← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 3034

دروس تربوية من الأحاديث النبوية

خالد الحسينان

Полный текст (90 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

- أحدها: حياؤه من الله تعالى فيكون بامتثال أوامره والكف عن زواجره. - والثاني: حياؤه من الناس فيكون بكف الأذى وترك المجاهرة بالقبيح. - والثالث: حياؤه من نفسه. فيكون بالعفة وصيانة الخلوات - فمتى كمل حياء الإنسان من وجوهه الثلاثة، فقد كملت فيه أسباب الخير، وانتفت عنه أسباب الشر، وصار بالفضل مشهورا، وبالجميل مذكورا. اهـ بتصرف يسير - عن معاذ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال له: (استحي من الله استحياءَ رجل ذي هيبةٍ من أهلك). - وهذا هو السببُ الموجب لخشية الله في السر، فإنَّ مَنْ عَلِمَ أنَّ الله يراه حيث كان، وأنَّه مُطَّلعٌ على باطنه وظاهره، وسرِّه وعلانيته، واستحضر ذلك في خلواته، أوجب له ذلك تركَ المعاصي في السِّرِّ. - فمن عبد الله على استحضار قربه ومشاهدته بقلبه، أو على استحضار قرب الله منه واطلاعه عليه، فقد حسن إسلامه، ولزم من ذلك أنْ يترك كل ما لا يعنيه في الإسلام، ويشتغل بما يعنيه فيه، فإنَّه يتولَّدُ من هذين المقامين الاستحياءُ من الله وترك كلِّ ما يُستحيى منه. - كما وصَّى ﷺ رجلاً أنْ يستحيي من الله كما يستحيي من رجل من صالحي عشيرته لا يُفارقه. - وفي المسند والترمذي عن ابن مسعود مرفوعاً: (الاستحياء من الله تعالى أنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وما حَوَى، وتَحفَظَ البَطنَ وما وَعَى، ولْتَذْكُرِ الموتَ والبِلى، فمن فَعَل ذلك، فقد استحيَى من الله حقَّ الحياء). - قال بعضهم: استحي من الله على قدر قربه منك، وخَفِ الله على قدر قدرته عليك. - وقال بعضُ العارفين: إذا تكلمتَ فاذْكُر سَمعَ اللهِ لك، وإذا سكتَّ فاذكر نظره إليك. - وقد وقعتِ الإشارةُ في القرآن العظيم إلى هذا المعنى في مواضع كثيرة: كقوله تعالى:

стр. 37

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. - وسُئِل الجنيد بما يُستعانُ على غضِّ البصر، قال: بعلمك أنَّ نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى ما تنظره. - وقال أبو الجلد: أوحى الله تعالى إلى نبيٍّ من الأنبياء: قُلْ لقومك: ما بالكم تسترون الذنوبَ من خلقي، وتُظهرونها لي، إنْ كنتم ترون أني لا أراكم، فأنتم مشركون بي، وإنْ كنتم تَرَونَ أني أراكم فلم جعلتموني أهونَ الناظرين إليكم؟. - صور من استشعار الحياء من الله: - ألا تستحي من الله أن يراك وأنت تعصيه. - ألا تستحي من الله أن يرى قلبك مشغولا عنه وأنت واقف بين يديه في الصلاة. - ألا تستحي من الله أن تقول قولا وليس في قلبك أي مراقبة لله فيه. - ألا تستحي من الله أن يرى في قلبك بغض وكراهية لإخوانك المسلمين. - ألا تستحي من الله أن يرى في قلبك التصنع والتكلف للمخلوق. - ألا تستحي من الله أن يرى في قلبك تعظيم المخلوقين أكثر من الخالق. - ألا تستحي من الله بأن أنْ تعملَ في السرِّ شيئاً تستحيي منه في العلانية. - ألا تستحي من الله بأن يكون ظاهرك خلاف باطنك. - ألا تستحي من الله عندما يناديك في الثلث الأخير من الليل (هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له ... ) وأنت نائم في فراشك؟. - كيف نكتسب الحياء من الله ؟: - من خلال معرفة اللهِ، ومعرفة عظمته وقربه من عباده، واطلاعه عليهم، وعلمِه بخائنة الأعين وما تُخفي الصدور، فهذا من أعلى خصالِ الإيمان. - وقد يتولَّدُ من الله الحياءُ من مطالعة نِعمه ورؤية التقصير في شكرها. - وكان الإمامُ أحمد يُنشِدُ: إذا ما خَلَوْتَ الدَّهرَ يوماً فلا تَقُلْ .. خَلَوتُ ولكِنْ قُلْ: عَلَيَّ رَقِيبُ

стр. 38

ولا تَحْسَبَنَّ الله يَغْفُلُ سَاعةً .. ولا أنَّ ما يَخْفَى عَلَيْهِ يَغِيبُ - وكان ابنُ السَّماك ينشد: يا مُدمِنَ الذَّنْبِ أما تَستَحِي .. والله في الخَلْوَةِ ثَانِيكَا غَرَّكَ مِنْ رَبِّكَ إمْهَالُهُ .. وستْرُهُ طولَ مَساوِيكَا - أنواع الحياء من الله: - قال ابن القيم: - النوع الأول: حياء الجناية: (وهو حياء من ارتكب معصية)، كحياء آدم ﵇ لما فر هاربا في الجنة قال الله تعالى: أفرارا مني يا آدم قال: لا يا رب بل حياء منك. - النوع الثاني: حياء التقصير: (وهو حياء من لم يعبد الله حق عبادته)،كحياء الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون فإذا كان يوم القيامة قالوا: سبحانك! ما عبدناك حق عبادتك. - النوع الثالث: حياء الإجلال: (وهو حياء ناتج عن إجلال الله الملك العظيم مالك الملك)، وهو حياء المعرفة وعلى حسب معرفة العبد بربه يكون حياؤه منه، كحياء النبي ﷺ وهو يدعوه ويقول: (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أحصيت على نفسك). رواه الامام أحمد. - النوع الرابع: حياء الاستحقار واستصغار النفس: كحياء العبد من ربه حين يسأله حوائجه احتقار الشأن نفسه واستصغارا لها وفي أثر إسرائيلي أن موسى ﵇ قال: يارب إنه لتعرض لى الحاجة من الدنيا فأستحيي أن أسألك هي يا رب فقال الله تعالى: سلني حتى ملح عجينتك وعلف شاتك وقد يكون لهذا النوع سببان أحدهما: استحقار السائل نفسه واستعظام ذنوبه وخطاياه. والثاني: استعظام مسؤوله (أي: الله). - النوع الخامس: حياء المحبة: فهو حياء المحب من محبوبه. - النوع السادس: حياء العبودية: (وهو حياء العبد الذي يسمع ويطيع لمولاه ولا يرفض له أمرا) فهو حياء ممتزج من محبة وخوف ومشاهدة عدم صلاح عبوديته لمعبوده وأن قدره أعلى وأجل منها فعبوديته له توجب استحياءه منه لا محالة.

стр. 39

- النوع السابع: حياء المرء من نفسه: فهو حياء النفوس الشريفة العزيزة الرفيعة من رضاها لنفسها بالنقص وقناعتها بالدون فيجد نفسه مستحيا من نفسه. - النوع الثامن: حياء استشعار نعم الله عليك: ويأتي هذا النوع من استشعارك من أن نعم الله عليك تغمرك غمرا، فلا تعرف كيف تشكره فتستحي منه. الدرس الثالث والعشرون: من كمال الإيمان - عَنْ أنسِ بنِ مالكٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: (لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأَخيهِ ما يُحِبُّ لِنَفسه). رواهُ البُخاريُّ ومُسلِمٌ - وقال عبدُ الله بن رواحة وأبو الدرداء: الإيمانُ كالقميصِ، يَلبَسُه الإنسانُ تارةً، ويخلعه أخرى، وكذا قال الإمام أحمد ﵀ وغيره، والمعنى: أنَّه إذا كمَّل خصالَ الإيمان لبسه، فإذا نقصَ منها شيئاً نزعه، وكلُّ هذا إشارةٌ إلى الإيمان الكامل التَّام الذي لا يَنْقُصُ من واجباته شيء. - قال ابن رجب: والمقصودُ أنَّ مِن جملة خِصال الإيمانِ الواجبةِ أنْ يُحِبَّ المرءُ لأخيه المؤمن ما يحبُّ لنفسه، ويكره له ما يكرهه لنفسه، فإذا زالَ ذلك عنه، فقد نَقَصَ إيمانُهُ بذلك. - من علامة سلامة الصدر: - حديثُ أنس يدلُّ على أنَّ المؤمن يَسُرُّهُ ما يَسرُّ أخاه المؤمن، ويُريد لأخيه المؤمن ما يُريده لنفسه من الخير، وهذا كُلُّه إنَّما يأتي من كمالِ سلامةِ الصدر من الغلِّ والغشِّ والحسدِ، فإنَّ الحسدَ يقتضي أنْ يكره الحاسدُ أنْ يَفوقَه أحدٌ في خير، أو يُساوَيه فيه؛ لأنَّه يُحبُّ أنْ يمتازَ على الناسِ بفضائله، وينفرِدَ بها عنهم، والإيمانُ يقتضي خلافَ ذلك، وهو أنْ يَشْرَكَه المؤمنون كُلُّهم فيما أعطاه الله من الخير من غير أنْ ينقص عليه منه شيء. - أمثلة واقعية من حياة السلف:

стр. 40

- كان عتبةُ الغلامُ إذا أراد أنْ يُفطر يقول لبعض إخوانه المطَّلِعين على أعماله: أَخرِج إليَّ ماءً أو تمراتٍ أُفطر عليها؛ ليكونَ لك مثلُ أجري. - وكان محمَّدُ بنُ واسعٍ يبيع حماراً له، فقال له رجل: أترضاه لي؟ قال: لو رضيته لم أبعه، وهذه إشارةٌ منه إلى أنَّه لا يرضى لأخيه إلاَّ ما يرضى لنفسه. الدرس الرابع والعشرون: التعرف على الله في الرخاء - قال ﷺ : (تعرَّف إلى الله في الرَّخاء، يعرفكَ في الشِّدَّةِ) - قال ابن رجب: يعني: أنَّ العبدَ إذا اتَّقى الله، وحَفِظَ حدودَه، وراعى حقوقه في حال رخائه، فقد تعرَّف بذلك إلى الله، وصار بينه وبينَ ربه معرفةٌ خاصة، فعرفه ربَّه في الشدَّة، ورعى له تَعَرُّفَهُ إليه في الرَّخاء، فنجَّاه من الشدائد بهذه المعرفة، وهذه معرفة خاصة تقتضي قربَ العبدِ من ربِّه، ومحبته له، وإجابته لدعائه. - فمعرفة العبد لربه نوعان: - أحدُهما: المعرفةُ العامة، وهي معرفةُ الإقرار به والتَّصديق والإيمان، وهذه عامةٌ للمؤمنين. - والثاني: معرفة خاصة تقتضي ميلَ القلب إلى الله بالكلية، والانقطاع إليه، والأُنس به، والطمأنينة بذكره، والحياء منه، والهيبة له، وهذه المعرفة الخاصة هي التي يدور حولها العارفون. - كما قال بعضهم: مساكينُ أهلُ الدُّنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيبَ ما فيها، قيل له: وما هو؟ قال: معرفةُ الله . - ومعرفة الله أيضاً لعبده نوعان: - معرفة عامة وهي علمه سبحانه بعباده، واطِّلاعه على ما أسرُّوه وما أعلنوه، كما قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾. - والثاني: معرفة خاصة:

