← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 303

الانتصار لأهل الأثر المطبوع باسم «نقض المنطق»

ابن تيمية

Полный текст (390 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فاجرًا (١). والجهادُ عملٌ مشكورٌ لصاحبه في الظاهر لا محالة، وهو مع النية الحسنة مشكورٌ باطنًا وظاهرًا، ووجهُ شكرِه نصرُه للسُّنة والدين، فهكذا المنتصرُ للإسلام والسُّنة يُشْكَرُ على ذلك من هذا الوجه. فحَمْدُ الرجال عند الله ورسوله وعباده المؤمنين بحسب ما وافقوا فيه دينَ الله وسنَّته وشرعَه من جميع الأصناف؛ إذ الحمدُ إنما يكونُ على الحسنات، والحسناتُ هي ما وافقت طاعةَ الله ورسوله، من التصديق بخبر الله والطاعة لأمره, وهذا هو السُّنة (٢) , فالخيرُ كلُّه باتفاق الأمة هو فيما جاء به الرسولُ ﷺ . وكذلك ما يُذَمُّ من يُذَمُّ من المنحرفين عن السُّنة والشريعة وطاعة الله ورسوله إلا بمخالفة ذلك. ومن تُكُلِّمَ فيه من العلماء والأمراء وغيرهم إنما تكلَّم فيه أهلُ الإيمان بمخالفته السُّنة والشريعة، وبهذا ذمَّ السَّلفُ والأئمةُ أهلَ الكلام (٣) والمتكلمين الصِّفاتية, كابن كَرَّام وابن كُلَّاب والأشعري.

стр. 72

وما تكلَّم فيهم من تكلَّم من أعيان الأمة وأئمتها المقبولين فيها من جميع طوائف الفقهاء وأهل الحديث والصُّوفية إلا بما يقولون إنهم خالفوا فيه السُّنة والحديث لخفائه عليهم أو إعراضهم عنه، أو لاقتضاء أصلِ قياسٍ مَهَّدُوه ردَّ ذلك (١)، كما يقعُ نحو ذلك في المسائل العملية، فإن مخالفة المسلم الصحيحِ الإيمانِ النصَّ إنما يكون لعدم علمه به أو لاعتقاده صحةَ ما عارضه، لكن هو فيما ظهر من السُّنة وعظُم أمرُه يقعُ بتفريطٍ من المخالف وعدوان، فيستحقُّ من الذمِّ ما لا يستحقُّه في النصِّ الخفيِّ, وكذلك فيما يوقِعُ الفُرقةَ والاختلافَ يَعْظُم أمرُ المخالفة للسُّنة. ولهذا لمَّا اهتمَّ (٢) كثيرٌ من الملوك والعلماء بأمر الإسلام وجهاد أعدائه، حتى صاروا يلعنون الرافضةَ والجهميةَ وغيرهم على المنابر، حتى لعنوا كلَّ طائفةٍ رأوا فيها بدعةً= فلعنوا الكُلَّابية والأشعرية، كما كان في مملكة الأمير محمود بن سُبُكْتِكِين (٣) , وفي دولة السلاجقة ابتداءً (٤).

стр. 73

وكذلك الخليفةُ القادر لمَّا اهتمَّ (١) بذلك واستتابَ (٢) المعتزلة من الفقهاء، ورفعوا إليه أمر القاضي أبي بكر وذمُّوه (٣) وهمُّوا به حتى كان يختفي، وإنما تستَّر بمذهب الإمام أحمد وموافقته (٤). ثم ولي النِّظَامُ (٥) وسَعَوا في رفع اللَّعنة، واستفتَوا من استفتَوه من فقهاء العراق كالدَّامِغاني الحنفي وأبي إسحاق الشيرازي (٦)، وفتواهما حجةٌ على من بخراسان من الحنفية والشافعية. وقد قيل: إن أبا إسحاق استعفى من ذلك فألزموه، وأفتَوا بأنه لا يجوز لعنتُهم، ويعزَّر من يلعنُهم، وعلَّل الدامغانيُّ بأنهم طائفةٌ من المسلمين (٧)، وعلَّل أبو إسحاق مع ذلك بأن لهم ذبًّا وردًّا على أهل البدع المخالفين للسنة، فلم يُمْكِن المفتي أن يعلِّل رفعَ

стр. 74

الذمِّ إلا بموافقة السُّنة والحديث. وكذلك رأيتُ في فتاوى الفقيه أبي محمدٍ (١) فتوى طويلةً فيها أشياءُ حسنة قد سئل عن مسائل متعددة. قال فيها: ولا يجوز شَغْلُ المساجد بالغناء والرَّقص ومخالطة المُرْد، ويعزَّر فاعلُه تعزيرًا بليغًا رادعًا. وأما لبسُ الحَلَق, والدَّمالِج, والسلاسل, والأغلال, والتختُّم بالحديد والنحاس= فبدعةٌ وشُهْرة، وشرُّ الأمور محدثاتُها، وهي لهم في الدنيا (٢) , وهي لباسُ أهل النار (٣) , وهي لهم في الآخرة إن ماتوا على ذلك. ولا يجوز السجودُ لغير الله من الأحياء والأموات, ولا تقبيلُ القبور,

стр. 75

ويُعَزَّرُ فاعلُه. ومن لعن أحدًا من المسلمين عُزِّرَ على ذلك تعزيرًا بليغًا, والمؤمنُ لا يكون لعَّانًا (١)، وما أقربَه مِن عَوْدِ اللَّعنة عليه. قال: ولا تحِلُّ الصلاةُ عند القبور، ولا المشيُ عليها من الرجال (٢) والنساء، ولا تُعْمَلُ مساجدَ للصلاة؛ فإنه «اشتدَّ غضبُ الله على قومٍ اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد» (٣). قال: وأما لعنُ العلماء الأئمة (٤) الأشعريَّة, فمن لعنهم عُزِّرَ وعادت اللعنةُ عليه، فمَن لعن مَن ليس أهلًا للَّعنة وقعت اللعنةُ عليه، والعلماء أنصارُ فروع الدين، والأشعرية أنصارُ أصول الدين. قال: وأما دخولهم (٥) النيران، فمن لا يتمسَّكُ بالقرآن (٦) فإنه فتنةٌ لهم

стр. 76

ومَضَلَّةٌ لمن يراهم, كما يفتتنُ الناسُ بما يظهرُ على يدي الدجَّال، فإنه من ظهرَ على يديه خارقٌ فإنه يوزنُ بميزان الشَّرع, فإن كان على الاستقامة كان ما ظهر على يديه كرامة، ومن لم يكن على الاستقامة كان ذلك فتنة, كما يظهرُ على يدي الدجَّال من إحياء الميت وما يظهر من جنَّته وناره، فإن الله يُضِلُّ من لا خَلاق له بما يظهرُ على يدي هؤلاء, وأما من تمسَّك بالشرع الشريف فإنه لو رأى من هؤلاء من يطيرُ في الهواء أو يمشي على الماء فإنه يعلمُ أن ذلك فتنةٌ للعباد. انتهى. فالفقيه أبو محمد أيضًا إنما منع اللعنَ وأمر بتعزير اللاعِن لأجل ما نصروه من أصول الدين، وهو ما ذكرناه من موافقة القرآن والسُّنة والحديث والردِّ على من خالف القرآنَ والسُّنةَ والحديث. ولهذا كان الشيخُ أبو إسحاق (١) يقول: «إنما نَفَقَتْ الأشعريةُ عند الناس بانتسابهم إلى الحنابلة» , وهذا ظاهرٌ عليه وعلى أئمة أصحابه في كتبهم ومصنفاتهم قبل وقوع الفتنة القُشَيرية ببغداد (٢). ولهذا قال أبو القاسم ابن عساكر في مناقبه (٣): «ما زالت الحنابلة

