في علم الله السابق وأيضاً لعلم أهل بيت النبي ﵌ المستمد من كتاب الله وهدي المصطفى ﵌؟!
стр. 93
السؤال الثاني: «حديث الحوض»:
كيف يمكن لنا أن نحكم على عدالة وصدق من حكم الله على ردتهم وتبديلهم لدينهم يوم القيامة، مثلما هو وارد في حديث الحوض، والذين قال فيهم النبي ﵌: (أصحابي أصحابي)، ثم أتاه الجواب الحاسم من ربه: إنهم لم يزالوا مرتدين منذ فارقتهم؟
الجواب:
أنه وفقاً لما سبق بيانه من تعريف وتوضيح للمقصود (بالصحابي) فإن أهل البيت ﵈ والصحابة لما سمعوا حديث النبي ﵌ (الحوض) زادهم ذلك خوفاً من النفاق، فجدوا في إخلاص العمل لله تعالى، رغم أنهم يعلمون أن المقصود من قول النبي ﵌ (أصحابي أصحابي) أُناسٌ لهم أوصاف معلومة مخالفة لمنهج الحق هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يمكن توجيه هذا الحديث إلى أن المراد (بالصحابي) أحد الأصناف التالية:
أولاً: أن المراد بالأصحاب هنا هم المنافقون الذين كانوا يظهرون الإسلام في عهد... النبي ﵌، كما قال الله ﵎: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون: ١].
والمنافقون فيهم من عَلِمَ النبي ﵌ باطنه - وهم الأكثر- وفيهم من لم يعلمه وأولئك الذين قال فيهم النبي ﵌: (أصحابي أصحابي) كانوا من المنافقين الذين خفي باطنهم على النبي ﵌، كما قال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾ [التوبة: ١٠١].
стр. 94
فالذين قال فيهم (أصحابي) عند الحوض كانوا من المنافقين المتواجدين في المدينة والذين كان يظن ﵌ أنهم من الصحابة، ولم يكونوا كذلك، لعدم معرفته ﵌ للغيب وأحوال الناس الباطنة، وكان الحكم الشرعي يقتضي الحكم على الظاهر فقط.
ثانياً: قد يكون المراد بالأصحاب هنا أولئك الذين ارتدوا بعد وفاة النبي ﵌، كحال الكثير من العرب المرتدين، وممن أسلموا في السنوات الأخيرة.
روى المجلسي في البحار عن السيد ابن طاوس أنه قال: ذكر العباس بن عبد الرحيم المروزي في تاريخه: لم يلبث الإسلام بعد فوت النبي ﵌ في طوايف العرب إلا في أهل المدينة وأهل مكة وأهل الطائف، وارتد ساير الناس.
ثم قال: ارتد بنو تميم والرباب واجتمعوا على مالك بن نويرة اليربوعي، وارتدت ربيعة كلها، وكانت لهم ثلاث عساكر، باليمامة مع مسيلمة الكذاب، وعسكر مع معرور الشيباني وفيه بنو شيبان وعامة بكر بن وايل وعسكر مع الحطيم العبدي، وارتد أهل اليمن ارتد الأشعث بن قيس في كندة، وارتد أهل مأرب مع الأسود العنسي وارتد بنو عامر إلا علقة بن علاثة (١).
ثالثاً: قد يراد بكلمة (أصحابي) كل من صحب النبي ﵌ على هذا الطريق القويم، ولو لم يره، ويدل على هذا رواية: (أمتي، أمتي) ورواية: (إنهم أمتي).
وأما قول النبي ﵌: (أعرفهم)، فالنبي ﵌ قد بين أنه يعرف هذه الأمة من آثار الوضوء، وهذا كما قال الله على لسان النبي ﵌: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾ [الفرقان: ٣٠] فالنبي ﵌ لا يقصد بالقوم أصحابه ومن كان في
стр. 95
زمنه، بل هذا تحذير عام لجميع أمته من هجرهم القرآن بعده، فهؤلاء هم الذين يقول فيهم النبي ﵌: (أصحابي أصحابي). فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك.. أي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أدبارهم منذ فارقتهم.
