← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 303

الانتصار لأهل الأثر المطبوع باسم «نقض المنطق»

ابن تيمية

Полный текст (390 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أمر بانتزاع مدرسةٍ معروفة (١) من أبي الحسن الآمدي (٢)، وقال: أخذُها منه أفضلُ من أخذ عَكَّا (٣)، مع أن الآمديَّ لم يكن أحدٌ في وقته أكثرَ تبحُّرًا في العلوم الكلامية والفلسفية منه، وكان مِن أحسنهم إسلامًا وأمثَلهم اعتقادًا. ومن المعلوم أن الأمور الدقيقة ــ سواءٌ كانت حقًّا أو باطلًا، إيمانًا أو كفرًا ــ لا تُعْلَمُ إلا بذكاءٍ وفطنة، فكذلك أهلُه قد يَسْتَجْهِلُون من لم يَشْرَكْهم في علمهم، وإن كان إيمانُه أحسنَ من إيمانهم، إذا كان فيه قصورٌ في الذَّكاء والبيان، وهم كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 317

يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٦]. فإذا تقلَّدوا عن طواغيتهم أن كلَّ ما لم يحصل بهذه الطريق القياسيَّة فليس بعلم، وقد لا يحصُل لكثيرٍ منهم من هذه الطريق القياسيَّة (١) ما يستفيدُ به الإيمانَ الواجب، فيكون كافرًا زنديقًا منافقًا جاهلًا ضالًّا مُضِلًّا ظلومًا كفورًا، ويكون من أكابر أعداء الرُّسل من الذين قال الله فيهم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١ - ٣٣]. وربما حصَل لبعضهم إيمانٌ إما من هذه الطريق أو من غيرها, ويحصُل له أيضا منها نفاق، فيكون فيه إيمانٌ ونفاق، ويكون في حالٍ مؤمنًا وفي حالٍ منافقا، ويكون مرتدًّا إما عن أصل الدين أو بعض شرائعه، إما ردَّة نفاقٍ وإما ردَّة كفر, وهذا كثيرٌ غالب، لا سيَّما في الأعصار والأمصار التي تَغْلِبُ فيها الجاهليةُ والكفرُ والنفاق, فلهؤلاء مِن عجائب الجهل والظُّلم والكذب والكفر والنفاق والضلال ما لا يتَّسعُ لذكره المقال (٢). ولهذا لما تفطَّن كثيرٌ منهم لما في هذا النفي من الجهل والضلال،

стр. 318

صاروا يقولون: النفوسُ القُدسيَّة ــ كنفوس الأنبياء والأولياء ــ تَفِيضُ عليها المعارفُ بدون الطريق القياسيَّة. وهم متَّفقون جميعُهم على أن من النفوس من تستغني عن وزن علومها بالموازين (١) الصِّناعية في المنطق، لكن قد يقولون: هو حكيمٌ بالطبع, والقياسُ يَنْعَقِدُ في نفسه بدون تعلُّم هذه الصناعة، كما ينطقُ العربيُّ بالعربية بدون النحو، وكما يَقْرِضُ الشاعرُ الشِّعر (٢) بدون معرفة العروض, لكن استغناء بعض الناس عن هذه الموازين لا يوجبُ استغناءَ الآخرين (٣). فاستغناءُ كثيرٍ من النفوس عن هذه الصناعة لا ينازعُ فيه أحدٌ منهم, والكلام هنا: هل تستغني في علومها بالكلِّية عن نفس القياس المذكور وموادِّه المعينة؟ فالاستغناءُ عن جنس هذا القياس شيء، وعن الصناعة القانونية التي يوزنُ بها القياس شيءٌ آخر، فإنهم يزعمون أنه آلةٌ قانونيةٌ تمنعُ مراعاتُها الذِّهنَ أن يزلَّ في فكره، وفسادُ هذا مبسوطٌ مذكورٌ في موضعٍ غير هذا (٤). ونحن بعد أن تبيَّنا عدمَ فائدته، وإن كان قد يتضمَّنُ من العلم ما يحصل بدونه، ثم تبيَّنا أنا لو قدَّرنا أنه قد يفيدُ بعض الناس من العلم ما يفيدُه هو, فلا يجوزُ أن يقال: ليس إلى ذلك العلم لذلك الشَّخص ولسائر بني آدم طريقٌ إلا بمثل القياس المنطقيِّ؛ فإن هذا قولٌ بلا علم، وهو كذبٌ محقَّق.

стр. 319

ولهذا مازال متكلِّمو المسلمين ــ وإن كان فيهم نوعٌ من البدعة ــ لهم من الردِّ عليه وعلى أهله, وبيان الاستغناء عنه، وحصول الضرر والجهل به والكفر، ما ليس هذا موضعه, دَع غيرَهم من طوائف المسلمين وعلمائهم وأئمَّتهم، كما ذكره القاضي أبو بكر بن الباقلاني في كتاب «الدقائق» (١). وذلك يظهر بأنهم جعلوا الأقيسة خمسة: البُرهاني، والخَطَابِي، والجَدَلِي، والشِّعْري، والمَغْلَطِي (٢). فأما الشِّعْريُّ وهو ما يفيدُ مجرَّد التخييل وتحريك النفس (٣) , والمَغْلَطِيُّ (٤) السُّوفِسْطائيُّ وهو ما يُشْبِهُ الحقَّ وهو باطل، وهو الحكمةُ المموَّهة= فلا غرض لنا فيهما (٥) هنا، ولكنْ تلك الثلاثة (٦).

стр. 320

قالوا: الجَدَليُّ ما سَلَّم المخاطَبُ مقدِّماته, والخَطَابيُّ ما كانت مقدِّماتُه مشهورةً بين الناس، والبُرهانيُّ ما كانت مقدِّماته معلومة. وكثيرٌ من المقدِّمات تكونُ مع كونها خطابيةً أو جدليةً يقينيةً برهانية، بل وكذلك مع كونها شِعْرية، ولكن هي من جهة التيقُّن بها تسمَّى برهانية، ومن جهة شهرتها عند عموم الناس وقبولهم لها تسمَّى خَطابية، ومن جهة تسليم الشَّخص المعيَّن لها تسمَّى جدلية. وهذا كلامُ أولئك المبتدعة من الصَّابئة (١) الذين لم يذكروا النبوَّات ولا تعرَّضوا لها بنفيٍ ولا إثبات. وعدمُ التصديق للرُّسل واتباعِهم كفرٌ وضلالٌ وإن لم يُعْتَقد تكذيبُهم, فالكفرُ والضلالُ أعمُّ من التكذيب. وأما قولُ بعض المتأخرين في المشهورات (٢): هي المقبولات, لكون صاحبها مؤيدًا بأمرٍ يوجبُ قبولَ قوله, ونحو ذلك= فهذه من الزيادات التي ألزمتهم إياها الحجَّة، ورأوا وجوبَ قبولها على طريقة الأوَّلين. ولهذا [كان] غالبُ صابئة المتأخرين ــ الذين هم الفلاسفة ــ ممتزجين بالحنيفية, كما أن غالبَ من دخل في الفلسفة من الحنفاء مَزَج الحنيفية بالصُّبوء (٣) ولَبَسَ الحقَّ بالباطل. أعني بالصُّبوء: المبتَدَعَ الذي ليس فيه إيمانٌ بالنبوات، كصُبوء صاحب المنطق وأتباعه. وأما الصُّبوء القديمُ فذاك أصحابه منهم المؤمنون بالله واليوم الآخر، الذين آمنوا وعملوا الصالحات,

