← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 303

الانتصار لأهل الأثر المطبوع باسم «نقض المنطق»

ابن تيمية

Полный текст (390 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

كان عليه فقد خرج إلى السُّنة المحضة (١). وأبو حامدٍ يميلُ إلى الفلسفة لكنه أظهرها في قالب التصوُّف والعبارات الإسلامية؛ ولهذا ردَّ عليه علماء المسلمين، حتى أخصُّ أصحابه أبو بكر بن عربي (٢) قال: «شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة، ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر» , وقد حكى عنه من القول بمذاهب الباطنية ما يوجدُ تصديقُ ذلك في كتبه، وردَّ عليه العلماء المذكورون قبل (٣).

стр. 282

فصل ثم قال المعترض (١): «قال أبو الفرج ابن الجوزي في الردِّ على الحنابلة: إنهم أثبتوا لله سبحانه عينًا، وصورةً، ويمينًا، وشمالاً، ووجهًا زائدًا على الذَّات، وجبهةً، وصدرًا، ويدين، ورجلين، وأصابع، وخنصرًا، وفخذًا، وساقًا، وقدمًا، وجنبًا، وحِقْوًا وخَلْفًا، وأمامًا، وصعودًا، ونزولًا، وهرولةً، وا عجبًا لقد كمَّلوا هيئة البدن! وقالوا: يحمَل على ظاهره، وليست بجوارح، ومثل هؤلاء لا يُحَدَّثون، فإنهم يكابرون العقول, وكأنهم يُحَدِّثون الأطفال» (٢). قلت: الكلام على هذا فيه أنواع: الأول: بيان ما فيه من التعصُّب بالجهل والظلم قبل الكلام في المسألة العلمية.

стр. 283

الثاني: بيان أنه ردٌّ بلا حجَّةٍ ولا دليلٍ أصلًا. الثالث: بيان ما فيه من ضعف النقل والعقل. * أما أولًا: فإن هذا المصنَّف الذي نقل منه كلام أبي الفرج لم يصنِّفه في الردِّ على الحنابلة كما ذكر هذا، وإنما ردَّ به ــ فيما ادَّعاه ــ على بعضهم، وقَصَدَ قَصْدَ (١) أبي عبد الله بن حامد, والقاضي أبي يعلى, وشيخَه أبي الحسن بن الزَّاغوني (٢) ومن تبعهم (٣)، وإلا فجنسُ الحنابلة لم يتعرَّض أبو الفرج للردِّ عليهم، ولا حكى عنهم ما أنكَره، بل هو يحتجُّ في مخالفته لهؤلاء بكلام كثيرٍ من الحنبليَّة، كما يذكُره من كلام التميميِّين، مثل رِزْق الله التميمي (٤) , وأبي الوفاء بن عقيل، ورِزقُ الله كان يميلُ إلى طريقة سَلَفه، كجدِّه أبي الحسن التميمي (٥)، وعمِّه أبي الفضل التميمي (٦)، والشريف

стр. 284

أبي علي بن أبي موسى (١) هو صاحبُ أبي الحسن التميمي, وقد ذَكَر عنه أنه قال: لقد خَرِيَ القاضي أبو يعلى على الحنابلة خَرْيةً لا يغسلُها الماء (٢). وسنتكلَّم على هذا بما ييسِّره الله، متحرِّين للكلام بعلمٍ وعدل، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فمازال في الحنبليَّة من يكونُ ميلُه إلى نوعٍ من الإثبات الذي ينفيه طائفةٌ أخرى منهم، ومنهم من يُمْسِكُ عن النفي والإثبات جميعًا, ففيهم جنسُ التنازع الموجود في سائر الطوائف، لكن نزاعَهم في مسائل الدِّق (٣)، وأما الأصولُ الكبار فهم متَّفقون عليها، ولهذا كانوا أقلَّ الطوائف تنازعًا وافتراقًا؛ لكثرة اعتصامهم بالسُّنة والآثار؛ لأن للإمام أحمد في باب أصول الدين من الأقوال المبيِّنة لما تنازع فيه الناسُ ما ليس لغيره, وأقوالُه مؤيَّدةٌ بالكتاب والسُّنة واتباع سبيل السَّلف الطيِّب؛ ولهذا كان جميعُ من ينتحِلُ السُّنةَ من طوائف الأمة فقهائها ومتكلِّمتها وصوفيَّتها ينتحِلُونه. ثم قد يتنازعُ هؤلاء في بعض المسائل، فإن هذا أمرٌ لا بدَّ منه في العالَم، والنبي ﷺ قد أخبر بأن هذا لا بدَّ من وقوعه، وأنه لما سأل ربَّه ألا يُلْقِي

стр. 285

بأسَهم بينهم مُنِعَ ذلك (١)، فلا بدَّ في الطوائف المنتسبة إلى السُّنة والجماعة من نوع تنازع، لكن لا بدَّ فيهم من طائفةٍ تعتصمُ بالسُّنة، كما أنه لا بدَّ أن يكون بين المسلمين تنازعٌ واختلاف، لكنه لا يزالُ في هذه الأمَّة طائفةٌ قائمةٌ بالحقِّ لا يضرُّها من خالفها ولا من خذلها حتى تقوم السَّاعة. ولهذا لما كان أبو الحسن الأشعري وأصحابُه منتسبين إلى السُّنة والجماعة كان مُنتَحِلًا للإمام أحمد ذاكرًا أنه مقتدٍ به متبعٌ سبيلَه (٢) , وكان بين أعيان أصحابه من الموافقة والمؤالفة لكثيرٍ من أصحاب الإمام أحمد ما هو معروف، حتى إن أبا بكر عبد العزيز (٣) يذكرُ مِن حُجَج أبي الحسن في كلامه مثل ما يذكرُ من حُجَج أصحابه؛ لأنه كان عنده من متكلِّمة أصحابه (٤). وكان من أعظم المائلين إليهم التميميُّون؛ أبو الحسن التميمي، وابنه، وابن ابنه، ونحوهم، وكان بين أبي الحسن التميميِّ وبين القاضي أبي بكر بن الباقلاني من المودَّة والصُّحبة ما هو معروفٌ مشهور (٥). ولهذا اعتمد الحافظُ أبو بكر البيهقي في كتابه الذي صنَّفه في مناقب

стр. 286

الإمام أحمد لمَّا ذكَر اعتقادَه اعتمد على ما نقله من كلام أبي الفضل عبد الواحد بن أبي الحسن التميمي (١) , وله في هذا الباب مصنفٌ ذكر فيه من اعتقاد أحمد ما فَهِمَه، ولم يذكُر فيه ألفاظَه، وإنما ذكَر جُمَل الاعتقاد بلفظِ نفسِه، وجعَل يقول: «وكان أبوعبد الله» (٢) , وهو بمنزلة من يصنِّفُ كتابًا في الفقه على رأي بعض الأئمَّة ويذكُر مذهبَه بحسب ما فَهِمَه ورآه، وإن كان غيرُه أعلمَ بمذهب ذلك الإمام منه, أعلمَ بألفاظه وأفهمَ لمقاصده. فإن الناس في نقل مذاهب الأئمة قد يكونون بمنزلتهم في نقل الشريعة, ومن المعلوم أن أحدهم يقول: حكمُ الله كذا، أو حكمُ الشريعة كذا, بحسب ما اعتقَده عن صاحب الشريعة، بحسب ما بلغه وفَهِمَه، وإن كان غيرُه أعلمَ بأقوال صاحب الشريعة وأعماله وأفهمَ لمراده. فهذا أيضًا من الأمور التي يكثُر وجودُها في بني آدم؛ ولهذا قد تختلفُ الروايةُ في النقل عن الأئمَّة، كما يختلفُ بعض الحديث في النقل عن النبي ﷺ ، لكن النبيَّ ﷺ معصوم، فلا يجوزُ أن يصدُر عنه خبران متناقضان في الحقيقة ولا أمران متناقضان في الحقيقة إلا وأحدُهما ناسخٌ والآخر منسوخ، وأما غيرُ النبي ﷺ فليس بمعصوم، فيجوزُ أن يكون قد قال خبرين متناقضين وأمرين متناقضين ولم يشعُر بالتناقض. لكن إذا كان في المنقول عن النبي ﷺ ما يحتاجُ إلى تمييزٍ ومعرفة, وقد تختلفُ الرواياتُ حتى يكون بعضُها أرجحَ من بعض, والناقلون لشريعته