وخلاصة ما سبق:
يمكن القول بأن أهل البيت ﵈ قد فهموا مراد النبي ﵌ من الحديث، وهذا الفهم منهم ظهر جلياً في حياتهم بأقوالهم وأفعالهم مع الصحابة وذلك من خلال توثيق الصلة بهم تجلى ذلك في المصاهرات بين الصحابة وأهل البيت وهو أمر يدل على شيوع المحبة والمودة بينهم، كما أنه لم يثبت عن أي أحدٍ من أهل بيت النبي ﵌ أنه أطلق كلمة النفاق على أحدٍ من الصحابة ﵃، وهذا فيه دلالة صادقة منهم على ترابطهم مع الصحابة بعيداً عن المنافقين.
стр. 96
السؤال الثالث: «القول بذم الله طائفة من الصحابة»:
كيف تقول بعدالة الصحابة، والله قد ذمهم في عدة مواضع في كتابه بآيات صريحة:
مثل قوله سبحانه عند تثاقلهم عن الجهاد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾ [التوبة: ٣٨].
وجاء وعيد الله وتحذيره لهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ [المائدة: ٥٤].
وأيضاً ذم الله عدم خشوع قلوبهم لذكره، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)﴾ [الحديد: ١٦].
أو عند تركهم للنبي ﵌ عند قدوم التجارة، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾ [الجمعة: ١١].
الجواب:
أولاً: يجب على المسلم أن يكون باحثاً عن الحق تاركاً للتعصب الفكري، طالباً للهداية كما نقرأ في صلاتنا قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦]، وأن يجتنب الباطل ولو كان صادراً من عالم أو شيخ يقلده؛ لأن الله ذم أهل التعصب، الذين قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا
стр. 97
آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ [الزخرف: ٢٣].
ثانياً: لا بد أن نعلم أن أصحاب النبي ﵌ غير معصومين من الخطأ، والإسلام حفظهم من رذائل الجاهلية التي كانت متفشية في مجتمعاتهم.
فلما أتاهم النبي ﵌ داعياً إلى توحيد الله بفعل الطيبات، وترك ما كانوا عليه من مفاسد، استجابوا له وآمنوا به اختياراً منهم، فَعَلَّمهم الله وَوَجَّههم إلى الخير والصلاح ونهاهم وحذرهم من المحرمات، فكان يناديهم في كتابه العزيز بقوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
فالصحابة ﵃ قد تعلموا عن طريق الأخطاء الناتجة من بعضهم بسبب جهلهم بهذا الدين الجديد أو تأثرهم بالجاهلية، وهذا يشمل الصحابة من أهل بيت النبي ﵌ كالعباس وحمزة وجعفر الطيار وغيرهم من الصحابة من غير أهل البيت.
وهذه الأوامر والنواهي والتحذيرات لم ولن تختص بأصحاب النبي ﵌ فقط بل هي حجة على الأمم المتبعة لهدي المصطفى ﵌، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ثالثاً: لنفترض جدلاً أننا وإن لم نفهم القرآن ونفقه تفسيره، ماذا سيكون جوابنا حينما يقول لنا أحد المستشرقين المتعصبين: إن نبي الإسلام محمد بن عبد الله يطيع الكفار والمنافقين مثلما جاء في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١)﴾ [الأحزاب: ١].
بل يدعي على ديننا فيقول: إن نبيكم يحلل ما حرمه الله فقط لإرضاء زوجاته، مثل ما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)﴾ [التحريم: ١]، أو أن نبيكم كان يريد أن يصلي على المنافقين ليترحم عليهم: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ
стр. 98
مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾ [التوبة: ٨٤] فلابد أن يكون جوابك أيها المحب بأن النبي ﵌ لا يعصي ربه فيما أمره به والآيات تفيد بأن الله تعالى يعلّم نبيه شرعه ودينه ليبلغه للناس، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ [الأحزاب: ٤٥].
