← Акыда

Акыда · id 3047

شرح العقيدة الواسطية - الغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (524 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

شرح العقيدة الواسطية [١] استحق ربنا الحمد فحمد نفسه، وأمر عباده أن يحمدوه لذاته ولأوصافه ولأفعاله، فله الحمد كله. ونفى عن نفسه -جل وعلا- اتخاذ الولد والصاحبة، والشريك في الربوبية والألوهية؛ لأن ذلك يعد نقصاً وعيباً في حق الرب المعبود، الذي يسبحه كل من في السماوات ومن في الأرض مقالاً وحالاً، فلا يستنكف مخلوق عن طاعته، ولا يخرج شيء عن إرادته وقدرته.

стр. 2

الآيات الدالة على عظمة الله في إلهيته وتنزهه عن الشبيه والمثيل والند والولد بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين. وبعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [وقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء:١١١] ، وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن:١] ، وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:١-٢] ، وقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٩١-٩٢]] .

стр. 3

شرح آخر سورة الإسراء: (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً) قوله: (وقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء:١١١] ) . قوله تعالى: (قل) هذا أمر من الله جل وعلا لرسوله ﷺ ، ولفظ (قل) دليل على أن الرسول ﷺ بلغ كل ما أوحي إليه، فلما قيل له: (قل) بلغها كما جاءت من عند الله جل وعلا؛ فلم ينقص شيئاً، وهكذا لم يزد شيئاً.

стр. 4

استحقاق الله للحمد وبيان مرادفاته و (الحمد) : (أل) فيه للاستغراق، ومعناه: الإحاطة بكل حمد يستحقه الله جل وعلا. و (الحمد) : هو الثناء على الجميل الاختياري الذي يكون قائماً بالمحمود، سواء كان في مقابل نعمة أو لم يكن، وإنما يكون لما قام به من الأوصاف والأفعال التي يحمد عليها، والحمد لله جل وعلا أولاً وآخراً، فهو يستحق الحمد لذاته ولأوصافه ولأفعاله ولخلقه ولجزائه؛ ولهذا حمد نفسه جل وعلا في مبدأ الخلق ليعلم خلقه فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١] ، وكذلك حمد نفسه في المنتهى، كما قال جل وعلا: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر:٧٥] ، وعبر بهذه الصيغة: (وقيل الحمد لله) ليدل على أن كل مخلوق حمده جل وعلا، وأنه حمد على كل شيء حتى الجزاء، فإنه حتى أهل النار يرون أنها مكانهم الذي يستحقونه، فهو محمود أولاً وآخراً ومبدأ ومنتهى، على ما يفعله وعلى ما يقوم به ويتصف به، وعلى ما يقدره وعلى ما يجزيه عباده، فقال: (الحمد لله) لاستغراق الحمد كله، فإنه مستحقٌ لله جل وعلا في الأولى وفي الآخرة، وقد جاء هذاصريحاً في القرآن في أماكن متعددة. والفرق بين الحمد والمدح: أن الحمد لابد أن يكون له أثر يقوم بقلب الحامد من الحب والثناء على المحمود. أما المدح: فهو إخبار عن الأوصاف الجميلة التي تكون بالممدوح، ولا يلزم أن يكون محبوباً للمادح، فالحمد أخص من المدح. وأما الشكر فلابد أن يكون في مقابل نعمة، ويكون باللسان وبالقلب وبالجوارح، كما قال الشاعر: أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا يعني أن النعمة تقتضي الشكر بالأمور الثلاثة: باليد التي يقدم بها شيئاً مقابل النعمة، وبالثناء الذي يكون باللسان، وبالحب الذي يكون بالقلب وهو الضمير المحجب. أما الرب جل وعلا فهو ينعم على عباده ولا يطلب من ذلك أن يسدوا إليه شيئاً أو يقابلوه بشيء، وإنما أن يعبدوه وحده ولا يعبدوا غيره، ونفع عبادتهم عائد عليهم، فإنه سبحانه لا ينتفع بطاعة الطائعين، كما أنه لا يتضرر بمعصية العاصين. والشاهد من الآية التي ذكرها المصنف: أن تثبت الصفات الكاملة لله تعالى. فقوله: (الحمد لله) ، أي: فله الكمالات في كل شيء: في فعله وفي قوله وفي وصفه الذي يتصف به جل وعلا، فهو يحمد على ذلك.