стр. 287

بالاستدلال (١) بينهم اختلافٌ كثير= لم يُسْتَنكر وقوعُ نحوٍ من هذا في غيره، بل هو أولى بذلك؛ لأن الله قد ضَمِنَ حِفْظَ الذِّكر الذي أنزله على رسوله، ولم يَضْمَن حِفْظَ ما يُؤْثَر عن غيره؛ لأن ما بعثَ الله به رسولَه من الكتاب والحكمة هُدى الله الذي جاء من عند الله، وبه يُعْرَفُ سبيلُه, وهو حجَّتُه على عباده، فلو وقع فيه ضلالٌ لم يبيَّن لسقطت حجَّةُ الله في ذلك، وذهب هُداه، وعُمِّيَت سبيلُه؛ إذ ليس بعد هذا النبيِّ نبيٌّ آخر يُنْتَظَر ليبيِّن للناس ما اختلفوا فيه، بل هذا الرسولُ آخرُ الرُّسل، وأمَّتُه خيرُ الأمم؛ ولهذا لا يزالُ فيها طائفةٌ قائمةٌ على الحقِّ بإذن الله، لا يضرُّها من خالفها ولا من خذلها حتى تقوم السَّاعة. الوجه الثاني: أن أبا الفرج نفسَه متناقضٌ في هذا الباب، لم يَثْبُت على قَدَم النفي ولا على قدم الإثبات (٢)، بل له من الكلام في الإثبات نظمًا ونثرًا ما أثبت به كثيرًا من الصِّفات التي أنكَرها في هذا المصنَّف, فهو في هذا

стр. 288

الباب مثلُ كثيرٍ من الخائضين في هذا الباب من أنواع الناس, يُثْبِتُون تارةً وينفون أخرى ــ في مواضع ــ كثيرًا من الصِّفات، كما هو حالُ أبي الوفاء بن عقيل وأبي حامد الغزالي (١). الوجه الثالث: أن باب الإثبات ليس مختصًّا بالحنبليَّة، ولا فيهم من الغلوِّ ما ليس في غيرهم، بل من استقرى مذاهبَ الناس وجد في كلِّ طائفةٍ من الغُلاة في النفي والإثبات ما لا يوجدُ مثله في الحنبليَّة، ووجد مَن مال منهم إلى نفيٍ باطلٍ أو إثباتٍ باطلٍ فإنه لا يسرفُ إسرافَ غيرهم من المائلين إلى النفي والإثبات، بل تجدُ في الطوائف من زيادة النفي الباطل والإثبات الباطل ما لا يوجدُ مثله في الحنبليَّة, وإنما الاعتداء في النفي والإثبات فيهم مما دبَّ إليهم من غيرهم الذين اعتدوا حدود الله بزيادة النفي والإثبات؛ إذ أصل السُّنة مبناها على الاقتصاد والاعتدال دون البغي والاعتداء, وكان علمُ الإمام أحمد واتِّباعه لها (٢) من الكمال والتمام على الوجه المشهور بين الخاصِّ والعام ممن له بالسُّنة وأهلها نوعُ إلمام (٣). وأما أهل الجهل والضلال الذين لا يعرفون ما بعثَ الله به الرسول, ولا يميِّزون بين صحيح المنقول وصريح المعقول وبين الروايات المكذوبة والآراء المضطربة، فأولئك جاهلون قدرَ الرسول والسَّابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار الذين نطق بفضلهم القرآن، فهم بمقادير الأئمَّة

стр. 289

المخالفين لهؤلاء أولى أن يكونوا جاهلين؛ إذ كانوا أشبه بمن شاقَّ الرسول واتَّبع غيرَ سبيل المؤمنين من أهل العلم والإيمان. وهم في هذه الأحوال إلى الكفر أقربُ منهم للإيمان. تجدُ أحدَهم يتكلَّم في أصول الدين أو فروعه بكلام من كأنه لم ينشأ في دار الإسلام، ولا سَمِع ما عليه أهلُ العلم والإيمان، ولا عَرف حالَ سلف هذه الأمة وما أوتوه من كمال العلوم النافعة والأعمال الصَّالحة، ولا عَرف مما بعث الله به نبيَّه ما يدلُّه على الفرق بين الهدى والضلال والغيِّ والرشاد. وتجدُ وقيعةَ هؤلاء في أئمَّة السُّنة وهُداة الأمَّة من جنس وقيعة الرافضة ومن معهم من المنافقين في أبي بكرٍ وعمرَ وأعيان المهاجرين والأنصار، ووقيعة اليهود والنصارى ومن اتبعهم من منافقي هذه الأمة في رسول الله ﷺ ، ووقيعة الصَّابئة والمشركين من الفلاسفة وغيرهم في الأنبياء والمرسلين، وقد ذكر الله في كتابه مِن كلام الكفَّار والمنافقين في الأنبياء والمرسلين وأهل العلم والإيمان ما فيه عبرةٌ للمعتبِر, وبيِّنةٌ للمستبصِر، وموعظةٌ للمُتَهوِّك المتحيِّر. وتجدُ عامَّة أهل الكلام ومَن أعرض عن جادَّة السَّلف إلا من عصَم الله يعظِّمون أئمَّة الاتحاد، بعد تصريحهم في كتبهم بعبارات الاتحاد، ويتكلَّفون لها محامِلَ غير ما قصدوه (١)، ولهم في قلوبهم من الإجلال والتعظيم والشَّهادة بالإمامة والولاية لهم وأنهم أهلُ الحقائق ما اللهُ به عليم.

стр. 290

هذا ابن عربي يصرِّح في فصوصه أن الولاية أعظمُ من النبوَّة، بل أكمل من الرسالة (١)، ومن كلامه: مقامُ النبوَّة في برزخٍ ... فُوَيْقَ الرسول ودونَ الولي (٢) وبعض أصحابه يتأوَّل ذلك بأن ولاية النبيِّ أفضلُ من نبوَّته، وكذلك ولاية الرسول أفضلُ من رسالته، أو يجعلون ولايتَه حالَه مع الله، ورسالتَه حالَه مع الخلق. وهذا من بليغ الجهل؛ فإن الرسول إذا خاطب الخلقَ وبلَّغهم الرسالة لم يفارِق الولاية، بل هو وليُّ الله في تلك الحال كما هو وليُّ الله في سائر أحواله، فإنه وليٌّ لله ليس عدوًّا له في شيءٍ من أحواله، وليس حالُه في تبليغ الرسالة دون حاله إذا صلَّى ودعا الله وناجاه. وأيضًا، فما يقول هذا المتكلِّف (٣) في قول هذا المعظَّم (٤): إن النبي ﷺ لَبِنَةٌ من فضة، وهو لَبِنَتان من ذهبٍ وفضة، ويزعمُ أن لَبِنَة محمدٍ ﷺ هي العلمُ الظاهر، ولَبِنَتاه: الذهبُ علمُ الباطن والفضةُ علمُ الظاهر، وأنه يتلقَّى ذلك بلا واسطة, ويصرِّح في فصوصه أن رتبةَ الولاية أعظمُ من رتبة النبوَّة؛ لأن الوليَّ يأخذُ بلا واسطةٍ والنبيَّ بواسطة، فالفضيلةُ التي امتاز بها على النبي ﷺ أعظمُ عنده مما شاركه فيه.