стр. 321

فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون (١)، كما أن التهوُّد والتنصُّر منه ما أهلُه مبتدِعُون ضُلَّالٌ قبل إرسال محمد ﷺ ، ومنه ما كان أهلُه متَّبعين للحقِّ وهم الذين آمنوا بالله واليوم الآخر وعملوا الصالحات, فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون. ومن قال من العلماء المصنِّفين في المنطق: «إن القياس الخَطَابيَّ هو ما يفيدُ الظنَّ، كما أن البرهانيَّ ما يفيدُ العلم» (٢)، فلم يعرف مقصودَ القوم، ولا قال حقًّا؛ فإن كلَّ واحدٍ من الخَطَابي والجَدَلي قد يفيدُ الظنَّ، كما أن البرهانيَّ قد تكونُ مقدِّماتُه مشهورةً ومسلَّمة. فالتقسيمُ لموادِّ القياس وقع باعتبار الجهات التي يُقْبَلُ منها، فتارةً يُقْبَل القول لأنه معلوم, إذ العلمُ يوجبُ القبول. وأما كونُه لا يفيدُ العلمَ فلا يوجبُ قبولَه إلا لسبب, فإن كان لشهرته فهو خَطَابيٌّ ولو لم يُفِد علمًا ولا ظنًّا, وهو أيضًا خَطَابيٌّ إذا كانت قضيَّته (٣) مشهورة وإن أفاد علمًا أو ظنًّا. والقولُ في الجدليِّ كذلك (٤). ثم إنهم قد يمثِّلون المشهورات المقبولات التي ليست عِلمية (٥) بقولنا: العلمُ حسنٌ والجهلُ قبيح، والعدلُ حسنٌ والظلمُ قبيح، ونحو ذلك من

стр. 322

الأحكام العِلْمية (١) العقلية التي يثبتُها من يقولُ بالتحسين والتقبيح. ويزعمون أنا إذا رجعنا إلى محض العقل لم نجد فيه حكمًا بذلك. وقد يمثِّلونها بأن الموجود (٢) لا بدَّ أن يكون مباينًا للموجود الآخر أو مُحَايِثًا له، أو أن الموجود لا بدَّ أن يكون بجهةٍ من الجهات، أو يكون جائزَ الرؤية. ويزعمون أن هذا من أحكام الوهم لا الفطرة العقلية. قالوا: لأن العقل يسلِّم مقدماتٍ يعلمُ بها فسادَ الحكم الأول. وهذا كلُّه تخليطٌ ظاهرٌ لمن تدبَّره. فأما تلك القضايا التي سمَّوها مشهوراتٍ غير معلومة, فهي من العلوم العقلية البديهية التي جَزْمُ العقول بها أعظمُ من جزمها بكثيرٍ من العلوم الحسابية والطبيعية، وهي كما قال أكثر المتكلِّمين من أهل الإسلام ــ بل أكثر متكلِّمي أهل الأرض من جميع الطوائف ــ: إنها قضايا بديهيةٌ عقلية، لكن قد لا يحسنون تفسيرَ ذلك؛ فإن حُسْنَ ذلك وقُبْحَه هو حسنُ الأفعال وقبحُها، وحسنُ الفعل هو كونُه مقتضيًا لما يطلبُه الحيُّ لذاته ويريدُه من المقاصد، وقبحُه بالعكس. والأمر كذلك, فإن العلمَ والصِّدقَ والعدلَ هي كذلك محصِّلة (٣) لما يُطلبُ لذاته ويُرادُ لنفسه من المقاصد، فحُسْنُ الفعل وقبحُه هو لكونه محصِّلًا للمقصود المراد بذاته أو منافيًا لذلك.

стр. 323

ولهذا كان الحقُّ [والباطلُ] يطلقُ تارةً بمعنى: النفي والإثبات, فيقال: هذا حقٌّ أي ثابت، وهذا باطلٌ أي منتفٍ. وفي الأفعال بمعنى: التحصيل للمقصود، فيقال: هذا الفعل حقٌّ أي نافعٌ أو محصِّلٌ للمقصود، ويقال: باطلٌ أي لا فائدة فيه ونحو ذلك. وأما زعمُهم أن البديهةَ والفطرة قد تحكُم بما يتبيَّن لها بالقياس فسادُه، فهذا غلط؛ لأن القياس لا بدَّ له من مقدماتٍ بديهيةٍ فطرية؛ فإن جُوِّز أن تكون المقدماتُ الفطريةُ البديهيةُ غلطًا من غير تبيين غلطِها إلا بالقياس لكان قد تعارضت المقدماتُ الفطريةُ بنفسها ومقتضى القياس الذي مقدماتُه فطرية. فليس ردُّ هذه المقدمات الفطرية لأجل تلك بأولى من العكس، بل الغلطُ فيما تقلُّ مقدماته أولى، فما يُعْلَمُ بالقياس وبمقدماتٍ فطريةٍ أقربُ إلى الغلط مما يُعْلَمُ بمجرَّد الفطرة. وهذا يذكرونه في نفي علوِّ الله على العرش ونحو ذلك من أباطيلهم (١). والمقصود هنا أنهم لم يذكر متقدِّموهم (٢) المقدِّمات المتلقَّاة من الأنبياء، ولكنْ المتأخرون رتَّبوا على ذلك: * إما بطريق الصَّابئة الذين لَبَسوا الحنيفيةَ بالصابئة، كابن سينا ونحوه. * وإما بطريق المتكلِّمين الذين أحسنوا الظنَّ بما ذكره المنطقيُّون, وقرَّروا إثبات العلم بموجَب النبوَّات به.

стр. 324

* أما الأول، فإنه جعَل علومَ الأنبياء من العلوم الحَدْسِية؛ لقوة صفاء تلك النفوس القُدسية وطهارتها، وأن قُوى النفوس في الحَدْس لا تقفُ عند حدٍّ، ولا بدَّ للعالم من نظامٍ يَنْصِبُه حكيمٌ، فيعطي النفوسَ المؤيَّدة من القوَّة ما تعلمُ به ما لا يعلمُه غيرها بطريق الحَدْس، ويتمثَّل لها ما تسمعُه وتراه في نفسها من الكلام ومن الملائكة ما لا يسمعُه غيرها، ويكون لها من القوَّة العملية التي تطيعُها بها هَيُولى العالم (١) ما ليس لغيرها. فهذه الخوارقُ في قُوى العلم, مع السَّمع والبصر، وقوَّة العمل والقدرة، هي النبوَّةُ عندهم (٢). ومعلومٌ أن الحَدْسَ راجعٌ إلى قياس التمثيل كما تقدَّم (٣) , وأما ما يسمَع ويرى في نفسه فهو من جنس الرؤيا، وهذا القدرُ يحصُل مثلُه لكثيرٍ من عوامِّ الناس وكفَّارهم، فضلًا عن أولياء الله وأنبيائه، فكيف يُجْعَلُ ذلك هو غاية النبوَّة؟ ! وإن كان الذي يثبتونه للأنبياء أكملَ وأشرفَ فهو كمَلِكٍ أقوى مِن مَلِك. ولهذا صاروا يقولون: النبوَّة مكتسَبة، ولم يثبتوا نزولَ ملائكةٍ من عند الله إلى من يختارُه ويصطفيه مِن عباده، ولا قَصْدَه لتكليم شخصٍ معيَّن من رسله, كما يُذْكَر عن بعض قدمائهم أنه قال لموسى بن عِمران: أنا أصدِّقُك في كلِّ شيءٍ إلا في أن علَّة العِلَل كلَّمَك، ما أقدِرُ أن أصدِّقك في هذا!

