← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 3034

دروس تربوية من الأحاديث النبوية

خالد الحسينان

Полный текст (90 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

﴿دُرُوسٌ تَرْبَوِيّةٌ﴾ مِنَ الأحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ للشَّيخِ خَالِد بِن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُسَينَان - حفظه الله - مركز الفجر للإعلام ١٤٣١هـ - ٢٠١٠ م

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد: إن أكثر ما يحتاجه العبد المسلم في هذا الزمان الذي كثرت فيه الفتن والمغريات والشبهات والشهوات هو تقوية صلته بربه، وكثرة دعائه، وبذل كل سبب يقربه إلى الله، والابتعاد عن كل طريق يعوقه عن الاتصال بربه. فجاءت هذه الدروس التربوية الإيمانية التي جمعتها من أقوال أهل العلم المتقدمين والمتأخرين، وما لي جهد فيها إلا الجمع والتهذيب والاختصار والترتيب حتى تكون سهلة الوصول إلى من يريد تجديد صلته بربه، ويرتقي إلى منازل العابدين السائرين إلى رب العالمين. وجعلتها على شكل دروس يومية وغالبها مأخوذة من كلام الحافظ ابن رجب ﵀ ويستطيع أن يستفيد منها الإمام في مسجده، والداعية في مجلسه، والمدرس في مدرسته، والأب في بيته، والمرأة في وسط مجتمعها. والله الموفق والهادي إلى سبيل الرشاد وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. خالد بن عبد الرحمن الحسينان ١٩ ذو الحجة ١٤٣٠ هـ

стр. 3

الدرس الأول: كيف يكون الأدب مع الخالق ؟ قال الشيخ ابن عثيمين: حسن الخلق في معاملة الخالق يجمع ثلاثة أمور: ١. تلقِّي أخبار الله تعالى بالتصديق . - بحيث لا يقع عند الإنسان شك أو تردد في تصديق خبر الله تعالى وخبر رسوله صلى الله عله وسلم؛ لأن خبر الله صادر عن علم وهو أصدق القائلين كما قال تعالى عن نفسه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾. - كأخبار يوم القيامة، فقد أخبر النبي ﷺ (أن الشمس تدنو من الخلائق يوم القيامة بقدر ميل)، سواء كان ميل المكحلة أو ميل المسافة، هذه المسافة بين الشمس ورؤوس الخلائق قليلة، ومع ذلك فإن الناس لا يحترقون بحرّها مع أن الشمس لو تدنو الآن من الدنيا مقدار أنملة لاحترقت الدنيا، فقد يقول قائل كيف تدنو من رؤوس الخلائق يوم القيامة بهذه المسافة ثم يبقى الناس؟.

стр. 4

- فما هو أدب المؤمن مع ربه ونبيه تجاه هذا الحديث؟ فالأدب مع هذا الحديث أن نقبله ونصدق به، وأن لا يكون في صدورنا حرج منه، ولا ضيق، ولا تردد، وأن نعلم أن ما أخبر به الرسول ﷺ في هذا فهو حق. - ولا يمكن أن نقيس أحوال الآخرة على أحوال الدنيا لوجود الفارق العظيم. فإذا كان كذلك فإن المؤمن يقبل مثل هذا الخبر بانشراح وطمأنينة ويتسع فهمه له وبأدبه مع ربه ونبيه ﷺ يحسن خلقه ويسدد سعيه فالسداد في التعامل مع الأقوال والأفعال المتلقاة عن الله ورسوله ﷺ لازمه صلاح العمل وغفران الذنب قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ٢. وتلقِّي أحكام الله بالتنفيذ والتطبيق . - إن الأدب مع الله في المعاملة مع أحكامه أن يتلقاها الإنسان بالقبول والتنفيذ والتطبيق فلا يرد شيئًا من أحكام الله، فإذا ردّ شيئًا من أحكام الله، فهذا سوء الأدب مع الله سواء ردها منكرًا حكمها، أو ردها مستكبرًا عن العمل بها، أو ردها متهاونًا بالعمل بها، فإن ذلك مناف لحسن الأدب مع الله .

стр. 5

- مثاله: الصلاة لا شك أنها ثقيلة على بعض الناس، وهي ثقيلة على المنافقين، كما قال النبي ﵊: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر)، لكن الصلاة بالنسبة للمؤمن قرة عينه وراحة نفسه، فحسن الأدب مع الله بالنسبة للصلاة، أن تؤديها وقلبك منشرح مطمئن وعيناك قريرتان. - مثال آخر: الصوم لا شك أنه شاقّ على الإنسان؛ لأن الإنسان يترك فيه المألوف من طعام وشراب ونكاح، وهذا أمر شاقّ، ولكن المؤمن حسن الأدب مع ربه يقبل هذا التكليف بانشراح صدر وطمأنينة، وتتسع له نفسه فتجده يصوم الأيام الحارة الطويلة وهو بذلك راضٍ منشرح الصدر؛ لأنه حسن الأدب مع ربه. أما سوء الأدب مع الله فأن يقابل مثل هذه العبادة بالضجر والكراهية ولولا أنه يخشى من أمر لا تُحمد عقباه لكان لا يلتزم بالصيام. ٣. وتلقِّي أقدار الله بالصبر والرضا . - مثاله: فإن أقدار الله منها ما يلائم الإنسان ومنها ما لا يلائمه، فمثلا: المرض، والفقر، والمصائب عموما لا تلائم الإنسان. - فحسن الأدب مع الله نحو أقداره أن ترضى بما قدر الله لك، وأن تطمئن إليه، وأن تعلم أن الله ما قدره لك إلا لحكمة وغاية محمودة يستحق عليها الشكر، وعلى هذا فإن حسن الأدب مع الله نحو أقداره هو أن الإنسان يرضى ويستسلم ويطمئن. ولهذا امتدح الله تعالى الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون. وقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. - فهذه ثلاث أشياء عليها مدار حسن الأدب مع الله . اهـ بتصرف الدرس الثاني: كيف يكون حسن الخلق مع المخلوق ؟ - أما حسن الخلق مع المخلوق فعرفه بعضهم. ويذكر عن الحسن البصري أنه: ١. كف الأذى . ٢. بذل الندى. ٣. طلاقة الوجه. - فمعنى كف الأذى: - أن الإنسان يكف أذاه عن غيره سواء كان هذا الأذى يتعلق بالمال، أو يتعلق بالنفس، أو يتعلق بالعرض.

стр. 6

- فمن لم يكف أذاه عن الخلق فليس من حسن الخُلق، بل هو سيئ الخُلق. وقد أعلن الرسول ﷺ في أعظم مجمع اجتمع به في أمته. قال: (إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا). - مثاله: لو اعتدى الإنسان على غيره بالخيانة أو الكذب أو السب أو الاستهزاء أو السخرية أو الغيبة أو النميمة أو الضرب .... فهذا ليس من حسن الخلق. - وأما بذل الندى: - فالندى هو الكرم والجود. يعني أن تبذل الكرم والجود، والكرم ليس كما يظنه بعض الناس هو أن تبذل المال. - بل الكرم يكون في بذل النفس، وفي بذل الجاه، وفي بذل المال. - إذا رأينا شخصًا يقضي حوائج الناس يساعدهم يتوجه في شئونهم إلى من لا يستطيعون الوصول إليه، ينشر علمه بين الناس، يبذل ماله بين الناس، فإنا نصفه بحسن الخلق؛ لأنه بذل الندى. - ولهذا قال النبي ﷺ : (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن). - ومعنى ذلك أنك إذا ظُلمت أو أسيء إليك فإنك تعفو وتصفح. - وقد امتدح الله العافين عن الناس فقال في الجنة ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. - وأما طلاقة الوجه: - فهي أن يكون الإنسان طليق الوجه، وضد طليق الوجه عبوس الوجه، ولهذا قال النبي ﵊: (لا تحقرنّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق). - فطلاقة الوجه تُدخل السرور على من قابلك. - وتجلب المودة والمحبة، وتوجب انشراح القلب،- وجرب تجد-. - لكن إذا كنت عبوسًا فإن الناس ينفرون منك، ولا ينشرحون بالجلوس إليك، ولا بالتحدث معك، وربما تصاب بمرض خطير يسمى بالضغط. - فإن انشراح الصدر وطلاقة الوجه من أكبر العقاقير المانعة من هذا الداء داء الضغط.

стр. 7

- ولهذا فإن الأطباء ينصحون من ابتلي بهذا الداء بأن يبتعد عما يثيره ويغضبه؛ لأن ذلك يزيد في مرضه، فطلاقة الوجه تقضي على هذا المرض؛ لأن الإنسان يكون منشرح الصدر محبوبًا إلى الخلق. - هذه الأصول الثلاثة التي يدور عليها حسن الخلق في معاملة الخلق. - انتبه .. انتبه .. لا تقلب الحقائق: - كثير من الناس مع الأسف الشديد يحسن الخلق مع الناس، ولكنه لا يحسن الخلق مع أهله وهذا خطأ وقلب للحقائق. كيف تحسن الخلق مع الأباعد وتسيء الخلق مع الأقارب؟ فالأقارب أحق الناس بأن تحسن إليهم الصحبة والعشرة. - ولهذا قال النبي ﷺ : (إن خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) الدرس الثالث: من مظاهر سوء الخلق - من مظاهر سوء الخلق: - الغلظة والفظاظة: فتجد كثيراً من الناس فظاً غليظاً لا يتراخى ولا يؤلَف، ولا يتكلم إلا بالعبارات النابية التي تحمل في طياتها الخشونة والشدة والقسوة. - ومن مظاهر سوء الخلق: عبوس الوجه وتقطيب الجبين، فكم من الناس لا تراه إلا عابس الوجه مقطب الجبين لا يعرف التبسم واللباقة. - ومن مظاهر سوء الخلق: سرعة الغضب، وهذا مسلك مذموم في الشرع والعقل، وهو سبب لأمور لا تحمد عقباها. - ومن مظاهر سوء الخلق: المبالغة في اللوم والتقريع، وهذا كثيراً ما يقع ممن لهم سلطة وتمكن على الآخرين. - ومن مظاهر سوء الخلق: السخرية بالآخرين، كحال من يسخر بفلان لفقره أو بفلان لجهله أو لرثاثة ثيابه، أو لدمامة خلقته. - ومن مظاهر سوء الخلق أيضاً: التنابز بالألقاب، وهذا مما نهانا الله عنه وأدبنا بتركه فقال تعالى: (وَلاَ تَنَابَزُواْ بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ)؟ ومع هذا النهي إلا أننا نجد أن غالبية الناس لا يعرفون إلا بألقابهم السيئة، وهذه الألقاب مما يثير العداوة ويسبب الشحناء.