стр. 77

والأشاعرة في قديم الدهر متفقين غير مفترقين، حتى حدثت فتنة ابن القُشَيري». ثم بعد حدوث الفتنة وقبلها لا تجدُ من يمدحُ الأشعريَّ يمدحُه (١) إلا إذا وافق السُّنة والحديث, ولا يذمُّه من يذمُّه إلا بمخالفة السُّنة والحديث. وهذا إجماعٌ من جميع هذه الطوائف على تعظيم السُّنة والحديث، واتفاقُ شهاداتهم على أن الحقَّ في ذلك. ولهذا تجدُ أعظمهم موافقةً لأئمة السُّنة والحديث أعظمَ عند جميعهم ممَّن هو دونه: فالأشعريُّ نفسُه لمَّا كان أقربَ إلى قول الإمام أحمد ومن قبله من أئمَّة السُّنة كان عندهم أعظم من أتباعه. والقاضي أبو بكر ابن الباقلاني لمَّا كان أقربهم إلى ذلك كان أعظم عندهم من غيره. وأما مثلُ الأستاذ أبي المعالي وأبي حامد (٢) ونحوهما ممَّن خالفوا أصولَه (٣) في مواضع, فلا تجدُهم يُعَظَّمون إلا بما وافقوا فيه السُّنة والحديث, وأكثرُ ذلك تقلَّدوه من مذهب الشافعيِّ في الفقه الموافق للسُّنة

стр. 78

والحديث، وبما ذكروه في الأصول مما يوافق السُّنةَ والحديث وما ردُّوه مما يخالف السُّنةَ والحديث, وبهذا القَدْر ينتحلون السُّنةَ ويُنْحَلُونها, وإلا لم يصحَّ ذلك. وكان الرافضةُ والقرامطةُ ــ علماؤها وأمراؤها ــ قد اسْتَظْهَرت في أوائل الدولة السَّلجُوقية حتى غَلَبت على الشام والعراق, وأخرجت الخليفةَ القائم ببغداد إلى تِكْريت وحبسوه بها في فتنة البَساسِيريِّ المشهورة (١) , فجاءت بعد ذلك السَّلجُوقية حتى هزموهم وفتحوا الشام والعراق، وقهروهم بخراسان, وحَجَرُوهم بمصر, وكان في وقتهم من الوزراء مثل نِظَام المُلك، ومن العلماء مثل أبي المعالي (٢)، فصاروا بما يقيمونه من السُّنة ويردُّونه من بدعة هؤلاء ونحوهم لهم من المكانة عند الأمَّة بحسب ذلك. وكذلك المتأخرون من أصحاب مالك الذين وافقوه (٣) كأبي الوليد الباجي والقاضي أبي بكر بن العربي ونحوهما لا يُعَظَّمون إلا بموافقة السُّنة والحديث, وأما الأكابر مثل ابن حبيب وابن سَُحْنون (٤) ونحوهما فلونٌ آخر.

стр. 79

وكذلك أبو محمد بن حزمٍ فيما صنَّفه من المِلَل والنِّحَل إنما يُسْتَحْمَدُ بموافقة السُّنة والحديث، مثل ما ذكره في مسائل القَدَر والإرجاء ونحو ذلك، بخلاف ما انفرَد به من قوله في التفضيل بين الصحابة (١) , وكذلك ما ذكره في باب الصفات فإنه يُسْتَحْمَدُ فيه بموافقة أهل السُّنة والحديث، لكونه يثبتُ الأحاديثَ الصحيحة ويعظِّمُ السَّلفَ وأئمة الحديث، ويقول: إنه موافقٌ للإمام أحمد في مسألة القرآن (٢) وغيرها، ولا ريب أنه موافقٌ له ولهم في بعض ذلك، لكن الأشعريَّ ونحوه أعظمُ موافقةً للإمام أحمد بن حنبل ومن قبله من الأئمَّة في القرآن والصفات. وإن كان أبو محمدٍ في مسائل الإيمان والقَدَر أقومَ من غيره, وإن كان أعلمَ بالحديث وأكثرَ تعظيمًا له ولأهله من غيره، لكن قد كان خالطَ من أقوال الفلاسفة والمعتزلة في مسائل الصفات ما صَرَفَتْهُ عن موافقة أهل الحديث في معاني مذهبهم في ذلك، فوافقَ هؤلاء في اللفظ وهؤلاء في المعنى.

стр. 80

وبمثل هذا صار يذمُّه من يذمُّه من الفقهاء والمتكلمين وعلماء الحديث باتباعه لظاهرٍ لا باطنَ له، كما نفى المعاني في الأمر والنهي والاشتقاق، وكما نفى خرقَ العادات ونحوه من كرامات الأولياء (١)، مضمومًا إلى ما في كلامه من الوقيعة في الأكابر، والإسراف في نفي المعاني ودعوى متابعة الظواهر، وإن كان له من الإيمان والدِّين والعلوم الواسعة الكثيرة ما لا يدفعُه إلا مكابر. ويوجدُ في كتبه من كثرة الاطلاع على الأقوال والمعرفة بالأحوال والتعظيم لدعائم الإسلام ولجانب الرسالة ما لا يجتمعُ مثلُ ذلك لغيره, فالمسألةُ التي يكونُ فيها حديثٌ يكونُ جانبه فيها ظاهرَ الترجيح. وله من التمييز بين الصَّحيح والضعيف والمعرفة بأقوال السَّلف ما لا يكادُ يقعُ مثلُه لغيره من الفقهاء (٢).

стр. 81

وتعظيمُ أئمَّة الأمة وعُمومها (١) للسُّنة والحديث وأهله في الأصول والفروع من الأقوال والأعمال أكثرُ من أن يُذْكَر هنا. وتجدُ الإسلامَ والإيمانَ كلما ظهَر وقَوِيَ كانت السُّنةُ وأهلُها أظهرَ وأقوى، وإن ظهَر شيءٌ من الكفر والنفاق ظهَرت البدعُ بحسب ذلك، مثل دولة المهديِّ والرشيد ونحوهما ممَّن كان يعظِّمُ الإسلامَ والإيمان ويغزو أعداءه من الكفَّار والمنافقين, كان أهلُ السُّنة في تلك الأيام أقوى وأكثرَ وأهلُ البدع أذلَّ وأقلَّ؛ فإن المهديَّ قتل [من] المنافقين الزَّنادقة من لا يحصي عددَه إلا الله، والرشيدَ كان كثير الغَزو والحجِّ (٢). وذلك أنه لما انتشرت (٣) الدولةُ العباسية, وكان من أنصارها من أهل المشرق والأعاجم طوائفُ من الذين نعتهم النبيُّ ﷺ حيث قال: «الفتنةُ هاهنا» (٤) = ظهر حينئذٍ كثيرٌ من البدع, وعُرِّبت أيضًا إذ ذاك طائفةٌ من كتب الأعاجم من المجوس الفُرس والصابئين الرُّوم والمشركين الهند، وكان المهديُّ من خيار خلفاء بني العباس، وأحسنهم إيمانًا وعدلًا وجُودًا، فصار (٥)