стр. 5

غنى الله عن الولد والشريك وقوله: ﴿الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الإسراء:١١١] هذا تنزيه له جل وعلا بعد إثبات الكمال، فنزه نفسه سبحانه عما يصفه به بعض الخلق الأنجاس، الذين لم يعرفوا قدر الله ولم يتحلوا بشيء من العبودية، بل ندوا وشردوا عن الطور الذي خلقوا له، فشبهوا الله جل وعلا بالناقصات، فزعموا أن له ولداً تعالى الله عن قولهم! ومن هؤلاء اليهود الذين زعموا أن عزيراً ابن الله، وهو رجل منهم يعرفونه ولكنهم لما أصيبوا بغزو بختنصر الذي قتلهم وسلبهم ملكهم ثم أحرق التوراة وكانوا لا يحفظونها، فجاء هذا الرجل وكتبها، فعند ذلك قالوا: ما كتبها إلا لأنه ابن الله، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. وكذلك إخوانهم النصارى فإنهم قالوا: عيسى ابن الله، وكذلك الجهلة من المشركين الذين قالوا: الملائكة بنات الله، وهؤلاء كلهم جهلة ظلمة، وهم من شرار خلق الله جل وعلا، ولهذا يكون مصيرهم إلى جهنم. ولهذا يقول: (الذي لم يتخذ ولداً) ، أي: لغناه وكماله، فله الحمد المطلق وله الغنى المطلق، وهو الذي لا يشبهه شيء. قوله: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْك) وهذا من تمام ملكه وغناه، فهو غني في ذاته ولذا: (لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا) ، وهو الذي لا مثيل له ولا نظير، فإن الولد يكون مشابهاً لوالده، والوالد لا يطلب الولد إلا لنقصه وحاجته؛ لأنه يموت فيريد من الولد أن يرثه وأن يقوم مقامه، أما رب العالمين جل وتقدس فإنه الغني بذاته عن كل ما سواه، وكل الخلق في السماوات والأرض عبيد له. وأما الملك فهو الذي أوجده وهو الذي يملكه الملك التام، أما ملك العباد فهو عارية مؤقتة، ثم هي هينة مقدرة لا تعدو قدرهم، ثم يسلبون ذلك ويزول من أيديهم، ويخرجون من هذه الدنيا كما دخلوا فيها قد سلبوا كل شيء، فليس ما عندهم من الملك ملكاً في الحقيقة، فالملك الحقيقي يعود إليه، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء:١١١] . وإذا لم يكن له شريك في الملك تعالى وتقدس، فهو الذي لا نظير له في حقه الذي يستحقه، وسواء كان الحق على عباده أو كان حقاً عاماً مطلقاً، فليس له في ذلك مشابه، فهو كامل في كمالاته.

стр. 6

ولاية الله لعباده ولاية إحسان لا تعزز قوله: ((وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ)) هنا قيد نفي اتخاذ الولي حال كونه من الذل، لأن الله جل وعلا له العز المطلق، فليس بحاجة إلى أن يكون له أولياء يتعزز بهم من الذل وينتصر بهم. أما قوله جل وعلا: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] ، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣] ، فهذه ولاية إحسان، وليست ولاية تعزز من الذل، فهذه قد نفاها هنا، وهو إنما تولى أولياءه لما أحبوه وامتثلوا أمره، فتولاهم إكراماً لهم وجزاءً، فالمنة له سبحانه عليهم، وإنما كان المن عليه لو كانت الولاية منه ولاية افتقار وحاجة، فالله لا يحتاج تعالى وتقدس. ولهذا السبب تسمى هذه الآية آية العز، وجاء أن النبي ﷺ (كان يعلمها أهل بيته) ، وجاء في الأثر أنها ما قرئت في بيت فيدخله سارق في تلك الليلة، فهي آية العز الذي يظهر الله جل وعلا فيها عزته لعباده، وإلا فالله جل وعلا لا يتعزز بكون العباد يضيفون ذلك إليه! قوله: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء:١١١] ، معنى التكبير: أن يكبر بلسانه معتقداً بقلبه أنه تعالى أكبر من كل شيء وأعظم، وهو الكبير المتعالي الذي يكون بائناً من خلقه، لا يماثله شيء، وكل شيء تحت قهره وبقبضته، بفعل القلب وفعل الجوارح وبالقول، ليكون القول مطابقاً للفعل.