стр. 41

وهي تقتضي محبته لعبده وتقريبَه إليه، وإجابةَ دعائه، وإنجاءه من الشدائد، وهي المشار إليها بقوله ﷺ فيما يحكى عن ربِّه: (ولا يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافِل حتَّى أُحِبَّه، فإذا أحببتُه، كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يُبصرُ به، ويدَه التي يبطِشُ بها، ورجلَه التي يمشي بها، فلئن سألني، لأُعطِيَنَّهُ، ولئن استعاذني لأعيذنَّه)، وفي رواية: (ولئن دعاني لأجيبنّه). - من ثمرات التعرف على الله في الرخاء: - قال ابن رجب: فمن عامل الله بالتقوى والطاعة في حال رخائه، عامله الله باللطف والإعانة في حال شدَّته. - عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: (من سرَّه أنْ يستجيب الله له عندَ الشَّدائد، فليُكثرِ الدُّعاءَ في الرَّخاء) رواه الترمذي. - وقال الضحاك بن قيس: اذكروا الله في الرَّخاء، يذكركُم في الشِّدَّة، وإنَّ يونس ﵇ كان يذكُرُ الله تعالى، فلمَّا وقعَ في بطن الحوت، قال الله : ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، وإنَّ فرعون كان طاغياً ناسياً لذكر الله، فلما أدركه الغرق، قال: آمنت، فقال الله تعالى: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ - وقال رجل لأبي الدرداء: أوصني، فقال: اذكر الله في السرَّاء يذكرك الله في الضَّرَّاء. - أعظم الشدائد: - وأعظمُ الشدائد التي تنْزل بالعبد في الدنيا الموتُ، وما بَعده أشدُّ منه إنْ لم يكن مصيرُ العبد إلى خيرٍ.

стр. 42

- كيف يكون الاستعداد للموت: - فالواجبُ على المؤمن الاستعدادُ للموت وما بعده في حال الصحة بالتقوى والأعمال الصالحة، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾، قال ابن عباس في هذه الآية: يُنجيه من كُلِّ كَربٍ في الدنيا والآخرة. الدرس الخامس والعشرون: إياكم وفضول الكلام - عَنْ أبي هُرَيرةَ ﵁ عن رَسول اللهِ ﷺ قالَ: (مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بالله واليَومِ الآخرِ، فَلْيَقُلْ خَيراً أَوْ لِيَصْمُتْ، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ، فَليُكْرِمْ جَارَهُ، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَومِ الآخرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) متفق عليه. - وأعمال الإيمان تارة تتعلَّق بحقوق الله، كأداءِ الواجبات وترك المحرَّمات، ومِنْ ذلك قولُ الخير، والصمتُ عن غيره. - وتارةً تتعلق بحقوق عبادِه كإكرامِ الضيف، وإكرامِ الجارِ، والكفِّ عن أذاه. - قال ابن مسعود ﵁: إيَّاكم وفضولَ الكلام، حسبُ امرئ ما بلغ حاجته، وعن النَّخعي قال: يَهلِكُ الناسُ في فضول المال والكلام. - مفاسد كثرة الكلام: - إن الإكثارَ من الكلام الذي لا حاجة إليه يوجبُ قساوةَ القلب كما في " الترمذي " من حديث ابن عمر مرفوعاً: (لا تُكثِرُوا الكلامَ بغيرِ ذكر الله، فإنَّ كثرةَ الكلامِ بغيرِ ذكرِ الله يُقسِّي القلب، وإنَّ أبعدَ الناس عن الله القلبُ القاسي). - وقال عمر بن الخطاب ﵁: مَنْ كَثُرَ كلامُه، كَثُرَ سَقَطُهُ، ومَنْ كَثُرَ سَقَطُه، كَثُرَتْ ذُنوبهُ، ومَن كَثُرَتْ ذنوبُه، كانت النارُ أولى به.

стр. 43

- وقال ابن مسعود: والله الذي لا إله إلا هو، ما على الأرض أحقُّ بطول سجنٍ مِنَ اللِّسانِ. - وقال وهب بن منبه: أجمعت الحكماءُ على أنَّ رأسَ الحكمِ الصمتُ. - وكان السَّلفُ كثيراً يمدحُون الصَّمتَ عن الشَّرِّ، وعمَّا لا يعني؛ لِشِدَّته على النفس، ولذلك يقع فيه النَّاسُ كثيراً، فكانوا يُعالجون أنفسهم، ويُجاهدونها على السكوت عما لا يعنيهم. - هل تزن كلماتك ؟: - سبحان الله العظيم!، ما أكثر ما نتحدث ونستفسر ونتطلع ونحرص على الأمور التي لا تنفعنا في دنيانا ولا في آخرتنا، وإنما هي من لغو الكلام، ولو حاسب الإنسان نفسه في آخر اليوم قبل نومه لوجد أن كلامه في ما لا فائدة فيه ولا ثمرة ولا نتيجة أكثر من كلامه في ما فيه فائدة. - أكثر ما يدخل النار: - عن معاذ ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : يا نَبيَّ الله، وإنَّا لمُؤَاخَذُونَ بِما نَتَكَلَّمُ بهِ؟ فقالَ: (ثَكِلتْكَ أُمُّكَ، وهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وُجوهِهِمْ، أو على مَنَاخِرِهم إلاَّ حَصائِدُ أَلسِنَتِهِم). رواهُ الترمذيُّ، وقال: حَديثٌ حَسنٌ صَحيحٌ. - قال ابن رجب: وظاهرُ هذا الحديث يدلُّ على أنَّ أكثر ما يدخل النَّاسُ به النار النُّطقُ بألسنتهم، فإنَّ معصية النُّطق يدخل فيها: ١ - الشِّركُ وهو أعظمُ الذنوب عندَ الله . ٢ - ويدخل فيها القولُ على الله بغير علم، وهو قرينُ الشِّركِ. ٣ - ويدخلُ فيه شهادةُ الزُّور التي عدَلت الإشراك بالله . ٤ - وكذلك السِّحر والقذفُ وغيرُ ذلك مِنَ الكبائر والصَّغائر كالكذب والغيبةِ والنَّميمة. ٥ - وسائرُ المعاصي الفعلية لا يخلو غالباً من قول يقترن بها يكون معيناً عليها. وفي حديث أبي هُريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: (أكثرُ ما يُدخِلُ النَّاسَ النارَ الأجوفان: الفمُ والفرجُ) خرَّجه الإمام أحمد والترمذي.

стр. 44

- صلاح اللسان وأثره على الجوارح: - قال يحيى بن أبي كثير: ما صلح منطقُ رجل إلاَّ عرفت ذلك في سائر عمله، ولا فسد منطقُ رجل قطُّ إلاَّ عرفت ذلك في سائر عمله. - من عواقب فضول الكلام: - قال ابن القيم: وأما فضول الكلام فإنها تفتح للعبد أبوابا من الشر كلها مداخل للشيطان فإمساك فضول الكلام يسد عنه تلك الأبواب كلها وكم من حرب جرتها كلمة واحدة. الدرس السادس والعشرون: حق الخالق وحق المخلوق - قال الله : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾. - قال ابن كثير: يأمر ﵎ بعبادته وحده لا شريك له؛ فإنه هو الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الآنات والحالات، فهو المستحق منهم أن يوحدوه، ولا يشركوا به شيئا من مخلوقاته، كما قال رسول الله ﷺ لمعاذ: "أتَدْرِي ما حَقُّ الله على العباد؟ " قال: الله ورسوله أعلم. قال: "أن يَعْبدُوهُ ولا يُشْرِكُوا به شيئا"، ثم قال: "أتَدْري ما حَقُّ العبادِ عَلَى اللهِ إذا فَعَلُوا ذلك؟ ألا يُعَذِّبَهُم". - قال ابن رجب: فجمع الله تعالى في هذه الآية بين ذكرِ حقِّه على العبد وحقوقِ العباد على العبد أيضاً، وجعل العبادَ الذين أمرَ بالإحسان إليهم خمسة أنواع: - أحدها: من بينَه وبينَ الإنسان قرابةٌ، وخصَّ منهمُ الوالدين بالذِّكر؛ لامتيازهما عن سائر الأقارب بما لا يَشْرَكونهما فيه، فإنَّهما كانا السببَ في وجود الولد ولهما حقُّ التربية والتأديب وغير ذلك. - الثاني: مَنْ هو ضعيفٌ محتاجٌ إلى الإحسان، وهو نوعان: من هو محتاج لضعف بدنه، وهو اليتيم، ومن هو محتاج لِقِلَّةِ ماله، وهو المسكين.

стр. 45

- الثالث: مَنْ له حقُّ القُرب والمخالطة، وجعلهم ثلاثة أنواع: جارٌ ذو قربى، وجار جنب (البعيد عنك في الجوار أو النسب)، وصاحبٌ بالجنب (الرفيق في السفر أو صناعة وقيل الزوجة). - الرابع: من هو واردٌ على الإنسان، غيرُ مقيم عندَه، وهو ابن السبيل يعني: المسافر إذا ورد إلى بلدٍ آخر، وفسَّره بعضُهم بالضَّيف. - الخامس: ملكُ اليمين، وقد وصَّى النَّبيُّ ﷺ بهم كثيراً وأمر بالإحسانِ إليهم، وروي أنَّ آخرَ ما وصَّى به عند موته: (الصلاة وما ملكت أيمانكم)، وأدخل بعضُ السَّلف في هذه الآية: ما يملكُهُ الإنسان من الحيوانات والبهائم. الدرس السابع والعشرون: مفتاح الشر - عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ أنَّ رَجُلاً قالَ للنَّبيِّ ﷺ : أوصِني، قال: (لا تَغْضَبْ) فردَّد مِراراً قال: (لا تَغْضَبْ). رواهُ البُخاريُّ. - قال ابن رجب: فهذا الرجلُ طلب مِن النَّبيِّ ﷺ أنْ يُوصِيهَ وصيةً وجيزةً جامعةً لِخصال الخيرِ، ليحفظها عنه خشيةَ أنْ لا يحفظها؛ لكثرتها، فوصَّاه النَّبيُّ ﷺ أنْ لا يغضب، ثم ردَّد هذه المسألة عليه مراراً، والنَّبيُّ ﷺ يردِّدُ عليه هذا الجوابَ، فهذا يدلُّ على أنَّ الغضب جِماعُ الشرِّ، وأنَّ التحرُّز منه جماعُ الخير. - ولأنَّ الغضبان يصدر منه في حال غضبه من القول ما يندم عليهِ في حال زوال غضبه كثيراً من السِّباب وغيره مما يعظم ضَرَرُهُ، فإذا سكت زال هذا الشرّ كله عنه. - من هو الشجاع ؟: - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: (ليس الشديد بالصُّرَعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) متفق عليه. - قال ابن القيم: أي مالك نفسه أولى أن يسمى شديدا من الذي يصرع الرجال.