стр. 291

وبالجملة، فهو لم يتَّبع النبيَّ ﷺ في شيء، فإنه أخذ بزعمه عن الله ما هو مُتَابِعُه فيه في الظاهر، كما يوافقُ المجتهدُ المجتهدَ والرسولُ الرسولَ، فليس عنده من اتباع الرسول والتلقِّي عنه شيءٌ أصلًا، لا في الحقائق الخبرية ولا في الحقائق الشرعية. وأيضًا، فإنه لم يرضَ أن يكون معه كموسى مع عيسى وكالعالِم مع العالِم في الشَّرع الذي وافقَه فيه، بل ادعى أنه يأخذُ ما أقرَّه عليه من الشَّرع من الله في الباطن، فيكون أخذُه للشَّرع عن الله أعظمَ مِن أخذِ الرسول. وأما ما ادعى امتيازَه به عنه, وافتقارَ الرسول إليه, وهو موضعُ اللَّبِنَة الذهبية, فزعَم أنه يأخذُ عن المَعْدِن الذي يأخذُ منه المَلَكُ الذي يوحي به إلى الرسول. فهذا كما ترى في حال هذا الرجل، وتعظيم بعض المتأخرين له (١). وصرَّح الغزالي بأن قتل من ادعى أن رتبة الولاية أعلى من رتبة النبوَّة أحبُّ إليه من قتل مئة كافر؛ لأن ضرر هذا في الدين أعظم (٢).

стр. 292

ولا نطيلُ الكلام في هذا المقام؛ لأنه ليس المقصود هنا (١). وأيضًا، فأسماء الله وأسماء صفاته عندهم (٢) شرعيةٌ سمعيةٌ لا تطلقُ بمجرَّد الرأي، فهم في الامتناع (٣) من هذه الأسماء (٤) أحقُّ بالعذر ممَّن امتنع من تسمية صفاته أعراضًا, وذلك أن الصِّفات التي لنا منها ما هو عَرَضٌ كالعِلم والقدرة، ومنها ما هو جسمٌ وجوهرٌ قائمٌ بنفسه كالوجه واليد، وتسميةُ هذه جوارحَ وأعضاءً أخصُّ من تسميتها أجسامًا؛ لما في ذلك من معنى الاكتساب والانتفاع والتصرُّف وجواز التفريق والبعضيَّة. الوجه الرابع: أن هذا السؤال لا يختصُّ بهؤلاء، بل إثباتُ جنس هذه الصِّفات قد اتفق عليه سلفُ الأمَّة وأئمَّتها من أهل الفقه والحديث والتصوُّف والمعرفة, وأئمَّة أهل الكلام من الكُلَّابية والكَرَّامية والأشعرية، كلُّ هؤلاء يثبتون لله صفةَ الوجه واليد ونحو ذلك. وقد ذكر الأشعريُّ في كتاب «المقالات» (٥) أن هذا مذهبُ أهل الحديث، وقال: إنه به يقول. فقال في جملة مقالة أهل السُّنة وأصحاب

стр. 293

الحديث: جملةُ ما عليه (١) أهلُ السُّنة وأصحابُ الحديث: الإقرارُ بكذا وكذا، وأن الله على عرشه استوى، وأن له يدين بلا كيف، كما قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وكما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وأن له عينين بلا كيف، كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]، وأن له وجهًا، كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]. وقد قدَّمنا فيما تقدَّم أن جميع أئمَّة الطوائف هم من أهل الإثبات (٢)، وما مِن شيءٍ ذكره أبو الفرج وغيرُه مما هو موجودٌ في الحنبلية ــ سواءٌ كان الصوابُ فيه مع المثبت, أو مع النافي، أو كان فيه تفصيل ــ إلا وذلك موجودٌ فيما شاء الله من أهل الحديث والصُّوفية والمالكية والشافعية والحنفية ونحوهم، بل هو موجودٌ في الطوائف التي لا تنتحِلُ السُّنةَ والجماعةَ والحديثَ ولا مذهبَ السَّلف، مثل الشيعة وغيرهم، ففيهم في طرفي الإثبات والنفي ما لا يوجدُ في هذه الطوائف. وكذلك في أهل الكتابَيْن ــ أهل التوراة والإنجيل ــ توجدُ هذه المذاهب المتقابلة في النفي والإثبات، وكذلك الصَّابئة من الفلاسفة وغيرهم لهم تقابلٌ (٣) في النفي والإثبات، حتى إن منهم من يُثْبِتُ ما لا يُثْبِتُه كثيرٌ من متكلِّمة الصِّفاتية، ولكن جنسَ الإثبات على المتَّبعين للرُّسل أغلب من الذين

стр. 294

آمنوا واليهود والنصارى والصابئة المهتدين, وجنسَ النفي على غير المتَّبعين للرُّسل أغلب من المشركين والصَّابئة المبتدعة. وقد ذكرنا في غير هذا الجواب مذهبَ سلف الأمَّة وأئمَّتها بألفاظها وألفاظ مَن نقل ذلك من جميع الطوائف (١)، بحيثُ لا يبقى لأحدٍ من الطوائف اختصاصٌ بالإثبات. ومن ذلك ما ذكره شيخُ الحرمين أبو الحسن [محمد بن] عبد الملك الكَرَجِي (٢)، في كتابه الذي سمَّاه «الفصول في الأصول عن الأئمَّة الفحول إلزامًا لذوي البدع والفُضول» (٣)، وكان من أئمَّة الشَّافعية، ذكَر فيه مِن كلام

стр. 295

الشَّافعي، ومالك، والثَّوري، وأحمد بن حنبل، والبخاري صاحب «الصَّحيح» , وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، والأوزاعي، والليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه, [وأبي زرعة, وأبي حاتم] (١) , في أصول السُّنة ما يُعْرَفُ به اعتقادُهم, وذكَر في تراجمهم ما فيه تنبيهٌ على مراتبهم ومكانتهم في الإسلام. وذكَر أنه اقتصَر في النقل عنهم دون غيرهم؛ لأنهم هم المقتدى بهم والمرجوعُ شرقًا وغربًا إلى مذاهبهم؛ ولأنهم أجمعُ لشرائط القدوة والإمامة من غيرهم، وأكثرُ لتحصيل أسبابها وأدواتها، مِن جودة الحفظ والبصيرة والفطنة, والمعرفة بالكتاب والسُّنة والإجماع, والسند والرجال، والأحوال، ولغات العرب، ومواضعها، والتاريخ، والناسخ والمنسوخ، والمنقول والمعقول، والصَّحيح والمدخول, مع (٢) الصِّدق والصَّلابة, وظهور الأمانة والديانة= ممَّن سواهم. قال: وإن قصَّر واحدٌ منهم في سببٍ منها جَبَر تقصيرَه قربُ عصره من

