* الزمرة الثانية (ما نصَّ على اسم المؤلف دون كتابه):
- ابن الصلاح (ص: ٩٤, ٩٦).
- ابن العربي المالكي (ص: ٩٥, ٢٣٢).
- ابن حزم (ص: ٣١, ١٣٩).
- ابن رشد الحفيد (ص: ٢٣١).
- ابن سينا (ص: ٧٥, ٨٩, ١٤٥, ١٤٧, ١٥٢).
- ابن عقيل (ص: ٩٦).
- ابن قدامة, أبو محمد المقدسي (ص: ٩٦).
- أبو البيان الدمشقي (ص: ٩٦).
- أبو حاتم الرازي (ص: ١٣٠).
- أبو عيسى الوراق (ص: ٧٩).
- السهروردي (ص: ٢٨٠).
- الشهرستاني (ص: ٨٠).
- الغزالي (ص: ٢٤٢).
- الفارابي (ص: ٧٥, ١٤٥, ٢٩٧).
- الكندي (ص: ١٢٢).
- النوبختي (ص: ٧٩).
- النووي (ص: ٩٦).
- عين القضاة الهمذاني (ص: ٨٩).
- محمد بن طاهر المقدسي (ص: ٨٧).
стр. 37
* الزمرة الثالثة (ما ذكر اسم الكتاب أو موضوعه دون مؤلفه):
- السنن (ص: ١٦٣).
- المشنو= المِشْنا (ص: ١٦٥).
- النبوءات (من كتب اليهود) (ص: ١٦٥).
- فتيا في تحريم المنطق, لبعض المتأخرين (ص: ٢٦٦).
- فضائح المعتزلة (ص: ٧٥).
- الكتب المعرَّبة عن قدماء الصابئة الفلاسفة (ص: ١٩١).
- كتب فلاسفة اليونان في عبادة الكواكب والأصنام (ص: ٢٢٧, ٢٩٦).
- كتب في كشف باطل الدولة العبيدية (ص: ٢٢٨).
- ملاحم لبعض المتأخرين (ص: ١١٨).
* الزمرة الرابعة (ما أبهم اسم المؤلف والكتاب):
كقوله: «يقولون ... » , «قولهم ... » , «قول من قال ... » , «قال بعض المصنفين في المنطق ... » , «قول بعض المتأخرين ... ». (ص: ٨٥, ٩٧, ٩٨, ١١١, ٢٠٦, ٢٦٥, ٢٧١, ٢٧٢, ٣١٣, وغيرها).
أما قوله (ص: ١١): «ورأيته لبعض شيوخهم في كتابه» فليس من عبارته, بل هو مما نقله عن الموفق ابن قدامة من كتابه «ذم التأويل».
* الزمرة الخامسة (ما نقل عنه دون عزوٍ وتصريح):
- ذم التأويل, لأبي محمد الموفق بن قدامة. نقل عنه في صدر الجواب (ص: ٤ - ١٣) بعض الآثار والتعليقات دون عزو إليه, ولعل عذره
стр. 38
أنها آثارٌ معروفةٌ مرويةٌ في عامة كتب السنة والاعتقاد, وليس في جلِّ تعليق ابن قدامة ما يختصُّ به.
* الزمرة السادسة (المصادر الشفهية):
ابن الشيخ الحصيري (ص: ٣٠١) , ثقة (ص: ١٤٢, ١٥١) , مسلمة أهل الكتاب (ص: ١٦٢) , بعض الأشياخ الكبار (ص: ٢٩٨) , بعض الناس (ص: ٣٤٠) , حكاية (ص: ٦٤).
* * * *
стр. 39
وصف الأصل الخطي المعتمد
يقع الأصل الخطيُّ الفريد الذي اعتمدنا عليه في إخراج الكتاب ضمن مجموع خطيٍّ محفوظ بالمكتبة المحمودية بالمدينة المنورة بمكتبة الملك عبد العزيز العامة برقم (٢٥٩٣) بعنوان «مجموعة الرسائل والفتاوى» (١) , في ٢٧٨ ورقة, فيه رسائل ومسائل لشيخ الإسلام ابن تيمية, يقع كتابنا في الأوراق (٢١٣ - ٢٧٤).
ولم يذكر اسم ناسخ الكتاب ولا تاريخ نسخه, والذي يظهر من رسائل أخرى في هذا المجموع يشبه خطُّها خطَّه أنه عبد الله بن زيد بن إبراهيم بن محمد بن سليمان (٢) سنة ١١٨٧ (٣).
وخطه معجمٌ واضحٌ مقروء, وفيه غير قليل من الغلط والتحريف نبهت عليه في الحواشي.
وعلى الأصل علامات المقابلة وبلاغاتها في مواضع كثيرة (ق ٢٢٦, ٢٢٨, ٢٣١, وغيرها) , وقال في طرة (ق ٢٦١): «قال في الأصل المقابل عليه لما وقف على قوله: فضلا عن أن يكون محصلا لنعيم الآخرة: يتلوه
_________
(١) كان في المحمودية برقم (٣٣) في كتب الفقه الحنفي بعنوان «بيان المسائل المشكلة من الفقه» , كما في خاتمة النسخة المطبوعة سنة ١٣٧٠.
(٢) لم أجد له ترجمة.
(٣) كذا في خاتمة المطبوعة, وفي «الأثبات» للدكتور علي الشبل (ص: ٢٢٤) أنها كتبت سنة ١١٨٤, والله أعلم.
стр. 40
الخط المعترض. ولم نر خطًّا معترضًا, وكتبنا من قوله: (حتى إذا اداركوا) , وهو في أول الورقة المنكوسة. فاعرف ذلك».