стр. 7

وجه بيان الصفات في الآية ففي هذه الآية من جهة الصفات أنواع: النوع الأول: إثبات الكمالات لله جل وعلا، حيث إن الحمد يدل على إثبات كل كمال، سواء تعلق بذاته كالسمع والبصر والعلم والقدرة والحياة، أو تعلق بمشيئته كالرزق والفضل والإكرام والنزول والاستواء والمجيء وغير ذلك، فله الكمال المطلق الذي يصدر عنه أو يتصف به، وهو محمود على كل ما يتصف به وعلى كل ما يفعله. النوع الثاني: الغنى، فهو الغني بذاته عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه. النوع الثالث: أنه بائن من خلقه، وأنه أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وأنه يجب على عباده عبادته، والثناء عليه بما علمهم أن يثنوا عليه به.

стр. 8

شرح أول سورة التغابن: (يسبح لله) وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن:١] ، هذه الآية قريبة من التي قبلها. و (يسبح) ، جاء الفعل بصيغة المضارع، ليدل على أن التسبيح مستمر لله جل وعلا، والتسبيح هنا حقيقي على ظاهره بلسان المقال. وقوله: ((مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)) (ما) تشمل العاقل وغير العاقل، أي: فإنه يسبح لله كل من في السماء من عاقل أو غير عاقل. و (السماء) المقصود بها: كل ما فوق الأرض إلى عرش الرحمن؛ لأن السماء مأخوذة من السمو وهو العلو، فما فوق رأسك فهو سماء، وما بين السماوات والأرض داخل في هذا، والسماء المبنية كذلك وما بين السماوات المبنية، وفيها ما لا يعلمه إلا الله جل وعلا مما يسبح له.

стр. 9

حقيقة تسبيح الجمادات لله سبحانه الله جل وعلا يجعل عند غير العاقل إرادة فيسبح حسب ما أراده الله جل وعلا، وليس كما يقول الذين لا يؤمنون إلا بالمشاهدات والمرئيات فيقيسون ما رأوه عليه: إن هذا التسبيح بلسان الحال، بمعنى أن من رآها دلته على وجود الله، فيسبح الله. نعم، هذا موجود في المخلوقات، فإن العاقل إذا نظر إلى الجبال أو إلى الأشجار والنبات والحيوانات دله ذلك على أن لها خالقاً يستحق أن يسبح ويحمد ويعبد، وهو الله وحده، ولكن قوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [التغابن:١] ، ظاهره أنه تسبيح حقيقي بلسان يسمع حسب تسبيحه؛ ولهذا جاء في الآية الأخرى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء:٤٤] ، ومعنى (لاتفقهون) أنكم لا تدركونه وتعلمونه، وهذا يدل على أنه نطق، وكذلك قوله فيما امتن به على عبده داود ﵇: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ:١٠] ، وتسبيح الجبال لا يختص بوقت داود، بل هو مستمر قبل داود وبعده، وكذلك ما جاء من تسبيحها بالعشي والإشراق، فإن تسبيح الله جل وعلا لا يختص بالعشي والإبكار، بل هو دائم في الليل والنهار. ثم الأدلة الخاصة على حقيقة التسبيح كثيرة، منها ما جاء عن النبي ﷺ أنه كان يقول: (إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث) ، أي يقول: السلام عليك يا رسول الله! وقد سمع تسبيح الطعام بين يديه صلوات الله وسلامه عليه، وكذلك الحصى. وحنين الجذع يكاد يكون متواتراً، وهو جذع نخلة كان يخطب عليه في هذا المسجد صلوات الله وسلامه عليه، فإنه أمر أن يصنع له منبر من الخشب، فلما صنع المنبر ونُصِب صعد عليه، فأول ما صعد عليه يخطب، سمع لذلك الجذع وهو بجواره حنيناً، كحنين الناقة التي فقدت ولدها، فنزل صلوات الله وسلامه عليه والتزمه، فجعل يهدأ كهدوء الصبي الذي يبكي إذا التزمته أمه، ثم قال: (لو تركته لبقي يحن) ، وسبب ذلك أنه فقد ذكر آيات الله وصفاته الذي كان يقال عليه، فحنَّ لذلك. وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت:٢٠-٢١] ، يعني أنهم -كما جاء تفصيل ذلك- إذا جاءتهم الشهود تشهد عليهم، فإذا بعض الناس إذا أوقفوا على أعمالهم، وقامت الملائكة تشهد عليهم، وجاءت بالصحف التي سجلتها عليهم، فإنهم يقولون: يا رب! لا نقبل شهادة هؤلاء، ولا نقبل إلا شهادة من أنفسنا! عند ذلك يختم على أفواههم ويقال لجلودهم وأسماعهم وأبصارهم وأيديهم: تكلمي! فتتكلم اليد تقول: تناولت كذا وكذا في وقت كذا في مكان كذا في ساعة كذا، وتقول الرجل: مشيت إلى المكان الفلاني في وقت كذا وكذا وتقول العين: أبصرت كذا وتذكر الوقت والساعة والمكان، وتقول الأذن: استمعت إلى كذا، ويقول الجلد: باشرت كذا وهكذا ثم بعد ذلك يخلى بينهم وبين النطق، فيعودون على جلودهم وأسماعهم وأبصارهم باللوم، ويقولون: كنا ننافح عنكم، فلماذا فضحتمونا؟ عند ذلك تقول الجلود والأسماع والأبصار والأيدي والأرجل: ﴿أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت:٢١] ، أي: ليس هذا بإرادتنا، ولكنه بإنطاق الله إيانا، فحينئذٍ يقول العبد: سحقاً لكنّ وبعداً، فعنكن كنت أجادل! فالمقصود أن هذا نطق يسمعونه ويسمعه الحاضرون عندهم، وبذلك تنقطع حجتهم نهائياً، مع أنهم في فعلهم هذا ازدادوا بعداً من الله جل وعلا، فالتسبيح الذي يذكره الله جل وعلا على ظاهره. وقدم السماوات على الأرض؛ لشرف السماء، ولأن السموات كل من فيها مطيع خاضع، أما الأرض فأكثر من فيها من بني آدم ومن الجِنَّة عصاة. وقوله: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ [التغابن:١] ، فالملك يدل على عزه وقوته، ويدل على كمال قدرته، وأما الحمد فهو يدل على اتصافه بجميع الصفات الكمالية التي يحمد عليها كما سبق.