стр. 46

- وقال شيخ الإسلام " ولهذا كان القوي الشديد هو الذي يملك نفسه عند الغضب حتى يفعل ما يصلح دون ما لا يصلح فأما المغلوب حين غضبه فليس هو بشجاع ولا شديد. - متى نغضب ؟: وهذه كانت حالَ النَّبيِّ ﷺ ، فإنَّه كان لا ينتقِمُ لنفسه، ولكن إذا انتهكت حرماتُ الله لم يَقُمْ لِغضبه شيء ولم يضرب بيده خادماً ولا امرأة إلا أنْ يجاهِدَ في سبيل الله. - علاج الغضب: - الاستعاذة بالله من الشيطان، قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ - وعن سليمان ابن صُردٍ ﵁ قال: (استَبَّ رجلان عند النبي ﷺ ونحن عنده جلوس وأحدهما يسبّ صاحبه مغضبًا قد احمر وجهه، فقال النبي ﷺ : إني لأعلمُ كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد. لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) متفق عليه. - الوضوء: عن عطية السعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خُلِقَ من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ) رواه أبو داود. - تغيير الحالة التي عليها الغضبان، بالجلوس، أو الخروج، أو غير ذلك. - عن أبي ذر ﵁ قال: إن رسول اللهّ ﷺ قال لنا: (إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلّا فليضطجع) رواه أبو داود. - استحضار ما ورد في فضل كظم الغيظ من الثواب، وما ورد في عاقبة الغضب من الخذلان العاجل والآجل. - عن معاذ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من كظم غيظًا وهو قادرٌ على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره الله من الحور ما شاء) رواه أبو داود.

стр. 47

- صور من حياة السلف عند الغضب: - سب رجل ابن عباس ﵄ فلما فرغ قال: يا عكرمة هل للرجل حاجة فنقضيها؟ فنكس الرجل رأسه واستحى. - وأسمع رجل أبا الدرداء ﵁-كلاما , فقال: يا هذا لا تغرقن في سبنا ودع للصلح موضعا فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه. الدرس الثامن والعشرون: ثمرات مجالس الذكر - عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: (إنَّ لأهلِ ذكرِ الله تعالى أربعاً: تنزلُ عليهمُ السَّكينةُ، وتغشاهمُ الرَّحمةُ، وتحفُّ بهم الملائكةُ، ويذكرُهُم الرَّبُّ فيمن عنده). رواه مسلم. - قال ابن رجب: وهذه الخصال الأربعُ لكلِّ مجتمعين على ذكر الله: - أحدها: تَنْزل السكينة عليهم، وفي الصحيحين عن البراء بن عازب، قال: كان رجلٌ يقرأ سورةَ الكهف وعنده فرسٌ، فتغشَّته سحابةٌ، فجعلت تدورُ وتدنُو، وجعل فرسه يَنفِرُ منها، فلمَّا أصبح، أتى النَّبيَّ ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال: (تلك السَّكينة تنَزَّلت للقرآن). - والثاني: غِشيانُ الرَّحمة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ - والثالث: أنَّ الملائكة تحفُّ بهم. - الرابع: أنَّ الله يذكرُهم فيمن عنده، وفي الصحيحين عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: (يقولُ الله : أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه حين يذكرُني، فإنْ ذكرني في نفسِه، ذكرتُه في نفسي، وإنْ ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خيرٍ منهم). - وذكر الله لعبده: هو ثناؤه عليه في الملأ الأعلى بين ملائكته ومباهاتهم به وتنويهه بذكره. - قال الربيعُ: إنَّ الله ذاكرٌ مَنْ ذكرهُ، وزائدٌ مَنْ شكره، ومعذِّبٌ من كفره. - وصلاةُ الله على عبده: هي ثناؤه عليه بين ملائكته، وتنويههُ بذكره.

стр. 48

- قال رجلٌ لأبي أمامة: رأيتُ في المنام كأنَّ الملائكة تُصلِّي عليك، كلَّما دخلتَ، وكلما خرجتَ، وكلَّما قمتَ، وكلَّما جلستَ، فقال أبو أمامة: وأنتم لو شئتم، صلَّت عليكمُ الملائكةُ، ثم قرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾. الدرس التاسع والعشرون: كيف تكون من المحسنين - قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسنينَ﴾، وقال: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾. - عَنْ أَبي يَعْلَى شَدَّاد بنِ أوسٍ، عَنْ رسولِ الله ﷺ قال: (إنَّ الله كَتَبَ الإحسانَ على كُلِّ شيءٍ، فإذَا قَتَلْتُم فَأَحْسِنُوا القِتْلَة، وإذا ذَبَحْتُم فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وليُحِدَّ أحدُكُمْ شَفْرَتَهُ، ولْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ). رواهُ مُسلم. - قال ابن رجب: وهذا الأمرُ بالإحسان: - تارةً يكونُ للوجوب كالإحسان إلى الوالدين والأرحام بمقدار ما يحصل به البرُّ والصِّلَةُ والإحسانُ إلى الضيف بقدر ما يحصل به قِراه. - وتارةً يكونُ للندب كصدقةِ التطوعِ ونحوها. - وهذا الحديثُ يدلُّ على وجوب الإحسانِ في كل شيء من الأعمال، لكن إحسانُ كُلِّ شيء بحسبه. - فالإحسان في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنةِ: الإتيانُ بها على وجه كمال واجباتها، فهذا القدرُ من الإحسان فيها واجب. - وأمَّا الإحسانُ فيها بإكمالِ مستحباتها فليس بواجب. - والإحسان في ترك المحرَّمات: الانتهاءُ عنها، وتركُ ظاهرها وباطنها. كما قال تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾، فهذا القدرُ من الإحسان فيها واجب. - وأما الإحسان في الصبر على المقدورات، فأنْ يأتي بالصبر عليها على وجهه من غير تَسَخُّطٍ ولا جَزَع. - والإحسان الواجبُ في معاملة الخلق ومعاشرتهم: القيامُ بما أوجب الله من حقوق ذلك كلِّه.

стр. 49

- والإحسان الواجب في ولاية الخلق وسياستهم، القيام بواجبات الولاية كُلِّها، والقدرُ الزائد على الواجب في ذلك كلِّه إحسانٌ ليس بواجب. - والإحسان في قتل ما يجوزُ قتله من الناس والدواب: إزهاقُ نفسه على أسرعِ الوجوه وأسهلِها وأَوجاها من غير زيادةٍ في التعذيب، فإنَّه إيلامٌ لا حاجة إليه. الدرس الثلاثون: كيف تكون من المتقين - قال تعالى: ﴿اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. - قال ابن مسعود ﵁ في هذه الآية: أنْ يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا ينسى، وأن يُشكر فلا يُكفر. - قال ابن رجب: وشكرُه يدخلُ فيه جميعُ فعل الطاعات. - ومعنى ذكره فلا ينسى: ذكر العبد بقلبه لأوامر الله في حركاته وسكناته وكلماته فيمتثلها، ولنواهيه في ذلك كله فيجتنبها. - قال النبي ﷺ : (اتَّق الله حيثما كُنت) مراده في السرِّ والعلانية حيث يراه الناسُ وحيث لا يرونه. - قال الحسن: المتقون اتَّقَوا ما حُرِّم عليهم، وأدَّوا ما افْتُرِض عليهم. - وقال طلقُ بنُ حبيب: التقوى أنْ تعملَ بطاعةِ الله، على نورٍ من الله، ترجو ثوابَ الله، وأنْ تتركَ معصيةَ الله على نورٍ من الله تخافُ عقابَ الله. - وقال موسى بنُ أَعْيَن: المتقون تنزَّهوا عن أشياء من الحلال مخافة أنْ يقعوا في الحرام، فسماهم الله متقين. - وقال ميمونُ بنُ مِهران: المُتَّقي أشدُّ محاسبةً لنفسه من الشريكِ الشحيحِ لِشريكه. - قال ابن رجب: وفي الجملة، فالتقوى: هي وصيةُ الله لجميع خلقه، ووصيةُ رسول الله ﷺ لأمته، وكان ﷺ إذا بَعَثَ أميراً على سَرِيَّةٍ أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيراً.

стр. 50

- أكرم الخلق عند الله تعالى: - إنَّ كرم الخَلْق عند الله بالتَّقوى، فربَّ من يحقِرُه الناس لضعفه، وقلَّةِ حظِّه من الدُّنيا، وهو أعظمُ قدراً عند الله تعالى ممَّن له قدرٌ في الدُّنيا، فإنَّ الناسَ إنّما يتفاوتُون بحسب التَّقوى، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾. - وكما قال ﷺ : (إنَّ الله لا ينظرُ إلى صُورِكُم وأموالِكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبكم وأعمالكم) وحينئذ، فقد يكونُ كثيرٌ ممَّن له صورةٌ حسنةٌ، أو مالٌ، أو جاهٌ، أو رياسةٌ في الدنيا، قلبه خراباً من التقوى، ويكون من ليس له شيء من ذلك قلبُه مملوءاً مِنَ التَّقوى، فيكون أكرمَ عند الله تعالى. - حقيقة التقوى: - قال تعالى: (ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه). - قال الحسن: ما عُبِّدَ العابدون بشيءٍ أفضلَ من ترك ما نهاهم الله عنه. - قال ميمون بن مِهران: ذكرُ اللهِ باللسان حسن، وأفضلُ منه أنْ يذكر الله العبدُ عندَ المعصية فيمسِكَ عنها. - قال عمر بن عبد العزيز: ليست التقوى قيامَ الليل، وصِيام النهار، والتخليطَ فيما بَيْنَ ذلك، ولكن التقوى أداءُ ما افترض الله، وترك ما حرَّم الله، فإنْ كان مع ذلك عملٌ، فهو خير إلى خير، أو كما قال. - قال ابن رجب: وحاصل كلامهم يدلُّ على أنَّ اجتناب المحرمات - وإنْ قلَّتْ - فهي أفضلُ من الإكثار من نوافل الطاعات فإنَّ ذلك فرضٌ، وهذا نفلٌ. الدرس الواحد والثلاثون: واتبع السيئة الحسنة تمحها - قال الله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. - قال ﷺ : (وأتْبِع السَّيِّئة الحَسنَة تَمحُها) فأمره أنْ يفعل ما يمحو به هذه السيئة وهو أنْ يتبعها بالحسنة.