стр. 296

الصَّحابة والتابعين لهم بإحسان، باينوا هؤلاء (١) بهذا المعنى مَن سواهم، فإن غيرَهم من الأئمَّة وإن كانوا في منصب الإمامة لكنْ أخلُّوا ببعض ما أشرتُ إليه مجملًا من شرائطها؛ إذ ليس هذا موضعًا لبيانها. قال: ووجهٌ ثالثٌ لا بدَّ مِن أن نبيِّن فيه، فنقول: إن في النقل عن هؤلاء إلزامًا للحجَّة على كلِّ من ينتحِلُ مذهبَ إمامٍ يخالفُه في العقيدة، فإن أحدهما لا محالة يضلِّلُ صاحبَه أو يبدِّعُه أو يكفِّرُه، فانتحالُ مذهبه مع مخالفته في العقيدة مستنكرٌ والله شرعًا وطبعًا. فمن قال: أنا شافعيُّ الشَّرع أشعريُّ الاعتقاد، قلنا له: هذا من الأضداد، لا بل من الارتداد؛ إذ لم يكن الشافعيُّ أشعريَّ الاعتقاد. ومن قال: أنا حنبليٌّ في الفروع، معتزليٌّ في الأصول، قلنا: قد ضللتَ إذًا عن سواء السَّبيل فيما تزعمُه؛ إذ لم يكن أحمدُ معتزليَّ الدين والاجتهاد. قال: وقد افتتن أيضًا خلقٌ من المالكية بمذاهب الأشعرية (٢)، وهذه والله شينةٌ (٣) وعار، وفلتةٌ تعودُ بالوبال والنكال وسوء الدَّار, على منتحِل مذاهب هؤلاء الأئمَّة الكبار، فإن مذهبَهم ما رويناه مِن تكفيرهم الجهمية والمعتزلة والقدرية والواقِفية وتكفيرهم اللفظية.

стр. 297

وبسَط الكلامَ في مسألة اللفظ إلى أن قال: فأما غيرُ من ذكرناه من الأئمة فلم ينتحِل أحدٌ مذهبَهم, فلذلك لم نتعرَّض للنقل عنهم. قال: فإن قيل: فهلا اقتصرتم إذًا على النقل عمَّن شاع مذهبُه وانتُحِلَ اختيارُه من أصحاب الحديث، وهم الأئمة: الشافعي ومالك والثوري وأحمد، إذ لا نرى أحدًا ينتحِلُ مذهبَ الأوزاعيِّ والليث وسائرِهم؟ قلنا: لأن مَن ذكرناه من الأئمَّة سوى هؤلاء أربابُ المذاهب في الجملة، إذ كانوا قدوةً في عصرهم، ثم اندرجت مذاهبُهم بالآخِرة (١) تحت مذاهب الأئمَّة المعتبرة. وذلك أن ابن عيينة كان قُدوة، ولكن لم يصنِّف في الذي كان يختارُه من الأحكام، وإنما صنَّف أصحابُه، وهم الشافعيُّ وأحمد وإسحاق، فاندرَج مذهبُه تحت مذاهبهما (٢). وأما الليث بن سعد، فلم يَقُم أصحابه بمذهبه، قال الشافعي: «لم يُرْزَق الأصحابَ» (٣) , إلا أن قوله يوافقُ قولَ مالكٍ أو قولَ الثوريِّ لا يخطئهما،

стр. 298

فاندرج مذهبُه تحت مذهبهما. وأما الأوزاعي، فلا نرى له في أعمِّ المسائل قولًا إلا ويوافقُ قولَ مالكٍ أو قولَ الثوريِّ أو قولَ الشافعي, فاندرج اختيارُه أيضًا تحت اختيار هؤلاء. وكذلك اختيارُ إسحاق يندرجُ تحت مذهب أحمد؛ لتوافقهما. قال: فإن قيل: فمن أين وقعتَ على هذا التفصيل والبيان في اندراج مذاهب هؤلاء تحت مذاهب الأئمة؟ قلت: من «التعليقة» للشيخ أبي حامد الإسفراييني (١)، التي هي ديوانُ الشرائع، وأم البدائع, في بيان الأحكام، ومذاهب العلماء الأعلام، وأصول الحُجَج العظام، في المختلف والمؤتلف (٢). قال: وأما اختيار أبي زرعة وأبي حاتم في الصَّلاة والأحكام ــ مما قرأته وسمعتُه من مجموعَيهما ــ فهو موافقٌ لقول أحمد ومندرجٌ تحته, وذلك مشهور. وأما البخاريُّ فلم أر له اختيارًا، ولكن سمعتُ محمد بن طاهر

стр. 299

الحافظ (١) يقول: استنبط البخاريُّ في الاختيارات مسائلَ موافِقةً لمذهب أحمد وإسحاق. فلهذه المعاني نقلنا عن الجماعة الذين سمَّيناهم دون غيرهم؛ إذ هم أربابُ المذاهب في الجملة، ولهم أهليةُ الاقتداء بهم؛ لحيازتهم شرائط الإمامة، وليس مَن سواهم في درجتهم، وإن كانوا أئمَّةً كُبَراء قد ساروا بسَيْرهم. ثم ذكَر بعد ذلك الفصل الثاني عشر: في ذكر خلاصةٍ تحوي مَناصِيصَ الأئمَّة, بعد أن أفرد لكلٍّ منهم فصلًا, قال: لما تتبَّعتُ أصول ما صحَّ لي روايتُه، فعثرتُ فيها بما قد ذكرتُ من عقائد الأئمة، فرتَّبتُها عند ذلك على ترتيب الفصول التي أثبتُّها، وافتتحتُ كلَّ فصلٍ بنُتَفٍ (٢) من المحامد، تكونُ لإمامتهم إحدى الشواهد، داعيةً إلى اتباعهم ووجوب وِفَاقهم، وتحريم خلافهم وشِقَاقهم، فإن اتباع من ذكرناه من الأئمَّة في الأصول في زماننا بمنزلة اتباع الإجماع الذي يبلغُنا عن الصَّحابة والتابعين؛ إذ لا يسعُ مسلمًا خلافُه، ولا يُعْذَر فيه، فإن الحقَّ لا يخرُج عنهم؛ لأنهم الأدلَّة (٣)، وأربابُ مذاهب هذه الأمة، والصُّدور السَّادة، والعلماء القادة، أولو الدِّين والدِّيانة، والصِّدق والأمانة، والعلم الوافر، والاجتهاد الظاهر؛ ولهذا المعنى اقتَدَوا

стр. 300

بهم في الفروع، فجعَلوهم فيها وسائل بينهم وبين الله تعالى، حتى صاروا أربابَ المذاهب, في المشارق والمغارب، فليَرْضَوا كذلك بهم, في الأصول فيما بينهم وبين ربهم, وبما نصُّوا عليه, ودعوا إليه. قال: فإنا نعلمُ قطعًا أنهم أعرفُ قطعًا بما يصحُّ من معتقد رسول الله ﷺ وأصحابه من بعده؛ لجودة معارفهم, وحيازتهم شرائطَ الإمامة، ولقُرب عصرهم من الرسول ﷺ وأصحابه، كما بينَّاه في أول الكتاب. قال: ثم أردتُ ــ ووافق مرادي سؤالَ بعض الإخوان ــ أن أذكر خلاصةَ مَناصِيصهم, مضمَّنةً بعض ألفاظهم، فإنها أقربُ إلى الحفظ، وهي اللُّباب لما ينطوي عليه الكتاب، فاستعنتُ بمن عليه التُّكلان، وقلت: إن الذي آثرناه (١) من مَناصِيصهم يجمعُه فصلان: أحدهما: في بيان السُّنة وفضلها. والثاني: في هِجران البدعة وأهلها. أما الفصل الأول: فاعلم أن السُّنة طريقةُ رسول الله ﷺ ، والتسنُّنُ بسلوكها وإصابتها. وهي أقسامٌ ثلاثة: أقوالٌ، وأعمالٌ، وعقائد. فالأقوال: نحو الأذكار والتسبيحات المأثورة. والأفعال: مثل سُنن الصَّلاة والصِّيام والصَّدقات المذكورة، ونحو السِّيَر المَرْضِيَّة والآداب المَحْكِيَّة. فهذان القسمان في عِدَاد التأكيد والاستحباب، واكتساب الأجر والثواب. والقسمُ الثالث: سنَّة العقائد، وهي من الإيمان إحدى القواعد.