رابعاً: ما جوابنا حينما يقول لنا ناصبي مبغض لأهل بيت النبي ﵌: لماذا لم يقاتل النبي المنافقين ويغلظ عليهم، وقد أمره الله بذلك في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾؟
ثم لماذا لم يجاهد علي بن أبي طالب المرتدين والمنافقين من الصحابة بعد النبي ﵌ خاصة الذين غصبوا خلافته؟ (كما يزعم الغلاة).
فهل عاملهم بغلظة كما ورد في الآية الكريمة؟! أم خالف القرآن وعامل الصحابة بلين ونصح ومشورة كما ثبت في التاريخ؟! أليس ما فعله النبي ﵌ وأمير المؤمنين ﵇ مخالف للقرآن؟!
خامساً: ما جوابنا حينما يسألنا الناصبي ويقول: إن عليا ﵇ هو المعني بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١]
لأنه خالف القرآن واتخذ أعداء الله أولياء له! واستدل الناصبي لطعنه الباطل بظاهر القرآن والروايات الواردة عن النبي ﵌ أنه قال: (ما أنزل الله آية وفيها قوله: ... ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلا وعلي ﵇ رأسها وأميرها) (١).
стр. 99
واستدل أيضاً بما ثبت في صحيفة الإمام الرضا ﵇ أن النبي ﵌ قال: (ليس في هذا القرآن ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلا في حقنا) (١)، ثم يقول هذا الناصبي: إذاً: إن علياً في رأس هذه الآية وغيرها!.
ألا يستحق هذا الناصبي أن نقول إنه أظهر عداوته وطعنه في أمير المؤمنين ﵇ وانكشف حقده الدفين على أهل السبق في الإسلام الذين عرفوا بجهادهم مع... رسول الله ﵌ والذين هم أقرب الناس إليه وأحبهم إلى قلبه من أمثال أمير المؤمنين... علي ﵇.
كما نقول: إن هذا الكلام باطل وتحريف كتحريف اليهود الذين يحرفون الكلم عن مواضعه وهو زيغ في قلوب الذين يتبعون المتشابه من الكلم، كما لايليق بأصحاب النبي ﵌ أن نصفهم بالردة والنفاق لأن ذلك يعد تحريفاً لكلام الله، وخلافا لظاهر القرآن، وخلافا لسنة النبي ﵌، ومناف لمقتضى تكريم الله لنبيه ﵌، حيث خصه بصحب كرام يرضى عنهم، كما أنه مخالف للعقل السليم وواقع الحال.
стр. 100
السؤال الرابع: «القول بمخالفة الصحابة أمر النبي ﵌ في صلح الحديبية»:
كيف تقول بعدالة الصحابة، وهم قد عارضوا النبي ﵌ في صلح الحديبية، بسبب عصيانهم لأمره، عندما أمرهم أن يحلقوا وينحروا فلم يستجيبوا لأمره؟ بل إن عمر صرح بالمعارضة لقرار النبي ﵌ في اتفاقه وصلحه مع المشركين فقال للنبي: (ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى، قال عمر: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، فقال عمر: فلم نعط الدنية من ديننا إذاً)؟
الجواب:
أولاً: يجب على المسلم ألا يقذف التهم جزافاً من غير تبيين وتمحيص لأسباب الحوادث وينبغي عليه أن يكون منصفاً إن أراد الحق، ولا يشنع ويقسو ابتداءً على أحد، وخاصة أصحاب النبي ﵌ بغير علم، ولابد أن يعرف مقدار حب الصحابة لنبيهم، والذي تجلى واضحاً في أحوال ومناسبات عديدة، ومنها مبادرتهم إلى التبرك بأثره ﵌ من أخذ فضل وضوئه، ولم يكن ليبصق ﵌ بصاقاً ولا يتنخم نخامة إلا ويتلقونها بأكفهم فيدلكوا بها وجوههم وأجسادهم، ولم تسقط منه شعرة ﵌ إلا ويبتدرون إلى أخذها لنيل البركة منه مثلما جاء في رواية عروة بن مسعود (١).