стр. 51

- وفي الصحيحين عن ابنِ مسعود: أنَّ رجلاً أصاب من امرأة قُبلَةً، ثم أتى النَّبيَّ ﷺ ، فذكر ذلك له، فسكت النَّبيُّ ﷺ حتى نزلت هذه الآية، فدعاه فقرأها عليه، فقال رجل: هذا له خاصة؟ قال: (بل للناس عامة). - اجعل اسلوبك في الحياة وطريقك ومنهجك وديدنك أنك كلما وقعت في ذنب أو خطيئة تفعل بعدها أنواعا من الطاعات والعبادات التي تمحو هذه السيئات ولا تجعل الشيطان يحرمك من هذه الطاعات بسبب وقوعوك بتلك المعصية بحجة أن هذا نوع من النفاق. - فمثلا: (تقرأ القرآن، تستغفر الله، تتصدق بما تيسر، تصلي ركعتين .... ). - من حيل الشيطان: - وقيل للحسن: ألا يستحيي أحدُنا من ربه يستغفِرُ من ذنوبه، ثم يعود، ثم يستغفر، ثم يعود، فقال: ودَّ الشيطانُ لو ظَفِرَ منكم بهذه، فلا تملُّوا من الاستغفار. - الهلاك كل الهلاك !: - قال عمر بن عبد العزيز في خطبة له: قال: أيُّها الناسُ مَنْ ألمَّ بذنبٍ فليستغفرِ الله وليتب، فإنْ عاد فليستغفر الله وليتب، فإنْ عادَ فليستغفر الله وليتب، فإنَّما هي خطايا مطوَّقة في أعناقِ الرجال، وإنَّ الهلاك كُلَّ الهلاك في الإصرار عليها. - وقد أخبر الله في كتابه أنَّ من تاب من ذنبه، فإنَّه يُغفر له ذنبه أو يتاب عليه في مواضع كثيرةٍ، كقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. - من مكفرات الذنوب: - عن أبي بكر الصدِّيق ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: (مَا مِنْ رَجُلٍ يُذنِبُ ذنباً، ثمَّ يقومُ فيتطهَّر، ثمَّ يُصلِّي، ثمَّ يستغفر الله إلاَّ غَفَرَ الله له) ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾.

стр. 52

- وفي الصحيحين عن عثمانَ: أنَّه توضأ، ثم قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا ثم قال: (مَنْ توضَّأ نحو وضوئي هذا ثم صلَّى ركعتين لا يُحدِّثُ فيهما نفسَه، غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبه). - وفي الصحيحين عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: (من قال: سبحان اللهِ وبحمده في يومه مائة مرة، حُطَّتْ خطاياه وإنْ كانت مِثلَ زَبَدِ البَحرِ). - وفيهما عنه، عن النَّبيِّ ﷺ قال: (مَنْ قالَ: لا إله إلا الله وحده لا شَريكَ له، له الملكُ، وله الحمدُ يُحيي ويُميت وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ في يوم مائة مرَّة، كانت له عِدْل عشرِ رقابٍ، وكتبت له مائةُ حسنةٍ، ومُحيت عنه مائةُ سيئة، وكانت له حِرزاً من الشيطان يومَه ذلك حتى يُمسيَ، ولم يأتِ أحدٌ بأفضَلَ مما جاء به إلا أحدٌ عمل أفضلَ مِنْ ذلك). - وسُئل الحسن عن رجل لا يتحاشى عن معصية إلا أنَّ لسانه لا يفتر من ذكر الله، قال: إنَّ ذلك لَعَوْنٌ حَسَنٌ. - وقال عطاء: من جلس مجلساً من مجالس الذِّكر، كَفَّر به عشرة مجالس من مجالس الباطل. قال أحدهم: وكأنه استنبطها من أن الحسنة تمحو عشر سيئات - قال ﷺ : (ألا أدُلُّكُم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفعُ به الدرجات: إسباغُ الوضوء على المكاره، وكثرَةُ الخُطا إلى المساجد، وانتظارُ الصَّلاة بعد الصلاة) فأثبت لهذه الأعمال تكفيرَ الخطايا ورَفْعَ الدَّرجات. - وقد رُوي عن جماعةٍ من الصحابة: أنَّ الناس يحترقون بالنهار بالذنوب، وكلَّما قاموا إلى صلاةٍ من الصَّلوات المكتوبات أطفؤوا ذنوبهم.

стр. 53

الدرس الثاني والثلاثون: متى يستجاب الدعاء - قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. - أمور يجب أن تراعيها في دعائك: ١ - الدعاءُ مع الرجاء، فإنَّ الدعاء مأمورٌ به، وموعودٌ عليه بالإجابة. - وفي " السنن الأربعة " عن النعمان بن بشير، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: (إنَّ الدُّعاء هو العبادة) ثم تلا: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. ٢ - حضور القلب، ورجاءُ الإجابة من الله تعالى، كما خرَّجه الترمذي من حديث أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإنَّ الله لا يَقبلُ دُعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ). ٣ - عدم الاستعجال، ولا تترك الدعاء لاستبطاء الإجابة، وجُعل ذلك من موانع الإجابة حتّى لا يقطع العبدُ رجاءه من إجابة دُعائه ولو طالت المدة، فإنَّه سبحانه يُحبُّ المُلحِّين في الدعاء - إجابة الدعاء مضمونة: - ومن رحمة الله تعالى بعبده أنَّ العبدَ يدعوه بحاجةٍ من الدنيا، فيصرفها عنه، ويعوِّضه خيراً منها، إما أنْ يَصرِفَ عنه بذلك سوءاً، أو أنْ يدَّخِرَها له في الآخرة، أو يَغفِر له بها ذنباً، كما في حديث جابر، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: (ما مِنْ أَحَدٍ يَدعُو بدُعاءٍ إلا آتاه الله ما سألَ أو كَفَّ عنه من السُّوء مثلَه ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم). - عن أنسٍ ﵁: (لا تَعجزوا عن الدُّعاء، فإنَّه لن يَهلِكَ مع الدُّعاء أَحدٌ). - حكمة: - مَنْ أَدمن قرعَ الباب، يُوشك أنْ يُفتح له، فإن العبدُ يُلحُّ في الدُّعاء، ويَطمعُ في الإجابة من غير قطع الرّجاء، فهو قريبٌ من الإجابة،. - (ما كان الله لِيفتَحَ على عبدٍ بابَ الدُّعاء، ويُغلقَ عنه بابَ الإجابة).

стр. 54

الدرس الثالث والثلاثون: كيف نحقق لا إله إلا الله - قال رسول الله ﷺ : من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله. رواه مسلم. - قال ابن رجب: فإنَّ تحقق القلب بمعنى (لا إله إلا الله) وصدقه فيها، وإخلاصه بها يقتضي أنْ يرسخَ فيه تألُّهُ الله وحده، إجلالاً، وهيبةً، ومخافةً، ومحبَّةً، ورجاءً، وتعظيماً، وتوكُّلاً، ويمتلئَ بذلك، وينتفيَ عنه تألُّه ما سواه من المخلوقين. - ومتى كان كذلك، لم يبقَ فيه محبَّةٌ، ولا إرادةٌ، ولا طلبٌ لغير ما يُريدُهُ الله ويحبُّه ويطلبه وينتفي بذلك مِنَ القلب جميعُ أهواءِ النُّفوس وإراداتها، ووسواس الشيطان. - فمن أحب شيئاً وأطاعه، وأحبَّ عليه وأبغض عليه، فهو إلههُ، فمن كان لا يحبُّ ولا يبغضُ إلا لله، ولا يُوالي ولا يُعادي إلا له، فالله إلههُ حقاً، ومن أحبَّ لهواه، وأبغض له، ووالى عليه، وعادى عليه، فإلهه هواه، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾. - وقال قتادة: هوَ الذي كلما هَوِيَ شيئاً ركبه، وكلما اشتهى شيئاً أتاه، لا يَحجزُه عن ذلك ورعٌ ولا تقوى. - وقيل للحسن: إنَّ ناساً يقولون: من قال: لا إله إلا الله، دخل الجنَّة، فقال: من قال: لا إله إلا الله، فأدَّى حقَّها وفرضها، دخلَ الجنَّةَ. - قال طائفةٌ من العلماء: إنَّ كلمة التوحيد سببٌ مقتضٍ لدخول الجنَّة وللنجاة مِنَ النَّارِ، لكن له شروطٌ، وهي الإتيانُ بالفرائضِ، وموانعُ وهي إتيانُ الكبائر. - فتبيَّن بهذا معنى قوله ﷺ : (من شهد أنْ لا إله إلا الله صادقاً من قلبه حرَّمه الله على النار)، وأنَّ من دخل النارَ من أهل هذه الكلمة، فَلِقِلَّةِ صدقه في قولها. - أثر الصدق في كلمة التوحيد: - قال ابن رجب: فإنَّ هذه الكلمة إذا صدقت، طهَّرت من القلب كلَّ ما سوى الله، فمن صدق في قوله: لا إله إلا الله، لم يُحبَّ سواه، ولم يَرْجُ إلاَّ إيَّاه، ولم يخشَ أحداً إلاَّ الله، ولم يتوكَّل إلاَّ على الله، ولم تبقَ له بقيَّةٌ من آثار نفسه وهواه. - ومتى بقي في القلب أثرٌ لسوى الله، فمن قلَّة الصدق في قولها.

стр. 55

الدرس الرابع والثلاثون: أنوار الصلاة - قال النبي ﷺ : (والصلاةُ نورٌ). - قال ابن رجب: فالصَّلاةُ نورٌ مطلق: ١ - فهي للمؤمنين في الدُّنيا نورٌ في قلوبهم وبصائرهم، تُشرِق بها قلوبُهم، وتستنير بصائرُهم ولهذا كانت قرَّة عين المتقين، كما كان النَّبيُّ ﷺ يقول: (جعلت قُرَّةُ عيني في الصلاة) خرّجه أحمد والنَّسائي. ٢ - وهي نورٌ للمؤمنين في قبورهم، ولاسيَّما صلاة الليل، كما قال أبو الدرداء: (صلُّوا ركعتين في ظُلَم اللَّيلِ لِظلمة القبور) ٣ - وهي في الآخرة نورٌ للمؤمنين في ظلمات القيامة، وعلى الصراط، فإنَّ الأنوارَ تُقسم لهم على حسب أعمالهم. وفي " المسند " و" صحيح ابن حبان " عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّه ذكر الصلاة، فقال: (من حافظ عليها كانت له نوراً وبُرهاناً ونجاةً يَوْمَ القيامة، ومَنْ لم يُحافِظْ عليها لم يكن له نور ولا نجاة ولا بُرهانٌ). - ثمرة العبادات: - قال ابن رجب: وأما الأعمال البدنية، فإنَّ لها في الدُّنيا مقصدين: - أحدهما: اشتغالُ الجوارح بالطَّاعة، وكدُّها بالعبادة. - والثاني: اتِّصالُ القلوب بالله وتنويرُها بذكره يُرادُ به تفريغُ القلب منَ الاشتغال بالدنيا؛ ليتفرَّغ لِطلب الله، ومعرفته، والقرب منه، والأُنس به، والشَّوقِ إلى لقائه. - قال جابر بن عبد الله ﵄: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه في النهار. - قال العلامة ابن القيم: لما كانت الصلاة مركز الإيمان وأصل الإسلام ورأس العبودية ومحل المناجاة والقربة إلى الله وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو مصل وأقرب ما يكون منه في صلاته وهو ساجد كانت الصلاة نور المسلم