ومن آثار تلك المقابلة استدراكُ طائفة من السَّقط في الطُّرر مختومةً بالتصحيح, وبعضها طويل, وأعاد أحدهم كتابتها بخطٍّ حديثٍ في وريقاتٍ مستقلة (طيَّارة) ملحقة بالأصل في مواضعها رغبةً في إيضاحها, ومن تأمل تلك الطُّرر وجدها زياداتٍ مستقلة بنفسها, وليست من جنس السقط الذي تألفه أقلام النسَّاخ ويضطربُ بدونه سياق الكلام, ويقع في وهمي أنها مما زاده المصنف بخطه على النسخة الأم كما فعل في بعض كتبه, ككتاب الرد على المنطقيين.
ومن آثارها كذلك مواضع قليلة ذُكِرت فيها زياداتٌ من الأصل المقابل عليه, ومن أغربها ثلاثة مواضع:
الأول في (ق ٢٣١) إذ كتب في الطرة: «في نسخة الوجه التاسع أنه ينبغي. الخ» , وليس في الأصل هنا ذكرٌ لوجوه.
والثاني في (ق ٢٥٨): «في نسخة: وهذا يظهر بالوجه العاشر» , وليس في الأصل كذلك هنا ذكرٌ لوجوه.
فهل يدل هذا على أن الأصل الذي معنا مختصرٌ أو منتخب؟
والموضع الثالث (ق ٢٤٣) كتب الناسخ في الطرة: «قال في المسودة: يتلوه الوريقة. ولم نجدها».
وكتبت بعض الأوراق في الأصل بخط مختلف (ق ٢٢٨ - ٢٣٠).
стр. 41
واختلط على الناسخ ترتيب أوراق الأصل الذي ينقل عنه, فكتب بعضها في غير موضعها متصلة بكلام آخر (ق ٢٦٣ - ٢٦٦) , وأعاد بعضها (ق ٢٧٣) , وأحسن ناسخ النسخة الفرع التي طُبِع عنها الكتاب حين تنبَّه لذلك وردَّها لحاقِّ موضعها, ولم ينبَّه عليه في المطبوعة.
وعلى الأصل تصحيحاتٌ قليلة بقلم بعض القراء, كما في (ق ٢٤١).
وسقطت الورقة الثانية من مصوَّرتي من الأصل, فاعتمدتُ فيها على المطبوعة (ط) وهي منشورةٌ عن نسخة منقولة عنه, كما سيأتي.
* * * *
стр. 42
طبعات الكتاب
طُبِع الكتاب أول مرة بمطبعة السنة المحمدية بالقاهرة سنة ١٣٧٠ - ١٩٥١ م , عن نسخة بخط الشيخ عبد المعطي بن علي بن يوسف المصري نقلها عن نسخة المكتبة المحمودية (التي اعتمدناها وتقدَّم وصفها) في الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة ١٣٥٨, ثم قابلها على أصلها مع الشيخ محمد بن علي الحركان في شهر رجب من السنة نفسها, بناء على طلب من الشيخ الوجيه محمد بن حسين نصيف, ثم قام بتصحيحها والتعليق عليها الشيخ محمد بن عبد الرزاق حمزة, ثم راجعها وعلق عليها تلميذه الشيخ سليمان الصنيع واستدرك عليه مواضع وترجم لبعض الأعلام, ثم صححها مطبعيًّا الشيخ محمد حامد الفقي, وكتب لها الشيخ عبد الرحمن الوكيل مقدمة تحدث فيها عن ابن تيمية وعرَّف بالكتاب وموضوعاته.
وفي هذه الطبعة تصرُّفٌ كثيرٌ في نصِّ الكتاب بالزيادة والحذف والتغيير دون تنبيه على ما في الأصل, وجلُّ ذلك مما لا وجه له إلا محض الاقتراح والافتيات على عبارة المؤلف, وبعضه مفسدٌ للمعنى, وأظنُّ ذاك بقلم مَن قام على تصحيحها, وما هو من الناسخ, وقد استغضب ذلك الشيخ سليمان الصنيع فكتب في إحدى حواشيه (ص: ١٦٤ من المطبوعة) نقدًا لتلك السبيل وخطر تغيير ما يقع في الأصول دون بيان.
وفيها من التحريف مواضعُ اشتبهت على ناسخ النسخة الفرع التي طُبِع عنها الكتاب, وهي على الصواب في أصلها الذي اعتمدناه, فأثبتُّ ما في الأصل وضربتُ عنها التنبيهَ صفحًا, أما ما وقع محرَّفًا في الأصل وتابعَته
стр. 43
المطبوعة عليه فنبهتُ إليه في الحواشي, فمن أحبَّ أن يعرف بعض فضل طبعتنا هذه فليلتمس تلك المواضع.
كما أشرتُ في الحواشي إلى نماذج يسيرة من القراءات التي اقترحتها تلك الطبعة, ورمزت لها بـ (ط).
وللشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع تعليقاتٌ يسيرة على نسخته المطبوعة من الكتاب بمكتبته الخاصة المحفوظة في مكتبة الملك فهد, اطلعتُ عليها وأفدتُ منها. وذكر د. علي الشبل أن للشيخ ابن مانع «تعليقات وتهميشات كثيرة وجيدة كتبها على نسخته في آخر حياته فرغ منها كما في آخر الكتاب في ١٠/ ٧/١٣٨٤ هـ قبل موته بسنة، مع ختمه بالإشادة والثناء على الكتاب ومؤلفه» (١) , ولم أطلع على هذه النسخة.
ثم طُبِع الكتاب ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام التي جمعها الشيخ عبد الرحمن بن قاسم وابنه محمد سنة ١٣٨٠, وقسَم الكتاب إلى قسمين ووضع كلَّ قسم في الفن الذي يختصُّ به (٢) على طريقته التي شرحها ابنه في مقدمة الفتاوى (٣).