стр. 8

- ومن مظاهر سوء الخلق: الكبر، فهناك من يتكبر في نفسه ويتعالى على بني جنسه فلا يرى لأحد قدراً ولا يقبل من أحد عدلاً ولا صرفاً، والكبر خصلة ممقوتة في الشرع والعقل. - ومن مظاهر الأخلاق السيئة: الغيبة والنميمة .. فكم فسد بسببهما من صداقة وكم تقطعت أواصر، وهاتان الخصلتان لا تصدران عن نفس كريمة، وإنما تصدر من أنفس مهينة ذليلة دنيئة، أما الكرام فإنهم يترفعون عن مثل هذه الترهات. الدرس الرابع: العمل لغير الله - اعلم أن العمل لغير الله أقسام: ١ - فتارة يكون رياء محضا ، بحيث لا يراد به سوى مرآت المخلوقين لغرض دنيوي، كحال المنافقين في صلاتهم، كما قال الله : ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا﴾. - وكذلك وصف الله تعالى الكفار بالرياء في قوله: ﴿ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله﴾. - وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة أو الحج، وغيرهما من الأعمال الظاهرة، أو التي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة. ٢ - وتارة يكون العمل لله ، ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله، فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه وحبوطه أيضا. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (يقول الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري، تركته وشريكه) ٣ - وأما إن كان أصل العمل لله ، ثم طرأت عليه نية الرياء، فإن كان خاطرا ودفعه، فلا يضره بغير خلاف، وإن استرسل معه، فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك ويجازى على أصل نيته؟ الراجح أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازى على نيته الأولى.

стр. 9

- أخذ الغنيمة في الجهاد: إن خالط نية الجهاد مثلا نية غير الرياء، مثل أخذ أجرة للخدمة، أو أخذ شيء من الغنيمة، أو التجارة، نقص بذلك أجر جهادهم، ولم يبطل بالكلية، وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ ، قال: (إن الغزاة إذا غنموا غنيمة، تعجلوا ثلثي أجرهم، فإن لم يغنموا شيئا، تم لهم أجرهم). الدرس الخامس: كيف يكون الرضا بقضاء الله - قال تعالى: (إنّا كل شيء خلقناه بقدر). - وممَّا يدعو المؤمن إلى الرِّضا بالقضاء تحقيقُ إيمانه بمعنى قول النَّبيِّ ﷺ : (لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيراً له: إنْ أصابته سرَّاء شكر، كان خيراً له، وإنْ أصابته ضرَّاء صبر، كان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن) رواه مسلم. - هاتان درجتان للمؤمن بالقضاء والقدر في المصائب: * الدرجة الأولى: أنْ يرضى بذلك، وهذه درجةٌ عاليةٌ رفيعة جداً. قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. - قال علقمة: هي المصيبة تصيبُ الرَّجلَ، فيعلم أنَّها من عند الله، فيسلِّمُ لها ويرضى. - قال أبو الدرداء: إنَّ الله إذا قضى قضاءً أحبَّ أنْ يُرضى به. - وقال ابن مسعود: إنَّ الله بقسطه وعدله جعلَ الرَّوحَ والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشكِّ والسخط. - وقال عمر بن عبد العزيز: أصبحت ومالي سرورٌ إلا في مواضع القضاء والقدر. - فمن وصل إلى هذه الدرجة، كان عيشُه كلُّه في نعيمٍ وسرورٍ، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. - قال بعض السَّلف: الحياة الطيبة: هي الرضا والقناعة. - وقال عبد الواحد بن زيد: الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا ومستراح العابدين.

стр. 10

* و الدرجة الثانية: أنْ يصبرَ على البلاء، وهذه لمن لم يستطع الرِّضا بالقضاء، فالرِّضا فضلٌ مندوبٌ إليه مستحب، والصبرُ واجبٌ على المؤمن حتمٌ، وفي الصَّبر خيرٌ كثيرٌ، فإنَّ الله أمرَ به، ووعدَ عليه جزيلَ الأجر. قال الله : ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. - الفرق بين الرضا والصبر: - الصَّبر: كفُّ النَّفس وحبسُها عن التسخط مع وجود الألم، وتمنِّي زوال ذلك، وكفُّ الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع. - والرضا: انشراح الصدر وسعته بالقضاء، وترك تمنِّي زوال ذلك المؤلم، وإنْ وجدَ الإحساسُ بالألم. - لكن الرضا يخفِّفُه لما يباشر القلبَ من رَوح اليقين والمعرفة، وإذا قوي الرِّضا، فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية. - بعض ما ينافي الرضا بالقضاء والقدر: ١ - الاعتراض على قضاء الله الشرعي الديني. ٢ - ترك التوكل على الله. ٣ - السخط بما قسم الله. ٤ - الحزن على ما فات. ٥ - النياحة واللطم وشق الجيوب. ٦ - تمني الموت لضر نزل أو بلاء. ٧ - عدم الرضا بالمقسوم من الرزق. ٨ - الجزع والهلع. - ثمرات الرضا بالقضاء والقدر: - الإيمان بالقدر طريق الخلاص من الشرك؛ لأن المؤمن يعتقد أن النافع والضار، والمعز والمذل، والرافع والخافض هو الله وحده . - الثبات عند مواجهة الأزمات، واستقبال مشاق الحياة بقلب ثابت ويقين صادق. - أنه يهدئ روع المؤمن عند المصائب وعند فوات المكاسب، فلا تذهب نفسه عليها حسرات، ولا يلوم نفسه أو يعنفها، بل يصبر ويرضى بحكم الله تعالى، ويعلم أن هذا هو عين قضاء الله وقدره. - أنه يدفع الإنسان إلى العمل والإنتاج والقوة والشهامة؛ فالمجاهد في سبيل الله يمضي في جهاده ولا يهاب الموت.

стр. 11

الدرس السادس: من أعمال الإيمان - قال تعالى: (وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون). - حاسب نفسك .. هل عملت بها؟ - إخلاصُ الدِّين للهِ. - والنُّصحُ له ولعبادهِ. - وسلامةُ القلبِ لهم مِنَ الغِشِّ والحسدِ والحِقْدِ، وتوابعُ ذلك مِنْ أنواع الأذى. - ووجَلُ القُلوبِ مِنْ ذكرِ اللهِ. - وخشوعُها عندَ سماع ذكرِه وكتابه، وزيادةُ الإيمانِ بذلك. - وتحقيقُ التوكُّل على اللهِ. - وخوفُ اللهِ سرَّاً وعلانيةً. - والرِّضا بالله ربّاً، وبالإسلامِ ديناً، وبمحمدٍ ﷺ رسولاً. - واختيارُ تَلَفِ النُّفوسِ بأعظمِ أنواعِ الآلامِ على الكُفرِ. - واستشعارُ قُربِ الله مِنَ العَبدِ، ودوامُ استحضارِهِ. - وإيثارُ محبَّةِ اللهِ ورسوله على محبّةِ ما سواهما من أموالهم وأنفسهم وغيرها. - والمحبةُ في الله والبُغضُ في الله، والعطاءُ له، والمنعُ له. - وأنْ يكونَ جميعُ الحركاتِ والسَّكناتِ له. - وسماحةُ النُّفوسِ بالطَّاعةِ الماليَّةِ والبدنيَّةِ. - والاستبشارُ بعملِ الحسّنات، والفرحُ بها. - والمَساءةُ بعملِ السَّيئاتِ والحزنُ عليها. - وكثرةُ الحياءِ، وحسنُ الخلقِ. - ومحبَّةُ ما يحبُّه لنفسه لإخوانه المؤمنين، ومواساةُ المؤمنينَ، خصوصاً الجيران، ومعاضدةُ المؤمنين، ومناصرتهم، والحزنُ بما يُحزنُهم.

стр. 12

الدرس السابع: من معاني الرضا بالله ربا - في صحيح مسلم عن العباس بن عبد المطَّلب، عنِ النَّبيِّ ﷺ ،قال: (ذاقَ طعم الإيمان مَنْ رضيَ بالله ربَّاً، وبالإسلامِ ديناً، وبمحمدٍ رسولاً). - ف الرِّضا باللهِ ربا يتضمِّن: - الرضا بتدبيره وتقديره وأن ما أصاب العبد لم يكن ليُخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبَه، والقناعة بما قدر الله من أمور الدنيا. - وإذا رضي العبد بربوبية الله وألوهيته فقد رضي عنه ربُّه. - وإذا رضي عنه ربّه فقد أرضاه وكفاه وحفظه ورعاه. - وقد رتّب الباري سبحانه في محكم التنزيل في غير آيةٍ رضاه عن الخلق برضاهم عنه فقال تعالى: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ). - و من مقتضيات الرضا بالله ربا: - الرضا بمحبته وحده والرضا بعبادته وحده أن تخافه وحده ترجوه وتتبتّل إليه وتتذلل إليه وتؤمن بتدبيره وتحب ذلك وتفرده بالتوكل عليه والاستعانة به وتكون راضياً عما يفعل فهذا رضا بالله. - تحقيق العبودية له سبحانه والكفر بالطاغوت. - و الرِّضا بالإسلام ديناً يعني أمورا منها: ١ - الإيمان بالإسلام وأنه هو النظام والدين الوحيد الذي لا يقبل الله تعالى من أحدٍ ديناً سواه، ولا ينجو في الآخرة ويدخل الجنة إلا أهله. ٢ - تطبيق الإسلام في واقع حياتك تطبيقاً عملياً ، أما من يقول: رضيت بالإسلام ديناً، ثم يرضى في واقع حياته بدينٍ آخر، أو بأديان شتى؛ فهذا من التناقض الذي لا يرضاه الله للمؤمنين. ٣ - أن تجعل الإسلام هو الحكم في علاقتك بالناس ، فتوالي وتعادي فيه، فمن كان من أهل الإسلام أحببته وواليته، وإن كان من غير جنسيتك أو من غير بلدك أو من غير طبقتك، ولو لم ينفعك بأمر من الأمور؛ ومن كان عدواً للإسلام مناوئاً له حاربته وأبغضته، ولو كان أقرب قريب، ولو كان جارك أو أخاك أو ابنك، ولو كان ينفعك في أمور كثيرة من أمورك الدنيوية؛ فالمقياس عندك في علاقتك مع الناس هو الإسلام. ٤ - اعتقاد بطلان جميع الأديان السابقة بظهوره , وأن لا يجوز عبادة الله بغيره , وأن تعتقد أن شرعه لا مثيل له , فضلا ً عن أن يكون هناك شرع أفضل منه , وأن تعتقد أنه لا يجوز التحاكم إلى غيره , وأن تعتقد أن صلاحية شرعه لكل زمان ومكان. ٥ - الرضا بالإسلام ديناً يستلزم منا الدفاع عن هذا الدين ، والجهاد من أجله، ونشره في الدنيا، وعدم التفريط، وأن يكون شعاراً ظاهراً لنا في كل أفعالنا وأقوالنا وواقعاً نعيشه في كل أمور حياتنا.