стр. 56

الدرس الخامس والثلاثون: لا تكن أسيرا لنفسك - قال الله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. - قال ابن رجب: والمعنى: قد أفلح من زكى نفسَه بطاعة الله، وخابَ من دسَّاها بالمعاصي، فالطاعةُ تُزكي النفس وتُطهرها، فترتفع، والمعاصي تُدسِّي النفس، وتقمعها، فتنخفض، وتصيرُ كالذي يُدسُّ في التراب. - قال النبي ﷺ : (كلُّ النَّاس يغدو، فبائعٌ نفسه فمعتِقُها أو موبقها). - قال ابن رجب: ودلَّ الحديثُ على أن كلَّ إنسان فهو ساعٍ في هلاك نفسه، أو في فِكاكِها، فمن سعى في طاعة الله، فقد باع نفسَه للهِ، وأعتقها من عذابه، ومن سعى في معصيةِ الله، فقد باعَ نفسَه بالهوان، وأوبقها بالآثام الموجبة لغضب الله وعقابه. - خطوات لفك أسر النفس: - ومن السلف من كان يجتهد في الأعمال الصالحة ويقول: إنَّما أنا أسيرٌ أسعى في فكاك رقبتي. - وكان بعضُهم يسبِّحُ كلَّ يوم اثني عشر ألفَ تسبيحة بقدر دِيَتِه، كأنَّه قد قتل نفسه، فهو يَفْتَكُّها بديتها. - قال الحسن: المؤمن في الدنيا كالأسير، يسعى في فكاك رقبته، لا يأمنُ شيئاً حتّى يلقى الله . - كيف تبيع نفسك لله ؟: - قال بعضهم: من سعى في طاعة الله فقد باع نفسه لله، وأعتقها من عذابه، ومن سعى في معصية الله فقد باع نفسه بالهوان وأوبقها بالآثام الموجبة لغضب الله وعقابه. - وقال: ابنَ آدم، إنَّك تغدو أو تروحُ في طلب الأرباح، فليكن همُّك نفسك، فإنَّك لن تربح مثلها أبداً. - قال أبو بكر بن عيّاش: قال لي رجل مرَّة وأنا شابٌّ: خلِّص رقبتَك ما استطعتَ في الدنيا من رقِّ الآخرة، فإنَّ أسيرَ الآخرةِ غيرُ مفكوكٍ أبداً، قال: فوالله ما نسيتُها بعد. - وكان بعضُ السَّلف يبكي، ويقول: ليس لي نفسان، إنَّما لي نفسٌ واحدةٌ، إذا ذهبت لم أجد أخرى. - وقال محمد بن الحنفية: إنَّ الله جعل الجنَّة ثمناً لأنفسكم، فلا تبيعُوها بغيرها. - وقال: من كرمت نفسه عليه لم يكن للدنيا عنده قدر.

стр. 57

- وقيل له: من أعظمُ الناس قدراً؟ قالَ: من لم يرَ الدُّنيا كُلَّها لنفسه خطراً. - حقيقة الأسر والحرية: - قال شيخ الإسلام: وأما إذا كان القلب الذي هو ملك الجسم رقيقا مستعبدا متيما لغير الله فهذا هو الذل والأسر المحض والعبودية الذليلة لما استعبد القلب. - وقال ﵀: الحرية حرية القلب والعبودية عبودية القلب كما أن الغنى غنى النفس، قال النبي ﷺ : ﴿ليس الغنى عن كثرة العرض , وإنما الغنى غنى النفس. الدرس السادس والثلاثون: احذروا الظلم قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ - فسَّر كثيرٌ من العلماء الظلمَ: بأنَّه وضعُ الأشياء في غير موضعها. - عَنْ أبي ذَرٍّ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ فيما يَروي عَنْ ربِّه أنَّه قالَ: (يا عِبادي إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلمَ على نَفسي، وجَعَلْتُهُ بَينَكُم مُحَرَّماً فلا تَظالموا). - قال ابن رجب: يعني: أنَّه تعالى حَرَّم الظلم على عباده، ونهاهم أنْ يتظالموا فيما بينهم، فحرامٌ على كلِّ عبدٍ أنْ يظلِمَ غيره، مع أنَّ الظُّلم في نفسه محرَّم مطلقاً، وهو نوعان: - أحدهما: ظلمُ النفسِ، وأعظمه الشِّرْكُ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، فإنَّ المشركَ جعل المخلوقَ في منزلةِ الخالق، فعبده وتألَّهه، فوضع الأشياءَ في غيرِ موضعها، وأكثر ما ذُكِرَ في القرآن مِنْ وعيد الظالمين إنَّما أُريد به المشركون، كما قال الله : ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. - ثمَّ يليه المعاصي على اختلاف أجناسها من كبائرَ وصغائرَ. - والثاني: ظلمُ العبدِ لغيره، وهو المذكورُ في هذا الحديث، وقد قال النَّبيُّ ﷺ في خطبته في حجة الوداع: (إنَّ دماءكم وأموالَكُم وأعراضَكُم عليكُم حرامٌ، كحرمةِ يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا).

стр. 58

- قال ﷺ : (الظلمُ ظُلُماتٌ يوم القيامة) متفق عليه. - وفيهما عن أبي موسى، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: (إنَّ اللهَ لَيُملي للظَّالم حتَّى إذا أخَذَه لم يُفْلِته)، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. - قال النَّبيِّ ﷺ : (من كانت عنده مظلمة لأخيه، فليتحلَّلْهُ منها، فإنَّه ليسَ ثَمَّ دينارٌ ولا درهمٌ مِنْ قبل أنْ يُؤخَذ لأخيه من حسناته، فإنْ لم يكن له حسناتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئات أخيه فطُرِحت عليه). رواه البخاري. الدرس السابع والثلاثون: واسألوا الله من فضله - قال ﷺ -فيما يروي عن ربه-: ( ... يا عِبادي كُلُّكُم ضَالٌّ إلاَّ مَنْ هَديتُهُ فاستهدُوني أهدِكُم، يا عبادي كُلُّكُم جَائِعٌ إلاَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فاستطعموني أُطعِمْكُم، يا عِبادي كُلُّكُم عَارٍ إلاَّ مَنْ كَسوتُهُ، فاستَكْسونِي أكسكُمْ، يا عِبادي إنَّكُم تُخْطِئونَ باللَّيلِ والنَّهار، وأنَا أَغْفِرُ الذُّنوبَ جَميعاً، فاستَغفِروني أغفر لكُمْ ........ يا عِبادي لَوْ أنَّ أَوَّلَكُم وآخِرَكُم وإنْسَكُمْ وجنَّكم قاموا في صَعيدٍ واحدٍ فسألوني فأعطيت كل إنسانٍ مسألته، ما نَقَصَ ذلك مِمَّا عِندي إلاَّ كَما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذا أُدْخِلَ البَحرَ). رواه مسلم. - قال ابن رجب: هذا يقتضي أنَّ جميعَ الخلق مُفتقرون إلى الله تعالى في جلب مصالحهم، ودفع مضارِّهم في أمور دينهم ودُنياهم، وإنَّ العباد لا يملِكُون لأنفسهم شيئاً مِنْ ذلك كلِّه. - وإنَّ مَنْ لم يتفضَّل اللهُ عليه بالهدى والرزق، فإنَّه يُحرمهما في الدنيا، ومن لم يتفضَّل اللهُ عليه بمغفرة ذنوبه، أوْبَقَتْهُ خطاياه في الآخرة.

стр. 59

- وفي الحديث دليلٌ على أنَّ اللهَ يحبُّ أنْ يسأله العبادُ جميعَ مصالح دينهم ودنياهم، مِنَ الطَّعام والشراب والكسوة وغير ذلك، كما يسألونه الهداية والمغفرة. - وفي الحديث: (ليسأل أحدُكم ربَّه حاجته كلَّها حتى يسأله شِسعَ نعله إذا انقطع). - وكان بعضُ السَّلف يسأل الله في صلاته كلَّ حوائجه حتّى ملحَ عجينه وعلفَ شاته. - وفي الإسرائيليات: أنَّ موسى ﵇ قال: يا ربِّ إنَّه لتَعْرِضُ لي الحاجةُ من الدنيا، فأستحيي أنْ أسألك، قال: سلني حتى ملح عجينك وعلف حمارك. - الله متفرد بكل شيء: - فإنَّ من تفرَّد بخلق العبد وبهدايته وبرزقه وإحيائه وإماتته في الدنيا، وبمغفرة ذنوبه في الآخرة، مستحقٌّ أنْ يُفرَدَ بالإلهية والعبادة والسؤال والتضرُّع إليه، والاستكانة له. - لماذا نسأل الله الهداية ؟ - وأما سؤالُ المؤمن من الله الهداية، فإنَّ الهدايةَ نوعان: ١ - هداية مجملة: وهي الهدايةُ للإسلام والإيمان وهي حاصلة للمؤمن. ٢ - وهدايةٌ مفصلة: وهي هدايته إلى معرفة تفاصيلِ أجزاء الإيمان والإسلام، وإعانتُه على فعل ذلك. - قال ابن رجب: وهذا يحتاج إليه كلُّ مؤمن ليلاً ونهاراً، ولهذا أمر الله عباده أنْ يقرؤوا في كُلِّ ركعةٍ من صلاتهم قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، وكان النَّبيُّ ﷺ يقول في دعائه بالليلِ: (اهدني لما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنك، إنَّكَ تَهدي من تشاءُ إلى صراط مستقيم). - وقد أمر النَّبيُّ ﷺ علياً أنْ يسأل الله السداد والهدى، وعلَّم الحسن أنْ يقولَ في قُنوتِ الوتر: (اللهم اهدني فيمن هديت). - الباب المفتوح: - قال طاووس لعطاء: إياك أنْ تطلب حوائجك إلى من أغلق دونك بابه ويجعل دونها حجابه، وعليك بمن بابه مفتوح إلى يوم القيامة، أمرك أنْ تسأله، ووعدك أنْ يُجيبك.

стр. 60

- لماذا نسأل الله المغفرة ؟ - وأما الاستغفارُ من الذنوب، فهو طلبُ المغفرة، والعبدُ أحوجُ شيءٍ إليه؛ لأنَّه يخطئ بالليل والنهار. - وقد تكرَّر في القرآن ذكرُ التوبة والاستغفارِ، والأمرُ بهما، والحثُّ عليهما، وخرَّج الترمذي، وابنُ ماجه من حديث أنسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: (كلُّ بني آدم خطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائين التَّوابون). - عن الأغرِّ المزني سمع النَّبيَّ ﷺ يقولُ: (يا أيُّها الناسُ توبوا إلى ربِّكم، فإنِّي أتوبُ إليه في اليوم مائة مرَّة) رواه مسلم. - خزائن الله ملأى: - قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ﴾، فإنَّ البحرَ إذا غُمِسَ فيه إبرةٌ، ثم أُخرجتْ، لم ينقص من البحر بذلك شيءٌ، وكذلك لو فرض أنَّه شرب منه عصفورٌ مثلاً، فإنَّه لا ينقص البحر البتة. - فهو سبحانه إذا أراد شيئاً من عطاءٍ أو عذابٍ أو غير ذلك، قال له: كن، فكان، فكيف يتصوَّرُ أنْ يَنقُصَ هذا؟ وكذلك إذا أراد أنْ يخلُق شيئاً، قال له: كن، فيكون. - وفي بعض الآثار الإسرائيلية: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: يا موسى لا تخافنَّ غيري ما دام ليَ السُّلطان، وسلطاني دائمٌ لا ينقطعُ، يا موسى، لا تهتمَّنَّ برزقي أبداً ما دامت خزائني مملوءةً، وخزائني مملوءةٌ لا تفنَى أبداً، يا موسى لا تأنس بغيري ما وجدتَني أنيساً لك، ومتى طلبتني وجدتني، يا موسى، لا تأمن مكري ما لم تَجُزِ الصِّراطَ إلى الجنة. - قال أبو سعيدٍ الخدريُّ: إذا دعوتُم الله، فارفعوا في المسألة، فإنَّ ما عنده لا يَنْفَدُه شيء، وإذا دعوتم فاعزموا، فإنَّ الله لا مستكره له.