_________
(١) «الأثبات في مخطوطات الأئمة شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم والحافظ ابن رجب» (ص: ٢٢٤).
(٢) القسم الأول في (٤/ ١ - ١٩١) , والثاني المتعلق بالمنطق في (٩/ ٥ - ٨٢).
(٣) قال: «وما وجد من المسائل مشتملًا على فنَّين فأكثر أو في بابين من فنٍّ واحد ينفصل أحدهما عن الآخر بدون إخلال بالمعنى= فصَل أحدهما عن الثاني ونسخه في صحائف أو صحيفة مستقلة وألحقه بموضعه المناسب له».
стр. 44
ويغلبُ على ظني أن الشيخ ابن قاسم اعتمد على المطبوعة المتقدمة مع بعض التصرُّف والمخالفة فيما ظهر له خطؤه, ودليل ذلك أنه يتابعها على ما تغيِّره وتزيده مما ليس في الأصل, وقد صرَّح ابنه في مقدمة الفتاوى بأنه كان كلما طُبع شيءٌ من فتاوى شيخ الإسلام ألحقه بها, وذكر أن من ضمن الكتب المطبوعة سابقًا التي اشتمل عليها المجموع: «نقض المنطق».
ويحتمل أن يكون قابل المطبوع على الأصل الخطي أو بعضه وأصلح على ضوئه بعض تلك المواضع؛ فإن مخطوط المكتبة المحمودية منه على طرف الثمام في المدينة, وقد ذكر في مقدمة الفتاوى أنه جمع مجلداتٍ من كتب الشيخ وفتاواه من الحجاز, فلعل كتابنا منها, أو لعله اطلع على النسخة الأخرى التي نقل عنها الشيخ سليمان بن سحمان وغيره, ولعلها مما تحتفظ به إحدى خزائن نجد.
ولا يبعد كذلك أن يكون قرأ الكتاب بعد طبعه هو أو غيره على الشيخ محمد بن إبراهيم أو غيره فصحَّح بعض تلك المواضع بالفهم والنظر وتأمل السياق دون رجوعٍ إلى مخطوط.
وقد انتفعتُ بهذه الطبعة في مواضع, ورمزت لها بـ (ف).
ثم إن الشيخ نشر قطعةً من الكتاب في «مجموع الفتاوى» (١٨/ ٥٢ - ٦٢) تشتمل على مواضع مختصرة متفرقة منه في سياقٍ واحد, ويشبه أن يكون أصلها ما انتخبه الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الكتاب, وتقدَّم ذكره في مبحث تصحيح النسبة.
* * * *
стр. 45
منهج التحقيق
سرتُ في تحقيق الكتاب سيرتي في ما حققتُ من قبل, من معارضة النصِّ بالأصل الخطي, وقراءته على مُكث, وضبط مظانِّ اللحن ومواضع الإشكال, ولم أخالف الأصل إلى غيره إلا حيث ترجَّح لي خطؤه وتحريفه, وذكرتُ في الحاشية ما وقع في الأصل لأشرك القارئ في التأمل والتخيُّر ولا أستبدَّ بالرأي دونه, وما تردَّدتُ فيه تركته على حاله مع التنبيه عليه في الحاشية كذلك, ورفوتُ ما ظننت سقوطه من الأصل بزياداتٍ تقديرية يلتئم بها نظمُ الكلام وجعلت ما زدته بين معكوفين, وقد كلفني جميع ذلك رهقًا, واستعنتُ عليه بتدبر المعنى ومراعاة السياق ومراجعة كلام المصنف وغيره في مظانه وغير مظانه.
وحرصتُ على وصل مسائل الكتاب بنظائرها في كتب المصنف برباطٍ وثيقٍ يزكِّي الثقة بها ويدني قصيَّها لمن رام جمع كلامه فيها.
ثم وثقتُ نقوله, وشرحتُ إشاراته, وخرجتُ أحاديثه وآثاره وحكمتُ عليها بما تقتضيه أصول صناعة الحديث بأوجز عبارة سوى موضع غلبني عليه الحنينُ إلى التخصُّص, وترجمتُ من أعلامه وفسَّرتُ من ألفاظه ما قدَّرتُ أن فيه إعانةً للقارئ على الإحاطة بما يقرأ, وعلَّقتُ على مواضع من الكتاب بما حسبتُ فيه فائدة وإضافة, ولم أسرف في ذلك إن شاء الله.
وأسأل الله أن يعيذنا من فتنة القول وفتنة العمل, ويهدينا للتي هي أقوم, ويسلُك بنا مدارجَ رضاه, وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.
стр. 46
نماذج من صور الأصول المعتمدة
стр. 47
الصفحة الأولى من الأصل
стр. 48
الصفحة الأخيرة من الأصل
стр. 49
(خاتمة الناسخ للنسخة الفرع التي نشرت عنها المطبوعة) ط
стр. 50
(خاتمة طبع وتصحيح المطبوعة) ط
стр. 51
صفحة العنوان من نسخة الشيخ ابن مانع
стр. 52
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مسألة
ما قولُكم في مذهب السَّلف في الاعتقاد ومذهب غيرهم من المتأخرين؟ ما الصوابُ منهما؟ وما تنتحِلُونه أنتم من المَذْهَبيْن؟ وعن أهل الحديث: هل هم أولى بالصواب مِنْ غيرهم؟ وهل هم المرادُ بالفرقة الناجية؟ وهل حدث بعدهم علومٌ جَهِلُوها وعَلِمها غيرُهم؟ وعمَّا تقولون في المنطق؟ وهل من قال: «إنه فرضُ كفايةٍ» مصيبٌ أم مخطئ؟
الجواب
هذه المسائل بسطُها يحتملُ مجلَّدات، لكن نشيرُ إلى المهمِّ منها, والله الموفق.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، وقد شهد اللهُ لأصحاب نبيِّه ﷺ ومَن تبعهم بإحسانٍ بالإيمان, فعُلِمَ قطعًا أنهم المرادُ بالآية الكريمة (١)، فقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
стр. 53
[التوبة: ١٠٠]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى آخر الآية [الفتح: ١٨].