стр. 82

يتتبَّع المنافقين الزنادقة لذلك (١). وكان خلفاءُ بني العباس أحسنَ تعاهُدًا للصلوات في أوقاتها من بني أمية، فإن أولئك كانوا كثيري الإضاعة لمواقيت الصلاة (٢)، كما جاءت فيهم الأحاديث أنه «سيكونُ بعدي أمراءُ يؤخِّرون الصلاةَ عن وقتها، فصلُّوا الصلاةَ لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم نافلةً» (٣). لكن كانت البدعُ في القرون الثلاثة الفاضلة مقموعةً، وكانت الشريعةُ أعزَّ وأظهر، وكان القيامُ بجهاد أعداء الدين من الكافرين والمنافقين أعظم. وفي دولة أبي العباس المأمون ظهر الخُرَّمية (٤) ونحوهم من المنافقين, وعُرِّبت (٥) من كتب الأوائل المجلوبة من بلاد الروم ما انتشر بسببه مقالاتُ الصابئين (٦) , وراسَلَ ملوكَ المشركين من الهند ونحوهم

стр. 83

حتى صارت بينهم مودَّة (١). فلما ظَهَر ما ظَهَر من الكفر والنفاق في المسلمين, وقَوِيَ ما قَوِيَ من حال المشركين وأهل الكتاب, كان مع ذلك (٢) ما ظَهَر من استيلاء الجهمية (٣) والرافضة وغيرهم من أهل الضلال وتقريب الصابئة ونحوهم من المتفلسفة, وذلك بنوع رأيٍ يحسبه صاحبُه عقلًا وعدلًا، وإنما هو جهلٌ وظلم؛ إذ التسوية بين المؤمن والمنافق والمسلم والكافر أعظمُ الظلم، وطلبُ الهدى عند أهل الضلال أعظمُ الجهل، فتولَّد من ذلك محنةُ الجهمية، حتى امتُحِنَت الأمةُ بنفي الصفات والتكذيب بكلام الله ورؤيته، وجرى من محنة الإمام أحمد وغيره ما جرى مما يطول وصفُه. وكان في أيام المتوكِّل قد عَزَّ الإسلامُ حتى أُلْزِمَ أهلُ الذمَّة بالشُّروط العُمَريَّة وأُلْزِمُوا الصَّغَار (٤)، فعَزَّت السُّنةُ والجماعة، وقُمِعَت الجهميةُ والرافضةُ ونحوهم.

стр. 84

وكذلك في أيام المعتضِد والمهتدي (١) والقادر وغيرهم من الخلفاء الذين كانوا أحمدَ سيرةً وأحسنَ طريقةً من غيرهم, لمَّا كان (٢) الإسلامُ في زمنهم أعزَّ كانت السُّنة بحسب ذلك. وفي دولة بني بُوَيْه ونحوهم الأمرُ بالعكس، فإنهم كان فيهم أصنافُ المذاهب المذمومة, قومٌ منهم زنادقة، وفيهم قرامطةٌ كثيرةٌ ومتفلسفةٌ ومعتزلةٌ ورافضة, وهذه الأشياء كثيرةٌ فيهم غالبةٌ عليهم (٣) , فحصل في الإسلام (٤) والسُّنة في أيامهم من الوَهَن ما لم يُعْرَف، حتى استولى النصارى على ثغور الإسلام وانتشرت القرامطةُ في أرض مصر والمغرب والمشرق وغير ذلك, وجرت حوادثُ كثيرة. ولما كانت مملكةُ محمود بن سُبُكْتِكِين من أحسن ممالك بني جنسه كان الإسلامُ والسُّنةُ في مملكته أعزَّ، فإنه غزا المشركين من أهل الهند، ونشر من العدل ما لم ينشره مثلُه، فكانت السُّنة في أيامه ظاهرةً والبدعُ في أيامه مقموعة. وكذلك السلطانُ نور الدين محمود (٥) الذي كان بالشام, عزَّ الإسلامُ

стр. 85

والسُّنةُ في زمنه، وأُذِلَّ الكفَّارُ وأهلُ البدع ممَّن كان بالشام ومصر وغيرهما من الرافضة والجهمية ونحوهم. وكذلك ما كان في زمنه من خلافة بني العباس ووزارة ابن هُبَيْرة لهم، فإنه كان من أمثَل وزراء الإسلام, ولهذا كان له من العناية بالإسلام والحديث ما ليس لغيره (١). وما يوجدُ من إقرار أئمة الكلام والفلسفة وشهادتهم على أنفسهم وعلى بني جنسهم بالضلال (٢) فأكثرُ من أن يحتمله هذا الموضع. وكذلك ما يوجدُ من رجوع أئمَّتهم إلى مذهب عموم أهل السُّنة وعجائزهم كثير، وأئمةُ السُّنة والحديث لا يرجعُ منهم أحد؛ لأن الإيمان إذا خالطت بشاشتُه القلوبَ لا يَسْخَطُه أحد. وكذلك ما يوجدُ من شهادتهم لأهل الحديث بالسَّلامة والخلاص من أنواع الضلال، وهم لا يشهدون لأهل البدع إلا بالضلال. وهذا بابٌ واسعٌ كما قدمناه. وجميعُ الطوائف المتقابلة (٣) من أهل الأهواء تشهدُ لهم بأنهم أصلحُ

стр. 86

من الآخرين وأقربُ إلى الحق، فتجدُ كلامَ أهل النِّحَل فيهم وحالهم [معهم] بمنزلة كلام أهل المِلَل مع المسلمين وحالهم معهم. وإذا قابلنا بين الطائفتين ــ أهل الحديث وأهل الكلام ــ فالذي يعيبُ بعضَ أهل الحديث وأهل الجماعة بحَشْو القول إنما يعيبُهم بقلَّة المعرفة أو بقلة الفهم, أما الأول فأن يحتجوا بأحاديثَ ضعيفةٍ وموضوعةٍ وآثارٍ لا تصلحُ للاحتجاج، وأما الثاني فأن لا يفهموا معاني الأحاديث الصحيحة، بل قد يقولون القولين المتناقضَين ولا يهتدون للخروج من ذلك. والأمر راجعٌ إلى شيئين, إما زيادةُ أقوالٍ غير مفيدةٍ تُظَنُّ أنها مفيدة، كالأحاديث الموضوعة، وإما أقوالٌ مفيدةٌ لكنهم لا يفهمونها، إذ كان اتِّباعُ الحديث يحتاجُ أولًا إلى صحَّة الحديث, وثانيًا إلى فهم معناه، كاتِّباع القرآن. فالخللُ يدخلُ عليهم من ترك إحدى المقدِّمتين, ومَن عابهم من الناس إنما يعيبُهم بهذا. ولا ريب أن هذا موجودٌ في بعضهم، يحتجُّون بأحاديثَ موضوعةٍ في مسائل الأصول والفروع وبآثارٍ مفتعلةٍ وحكاياتٍ غير صحيحة، ويذكُرون من القرآن والحديث ما لا يفهمون معناه، وربَّما تأوَّلوه على غير تأويله ووضعوه على غير موضعه (١). ثم إنهم بهذا المنقول الضَّعيف والمعقول السَّخيف قد يكفِّرون ويضلِّلون ويُبَدِّعون أقوامًا من أعيان الأمة ويُجَهِّلون، ففي بعضهم من