ثانياً: الصحابة في صلح الحديبية لم يعصوا النبي ﵌ عندما أمرهم، بل كان لهم شوق عظيم لبيت الله الحرام، فتمنوا عندما أمرهم النبي ﵌ بقطع العمرة والتحلل بحلق رؤوسهم لو يغيّر النبي ﵌ من حكمه، أو ينزل الله ﵎ شيئاً من الوحي يأمر... نبيه ﵌ بأن يدخل مكة، فانتظروا جميعهم (بلا استثناء) لعل شيئاً من ذلك يقع!، ولذلك تمهلوا قليلاً في تنفيذ أمر النبي ﵌ رغبة في حدوث مثل هذا الرجاء، فلما خرج النبي ﵌
стр. 101
عليهم حالقاً وناحراً هديه، علم الصحابة يقيناً حينئذ انقضاء رجائهم، وتحقق الأمر، فاستجابوا مباشرة عند ذلك لأمر الله ورسوله ﵌ فحلقوا رؤوسهم ونحروا هديهم دون تردد منهم فأنزل الله ﵎ فيهم:
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح: ١٨].
ثالثاً: عمر بن الخطاب ﵁ لم يعارض قرار النبي ﵌ في الصلح، بل كان يتباحث معه ويشاوره في أمر الأمة، مثلما كانت عادة النبي ﵌ في مشاورته للصحابة وخاصة الكبار منهم، حيث إن المشاورة سنة يمتثلها النبي ﵌ مع أصحابه بأمر من الله ، لما جاء في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
قال أبو جعفر الطبري:
وأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يقال: إن الله أمرَ نبيه ﵌ بمشاورة أصحابه فيما حزبه من أمر عدوه ومكايد حربه، تألُّفًا منه بذلك من لم تكن بصيرته بالإسلام البصيرةَ التي يُؤْمَنُ عليه معها فتنة الشيطان وتعريفًا منه أمته مأتى الأمور التي تحزُبهم من بعده ومطلبها، ليقتدوا به في ذلك عند النوازل التي تنزل بهم، فيتشاوروا فيما بينهم، كما كانوا يرونه في حياته ﵌ يفعله.
فأما النبي ﵌، فإن الله كان يعرِّفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحيه أو إلهامه إياه صوابَ ذلك. وأما أمته، فإنهم إذا تشاوروا مستنِّين بفعله في ذلك، على تصادُقٍ وتأخٍّ للحق، وإرادةِ (١).
стр. 102
وقال الفيض الكاشاني عن قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾: في أمر الحرب وغيره، مما يصح أن يشاور فيه، استظهاراً برأيهم، وتطييباً لنفوسهم، وتمهيداً لسنة المشاورة للأمة عن النبي ﵌ لا وحدة أوحش من العُجب، ولا مظاهرة أوثق من المشاورة. وجاء في نهج البلاغة: (من استبد برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها، وفي الاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه). وفي الخصال عن الصادق ﵇: (وشاور في أمرك الذين يخشون الله). اهـ (١).
وفي تلك الحادثة أخذ النبي ﵌ مشورة عمر بن الخطاب ﵁، في إرسال عثمان بن عفان ﵁ إلى أهل مكة للمفاوضة معهم.
وقد ذكر الشيخ الطبرسي في تفسيره مجمع البيان صلح الحديبية مختصرة فقال عن ابن عباس: (إن رسول الله ﵌ خرج يريد مكة، فلما بلغ الحديبية، وقفت ناقته، وزجرها فلم تنزجر، وبركت الناقة. فقال أصحابه: خلأت الناقة. فقال ﵌: ما هذا لها عادة، ولكن حبسها حابس الفيل، ودعا عمر بن الخطاب ليرسله إلى أهل مكة، ليأذنوا له بأن يدخل مكة ويحل من عمرته، وينحر هديه، فقال: يا رسول الله! ما لي بها حميم، وإني أخاف قريشاً لشدة عداوتي إياها. ولكن أدلك على رجل هو أعز بها مني، عثمان بن عفان! فقال: صدقت) (٢).