стр. 301

قال: وها أنا أذكرُ بعون الله خلاصةَ ما نقلتُه عنهم مفرَّقًا، وأضيفُ إليه ما دُوِّنَ في كتب الأصول مما لم يبلغني عنهم مطلقًا، وأرتِّبُها مرشَّحة، وببعض مَناصِيصهم موشَّحة، بأوجز لفظٍ على قدر وُسْعي، ليسهُل حفظُه على من يريد أن يَعِي، فأقول: ليَعْلَم المُتَسَنِّن (١) أن سنَّة العقائد على ثلاثة أضرُب: ضربٍ يتعلَّقُ بأسماء الله وذاته وصفاته، وضربٍ يتعلَّقُ برسول الله ﷺ وصحبه ومعجزاته، وضربٍ يتعلَّقُ بأهل الإسلام في أُولاهم وأُخراهم. أما الضربُ الأول, فلنعتقد أن لله أسماءً وصفاتٍ قديمةً غير مخلوقة، جاء بها كتابه، وأخبر بها الرسولُ أصحابه، فيما رواه الثقات، وصحَّحه النقادُ الأثبات, ودلَّ القرآن المبين، والحديثُ الصحيحُ المتين, على ثبوتها. قال رحمه الله تعالى: وهي أن الله تعالى أوَّلٌ لم يَزَل، وآخِرٌ لا يزال، أحدٌ قديم, وصمدٌ كريم، عليمٌ حليم, عليٌّ عظيم، رفيعٌ مجيد, وله بطشٌ شديد، وهو يبدئ ويعيد، فعَّالٌ لما يريد، قويٌّ قدير، منيعٌ نصير، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، إلى سائر أسمائه وصفاته, من النفس والوجه والعين، والقَدَم واليدين، والعلم والنظر، والسَّمع والبصر، والإرادة والمشيئة، والرضى والغضب، والمحبَّة والضَّحك، والعَجَب والاستحياء والغَيْرة، والكراهة والسَّخط، والقبض والبسط، والقُرب والدُّنوّ، والفوقيَّة والعُلوّ، والكلام والسَّلام، والقول والنداء، والتجلِّي واللقاء، والنزول والصُّعود والاستواء, وأنه تعالى في السماء، وأنه على عرشه, بائنٌ من خلقه.

стр. 302

قال مالك: إن الله في السَّماء, وعلمُه في كل مكان (١). وقال عبد الله بن المبارك: نعرفُ ربنا فوق سبع سمواته على العرش بائنًا من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية: إنه هاهنا، وأشار إلى الأرض (٢). وقال سفيان الثوري: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] قال: علمُه (٣). قال الشافعي: إنه على عرشه في سمائه يقربُ من خلقه كيف شاء (٤). قال أحمد: إنه مستوٍ على العرش, عالمٌ بكلِّ مكان (٥). وأنه ينزلُ كلَّ ليلةٍ إلى السَّماء الدُّنيا كيف شاء، وأنه يأتي يوم القيامة كيف شاء، وأنه يعلو على كرسيِّه، والإيمانُ بالعرش والكرسيِّ وما ورد فيهما من الآيات والأخبار، وأن الكَلِمَ الطيِّبَ يصعدُ إليه، وتعرُج الملائكةُ والروحُ إليه، وأنه خلقَ آدم بيديه، وخلقَ القلم وجنَّة عَدْنٍ وشجرةَ طوبى بيديه، وكتبَ التوراة بيديه، وأن كلتا يديه يمين.

стр. 303

وقال ابن عمر: خلق الله بيديه أربعة أشياء: آدم، والعرش، والقلم، وجنَّة عَدْن، وقال لسائر الخلق: كُن, فكان (١). وأنه يتكلَّمُ بالوحي كيف يشاء. قالت عائشة ﵂: لَشَأني في نفسي كان أحقرَ من أن يتكلَّم الله فيَّ بوحيٍ يُتلى (٢). وأن القرآن كلامُ الله بجميع جهاته, منزَّلٌ غير مخلوق، ولا حرفٌ منه مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. قال عبد الله بن المبارك: من كفَر بحرفٍ من القرآن فقد كفَر، ومن قال: لا أؤمن بهذه اللَّام فقد كفَر (٣). وأن الكتبَ المنزَّلة على الرُّسل مئةٌ وأربعةُ كتبٍ كلامُ الله غير مخلوق. قال أحمد: وما في اللوح المحفوظ, وما في المصاحف وتلاوة الناس, وكيفما يُقرأ, وكيفما يُوصف، فهو كلامُ الله غير مخلوق (٤). قال البخاري: وأقول: في المصحف قرآنٌ، وفي صدور الرجال قرآنٌ، فمن قال غير هذا يُستتاب، فإن تاب وإلا فسبيلُه سبيلُ الكفر (٥).

стр. 304

قال: وذكَر الشافعيُّ المعتقَد بالدلائل (١)، فقال: لله تعالى أسماءٌ وصفاتٌ جاء بها كتابُه، وأخبر بها نبيُّه أمتَه، لا يسعُ أحدًا مِن خلق الله قامت عليه الحجَّةُ ردُّها. إلى أن قال: نحو إخبار الله سبحانه إيَّانا أنه سميعٌ بصير، وأن له يدين بقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وأن له يمينًا بقوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وأن له وجهًا بقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وأن له قَدمًا لقوله [ ﷺ ]: «حتى يضع الربُّ فيها قدمَه» (٢) يعني: جهنَّم, وأنه يضحكُ من عبده المؤمن لقوله [ ﷺ ] للذي قُتِل في سبيل الله: «إنه لقي الله وهو يضحكُ إليه» (٣)، وأنه يهبطُ كلَّ ليلةٍ إلى سماء الدنيا لخبر رسول الله ﷺ بذلك (٤)، وأنه ليس بأعور لقول رسول الله ﷺ إذ ذكَر الدَّجَّال فقال: «إنه

стр. 305

أعور، وإن ربكم ليس بأعور» (١)، وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم كما يرون القمرَ ليلة البدر، وأن له إصبعًا لقوله ﷺ : «ما مِن قلبٍ إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن» (٢). قال: وسوى ما نقله الشافعيُّ أحاديثُ جاءت في الصِّحاح والمسانيد، وتلقَّتها الأمة بالقبول والتصديق، نحو ما في «الصَّحيح» من حديث الذَّات (٣)، وقوله: «لا شخصَ أغْيرُ من الله» (٤)، وقوله: «أتعجبون مِن غَيرة سعد؟ والله لأنا أغْيرُ من سعد، والله أغْيرُ مني» (٥)، وقوله: «ليس أحدٌ أحبُّ إليه المدحُ من الله، ولذلك مَدَح نفسَه، وليس أحدٌ أغيرُ من الله، مِن أجل ذلك حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن» (٦)، وقوله: «يدُ الله مَلْأى» (٧)، وقوله: «بيده الأخرى الميزان يخفِضُ ويرفع» (٨)، وقوله: «إن الله يقبضُ يوم القيامة الأرَضِين، وتكونُ السمواتُ بيمينه، ثم يقول: أنا الملك» (٩).