стр. 325

ولهذا صار من ضلَّ بمثل هذا الكلام يدَّعي مساواة الأنبياء والمرسلين أو التقدُّم عليهم (١)، وهذا كثيرٌ فى كثيرٍ من الناس الذين يعتقدون في أنفسهم أنهم أكملُ النَّوع، وهم مِن أجهل الناس وأظلمِهم وأكفَرِهم وأعظمِهم نفاقًا. * وأما المتكلِّمون المنطقيُّون, فيقولون: يُعْلَمُ بهذا القياس ثبوتُ الصَّانع, وقدرتُه, وجوازُ إرسال الرسل، وتأييدُه لهم بما يوجبُ تصديقَهم فيما يقولونه. وهذه الطريقةُ أقربُ إلى طريقة العلماء المؤمنين، وإن كان قد يكونُ فيها أنواعٌ من الباطل، تارةً من جهة ما تَقَلَّدوه عن المنطقيِّين، وتارةً من جهة ما ابتدَعوه هم، مما ليس هذا موضعه. ومنطقيَّةُ اليهود والنصارى كذلك، لكنَّ الهدى والعلمَ والبيانَ في فلاسفة المسلمين ومتكلِّميهم أعظمُ منه في أهل الكتابَيْن؛ لما في تَيْنِكَ الملَّتين من الفساد. ولكن الغرض تقريرُ جنس النبوَّات؛ فإن أهل المِلَل متَّفقون عليها، لكن اليهود والنصارى آمنوا ببعض الرُّسل وكفروا ببعض، والصابئةُ الفلاسفةُ ونحوهم آمنوا ببعض صفات الرسالة دون بعض، فإذا اتفق متفلسفٌ من أهل الكتاب جَمَع الكُفْرَين: الكفر بخاتم المرسلين، والكفر بحقائق صفات الرسالة في جميع المرسلين. فهذا هذا. فيقالُ لهم ــ مع علمهم بتفاوت قُوى بني آدم في الإدراك ــ: ما المانعُ

стр. 326

من أن يخرق (١) سمع أحدهم وبصره حتى يسمع ويرى من الأمور الموجودة في الخارج ما لا يراه غيره؟ كما قال النبي ﷺ : «إني أرى ما لا ترون، وأسمعُ ما لا تسمعون، أَطَّت السَّماءُ وحُقَّ لها أن تئطَّ, ما فيها موضعُ أربع أصابع إلا وملَكٌ قائمٌ أو قاعدٌ أو راكعٌ أو ساجد» (٢)، فهذا إحساسٌ بالظاهر أو الباطن لما هو في الخارج. وكذلك العلومُ الكليةُ البديهية، قد علمتم أنها ليس لها حدٌّ في بني آدم، فمن أين لكم أن بعض النفوس ما يكونُ لها من العلوم البديهية التي يختصُّ بها أو بها وبأمثالها ما لا يكونُ من البديهيات عندكم؟ وإذا كان هذا ممكنًا ــ وعامةُ أهل الأرض على أنه واقعٌ لغير الأنبياء, دَع الأنبياء ــ فمثلُ هذه العلوم ليس في منطقكم طريقٌ إليها؛ إذ ليست من المشهورات ولا الجَدَلية ولا موادُّها عندكم يقينية، وأنتم لا تعلمون نفيَها، وجمهورُ أهل الأرض من الأولين والآخرين على إثباتها، فإن كذَّبتم بها كنتم ــ مع الكفر والتكذيب بالحقِّ, وخسارة الدنيا والآخرة ــ تاركين لمنطقكم أيضًا، وخارجين عمَّا أوجبتموه على أنفسكم أنكم لا تقولون إلا بموجَب القياس؛ إذ ليس لهم بهذا النفي قياسٌ ولا حجَّةٌ تُذْكَر, ولهذا لم يذكروا عليه حجَّة, وإنما اندرج هذا النفيُ في كلامهم (٣) بغير حجَّة. وإن قلتم: بل هي حقٌّ، اعترفتم بأن من الحقِّ ما لا يوزنُ بميزان منطقكم.

стр. 327

وإن قلتم: لا ندري أحقٌّ هي أم باطل؟ اعترفتم بأن أعظمَ المطالب وأجلَّها لا يوزنُ بميزان المنطق. فإن صَدَّقتم لم يوافقكم المنطق، وإن كَذَّبتم لم يوافقكم المنطق، وإن ارتبتُم لم ينفعكم المنطق! ومن المعلوم أن موازينَ الأموال لا يُقْصَدُ أن يوزنَ بها الحطبُ والرَّصاصُ دون الذهب والفضة, وأمرُ النبوَّات وما جاءت به الرُّسل أعظمُ في العلوم من الذهب في الأموال, فإذا لم يكن في منطقكم ميزانٌ له كان الميزانُ مع أنه ميزانٌ عائلٌ (١) جائرٌ هو أيضًا عاجز, فهو ميزانٌ جاهلٌ ظالم؛ هو إما أن يردَّ الحقَّ ويدفعَه فيكونَ ظالمًا، أو لا يَزِنه ولا يبيِّن أمرَه فيكون جاهلًا، أو يجتمع فيه الأمران فيردَّ الحق ويدفعَه, وهو الحقُّ الذي ليس للنفوس عنه عِوَض، ولا عنه مندوحة، وليست سعادتُها إلا فيه ولا هلاكُها إلا تركُه. فكيف يستقيمُ مع هذا أن تقولوا: إنه وما وزنتموه به من المتاع الخسيس ــ الذي أنتم في وزنكم إيَّاه به ظالمون عائلون، لم تَزِنُوا بالقسطاس المستقيم، ولم تستدلُّوا بالآيات البيِّنات ــ هو معيارُ العلوم الحقيقية، والحكمة اليقينية, التي فاز بالسَّعادة عالمُها، وخاب بالشَّقاوة جاهلُها؟ ! ورأسُ مال السَّادة (٢) وغايةُ (٣) العالم المنصف منكم أن يعترفَ بعجز

стр. 328

ميزانكم عنه, وأما عوامُّ علمائكم فيكذِّبون به ويردُّونه، وإن كان منطقُكم يَرُدُّ عليهم، فلستُم بتحريف أمر منطقكم بأحسن حالًا من اليهود والنصارى في تحريف كتاب الله الذي هو في الأصل حقٌّ هادٍ لا ريبَ فيه، فهذا هذا، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأيضًا، هم متَّفقون على أنه لا يفيدُ إلا أمورًا كليةً مقدَّرةً في الذهن، لا يفيدُ العلمَ بشيءٍ موجودٍ محقَّقٍ في الخارج إلا بتوسُّط شيءٍ آخر غيره, والأمورُ الكليةُ الذهنيةُ ليست هي الحقائق الخارجية، ولا هي أيضًا علمًا بالحقائق الخارجية؛ إذ لكلِّ موجودٍ حقيقةٌ يتميَّز بها عن غيره هو بها هو (١)، وتلك ليست كلِّية، فالعلمُ بالأمر المشترك لا يكون علمًا بها، فلا يكونُ في القياس المنطقي علم تحقيقه بشيء (٢) من الأشياء, وهو المطلوب. وأيضًا، هم يطعنون في قياس التمثيل، وقد يقولون: إنه لا يفيدُ إلا الظنَّ، وربما تكلَّموا على بعض الأقيسة الفرعية أو الأصلية التي تكونُ مقدِّماتها ضعيفةً أو مظنونة، مثل كلام السُّهْرَوَرْدِي (٣) المقتول على الزَّندقة,

стр. 329

صاحب «التلويحات» و «الألواح» و «حكمة الإشراق» (١) , وكان في فلسفته مُسْتَمِدًّا من الرُّوم الصَّابئين والفُرس المجوس, وهاتان المادَّتان هما مادَّتا القرامطة الباطنية ومَن يدخل فيهم من الإسماعيلية والنُّصَيرية وأمثالهم، وهم ممَّن دخل في قوله ﷺ في الحديث الصَّحيح: «لتأخذُنَّ مأخذَ الأمم قبلكم شبرًا بشبرٍ وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحرَ ضبٍّ لدخلتموه»، قالوا: فارس والروم؟ قال: «فمَن؟!» (٢). والمقصود أن نذكر (٣) كلام السُّهْرَوَرْدِي هذا على قياسٍ ضرَبَه، وهو أن يقال: السَّماء مُحْدَثة، قياسًا على البيت، بجامع ما يشتركان فيه من التأليف, فيحتاجُ أن يثبتَ أن علَّة حدوث البناء هو التأليف، وأنه موجودٌ في الفرع (٤). والتحقيقُ أن قياسَ التمثيل أبلغُ في إفادة العلم واليقين مِن قياس الشُّمول، وإن كان علمُ قياس الشُّمول أكبرَ فذاك أكثر، فقياسُ التمثيل في القياس العقلي كالبصر في العلم الحِسِّي (٥)، وقياسُ الشُّمول كالسَّمع في