стр. 87

التفريط في الحقِّ والتعدِّي على الخلق (١) ما قد يكونُ بعضه خطأً مغفورًا، وقد يكونُ منكرًا من القول وزورًا، وقد يكونُ من البدع والضلالات التي توجبُ غليظَ العقوبات. فهذا لا ينكرُه إلا جاهلٌ أو ظالم، وقد رأيتُ من هذا عجائبَ, لكن هم بالنسبة إلى غيرهم في ذلك كالمسلمين بالنسبة إلى بقية المِلَل، ولا ريب أن في كثيرٍ من المسلمين من الظلم والجهل والبدع والفُجور ما لا يعلمُه إلا من أحاط بكلِّ شيء علمًا، لكن كلُّ شرٍّ يكونُ في بعض المسلمين فهو في غيرهم أكثر، وكلُّ خيرٍ يكونُ في غيرهم فهو فيهم أعلى وأعظم، وهكذا أهلُ الحديث بالنسبة إلى غيرهم. وبيان ذلك: أن ما ذُكِر من فُضول الكلام الذي لا يفيد ــ مع اعتقاد أنه طريقٌ إلى التصور والتصديق ــ هو في أهل الكلام والمنطق أضعافُ أضعافِ أضعافِ ما هو في أهل الحديث أضعافًا مضاعفة، فبإزاء احتجاجِ أولئك بالحديث الضعيف احتجاجُ هؤلاء بالحُدود والأقيِسَة الكثيرة العظيمة (٢) التي لا تفيدُ معرفةً بل جهلًا وضلالًا، وبإزاء تكلُّم أولئك بأحاديثَ لا يفهمون معناها تكلُّفُ هؤلاء من القول بغير علمٍ ما هو أعظمُ من ذلك وأكثر.

стр. 88

وما أحسن قول الإمام أحمد: «ضعيفُ الحديث خيرٌ من رأي فلان» (١). ثم لأهل الحديث من المزيَّة أن ما يقولونه من الكلام الذي لا يفهمُه بعضهم هو كلامٌ في نفسه حقٌّ، وقد آمنوا بذلك، وأما المتكلِّمةُ فيتكلَّفون من القول ما لا يفهمونه ولا يعلمون أنه حقٌّ. وأهلُ الحديث لا يستدلُّون بحديثٍ ضعيفٍ في نقض أصل عظيمٍ من أصول الشريعة، بل إما في تأييده وإما في فرعٍ من الفروع، وأولئك يحتجُّون بالحُدود والمقاييس الفاسدة في نقض الأصول الحقَّة (٢) الثابتة. إذا عُرِف هذا فقد قال الله تعالى عن أتباع الأئمَّة من أهل المُلك والعلم (٣) المخالفين للرُّسل: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣] , وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: ٦٦] , ومثلُ هذا في القرآن كثير. وإذا كانت سعادةُ الدنيا والآخرة هي باتباع المرسلين، فمن المعلوم أن أحقَّ الناس بذلك أعلمُهم بآثار المرسَلين وأتبعُهم لذلك، فالعالِمُون

стр. 89

بأقوالهم وأفعالهم المتَّبعون لها هم أهلُ السَّعادة في كلِّ زمانٍ ومكان، وهم الطائفةُ الناجيةُ من أهل كلِّ ملَّة، وهم أهلُ السُّنة والحديث من هذه الأمة؛ فإنهم يشاركون سائرَ الأمة فيما عندهم من أمور الرسالة، ويَمْتَازُون عنهم بما اختصُّوا به من العلم الموروث عن الرسول فيما (١) يجهلُه غيرُهم أو يكذِّبُ به. والرسلُ صلواتُ الله عليهم وسلامُه عليهم البلاغُ المبين، وقد بلَّغوا البلاغَ المبين, وخاتمُ الرسل محمدٌ ﷺ أنزل الله كتابَه مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه، فهو الأمينُ على جميع الكتب، وقد بلَّغ أبينَ البلاغ وأتمَّه وأكملَه، وكان أنصحَ الخلق لعباد الله، وكان بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا، بلَّغ الرسالة, وأدَّى الأمانة, وجاهد في الله حقَّ جهاده, وعبد الله حتى أتاه اليقين, فأسعدُ الخلق وأعظمُهم نعيمًا وأعلاهم درجةً أعظمُهم اتباعًا له وموافقةً علمًا وعملًا. وأما غيرُ أتباعه من أهل الكلام، فالكلامُ في أقيستهم التي هي حججُهم وبراهينهم على معارفهم وعلومهم، وهذا يدخلُ فيه كلُّ من خالف شيئًا من السُّنة والحديث من المتكلِّمين والفلاسفة، فالكلامُ في هذا المقام واسعٌ لا ينضبطُ هنا، لكن المعلوم من حيث الجملة أن الفلاسفة والمتكلِّمين من أعظم بني آدم حَشْوًا وقولًا للباطل وتكذيبًا للحقِّ في مسائلهم ودلائلهم، لا يكادُ ــ والله أعلم ــ تخلو لهم مسألةٌ واحدة عن ذلك. وأذكر أني قلتُ مرَّةً لبعض من كان ينتصرُ لهم من المشغوفين بهم وأنا

стр. 90

إذ ذاك صغيرٌ قريبُ العهد من الاحتلام (١): كلُّ ما يقولُه هؤلاء ففيه باطلٌ إما في الدلائل وإما في المسائل، إما أن يقولوا مسألةً تكون حقًّا لكن يُقِيمُون عليها أدلةً ضعيفة، وإما أن تكون المسألةُ باطلًا. فأخذ يعظِّمُ هذا، وذكر مسألةَ التوحيد، فقلت: التوحيدُ حقٌّ، لكن اذكُرْ ما شئتَ من أدلَّتهم التي تعرفُها حتى أذكُرَ لك ما فيه. فذَكَر بعضها بحروفه, [فذكرتُ له ما فيه] (٢) حتى فَهِم الغلط, وذهب إلى ابنه ــ وكان أيضًا من المتعصِّبين لهم ــ فذكر ذلك له, قال: فأخذ يعظِّمُ ذلك عليَّ، قال: فقلت: أنا لا أشكُّ في التوحيد، ولكن أشكُّ في هذا الدليل المعيَّن. ويدلُّك على ذلك أمور: أحدها: أنك تجدُهم أعظمَ الناس شكًّا واضطرابًا، وأضعفَ الناس علمًا ويقينًا، وهذا أمرٌ يجدونه في أنفسهم ويَشْهَدُه الناسُ منهم، وشواهدُ ذلك أعظمُ من أن تُذْكَر هنا، وإنما فضيلةُ أحدهم باقتداره على الاعتراض والجدل الباطل (٣) , ومن المعلوم أن الاعتراض والقدحَ ليس بعلمٍ ولا فيه