رابعاً: لماذا نشنع على عمر بن الخطاب ﵁ بسبب مشاورته للنبي ﵌ ونتهمه بمعارضة أمر النبي ﵌، ونبني عليها طعوناً كثيرة، والنبي ﵌ لم ينهه عن ذلك الفعل، إن كان مستحقاً للنهي والزجر؟!
стр. 103
هل نحن أعلم وأفقه من نبينا ﵌ في تربية أصحابه، وفي كيفية تعاملهم مع كلامه؟!
أو أننا علمنا أمراً قد خفي على النبي ﵌؟! أو أن هناك سبباً آخر يدعو للغيظ والحنق على ما فعله عمر؟
إن مثل تلك المشاورة قد وقعت بين الإمام علي ﵇ وشيعته، من أمثال حجر بن عدي في معركة صفين، حينما نهى الإمام علي ﵇ جيشه عن لعن وسب معاوية ﵁ وجيشه وناقشه في هذه القضية حجر بن عدي وغيره، ومع ذلك لم يطعن الإمام علي ﵇ أو من جاء بعده على حجر بن عدي بسبب معارضته لأمر الإمام علي ﵇.
فعن عبد الله بن شريك قال: (خرج حجر بن عدي وعمرو بن الحمق يُظهران البراءة واللعن من أهل الشام، فأرسل إليهما علي ﵇: أن كفّا عما يبلغني عنكما. فأتياه فقالا: يا أمير المؤمنين! ألسنا محقين؟ قال: بلى. قالا: أو ليسوا مبطلين؟ قال: بلى. قالا: فلم منعتنا من شتمهم؟ قال: كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين يشهدون ويتبرؤون) (١).
خامساً: لو سلمنا جدلاً بأن ما فعله عمر ﵁ كان مجانباً للصواب بسبب معارضته لأمر النبي ﵌، فماذا سيكون جوابنا إن قال لنا أحد النواصب: (إن علياً ﵇ كان من رؤوس المعارضين للنبي ﵌ في صلح الحديبية، وقد عصى أمره مع سائر الصحابة في عدم حلق رؤوسهم وذبح هديهم؟
بل إن رفض علي بن أبي طالب لأمر النبي ﵌ يفوق معارضة عمر بن الخطاب وذلك حينما طلب ﵌ منه أن يمسح اسمه عندما كان يكتب كتاب الصلح مع مندوب قريش سهيل بن عمرو فرفض علي بن أبي طالب الانصياع لأمر المصطفى ﵌؟
стр. 104
ودليل ذلك ما جاء عن أبي عبد الله ﵇، في حديث طويل في قصة صلح الحديبية: ... (إن أمير المؤمنين ﵇ كتب كتاب الصلح: باسمك (١) اللهم، هذا ما تقاضى عليه محمد رسول الله ﵌، والملأ من قريش، فقال سهيل بن عمرو: لو علمنا أنك رسول الله... ما حاربناك اكتب هذا ما تقاضى عليه محمد بن عبد الله، أتأنف من نسبك يا محمد؟ فقال رسول الله ﵌: أنا رسول الله وإن لم تقروا، ثم قال: امح يا علي! واكتب: محمد بن عبد الله، فقال أمير المؤمنين ﵇: ما أمحو اسمك من النبوة أبداً، فمحاه رسول الله ﵌ بيده...) الخبر (٢).
فبماذا سنرد على ذلك الناصبي حين يقول: لماذا يرفض علي بن أبي طالب أمر النبي ﵌ حينما طلب منه أن يمحو اسمه؟ أعلي بن أبي طالب أتقى وأحرص وأعلم من النبي ﵌ في عدم رغبته لمسح الاسم؟ بل تكررت منه المعارضة لأمر النبي ﵌ مثلما حصل في غزوة تبوك، حينما طلب منه النبي ﵌ أن يمكث بالمدينة، كحال بعض الصحابة من أهل الأعذار كابن أم مكتوم وغيره لأسباب معينة رآها النبي ﵌ لكنه خرج ولحق بالنبي ﵌ محاولاً أن يثنيه عن قراره ويأخذه معه للمعركة.