стр. 330

العلم الحِسِّي, ولا ريب أن البصرَ أعظمُ وأكمل، والسمعَ أوسعُ وأشمل (١)، فقياسُ التمثيل بمنزلة البصر، كما قيل: * مَن قاسَ ما لم يَره بما رأى * (٢) وقياسُ الشُّمول يشابهُ السَّمعَ من جهة العموم. ثم إن كلَّ واحدٍ من القياسَيْن في كونه علميًّا أو ظنيًّا يتبعُ مقدِّماتِه، فقياسُ التمثيل في الحِسِّيَّات وكلِّ شيءٍ إذا عَلِمنا أن هذا مثلُ هذا عَلِمنا أن حكمَه حكمُه وإن لم نعلم (٣) علَّةَ الحكم، وإن عَلِمنا علَّةَ الحكم استدللنا بثبوتها على ثبوت الحكم، فبكلِّ واحدٍ من العلم بقياس التمثيل وقياس التعليل يُعْلَمُ الحكم. وقياسُ التعليل هو في الحقيقة مِن نوع قياس الشُّمول، لكنه امتاز عنه بأن الحدَّ الأوسط ــ الذي هو الدليلُ فيه ــ هو علَّة الحكم، ويسمَّى قياس العلَّة، وبرهان العلَّة, وذلك يسمَّى قياس الدَّلالة وبرهان الدَّلالة.

стр. 331

وإن لم نعلم (١) التماثلَ والعلَّة، بل ظننَّاها ظنًّا, كان الحكمُ كذلك. وهكذا الأمرُ في قياس الشُّمول، إن كانت المقدِّمتان معلومتين كانت النتيجةُ معلومة، وإلا فالنتيجة تتبعُ أضعفَ المقدمات. فأما دعواهم أن هذا (٢) لا يفيدُ العلم، فهو غلطٌ محضٌ محسوس، بل عامَّة علوم بني آدم العقلية المحضة مِن قياس التمثيل (٣). وأيضًا، علومُهم التي جعلوا هذه الصِّناعة ميزانًا لها بالقصد الأول, لا يكاد يُنْتَفعُ بهذه الصِّناعة المنطقية في هذه العلوم إلا قليلًا؛ فإن العلوم الرياضية مِن حساب العَدَد وحساب المقدار الذِّهني والخارجي قد عُلِمَ أن الخائضين فيه من الأوَّلين والآخِرين مستقلُّون به من غير التفاتٍ إلى هذه الصناعة المنطقية واصطلاح أهلها. وكذلك ما يصحُّ من العلوم الطبيعية الكُلِّية والطِّبية، تجدُ الحاذقين فيها لم يستعينوا عليها بشيءٍ من صناعة المنطق، بل إمامُ صناعة الطبِّ بُقراط (٤)

стр. 332

له فيها من الكلام الذي تلقَّاه أهلُ الطبِّ بالقبول ووجدوا مصداقَه بالتجارب، وله فيها من القضايا الكُلِّية التي هي عند عقلاء بني آدم من أعظم الأمور، ومع هذا فليس هو مستعينًا بشيءٍ من هذه الصِّناعة، بل كان قبل (١) واضِعها. وهم وإن كان العلمُ الطبيعيُّ عندهم أعظمَ (٢) وأعلى من علم الطبِّ فلا ريب أنه متصلٌ به, فبالعلم بطبائع الأجسام المعيَّنة المحسوسة تُعْلَمُ طبائعُ سائر الأجسام، ومبدأ الحركة والسُّكون الذي في الجسم، ويُسْتَدلُّ بالجزء على الكل, ولهذا كثيرًا ما يتناظرون في مسائل ويتنازعُ فيها هؤلاء وهؤلاء، كتناظر الفقهاء والمتكلِّمين في مسائل كثيرةٍ تتَّفقُ فيها الصِّناعتان، وأولئك يدَّعون عمومَ النظر، ولكن الخطأ والغلط عند المتكلِّمين والمتفلسفة أكثرُ مما هو عند الفقهاء والأطباء، وكلامُهم وعلمُهم أنفع، وأولئك أكثر ضلالًا وأقل نفعًا؛ لأنهم طلبوا بالقياس ما لا يُعْلَمُ بالقياس، وزاحموا الفطرةَ والنبوَّة مزاحمةً أوجبت من مخالفتهم للفطرة والنبوَّة ما صاروا به مِن شياطين الإنس والجنِّ الذين يوحي بعضُهم إلى بعض زخرفَ القول غرورًا، بخلاف الطبِّ المحض فإنه علمٌ نافع، وكذلك الفقهُ المحض. وأما علمُ ما بعد الطبيعة, وإن كانوا يعظِّمونه، ويقولون: هو الفلسفة الأولى، وهو العلمُ الكلِّيُّ الناظرُ في الوجود ولواحقه، ويسمِّيه متأخِّروهم

стр. 333

«العلم الإلهي» (١)، وزعم المعلِّمُ الأول (٢) لهم أنه غايةُ فلسفتهم ونهايةُ حكمتهم= فالحقُّ فيه من المسائل قليلٌ نَزْر، وغالبُه علمٌ بأحكامٍ ذهنية لا حقائقَ خارجية (٣). وليس على أكثره قياسٌ منطقي؛ فإن الوجود المجرَّد, والوجوب, والإمكان, والعلة المجرَّدة, والمعلول (٤)، وانقسام ذلك إلى جزئي الماهيَّة وهما: المادة والصُّورة، وإلى علَّتي وجودها وهما (٥): الفاعل والغاية، والكلام في انقسام الوجود إلى الجوهر والأعراض التسعة التي هي: الكمُّ, والكيف, والإضافة, والأين, ومتى, والوضع, والملك، وأن يفعل, وأن ينفعل، كما أنشد بعضُهم فيها (٦): زيدُ, الطويلُ, الأسودُ, ابنُ مالكِ ... في داره, بالأمسِ, كان يتَّكِي في يده سيفٌ, نَضَاه, فانتَضى ... فهذه عشرُ مقولاتٍ سَوا

стр. 334

= ليس عليها ولا على أقسامها قياسٌ منطقي، بل غالبها مجرَّد استقراءٍ قد نُوزِعَ صاحبُه في كثيرٍ منه. فإذا كانت صناعتُهم بين علومٍ (١) لا يُحْتَاجُ فيها إلى القياس المنطقي، وبين ما لا يمكنُهم أن يستعملوا فيه القياسَ المنطقي، كان عديمَ الفائدة في علومهم، بل كان فيه مِن شغل القلب عن العلوم والأعمال النافعة ما ضرَّ كثيرًا من الناس، كما سدَّ على كثيرٍ منهم طريقَ العلم وأوقعَهم في أودية الضلال والجهل, فما الظنُّ بغير علومهم من العلوم التي لا تُحَدُّ (٢) للأولين والآخرين (٣). وأيضًا، لا تجدُ أحدًا من أهل الأرض حقَّق علمًا من العلوم وصار إمامًا فيه مستعينًا بصناعة المنطق، لا من العلوم الدينية ولا غيرها، فالأطباء والحُسَّابُ والكتَّابُ ونحوهم يحقِّقون ما يحقِّقون من علومهم وصناعاتهم بغير صناعة المنطق. وقد صُنِّف في الإسلام علومُ النحو واللغة والعَروض والفقه وأصوله والكلام وغير ذلك، وليس في أئمَّة هذه الفنون من كان يلتفتُ إلى المنطق، بل عامَّتهم كانوا قبل أن يُعَرَّبَ هذا المنطق الرُّومي. وأما العلومُ الموروثةُ عن الأنبياء صِرفًا، وإن كان الفقهُ وأصوله متصلًا