стр. 13

- والرِّضا بمحمدٍ ﷺ رسولاً بأن: ١ - ننقادَ له ونسلّم تسليمًا مطلقًا بما أتى به ، فلا يتحاكم إلا لهديه، ولا يحكّم عليه غيرَه، ولا يرضى بحكم غيره البتّةَ، وأن لا يبقى في قلبه حرجٌ من حكمه، وأن يسلّم تسليمًا، أيًّا كان حكمه، حتى وإن كان مخالفًا لمراد النفس أو هواها أو مغايرًا لقول أحدٍ كائنًا من كان. - لأن الحبيبَ ﷺ قال كما في الحديث الصحيح: (كلُّ أمتي يدخل الجنّةَ إلا من أبى)، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: (من أطاعني دخل الجنّةَ، ومن عصاني فقد أبى). - وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾. ٢ - ومن مقتضياته: تصديقه في جميع ما أخبر , ومحبته ﷺ , وطاعته في أوامره , واجتناب نواهيه , واتخاذ ما جاء به من الشرع منهاجا ً للحياة. الدرس الثامن: أن نكون كالجسد الواحد - قال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا). - عن أبي موسى، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: (المؤمنُ للمؤمنِ كالبُنيانِ يَشُدُّ بعضُه بعضاً)، وشبَّك بين أَصابعِه. - وفي مسند الإمام أحمد عن سهلِ بن سعدٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: (المؤمن من أهلِ الإيمانِ بمنْزلةِ الرَّأسِ مِنَ الجَسَدِ، يأْلَمُ المؤمنُ لأهلِ الإيمانِ كما يأْلَمُ الجَسَد لِما في الرَّأْسِ). - حاسب نفسك !: كم سمعنا من الأحاديث ومن الخطب والدروس عن الإخوة الإيمانية وحق المسلم على أخيه المسلم، لكن هل عملنا بها؟ وهل طبقناها في واقعنا وحياتنا؟ وهل تتأثر مشاعرك وأحاسيسك عندما ترى أو تسمع عن إخوانك المضطهدين والمشردين والمأسورين؟ أم أن الأمر يكون عندك سيّان وليس له أي تأثير في قلبك وفي مشاعرك؟

стр. 14

- وصايا ثمينة: - قال علي بن أبي طالب ﵁: لا يكون الصديق صديقاً حتى يحفظ أخاه في ثلاث: في نكبته، وغيبته، ووفاته. - قيل لخالد بن صفوان: أي إخوانك أحب إليك؟ قال: الذي يسد خللي، ويغفر زللي، ويقبل عللي. - قال الفضيل بن عياض: من طلب أخاَ بلا عيب صار بلا أخ. - من متطلبات الجسد الواحد: - قال ابن القيم: من رفق بعباد الله رفق به ومن رحم خلقه رحمه ومن أحسن إليهم أحسن إليه. - ومن جاد عليهم جاد عليه ومن نفعهم نفعه. - ومن سترهم ستره ومن صفح عنهم صفح عنه ومن تتبع عورتهم تتبع عورته ومن هتكهم هتكه وفضحه. - ومن منعهم خيره منعه خيره ومن شاق شاق الله تعالى به. - ومن مكر مكر به ومن خادع خادعه. - ومن عامل خلقه بصفة عامله الله تعالى بتلك الصفة بعينها في الدنيا والآخرة. - فالله تعالى لعبده على حسب ما يكون العبد لخلقه. - ولهذا جاء في الحديث: (من ستر مسلما ستره الله تعالى في الدنيا والآخرة ومن نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله تعالى عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله تعالى حسابه ومن أقال نادما أقال الله تعالى عثرته ومن أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله تعالى في ظل عرشه). - الجماعة رحمة: - قال ابن القيم: فإن العبد بإيمانه وطاعته لله ورسوله قد سعى في انتفاعه بعمل إخوانه المؤمنين مع عمله كما ينتفع بعملهم في الحياة مع عمله. - فإن المؤمنين ينتفع بعضهم بعمل بعض في الأعمال التي يشتركون فيها كالصلاة في جماعة؛ فإن كل واحد منهم تضاعف صلاته إلى سبعة وعشرين ضعفا لمشاركة غيره له في الصلاة. - فعمل غيره كان سببا لزيادة أجره كما أن عمله سبب لزيادة أجر الآخر بل قد قيل إن الصلاة يضاعف ثوابها بعدد المصلين. - وكذلك اشتراكهم في الجهاد والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعاون على البر والتقوى. - وقد قال النبي ﷺ المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا وشبك بين أصابعه. - ومعلوم أن هذا بأمور الدين أولى منه بأمور الدنيا فدخول المسلم مع جملة المسلمين في عقد الإسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كل من المسلمين إلى صاحبه في حياته وبعد مماته، ودعوة المسلمين تحيط من ورائهم. اهـ بتصرف يسير

стр. 15

الدرس التاسع: ثمرة الإحسان - سئل النبي ﷺ عنِ الإحْسَانِ، فقال: (أنْ تَعبُدَ اللهَ كأنَّكَ تَراهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فإنَّهُ يراكَ). - قال ابن رجب ﵀: - يشير إلى أنَّ العبدَ يعبُدُ الله تعالى على هذه الصِّفة، وهو استحضارُ قُربِهِ، وأنَّه بينَ يديه كأنَّه يراهُ، وذلك يُوجبُ الخشيةَ والخوفَ والهيبةَ والتَّعظيمَ، كما جاء في رواية أبي هريرة: (أنْ تخشى الله كأنَّكَ تراهُ). ويُوجِبُ أيضاً النُّصحَ في العبادة، وبذل الجُهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها. - وقد وردت الأحاديثُ الصَّحيحةُ بالنَّدب إلى استحضار هذا القُربِ في حال العباداتِ، كقوله ﷺ : (إنَّ أحدَكم إذا قامَ يُصلِّي، فإنَّما يُناجِي ربَّه، أو ربَّه بينه وبينَ القبلةِ)، وقوله: (إنّ الله قِبَلَ وجهه إذا صلّى). - وخطب عروة بنُ الزُّبير إلى ابنِ عمرَ ابنته وهما في الطَّواف، فلم يُجبه، ثم لقيَهُ بعد ذلك، فاعتذر إليه، وقال: كنَّا في الطَّوافِ نتخايلُ الله بين أعيننا. - وقد جاءَ ذكرُ الإحسان في القُرآنِ في مواضعَ: - تارةً مقروناً بالإيمانِ، وتارةً مقروناً بالإسلامِ، وتارةً مقروناً بالتَّقوى، أو بالعمل. - فالمقرونُ بالإيمانِ: كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾. - والمقرونُ بالإسلام: كقوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾. - والمقرون بالتقوى: كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾.

стр. 16

الدرس العاشر: أنس الصالحين بالله - قال ﷺ : (يقولُ الله : أنا مع ظنِّ عبدي بي، وأنا معه حيث ذكرني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرتُهُ في نفسي، وإنْ ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خيرٍ منه، وإنْ تقرّبَ منِّي شبراً، تقرَّبتُ منه ذراعاً، وإن تقرَّبَ منِّي ذراعاً، تقرَّبتُ منه باعاً، وإن أتاني يمشي، أتيته هرولةً) - قال ثور بن يزيد: قرأتُ في بعضِ الكُتب: أنَّ عيسى ﵇ قال: يا معشر الحواريِّين، كلِّموا الله كثيراً، وكلِّموا الناسَ قليلاً، قالوا: كيف نكلِّمُ الله كثيراً؟ قال: اخلُوا بمناجاته، اخلوا بدُعائه. - قال بكرٌ المزنيُّ: مَن مثلُك يا ابنَ آدم: خُلِّي بينَك وبينَ المحراب والماء، كلّما شئتَ دخلتَ على اللهِ ، ليس بينَكَ وبينَه ترجُمان. ومن وصل إلى استحضارِ هذا في حال ذكره الله وعبادته استأنسَ بالله، واستوحش مِنْ خلقه ضرورةً. - وقيل لمالك بنِ مِغْول وهو جالسٌ في بيته وحده: ألا تستوحشُ؟ فقال: ويستوحشُ مع الله أحدٌ؟ - وكان حبيب أبو محمد يخلو في بيته، ويقولُ: من لم تَقَرَّ عينُه بكَ، فلا قرَّت عينُه، ومن لم يأنس بكَ، فلا أنِسَ. - وقال مسلم بنُ يسار: ما تلذَّذ المتلذِّذونَ بمثلِ الخَلْوةِ بمناجاةِ اللهِ . - أعلى الدرجات: - قال إبراهيم بن أدهم: أعلى الدَّرجات أنْ تنقطعَ إلى ربِّك، وتستأنِسَ إليه بقلبِك، وعقلك، وجميع جوارحك حتى لا ترجُو إلاَّ ربَّك، ولا تخاف إلاَّ ذنبكَ وترسخ محبته في قلبك حتى لا تُؤْثِرَ عليها شيئاً، فإذا كنت كذلك لم تُبالِ في بَرٍّ كنت، أو في بحرٍ، أو في سَهْلٍ، أو في جبلٍ، وكان شوقُك إلى لقاء الحبيب شوقَ الظمآن إلى الماء البارد، وشوقَ الجائعِ إلى الطَّعام الطيب، ويكونُ ذكر الله عندكَ أحلى مِنَ العسل، وأحلى من المَاء العذبِ الصَّافي عند العطشان في اليوم الصَّائف. - وقال الفضيل: طُوبى لمن استوحش مِنَ النَّاسِ، وكان الله جليسَه.