فعن عبد الله، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن سليمان بن بلال، عن جعيد بن عبد الرحمن عن عائشة بنت سعد، عن أبيها سعد أن علياً ﵇ خرج مع النبي ﵌ حتى جاء ثنية الوداع وهو يبكي ويقول: تخلفني مع الخوالف؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة؟) (٣).
стр. 105
وبماذا نرد على الناصبي لو تساءل قائلاً: لماذا ينزعج علي بن أبي طالب من أمر... النبي ﵌ له بتركه بالمدينة في غزوة تبوك؟ أيعصي علي النبي ﵌ في أمره؟ هل كان علي يجهل أن استخلافه في المدينة منقبة وفضل له أم لا؟ فإن كان يجهل فهذه مصيبة، وإن كان يعلم فالمصيبة.. أعظم.
والرد على كل هذه التقولات على أمير المؤمنين ﵇، هو من مثل ما بيناه في حق أمير المؤمنين عمر ﵁.. فالحق واحد، وإن تعددت صور الافتراءات.
стр. 106
السؤال الخامس: «رزية يوم الخميس»:
ماذا تقول من فعل الصحابة يوم الخميس قبل وفاة النبي ﵌ بأربعة أيام، وما حصل بينهم من خلاف، ورفع أصواتهم عليه وعصيانهم لأمره ﵌ في عدم إحضارهم الكتف والدواة ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده، واتهموه (بالهجر) وقال عنه عمر بن الخطاب: ... (قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله) حتى غضب عليهم النبي ﵌ وأخرجهم من بيته، وعبّر ابن عباس عن تلك الحادثة بأنها رزية؟
الجواب:
أولاً: لابد لنا أن نسأل أنفسنا أولاً: كيف كانت حالة النبي ﵌ الصحية في تلك الفترة؟ وما سبب خلاف الصحابة عنده؟
إن تلك الحادثة حدثت قبل وفاة النبي ﵌ بأربعة أيام، وهو على فراشه، وكان يوعك وعكاً شديداً من شدة الألم، بل كان ﵌ من قسوة الألم يغمى عليه تارة ويفيق تارة أخرى وقال للصحابة حينها: (ائتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي أبداً) فاختلف الصحابة فيما بينهم فمنهم من أراد أن لا يجهد النبي ﵌ في مرضه، وظن أن الأمر لم يكن بحتم واجب إنما كان على سبيل الاختيار والتذكير، ومنهم من أراد إحضار الكتف والدواة للكتابة.
ثانياً: ليس بمقدور أي كائن بعد النبي ﵌ أن يتخيل ما دار في تلك اللحظة تخيلاً واضحاً، مثل أولئك الذين شهدوا تلك الحادثة، ونظروا إلى معاناة النبي ﵌ في مرض الموت، وخاصة أنه لم تمر عليهم حالة مشابهة من قبل فاختلفت آراؤهم لعدم سبق علم بها.
ثالثاً: التمسك بهذه الحادثة على أن فيها مغمزاً ومطعناً في الصحابة ﵃ شيء جديد لم يسبق إليه أحد من قبل، ذلك أن الصحابة ﵃ مرت عليهم الواقعة مرور الكرام وعلموا
стр. 107
أنها لم تتضمن أي شبهة في اتهام الصحابة بعضهم لبعض بالنفاق أو الكفر، فهل من تأخر عنهم يكون أعلم وأبصر من أولئك الجمع كلهم الذين عاشوا بعد النبي ﵌؟!
رابعاً: لو حصرنا النقاط التي يمكن أن يكون فيها مطعن في عدالة الصحابة ﵃ من هذه الحادثة، لأمكن حصرها في النقاط التالية:
أ) رفض الصحابة الإذعان لأمر النبي ﵌.
ب) اختلافهم عند النبي ﵌ وارتفاع أصواتهم الدالة على عدم التوقير.
ج) سوء كلام بعض الصحابة على مقام النبي ﵌ ووصفه بالهجر.
د) رفض عمر بن الخطاب الانصياع لطلب النبي ﵌.