стр. 10

عموم قدرة الله على كل شيء وقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن:١] ، (كل) : كلمة تدل على العموم، فلا يجوز أن يخرج منها شيء، وهي بحسب ما تضاف إليه، فإذا جاءت في مثل هذه الآية فهي عامة مطلقةً لا يجوز أن يخرج منها شيء، فقدرة الله جل وعلا غير محدودة، ولا يجوز أن نقيدها بما يقوله أهل الشك والريب الذين تأثروا بالمنطق وبالكلام الفاسد الذي أورث الشكوك، حتى صاروا يقيدون قول الله جل وعلا في مثل هذه الآية بالأمور التي تدل على الريب، بل ربما دلت على الكفر بالله جل وعلا، ويتبعون في هذا أهل الزندقة، وأهل محاربة الله جل وعلا ومحاربة دينه، الذين يقصدون تشكيك المسلمين في ديانتهم! فمثلاً يقولون: خرج من ذلك أمور، منها: أنه لا يقدر أن يخلق مثل نفسه، ومنها أنه لا يقدر أن يفني نفسه، وما أشبه ذلك من الخزعبلات، وهذه تقديرات ووساوس شيطانية لا حقيقة لها في الواقع؛ لأن هذا من المستحيل، فالله هو الفرد الصمد الذي لا نظير له ولا مثل له، ومن المستحيل أن يوجد إله آخر كما سيأتي، فالإنسان يعرف من نفسه أنه لا يمكن أن يكون حياً ميتاً في آن واحد، وكذلك يستحيل أن يجتمع العدم والوجود في آن واحد، وكذلك يستحيل أن يكون الإنسان متحركاً ساكناً في آن واحد، وهكذا الأمور المتضادة، يستحيل اجتماعها وهذا منها. فقولهم هذا وساوس، ولكن قد ينطلي على بعض الجهلة؛ فلهذا لا يجوز الالتفات إليه بحال من الأحوال، فضلاً عن أن يؤتى ويقيد به كلام الله، كما ذكر السيوطي عفا الله عنا وعنه في تفسيره في آخر سورة المائدة، عند قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٢٠] ، قال: وخص العقل من ذلك ذاته فليس عليها بقادر! وهذا أخذه عن المتكلمين الذين يوجدون هذه الأمور لتشكيك الذين ليس عندهم المقدرة على المعرفة التي يعرفون بها ربهم. ثم إن (كل) إذا أضيفت إلى مخلوق فإنها تكون بحسب الإضافة، كقوله جل وعلا في الريح التي أرسلها على عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٥] ، أي: كل شيء أمرت بتدميره، وإلا فهي لم تدمر الجبال، ولم تدمر التراب، ولم تدمر أشياء كثيرة، وإنما دمرت ما أمرت بتدميره من الآدميين ومساكنهم وحروثهم وأنعامهم. وكذلك قوله في ملكة اليمن: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٢٣] ، أي: أوتيت من الأشياء التي تصلح للملك وتصلح للملوك في وقتها.