стр. 61

الدرس الثامن والثلاثون: من وجد خيرا فليحمد الله - قال ﷺ -فيما يروي عن ربه-: ( .... فمن وجد خيراً، فليحمَدِ الله، ومن وجدَ غير ذلك، فلا يلومنَّ إلا نفسه) رواه مسلم. - قال ابن رجب: فيه إشارةٌ إلى أنَّ الخيرَ كلَّه من الله فضلٌ منه على عبدِه، من غير استحقاقٍ له، والشرُّ كلُّه من عند ابنِ آدم من اتَّباع هوى نفسه، كما قال : ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾. - نصائح ثمينة: - قال عليٌّ ﵁: لا يرجونَّ عبدٌ إلا ربه، ولا يخافنَّ إلا ذنبه، فالله سبحانه إذا أراد توفيقَ عبد وهدايته أعانه، ووفَّقه لطاعته، فكان ذلك فضلاً منه، وإذا أراد خِذلانَ عبدٍ، وكلَهُ إلى نفسه، وخلَّى بينَه وبينَها، فأغواهُ الشيطانُ لغفلته عن ذكرِ الله، واتَّبع هواه، وكان أمره فُرُطاً، وكان ذلك عدلاً منه، فإنَّ الحجَّةَ قائمةٌ على العبدِ بإنزالِ الكتاب، وإرسال الرسول، فما بقي لأحدٍ مِنَ النَّاس على الله حجةٌ بعد الرُّسُلِ. - فالمؤمن إذا أصابه في الدُّنيا بلاءٌ، رجع على نفسه باللوم، ودعاه ذلك إلى الرجوع إلى الله بالتوبة والاستغفار. - وقد أخبر الله تعالى عن أهل الجنَّة أنَّهم يحمَدُون الله على ما رزقهم من فضله، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾. - وقيل لمسروق: لو قصرتَ عن بعض ما تصنع من الاجتهاد، فقال: والله لو أتاني آتٍ، فأخبرني أنْ لا يعذبني، لاجتهدت في العبادة، قيل: كيف ذاك؟ قال: حتى تَعْذِرني نفسي إنْ دخلت النار أنْ لا ألومها. - أما بلغك في قول الله تعالى: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ إنَّما لاموا أنفسهم حين صاروا إلى جهنَّمَ، فاعتنقتهم الزَّبانيةُ، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، وانقطعت عنهم الأماني، ورفعت عنهم الرحمة، وأقبل كلُّ امرئٍ منهم يلومُ نفسَه.

стр. 62

الدرس التاسع والثلاثون: كل معروف صدقة - عن حذيفة ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: (كلُّ معروفٍ صدقةٌ). رواه مسلم. - قال ابن رجب: فالصدقة تُطلق على جميع أنواع فعل المعروف والإحسان. - حتَّى إنَّ فضل الله الواصل منه إلى عباده صدقة منه عليهم. - فقد قال النَّبيُّ ﷺ في قصر الصَّلاة في السفر: (صدقةٌ تصدَّقَ اللهُ بها عليكم، فاقبلوا صدقتَه) خرَّجه مسلم. - وقال: (من كانت له صلاةٌ بليلٍ، فغلب عليه نومٌ فنام عنها، كتب الله له أجرَ صلاتِه، وكان نومُه صدقةً مِنَ الله تصدَّق بها عليه). خرَّجه النَّسائي. - وقال خالدُ بن معدان: إنَّ الله يتصدَّقُ كلَّ يوم بصدقة، وما تصدَّق الله على أحدٍ من خلقِه بشيءٍ خيرٍ من أنْ يتصدَّق عليه بذكره. - والصدقة بغير المال نوعان: - أحدهما: ما فيه تعدية الإحسان إلى الخلق، فيكون صدقةً عليهم، وربما كان أفضلَ من الصدقة بالمال، وهذا كالأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، فإنَّه دُعاءٌ إلى طاعة الله، وكفٌّ عن معاصيه، وذلك خيرٌ من النَّفع بالمال، وكذلك تعليمُ العلم النافع، وإقراءُ القرآن، وإزالةُ الأذى عن الطريق، والسعيُ في جلب النفع للناس، ودفعُ الأذى عنهم، وكذلك الدُّعاءُ للمسلمين والاستغفارُ لهم. - وقال معاذ ﵁: تعليمُ العلم لمن لا يعلمه صدقةٌ. - ومن أنواع الصدقة: كفُّ الأذى عن النَّاسِ، ففي " الصحيحين " عن أبي ذرٍّ قال: قلت: قلتُ: ( .... يا رسولَ الله، أرأيتَ إنْ ضَعُفْتُ عن بعض العمل؟ قالَ: (تكفُّ شرَّك عَن النَّاس، فإنَّها صدقةٌ). - ومن أنوعاع الصدقة: نفقة الرجل على أهله صدقة، فعن سعد بن أبي وقاص، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: (إنَّك لن تُنفِقَ نفقةً تبتغي بها وجهَ الله إلاَّ أُجِرْتَ عليها، حتَّى اللُّقمة ترفعُها إلى في امرأتك) متفق عليه،، فدل على أنّه إنَّما يؤجرُ فيها إذا احتسبها عند الله.

стр. 63

- ومن أنوع الصدقة: قال النَّبيِّ ﷺ ، قال: (ما مِنْ مسلمٍ يَغرسُ غَرْساً، أو يزرعُ زرعاً، فيأكلُ منه إنسانٌ، أو طيرٌ، أو دابَّةٌ، إلا كان له صدقةٌ) متفق عليه. - قال ابن رجب: وظاهر هذه الأحاديث كلّها يدلُّ على أنَّ هذه الأشياء تكونُ صدقة يُثاب عليها الزارعُ والغارسُ ونحوهما من غير قصدٍ ولا نيةٍ. - والنَّوع الثاني من الصدقة التي ليست مالية: ما نفعُه قاصرٌ على فاعله، كأنواع الذِّكر: مِنَ التَّكبير، والتَّسبيح، والتَّحميد، والتَّهليل، والاستغفار، وكذلك المشيُ إلى المساجدِ صدقة. - عن أبي ذرٍّ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: (يُصبح على كلِّ سُلامى مِن أحدكم صدقةٌ، فكلُّ تسبيحةٍ صدقةٌ، وكلُّ تحميدةٍ صدقةٌ، وكلُّ تهليلةٍ صدقةٌ، وكلُّ تكبيرةٍ صدقةٌ، وأمرٌ بالمعروف صدقةٌ، ونهيٌ عَنِ المُنكرِ صدقةٌ، ويُجزئ من ذلك ركعتان يركعهما منَ الضُّحى). - وقد تكاثرتِ النُّصوصُ بتفضيل الذكر على الصدقة بالمال وغيرها من الأعمال، كما في حديث أبي الدرداء، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: (ألا أنبِّئُكُم بخيرِ أعمالكم، وأزكاها عند مليكِكُم، وأرفعِها في درجاتكم، وخيرٍ لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخيرٍ لكم منْ أنْ تَلْقَوا عدوَّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟) قالوا: بلى يا رسول الله، قالَ: (ذكرُ اللهِ ) رواه الترمذي. - ومن أنواع الصدقة: أداءُ حقوق المسلم على المسلم،، ففي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: (حقُّ المسلم على المسلمِ خمسٌ، ردُّ السَّلامِ، وعيادةُ المريض، واتِّباعُ الجنائز، وإجابةُ الدَّعوة، وتشميتُ العاطس). - ومن أنواع الصَّدقة: المشي بحقوق الآدميين الواجبة إليهم، قال ابن عباس: من مشى بحقِّ أخيه إليه ليقضيه، فله بكلِّ خطوة صدقة.

стр. 64

- ومن أنواع الصدقات: إنظارُ المعسر، قال النبي ﷺ : (من أنظرَ معسراً، فله بكلِّ يوم صدقة قبل أنْ يَحُلَّ الدَّيْنُ، فإذا حلَّ الدين، فأنظره بعد ذلك، فله بكلِّ يوم مثله صدقة) رواه أحمد. - ومن أنواع الصدقات: الإحسان إلى البهائم، كما قال النَّبيُّ ﷺ لما سُئِلَ عن سقيها، فقال: (في كلِّ كبدٍ رطبةٍ أجر)، وأخبر أنَّ بغيّاً سقت كلباً يلهثُ مِن العطش، فغفر لها. - ومن أنواع الصدقات أيضاً: محاسبةُ النفس على ما سلف من أعمالها، والندم والتوبة من الذنوب السالفة، والحزن عليها، واحتقار النفس، والازدراء عليها، ومقتها في الله ، والبكاء من خشية الله تعالى، والتفكر في ملكوت السماوات والأرض، وفي أمور الآخرة. الدرس الأربعون: كيف تقدّر نعمة الله عليك - من الأمور التي تتكرر مع المسلم في يومه وليلته عدة مرات استشعار نعمة الله عليه . - فكم هي المواقف وكم هي المشاهد التي يراها ويسمع بها في يومه وليلته تستوجب عليه أن يتفكر ويتأمل هذه النعم التي هو فيها ويحمد الله عليها. - عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: (في الإنسان ثلاث مائة وستونَ مَفْصِلاً، فعليه أنْ يتصدَّقَ عن كلِّ مَفصِلٍ منه بصدقة) قالوا: ومَن يُطيق ذلك يا نبيَّ الله؟ قال: (النُّخَاعَةُ في المسجد تَدفنها، والشَّيء تُنَحِّيه عن الطريق، فإنْ لم تجد، فركعتا الضحى تجزئُك). رواه أحمد وأبو داود. - قال ابن رجب: ومعنى الحديث: أنَّ تركيب هذه العظام وسلامتها مِن أعظم نِعَمِ الله على عبده، فيحتاج كلُّ عظم منها إلى صدقة يتصدق ابنُ آدم عنه، ليكونَ ذلك شكراً لهذه النعمة. - قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾.