فحيثُ تقرَّر أن من اتَّبع غيرَ سبيلهم وَلَّاه الله ما تولى وأصلاهُ جهنم= فمِنْ سبيلهم في الاعتقاد الإيمانُ بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصفَ بها نفسَه وسمَّى بها نفسَه في كتابه وتنزيله أو على لسان رسوله، من غير زيادةٍ عليها, ولا نقصٍ منها، ولا تجاوزٍ لها, ولا تفسيرٍ لها ولا تأويلٍ لها بما يخالفُ ظاهرَها, ولا تشبيهٍ (١) بصفات المخلوقين ولا سِمَات المُحْدَثين.
بل أمَرُّوها كما جاءت، وردُّوا علمَها إلى قائلها، ومعناها إلى المتكلِّم بها.
وقال بعضهم ــ ويروى عن الشافعيِّ ــ: «آمنتُ بما جاء عن الله [على مراد الله] (٢)، وبما جاء عن رسول الله ﷺ على مراد رسول الله» (٣).
وعلموا أن المتكلِّم بها صادقٌ لا شكَّ في صدقه فصدَّقوه، ولم يعلموا حقيقة معناها فسكتوا عمَّا لم يعلموه.
وأخذ ذلك الآخرُ عن الأول، ووصَّى بعضُهم بعضًا بحُسْن الاتِّباع والوقوف حيثُ وقف أوَّلُهم، وحذَّروا من التجاوز لهم والعدول عن
стр. 54
طريقتهم (١)، وبيَّنوا لنا (٢) سبيلَهم ومذهبَهم، ونرجو أن يجعلنا الله تعالى ممَّن اقتدى بهم في بيان ما بيَّنوه، وسلوك الطريق الذي سلكوه.
والدليلُ على أن مذهبهم ما ذكرناه: أنهم نقلوا إلينا القرآن العظيم وأخبارَ رسول الله ﷺ نقلَ مُصَدِّقٍ لها, مؤمنٍ بها, قابلٍ لها, غير مرتابٍ فيها ولا شاكٍّ في صدق قائلها، ولم يفسِّروا ما يتعلقُ بالصفات منها, ولا تأوَّلوه، ولا شبَّهوه بصفات المخلوقين؛ إذ لو فعلوا شيئًا من ذلك لنُقِل عنهم ولم يَجُزْ أن يُكْتَم بالكليَّة؛ إذ لا يجوز التواطؤُ على كتمان ما يُحْتاجُ إلى نقله ومعرفته؛ لجريان ذلك في القُبْحِ مجرى التواطؤ على نقل الكذب وفِعْل ما لا يحلُّ.
بل بلغ من مبالغتهم في السكوت عن هذا أنهم كانوا إذا رأوا من يَسأل عن المتشابه بالغوا في كَفِّه، تارةً بالقول العنيف, وتارةً بالضرب، وتارةً بالإعراض الدالِّ على شدَّة الكراهة لمسألته (٣).
ولذلك لمَّا بلغ عمرَ ﵁ أن صَبِيغًا (٤) يَسأل عن المتشابه أعَدَّ له عَراجِينَ النخل (٥)، فبينما عمر يخطبُ قام فسأله عن ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١)
стр. 55
فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات: ١، ٢] وما بعدها، فنزل عمرُ فقال: ما اسمك؟ قال: أنا عبد الله صَبِيغ, قال عمر: وأنا عبد الله عمر, اكشِفْ رأسَك, فكشفه فرأى عليه شَعرًا, فقال: لو وجدتُك محلوقًا لضربتُ الذي فيه عيناك بالسيف (١) , ثم أمر به فضُرِب ضربًا شديدًا، وبعَث به إلى البصرة وأمرهم ألا يجالسوه، فكان بها كالبعير الأجرب لا يأتي مجلسًا إلا قالوا: «عَزْمةُ أمير المؤمنين» , فتفرَّقوا عنه, حتى تاب وحلف بالله ما بقي يجدُ مما كان في نفسه شيئًا، فأذِنَ عمرُ في مجالسته، فلما خرجت الخوارجُ أُتِيَ فقيل له: هذا وقتُك, فقال: لا، نفعتني موعظةُ العبد الصالح (٢).
ولمَّا سئل مالك بن أنس ﵁ , فقيل له: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى
стр. 56
الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كيف استوى؟ فأطرق مالكٌ وعَلَاه الرُّحَضاءُ ــ يعني العَرَق ــ, وانتظر القومُ ما يجيءُ منه فيه, فرفع رأسه إليه وقال: «الاستواء غيرُ مجهول، والكيفُ غير معقول، والإيمانُ به واجب، والسؤالُ عنه بدعة، وأحسبُك رجلَ سوءٍ» , وأمَر به فأُخْرِج (١).
ومَنْ أوَّل الاستواءَ بالاستيلاء فقد أجاب بغير ما أجاب به مالكٌ وسلك غيرَ سبيله.
وهذا الجوابُ من مالك ﵁ في الاستواء شافٍ كافٍ في جميع الصفات، مثل: النزول, والمجيء، واليد، والوجه, وغيرها, فيقال في مثل النزول: النزولُ معلوم، والكيفُ مجهول، والإيمانُ به واجب، والسؤالُ عنه بدعة. وهكذا يقال في سائر الصفات ــ إذ هي بمثابة الاستواء ــ الوارد بها (٢) الكتابُ والسُّنة.