ويمكن بيان الرد موجزاً على هذه الشبه بالآتي من القول:
(رد أمر النبي ﵌) الصحابة ﵃ لم يخالفوا طلب النبي ﵌، ولكنهم كانوا يظنون أن المرض لربما غلب على النبي ﵌ مثل حال بقية الناس؛ لأنهم لم يرو النبي ﵌ على هذه الحالة من قبل، وكانوا يعلمون أن كتاب الله بين أيديهم، والدين قد تم بيانه وكمل تشريعه، فلذا كانوا مترددين لعدم علمهم بالمقصود من قول النبي ﵌.
(اختلافهم وارتفاع أصواتهم) ليس هناك من دليل صريح يدل على ارتفاع أصواتهم على صوت النبي ﵌، ولو صدر هذا منهم لنزل الوحي بالتوبيخ واللوم من الله، وبخاصة وأن سورة الحجرات قد تم فيها تفصيل الأدب من حيث كيفية الكلام مع النبي ﵌.
والصحابة لم يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي ﵌ بل رفعوا أصواتهم على بعضهم بسبب اختلافهم في الاستفسار وفي المقصود من طلب النبي ﵌ الكتابة لهم، فلما طال نقاشهم فيما بينهم نهرهم النبي ﵌ عن هذا الخلاف فقط، ولو كان هناك أمر يتجاوز هذا الحد لنزل بهم أمر من الله سبحانه يجتث الخطأ من أساسه.
стр. 108
(مقولة بعض الحاضرين: أهجر) ينبغي علينا أولاً أن نعلم أن الرواية لم تحدد من قال هذه الكلمة، فلعله أحد المنافقين الحاضرين، أو صحابي استفسر مستفهماً عن صحة... النبي ﵌ بعد مقولته عن الكتابة فقال: هل يقع منه الهجر كما يقع من أحدنا؟ فاختصر كل هذا القول بكلمة واحد، أو لعلها من استفهام القائل: كيف لا نأتي بالكتف والدواة؟! أيُظن أن النبي ﵌ يهجر بالكلام ويقول بالهذيان كغيره! لأنه ربما اختلط عليه سماع كلام... النبي ﵌ وذلك لبحَّة في صوته أو غلبة اليبس بالحرارة على لسانه، مثلما يقع في الحميات الحارة، وقد ثبت بإجماع أهل السير أن نبينا ﵌ كانت فيه بحة صوت عارضة له في مرض موته ﵌.
وعليه فالسبل التي يمكن أن توجه فيها هذه الكلمة كثيرة، ومن أراد فعليه الرجوع إلى كتب اللغة العربية ليستوضح دلالات هذه الكلمة، فليس هناك من يعرف على وجه الدقة من كان موجودا في ذلك الموقف قرب النبي ﵌ إلا عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس، ويجب ألا يستغرب القارئ من كثرة هذه التعليلات تجاه هذه الكلمة، لأن من قيلت أمامهم هذه الكلمة لم ينكروها أو يذموا قائلها.
(رفض عمر الامتثال لأمر النبي ﵌) كيف يظن بعمر ﵁ أنه يرفض طلباً يسيراً للنبي ﵌، وهو الذي لم يبخل بشيء طوال مرافقته للنبي ﵌؟
وأما قول عمر بن الخطاب للصحابة: (قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله) فيمكن أن يوجه كالتالي:
أن عمر بن الخطاب ﵁ أراد من الصحابة أن لا يجهدوا النبي ﵌ بالكلام وكثرة الأسئلة، وهو في المرض الشديد، شفقة عليه، وهذا ما يبينه قوله: (وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله) أي إن الله أكمل دينه وبيّن شرائعه في قوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾
стр. 109
وكما في قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ﴾.
والذي يظهر أنما أراد النبي ﵌ أن يكتبه هو من باب الإرشاد والإصلاح والتذكير وليس بالأمر الجديد الواجب تبليغه للأمة، إذ لو كانت الكتابة واجبة لألزم الصحابة بما يريد كتابته، ولكان حاله مثل حال الكتاب الذي سطّره أمير المؤمنين علي في صلح الحديبية حيث ألزمه النبي ﵌ بما أراد كتابته عند عقد الصلح مع قريش.