стр. 17

- وقال معروف لرجلٍ: توكَّل على الله حتّى يكونَ جليسَك وأنيسَك وموضعَ شكواكَ. - وقال ذو النون: مِنْ علامات المحبِّين لله أنْ لا يأنَسُوا بسواه، ولا يستوحشُوا معه. - ثم قال: إذا سكنَ القلبَ حبُّ اللهِ تعالى، أنِسَ بالله؛ لأنَّ الله أجلُّ في صُدورِ العارفين أنْ يُحبُّوا سواه. - وقال أبو إسحاق عن ميثم: بلغني أنَّ موسى ﵇، قالَ: ربِّ أيُّ عبادكَ أحبُّ إليكَ؟ قال: أكثرُهم لي ذكراً. - قال ذو النون: من اشتغل قلبُه ولسانُه بالذِّكر، قذف الله في قلبه نورَ الاشتياق إليه. - الذكر لذَّة قلوب العارفين. قال : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. - قال مالك بنُ دينار: ما تلذَّذ المتلذذون بمثل ذكر الله . - قال ذو النون: ما طابتِ الدنيا إلا بذكره، ولا طابت الآخرةُ إلا بعفوه، ولا طابت الجنَّة إلاّ برؤيته. - قال ابن رجب: المحبون يستوحشون من كلِّ شاغلٍ يَشغَلُ عن الذكر، فلا شيءَ أحبَّ إليهم من الخلوة بحبيبهم. - حلاوة العمل: - قال ابن القيم: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحا فاتهمه. - فإن الرب تعالى شكور، يعني أنه لابد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه وقوة انشراح وقرة عين. - فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول والقصد: أن السرور بالله وقربه وقرة العين به تبعث على الازدياد من طاعته وتحث على الجد في السير إليه. الدرس الحادي عشر: الذنوب الخفية - قال رسول الله ﷺ : (إنَّ الرجلَ ليعملُ عملَ أهلِ الجنَّةِ فيما يبدو للنَّاس وهو منْ أهلِ النار، وإنَّ الرجلَ ليعملُ عملَ أهلِ النارِ فيما يبدو للناس، وهو منْ أهلِ الجنةِ) زاد البخاري في رواية له: (إنَّما الأعمالُ بالخواتيم).

стр. 18

- قال ابن رجب: وقوله: (فيما يبدو للناس) إشارةٌ إلى أنَّ باطنَ الأمر يكونُ بخلافِ ذلك، وإنَّ خاتمة السُّوءِ تكونُ بسبب دسيسةٍ باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس، إما من جهة عمل سيئ ونحو ذلك، فتلك الخصلة الخفية توجب سُوءَ الخاتمة عند الموت، وكذلك قد يعمل الرجلُ عملَ أهل النَّارِ وفي باطنه خصلةٌ خفيةٌ من خصال الخير، فتغلب عليه تلكَ الخصلةُ في آخر عمره، فتوجب له حسنَ الخاتمة. - قال عبد العزيز بن أبي روَّاد: حضرت رجلاً عند الموت يُلَقَّنُ لا إله إلا الله، فقال في آخر ما قال: هو كافرٌ بما تقول، ومات على ذلك، قال: فسألتُ عنه، فإذا هو مدمنُ خمرٍ. فكان عبد العزيز يقول: اتقوا الذنوب، فإنَّها هي التي أوقعته. - كان خوف السلف يشتدُّ من سُوءِ الخواتيم: - وقال سفيانُ لبعض الصالحين: هل أبكاك قطُّ علمُ الله فيك؟ فقال له ذلك الرجل: تركتني لا أفرحُ أبداً. - وكان سفيان يشتدُّ قلقُهُ من السوابق والخواتم، فكان يبكي ويقول: أخاف أنْ أكون في أمِّ الكتاب شقياً، ويبكي ويقول: أخافُ أنْ أسلبَ الإيمانَ عند الموت. - وكان مالك بنُ دينار يقومُ طُولَ ليلهِ قابضاً على لحيته، ويقول: يا ربِّ، قد علمتَ ساكنَ الجنة من ساكن النار، ففي أيِّ الدارين منْزلُ مالك. - أثر الذنوب على القلوب: - قال أبو الدرداء: لِيَتَّقِ أحدُكم أنْ تلعنه قلوبُ المؤمنين وهو لا يشعر، يخلو بمعاصي الله، فيلقي الله له البغضَ في قلوب المؤمنين. - قال سليمانُ التيميُّ: إنَّ الرجل لَيُصيب الذنبَ في السرِّ فيصبح وعليه مذلتُه. - وقال غيره: إنَّ العبد ليذنب الذنب فيما بينه وبينَ الله، ثم يجيءُ إلى إخوانه، فيرون أَثَرَ ذلك عليه، وهذا مِن أعظم الأدلة على وجودِ الإِله الحقِّ المجازي بذرَّات الأعمال في الدنيا قبل الآخرة، ولا يضيع عندَه عملُ عاملٍ، ولا ينفع من قدرته حجاب ولا استتار.

стр. 19

- السعيد .. والخاسر: - قال ابن رجب: فالسعيدُ مَنْ أصلح ما بينَه وبينَ الله، فإنَّه من أصلح ما بينه وبينَ الله أصلح الله ما بينه وبين الخلق، ومن التمس محامدَ الناسِ بسخط الله، عاد حامده من النَّاس له ذاماً. - قال أبو سليمان: الخاسرُ من أبدى للناس صالح عمله، وبارز بالقبيح من هو أقربُ إليه من حبل الوريد. - من أسباب سوء الخاتمة: - قال ابن رجب: خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لايطلع عليها الناس. - وقال بعضهم: ذنوب الخلوات تؤدي الى الإنتكاسات، وطاعة الخلوات طريق للثبات حتى الممات بإذن الله. - أبدله الله خيرا منه: - قال قتادة: لا يَقْدِر رَجلٌ على حرام ثم يَدَعه ليس به إلا مخافة الله إلا أبدله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خيرٌ له من ذلك. - قال أُبَيّ بن كعب: ما من عبد ترك شيئًا لله إلا أبدله الله به ما هو خير منه من حيث لا يحتسب، ولا تهاون به عبد فأخذ من حيث لا يصلح إلا أتاه الله بما هو أشد عليه، ويشهد له قوله ﷺ : (فإن مَن ترك شيئًا للهِ عوَّضَه اللهُ خيرًا منه). - من علامات النفاق: - قال يحيى بن معاذ: مَن ستر عن الناس ذنوبه وأبداها للذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؛ فقد جعله أهون الناظرين إليه، وهو مِن علامات النفاق! الدرس الثاني عشر: أخطار تهددنا - قال حاتمٌ الأصمُّ: مَنْ خلا قلبُه من ذكر أربعة أخطار، فهو مغترٌّ، فلا يأمن الشقاء: - الأوَّل: خطرُ يوم الميثاق حين قال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي، فلا يعلم في أيِّ الفريقين كان. - والثاني: حين خلق في ظلمات ثلاث، فنودي الملك بالسعادة والشَّقاوة، ولا يدري: أمن الأشقياء هو أم منَ السعداء؟. - والثالث: ذكر هول المطلع، فلا يدري أيبشر برضا الله أو بسخطه؟. - والرابع: يوم يَصدُرُ الناس أشتاتاً، ولا يدري، أيّ الطريقين يُسلك به.

стр. 20

- هل تخاف من النفاق ؟ - ومن هنا كان الصحابة ومَنْ بعدهم منَ السَّلف الصالح يخافون على أنفسهم النفاق ويشتد قلقهم وجزَعُهم منه. - فالمؤمن يخاف على نفسه النفاقَ الأصغرَ، ويخاف أنْ يغلب ذلك عليه عندَ الخاتمة، فيخرجه إلى النفاق الأكبر، كما تقدم أنَّ دسائس السوء الخفية تُوجِبُ سُوءَ الخاتمة. - وقد كان النَّبيُّ ﷺ يُكثرُ أنْ يقول في دعائه: (يا مقلِّب القلوب ثبتْ قلبي على دينكَ) فقيل له: يا نبيَّ الله آمنا بك وبما جئتَ به، فهل تخافُ علينا؟ فقال: (نعم، إنَّ القُلوبَ بينَ أصبعين منْ أصابع الله يُقلِّبها كيف يشاء) خرّجه الإمام أحمد والترمذي من حديث أنس. - احذر أربعة أمور: - قال الحسن: أربعٌ من كُنَّ فيه عصمه الله من الشيطان، وحرَّمه على النار: مَنْ ملك نفسَه عندَ الرغبة، والرهبة، والشهوةِ، والغضبِ. - قال ابن رجب: فهذه الأربع التي ذكرها الحسن هي مبدأ الشرِّ كُلِّه. ١ - فإنَّ الرغبةَ في الشيء هي ميلُ النفس إليه لاعتقاد نفعه، فمن حصل له رغبةٌ في شيءٍ، حملته تلك الرغبة على طلب ذلك الشيء من كل وجه يَظُنُّه موصلاً إليه، وقد يكون كثير منها محرماً. ٢ - والرهبة: هي الخوفُ من الشيء، وإذا خاف الإنسان من شيء تسبب في دفعه عنه بكلِّ طريق يظنه دافعاً له، وقد يكون كثير منها محرَّماً. ٣ - والشهوة: هي ميلُ النفس إلى ما يُلائمها، وتلتذُّ به، وقد تميل كثيراً إلى ما هو محرَّم كالزنا والسرقة وشرب الخمر، بل وإلى الكفر والسحر والنفاق والبدع. ٤ - والغضب: هو غليانُ دم القلب طلباً لدفع المؤذي عندَ خشية وقوعه، أو طلباً للانتقام ممن حصل له منه الأذى بعدَ وقوعه، وينشأ من ذلك كثيرٌ من الأفعال المحرمة كالقتل والضربِ وأنواعِ الظلم والعُدوان، وكثيرٍ من الأقوال المحرَّمة كالقذفِ والسبِّ والفحش، وربما ارتقى إلى درجة الكفر.