стр. 306

ونحو قوله: «ثلاث حَثَياتٍ من حَثَيات الرَّب» (١)، وقوله: «لما خلق آدمَ مسحَ ظهرَه بيمينه» (٢)، وقوله في حديث أبي رَزِين: قلت: يا رسول الله، فما يفعلُ ربُّنا بنا إذا لقيناه؟ قال: «تُعْرَضون عليه باديةً له صفحاتُكم، لا يخفى عليه منكم خافية، فيأخذُ ربُّك بيده غرفةً من الماء، فينضَحُ قِبَلكم، فلعَمْرُ إلاهك ما يخطئ وجهَ أحدكم منها قطرة» أخرجه أحمد في «المسند» (٣) , وحديث القبضة التي يخرج بها من النار قومًا لم يعملوا خيرًا قط، قد عادوا حُمَمًا، فيلقيهم في نهرٍ من أنهار الجنَّة يقال له: الحياة (٤). ونحو الحديث: «رأيتُ ربي في أحسن صورة» (٥)، ونحو قوله: «خلقَ

стр. 307

آدمَ على صورته» (١)، وقوله: «يدنو أحدُكم مِن ربه حتى يضع كَنَفَه عليه» (٢)، وقوله: «كلَّم أباك كِفاحًا» (٣)، وقوله: «ما منكم مِن أحدٍ إلا سيكلِّمه ربُّه، ليس بينه وبينه تَرْجُمانٌ يترجِمُ له» (٤) , وقوله: «يتجلَّى لنا ربُّنا يوم القيامة ضاحكًا» (٥). وفي حديث المعراج في «الصَّحيح» (٦): «ثم دنا الجبَّارُ ربُّ العِزَّة، فتدلَّى حتى كان منه قابَ قوسين أو أدنى»، وقوله: «كتَب كتابًا، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقَت غضبي» (٧)، وقوله: «لا تزالُ جهنَّم يلقى فيها، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضعَ ربُّ العِزَّة فيها قدمَه» وفي رواية: «رجله» «فيُزوى بعضها إلى بعض، وتقول: قَد قَد» وفي رواية: «قَط قَط بعزَّتك» (٨). ونحو قوله: «فيأتيهم الله في صورته التي يَعْرِفُون، فيقول: أنا ربُّكم، فيقولون: أنت ربنا» (٩)، وقوله: «يحشرُ الله العباد، فيناديهم بصوتٍ يسمعُه

стр. 308

مَن بَعُدَ كما يسمعُه مَن قَرُبَ: أنا الملك، أنا الدَّيَّان» (١). إلى غيرها من الأحاديث، هالَتْنا أو لم تهِلْنا، بَلَغَتْنا أو لم تَبْلُغْنا, اعتقادنا فيها وفي الآي الواردة في الصِّفات أنا نقبلُها, ولا نحرِّفها, ولا نكيِّفها, ولا نعطِّلها, ولا نتأوَّلها، وعلى العقول لا نَحْمِلها، وبصفات الخلق لا نشبِّهها، ولا نُعْمِلُ رأينا وفِكْرنا فيها، ولا نزيدُ عليها ولا نُنْقِصُ منها، بل نؤمنُ بها ونَكِلُ علمَها إلى عالمها، كما فعل ذلك السَّلفُ الصالح، وهم القدوة لنا في كلِّ علم. رُوِّينا عن إسحاق أنه قال: لا نزيلُ صفةً مما وصف الله به نفسَه أو وصف الرسولُ عن جهته، لا بكلامٍ ولا بإرادة، إنما يلزمُ المسلم الأداء, ويوقن بقلبه أن ما وصف الله به نفسه في القرآن إنما هي صفاتُه، ولا يَعْقِلُ نبيٌّ مرسلٌ ولا ملَكٌ مقرَّبٌ تلك الصِّفات إلا بالأسماء التي عرَّفهم الربُّ , فأما أن يدرك أحدٌ من بني آدم معنى تلك الصِّفات فلا يدركُه أحد. الحديث إلى آخره (٢). وكما رُوِّينا عن مالك، والأوزاعي، وسفيان، والليث، وأحمد بن حنبل، أنهم قالوا في الأحاديث في الرؤية والنزول: أمِرُّوها كما جاءت (٣). وكما روي عن محمد بن الحسن ــ صاحب أبي حنيفة ــ أنه قال في

стр. 309

الأحاديث التي جاءت: «إن الله يَهْبِطُ إلى السماء الدنيا» ونحو هذا من الأحاديث: إن هذه الأحاديث قد رواها الثقات، فنحن نرويها ونؤمنُ بها، ولا نفسِّرها (١). انتهى كلام الكَرَجيِّ رحمه الله تعالى. والعجبُ أن هؤلاء المتكلِّمين إذا احتُجَّ عليهم بما في الآيات والأحاديث من الصِّفات قالوا (٢): قالت الحنابلة: إن لله كذا وكذا، بما فيه تشنيعٌ وترويجٌ لباطلهم، والحنابلةُ اقتفوا أثر السَّلف، وساروا بسَيْرهم، ووقفوا بوقوفهم، بخلاف غيرهم، والله الموفق. النوع الثاني (٣): أن هذا الكلام ليس فيه من الحجَّة والدَّليل ما يستحقُّ أن يخاطَبَ به أهلُ العلم، فإن الردَّ بمجرَّد الشَّتم والتهويل لا يعجَزُ عنه أحد، والإنسانُ لو أنه يناظِرُ المشركين وأهل الكتاب لكان عليه أن يذكر من الحجَّة ما يبيِّن به الحقَّ الذي معه والباطل الذي معهم، فقد قال الله لنبيه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]. فلو كان خصمُ من يتكلَّمُ بهذا الكلام ــ سواءٌ كان المتكلِّمُ به أبو الفرج

стр. 310

أو غيرُه ــ مِن أشهر الطوائف بالبدع, كالرَّافضة= لكان ينبغي أن يذكُر الحجَّة ويَعْدِلَ عما لا فائدة فيه إذا كان في مقام الردِّ عليهم، دَعْ والمنازعون له كما ادعاه هم عند جميع الناس أعلمُ منه بالأصول والفروع. وهو في كلامه وردِّه لم يأت بحجَّةٍ أصلًا, لا حجَّةٍ سمعيةٍ ولا عقلية, وإنما اعتمَد تقليدَ طائفةٍ من أهل الكلام قد خالفها أكثرُ منها من أهل الكلام, فقلَّدهم فيما زعموا أنه حجةٌ عقلية، كما فعل هذا المعترض. ومن يردُّ على الناس بالمعقول إن لم يبيِّن حجَّةً عقليةً وإلا كان قد أحال الناس على المجهولات، كمعصوم الرافضة وغَوْث بعض الصُّوفية (١). فأما قوله: «إن مثل هؤلاء لا يحدَّثون»، فيقال له: قد بعث الله الرُّسل إلى جميع الخلق ليدعوهم إلى الله، فمن الذي أسقط الله مخاطبتَه من الناس؟ دَعْ من تعرفُ أنت وغيرُك مِن فضلهم ما ليس هذا موضعه، ولو أراد سفيهٌ أن يردَّ على الرَّادِّ بمثل ردِّه لم يعجَز عن ذلك. وكذلك قوله: «إنهم يكابرون العقول» , فنقول: المكابرةُ للعقول إما أن