стр. 91

منفعة، وأحسنُ أحوال صاحبه أن يكون بمنزلة العامِّيِّ، وإنما العلمُ في جواب السؤال (١). ولهذا تجدُ غالبَ حججهم تتكافأ؛ إذ كلٌّ منهم يقدحُ في أدلة الآخر. وقد قيل: إن الأشعريَّ ــ مع أنه مِن أقربهم إلى السُّنة والحديث وأعلمهم بذلك ــ صنَّف في آخر عمره كتابًا في تكافؤ الأدلة (٢) , يعني أدلَّة الكلام، فإن ذلك هو صناعته التي يحسِنُ الكلامَ فيها. وما زال أئمَّتهم يخبرون بعدم الأدلة والهدى في طريقهم، كما ذكرناه عن أبي حامدٍ وغيره، حتى قال أبو حامد الغزالي: «أكثرُ الناس شكًّا عند الموت أهلُ الكلام» (٣).

стр. 92

وهذا أبو عبد الله الرازي من أعظم الناس في هذا الباب, باب الحَيْرة والشكِّ والاضطراب, لكن هو مسرفٌ في هذا الباب بحيث له نَهْمةٌ (١) في التشكيك دون التحقيق (٢)، بخلاف غيره فإنه يحقِّقُ شيئًا ويَثْبُتُ على نوعٍ من الحق، لكنَّ بعض الناس قد يَثْبُتُ على باطل, والشكُّ في الباطل خيرٌ من الثبات على اعتقاده, لكن قلَّ أن يَثْبُتَ أحدٌ على باطلٍ محضٍ بل لا بدَّ فيه من نوعٍ من الحق. وكان من فضلاء المتأخرين وأبرعِهم في الفلسفة والكلام ابنُ واصل الحَمَوي (٣)، كان يقول: «أستلقي على قَفايَ وأضعُ المِلْحَفة على نصف وجهي، ثم أذكر المقالاتِ وحججَ هؤلاء وهؤلاء واعتراضَ هؤلاء وهؤلاء حتى يطلع الفجرُ ولم يترجَّح عندي شيء» (٤). ولهذا أنشد الخطَّابي (٥):

стр. 93

حُجَجٌ تَهَافَتُ كالزُّجَاج تَخالُها ... حقًّا، وكلٌّ كاسرٌ مكسورُ فإذا كانت هذه حالَ حُجَجِهم فأيُّ لغوٍ باطلٍ وحشوٍ يكونُ أعظم من هذا؟! وكيف يليقُ بمثل هؤلاء أن يَعِيبوا (١) أهلَ الحديث والسُّنة الذين هم أعظمُ الناس علمًا ويقينًا وطمأنينةً وسكينة، يَعْلَمُون ويَعْلَمُون أنهم يَعْلَمُون، وهم بالحق يوقنون, لا يشكُّون ولا يَمْتَرون؟! فأما ما أوتيه علماءُ أهل الحديث وخواصُّهم من اليقين والمعرفة والهدى فأمرٌ يجلُّ عن الوصف، ولكن عند عوامِّهم من اليقين والمعرفة (٢) والعلم النافع ما لم يحصُل منه شيءٌ لأئمَّة المتفلسفة المتكلمين, وهذا ظاهرٌ مشهودٌ لكلِّ أحد. غايةُ ما يقول أحدُهم: إنهم جَزَموا بغير دليل (٣)، وصمَّموا بغير حُجَّة، وإنما معهم التقليد. وهذا القدرُ قد يكون في كثيرٍ من العامَّة, لكنَّ جزمَ العلمِ غيرُ جزم

стр. 94

الهوى, فالجازمُ بغير علمٍ يجدُ من نفسه أنه غيرُ عالمٍ بما جَزَم به، والجازمُ بعلمٍ يجدُ من نفسه أنه عالم؛ إذ كونُ الإنسان عالمًا وغيرَ عالمٍ مثلُ كونه سامعًا ومبصرًا وغير سامعٍ ومبصر، فهو يعلمُ من نفسه ذلك مثلَ ما يعلمُ من نفسه كونَه محبًّا ومبغضًا ومريدًا وكارهًا ومسرورًا ومحزونًا ومنعَّمًا ومعذَّبًا وغير ذلك. ومن شكَّ في كونه يَعْلَمُ مع كونه يَعْلَمُ فهو بمنزلة من جزَم بأنه عَلِمَ وهو لا يَعْلَم، وذلك نظيرُ من شكَّ في كونه سَمِع ورأى أو جزَم بأنه سَمِع ورأى ما لم يَسْمَعْه ويَرَه. والغلطُ أو الكذبُ يَعْرِض للإنسان في كلِّ واحدٍ من طرفي النفي والإثبات, لكن هذا الغلطَ أو الكذبَ العارض لا يمنعُ أن يكون الإنسانُ جازمًا بما لا يشكُّ فيه من ذلك، كما يجزمُ بما يجدُه من الطُّعوم والأراييح (١) وإن كان قد يَعْرِض له من الانحراف ما يجدُ به الحُلْوَ مرًّا. فالأسبابُ العارضةُ لغلط الحسِّ الباطن أو الظاهر والعقل بمنزلة المرض العارض لحركة البدن والنفس، والأصلُ هو الصحَّة في الإدراك وفي الحركة, فإن الله خلق عبادَه على الفطرة, وهذه الأمور يُعْلَمُ الغلطُ فيها بأسبابها الخاصَّة, كالمِرَّة الصَّفراء العارضة للطَّعم، وكالحَوَل في العين, ونحو ذلك. وإلا فمن حاسبَ نفسَه على ما يَجْزِمُ به وجد أكثرَ الناس الذين يجزمون بما لا يُجْزَمُ به إنما هو لنوعٍ من الهوى، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا

стр. 95

لَيَضِلُّونَ (١) بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١١٩] , وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]. ولهذا تجدُ اليهودَ يُصَمِّمُون بباطلهم (٢) لما في نفوسهم من الكِبْر والحسد والقسوة وغير ذلك من الأهواء, وأما النصارى فأعظمُ ضلالًا منهم وإن كانوا في العبادة (٣) والأخلاق أقلَّ منهم شرًّا فليسوا جازمين بغالب ضلالهم، بل عند الاعتبار تجدُ من ترك الهوى من الطائفتين ونظر نوعَ نظرٍ تبيَّن له أن الإسلام حقٌّ. والمقصودُ هنا أن معرفةَ الإنسان بكونه يَعْلَمُ أو لا يَعْلَمُ مرجعُه إلى وجود نفسِه عالمةً. ولهذا لا نحتجُّ على مُنكِر العلم إلا بوجودنا (٤) نفوسَنا عالمةً، كما احتجُّوا على منكري الأخبار المتواترة بأنا نجدُ نفوسَنا عالمةً بذلك وجازمةً به كعلمِنا وجزمِنا بما أحسَسْناه، وجعَل المحقِّقون وجودَ العلم بمُخْبَر الإخبار هو الضابط في حصول التواتر، إذ لم يحدُّوه بعددٍ ولا صفةٍ بل متى حصل العلمُ كان هو المعتبر (٥).