стр. 65

- وقال : ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾. - وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾،قال مجاهد: هذه نِعَمٌ من الله متظاهرةٌ يقرِّرُكَ بها كيما تَشكُر. - وقرأ الفُضيلُ ليلةً هذه الآية، فبكى، فسئل عن بكائِهِ، فقال: هل بتَّ ليلة شاكراً لله أنْ جعل لك عينين تُبصر بهما؟ هل بتَّ ليلةً شاكراً لله أنْ جعل لك لساناً تنطق به؟ وجعل يعدِّد من هذا الضرب. - وعن يونس بن عبيد: أنَّ رجلاً شكا إليه ضِيقَ حاله، فقال له يونس: أيسُرُّك أنَّ لك ببصرك هذا الذي تُبصِرُ به مائة ألف درهم؟ قال الرجل: لا، قال: فبيدك مائة ألف درهم؟ قال: لا، قال: فبرجليك؟ قال: لا، قال: فذكَّره نِعَمَ الله عليه، فقال يونس: أرى عندك مئين ألوفٍ وأنت تشكو الحاجة. - وعن بكر المزني قال: يا ابن آدم، إنْ أردتَ أنْ تعلمَ قدرَ ما أنعمَ اللهُ عليك، فغمِّضْ عينيك. - وفي صحيح البخاري عن ابن عباس، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: (نِعْمَتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصِّحَّةُ والفراغ). - قال ابن رجب: فهذه النِّعم مما يُسألُ الإنسانُ عن شكرها يومَ القيامة، ويُطالب بها كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾. وخرَّج الترمذيُّ وابنُ حبَّانَ من حديث أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: (إنَّ أوَّلَ ما يُسأل العبد عنه يوم القيامة مِن النعيم، فيقول له: ألم نصحَّ لك جسمَك، ونُرْويكَ من الماء البارد؟). - قال ابن عباس: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾، قال: النعيم: صحَّةُ الأبدان والأسماع والأبصار، يسأَلُ الله العبادَ: فيما استعملوها؟ وهو أعلمُ بذلك منهم.

стр. 66

- لا تغتر بعبادتك: - قال وهب بن مُنَبِّه: عَبَدَ الله عابدٌ خمسين عاماً، فأوحى الله إليه: إني قد غفرتُ لك، قال: يا ربِّ، وما تغفر لي ولم أذنبْ؟ فأذِنَ الله لِعِرْقٍ في عنقه، فضرب عليه، فلم ينم، ولم يُصلِّ، ثم سكن وقام، فأتاه مَلَكٌ، فشكا إليه ما لقي من ضربان العرق، فقال الملك: إنَّ ربَّك يقول: عبادتُك خمسين سنة تعدل سكون ذا العرق. - كيف تؤدي شكر النعمة ؟: - عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: (من قال حينَ يُصبِحُ: اللهمَّ ما أَصبَحَ بي من نعمةٍ أو بأحدٍ من خلقك، فمنك وحْدَكَ لا شريكَ لك، فلكَ الحمدُ ولك الشُّكْرُ، فقد أدَّى شُكْرَ ذلك اليومِ، ومن قالها حين يُمسي أدَّى شكر ليلته) رواه النسائي. - الاعتراف بنعمة الله شكر: - عن الحسن قال: قال موسى ﵇: يا ربِّ، كيف يستطيع آدم أنْ يؤدِّي شكرَ ما صنعت إليه؟ خلقتَه بيدِكَ، ونفخت فيه من رُوحِكَ، وأسكنته جنَّتَكَ، وأمرتَ الملائكة فسجدوا له، فقال: يا موسى، عَلِمَ أَنَّ ذلك مني، فحمدني عليه، فكان ذلك شكراً لما صنعته. - وعن أبي الجلد قال: قرأتُ في مسألة داود أنَّه قال: أي ربِّ كيف لي أنْ أشكُرَكَ وأنا لا أصلُ إلى شكرك إلاَّ بنعمتك؟ قال: فأتاه الوحي: أنْ يا داود، أليس تعلمُ أنَّ الذي بك من النِّعم مني؟ قال: بلى يا ربِّ، قال: فإنِّي أرضى بذلك منك شكراً. - قال أبو حازم: كلُّ نعمةٍ لا تقرِّبُ مِنَ الله فهي بليَّةٌ. - العبد الموفق: - إن العبد الموفق هو الذي لا يغيب عن قلبه وشعوره وإحساسه نعمة الله عليه في كل موقف وكل مشهد فيظل دائما في حمد الله وشكره والثناء عليه مما هو فيه من نعمة الدين والصحة والرخاء والسلامة من كل الشرور. - وفى الحديث قال صلوات الله وسلامه عليه: (من رأى مُبتلى فقال: الحمد لله الذي عافني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا لم يصبه ذلك البلاء).

стр. 67

- هل استشعرت نعمة الله عليك ؟ - هل استشعرت نعمة الله عليك عند ذهابك إلى المسجد وكيف أن من حولك من الناس قد حُرم هذه النعمة وبالذات عند صلاة الفجر وأنت تنظر إلى بيوت المسلمين وهم في سُبات عميق كأنهم أموات. - هل استشعرت نعمة الله عليك وأنت تسير في الطريق وترى المناظر المتنوعة , هذا قد حدث له حادث سيارة وهذا قد ارتفع صوت الشيطان (أي الغناء) من سيارته وهذا كافر وقد أنعم الله عليك بالإيمان ونعمة الإسلام. - هل استشعرت نعمة الله عليك وأنت تسمع وتقرأ أخبار العالم من مجاعات وفيضانات وانتشار أمراض وحوادث وزلازل. الدرس الواحد والأربعون: صلاح الظاهر والباطن - كيف تصلح العمل ظاهرا وباطنا: ١ - أن يكون العمل في ظاهره على موافقة السنة، وهذا هو الذي تضمنه قول النبي ﷺ : (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد). ٢ - أن يكون العمل في باطنه يقصد به وجه الله ، كما تضمنه قول النبي ﷺ : (الأعمال بالنيات). - وقال الفضيل في قوله تعالى: ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾. قال: أخلصه وأصوبه. وقال: إن العمل إذا كان خالصا، ولم يكن صوابا، لم يقبل، وإذا كان صوابا، ولم يكن خالصا، لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا. وقال: والخالص إذا كان لله ، والصواب إذا كان على السنة. - وقد دل على هذا الذي قاله الفضيل قول الله : ﴿فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾. - الإيمان له ظاهر وباطن: - قال ابن القيم: الايمان له ظاهر وباطن. - وظاهره قول اللسان وعمل الجوارح. - وباطنه تصديق القلب وانقياده ومحبته. - فلا ينفع ظاهر لا باطن له وإن حقن به الدماء وعصم به المال والذرية. - ولا يجزىء باطن لا ظاهر له إلا اذا تعذر بعجز أو إكراه وخوف هلاك. - فتخلف العمل ظاهرا مع عدم المانع دليل على فساد الباطن وخلوه من الايمان. - ونقصه دليل نقصه وقوته دليل قوته. - فالايمان قلب الاسلام ولبه واليقين قلب الايمان ولبه.

стр. 68

الدرس الثاني والأربعون: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) - قال عبد الله بن مسعود ﵁: كلما أذنب - العبد - نكت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود القلب كله فأخبر سبحانه أن ذنوبهم التي اكتسبوها أوجبت لهم رينا على قلوبهم فكان سبب الران منهم. - قال رسول الله ﷺ : (وأنه ليغان على قلبي وأني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة) أي: ما يغشاه من السهو الذي لا يخلو منه البشر لأن قلبه أبدًا كان مشغولاً بالله تعالى. - قال مجاهد: هو الذنب على الذنب حتى تحيط الذنوب بالقلب وتغشاه فيموت القلب. - قال ﷺ : (أن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه وإن زاد زيد فيها حتى تعلو قلبه وهو الران الذي ذكر الله كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) قال الترمذي: حديث صحيح. - قال ابن القيم: الران هو الحجاب الكثيف المانع للقلب من رؤية الحق والإنقياد له. - قال الحسن البصري: إن بين العبد وبين اللَّه عزّوجلّ حداً محدوداً من الذنوب فإذا بلغه العبد طبع على قلبه فلم يوفقه للخير أبداً. - قال عبد الله بن المبارك: رأيت الذنوب تميت القلوب .. وقد يورث الذل إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب .. وخير لنفسك عصيانها - سبيل الخَلاص: - إن تطهير القلب من الران ودرن المعاصي، أثر هام من آثار الإيمان، يجعل القلب محافظاً على سلامته ونوره، ويُقوّي فيه مادة الخير، ويقلل نوازع الشر، ويزيد من صلته بربه، حيث يُزَال ما يجثم عليه من الران وكدر المعاصي أولاً بأول بفعل المكفرات، وبذلك يحافظ القلب على درجة عالية من حب الإيمان، وكره الكفر والفسوق والعصيان، فلا يميل إلى الأفكار الهدامة ولا تستهويه، ولو تولد في قلبه شيء منها -مما يلقيه الشيطان- أو عرضها عليه شياطين الإنس، لكان فيه من النور ودواعي الخير ما يكشفها ويحرقها وينفر القلب منها.

стр. 69

الدرس الثالث والأربعون: التوفيق كله بيد الله تعالى وحده - قال تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ - قال السعدي: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ﴾ أي: وما يحصل لي من التوفيق لفعل الخير، والانفكاك عن الشر إلا بالله تعالى، لا بحولي ولا بقوتي. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: اعتمدت في أموري، ووثقت في كفايته، ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ في أداء ما أمرني به من أنواع العبادات، وفي [هذا] التقرب إليه بسائر أفعال الخيرات. وبهذين الأمرين تستقيم أحوال العبد، وهما الاستعانة بربه، والإنابة إليه، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. - قال ابن القيم: وقد أجمع العارفون على أن كل خير فأصله بتوفيق الله للعبد وكل شر فأصله خذلانه لعبده - وأجمعوا أن التوفيق أن لا يكلك الله نفسك - وان الخذلان أن يخلي بينك وبين نفسك - مفتاح التوفيق: فاذا كان كل خير فأصله التوفيق وهو بيد الله لا إلى نفسك وأنه لابيد العبد فمفتاحه الدعاء والافتقار وصدق اللجأ والرغبة والرهبة اليه فمتي أعطى العبد هذا المفتاح فقد أراد أن يفتح له ومتي أضله عن المفتاح بقى باب الخير مرتجا دونه. اهـ كلامه - قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾.

стр. 70

- قال الشيخ السعدي: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ أي ما أمر به من العبادات المالية، كالزكوات، والكفارات والنفقات، والصدقات، والإنفاق في وجوه الخير، والعبادات البدنية كالصلاة، والصوم ونحوهما، والمركبة منهما، كالحج والعمرة ونحوهما. - ﴿وَاتَّقَى﴾ ما نهي عنه، من المحرمات والمعاصي، على اختلاف أجناسها. - ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ أي: صدق بـ " لا إله إلا الله " وما دلت عليه، من جميع العقائد الدينية، وما ترتب عليها من الجزاء الأخروي. - ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ أي: نسهل عليه أمره، ونجعله ميسرا له كل خير، ميسرًا له ترك كل شر، لأنه أتى بأسباب التيسير، فيسر الله له ذلك. - قال النبي ﷺ : (إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله) قالوا: يا رسول الله، وكيف يستعمله؟ قال: (يوفقه لعمل صالح قبل موته). - قال ﷺ : ( .... وإنَّه ليسيرٌ على من يسَّره الله عليه .. ) إشارةٌ إلى أنَّ التَّوفيقَ كُلَّه بيد الله ، فمن يسَّرَ الله عليه الهدى اهتدى، ومن لم يُيسره عليه، لم يتيسَّر له ذلك. - وقال ﷺ : (اعملوا فكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلِقَ لهُ، أمَّا أهل السَّعادة، فيُيسَّرون لعمل أهل السَّعادة، وأمَّا أهل الشَّقاوة، فيُيَسَّرون لعمل أهل الشقاوة)، ثم تلا ﷺ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾. - وكان النَّبيُّ ﷺ يقولُ في دعائه: (واهدني ويسِّر الهُدى لي)، - وأخبر الله عن نبيه موسى ﵇ أنَّه قال في دعائه: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾. - وكان ابنُ عمر يدعو: اللهمَّ يسرني لليُسرى، وجنِبني العُسرى.