стр. 21

- أخطر الجوارح !: - قال ابن القيم: ومن العجب: - أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر، ومن النظر المحرم وغير ذلك. - ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه. - حتى ترى الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لا يلقي لها بالا ينزل بالكلمة الواحدة منها أبعد مما بين المشرق والمغرب - وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم، ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات، ولا يبالي ما يقول. - خطر النار: - قال يحيى بن معاذ: مسكين ابن آدم لو خاف من النار كما يخاف الفقر لدخل الجنة. الدرس الثالث عشر: القلب السليم - قال النبي ﷺ : (ألا وإنَّ في الجسد مضغةً، إذا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجسدُ كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلب). - فيه إشارةٌ إلى أنَّ صلاحَ حركاتِ العبدِ بجوارحه، واجتنابه للمحرَّمات واتَّقاءه للشُّبهات بحسب صلاحِ حركةِ قلبِه. - فإنْ كان قلبُه سليماً، ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يُحبه الله، وخشية الله وخشية الوقوع فيما يكرهه، صلحت حركاتُ الجوارح كلّها، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرَّمات كلها، وتوقي للشبهات حذراً مِنَ الوقوعِ في المحرَّمات. - وإنْ كان القلبُ فاسداً، قدِ استولى عليه اتِّباعُ هواه، وطلب ما يحبُّه، ولو كرهه الله، فسدت حركاتُ الجوارح كلها، وانبعثت إلى كلِّ المعاصي والمشتبهات بحسب اتِّباع هوى القلب. - ولهذا يقال: القلبُ مَلِكُ الأعضاء، وبقيَّةُ الأعضاءِ جنودُه، وهم مع هذا جنودٌ طائعون له، منبعثون في طاعته، وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه في شيءٍ من ذلك، فإنْ كان الملكُ صالحاً كانت هذه الجنود صالحةً، وإنْ كان فاسداً كانت جنودُه بهذه المثابَةِ فاسدةً، ولا ينفع عند الله إلاّ القلبُ السليم. كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.

стр. 22

- فالقلب السليم: هو السالم من الآفات والمكروهات كلِّها، وهو القلبُ الذي ليس فيه سوى محبة الله وما يحبُّه الله، وخشية الله، وخشية ما يُباعد منه. - وفي مسند الإمام أحمد عن أنس، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: (لا يستقيمُ إيمانُ عبدٍ حتى يستقيمَ قلبُه). - والمراد باستقامة إيمانه: استقامةُ أعمال جوارحه، فإنَّ أعمالَ الجوارحِ لا تستقيمُ إلا باستقامة القلب، ومعنى استقامة القلب: أنْ يكونَ ممتلئاً مِنْ محبَّةِ الله، ومحبَّة طاعته، وكراهة معصيته. الدرس الرابع عشر: بعض ما يريد الله منّا ؟ قال الله تعالى: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً). - قال سيد قطب: وتكشف الآية الواحدة القصيرة عن حقيقة ما يريده الله للناس بمنهجه وطريقته. - وحقيقة ما يريده بهم الذين يتبعون الشهوات، ويحيدون عن منهج الله. - وكل من يحيد عن منهج الله إنما يتبع الشهوات. - فليس هنالك إلا منهج واحد هو الجد والاستقامة والالتزام. - وكل ما عداه إن هو إلا هوى يتبع، وشهوة تطاع، وانحراف وفسوق وضلال. - فماذا يريد الله بالناس، حين يبين لهم منهجه، ويشرع لهم سنته؟ - إنه يريد أن يتوب عليهم. يريد أن يهديهم. يريد أن يجنبهم المزالق. يريد أن يعينهم على التسامي في المرتقى الصاعد إلى القمة السامقة. - وماذا يريد الذين يتبعون الشهوات؟، ويزينون للناس منابع ومذاهب لم يأذن بها الله؟، ولم يشرعها لعباده؟. - إنهم يريدن لهم أن يميلوا ميلاً عظيماً عن المنهج الراشد، والمرتقى الصاعد والطريق المستقيم. - قال الحسن البصري لرجل: داوِ قلبكَ؛ فإنَّ حاجة الله إلى العباد صلاحُ قلوبهم.

стр. 23

- قال ابن رجب: يعني: أنَّ مراده منهم ومطلوبه صلاحُ قلوبهم، فلا صلاحَ للقلوب حتَّى تستقرَّ فيها معرفةُ اللهِ وعظمتُه ومحبَّتُه وخشيتُهُ ومهابتُه ورجاؤهُ والتوكلُ عليهِ، وتمتلئَ مِنْ ذَلِكَ. - وهذا هوَ حقيقةُ التوحيد، وهو معنى (لا إله إلا الله)، فلا صلاحَ للقلوب حتَّى يكونَ إلهُها الذي تألَهُه وتعرفه وتحبُّه وتخشاه هوَ الله وحده لا شريكَ لهُ، ولو كانَ في السماوات والأرض إله يُؤَلَّه سوى الله، لفسدت بذلك السماوات والأرض، كما قالَ تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللهُ لَفَسَدَتَا﴾. - قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله﴾. - فجعل الله علامة الصدق في محبته اتباعَ رسولِهِ، فدلَّ على أنَّ المحبة لا تتمُّ بدون الطاعة والموافقة. - قال الحسن البصري: اعلم أنَّك لن تُحِبَّ الله حتى تُحِبَّ طاعته. - وسُئل ذو النون: متى أُحِبُّ ربي؟ قالَ: إذا كانَ ما يُبغضه عندك أمرَّ من الصبر. - وقال أبو يعقوب النهرجوري: كلُّ من ادَّعى محبة الله ، ولم يُوافق الله في أمره ونهيه، فدعواه باطل. - متى يكمل إيمان العبد ؟: - قال ابن رجب: ومعنى هذا أنَّ حركات القلب والجوارح إذا كانت كلُّها لله فقد كَمُلَ إيمانُ العبد بذلك ظاهراً وباطناً، ويلزمُ من صلاح حركات القلب صلاحُ حركات الجوارح، فإذا كان القلب صالحاً ليس فيه إلا إرادة الله وإرادة ما يريده لم تنبعثِ الجوارحُ إلا فيما يُريده الله، فسارعت إلى ما فيه رضاه، وكَفَّتْ عما يكرهه، وعما يخشى أنْ يكونَ مما يكرهه وإنْ لم يتيقن ذلك. - هل تراقب حركاتك ؟: - قال الحسن: ما نظرتُ ببصري، ولا نطقتُ بلساني، ولا بطشتُ بيدي، ولا نهضتُ على قدمي حتّى أنظر على طاعةٍ أو على معصية، فإنْ كانت طاعةٌ تقدمت، وإنْ كانت معصية تأخَّرت.

стр. 24

- فهؤلاء القوم لما صلحت قلوبُهم، فلم يبق فيها إرادةٌ لغير الله تعالى، صلحت جوارحُهم، فلم تتحرّك إلا لله تعالى، وبما فيه رضاه. الدرس الخامس عشر: أهمية النصيحة في حياة الأمة - قال تعالى: (وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر). - قال النَّبيَّ ﷺ : (الدِّينُ النَّصيحَةُ ثلاثاً)، قُلْنا: لِمَنْ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: (للهِ ولِكتابِهِ ولِرَسولِهِ ولأئمَّةِ المُسلِمِينَ وعامَّتِهم) رَواهُ مُسلمٌ. - تعريف النصيحة: هي كلمة يعبر بها عن إرادة الخير للمنصوح له. - قال الحسن: وقال بعضُ أصحاب النَّبيِّ ﷺ : والذي نفسي بيده إنْ شئتم لأقسمنَّ لكم بالله إنَّ أحبَّ عبادِ الله إلى الله الذين يُحببون الله إلى عباده ويُحببون عباد الله إلى الله، ويسعون في الأرض بالنصيحة. - قال الفضيلُ بن عياض: ما أدركَ عندنا مَنْ أدرك بكثرة الصلاة والصيام، وإنما أدرك عندنا بسخاءِ الأنفس، وسلامةِ الصدور، والنصح للأمة. - سئل ابنُ المباركَ: أيُّ الأعمال أفضلُ؟ قال: النصحُ لله. - قال معمر: كان يقال: أنصحُ الناسِ لك مَنْ خاف الله فيك. وكان السَّلفُ إذا أرادوا نصيحةَ أحدٍ، وعظوه سراً حتّى قال بعضهم: مَنْ وعظ أخاه فيما بينه وبينَه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنَّما وبخه. - قال الفضيل: المؤمن يَسْتُرُ ويَنْصَحُ، والفاجرُ يهتك ويُعيِّرُ. - قال عبد العزيز بن أبي رواد: كان مَنْ كان قبلكم إذا رأى الرجلُ من أخيه شيئاً يأمره في رفق، فيؤجر في أمره ونهيه، وإنَّ أحد هؤلاء يخرق بصاحبه فيستغضب أخاه ويهتك ستره. - قال عليٌّ بن أبي طالب ﵁: إنَّ أول ما تُغلبونَ عليه مِنَ الجِهادِ: الجهادُ بأيديكم، ثم الجهادُ بألسنتكم، ثم الجهادُ بقلوبكم، فمن لم يعرف قَلبهُ المعروفَ، ويُنكرُ قلبهُ المنكرَ، نُكِسَ فجُعِل أعلاه أسفلَه.

стр. 25

- الإنكار بالقلب: - الإنكارَ بالقلب فرضٌ على كلِّ مسلمٍ في كلِّ حالٍ، وأمَّا الإنكارُ باليدِ واللِّسانِ فبحسب القُدرة. - كما في حديث أبي بكرٍ الصديق ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: (ما من قومٍ يُعمَلُ فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون على أنْ يغيِّروا، فلا يغيِّروا، إلا يُوشِكُ أنْ يعمَّهم الله بعقابٍ) خرّجه أبو داود. - آداب النصيحة: ١ - أن يقصد بها وجه الله تعالى. ٢ - أن لا يقصد التشهير. ٣ - أن تكون النصيحة في السر، قال بعض السلف: (من وعظ أخاه فيما بينه وبينه، فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وبَّخه) ٤ - أن يكون النصح بلطف وأدب ورفق، كما قال النبي ﷺ : (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه). ٥ - اختيار الوقت المناسب للنصيحة، لأن المنصوح لا يكون في كل وقت مستعداً لقبول النصيحة، فقد يكون مكدراً في نفسه بحزن أو غضب، أو غير ذلك مما يمنعه من الاستجابة لنصح الناصح. ٦ - العمل بالنصيحة التي توجهها للناس. ٧ - الصبر على الأذى في النصيحة. - شعارنا: النصح لكل مسلم: - أخي الحبيب: هل جعلت شعارك في يومك وليلك أنك ما إن ترى خطئا أو معصية من أحد إخوانك المسلمين، فتهدي له النصيحة بأسلوب رائع سواء كان عن طريق الكتابة أو إهداء شريط أو غير ذلك من الوسائل. - كاليدين: - قال شيخ الإسلام: فإن المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى.