وثبت عن محمد بن الحسن ــ صاحب أبي حنيفة ــ أنه قال: «اتفق الفقهاءُ كلُّهم من الشرق والغرب (٣) على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقاتُ عن رسول الله ﷺ في صفة الرب من غير تفسيرٍ (٤) ولا
стр. 57
وصفٍ ولا تشبيه، فمن فسَّر شيئًا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبيُّ ﷺ ، وفارق الجماعة؛ فإنهم لم يَصِفُوا ولم يفسِّروا، ولكنْ آمنوا بما في الكتاب والسُّنة ثم سكتوا، فمن قال بقول جَهْمٍ فقد فارق الجماعة» (١) انتهى.
فانظر رحمك الله إلى الإمام كيف حكى الإجماع في هذه المسألة، ولا خير فيما خرج عن إجماعهم، ولو لزم التجسيمُ من السكوت عن تأويلها لفرُّوا منه وأوَّلوا ذلك؛ فإنهم أعرفُ الأمة بما يجوزُ على الله وما يمتنعُ عليه.
وثبت عن إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (٢) أنه قال: «إن أصحاب الحديث المتمسِّكين بالكتاب والسُّنة يعرفون ربهم ﵎ بصفاته التي نطق بها كتابُه (٣) وتنزيلُه، وشهد (٤) له بها رسولُه, على ما وردت به الأخبارُ الصِّحاحُ ونقله العدولُ الثقات. ولا يعتقدون تشبيهًا لصفاته بصفات خلقه، ولا يكيِّفونها تكييفَ المشبِّهة (٥)، ولا يحرِّفون الكلمَ عن مواضعه تحريفَ المعتزلة والجهمية.
وقد أعاذ الله أهلَ السُّنة من التحريف والتكييف، ومنَّ عليهم بالتفهيم والتعريف, حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنزيه، وتركوا القولَ بالتعطيل والتشبيه، واكتفوا بنفي النقائص بقوله عزَّ مِن قائل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
стр. 58
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وبقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]» (١).
وقال سعيد بن جُبير: «ما لم يعرفه البدريُّون فليس من الدين» (٢).
وثبت عن الربيع بن سليمان أنه قال: سألت الشافعي رحمه الله تعالى عن صفات الله تعالى, فقال: «حرامٌ على العقول أن تمثِّل الله تعالى، وعلى الأوهام أن تَحُدَّه، وعلى الظُّنون أن تَقْطَع، وعلى النفوس أن تفكِّر، وعلى الضمائر أن تَعَمَّق، وعلى الخواطر أن تُحِيط، وعلى العقول أن تَعْقِل= إلا ما وصف به نفسَه، أو على لسان نبيه ﵊» (٣).
وثبت عن الحسن البصري أنه قال: لقد تكلم مُطَرِّفٌ (٤) على هذه الأعواد بكلامٍ ما قيل قبله ولا يقال بعده. قالوا: وما هو يا أبا سعيد؟ قال: الحمد لله الذي مِن الإيمان به الجهلُ بغير ما وصف به نفسَه (٥).
وقال سَُحْنون: «من العلم بالله السكوتُ عن غير ما وصفَ به نفسَه» (٦).
стр. 59
وثبت عن الحُمَيْديِّ أبي بكر عبد الله بن الزبير أنه قال: «أصول السُّنة ــ فذكر أشياء ــ , ثم قال: وما نطق به القرآنُ والحديث مثل: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، ومثل: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] , وما أشبه هذا من القرآن والحديث, لا نزيدُ فيه ولا نفسِّره، ونقفُ على ما وقف عليه القرآن والسُّنة، ونقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] , ومن زعم غير هذا فهو [معطِّلٌ] (١) جهميٌّ» (٢).
فمذهبُ السَّلف رضوان الله عليهم إثباتُ الصفات وإجراؤها على ظاهرها ونفيُ الكيفية عنها؛ لأن الكلام في الصفات فرعٌ عن الكلام (٣) في الذات، وإثباتُ الذات إثباتُ وجودٍ لا إثباتُ كيفية، فكذلك إثبات الصفات, وعلى هذا مضى السَّلفُ كلُّهم (٤).
ولو ذهبنا نذكرُ ما اطَّلعنا عليه من كلام السَّلف في ذلك لخرجنا عن
стр. 60
المقصود في هذا الجواب.
فمن كان قصدَه الحقُّ وإظهارُ الصواب اكتفى بما قدَّمناه, ومن كان قصدَه الجدالُ والقِيلُ والقالُ والمكابرةُ لم يَزِدْه التطويلُ إلا خروجًا عن سواء السبيل, والله الموفق.
وقد ثبت ما ادَّعيناه من مذهب السَّلف رضوان الله عليهم بما نقلناه جملةً عنهم وتفصيلاً، واعترافِ العلماء من أهل النقل كلِّهم بذلك, ولم أعلم عن أحدٍ منهم خلافًا في هذه المسألة.
بل لقد بلغني عمَّن ذهب (١) إلى التأويل لهذه الآيات والأخبار من أكابرهم (٢) الاعترافُ بأن مذهبَ السَّلف فيها ما قلناه.
ورأيتُه (٣) لبعض شيوخهم في كتابه, قال: «اختلف أصحابنا في أخبار الصفات، فمنهم من أمَرَّها كما جاءت من غير تفسيرٍ ولا تأويل، مع نفي التشبيه عنها, وهو مذهب السَّلف».
فحصل الإجماعُ على صحة ما ذكرناه بقول المنازِع, والحمد لله (٤).
وما أحسن ما جاء عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة (٥) أنه قال: «عليك بلزوم السُّنة؛ فإنها لك ــ بإذن الله ــ عِصْمة، فإن السُّنة إنما جُعِلَت
стр. 61
ليُسْتَنَّ بها ويُقْتَصَر عليها. وإنما سَنَّها من قد عَلِمَ ما في خلافها من الزَّلل والخطأ والحُمْق والتعمُّق.