стр. 96

والإنسانُ يجدُ نفسَه عالمةً، وهذا حقٌّ, فإنه لا يجوزُ أن يستدلَّ الإنسانُ على كونه عالمًا بدليل؛ فإن علمَه بمقدمات ذلك الدليل يحتاجُ إلى أن يجد نفسَه عالمةً بها، فلو احتاج علمُه بكونه عالمًا إلى دليلٍ أفضى إلى الدَّور أو التسلسل, ولهذا يحسُّ (١) الإنسانُ بوجود العلم عند وجود سببه إن كان بديهيًّا أو إن كان نظريًّا إذا عَلِمَ المقدمتين. وبهذا استُدِلَّ على منكري إفادة النظرِ العلمَ، وإن كان في هذه المسألة تفصيلٌ ليس هذا موضعه (٢). فالغرض أن من نظر في دليلٍ يفيدُ العلمَ وجد نفسَه عالمةً عند علمه بذلك الدليل، كما يجدُ نفسَه سامعةً رائيةً عند الاستماع للصَّوت والترائي للشمس أو الهلال أو غير ذلك. والعلمُ يحصُل في النفس كما تحصُل سائر الإدراكات والحركات بما يجعله الله من الأسباب، وعامَّةُ ذلك بملائكة الله تعالى؛ فإن الله سبحانه يُنْزِلُ بها على قلوب عباده من العلم والقوَّة وغير ذلك ما يشاء، ولهذا قال النبيُّ ﷺ لحسَّان: «اللهم أيِّده بروح القُدس» (٣). وقال تعالى: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وقال ﷺ : «من طَلَبَ القضاءَ واستعان عليه وُكِلَ إليه, ومن لم يَطْلُب

стр. 97

القضاءَ ولم يستعن عليه أنزل الله عليه ملكًا يسدِّدُه» (١). وقال عبد الله بن مسعود: «كنَّا نتحدَّثُ أن السَّكينة تَنطِقُ على لسان عُمَر» (٢). وقال ابن مسعود: «إن للمَلَكِ لَمَّة (٣)، وللشيطان لَمَّة، فلَمَّةُ المَلَك إيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحق، ولَمَّةُ الشيطان إيعادٌ بالشرِّ وتكذيبٌ بالحق» (٤) , وهذا الكلام الذي قاله ابنُ مسعود هو محفوظٌ عنه، وربما رفعه بعضهم إلى النبي ﷺ ، وهو كلامٌ جامعٌ لأصول ما يكونُ من العبد من علمٍ

стр. 98

وعمل، من شُعورٍ وإرادة. وذلك أن العبد له قوةُ الشعور والإحساس والإدراك, وقوةُ الإرادة والحركة, وإحداهما أصلُ الثانية مستلزمةٌ لها، والثانية مستلزمةٌ للأولى ومكمِّلةٌ لها. فهو بالأولى يصدِّقُ بالحقِّ ويكذِّبُ بالباطل، وبالثانية يحبُّ النافعَ الملائمَ له ويبغض الضارَّ المنافي له. والله سبحانه خلق عبادَه على الفطرة التي فيها معرفةُ الحقِّ والتصديقُ به، ومعرفةُ الباطل والتكذيبُ به، ومعرفةُ النافع الملائم والمحبةُ له، ومعرفةُ الضارِّ المنافي والبُغض له. فما كان حقًّا (١) موجودًا صدَّقَت به الفطرة, وما كان حقًّا نافعًا عَرَفَته (٢) الفطرةُ فأحبَّته واطمأنت إليه وذلك هو «المعروف»، وما كان باطلاً معدومًا كذَّبت به الفطرةُ فأبغضته وأنكرته (٣) , قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. والإنسانُ كما سمَّاه النبي ﷺ حيث قال: «أصدقُ الأسماء الحارثُ وهمَّام» (٤) , فهو دائمًا يَهُمُّ ويعمل، لكنه لا يعمل إلا لما يرجو منفعتَه أو دفعَ

стр. 99

مضرَّته، لكن قد يكونُ ذلك الرجاء مبنيًّا على اعتقادٍ باطل، إما في نفس المقصود فلا يكونُ نافعًا ولا ضارًّا، وإما في الوسيلة فلا تكونُ طريقًا إليه, وهذا جهل. وقد يعلمُ أن هذا الشيء يضرُّه ويفعلُه، ويعلمُ أنه ينفعُه ويتركُه؛ لأن ذلك العلمَ عارَض ما في نفسه من طلب لذةٍ أخرى أو دفع ألمٍ آخر، فيكونُ جاهلًا ظالمًا حيث قدَّم هذا على ذاك. ولهذا قال أبو العالية: «سألتُ أصحابَ محمدٍ ﷺ عن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧] , فقالوا: كلُّ من عصى الله فهو جاهل، وكلُّ من تاب قبل الموت فقد تاب مِن قريبٍ» (١). وإذا كان الإنسانُ لا يتحرَّك إلا لرجاءٍ (٢) , وإن كان راهبًا خائفًا لم يسعَ في النجاة ولم يهرب من الخوف (٣)، فالرجاءُ لا يكونُ إلا بما يُلْقَى في نفسه من الإيعاد بالخير الذي هو طلبُ المحبوب وفواتُ المكروه. فكلُّ بني آدم له اعتقادٌ فيه تصديقٌ بشيءٍ وتكذيبٌ بشيء, وله قصدٌ وإرادةٌ لما يرجوه مما هو عنده محبوبٌ ممكنُ الوصول إليه، أو وجود

стр. 100

المحبوب عنده أو دفع المكروه عنه، والله خلق العبد [ليصدِّق بالحقِّ] (١) ويَقْصِدَ الخيرَ فيرجوه بعمله، فإذا كذَّب بالحقِّ فلم يصدِّق به ولم يَرْجُ الخيرَ فيقصِدُه ويعملُ له كان خاسرًا بترك تصديق الحقِّ وطلب الخير، فكيف إذا كذَّب بالحقِّ وكره إرادةَ الخير؟ فكيف إذا صدَّق بالباطل وأراد الشرَّ؟ ! فذكر عبد الله بن مسعودٍ أن لقلب ابن آدم لَمَّةً من المَلَك ولَمَّةً من الشيطان, فلَمَّةُ المَلَك تصديقٌ بالحق, [ولَمَّةُ الشيطان تكذيبٌ بالحقِّ] (٢) وهو ما كان من جنس الاعتقاد الفاسد، وهو التكذيبُ بالحق, وإيعادٌ بالشرِّ وهو ما كان من جنس إرادة الشرِّ وطلب (٣) وجوده, إما مع رجائه إن كان مع هوى النفس، وإما مع خوفه إن كان غير محبوبٍ لها, وكلٌّ من الرجاء والخوف مستلزمٌ للآخر. فمبدأ العلم الحقِّ والإرادةِ الصالحة مِن لَمَّة المَلَك، ومبدأ الاعتقاد الباطل والإرادة الفاسدة مِن لَمَّة الشيطان. قال الله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ [البقرة: ٢٦٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥] أي: يخوِّفُكم أولياءه، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي

стр. 101

جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]. والشيطانُ وسواسٌ خناسٌ إذا ذكر العبدُ ربَّه خَنَسَ، فإذا غَفَل عن ذكره وَسْوَس، فلهذا كان [تركُ] (١) ذكر الله سببًا ومبدأً لنزول الاعتقاد الباطل والإرادة الفاسدة في القلب. ومِن ذكر الله تعالى تلاوةُ كتابه وفهمُه ومذاكرةُ العلم، كما قال معاذ بن جبل: «ومذاكرته تسبيح» (٢). وقد تنازع أهلُ الكلام في حصول العلم في القلب عقبَ النظر في الدليل (٣) , فقال بعضهم: ذلك على سبيل التولُّد، وقال المنكرون للتولُّد: بل ذلك بفعل الله تعالى, والنظرُ إما متضمِّنٌ للعلم وإما موجبٌ له, وهذا ينصره المنتسبون للسنة من المتكلمين ومن وافقهم من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعيِّ وأحمد وغيرهم، وقالت المتفلسفة: بل ذلك يحصُل بطريق

стр. 102

الفَيض من العقل الفعَّال عند استعداد النفس لقبول الفَيض, وقد يزعمون أن العقل الفعَّال هو جبريل. فأما قول القائلين: «إن ذلك بفعل الله» فهو صحيحٌ بناءً على أن الله هو مُعَلِّمُ كلِّ علمٍ وخالقُ كلِّ شيء، لكن هذا كلامٌ مجملٌ ليس فيه بيانٌ لنفس السبب الخاص. وأما قول القائلين بالتولُّد فبعضه حقٌّ وبعضه باطل, فإن (١) دعواهم أن الفعل (٢) المتولِّد هو حاصلٌ بمجرَّد قدرة العبد باطلٌ قطعًا، ولكن هو حاصلٌ بأمرين: قدرة العبد والسبب الآخر، كالقوَّة التي في السَّهم والقبول الذي في المحلِّ, ولا ريب أن النظر هو سببٌ ولكن الشأن فيما به يتمُّ حصول العلم. وأما زعمُ أولئك أنه بالعقل الفعَّال فمن الخرافات التي لا دليل عليها. وأبطلُ من ذلك زعمُهم أن ذلك هو جبريل، وزعمُهم أن كلَّ ما يحصُل في عالم العناصر من الصُّور الجِسمانية وكمالاتها فهو من فَيْضِه وسببه مِن أبطل الباطل، ولكن إضافتهم ذلك إلى أمورٍ رُوحانيَّةٍ صحيحٌ في الجملة؛ فإن الله يدبِّر أمرَ السموات والأرض بملائكته التي هي السُّفراء في أمره، ولفظ «المَلَك» يدلُّ على ذلك, وبذلك أخبرت الأنبياء, وقد شهد الكتابُ والسُّنة من ذلك بما لا يتسعُ هذا الموضعُ لذكره، كما ذكره

стр. 103

النبيُّ ﷺ في ملائكة الخَلْق (١) وغيره, فأما تخصيصُ روحٍ واحدٍ متصلٍ بفَلَك القمر يكونُ هو ربَّ هذا العالم فهذا باطل، وليس هذا موضعَ استقصاء ذلك (٢). ولكن يُعْلَمُ أن المبدأ في شعور النفس وحركاتها هم الملائكةُ والشياطين، فالمَلَكُ يُلْقِي التصديقَ بالحقِّ والأمرَ بالخير، والشيطانُ يُلْقِي التكذيبَ بالحقِّ والأمرَ بالشر، والتصديقُ والتكذيبُ مقرون (٣) بنظر الإنسان، كما أن الأمرَ والنهيَ مقرون بإرادته. فإذا كان النظرُ في دليلٍ هادٍ ــ كالقرآن ــ وسَلِمَ من معارضات الشيطان تضمَّن ذلك النظرُ العلمَ والهدى, ولهذا أُمِرَ العبد بالاستعاذة من الشيطان الرجيم عند القراءة.

стр. 104

وإذا كان النظرُ في دليلٍ مُضِلٍّ والناظرُ يعتقدُ صحَّتَه، بأن تكون مقدِّمتاه أو إحداهما متضمنةً للباطل، أو تكون المقدِّمتان صحيحة (١) لكن التأليفَ ليس بمستقيم= فإنه يصيرُ في القلب بذلك اعتقادٌ فاسد، وهو غالبُ شبهات أهل الباطل المخالفين للكتاب والسُّنة من المتفلسفة والمتكلمين ونحوهم. وإذا كان الناظرُ لا بدَّ له من منظورٍ فيه، فالنظرُ (٢) في نفس المتصور المطلوب حكمه لا يفيدُ علمًا، بل ربما خَطَر له بسبب ذلك النظر أنواعٌ من الشبهات يحسبُها أدلةً، لفرطِ تعطُّش القلب إلى معرفة حكم تلك المسألة وتصديق ذلك التصوُّر. وأما النظرُ المفيدُ للعلم فهو ما كان في دليل هادٍ, والدليلُ الهادي على العموم والإطلاق هو كتابُ الله وسنةُ نبيه، فإن الذي جاءت به الشريعةُ من نوعَي النظر هو ما يُفِيدُ وينفعُ ويُحَصِّلُ الهدى، وهو بذكر الله وما نَزَل من الحقِّ. فإذا أراد النظرَ والاعتبارَ في الأدلة المطلقة من غير تعيين مطلوبٍ فذلك النظرُ في كتاب الله وتدبُّره، كما قال: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ الآية [المائدة: ١٦]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ﴾ إلى آخر السورة [الشورى: ٥٢، ٥٣].

стр. 105

وأما النظرُ في مسألةٍ معيَّنةٍ وقضيَّةٍ معيَّنةٍ لطلب حُكْمِها والتصديق بالحقِّ فيها، والعبد لا يعرفُ ما يدلُّه على هذا أو هذا= فمجرَّدُ هذا النظر لا يفيد، بل قد يقعُ له تصديقاتٌ يَحْسِبُها حقًّا وهي باطلٌ وذلك من إلقاء الشيطان، وقد يقعُ له تصديقاتٌ تكون حقًّا وذلك من إلقاء المَلَك. وكذلك إذا كان النظرُ في الدليل الهادي ــ وهو القرآن ــ فقد يضعُ الكَلِمَ مواضعَه ويفهمُ مقصودَ الدليل فيهتدي بالقرآن، وقد لا يفهمُه أو يحرِّفُ الكَلِمَ عن مواضعه فيَضِلُّ به، ويكونُ ذلك من الشيطان, كما قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]، وقال: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]، وقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥]، وقال: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤]، وقال: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٣]. فالناظرُ في الدليل بمنزلة المُتَرائي للهلال قد يراه وقد لا يراه لِعَشًى في بصره، وكذلك أعمى القلب. وأما الناظرُ في المسألة, فهذا يحتاجُ إلى شيئين: * إلى أن يظفرَ بالدليل الهادي. * وإلى أن يهتديَ به وينتفع.