стр. 11

تخصيص المعتزلة لقدرة الله والرد عليهم ومن العجيب فعل أهل البدع المعتزلة أنهم في قوله جل وعلا: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٢٠] ، وما أشبه ذلك، يخرجون من ذلك أفعال العباد الاختيارية التي يفعلونها، فيقولون: إن الله لا يقدر عليها -تعالى الله عن قولهم- وهذا نوع من الكفر، ثم إنهم يدخلون فيها كلام الله فيجعلونه مخلوقاً، وهذا من الأدلة الواضحة على أن أصحاب البدع يتبعون أهواءهم، ولا يتبعون الأدلة، فأخرجوا من العموم بعض المخلوقات التي هي أفعال العباد، وأدخلوا فيه ما هو وصف لله جل وعلا، وهو كلامه تعالى وتقدس؛ لأن الكلام صفة. وسيأتي أن ما يضاف إلى الله لا يخلو إما أن يكون صفة وإما أن يكون مخلوقاً، فهو إما من إضافة مخلوق إلى خالقه أو من إضافة صفة إلى موصوف، فإن كان معنىً لا يقوم بنفسه كالقول والعلم والحياة والقدرة والسمع والبصر والإرادة فهو صفة، وإن كان شيئاً قائماً بنفسه؛ كناقة الله وبيت الله ورسول الله وعبد الله وما أشبه ذلك، فهو من إضافة المخلوق إلى خالقه، وهذه الإضافة تدل على التشريف والإكرام. فقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٢٠] على عمومه، فلا يخرج عن قدرة الله شيء.

стр. 12

شرح أول سورة الفرقان: (تبارك الذي نزل) وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١] تبارك: فعل ماض، لا يأتي منه المضارع، وهو مختص بالله جل وعلا، ولا يجوز أن يقال للمخلوق: تبارك بكذا وبكذا، كما يصدر من بعض العوام: تباركوا بالنواصي والأماكن! فهذا لا يجوز، وهو نوع من الشرك. والتبارك مأخوذ من البركة، والبركة تدل على النماء والزيادة، فمعنى ذلك أن كمالاته جل وعلا بأفعاله ومشيئته تزداد، فيستحق بها حمداً على حمد، وليس معنى ذلك أنه قبل زيادتها ووجودها كان ناقصاً تعالى وتقدس؛ لأن الكمال أن يأتي الشيء الذي فيه الكمال متعلقاً بمشيئته، كقوله جل وعلا: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦] ، ففعله كله كمال، وهو لا يفعل إلا إذا أراد، وهو جل وعلا لم يمتنع من الفعل في وقت من الأوقات، لا في الأزل ولا في المستقبل؛ لأن له الكمال المطلق. وكذلك يدل قوله: (تبارك) على الإحسان والكرم الذي يصدر منه بأفعاله، ويدل على أن أسماءه وصفاته مباركة، وبها تنال البركة لمن ذكرها أو عبد ربه بها. وقوله: ((الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ)) . الذي: نعت لله جل وعلا. ونزَّل: بصيغة المبالغة يدل على أن النزول يكون وقتاً بعد وقت، وليس جملة واحدةً. والفرقان: هو كلامه الذي يفرق بين الحق والباطل، والضلال والهدى، والغي والرشد، والفرقان هو القرآن، فهو الذي به الاهتداء وبه التفرقة بين الحق والباطل. وهذا يدلنا على أن من وصل إليه القرآن فقد قامت عليه الحجة؛ لأنه وصله الفرقان، ولا يجوز للمسلم أن يقرأ القرآن وهو لا يفهم منه شيء، فيجب أن يستشعر أن ربه يخاطبه به، فيتفهمه ويتدبره، وهو بلسان عربي مبين، فمن كان يعرف العربية فلابد أن يعرف المعنى الذي يخاطب به، ولا يلزم أن يعرف المعاني كلها، بل يكفي أن يعرف المدلول العام الذي يظهر من الخطاب، أما المعاني التي يشتمل عليها فذلك بعيد، بل كثير من العلماء لا يدرك كثيراً منه، فمعاني خطاب الله جل وعلا لا تنتهي، والعلم يتفاوت عند الناس بتفاوت فهومهم في كلام الله جل وعلا.