стр. 335

بذلك، فهي أجلُّ وأعظمُ من أن يُظَنَّ أن لأهلها التفاتًا إلى المنطق؛ إذ ليس في القرون الثلاثة من هذه الأمَّة ــ التي هي خيرُ أمَّةٍ أخرِجت للناس, وأفضلُها القرون الثلاثة ــ من كان يلتفتُ إلى المنطق أو يعرِّجُ عليه، مع أنهم في تحقيق العلوم وكمالها بالغاية التي لا يُدْرِكُ أحدٌ شأوَها، كانوا أعمقَ الناس علمًا، وأقلَّها تكلُّفًا، وأبرَّها قلوبًا, ولا يوجدُ لغيرهم كلامٌ فيما تكلَّموا فيه إلا وجدتَ بين الكلامين من الفَرْق أعظمَ مما بين القَدَم والفَرْق (١). بل الذي وجدناه بالاستقراء (٢) أن الخائضين في العلوم من أهل هذه الصِّناعة أكثرُ الناس شكًّا واضطرابًا، وأقلُّهم علمًا وتحقيقًا، وأبعدُهم عن تحقيق علمٍ موزون، وإن كان فيهم من قد يحقِّقُ شيئًا من العلم فذلك لصحَّة المادة والأدلة التي ينظرُ فيها، وصحَّة ذهنه وإدراكه، لا لأجل المنطق. بل إدخالُ صناعة المنطق في العلوم الصحيحة يطوِّلُ العبارة, ويبعِّدُ الإشارة، ويجعلُ القريبَ من العلم بعيدًا، واليسيرَ منه عسيرًا, ولهذا تجدُ من أدخله في الخلاف والكلام وأصول الفقه وغير ذلك لم يُفِد إلا كثرةَ الكلام والتشقيق، مع قلَّة العلم والتحقيق, فعُلِم أنه مِن أعظم حَشْو الكلام، وأبعد الأشياء عن طريقة ذوي الأحلام. نعم لا يُنْكَر أن في المنطق ما قد يستفيدُ ببعضه من كان في كفرٍ وضلالٍ

стр. 336

وتقليدٍ لمن نشأ بينهم من الجهَّال، كعوامِّ النصارى واليهود والرافضة ونحوهم، فأورثهم المنطقُ تركَ ما عليه أولئك من تلك العقائد، ولكن يصيرُ غالبُ هؤلاء مُداهِنين لعوامِّهم مُضِلِّين لهم عن سبيل الله، أو يصيرون منافقين زنادقةً لا يُقِرُّون بحقٍّ ولا بباطل، بل يتركون الحقَّ كما تركوا الباطل. فأذكياءُ طوائف الضَّلال إما مُضِلُّون مداهنون وإما زنادقةٌ منافقون، لا يكادُ يخلو أحدٌ منهم عن هذين، فأما أن يكون المنطقُ وَقَفَهم على حقٍّ يهتدون به فهذا لا يقعُ بالمنطق. ففي الجملة، ما يحصلُ به لبعض الناس مِن شَحْذِ ذهنٍ أو رجوعٍ عن باطل أو تعبيرٍ عن حقٍّ، فإنما هو لكونه كان في أسوأ حال، لا لما في صناعة المنطق من الكمال. ومن المعلوم أن المشرك إذا تمجَّس، والمجوسيَّ إذا تهوَّد، حَسُنَت حالُه بالنسبة إلى ما كان فيه قبل ذلك، لكن لا يصلحُ أن يُجْعَل ذلك عمدةً لأهل الحقِّ المبين. وهذا ليس مختصًّا به، بل هذا شأنُ كلِّ من نظر في الأمور التي فيها دقَّةٌ ولها نوعُ إحاطة، كما تجدُ ذلك في علم النحو؛ فإنه من المعلوم أن لأهله من التحقيق والتدقيق والتقسيم والتحديد ما ليس لأهل المنطق، وأن أهلَه يتكلَّمون في صورة المعاني المعقولة على أكمل القواعد, فالمعاني فطريةٌ عقليةٌ لا تحتاجُ إلى وضعٍ خاص، بخلاف قوالبها التي هي الألفاظ، فإنها تتنوَّع، فمتى تعلموا أكمل الصُّور والقوالب للمعاني مع الفطرة الصحيحة كان ذلك أكملَ وأنفعَ وأعونَ على تحقيق العلوم من صناعةٍ اصطلاحيةٍ في أمورٍ فطريةٍ عقليةٍ لا يُحْتاجُ فيها إلى اصطلاحٍ خاص.

стр. 337

هذا لعَمْري في منفعته (١) في سائر العلوم, وأما منفعتُه في علم الإسلام خصوصًا فهذا أبينُ من أن يحتاجَ إلى بيان, ولهذا تجدُ الذين اتصلت إليهم علومُ الأوائل فصاغوها بالصِّيغة العربية بعقول المسلمين جاء فيها من الكمال والتحقيق والإحاطة والاختصار ما لا يوجدُ في كلام الأوائل، وإن كان في هؤلاء المتأخِّرين من فيه نفاقٌ وضلال، لكن عادت عليهم في الجملة بركةُ ما بُعِثَ به رسولُ الله ﷺ من جوامع الكَلِم, وما أوتيته أمَّتُه من العلم والبيان الذي لم يَشْرَكها فيه أحد. وأيضًا، صناعةُ المنطق وضعَها معلِّمُهم الأول أرسطو صاحبُ التعاليم التي لمبتدعة الصَّابئة يَزِنُ بها ما كان هو وأمثالُه يتكلَّمون فيه مِن حكمتهم وفلسفتهم التي هي غايةُ كمالهم, وهي قسمان: نظرية وعملية. فأصحُّ النظرية ــ وهي المدخلُ إلى الحق (٢) ــ هي الأمورُ الحِسَابية الرياضية, وأما العملية فإصلاحُ الخُلُق والمنزل والمدينة. ولا ريب أن في ذلك مِن نوع العلوم والأعمال التي يتميَّزون بها عن جهَّال بني آدم الذين ليس لهم كتابٌ منزَّلٌ ولا نبيٌّ مرسلٌ ما يستحقُّون به التقدُّم على ذلك. وفيه مِن منفعة صلاح الدنيا وعمارتها ما هو داخلٌ في ضمن ما جاءت به الرسل. وفيها أيضًا من قول الحقِّ واتباعه والأمر بالعدل والنهي عن الفساد ما هو داخلٌ في ضمن ما جاءت به الرسل. فهم بالنسبة إلى جهَّال الأمم ــ كبادية التُّرك ونحوهم ــ أمثلُ إذا خَلَوا