стр. 26

الدرس السادس عشر: التَّلقي للتنفيذ - قال ﷺ : (إذا نهيتُكم عن شيءٍ، فاجتنبوه، وإذا أمرتُكم بأمرٍ، فأتوا منه ما استطعتم). - قال ابن رجب: فالذي يتعيَّنُ على المسلم الاعتناءُ به والاهتمامُ أنْ يبحثَ عمَّا جاءَ عن الله ورسوله ﷺ ، ثم يجتهدُ في فهم ذلك، والوقوف على معانيه، ثم يشتغل بالتصديقِ بذلك إنْ كان من الأمور العلمية، وإنْ كان من الأمور العملية، بذل وسْعَهُ في الاجتهاد في فعل ما يستطيعه من الأوامر، واجتناب ما يُنهى عنه، وتكون همَّتُهُ مصروفةً بالكلية إلى ذلك؛ لا إلى غيره. - وهكذا كان حالُ أصحابِ النَّبيِّ ﷺ والتابعين لهم بإحسّانٍ في طلب العلم النافع مِنَ الكتاب والسنة. - فأما إنْ كانت همةُ السامع مصروفةً عند سماعِ الأمر والنهي إلى فرض أمورٍ قد تقع، وقد لا تقع، فإنَّ هذا مما يدخل في النَّهي، ويثبِّطُ عنِ الجد في متابعة الأمر. - متى يُحمد طلب العلم ؟: - إنَّ التَّفقُّهَ في الدِّين، والسُّؤالَ عن العِلم إنَّما يُحمَدُ إذا كان للعمل، لا لِلمراءِ والجدال. - ومِلاكُ الأمرِ كلِّه أنْ يقصِدَ بذلك وجه الله، والتقرُّبَ إليه بمعرفة ما أنزل على رسوله، وسلوكِ طَريقه، والعمل بذلك، ودعاء الخلق إليه. - فتن في آخر الزمان: - وقد روي عن عليٍّ ﵁ أنَّه ذكر فتناً تكونُ في آخر الزَّمان. فقال له عمر ﵁: متَى ذلك يا عليُّ؟ قال: - إذا تُفُقِّه لغير الدين. - وتُعُلِّم لغير العمل. - والتمست الدنيا بعمل الآخرة. - السؤال عمَّا لم يكن ؟: - قال ابن عمر ﵁: لا تسألوا عما لم يكن، فإني سمعتُ عمر لعنَ السَّائل عمَّا لم يكن. - وكان زيدُ بنُ ثابتٍ إذا سُئِلَ عن الشَّيءِ يقول: كان هذا؟ فإنْ قالوا: لا، قال: دعوه حتّى يكون. - متى يذهب نور العلم ؟: - قال الإمام مالك: المِراء والجِدال في العلم يَذهبُ بنور العلم من قلب الرجل. - قال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول: المراء في العلم يُقسِّي القلوب، ويورِّث الضغن.

стр. 27

- ثمرة العمل بالعلم: ومَنْ كان كذلك، وفَّقه الله وسدَّده، وألهمه رشده، وعلَّمه ما لم يكن يعلم، وكان من العلماء الممدوحين في الكتاب في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾. - وصية مُشفق: - أخي المسلم: لا يكن همك من العلم هو جمع الكتب، وحفظ المسائل وضبط المتون، ونيل الشهادات، وأخذ الإجازات دون العمل بالعلم، وتنفيذ ما تسمع أو تقرأ فتكثر من حجج الله عليك ويكون وبالا عليك. - أمثلة واقعية من حياة السلف: - المثال الأول: قال عبد الله بن مسعود ﵁: كنا نتعلم العشر آيات لا نتجاوزهن حتى نعمل بها. - المثال الثاني: قال ابن عمر ﵁: بينما نحن نصلي مع رسول الله ﷺ إذ قال رجل من القوم: الله أكبر كبيراً، والحمد الله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً. فقال رسول الله: من القائل كلمة كذا وكذا؟) قال رجل من القوم: أنا يا رسول الله! قال: (عجبت لها! فتحت لها أبواب السماء). - قال ابن عمر: فما تركتهن منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك. رواه مسلم. - المثال الثالث: وعن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري، قال: سمعت أبي رضي الله عنه، وهو بحضرة العدو يقول: قال رسول الله: (إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف)، فقام رجل رث الهيئة فقال: يا أبا موسى أأنت سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك؟ قال: نعم، فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام. ثم كسر جفن سيفه فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قُتِلَ. رواه مسلم - المثال الرابع: عن علي ﵁ قال: اشتكت فاطمة ﵂ ما تلقى من الرحى في يدها، وأتى النبي ﷺ سبيٌ فانطلقت فلم تجده؛

стр. 28

فأخبرته عائشة بمجيء فاطمة إليه، فجاء النبيّ ﷺ إلينا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا نقوم، فقال النبي ﷺ : على مكانكما. فقعد بيننا، ثم قال: (ألا أعلمكما خيراً مما سألتما؟ إذا أخذتما مضاجعكما: أن تكبرا الله أربعاً وثلاثين، وتسبحا ثلاثاً وثلاثين، وتحمدا ثلاثاً وثلاثين؛ فهو خير لكما من خادم) - قال علي ﵁: ما تركته منذ سمعته من النبي. قيل له: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين. رواه مسلم. - المثال الخامس: عن سالم بن عبد الله بن عمر ابن الخطاب ﵃، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ ، قال: (نِعْمَ الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل). قال سالم: فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلاً) رواه مسلم. - المثال السادس: عن النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوسٍ، قال: حدثني عنبسة بن أبي سفيان في مرضه الذي مات فيه بحديث يتسارّ إليه قال سمعت أم حبيبة ﵂ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بُنِيَ لهُ بهن بيت في الجنة). - قالت أم حبيبة ﵂: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله. - وقال عنبسة: فما تركتهن منذ سمعتهن من أم حبيبة. - وقال عمرو بن أوسٍ: ما تركتهن منذ سمعتهن من عنبسة. - قال النعمان بن سالم: ما تركتهن منذ سمعتهن من عمرو بن أوسٍ. رواه مسلم. فلعلك ياأخي المسلم تقتدي بهم ولاتترك هذه النصيحة منذ أن تسمعها. - المثال السابع: قال الإمام البخاري: ما اغتبت أحداً قط منذ علمت أن الغيبة حرام. إني لأرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحداً.

стр. 29

الدرس السابع عشر: من صفات الراسخين في العلم - قال تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. - قال الشيخ السعدي: أي: الذين ثبت العلم في قلوبهم ورسخ الإيقان في أفئدتهم فأثمر لهم الإيمان التام العام ﴿بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِن قَبْلِكَ﴾. - وأثمر لهم الأعمال الصالحة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة اللذين هما أفضل الأعمال، وقد اشتملتا على الإخلاص للمعبود والإحسان إلى العبيد. وآمنوا باليوم الآخر فخافوا الوعيد ورجوا الوعد. - قال نافع بن يزيد: يقال: الرَّاسخونَ في العلم: المتواضعون لله، والمتذلِّلون لله في مرضاته لا يتعاطون من فوقهم، ولا يحقرون من دونهم. - قيل للإمام أحمد: مَنْ نسألُ بعدَك؟ قال: عبد الوهَّاب الورَّاق، قيل له: إنَّه ليس له اتَّساعٌ في العلم، قال: إنَّه رجل صالح مثلُه يُوفَّقُ لإصابة الحق. - وسئل عن معروف الكرخي، فقال: كان معه أصلُ العلم: خشية الله. - قال بعض السلف: كفى بخشية الله علماً، وكفى بالاغترار بالله جهلاً. - العلم النافع: - قال ابن رجب: العلم قسمان: - أحدهما: ما كان ثمرتُه في قلبِ الإنسان، وهو العلمُ بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله المقتضي لخشيتِهِ، ومهابتِه، وإجلالِه، والخضوع له، ولمحبَّتِه، ورجائهِ، ودعائه، والتوكُّل عليه، ونحو ذلك، فهذا هو العلمُ النافع. - كما قال ابنُ مسعود: إنَّ أقواماً يقرءون القرآن لا يُجاوُزِ تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب، فرسخ فيه، نفع. - وقال الحسنُ: العلم علمان: علمٌ على اللسان، فذاك حُجَّة الله على ابن آدم، وعلم في القلب، فذاك العلم النافع. - والقسم الثاني: العلمُ الذي على اللِّسَانِ، وهو حجَّةُ الله كما في الحديث: (القرآن حجة لك أو عليك). - فأوَّلُ ما يُرفعُ مِنَ العلم: العلمُ النَّافع، وهو العلم الباطنُ الذي يُخالِطُ القلوبَ ويُصلحها.

стр. 30

- ويبقى علمُ اللِّسان حجَّةً، فيتهاونُ الناسُ به، ولا يعملون بمقتضاه، لا حملتُه ولا غيرهم، ثم يذهبُ هذا العلم بذهاب حَمَلتِه، فلا يبقى إلا القرآن في المصاحف، وليس ثَمَّ من يعلمُ معانيه، ولا حدوده، ولا أحكامه، ثمَّ يسرى به في آخر الزمان، فلا يبقى في المصاحف ولا في القُلوب منه شيءٌ بالكلِّيَّةِ. - وبعد ذلك تقومُ السَّاعة، كما قال ﷺ : (لا تقومُ السَّاعة إلاَّ على شرارِ الناس). رواه مسلم. - قال ابن مسعود ﵁: لا تعلموا العلم لثلاث: ١ - لتماروا به السفهاء. ٢ - أو لتجادلوا به الفقهاء. ٣ - أو لتصرفوا به وجوه الناس إليكم. وابتغوا بقولكم وفعلكم ماعند الله، فإنه يبقى ويذهب ما سواه. - وهذه بعض آفات التعلم في زماننا: وهي كون هم المتعلم صرف وجوه الناس إليه وهذا أمر خطير ومرض في القلب شره مستطير وعليه: فلا يكن همك أن يجتمع عليك الناس. وأن تسلّط عليك الأضواء وتلتقي بهم في برنامج على الهواء. وأن تذكر في المجالس بالحفظ والفهم والمنطق. - هل كلما ازدت علما ازدت عملا ؟: - قال ابن القيم: وكل علم وعمل لا يزيد الايمان واليقين قوة فمدخول وكل ايمان لا يبعث على العمل فمدخول. الدخل - العيب والخلل والنقص- ونحن في زماننا هذا علمنا مدخول وعملنا غير مانقول ومهما كبر الرجل وعلا كعبه في العلم إلا أنك تتفاجئ بمواقفه وأحواله التي تناقض علمه الجم وفقهه الواسع ونظره الثاقب وتحليلالته للواقع والعيب والخلل يكمن فيما قاله ابن القيم بأن علمه مدخول وقال الفضيل بن عياض: رهبة المرء من الله تعالى على قدر علمه بالله تعالى.