стр. 311

تكون في إثبات ما أثبتوه، وإما أن تكون في تناقُضهم بالجمع بين (١) إثبات هذه الأمور ونفي الجوارح. أما الأول فباطل؛ فإن المجسِّمة المحضة التي تصرِّحُ بالتجسيم المحض وتغلو فيه لم يقل أحدٌ قطُّ: إن قولها مكابرةٌ للعقول، ولا قال أحد: إنهم لا يخاطَبون، بل الذين ردُّوا على غالية المجسِّمة مثل هشام بن الحكم وشِيعته لم يردُّوا عليهم من الحُجَج العقلية إلا بحُجَجٍ تحتاجُ إلى نظرٍ واستدلال، والمنازعُ لهم وإن كان مبطلًا في كثيرٍ مما يقوله فقد قابلهم بنظير حِجَاجهم، ولم يكونوا عليه بأظهرَ منه عليهم، إذ مع كلِّ طائفةٍ حقٌّ وباطل. وإذا كان مثل أبي الفرج إنما يعتمدُ في نفي هذه الأمور على ما يذكُره نفاةُ النظَّار، فأولئك لا يكادون يزعمون في شيءٍ من النفي والإثبات أنه مكابرةٌ للعقول (٢)، حتى جاحِدو الصَّانع ــ الذين هم أجهلُ الخلق وأضلُّهم وأكفرُهم وأعظمُهم خلافًا للعقول ــ لا يزعمُ أكثر هؤلاء الذين انتصر بهم أبو الفرج أن قولهم مكابرةٌ للعقول، بل يزعمون أن العلمَ بفساد قولهم إنما يُعْلَمُ بالنظر والاستدلال. وهذا القولُ وإن كان يقوله جلُّ هؤلاء النُّفاة من أهل الكلام، فليس هو طريقة مرضيَّة، لكن المقصود أن هؤلاء النُّفاة لا يزعمون أن العلم بفساد قول المُثْبِتة معلومٌ بالضرورة ولا أن قولهم مكابرةٌ للعقل، وإن شنَّعوا عليهم بأشياء ينفِرُ عنها كثيرٌ من الناس فذاك ليستعينوا بنُفرة النافرين على دفعهم

стр. 312

وإخماد قولهم، لا لأن نفورَ النافرين عندهم يدلُّ على حقٍّ أو باطل، ولا لأن قولهم مكابرةٌ للعقل أو معلومٌ بضرورة العقل أو ببديهته فسادُه, هذا لم أعلم أحدًا من أئمة النُّفاة أهلِ النظر يدَّعيه في شيءٍ من أقوال المُثْبِتة وإن كان فيها من الغلوِّ ما فيها. ومن المعلوم أن مجرَّد نفور النافرين أو محبَّة الموافقين لا يدلُّ على صحَّة قولٍ ولا فساده إلا إذا كان ذلك بهدًى من الله، بل الاستدلالُ بذلك هو استدلالٌ باتباع الهوى بغير هدًى من الله؛ فإن اتباع الإنسان لما يهواه هو أخذُ القول والفعل الذي يحبُّه وردُّ القول والفعل الذي يبغضه بلا هدًى من الله, قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيَضِلُّونَ (١) ... بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١١٩]، وقال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] وقال تعالى لداود: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] وقال تعالى: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٠]، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧].

стр. 313

وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠] , فمن اتبع أهواء الناس بعد العلم الذي بعثَ الله به رسولَه, وبعد هُدى الله الذي بيَّنه لعباده، فهو بهذه المثابة. ولهذا كان السَّلفُ يسمُّون أهل البدع والتفرُّق المخالفين للكتاب والسُّنة «أهل الأهواء»؛ حيث قَبِلوا ما أحبُّوه وردُّوا ما أبغضوه بأهوائهم بغير هدًى من الله. وأما قولُ المعترض عن أبى الفرج: «وكأنهم يخاطِبون الأطفال» , فلم تخاطِب الحنابلةُ إلا بما ورد عن الله ورسوله وأصحابه والتابعين لهم بإحسانٍ الذين هم أعرفُ بالله وأحكامه، وسلَّمنا لهم أمر الشَّريعة، وهم قدوتُنا فيما أخبروا عن الله وشرعه، وقد أنصَف من أحال عليهم، وقد شاقَقَ من خرج عن طريقتهم وادَّعى أن غيرَهم أعلمُ بالله منهم، أو أنهم عَلِمُوا وكتَموا، أو أنهم لم يفهَموا ما أخبَروا به وأن عقلَ غيرهم في باب معرفة الله أتمُّ وأكملُ وأعلمُ مما نقلوه وعَقِلُوه، وقد قدمنا ما فيه كفايةٌ في هذا الباب, والله الموفِّق، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له مِن نور.

стр. 314

فصل وأما المنطق, فمن قال: إنه فرض كفاية، وأنه من ليس له به خبرةٌ فليس له ثقةٌ بشيءٍ من علومه (١) = فهذا القولُ في غاية الفساد من وجوهٍ كثيرة التَّعداد، مشتملٌ على أمورٍ فاسدةٍ ودعاوى باطلةٍ كثيرةٍ لا يتَّسعُ هذا الموضع لاستقصائها (٢). بل الواقعُ قديمًا وحديثًا أنك لا تجدُ من يُلْزِمُ نفسَه أن ينظر في علومه به ويناظِر به إلا وهو فاسدُ النظر والمناظرة، كثيرُ العجز عن تحقيق علمٍ (٣) وبيانه. فأحسنُ ما يُحْمَلُ عليه كلامُ المتكلِّم في هذا أن يكونَ قد كان هو وأمثالُه في غاية الجهالة والضلالة، وقد فقدوا أسبابَ الهدى كلَّها، فلم يجدوا ما يردُّهم عن تلك الجهالات إلا بعض ما في المنطق من الأمور التي هي صحيحة، فإنه بسبب بعض ذلك رجع كثيرٌ من هؤلاء عن بعض باطلهم،

стр. 315

وإن لم يحصُل لهم حقٌّ ينفعُهم، وإن وقعوا في باطلٍ آخر. ومع هذا، فلا يصحُّ نسبةُ وجوبه إلى شريعة الإسلام بوجهٍ من الوجوه؛ إذ مَن هذه حالُه أُتِيَ مِن نفسِه بترك ما أمر الله به من الحقِّ حتى احتاج إلى الباطل. ومن المعلوم أن القول بوجوبه قولُ غُلاته وجهَّال أصحابه, ونفسُ الحذَّاق منهم لا يلتزمون قوانينَه في كلِّ علومهم، بل يُعْرِضُون عنها, إما لطولها، وإما لعدم فائدتها، وإما لفسادها، وإما لعدم تميُّزها وما فيها من الإجمال والاشتباه, فإنه (١) فيه مواضعَ كثيرةً هي لحمُ جملٍ غثٍّ على رأس جبلٍ وَعْر، لا سهلٍ فيُرتقى ولا سَمِينٍ فيُنتَقل (٢). ولهذا مازال علماءُ المسلمين وأئمَّة الدين يذمُّونه ويذمُّون أهله، وينهون عنه وعن أهله (٣) , حتى رأيتُ للمتأخرين فُتيا فيها خطوطُ جماعةٍ من أعيان زمانهم من أئمَّة الشافعية والحنفية وغيرهم، فيها كلامٌ عظيمٌ في تحريمه وعقوبة أهله. حتى إن من الحكايات المشهورة التى بلغتنا أن الشيخ أبا عمرو بن الصَّلاح (٤)