стр. 13

مقام العبودية من أشرف مقامات النبي ﷺ وقوله: ((عَلَى عَبْدِهِ)) ، قد يقال: لماذا لم يقل: (على رسوله) حيث إن كلمة الرسول قد يكون مدلولها عند بعض الناس أبلغ من مدلول العبد؛ لأن كل الخلق عباد له، أما الرسول فهو الذي يصطفيه الله جل وعلا لرسالته، فلماذا عبر بالعبد؟ و الجواب أنه لابد أن يكون التعبير مقصوداً لله جل وعلا؛ لأنه علام الغيوب، فكل حرف من كتاب الله جل وعلا له معان، وله مدلولات يجب أن نتفهمها، ولا يقال إن لفظة (العبد) ولفظة (الرسول) ولفظة (النبي) سواء، ولذلك إذا عبر الله جل وعلا بلفظة، فلابد أن يكون تحتها معنى مناسب للمقام، وهو هنا: أن أشرف المقامات التي يقومها المخلوق لله جل وعلا هي أن يكون عبداً محققاً للعبودية، فإذا تتبعنا القرآن وجدنا ربنا جل وعلا ذكر رسوله بلفظ العبودية في المقامات التي يثنى عليه بها، كمقام الدعوة إلى الله جل وعلا: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩] ، وهو من أشرف مقامات الرسول ﷺ التي بها يحيا الناس، ويخرجون من الظلمات إلى النور، فالحياة الحقيقية ليست بأن يدرك الأكل والشرب والتلذذ، بل بأن يعرف كيف يعبد ربه. وكذلك ذكره بالعبودية في مقام الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] ، فذكره بلفظ العبودية مضافاً إليه (بعبده) ، وكذلك في مقام التحدي: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣] ، وذكره هنا في هذه الآية في مقام الإنزال والوحي: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١] ، وكما قال في آية أخرى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ [الكهف:١] . فهذه المقامات الأربعة هي أشرف مقامات النبي ﷺ ، ذكره جل وعلا فيها بلفظ العبودية مضافاً إليه؛ مما يدل على أن العبودية أشرف ما يتحلى به العارف المتقي القريب من الله، هذا أمر. وهنا أمر آخر: وهو أن يبين الله جل وعلا أن الرسول وإن كان كريماً على الله جل وعلا، فهو لا يخرج عن عبوديته، وليس له شيء من الألوهية ولا من الربوبية، فهذا أيضاً مقصود.

стр. 14

إثبات الحكمة في أفعال الله وقوله: ((ِليَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا)) : المقصود الفرقان، وهذا التعليل لإنزال الفرقان بأنه ليكون للعالمين نذيراً، يدل على أن أفعال الله جل وعلا لها مقاصد وغايات معللة؛ فلا يفعل شيئاً إلا لحكمة، وهذا ظاهر جداً في كثير من النصوص، ومن الصفات التي يجب أن تثبت، أن الله يفعل لغاية محمودة ولحكمة مقصودة يقصدها ربنا جل وعلا.

стр. 15

عدم تكليف الملائكة و (العالمين) : المقصود بهم هنا الجن والإنس فقط، أما قول من قال: إن الملائكة داخلون في ذلك، وكذلك السموات والأرض، فهذا كلام تشم منه رائحة الغلو، ولا دليل عليه؛ لأن الملائكة هم رسل، وهم كما قال الله: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] ، فكيف يكون نذيراً لهم؟! ثم الملائكة في السماء، فكيف ينذرهم؟! فالنذارة إنما تكون لمن قال الله جل وعلا فيهم: ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩] ، ولم يذكر منهم الملائكة، وإنما ذكر الناس والجن فقط، فيدل ذلك على أنهم هم الذين ينذرون. والنذارة: هي الإعلام بالمخوف المتوقع حصوله، وهذا يدل على أن من لم يمتثل ما جاء به الرسول ﷺ ، فإنه وشيك أن ينزل به العذاب وما أقربه منه! فمن العذاب ما هو محسوس مشاهد، ومنه ما هو غير محسوس، ولكنه يشاهده من كان في قلبه حياة، ومن ذلك تمادي الإنسان في المعاصي، وكلما ازداد عمراً زاد كثرة فعل في المعاصي، فهذا عذاب وعقاب؛ لأنه كلما زاد عمره زادت كثرة أفعاله، فكثرت سيئاته، فصار تعذيبه أعظم.