стр. 106

فأمَره الشرعُ بما يوجبُ أن يُنْزِل على قلبه الأسبابَ الهادية ويصرفَ عنه الأسبابَ المُعَوِّقة، وهو ذِكرُ الله تعالى، فإن الشيطان وسواسٌ خنَّاس، فإذا ذكر العبد ربَّه خَنَس، وإذا غفل عن ذكر الله وَسْوَس. وذِكرُ الله يُعْطِي الإيمانَ، وهو أصلُ العلم (١) , والله سبحانه ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكُه، وهو معلِّمُ كلِّ علمٍ وواهبُه، فكما أن نفسَه أصلٌ لكلِّ شيءٍ موجودٍ فذكرُه والعلمُ به أصلٌ لكلِّ علمٍ وذكرٍ في القلب. والقرآنُ يُعْطِي العلمَ المفصَّلَ, فيزيدُ الإيمان، كما قال جُنْدُبُ بن عبد الله البَجَليُّ وغيرُه من الصحابة: «تعلَّمنا الإيمانَ، ثم تعلَّمنا القرآنَ، فازددنا إيمانًا» (٢). ولهذا كان أولُ ما أنزلَ الله على نبيِّه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ , فأمرَه أن

стр. 107

يقرأ باسم الله، فتضمَّن هذا الأمرَ بذكر الله وما نَزَلَ من الحق، وقال: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ ــ ٥] , فذكَر سبحانه أنه خلقَ الأعيانَ الموجودة عمومًا وخصوصًا وهو الإنسان، وأنه المعلِّمُ للعلم عمومًا وخصوصًا للإنسان، وذكَر التعليمَ بالقلم الذي هو آخرُ المراتب ليستَلزِمَ تعليمَ القول وتعليمَ العلم الذي في القلب. وحقيقةُ الأمر أن العبد مفتقرٌ إلى ما يسأله من العلم والهدى طالبٌ سائل، فبذكرِ الله والافتقار إليه يهديه الله ويدلُّه، كما قال: «يا عبادي، كلُّكم ضالٌّ إلا من هديتُه، فاستَهْدُوني أَهْدِكم» (١) , وكما كان ﷺ يقول: «اللهم ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السموات والأرض، عالمَ الغيب والشهادة، أنت تحكمُ بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنك، إنك تهدي من تشاءُ إلى صراطٍ مستقيم» (٢). ومما يوضح ذلك أن الطالبَ للعلم بالنظر والاستدلال والتفكُّر والتدبُّر لا يحصُل له ذلك إن لم ينظر في دليلٍ يفيدُه العلمَ بالمدلول عليه، ومتى كان العلمُ مستفادًا بالنظر فلا بدَّ أن يكون عند الناظر من العلم المذكور الثابت في قلبه ما لا يحتاجُ حصولُه إلى نظر، فيكونُ ذلك المعلومُ أصلًا وسببًا للتفكُّر الذي يطلبُ به معلومًا آخر.

стр. 108

ولهذا كان الذكرُ متعلقًا بالله؛ لأنه سبحانه الحقُّ المعلوم، وكان التفكُّر في مخلوقاته, كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، وقد جاء الأثر: «تفكَّروا في المخلوق ولا تفكَّروا في الخالق» (١)؛ لأن التفكيرَ والتقديرَ يكونُ في الأمثال المضروبة والمقاييس، وذلك يكونُ في الأمور المتشابهة وهي المخلوقات، وأما الخالق ــ ﷻ ــ فليس له شبيهٌ ولا نظير، فالتفكُّر الذي مبناه على القياس ممتنعٌ في حقِّه، وإنما هو معلومٌ بالفطرة، فيَذْكُره العبد. وبالذكر وبما أخبر به عن نفسه يَحْصُل للعبد من العلم به أمورٌ عظيمة لا تُنال بمجرَّد التفكير والتقدير، أعني من العلم به نفسِه، فإنه الذي لا تفكير فيه، فأما العلمُ بمعاني ما أخبَر به ونحو ذلك فيدخلُ فيها التفكير والتقدير، كما جاء به الكتاب والسُّنة.

стр. 109

ولهذا كان كثيرٌ من أرباب العبادة والتصوُّف يأمرون بملازمة الذكر، ويجعلون ذلك هو بابَ الوصول إلى الحق. وهذا حسنٌ إذا ضمُّوا إليه تدبُّر القرآن والسُّنة واتِّباع ذلك. وكثيرٌ من أرباب النظر والكلام يأمرون بالتفكُّر والنظر، ويجعلون ذلك هو الطريقَ إلى معرفة الحق. والنظرُ صحيحٌ إذا كان في حقٍّ ودليلٍ, كما تقدَّم. فكلٌّ من الطريقين فيها حقٌّ، لكن تحتاجُ إلى الحقِّ الذي في الأخرى، ويجبُ تنزيهُ كلٍّ منهما عمَّا دخل فيهما من الباطل، وذلك كلُّه باتباع ما جاءت به المرسلون، وقد بسطنا الكلام في هذا في غير هذا الموضع، وبيَّنا طريقَ أهل العبادة والرياضة والذِّكر وطريقَ أهل الكلام والنظر والاستدلال، وما في كلٍّ منهما من مقبولٍ ومردود، وبيَّنا ما جاءت به الرسالةُ من الطريق الكاملة الجامعة لكلِّ حقٍّ, وليس هذا موضعُ بسط ذلك (١). وإنما المقصودُ هنا أن الإنسان يُحِسُّ (٢) بأنه عالِمٌ ويجدُ ذلك ويعرفُه بغير واسطةِ أحدٍ كما يُحِسُّ بغير ذلك، وحصولُ العلم في القلب كحصول الطعام في الجسم، فالجسم يحسُّ بالطعام والشراب وكذلك القلوب تُحِسُّ بما ينزلُ إليها من العلوم التي هي طعامُها وشرابها، كما قال النبيُّ ﷺ : «إن

стр. 110

كلَّ آدِبٍ يحبُّ أن تؤتى مأدبتُه، وإن مأدُبةَ الله هي القرآن» (١)، وكما قال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ [الرعد: ١٧]. وفي «الصحيحين» (٢) عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمَثَل غيثٍ أصابَ أرضًا، وكانت منها طائفةٌ قَبِلَت الماءَ فأنبتَت الكلأَ والعُشْبَ الكثير، وكانت منها طائفةٌ أمسَكَت الماءَ فسقى الناسُ وزَرَعُوا، وكانت منها طائفةٌ إنما هي قِيعَانٌ لا تُمْسِك ماءً ولا تُنْبِت كَلَأً، فذلك مَثَلُ مَن فَقُهَ في دين الله ونفَعه ما بعثني الله به من الهدى والعلم, ومَثَلُ من لم يَرْفَع بذلك رأسًا ولم يَقْبَل هدى الله الذي أُرْسِلْتُ به». فضَرَبَ مَثَلَ الهدى والعلم الذي ينزلُ على القلوب بالماء الذي ينزلُ على الأرض، وكما أن لله ملائكةً موكَّلةً بالسَّحاب والمطر فله ملائكةٌ موكَّلةٌ بالهدى والعلم، هذا رزقُ القلوب وقُوتُها، وهذا رزقُ الأجساد وقُوتُها.
следующие страницы →