стр. 316

أمر بانتزاع مدرسةٍ معروفة (١) من أبي الحسن الآمدي (٢)، وقال: أخذُها منه أفضلُ من أخذ عَكَّا (٣)، مع أن الآمديَّ لم يكن أحدٌ في وقته أكثرَ تبحُّرًا في العلوم الكلامية والفلسفية منه، وكان مِن أحسنهم إسلامًا وأمثَلهم اعتقادًا. ومن المعلوم أن الأمور الدقيقة ــ سواءٌ كانت حقًّا أو باطلًا، إيمانًا أو كفرًا ــ لا تُعْلَمُ إلا بذكاءٍ وفطنة، فكذلك أهلُه قد يَسْتَجْهِلُون من لم يَشْرَكْهم في علمهم، وإن كان إيمانُه أحسنَ من إيمانهم، إذا كان فيه قصورٌ في الذَّكاء والبيان، وهم كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 317

يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٦]. فإذا تقلَّدوا عن طواغيتهم أن كلَّ ما لم يحصل بهذه الطريق القياسيَّة فليس بعلم، وقد لا يحصُل لكثيرٍ منهم من هذه الطريق القياسيَّة (١) ما يستفيدُ به الإيمانَ الواجب، فيكون كافرًا زنديقًا منافقًا جاهلًا ضالًّا مُضِلًّا ظلومًا كفورًا، ويكون من أكابر أعداء الرُّسل من الذين قال الله فيهم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١ - ٣٣]. وربما حصَل لبعضهم إيمانٌ إما من هذه الطريق أو من غيرها, ويحصُل له أيضا منها نفاق، فيكون فيه إيمانٌ ونفاق، ويكون في حالٍ مؤمنًا وفي حالٍ منافقا، ويكون مرتدًّا إما عن أصل الدين أو بعض شرائعه، إما ردَّة نفاقٍ وإما ردَّة كفر, وهذا كثيرٌ غالب، لا سيَّما في الأعصار والأمصار التي تَغْلِبُ فيها الجاهليةُ والكفرُ والنفاق, فلهؤلاء مِن عجائب الجهل والظُّلم والكذب والكفر والنفاق والضلال ما لا يتَّسعُ لذكره المقال (٢). ولهذا لما تفطَّن كثيرٌ منهم لما في هذا النفي من الجهل والضلال،

стр. 318

صاروا يقولون: النفوسُ القُدسيَّة ــ كنفوس الأنبياء والأولياء ــ تَفِيضُ عليها المعارفُ بدون الطريق القياسيَّة. وهم متَّفقون جميعُهم على أن من النفوس من تستغني عن وزن علومها بالموازين (١) الصِّناعية في المنطق، لكن قد يقولون: هو حكيمٌ بالطبع, والقياسُ يَنْعَقِدُ في نفسه بدون تعلُّم هذه الصناعة، كما ينطقُ العربيُّ بالعربية بدون النحو، وكما يَقْرِضُ الشاعرُ الشِّعر (٢) بدون معرفة العروض, لكن استغناء بعض الناس عن هذه الموازين لا يوجبُ استغناءَ الآخرين (٣). فاستغناءُ كثيرٍ من النفوس عن هذه الصناعة لا ينازعُ فيه أحدٌ منهم, والكلام هنا: هل تستغني في علومها بالكلِّية عن نفس القياس المذكور وموادِّه المعينة؟ فالاستغناءُ عن جنس هذا القياس شيء، وعن الصناعة القانونية التي يوزنُ بها القياس شيءٌ آخر، فإنهم يزعمون أنه آلةٌ قانونيةٌ تمنعُ مراعاتُها الذِّهنَ أن يزلَّ في فكره، وفسادُ هذا مبسوطٌ مذكورٌ في موضعٍ غير هذا (٤). ونحن بعد أن تبيَّنا عدمَ فائدته، وإن كان قد يتضمَّنُ من العلم ما يحصل بدونه، ثم تبيَّنا أنا لو قدَّرنا أنه قد يفيدُ بعض الناس من العلم ما يفيدُه هو, فلا يجوزُ أن يقال: ليس إلى ذلك العلم لذلك الشَّخص ولسائر بني آدم طريقٌ إلا بمثل القياس المنطقيِّ؛ فإن هذا قولٌ بلا علم، وهو كذبٌ محقَّق.

стр. 319

ولهذا مازال متكلِّمو المسلمين ــ وإن كان فيهم نوعٌ من البدعة ــ لهم من الردِّ عليه وعلى أهله, وبيان الاستغناء عنه، وحصول الضرر والجهل به والكفر، ما ليس هذا موضعه, دَع غيرَهم من طوائف المسلمين وعلمائهم وأئمَّتهم، كما ذكره القاضي أبو بكر بن الباقلاني في كتاب «الدقائق» (١). وذلك يظهر بأنهم جعلوا الأقيسة خمسة: البُرهاني، والخَطَابِي، والجَدَلِي، والشِّعْري، والمَغْلَطِي (٢). فأما الشِّعْريُّ وهو ما يفيدُ مجرَّد التخييل وتحريك النفس (٣) , والمَغْلَطِيُّ (٤) السُّوفِسْطائيُّ وهو ما يُشْبِهُ الحقَّ وهو باطل، وهو الحكمةُ المموَّهة= فلا غرض لنا فيهما (٥) هنا، ولكنْ تلك الثلاثة (٦).

стр. 320

قالوا: الجَدَليُّ ما سَلَّم المخاطَبُ مقدِّماته, والخَطَابيُّ ما كانت مقدِّماتُه مشهورةً بين الناس، والبُرهانيُّ ما كانت مقدِّماته معلومة. وكثيرٌ من المقدِّمات تكونُ مع كونها خطابيةً أو جدليةً يقينيةً برهانية، بل وكذلك مع كونها شِعْرية، ولكن هي من جهة التيقُّن بها تسمَّى برهانية، ومن جهة شهرتها عند عموم الناس وقبولهم لها تسمَّى خَطابية، ومن جهة تسليم الشَّخص المعيَّن لها تسمَّى جدلية. وهذا كلامُ أولئك المبتدعة من الصَّابئة (١) الذين لم يذكروا النبوَّات ولا تعرَّضوا لها بنفيٍ ولا إثبات. وعدمُ التصديق للرُّسل واتباعِهم كفرٌ وضلالٌ وإن لم يُعْتَقد تكذيبُهم, فالكفرُ والضلالُ أعمُّ من التكذيب. وأما قولُ بعض المتأخرين في المشهورات (٢): هي المقبولات, لكون صاحبها مؤيدًا بأمرٍ يوجبُ قبولَ قوله, ونحو ذلك= فهذه من الزيادات التي ألزمتهم إياها الحجَّة، ورأوا وجوبَ قبولها على طريقة الأوَّلين. ولهذا [كان] غالبُ صابئة المتأخرين ــ الذين هم الفلاسفة ــ ممتزجين بالحنيفية, كما أن غالبَ من دخل في الفلسفة من الحنفاء مَزَج الحنيفية بالصُّبوء (٣) ولَبَسَ الحقَّ بالباطل. أعني بالصُّبوء: المبتَدَعَ الذي ليس فيه إيمانٌ بالنبوات، كصُبوء صاحب المنطق وأتباعه. وأما الصُّبوء القديمُ فذاك أصحابه منهم المؤمنون بالله واليوم الآخر، الذين آمنوا وعملوا الصالحات,
следующие страницы →