стр. 16

ثبوت تكليف الجن ووجودهم ومجازاتهم وتدل الآية على أن الجن مكلفون، ومقتضى ذلك أنهم يجزون على الإحسان إحساناً، وعلى الإساءة إساءة، وقد كان الرسول ﷺ يجتمع بالجن، فيأتون إليه، أو يذهب إليهم ويجتمع بهم ويقرأ عليهم القرآن، ويأمرهم وينهاهم، ثم يذهبون إلى قومهم منذرين، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف:٢٩-٣٠] إلى آخر الآيات، وكذلك قوله جل وعلا: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن:١] ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن:٢] ، إلى آخر السورة، وكذلك قوله جل وعلا: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الأنعام:١٣٠] ، في عدد من الآيات. ولا ينكر وجود الجن إلا الزنادقة، والذي ينكرهم يكون كافراً بالله جل وعلا، وإنما بعض الناس ينكر أن يلابس الجني الإنسي، وهذا أيضاً لا دليل على إنكاره، ولا يجوز إنكار ذلك؛ لثبوته بالأدلة وبالواقع.

стр. 17

كمال صفات الرب جل وعلا وقوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الفرقان:٢] ، هذا كما سبق أنه من كمال صفاته جل وعلا، فالملك من صفات الأفعال. وقوله: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢] ، يعني: أنه تعالى وتقدس له الصفات الكاملة في كل ما يتصف به، سواء كان مما يفعله ويوجده، فله كماله وتمامه، أو كان مما اتصف به في ذاته تعالى وتقدس. وهذا يدل أيضاً على أن صفات الرب جل وعلا لا يجوز أن تكون مماثلة لصفات الخلق؛ لأن الصفات تبع للذات يحتذى بها حذوها، أي: أن الموصوف تكون صفته تابعة لذاته التي هذه الصفة تكون وصفاً لها، فالمخلوق إذا وصف بأنه عليم فعلمه يليق به، ولابد أن يكون ناقصاً، ولابد أن يكون جاهلاً قبل العلم، ولا بد أن يموت ويذهب علمه، وكذلك إذا وصف المخلوق بأنه كريم أو بأنه رحيم أو بأنه رءوف، فكما يناسبه. ولكن إذا وصف الرب جل وعلا بأنه عليم، وبأنه عالم الغيب، وبأنه رءوف رحيم، وبأنه كريم، فلا يكون وصفه مشابهاً لما اتصف به المخلوق، بل له الكمال المطلق في ذاته وفي أوصافه. وقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الفرقان:٢] ، هذا يدلنا على أن كل الأشياء مخلوقة، ولا يخرج عن خلق الله شيء من المخلوقات، أما صفاته تعالى وتقدس، مثل كلامه، وسمعه، وبصره، وعلمه؛ فهذه لا تكون قائمة بنفسها منفكة عنه، حتى يقال إنها غير الله فتكون داخلة في قوله: ((َخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ)) ، بل هي صفات له لا تنفك عنه ولا تفارقه، فلا تكون غيره، كما أنها لا تكون هي هو، فلا يجوز أن يقال إن أوصافه تعالى وتقدس دخلت في هذا العموم، كما يقوله أهل الباطل. وقوله: ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢] ، يدلنا على الدقة في خلق الله جل وعلا، وفي تقديره، وأنه تعالى وتقدس علم الأشياء قبل وجودها، وقدرها قبل وجودها، وأنها توجد على وفق تقديره بلا زيادة ولا نقصان، ولا تقدم ولا تأخر، وهذا يدل على الإيمان بالقدر، وسيأتي.

стр. 18

تفرد الله بالإلهية وتنزهه عن الولد وقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون:٩١] ، ما: نافية، وفي هذه الآية رد على المشركين والكفرة الذين لم يقدروا الله حق قدره، ولم يعرفوا حقه، فضلاً عن أن يعرفوا قدره في ذاته وفي صفاته. ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنون:٩١] ، لكمال غناه وكمال عزه ولصمديته؛ لأنه صمد، وهو الغني بذاته عن كل ما سواه، وهو الذي تصمد إليه الخلائق كلها، أي: تفتقر إليه، وهو قائم بنفسه. فلذلك قال: ((مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ)) ؛ لأنه إنما يتخذ الولد الفقير الذي يفنى، والذي يحتاج إلى من يساعده، فالولد يعاون والده، ويساعده ويرثه، والله تعالى وتقدس غني كامل الغنى، كامل الملك، صمد لا يحتاج إلى شيء، مستغنٍ بذاته عن كل ما سواه. قوله: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون:٩١] ، يدل على أن جعل آلهة مع الله كذب وزور، ولهذا يقول جل وعلا في آيات عدة: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [النجم:٢٣] ، أي إنما هي مجرد أسماء وضعتموها على مسميات لا حقيقة لها من هذه التسمية. والإله: هو المألوه الذي تألهه القلوب وتحبه، وتنيب إليه خوفاً من عقابه ورجاءً لثوابه، ومن مقتضى كون الإله إلهاً أن يكون مالكاً متصرفاً، يملك نفع من يتألهه ويملك ضره. والله أعلم.