стр. 31

الدرس الثامن عشر: إن الله جميل يحب الجمال - عن عبد الله بن مسعود ﵁ النبي ﷺ قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر قال رجل إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة قال إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس). - جمال الله ﷻ على أربع مراتب: - قال ابن القيم: وجماله سبحانه على أربع مراتب: ١ - جمال الذات، وما هو عليه أمر لا يدركه سواه ولا يعلمه غيره. ٢ - وجمال الأسماء، فأسماؤه كلها حسنى. ٣ - وجمال الصفات، فصفاته كلها صفات كمال. ٤ - وجمال الأفعال، فأفعاله كلها حكمة ومصلحة وعدل ورحمة. - والمقصود أن هذا الحديث الشريف مشتمل على أصلين عظيمين: - فأوله معرفة، فيعرف الله سبحانه بالجمال الذي لا يماثله فيه شيء. - وآخره سلوك، فيعبد بالجمال الذي يحبه من: - قلبه: بالإخلاص والمحبة والإنابة والتوكل. - الأقوال: فيحب من عبده أن يجمل لسانه بالصدق. - والأعمال: كالصلاة والصيام والصدق. - والأخلاق: كالتواضع والحلم والشجاعة والكرم والسخاء. - وجوارحه: بالطاعة والعبادة وكثرة التقرب إليه سبحانه. - وبدنه: بإظهار نعمه عليه في لباسه وتطهيره له من الأنجاس والأحداث والأوساخ والشعور المكروهة والختان وتقليم الأظفار. - فيعرفه بصفات الجمال ويتعرف إليه بالأفعال والأقوال والأخلاق الجميلة فيعرفه بالجمال الذي هو وصفه ويعبده بالجمال الذي هو شرعه ودينه فجمع الحديث قاعدتين المعرفة والسلوك. - يحب الجميل .. ويبغض القبيح: - قال ابن القيم: وهو سبحانه كما يحب الجمال في الأقوال والأفعال واللباس والهيأة يبغض القبيح من الأقوال والافعال والثياب والهيأة فيبغض القبيح وأهله ويحب الجمال وأهله. - جمال الظاهر والباطن: - قال تعالى: (يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ). - فجمع سبحانه بين الزينتين زينة البدن باللباس , زينة القلب بالتقوى , زينة الظاهر والباطن , وكمال الظاهر والباطن.

стр. 32

- قال ابن القيم: وكما أن الجمال الباطن من أعظم نعم الله تعالى على عبده فالجمال الظاهر نعمة منه أيضا على عبده يوجب شكرا. - فإن شكره بتقواه وصيانته ازداد جمالا على جماله. - وإن استعمل جماله في معاصيه سبحانه قلبه له شيئا ظاهرا في الدنيا قبل الآخرة فتعود تلك المحاسن وحشة وقبحا وشينا وينفر عنه من رآه. - فكل من لم يتق الله في حسنه وجماله انقلب قبحا وشينا يشينه به بين الناس. - فحسن الباطن يعلو قبح الظاهر ويستره وقبح الباطن يعلو جمال الظاهر ويستره. - حكمة: - جمال المرء في تقواه واستقامته على طاعة الله ومتابعته للكتاب والسنة. الدرس التاسع عشر: المؤمن طيب في كل شيء - عَنْ أبي هُرَيرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : (إنَّ الله طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلاَّ طيِّباً، وإنَّ الله تعالى أمرَ المُؤْمِنينَ بما أمرَ به المُرسَلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحا﴾ رواه مسلم. - قال ابن رجب: والمعنى: أنَّه تعالى مقدَّسٌ منَزَّه عن النقائص والعيوب كلها، وهذا كما في قوله: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُون﴾، والمراد: المنزهون من أدناس الفواحش وأوضَارها. - وقد قيل: إنَّ المراد في هذا الحديث الذي نتكلم فيه الآن بقوله: (لا يقبلُ الله إلا طيباً) أعمُّ مِنْ ذلك، وهو أنَّه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيباً طاهراً من المفسدات كلِّها، كالرياء والعُجب، ولا من الأموال إلا ما كان طيباً حلالاً. - فإنَّ الطيب تُوصَفُ به الأعمالُ والأقوالُ والاعتقاداتُ، فكلُّ هذه تنقسم إلى طيب وخبيث. - ووصف الله تعالى المؤمنين بالطيب بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾.

стр. 33

- وإنَّ الملائكة تقولُ عند الموت: اخرُجي أيتها النفس الطَّيِّبة التي كانت في الجسد الطيِّب، وإنَّ الملائكة تسلِّمُ عليهم عندَ دُخول الجنة، ويقولون لهم: طبتم فادخلوها خالدين. - فالمؤمن كله طيِّبٌ قلبُه ولسانُه وجسدُه بما سكن في قلبه من الإيمان، وظهر على لسانه من الذكر، وعلى جوارحه من الأعمال الصالحة التي هي ثمرة الإيمان، وداخلة في اسمه، فهذه الطيباتِ كلُّها يقبلها الله . - ومن أعظم ما يحصل به طيبةُ الأعمَال للمؤمن طيبُ مطعمه، وأنْ يكون من حلال، فبذلك يزكو عملُه. - وأما الصدقة بالمال الحرام، فغيرُ مقبولةٍ كما في " صحيح مسلم " عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ : (لا يقبلُ الله صلاةً بغير طهورٍ، ولا صدقةً من غلولٍ). الدرس العشرون: كرر في دعائك يا رب يا رب - قال الشيخ السعدي: والرب هو المربي جميع عباده بالتدبير وأصناف النعم. - وأخص من هذا تربيته لأصفيائه بإصلاح قلوبهم وأرواحهم وأخلاقهم. - وبهذا كثر دعاؤهم له بهذا الإسم الجليل لأنهم يطلبون منه هذه التربية الخاصة. - وهو الذي له جميع معاني الربوبية التي يستحق أن يؤله لأجلها وهي صفات الكمال كلها والمحامد كلها له والفضل كله والإحسان كله، وأنه لا يشارك الله أحد في معنى من معاني الربوبية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. - لا بشر ولا ملك، بل هم جميعاً عبيد مربوبون لربهم بكل أنواع الربوبية - روي عن أبي الدرداء وابن عباس أنَّهما كانا يقولان: اسم الله الأكبر ربِّ ربِّ. - سئل مالك وسفيان عمَّن يقول في الدعاء: يا سيدي، فقالا: يقول يا ربّ. زاد مالك: كما قالت الأنبياء في دعائهم.

стр. 34

- قال عطاء: ما قال عبدٌ يا ربِّ يا ربِّ يا ربِّ ثلاث مرات، إلاّ نظر الله إليه، فذكر ذلك للحسن، فقال: أما تقرءون القرآن؟ ثم تلا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾. - ومن تأمَّل الأدعية المذكورة في القرآن وجدها غالباً تفتتح باسم الرَّبِّ . - كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ - وقوله: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾. - وقوله: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾. ومثل هذا في القرآن كثير.

стр. 35

الدرس الواحد والعشرون: الإسلام الكامل - عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: (مِنْ حُسْنِ إسْلامِ المَرءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ) حديثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ التِّرمذيُّ وغَيرُهُ. - قال ابن رجب: ومعنى هذا الحديث: أنَّ مِنْ حسن إسلامه تَركَ ما لا يعنيه من قولٍ وفعلٍ، واقتصر على ما يعنيه من الأقوال والأفعال. - ومعنى يعنيه: أنْ تتعلق عنايتُه به، ويكونُ من مقصده ومطلوبه. - والعنايةُ: شدَّةُ الاهتمام بالشيء. - علامات الإسلام الكامل: - إنَّ الإسلام الكاملَ الممدوحَ يدخل فيه: - تركُ المحرمات. - وترك المشتبهات. - وترك المكروهات. - وترك فضول المباحات التي لا يحتاج إليها. - فإنَّ هذا كله لا يعني المسلم إذا كمل إسلامهُ، كما قال ﷺ : (المسلمُ مَنْ سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده). - وأكثر ما يُراد بترك ما لا يعني حفظ اللسان من لغو الكلام. - من علامة إعراض الله عن العبد: - قال الحسن البصري: مِنْ علامة إعراض الله تعالى عن العبد أنْ يجعل شغله فيما لا يعنيه. وقال سهل بنُ عبد الله التُّسترِي: من تكلم فيما لا يعنيه حُرِم الصدق. - وقال معروف: كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من اللهِ. - ثمرة الإسلام الكامل: - جاءت الأحاديثُ بفضل من حسن إسلامُه وأنَّه تضاعف حسناته، وتُكفر سيئاته، والظاهر أنَّ كثرة المضاعفة تكون بحسب حسن الإسلام. - ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: (إذا أحْسَنَ أَحَدُكُم إسلامَهُ، فكُلُّ حَسَنةٍ يَعْمَلُها تُكتَبُ بِعَشرِ أَمْثالِها إلى سبعِ مائة ضعفٍ، وكلُّ سَيِّئةٍ يعملها تُكتَبُ بمثلِها حتَّى يَلقى الله ) - فالمضاعفةُ للحسنة بعشر أمثالها لابدَّ منه، والزيادةُ على ذلك تكونُ بحسب إحسّان الإسلام، وإخلاصِ النية والحاجة إلى ذلك العمل وفضله. الدرس الثاني والعشرون: الحياء من الله - في الصحيحين عن عمران بن حصين، عن النَّبيِّ ﷺ قال: (الحياءُ لا يأتي إلاَّ بخيرٍ)، وفي روايةٍ لمسلم قال: (الحياء خيرٌ كلُّه). - قال الماوردي: واعلم أن الحياء في الإنسان قد يكون من ثلاثة أوجه:

стр. 36

- أحدها: حياؤه من الله تعالى فيكون بامتثال أوامره والكف عن زواجره. - والثاني: حياؤه من الناس فيكون بكف الأذى وترك المجاهرة بالقبيح. - والثالث: حياؤه من نفسه. فيكون بالعفة وصيانة الخلوات - فمتى كمل حياء الإنسان من وجوهه الثلاثة، فقد كملت فيه أسباب الخير، وانتفت عنه أسباب الشر، وصار بالفضل مشهورا، وبالجميل مذكورا. اهـ بتصرف يسير - عن معاذ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال له: (استحي من الله استحياءَ رجل ذي هيبةٍ من أهلك). - وهذا هو السببُ الموجب لخشية الله في السر، فإنَّ مَنْ عَلِمَ أنَّ الله يراه حيث كان، وأنَّه مُطَّلعٌ على باطنه وظاهره، وسرِّه وعلانيته، واستحضر ذلك في خلواته، أوجب له ذلك تركَ المعاصي في السِّرِّ. - فمن عبد الله على استحضار قربه ومشاهدته بقلبه، أو على استحضار قرب الله منه واطلاعه عليه، فقد حسن إسلامه، ولزم من ذلك أنْ يترك كل ما لا يعنيه في الإسلام، ويشتغل بما يعنيه فيه، فإنَّه يتولَّدُ من هذين المقامين الاستحياءُ من الله وترك كلِّ ما يُستحيى منه. - كما وصَّى ﷺ رجلاً أنْ يستحيي من الله كما يستحيي من رجل من صالحي عشيرته لا يُفارقه. - وفي المسند والترمذي عن ابن مسعود مرفوعاً: (الاستحياء من الله تعالى أنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وما حَوَى، وتَحفَظَ البَطنَ وما وَعَى، ولْتَذْكُرِ الموتَ والبِلى، فمن فَعَل ذلك، فقد استحيَى من الله حقَّ الحياء). - قال بعضهم: استحي من الله على قدر قربه منك، وخَفِ الله على قدر قدرته عليك. - وقال بعضُ العارفين: إذا تكلمتَ فاذْكُر سَمعَ اللهِ لك، وإذا سكتَّ فاذكر نظره إليك. - وقد وقعتِ الإشارةُ في القرآن العظيم إلى هذا المعنى في مواضع كثيرة: كقوله تعالى:

стр. 37

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. - وسُئِل الجنيد بما يُستعانُ على غضِّ البصر، قال: بعلمك أنَّ نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى ما تنظره. - وقال أبو الجلد: أوحى الله تعالى إلى نبيٍّ من الأنبياء: قُلْ لقومك: ما بالكم تسترون الذنوبَ من خلقي، وتُظهرونها لي، إنْ كنتم ترون أني لا أراكم، فأنتم مشركون بي، وإنْ كنتم تَرَونَ أني أراكم فلم جعلتموني أهونَ الناظرين إليكم؟. - صور من استشعار الحياء من الله: - ألا تستحي من الله أن يراك وأنت تعصيه. - ألا تستحي من الله أن يرى قلبك مشغولا عنه وأنت واقف بين يديه في الصلاة. - ألا تستحي من الله أن تقول قولا وليس في قلبك أي مراقبة لله فيه. - ألا تستحي من الله أن يرى في قلبك بغض وكراهية لإخوانك المسلمين. - ألا تستحي من الله أن يرى في قلبك التصنع والتكلف للمخلوق. - ألا تستحي من الله أن يرى في قلبك تعظيم المخلوقين أكثر من الخالق. - ألا تستحي من الله بأن أنْ تعملَ في السرِّ شيئاً تستحيي منه في العلانية. - ألا تستحي من الله بأن يكون ظاهرك خلاف باطنك. - ألا تستحي من الله عندما يناديك في الثلث الأخير من الليل (هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له ... ) وأنت نائم في فراشك؟. - كيف نكتسب الحياء من الله ؟: - من خلال معرفة اللهِ، ومعرفة عظمته وقربه من عباده، واطلاعه عليهم، وعلمِه بخائنة الأعين وما تُخفي الصدور، فهذا من أعلى خصالِ الإيمان. - وقد يتولَّدُ من الله الحياءُ من مطالعة نِعمه ورؤية التقصير في شكرها. - وكان الإمامُ أحمد يُنشِدُ: إذا ما خَلَوْتَ الدَّهرَ يوماً فلا تَقُلْ .. خَلَوتُ ولكِنْ قُلْ: عَلَيَّ رَقِيبُ

стр. 38

ولا تَحْسَبَنَّ الله يَغْفُلُ سَاعةً .. ولا أنَّ ما يَخْفَى عَلَيْهِ يَغِيبُ - وكان ابنُ السَّماك ينشد: يا مُدمِنَ الذَّنْبِ أما تَستَحِي .. والله في الخَلْوَةِ ثَانِيكَا غَرَّكَ مِنْ رَبِّكَ إمْهَالُهُ .. وستْرُهُ طولَ مَساوِيكَا - أنواع الحياء من الله: - قال ابن القيم: - النوع الأول: حياء الجناية: (وهو حياء من ارتكب معصية)، كحياء آدم ﵇ لما فر هاربا في الجنة قال الله تعالى: أفرارا مني يا آدم قال: لا يا رب بل حياء منك. - النوع الثاني: حياء التقصير: (وهو حياء من لم يعبد الله حق عبادته)،كحياء الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون فإذا كان يوم القيامة قالوا: سبحانك! ما عبدناك حق عبادتك. - النوع الثالث: حياء الإجلال: (وهو حياء ناتج عن إجلال الله الملك العظيم مالك الملك)، وهو حياء المعرفة وعلى حسب معرفة العبد بربه يكون حياؤه منه، كحياء النبي ﷺ وهو يدعوه ويقول: (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أحصيت على نفسك). رواه الامام أحمد. - النوع الرابع: حياء الاستحقار واستصغار النفس: كحياء العبد من ربه حين يسأله حوائجه احتقار الشأن نفسه واستصغارا لها وفي أثر إسرائيلي أن موسى ﵇ قال: يارب إنه لتعرض لى الحاجة من الدنيا فأستحيي أن أسألك هي يا رب فقال الله تعالى: سلني حتى ملح عجينتك وعلف شاتك وقد يكون لهذا النوع سببان أحدهما: استحقار السائل نفسه واستعظام ذنوبه وخطاياه. والثاني: استعظام مسؤوله (أي: الله). - النوع الخامس: حياء المحبة: فهو حياء المحب من محبوبه. - النوع السادس: حياء العبودية: (وهو حياء العبد الذي يسمع ويطيع لمولاه ولا يرفض له أمرا) فهو حياء ممتزج من محبة وخوف ومشاهدة عدم صلاح عبوديته لمعبوده وأن قدره أعلى وأجل منها فعبوديته له توجب استحياءه منه لا محالة.

стр. 39

- النوع السابع: حياء المرء من نفسه: فهو حياء النفوس الشريفة العزيزة الرفيعة من رضاها لنفسها بالنقص وقناعتها بالدون فيجد نفسه مستحيا من نفسه. - النوع الثامن: حياء استشعار نعم الله عليك: ويأتي هذا النوع من استشعارك من أن نعم الله عليك تغمرك غمرا، فلا تعرف كيف تشكره فتستحي منه. الدرس الثالث والعشرون: من كمال الإيمان - عَنْ أنسِ بنِ مالكٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: (لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأَخيهِ ما يُحِبُّ لِنَفسه). رواهُ البُخاريُّ ومُسلِمٌ - وقال عبدُ الله بن رواحة وأبو الدرداء: الإيمانُ كالقميصِ، يَلبَسُه الإنسانُ تارةً، ويخلعه أخرى، وكذا قال الإمام أحمد ﵀ وغيره، والمعنى: أنَّه إذا كمَّل خصالَ الإيمان لبسه، فإذا نقصَ منها شيئاً نزعه، وكلُّ هذا إشارةٌ إلى الإيمان الكامل التَّام الذي لا يَنْقُصُ من واجباته شيء. - قال ابن رجب: والمقصودُ أنَّ مِن جملة خِصال الإيمانِ الواجبةِ أنْ يُحِبَّ المرءُ لأخيه المؤمن ما يحبُّ لنفسه، ويكره له ما يكرهه لنفسه، فإذا زالَ ذلك عنه، فقد نَقَصَ إيمانُهُ بذلك. - من علامة سلامة الصدر: - حديثُ أنس يدلُّ على أنَّ المؤمن يَسُرُّهُ ما يَسرُّ أخاه المؤمن، ويُريد لأخيه المؤمن ما يُريده لنفسه من الخير، وهذا كُلُّه إنَّما يأتي من كمالِ سلامةِ الصدر من الغلِّ والغشِّ والحسدِ، فإنَّ الحسدَ يقتضي أنْ يكره الحاسدُ أنْ يَفوقَه أحدٌ في خير، أو يُساوَيه فيه؛ لأنَّه يُحبُّ أنْ يمتازَ على الناسِ بفضائله، وينفرِدَ بها عنهم، والإيمانُ يقتضي خلافَ ذلك، وهو أنْ يَشْرَكَه المؤمنون كُلُّهم فيما أعطاه الله من الخير من غير أنْ ينقص عليه منه شيء. - أمثلة واقعية من حياة السلف:

стр. 40

- كان عتبةُ الغلامُ إذا أراد أنْ يُفطر يقول لبعض إخوانه المطَّلِعين على أعماله: أَخرِج إليَّ ماءً أو تمراتٍ أُفطر عليها؛ ليكونَ لك مثلُ أجري. - وكان محمَّدُ بنُ واسعٍ يبيع حماراً له، فقال له رجل: أترضاه لي؟ قال: لو رضيته لم أبعه، وهذه إشارةٌ منه إلى أنَّه لا يرضى لأخيه إلاَّ ما يرضى لنفسه. الدرس الرابع والعشرون: التعرف على الله في الرخاء - قال ﷺ : (تعرَّف إلى الله في الرَّخاء، يعرفكَ في الشِّدَّةِ) - قال ابن رجب: يعني: أنَّ العبدَ إذا اتَّقى الله، وحَفِظَ حدودَه، وراعى حقوقه في حال رخائه، فقد تعرَّف بذلك إلى الله، وصار بينه وبينَ ربه معرفةٌ خاصة، فعرفه ربَّه في الشدَّة، ورعى له تَعَرُّفَهُ إليه في الرَّخاء، فنجَّاه من الشدائد بهذه المعرفة، وهذه معرفة خاصة تقتضي قربَ العبدِ من ربِّه، ومحبته له، وإجابته لدعائه. - فمعرفة العبد لربه نوعان: - أحدُهما: المعرفةُ العامة، وهي معرفةُ الإقرار به والتَّصديق والإيمان، وهذه عامةٌ للمؤمنين. - والثاني: معرفة خاصة تقتضي ميلَ القلب إلى الله بالكلية، والانقطاع إليه، والأُنس به، والطمأنينة بذكره، والحياء منه، والهيبة له، وهذه المعرفة الخاصة هي التي يدور حولها العارفون. - كما قال بعضهم: مساكينُ أهلُ الدُّنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيبَ ما فيها، قيل له: وما هو؟ قال: معرفةُ الله . - ومعرفة الله أيضاً لعبده نوعان: - معرفة عامة وهي علمه سبحانه بعباده، واطِّلاعه على ما أسرُّوه وما أعلنوه، كما قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾. - والثاني: معرفة خاصة:
следующие страницы →