فارْضَ لنفسِك بما رَضُوا به لأنفسهم؛ فإنهم عن علمٍ وَقَفُوا، وببصرٍ نافذٍ كفُّوا، ولَهُم كانوا على كشفها أقوى, وبفضلٍ (١) لو كان فيها أحرى، وإنهم لَهُم السابقون، وقد بلغهم عن نبيِّهم ما يجري من الاختلاف بعد القرون الثلاثة.
فلئن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم: حَدَثَ حدثٌ بعدهم, فما أحدثه إلا من اتَّبع غيرَ سبيلهم، ورَغِبَ بنفسه عنهم, واختار ما نَحَتَه فكرُه على ما تلقَّوه عن نبيِّهم، وتلقَّاه عنهم من تبعهم بإحسان.
ولقد وصفوا منه ما يكفي, وتكلَّموا منه بما يشفي، فمَن دونهم مُقَصِّر، ومَن فوقهم مُفْرِط (٢). لقد قصَّر دونهم أناسٌ فجَفَوا، وطَمَح (٣) آخرون
стр. 62
فغَلَوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدًى مستقيم» (١).
فصل
وأما كونُهم (٢) أعلمَ ممَّن بعدهم وأحكَم، وأن مخالفَهم أحقُّ بالجهل والحَشْو, فنبيِّنُ ذلك بالقياس المعقول من غير احتجاجٍ بنفس الإيمان بالرسول, كما قال الله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ , فأخبر أنه سَيُرِيهم الآياتِ المرئيَّة المشهودة حتى يتبيَّن لهم أن القرآن حقٌّ، ثم قال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] أي: بإخبار الله ربِّك في القرآن وشهادته بذلك.
فنقول: من المعلوم أن أهل الحديث يشاركون كلَّ طائفةٍ فيما يتحلَّون به من صفات الكمال ويَمْتَازُون عنهم بما ليس عندهم، فإن المنازع لهم لا بدَّ أن يَذْكُر فيما يخالفُهم فيه طريقًا أخرى، مثل المعقول والقياس والرَّأي
стр. 63
والكلام والنظر والاستدلال والمُحَاجَّة والمجادلة والمُكَاشَفة والمُخَاطَبة والوَجْد والذَّوق (١)
ونحو ذلك.
وكلُّ هذه الطرق لأهل الحديث صَفْوتُها وخلاصتُها؛ فهم أكملُ الناس عقلًا، وأعدلُهم قياسًا، وأصوبُهم رأيًا، وأسَدُّهم كلامًا, وأصحُّهم نظرًا, وأهداهم استدلالًا, وأقومُهم جدلًا، وأتمُّهم فراسةً، وأصدقُهم إلهامًا، وأحدُّهم بصرًا ومكاشَفةً، وأصوبُهم سمعًا ومخاطَبةً، وأعظمُهم وأحسنُهم وَجْدًا وذوقًا.
وهذا هو للمسلمين بالنسبة إلى سائر الأمم, ولأهل السُّنة والحديث بالنسبة إلى سائر المِلَل.
стр. 64
فكلُّ من استقرى أحوالَ العالَم وجد المسلمين أحَدَّ وأسَدَّ عقلًا (١)، وأنهم ينالُون في المدَّة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أضعافَ ما يناله غيرُهم في قرونٍ وأجيال.
وكذلك أهل السُّنة والحديث تجدُهم بذلك متَّصفين (٢)؛ وذلك لأن اعتقاد الحقِّ الثابت يقوِّي الإدراكَ ويصحِّحُه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧]، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٦].
وهذا يُعْلَمُ تارةً بموارد النزاع بينهم وبين غيرهم، فلا تجدُ مسألةً خُولِفُوا فيها إلا وقد تبيَّن أن الحقَّ معهم، وتارةً بإقرار مخالفيهم ورجوعهم إليهم دون رجوعهم إلى غيرهم، أو بشهادتهم على مخالِفيهم بالضلال والجهل, وتارةً بشهادة المؤمنين الذين هم شهداءُ الله في الأرض (٣) , وتارةً بأن كلَّ طائفةٍ تَعْتَضِدُ (٤) بهم فيما خالفَت فيه الأخرى، وتشهدُ بالضلال على كلِّ من خالفها أعظمَ ممَّا تشهدُ به عليهم.
وأما شهادةُ المؤمنين الذين هم شهداءُ الله في الأرض فهذا أمرٌ ظاهرٌ
стр. 65
معلومٌ بالحسِّ والتواتر لكلِّ من سمع كلامَ المسلمين، لا تجدُ في الأمة عُظِّمَ أحدٌ تعظيمًا أعظمَ مما عُظِّموا به، ولا تجدُ غيرَهم يُعَظَّمُ إلا بقدر ما وافقهم فيه، كما لا يُنْقَصُ إلا بقدرِ ما خالفهم، حتى إنك تجدُ المخالفين لهم كلَّهم وقت الحقيقة يقرُّ بذلك، كما قال الإمام أحمد: «آيةُ ما بيننا وبينهم يومُ الجنائز» (١)
, فإن الحياة بسبب اشتراك الناس في المعاش يُعَظِّمُ الرجلَ طائفتُه، فأما وقت الموت فلا بدَّ من الاعتراف بالحقِّ من عموم الخلق.
ولهذا لم يُعْرَف في الإسلام مثلُ جنازته، مَسَحَ المتوكِّلُ موضع الصلاة
стр. 66
عليه فوجد ألفَ ألفٍ وستمئة ألف، سوى من صلى في الخانات والبيوت (١)، وأسلم يومئذٍ من اليهود والنصارى عشرون ألفًا (٢)، وهو إنما نَبُل عند الأمة باتباع الحديث والسُّنة.