стр. 71

- سر النجاح: - قال الصنعاني: الداعي إذا علم أن نجاح الأمور من الله انقطع عما سواه وأفرده بطلب الحاجات وإنزال الفاقات وهذا هو مراد الله من العبادة. - من علامات التوفيق: ١ - التوفيق للعمل الصالح عمومًا على اختلاف أنواعه بدنيا أو ماليًا أو قوليًا. ٢ - أن يوفق العبد للتوبة من الوقوع في المعاصي حتى لو تكرّرت منه، أو يحال بينه وبين المعاصي فلا يستطيع أن يصل إليها. ٣ - فتح باب اللجا والافتقار إلى الله في الشدة والرخاء وفي كل الأحوال. ٤ - يلهم السداد والصواب في الأقوال والأعمال والمواقف. ٥ - أن يوفق العبد وييسّر له الجهاد والشهادة في سبيل الله، فإنها من أفضل القربات وأعلى المقامات. ٦ - عدم تدخل الإنسان فيما لا يعنيه كالاشتغال بتتبّع أخبار الناس وما فعلوا وما أكلوا وما شربوا، والتدخّل في الأمور التي لا يحسنها ونحو ذلك. ٧ - أن يوفق العبد لكريم الخصال وحسن الأخلاق وسلامة الصدر ومحبة الخير للمؤمنين. ٨ - أن يوفق العبد للعناية بكتاب الله تعلّما وتعليما، قال ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه). ٩ - التوفيق لنشر الخير والدعوة إلى الله وإصلاح الناس، فإن هذه مهمة الأنبياء والرسل، وقد قال الله : (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ). - ومن علامات الخذلان: ١ - تعسر الطاعات والعبادات بأنواعها عليك مع طلبك لها. ٢ - وتيسر المعاصي والذنوب لك مع خوفك منها. ٣ - وغلق باب اللجا والافتقار إلى الله في كل حال. - فنسأل الله تعالى بفضله حسن التوفيق والاختيار ونعوذ به من سوء القضاء والأقدار.

стр. 72

الدرس الرابع والأربعون: كيف تكون واثقا بالله تعالى وحده - بأنْ يكونَ العبدُ بما في يد الله أوثقَ منه بما في يد نفسه، وهذا ينشأ مِنْ صحَّة اليقين وقوَّته، فإنَّ الله ضَمِن أرزاقَ عباده، وتكفَّل بها، كما قال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾، وقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾.وقال: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾. - إضاءات وتنبيهات: - قال الحسن: إنَّ مِنْ ضعف يقينك أنْ تكونَ بما في يدك أوثقَ منك بما في يد الله . - قال ابن مسعود ﵁: إنَّ أرجى ما أكون للرزق إذا قالوا: ليس في البيت دقيق. - وقال مسروقٌ: إنَّ أحسن ما أكون ظناً -بالله- حين يقول الخادم: ليس في البيت قفيزٌ من قمحٍ ولا درهمٌ. - وقال الإمامُ أحمد: أسرُّ أيامي إليَّ يوم أُصْبِحُ وليس عندي شيء. - وقيل لأبي حازم الزاهد: ما مالُك؟ قال: لي مالان لا أخشى معهما الفقر: الثِّقةُ بالله، واليأسُ ممَّا في أيدي الناس. - وقيل له: أما تخافُ الفقر؟ فقال: أنا أخاف الفقر ومولاي له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى؟! - تعليق: فهذا هو حال السلف عند الضيق والفقر والبلاء لأنهم يحسنون الظن بالله، وأما حالنا فنحن إذا ابتلينا أو أصابتنا المصائب أسأنا الظن بربنا، وهذا دليل على ضعف اليقين وانعدام الثقة بالله سبحانه وكل مصائبنا من وراء ذلك كما قال تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ - قال السعدي: الظن السيئ، حيث ظننتم به، ما لا يليق بجلاله. ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ أي: أهلككم ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ لأنفسهم وأهليهم وأديانهم بسبب الأعمال التي أوجبها لكم ظنكم القبيح بربكم. - من علامات الثقة بالله: - قال ابن رجب: فمن حقق اليقين: - وثق بالله في أموره كلها، ورضي بتدبيره له. - وانقطع عن التعلُّق بالمخلوقين رجاءً وخوفاً.

стр. 73

- ومنعه ذلك مِنْ طلب الدُّنيا بالأسباب المكروهة. - ومن كان كذلك، كان: زاهداً في الدُّنيا حقيقة، وكان من أغنى الناس، وإنْ لم يكن له شيء من الدُّنيا. - كما قال عمَّار: كفى بالموت واعظاً، وكفى باليقين غنى، وكفى بالعبادة شغلاً. - وكان عطاء الخراساني لا يقومُ من مجلسه حتى يقولَ: اللهمَّ هب لنا يقيناً منك حتى تُهوِّن علينا مصائبَ الدُّنيا، وحتى نعلمَ أنَّه لا يُصيبنا إلا ما كتبتَ علينا، ولا يُصيبنا مِنْ هذا الرِّزقِ إلاَّ ما قسمتَ لنا. - هل يثق الإنسان بنفسه ؟: - إنَّ الإنسان لا يصلح أن يثق بنفسه، ومن العبارات الشائعة عند بعض الناس: يجب أن تثق بنفسك، وهذه العبارة غلط. - ولذلك يقول الشيخ محمد بن إبراهيم في فتاويه، وقد سئل عن قولهم: تجب الثقة بالنفس؟ فقال: لا تجب، بل لا تجوز الثقة بالنفس، وإنما الثقة بالله ، ولذلك كان النبي ﷺ يستعيذ بالله أن يكله إلى نفسه طرفة عين؛ لأن الإنسان إذا توكل على نفسه ضاع، لكن إذا توكل على الله استقام أمره. - وبعض الأشخاص يقول: أنا مستعد أفعل كذا، وأنا مستعد أنجز كذا، وأنا مستعد أتكفل بهذا الأمر، وأنا واثق من نفسي، فتراه في كثيرٍ من الأحيان يخذل، يخذله الله بسبب اتكاله على نفسه وثقته بها، أو نسيان الله وعدم الثقة به، نسي أن يتوكل على الله أو أن يفوض الأمر إليه، وإنما اعتمد على نفسه واتكل عليها، فوكل إليها؛ فضاع. - ولذلك نبه ﵊ إلى هذه المسألة: ألا يتكل الإنسان على نفسه، وأن الشخص إذا كانت العوامل لا تساعده على النتيجة المطلوبة فلا يتبرع بشيءٍ يغلب على الظن أنه لا ينجزه أو لا يفعله، وإنما يقدر الموقف. - تفكر في عظمة الله .. تزداد ثقة به: - لابد أن تمتلئ القلوب ثقة مطلقة في الله. - ولابد أن نعلم أن الذي يدير أمر الكون هو الله. - ولا يقع شي في الكون إلا بإذنه وأمره وعلمه وحكمته وقدرته وإرادته.

стр. 74

- فلا تظن أن الله قد خلق الخلق وغفل عنهم، حاشا لله!. - بل لا يقع في كونه إلا ما يريد. - والله هو الاسم الذي تقال به العثرات، والله هو الاسم الذي تستجاب به الدعوات، والله هو الاسم الذي تستمطر به الرحمات، والله هو الاسم الذي تدفع به الكربات، والله هو الاسم الذي به ولأجله قامت الأرض والسماوات، والله هو مالك الملك وملك الملوك، وجبار السماوات والأرض. - قال تعالى: (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) - الجزاء من جنس العمل: - قال الربيع بن خيثم: إن الله تعالى قضى على نفسه أن: - من توكل عليه كفاه، قال تعالى: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ). - ومن آمن به هداه، قال تعالى (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ). - ومن أقرضه جازاه، قال تعالى: (إِن تُقْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ). - ومن وثق به نجاه، قال تعالى: (وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِراطٍ مّسْتَقِيمٍ). - ومن دعاه أجاب له، وتصديق ذلك في كتاب الله:، (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ).

стр. 75

الدرس الخامس والأربعون: من أمراض القلوب - في الصحيحين عن أنس، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: (لا تباغَضُوا، ولا تحاسَدوا، ولا تدابروا، وكونوا عِبادَ الله إخواناً). - قال ابن رجب: فقوله ﷺ : (لا تحاسدوا) يعني: لا يحسُدْ بعضُكم بعضاً، والحسدُ مركوزٌ في طباع البشر، وهو أنَّ الإنسان يكرهُ أن يفوقَهُ أحدٌ منْ جنسهِ في شيءٍ من الفضائل. - ثم ينقسم الناس بعدَ هذا إلى أقسام: - فمنهم من يسعى في زوال نعمةِ المحسودِ بالبغي عليه بالقول والفعل. - ومنهم من يسعى في نقلِ ذلك إلى نفسه. - ومنهم من يَسعى في إزالته عن المحسودِ فقط من غيرِ نقل إلى نفسه، وهو شرُّهما وأخبثهما، وهذا هو الحسدُ المذمومُ المنهيُّ عنه. - وهو كان ذنبَ إبليس حيث حسدَ آدم ﵇ لمَّا رآه قد فاق على الملائكة بأنْ خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكتَه، وعلَّمه أسماء كلِّ شيءٍ، وأسكنه في جواره، فما زال يسعى في إخراجه من الجنَّة حتَّى أخرج منها. - اثنتان هلك بهما ابن آدم: - ويروى عن ابن عمرَ ﵄ أنَّ إبليسَ قال لنوح: اثنتان بهما أُهلك بني آدم: الحسد، وبالحسد لُعِنتُ وجُعلتُ شيطاناً رجيماً، وأما الحرص فإنه أبيح لآدم الجنة كلها إلا الشجرة فأصبت حاجتي منه بالحرص. - الحسد المحمود: - هناك قسم من الناس إذا حسد لم يتمنَّ زوال نعمة المحسود، بل يسعى في اكتساب مثل فضائله، ويتمنَّى أنْ يكونَ مثله. - فإن كانتِ الفضائلُ دنيويَّةً، فلا خيرَ في ذلك، كما قال الَّذينَ يُريدُونَ الحياةَ الدُّنيا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾. - وإنْ كانت فضائلَ دينيَّةً، فهو حسن، وقد تمنَّى النَّبيُّ ﷺ الشَّهادة في سبيل الله . - وفي الصحيحين عنه ﷺ ، قال: (لا حسدَ إلاَّ في اثنتين: رجلٌ آتاه اللهُ مالاً، فهو يُنفقه آناء الليل وآناء النَّهار، ورجلٌ آتاهُ اللهُ القرآن، فهو يقومُ به آناء اللَّيل وآناءَ النَّهار)، وهذا هو الغبطة، وسماه حسداً من باب الاستعارة.
следующие страницы →