ويمكن القول إنه لو فهم أهل بيت النبي ﵌ أن هناك أمراً واجباً لا مناص منه لحرصوا على تدوينه وكتابته... لكنهم فهموا أن المراد هو التأكيد على أمور سبق للنبي ﵌ بيانها للأمة مثل التمسك بالتوحيد والصلاة.
ومن خلال ما سبق، يتبين لنا أنه لو كان النبي ﵌ مأموراً بتبليغ شيء واجب بالنص لا غنى للأمة عنه، لبلغه في جميع الأحوال امتثالاً لقوله تعالى: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧] كما أنه ليس من عادته ترك التبليغ مراعات لخواطر الناس في بداية الدعوة، فكيف يترك ذلك في آخر حياته، وبعد أن مكن الله له وصارت الكلمة تنتهي إليه، فدل تركه ﵌ للكتابة على أنها لم تكن واجبة عليه، بل هو أمر محمول على الندب والتذكير لا على الوجوب والتشريع وقد عاش ﵌ أربعة أيام بعد ذلك، ولم يأمرهم بإعادة الكتابة.
خامساً: لابد للمسلم أن يُطهِّر قلبه من الحقد والبغض تجاه أصحاب النبي ﵌، وأن يحبهم كما كان هدي الأئمة ﵈، ونقول له: إن التبس عليك أمر في حق الصحابة ﵃ أو غيرهم، فالتمس لهم العذر، كما ثبت عن الأئمة ﵈ أنهم قالوا: (احمل أخاك المؤمن على سبعين محملاً من الخير.. الحديث). وقولهم ﵈ (كذّب سمعك وبصرك عن أخيك).
وما روي في الكافي عن الحسين بن المختار عن أبي عبد الله ﵇ قال: قال أمير... المؤمنين ﵇ في كلام له: (ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه، ولا تظنن
стр. 110
بكلمة -خرجت من أخيك- سوءاً؛ وأنت تجد لها في الخير محلاً) ... عن أبي بن كعب: (إذا رأيتم أحد إخوانكم في خصلة تستنكرونها منه فتأولوا لها سبعين تأويلاً..) (١) انتهى.
فمن الأولى بنا أن نسير على هدي الأئمة ﵈، وأن نلتمس العذر لأصحاب النبي ﵌ وما كانوا فيه من هلع وحيرة عند مشاهدتهم لحبيبهم وما يعانيه من ألم مبرح.
وقد أثنى الله ﵎ عليهم وقال عنهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقد كانوا ينكرون على بعضهم في مسائل فقهية أقل من ذلك.
لماذا الطعن الآن بعد مضي تلك القرون الكثيرة على أصحاب النبي ﵌ وعلى هذه الحادثة وغيرها؟! وما الهدف من ذلك؟
أهؤلاء أعلم وأحرص على النبي ﵌ من نفسه؟!
أم يحبون النبي ﵌ أكثر من أصحابه؟! أم هو إتباع هوى؟!
سادساً: أن وصف ابن عباس ﵁ لما جرى (بالرزية)، لم يكن وقت حصول الحادثة ولكنه قالها بعد ذلك بسنين عندما تذكر حزنه على وفاة النبي ﵌.
سابعاً: لو سرنا في دروب الطعن والتفتيش عن سراب الشبه، فماذا سيكون ردنا لو قال لنا أحد النواصب: إن علي بن أبي طالب هو سبب تلك المشاكل؛ لأنه كان في بعض الأحيان يعارض النبي ﵌، ولا يمتثل لأمره ابتداءً، مثلما حدث منه في صلح الحديبية من عدم مسح اسم النبي ﵌، وعدم حلق رأسه ونحر هديه كغيره من الصحابة، وعدم قبوله بالاستخلاف بالمدينة في غزوة تبوك.
بل شارك في رفض أمر النبي ﵌ وهو على فراش الموت عندما طلب منه النبي ﵌