стр. 338

عن ضلالهم، فأما مع ضلالهم فقد يكونُ الباقون على الفطرة من جهَّال بني آدم أمثلَ منهم. فأما أضلُّ أهل الملل مثل جهَّال النصارى وسامِرة اليهود فهم أعلمُ منهم وأهدى وأحكمُ وأتبعُ للحق. وهذا قد بسطته بسطًا كثيرًا في غير هذا الموضع. وإنما المقصود هنا بيان أن هذه الصناعة قليلةُ المنفعة عظيمةُ الحشو؛ وذلك أن الأمور العملية الخُلقية قلَّ أن يُنْتَفَع بصناعة المنطق فيها؛ إذ القضايا الكلِّية الموجبة وإن كانت توجدُ في الأمور العملية لكن أهل السياسة لنفوسهم ولأهلهم ولمُلْكِهم إنما ينالون تلك الآراء الكلِّية من أمورٍ لا يحتاجون فيها إلى المنطق، ومتى حصل ذلك الرأيُ كان الانتفاع به بالعمل. ثم الأمور العمليةُ لا تقفُ على رأيٍ كلِّي، بل متى عَلِم الإنسانُ انتفاعَه بعملٍ عَمِلَه، وأيَّ عملٍ (١) تضرَّر به تَرَكه, وهذا قد يعلمُه (٢) بالحسِّ الظاهر أو الباطن لا يقفُ ذلك على رأيٍ كلِّي؛ فعُلِم أن أكثر الأمور العملية لا يصحُّ استعمالُ المنطق فيها. ولهذا كان المؤدِّبون لنفوسهم ولأهلهم السَّائسون لمُلْكِهم لا يَزِنُون آراءهم بالصِّناعة المنطقية, إلا أن يكون شيئًا يسيرًا، والغالبُ على من يسلكُه التوقُّفُ والتعطيل (٣) , ولو كان أصحابُ هذه الآراء تقفُ معرفتُهم بها

стр. 339

واستعمالُهم لها على وزنها بهذه الصناعة لكان تضرُّرهم بذلك أضعافَ انتفاعهم، مع أن جميعَ ما يأمرون به من العلوم والأخلاق والأعمال لا تكفي في النجاة من عذاب الله، فضلًا عن أن يكون محصِّلًا لنعيم الآخرة (١). قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨]، وكذلك قال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٢ - ٨٥] , فأخبر هنا بمثل ما أخبر به في الأعراف، أن هؤلاء المعرضين عما جاءت به الرُّسل لما رأوا بأسَ الله وحَّدوا الله وتركوا الشِّرك, فلم ينفَعْهم ذلك. وكذلك أخبَر عن فرعون ــ وهو كافرٌ بالتوحيد وبالرسالة ــ أنه لما أدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال الله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩٠، ٩١].

стр. 340

وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [إبراهيم: ٩، ١٠]. وهذا في القرآن في مواضعَ أُخَر، يبيِّن فيها أن الرُّسل كلهم أمروا بالتوحيد بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهوا عن عبادة شيءٍ من المخلوقات سواه أو اتخاذه إلاهًا، ويخبرُ أن أهل السَّعادة هم أهلُ التوحيد وأن المشركين هم أهلُ الشَّقاوة، وذكَر هذا عن عامَّة الرُّسل, ويبيِّن أن الذين لم يؤمنوا بالرُّسل مشركون. فعُلِم أن التوحيد والإيمان بالرُّسل متلازمان، وكذلك الإيمان باليوم الآخر هو والإيمان بالرُّسل متلازمان, فالثلاثة متلازمة؛ ولهذا يجمع بينها في مثل قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٠]. ولهذا أخبر أن الذين لا يؤمنون بالآخرة مشركون، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الزمر: ٤٥]. وأخبر عن جميع الأشقياء أن الرسل أنذرتهم باليوم الآخر، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى﴾ الآية [الملك: ٨، ٩] , فأخبر أن الرُّسل أنذرتهم، وأنهم كذَّبوا بالرسالة.

стр. 341

وقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ الآية [الزمر: ٧١] , فأخبَر عن أهل النار أنهم قد جاءتهم الرسالة، وأُنذِرُوا باليوم الآخر. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ إلى قوله: ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٢٨ ــ ١٣٠] , فأخبر عن جميع الجنِّ والإنس أن الرُّسلَ بلَّغَتهم رسالةَ الله وهي آياتُه, وأنهم أنذروهم اليومَ الآخر. وكذلك قال: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَاءِهِ﴾ الآية [الكهف: ١٠٣ ــ ١٠٥] , فأخبر أنهم كفَروا بآياته وهي رسالته، وبلقائه وهو اليوم الآخر. وقد أخبَر أيضًا في غير موضعٍ بأن الرسالة عمَّت بني آدم، وأن الرُّسل جاؤوا مبشِّرين ومنذرين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣ ــ ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأنعام: ٤٨، ٤٩] , فأخبر أن من آمن بالرُّسل وأصلَحَ من الأولين والآخرين فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.

стр. 342

وقال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]، ومثل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ الآية [البقرة: ٦٢] , فذكَر أن المؤمنين بالله وباليوم الآخر مِن هؤلاء هم أهلُ النجاة والسَّعادة، وذكر في تلك الآية الإيمانَ بالرُّسل، وفي هذه الآية الإيمانَ باليوم الآخر؛ لأنهما متلازمان. وكذلك الإيمانُ بالرُّسل كلِّهم متلازم, فمن آمن بواحدٍ منهم فقد آمن بهم كلِّهم، ومن كفر بواحدٍ منهم فقد كفر بهم كلِّهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ الآية والتي بعدها [النساء: ١٥٠، ١٥١] , فأخبر أن المؤمنين بجميع الرُّسل هم أهلُ السَّعادة، وأن المفرِّقين بينهم بالإيمان ببعضهم دون بعضٍ هم الكافرون حقًّا. وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٣ ــ ١٥]. فهذه الأصول الثلاثة: توحيدُ الله، والإيمانُ برسله، وباليوم الآخر, هي أمورٌ متلازمة (١).

стр. 343

والحاصلُ أن توحيدَ الله والإيمانَ برسله واليوم الآخر هي أمورٌ متلازمةٌ مع العمل الصالح، فأهلُ هذا الإيمان والعمل الصالح هم أهلُ السَّعادة من الأوَّلين والآخِرين، والخارجون عن هذا الإيمان مشركون أشقياء، فكلُّ من كذَّب الرُّسلَ فلا يكونُ إلا مشركًا، وكلُّ مشركٍ مكذِّبٌ للرُّسل، وكلُّ مشركٍ وكافرٍ بالرُّسل فهو كافرٌ باليوم الآخر، وكلُّ من كفر باليوم الآخر فهو كافرٌ بالرُّسل وهو مشرك. ولهذا قال : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢، ١١٣] , فأخبر أن جميعَ الأنبياء لهم أعداء، وهم شياطينُ الإنس والجنِّ، يوحي بعضُهم إلى بعضٍ القولَ المزخرَف، وهو المزيَّن المحسَّن، يَغُرُّون به, والغُرُور: التلبيسُ والتمويه. وهذا شأنُ كلِّ كلامٍ وكلِّ عملٍ يخالفُ ما جاءت به الرُّسل مِن أمر المتفلسفة والمتكلِّمة وغيرهم من الأوَّلين والآخرين. ثم قال: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ﴾ فأخبَر أن كلام أعداء الرُّسل تَصْغَى إليه أفئدةُ الذين لا يؤمنون بالآخرة, فعُلِمَ أن مخالفةَ الرُّسل وتركَ الإيمان بالآخرة متلازمان، فمن لم يؤمن بالآخرة صَغَى إلى زُخْرُف أعدائهم، فخالفَ الرُّسل، كما هو موجودٌ في أصناف الكفار والمنافقين في هذه الأمَّة. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ

стр. 344

يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ الآية [الأعراف: ٥٢، ٥٣] , فأخبر أن الذين تركوا اتباعَ الكتاب ــ وهو الرسالة ــ يقولون إذا جاء تأويله ــ وهو ما أخبَر به ــ: جاءت رسلُ ربِّنا بالحقِّ. وهذا كقوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٤ ــ ١٢٦] , أخبَر أن الذين تركوا اتباعَ آياته يصيبُهم ما ذكرنا. فقد تبيَّن أن أصلَ السعادة وأصلَ النجاة من العذاب هو توحيدُ الله بعبادته وحده لا شريك له، والإيمانُ برسله واليوم الآخر، والعملُ الصالح. وهذه الأمورُ ليست في حِكمتهم وفلسفتهم المبتدَعة، ليس فيها الأمرُ بعبادة الله وحده والنهيُ عن عبادة المخلوقات، بل كلُّ شركٍ في العالم إنما حدث برأيِ جنسِهم (١)، إذ بينوا ما في الأرواح (٢) والأجسام من القوى والطبائع، وأن صناعةَ الطلاسم والأصنام والتعبد لها يورثُ منافعَ ويدفعُ مضارَّ, فهم الآمرون بالشرك والفاعلون له. ومن لم يأمر بالشرك منهم فلم يَنْه عنه (٣)، بل يقرُّ هؤلاء وهؤلاء، وإن

стр. 345

رجَّح الموحِّدين ترجيحًا ما، فقد يرجِّح غيرُه المشركين، وقد يعرض عن الأمرين جميعًا. فتدبَّر هذا، فإنه نافعٌ جدًّا. ولهذا كان رؤوسهم المتقدِّمون والمتأخرون يأمرون بالشرك, فالأولون يسمُّون الكواكبَ «الآلهة الصغرى» (١)، ويعبدونها بأصناف العبادات، كذلك كانوا في ملَّة الإسلام لا ينهونَ عن الشرك ويوجبونَ التوحيد، بل يسوِّغون الشرك, أو يأمرون به، أو لا يوجبون التوحيد. وقد رأيتُ من مصنَّفاتهم في عبادة الكواكب (٢) والملائكة وعبادة الأنفُس المفارِقة (٣) ــ أنفُس الأنبياء وغيرهم ــ ما هو أصلُ الشرك. وهم إذا ادَّعوا التوحيدَ فإنما توحيدُهم بالقول لا بالعبادة والعمل, والتوحيدُ الذي جاءت به الرُّسل لا بدَّ فيه من التوحيد بإخلاص الدِّين لله وعبادته وحده لا شريك له، وهذا شيءٌ لا يعرفونه, والتوحيدُ الذي يدَّعونه إنما هو تعطيلُ حقائق الأسماء والصِّفات، وفيه من الكفر والضلال ما هو من أعظم أسباب الإشراك.

стр. 346

فلو كانوا موحِّدين بالقول والكلام ــ وهو أن يَصِفُوا الله بما وصفَته به رسلُه ــ لكان معهم التوحيدُ دون العمل، وذلك لا يكفي في السعادة والنجاة، بل لا بدَّ من أن يُعبد الله وحده ويُتَّخَذ إلهًا دون ما سواه، وهو معنى قول: لا إله إلا الله، فكيف وهم في القول والكلام معطِّلون جاحدون، لا موحِّدون ولا مخلصون؟! وأما الإيمانُ بالرُّسل فليس فيه للمعلِّم الأول وذويه كلامٌ معروف، والذين دخلوا في المِلَل منهم آمنوا ببعض صفات الرُّسل وكفروا ببعض. وأما اليوم الآخر، فأحسنُهم حالًا من يقرُّ بمعاد الأرواح دون الأجساد, ومنهم من ينكرُ المعادَين جميعًا, ومنهم من يقرُّ بمعاد الأرواح العالِمة دون الجاهلة. وهذه الأقوال الثلاثة لمعلِّمهم الثاني أبي نصر الفارابي (١)، ولهم فيه من الاضطراب ما يُعْلَمُ به أنهم لم يهتدوا فيه لصوابٍ, وقد أضلُّوا بشبهاتهم من المنتسبين إلى المِلَل من لا يحصي عددَه إلا الله. فإذا كان ما به تحصلُ السَّعادةُ والنجاةُ من الشَّقاوة ليس عندهم أصلًا، كان ما يأمرون به من الأخلاق والأعمال والسياسات كما قال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧]. وأما ما يذكرونه من العلوم النظرية فالصوابُ منها منفعتُه في الدنيا, وأما العلم الإلهيُّ فليس عندهم منه ما تحصلُ به النجاةُ والسعادة، بل وغالب ما

стр. 347

عندهم منه ليس بمتيقَّنٍ معلوم، بل قد صرَّح أساطينُ الفلسفة أن العلوم الإلهية لا سبيل فيها إلى اليقين، وإنما يُتَكلَّمُ فيها بالأحرى والأخلَق (١). فليس معهم فيها إلا الظن, ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨]. ولهذا يوجدُ عندهم من المخالفة للرُّسل أمرٌ عظيمٌ باهر، حتى قيل مرَّةً لبعض الأشياخ الكبار (٢) ممَّن يعرفُ الكلام والفلسفة والحديث وغير ذلك: ما الذي بين الأنبياء والفلاسفة؟ فقال: السيفُ الأحمر (٣). ويريدُ الذي يسلكُ طريقتَهم أن يوفِّق بين ما يقولونه وبين ما جاءت به الرُّسل، فيدخلُ من السَّفْسَطة والقَرْمَطة في أنواعٍ من المُحَال الذي لا يرضاه عاقل، كما فعل أصحابُ «رسائل إخوان الصفا» وأمثالهم (٤) , ومِن هنا ضلَّت القرامطةُ والباطنيةُ ومَن شَرَكَهم في بعض ذلك, وهذا بابٌ يطولُ وصفُه ليس الغرض هنا ذكره. وإنما الغرض أن معلِّمَهم وضعَ منطقَهم ليَزِنَ به ما يقولونه من هذه

стр. 348

الأمور التي يخوضون فيها التي هي قليلةُ المنفعة، وأكثرُ منفعتها إنما هي في الأمور الدنيوية، وقد يستغنى عنها في الأمور الدنيوية أيضًا. فأما أن يوزنَ بهذه الصِّناعة ما ليس من علومهم وما هو فوق قَدْرهم، أو يوزنَ بها ما يوجبُ السعادةَ والنعيم, والنجاةَ من العذاب الأليم، فهذا أمرٌ ليس هو فيها، و ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣]. والقومُ وإن كان لهم ذكاءٌ وفطنة، وفيهم زهدٌ وأخلاق، فهذا القَدْرُ لا يوجبُ السعادةَ والنجاة من العذاب إلا بالأصول المتقدمة من الإيمان بالله وتوحيده وإخلاص عبادته، والإيمان برسله واليوم الآخر، والعمل الصالح. وإنما قوَّةُ الذكاء بمنزلة قوَّة البدن وقوَّة الإرادة، فالذي يؤتى فضائل علميةً وإراديةً بدون هذه الأصول بمنزلة من يؤتى قوَّةً في جسمه وبدنه بدون هذه الأصول. وأهلُ الرأي والعلم بمنزلة أهل المُلك والإمارة، وكلٌّ من هؤلاء وهؤلاء لا ينفعُه ذلك شيئًا إلا أن يعبد الله وحده لا شريك له، ويؤمن برسله وباليوم الآخر. وهذه الأمورُ متلازمة؛ فمن عبد الله وحده لزم أن يؤمنَ برسله ويقرَّ باليوم الآخر, واستحقَّ الثواب, وإلا كان من أهل الوعيد (١) , ولا يخلَّد عليه العذابُ (٢) إلا إذا قامت (٣) عليه الحجَّةُ بالرُّسل.

стр. 349

ولما كان كلُّ واحدٍ من أهل المُلك والعلم قد يعارضون الرُّسلَ وقد يتابعونهم، ذكَر الله ذلك في كتابه في غير موضع, فذكَر فرعون، والذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه لما آتاه الله المُلك، والملأ من قوم نوحٍ وعادٍ وغيرهم من المستكبرين المكذِّبين للرُّسل، وذكر قولَ علمائهم، كقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٣ - ٨٥]. وقال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾ إلى قوله: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ إلى قوله: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٤ ــ ٣٥]، والسلطان هو الوحي المنزل من عند الله، كما ذكر ذلك في غير موضع، كقوله: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥]، وقوله: ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [الأعراف: ٧١]، وقال ابنُ عباس: «كلُّ سلطانٍ في القرآن فهو الحجَّة». ذكره البخاريُّ في صحيحه (١).