وكذلك الشافعيُّ وإسحاقُ وغيرُهما إنما نَبُلوا في الإسلام باتِّباع الحديث والسُّنة (٣) , وكذلك البخاريُّ وأمثاله إنما نَبُلوا بذلك، وكذلك مالكٌ والأوزاعيُّ والثوريُّ وأبو حنيفة وغيرُهم إنما نَبُلوا في عموم الأمة وقُبِلَ قولهم لِمَا وافقوا فيه الحديثَ والسُّنة, وما تُكُلِّمَ فيمن تُكُلِّمَ فيه منهم إلا بسبب المواضع التي لم يتَّفق له متابعتُها من الحديث والسُّنة إما لعدم بلاغها إيَّاه أو لاعتقاده ضعفَ دلالتها أو رُجحان غيرها عليها.
وكذلك المسائلُ الاعتقاديَّةُ الخبريَّةُ لم يَنْبُل أحدٌ من الطوائف ورؤوسهم عند الأمة إلا بما معه من الإثبات والسُّنة.
فالمعتزلة أوَّلًا ــ وهم فرسانُ الكلام ــ إنما يُحْمَدون ويُعَظَّمون عند
стр. 67
أتباعهم وعند من يُغْضِي عن مساويهم لأجل محاسنهم من المسلمين (١) بما وافقوا فيه مذهبَ أهل الإثبات والسُّنة والحديث وردِّهم على الرافضة بعضَ ما خرجوا فيه عن السُّنة والحديث من إمامة الخلفاء, وعدالة الصَّحابة، وقبول الأخبار، وتحريف الكَلِم عن مواضعه, والغلوِّ في عليٍّ, ونحو ذلك (٢).
وكذلك الشيعةُ المتقدِّمون كانوا يَرْجُحون على المعتزلة بما خالفوهم فيه من إثبات الصفات والقَدَر والشفاعة ونحو ذلك (٣).
وكذلك كانوا (٤) يُسْتَحْمَدون بما خالفوا فيه الخوارجَ من تكفير عليٍّ وعثمان وغيرهما وما كفَّروا به المسلمين من الذنوب، ويُسْتَحْمَدون بما خالفوا فيه المرجئةَ من إدخال الواجبات في الإيمان, ولهذا قالوا بالمنزلة، وإن لم يهتدوا إلى السُّنة المحضة.
وكذلك متكلِّمةُ أهل الإثبات، مثل الكُلَّابية والكَرَّامية والأشعريَّة إنما قُبِلوا واتُّبعوا واستُحْمِدوا إلى عموم الأمَّة بما أثبتوه من أصول الإيمان من
стр. 68
إثبات الصانع وصفاته، وإثبات النبوَّة، والردِّ على الكفار من المشركين وأهل الكتاب وبيان تناقض حججهم, وكذلك استُحْمِدوا بما ردُّوه على الجهمية والمعتزلة والرافضة والقدرية من أنواع المقالات التي يخالفون فيها أهل السُّنة والجماعة (١).
فحسناتهم نوعان: إما موافقةُ أهل السُّنة والحديث، وإما الردُّ على من خالف السُّنة والحديثَ ببيان تناقض حججهم.
ولم يتبع أحدٌ مذهبَ الأشعريِّ ونحوه إلا لأحد هذين الوصفين أو كلاهما (٢) , وكلُّ من أحبَّه وانتصر له من المسلمين وعلمائهم فإنما يحبُّه وينتصرُ له بذلك (٣).
стр. 69
فالمصنفُ في مناقبه الدافعُ للطعن واللعن عنه ــ كالبيهقيِّ والقُشيريِّ أبي القاسم وابن عساكر الدمشقي (١)
ــ إنما يحتجُّون لذلك بما يقوله من أقوال أهل السُّنة والحديث، أو ما ردَّه من أقوال مخالفيهم, لا يحتجُّون له عند الأمة وعلمائهم وأمرائهم إلا بهذين الوصفَين، ولولا أنه كان من أقرب بني جنسه (٢) إلى ذلك لألحقوه بطبقته الذين لم يكونوا كذلك، كشيخه الأول أبي علي ورفيقه (٣) أبي هاشم، لكن كان له من موافقة مذهب السُّنة
стр. 70
والحديث في الصِّفات والقَدَر والإمامة والفضائل والشفاعة والحوض والصراط والميزان، وله من الرُّدود على المعتزلة والقدرية والرافضة والجهمية وبيان تناقضهم= ما أوجب أن يمتاز بذلك عن أولئك ويُعْرَفَ له حقُّه وقَدْرُه, فقد جعل الله لكلِّ شيءٍ قدرًا, وبما وافق فيه السُّنة والحديث صار له من القبول والأتباع ما صار (١).
لكن الموافقة التي فيها قهرُ المخالف وإظهارُ فساد قوله هي من جنس المجاهد المنتصر, فالرادُّ على أهل البدع مجاهدٌ، حتى كان يحيى بن يحيى (٢) يقول: «الذبُّ عن السُّنة أفضلُ من الجهاد» (٣).
والمجاهدُ قد يكون عدلًا في سياسته وقد لا يكون، وقد يكون فيه فُجور، كما قال النبي ﷺ : «إن الله يؤيِّد هذا الدينَ بالرجل الفاجر وبأقوامٍ لا خَلاق لهم» (٤) , ولهذا مضت السُّنة بأن يُغْزَى مع كلِّ أميرٍ برًّا كان أو
стр. 71
فاجرًا (١).
والجهادُ عملٌ مشكورٌ لصاحبه في الظاهر لا محالة، وهو مع النية الحسنة مشكورٌ باطنًا وظاهرًا، ووجهُ شكرِه نصرُه للسُّنة والدين، فهكذا المنتصرُ للإسلام والسُّنة يُشْكَرُ على ذلك من هذا الوجه.