стр. 350

وقد ذكَر في هذه السورة «سورة حم غافر» مِن حال مخالفي الرُّسل من الملوك والعلماء مثل مَقُول الفلاسفة وعلمائهم ومجادلتهم واستكبارهم ما فيه عبرة، مثل قوله: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦]، ومثل قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٦٩ ــ ٧٥]، وختم السورة بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣]. وكذلك ذكَر في سورة الأنعام والأعراف وعامة السُّور المكية وطائفةٍ من السُّور المدنية، فإنها تشتملُ على خطاب هؤلاء, وضربِ الأمثال والمقاييس لهم، وذِكْرِ قصصهم وقصص الأنبياء وأتباعهم معهم. وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦] , فأخبَر بما مُكِّنوا فيه من أصناف الإدراكات والحركات, وأخبَر أن ذلك لم يُغْنِ عنهم حيثُ جحدوا بآيات الله، وهي الرسالةُ التي بعث بها رسله. ولهذا حدَّثني ابنُ الشيخ الحَصِيري عن والده الشيخ الحَصِيري شيخ

стр. 351

الحنفية في زمنه (١) , قال: كان فقهاء بخارى يقولون في ابن سينا: كان كافرًا ذكيًّا (٢). قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [غافر: ٢١]، والقوَّة تعمُّ قوَّة الإدراك النظرية وقوَّة الحركة العملية. وقال في الآية الأخرى: ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر: ٨٢]، فأخبر بفضلهم في الكمِّ والكيف، وأنهم أشدُّ في أنفسهم وفي آثارهم في الأرض. وقال تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا﴾ الآية [غافر: ٨٢، ٨٣]، وقال تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ الآية [الروم: ٦ ـ ١١]، وقال تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ٥].

стр. 352

وقد قال سبحانه عن أتباع هؤلاء الأئمَّة من أهل المُلْك والعلم المخالفين للرُّسل: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٦ ــ ٦٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ إلى قوله: ﴿ ... قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٧، ٤٨]. ومثلُ هذا في القرآن كثير، يذكُر فيه مِن أقوال أعداء الرُّسل وأفعالهم وما أوتوه من قوى الإدراكات والحركات التي لم تنفعهم لمَّا خالفوا الرسل. وقد ذكر سبحانه ما في المنتسبين إلى أتباع الرُّسل من العلماء والعُبَّاد والملوك من النفاق والضلال في مثل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] , ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يستعمَل لازمًا، يقال: صَدَّ صدودًا، أي: أعرَض، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١]، ويقال: صدَّ غيرَه يَصُدُّه، والوصفان يجتمعان فيهم. ومثلِ قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١].

стр. 353

وفي «الصَّحيحين» (١) عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: «مثلُ المؤمن الذي يقرأ القرآن مثلُ الأُترُجَّة طعمُها طيِّبٌ وريحُها طيِّب، ومثلُ المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثلُ التمرة طعمُها طيِّبٌ ولا ريحَ لها، ومثلُ المنافق الذي يقرأ القرآن مثلُ الرَّيحانة ريحُها طيِّبٌ وطعمُها مُرٌّ، ومثلُ المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثلُ الحنظلة طعمُها مرٌّ ولا ريحَ لها»، فبيَّن أن في الذين يقرؤون القرآن مؤمنين ومنافقين (٢). فصل وهذا المقامُ لا أذكُر فيه مواردَ النزاع، فيقال: هو استدلالٌ على المختلِف بالمختلِف، لكن أنا أصِفُ جنسَ كلامهم، فأقول: لا ريب أن كلامهم كلَّه منحصرٌ في الحدود التي تفيدُ التصوُّرات، سواءٌ كانت الحدودُ حقيقيةً أو رسميةً أو لفظية، وفي الأقيسة التي تفيدُ التصديقات سواءٌ كانت أقيسةَ عمومٍ وشمولٍ أو شَبَهٍ وتمثيلٍ أو استقراءٍ وتتبُّع. وكلامهم غالبُه لا يخلو مِن تكلُّف، إما في العلم وإما في القول، إما أن يتكلَّفوا علمَ ما لا يعلمونه فيتكلَّمون بغير علم، أو يكون الشيءُ معلومًا لهم

стр. 354

فيتكلَّفون مِن بيانه ما هو زيادةٌ وحشوٌ وعناءٌ وتطويلُ طريق. وهذا من المنكر المذموم في الشَّرع والعقل، قال تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]، وفي «الصَّحيح» (١) عن عبد الله بن مسعود قال: «أيها الناس، من عَلِمَ علمًا فليَقُلْ به، ومن لم يعلم فليَقُلْ: لا أعلم؛ فإن من العلم أن يقول الرجلُ لما لا يعلم: لا أعلم». وقد ذمَّ الله القولَ بغير علمٍ في كتابه، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] لا سيَّما القولَ على الله، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ إلى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. وكذلك ذمَّ الكلام الكثيرَ الذي لا فائدة فيه، وأمرَ بأن نقول القولَ السَّديد والقولَ البليغ (٢). وهؤلاء كلامهم في الحدود غالبُه من الكلام الكثير الذي لا فائدة فيه، بل قد يكثُر كلامهم في الأقيسة والحُجَج, كثيرٌ منه كذلك (٣)، وكثيرٌ منه باطل، وهو قولٌ بغير علم، وقولٌ لخلاف الحقِّ. أما الأول، فإنهم يزعمون أن الحدودَ التي يذكرونها يُفِيدُون بها تصوُّر الحقائق، وأن ذلك إنما يتمُّ بذكر الصِّفات الذاتية المشتركة والمميِّزة، حتى

стр. 355

رُكِّبَ الحدُّ (١) من الجنس المشترك والفصل المميِّز. وقد يقولون: إن التصوُّرات لا تحصلُ إلا بالحدود، ويقولون: الحدود المركَّبة لا تكونُ إلا للأنواع المركَّبة من الجنس والفصل دون الأنواع البسيطة. وقد ذكرتُ في غير هذا الموضع ملخَّص المنطق ومضمونَه، وأشرتُ إلى بعض ما دخل به على كثيرٍ من الناس من الخطأ والضلال، وليس هذا موضع بسط ذلك (٢)، لكن نذكرُ وجوهًا: الأول: قولهم: «إن التصوُّر الذي ليس ببديهيٍّ لا يُنَالُ إلا بالحدِّ» باطل؛ لأن الحدَّ هو قولُ الحادِّ, فإن الحدَّ هنا هو القولُ الدالُّ على ماهية المحدود, فالمعرفةُ بالحدِّ لا تكونُ إلا بعد الحدِّ؛ فإن الحادَّ الذي ذكر الحدَّ إن كان عَرَفَ المحدودَ بغير حدٍّ بطَل قولُهم: «لا يُعْرَفُ إلا بالحدِّ»، وإن كان عَرَفه بحدٍّ آخر فالقولُ فيه كالقول في الأول، فإن كان هذا الحادُّ عرفه بعد الحدِّ الأول لَزِمَ الدَّور، وإن كان بآخر (٣) لَزِمَ التسلسل. الثاني: أنهم إلى الآن لم يَسْلَم لهم حدٌّ لشيءٍ من الأشياء إلا ما يدَّعيه بعضهم وينازعُه فيه آخرون, فإن كانت الأشياء (٤) لا تُتَصوَّر إلا بالحدود لَزِمَ ألا يكون إلى الآن أحدٌ عرَف شيئًا من الأمور، ولم يبقَ أحدٌ ينتظر
следующие страницы →