فحَمْدُ الرجال عند الله ورسوله وعباده المؤمنين بحسب ما وافقوا فيه دينَ الله وسنَّته وشرعَه من جميع الأصناف؛ إذ الحمدُ إنما يكونُ على الحسنات، والحسناتُ هي ما وافقت طاعةَ الله ورسوله، من التصديق بخبر الله والطاعة لأمره, وهذا هو السُّنة (٢) , فالخيرُ كلُّه باتفاق الأمة هو فيما جاء به الرسولُ ﷺ .
وكذلك ما يُذَمُّ من يُذَمُّ من المنحرفين عن السُّنة والشريعة وطاعة الله ورسوله إلا بمخالفة ذلك.
ومن تُكُلِّمَ فيه من العلماء والأمراء وغيرهم إنما تكلَّم فيه أهلُ الإيمان بمخالفته السُّنة والشريعة، وبهذا ذمَّ السَّلفُ والأئمةُ أهلَ الكلام (٣) والمتكلمين الصِّفاتية, كابن كَرَّام وابن كُلَّاب والأشعري.
стр. 72
وما تكلَّم فيهم من تكلَّم من أعيان الأمة وأئمتها المقبولين فيها من جميع طوائف الفقهاء وأهل الحديث والصُّوفية إلا بما يقولون إنهم خالفوا فيه السُّنة والحديث لخفائه عليهم أو إعراضهم عنه، أو لاقتضاء أصلِ قياسٍ مَهَّدُوه ردَّ ذلك (١)، كما يقعُ نحو ذلك في المسائل العملية، فإن مخالفة المسلم الصحيحِ الإيمانِ النصَّ إنما يكون لعدم علمه به أو لاعتقاده صحةَ ما عارضه، لكن هو فيما ظهر من السُّنة وعظُم أمرُه يقعُ بتفريطٍ من المخالف وعدوان، فيستحقُّ من الذمِّ ما لا يستحقُّه في النصِّ الخفيِّ, وكذلك فيما يوقِعُ الفُرقةَ والاختلافَ يَعْظُم أمرُ المخالفة للسُّنة.
ولهذا لمَّا اهتمَّ (٢) كثيرٌ من الملوك والعلماء بأمر الإسلام وجهاد أعدائه، حتى صاروا يلعنون الرافضةَ والجهميةَ وغيرهم على المنابر، حتى لعنوا كلَّ طائفةٍ رأوا فيها بدعةً= فلعنوا الكُلَّابية والأشعرية، كما كان في مملكة الأمير محمود بن سُبُكْتِكِين (٣) , وفي دولة السلاجقة ابتداءً (٤).
стр. 73
وكذلك الخليفةُ القادر لمَّا اهتمَّ (١) بذلك واستتابَ (٢) المعتزلة من الفقهاء، ورفعوا إليه أمر القاضي أبي بكر وذمُّوه (٣) وهمُّوا به حتى كان يختفي، وإنما تستَّر بمذهب الإمام أحمد وموافقته (٤).
ثم ولي النِّظَامُ (٥) وسَعَوا في رفع اللَّعنة، واستفتَوا من استفتَوه من فقهاء العراق كالدَّامِغاني الحنفي وأبي إسحاق الشيرازي (٦)، وفتواهما حجةٌ على من بخراسان من الحنفية والشافعية. وقد قيل: إن أبا إسحاق استعفى من ذلك فألزموه، وأفتَوا بأنه لا يجوز لعنتُهم، ويعزَّر من يلعنُهم، وعلَّل الدامغانيُّ بأنهم طائفةٌ من المسلمين (٧)، وعلَّل أبو إسحاق مع ذلك بأن لهم ذبًّا وردًّا على أهل البدع المخالفين للسنة، فلم يُمْكِن المفتي أن يعلِّل رفعَ
стр. 74
الذمِّ إلا بموافقة السُّنة والحديث.
وكذلك رأيتُ في فتاوى الفقيه أبي محمدٍ (١) فتوى طويلةً فيها أشياءُ حسنة قد سئل عن مسائل متعددة.
قال فيها: ولا يجوز شَغْلُ المساجد بالغناء والرَّقص ومخالطة المُرْد، ويعزَّر فاعلُه تعزيرًا بليغًا رادعًا.
وأما لبسُ الحَلَق, والدَّمالِج, والسلاسل, والأغلال, والتختُّم بالحديد والنحاس= فبدعةٌ وشُهْرة، وشرُّ الأمور محدثاتُها، وهي لهم في الدنيا (٢) , وهي لباسُ أهل النار (٣) , وهي لهم في الآخرة إن ماتوا على ذلك.
ولا يجوز السجودُ لغير الله من الأحياء والأموات, ولا تقبيلُ القبور,
стр. 75
ويُعَزَّرُ فاعلُه.
ومن لعن أحدًا من المسلمين عُزِّرَ على ذلك تعزيرًا بليغًا, والمؤمنُ لا يكون لعَّانًا (١)، وما أقربَه مِن عَوْدِ اللَّعنة عليه.
قال: ولا تحِلُّ الصلاةُ عند القبور، ولا المشيُ عليها من الرجال (٢) والنساء، ولا تُعْمَلُ مساجدَ للصلاة؛ فإنه «اشتدَّ غضبُ الله على قومٍ اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد» (٣).
قال: وأما لعنُ العلماء الأئمة (٤) الأشعريَّة, فمن لعنهم عُزِّرَ وعادت اللعنةُ عليه، فمَن لعن مَن ليس أهلًا للَّعنة وقعت اللعنةُ عليه، والعلماء أنصارُ فروع الدين، والأشعرية أنصارُ أصول الدين.
قال: وأما دخولهم (٥) النيران، فمن لا يتمسَّكُ بالقرآن (٦) فإنه فتنةٌ لهم