стр. 19

شرح العقيدة الواسطية [٢] إن الله غني عن كل ما سواه، ومن غناه سبحانه أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وغيره مفتقر إليه، وما كان معه سبحانه من إله يشاركه في الملك والتدبير والخلق؛ إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض، وما نرى من سير الكون على نسق ونظام دقيق يمنع أن يكون هناك إلهان اثنان، وقد جاء الوعيد الشديد لمن أشرك بالله ما لم ينزل به سلطاناً، ومن فعل ذلك فقد استحق الخلود في النار وبئس القرار.

стр. 20

نفي الشريك عن الله والولد يقول المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٤] ، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]] . تقدم أن هذه العقيدة كتبها الشيخ ﵀ حينما جاءه رجل من أهل واسط، وطلب منه أن يكتب له عقيدة، فاعتل واعتذر بأن العقائد كثيرة، وقال له: اذهب إلى عقائد الأئمة، خذ أيّ عقيدة اقرأها واتخذها لك طريقاً ومسلكاً، فقال: لا أطمئن إلا بشيء تكتبه لي، فألح عليه، فكتبها وهو يريد أن يذهب إلى المسجد، يعني: بين الظهر والعصر، وكتبها من حفظه، ورتب هذا الترتيب، وذكر هذه النصوص المختصرة من حفظه، ثم بعد ذلك ترتب عليها مناظرات ومناقشات، وعقد له عدة اجتماعات مع كبار العلماء يناقشونه فيها، وفي كل مناظرة ومناقشة ينصره الله جل وعلا؛ لأن الحق معه، وفي النهاية أقروا له بأن هذا اعتقاد سلفي جيد، وإن كان في نفوسهم شيء منه. ثم نسبت الواسطية إلى هذا الرجل؛ لأنه من أهل واسط، وهكذا بقية كتب الشيخ ﵀ كلها أجوبة لأسئلة، ولا يوجد له كتاب واحد كتبه كما يكتبه غيره من الناس، بأن يكتب كتاباً من عند نفسه، وربما يهديه إلى الملك أو الكبير أو ما أشبه ذلك؛ لأن حياة هذا الإمام ﵀ كلها جهاد. وهو يكتب في الشيء الذي يطلب منه، أو يلح الأمر الذي وقع فيه عليه ككتاب الصارم المسلول. فإن سبب كتابته: أن رجلاً من النصارى سب رسول الله ﷺ فأمر بقتله -حاول قتله- ثم بعد ذلك كتب هذا الكتاب، وقال: هذا أقل ما يجب أن يقدم لرسول الله ﷺ ، وحتى كتبه الكبار تكون أجوبة لأسئلة، كمنهاج السنة الذي يقع في أربعة مجلدات، وقد طبع الآن في تسعة مجلدات، وهو جواب لسؤال، وبعدما سئل عن ذلك اعتل واعتذر، وقال: هؤلاء باطلهم ظاهر، وليسوا بحاجة إلى أن يكتب رد عليهم، فألحوا عليه بأننا إذا لم نكتب رداً لهذا الكتاب اعتقدوا أن أهل السنة عاجزون عن الرد عليهم أو الجواب عليهم، عند ذلك كتبها، وفي كتاباته خير كثير ونفع للمسلمين، ورد وقهر للباطل. المقصود: أن كتبه تسمى بأسماء يسميها الناس، وليس هو الذي يسميها، فهو يكتبها ثم يتركها للناس يتداولونها ويسمونها، ولهذا قيل: الواسطية، وقيل: التدمرية؛ لأن هذه المسألة جواب لرجل من أهل تدمر، وقيل: الحموية الكبرى، والحموية الصغرى؛ لأنها جواب لرجل من أهل تلك البلد، وهكذا مثل الصفدية وهي تقع في مجلدين وهي جواب عن سؤال. والمقصود: أن هذه العقيدة كتبها في هذا الوقت القصير، وصارت عمدة فيما بعد؛ لأنه تحرى فيها ألفاظ الكتاب والسنة حتى الأمور التي قد يكون فيها شيء مما يخفى على بعض العلماء تجنبه، مثل كلمة (التشبيه) ؛ فإنه لم يذكر في هذه العقيدة هذه اللفظة؛ لأنها لم تأت في القرآن، وقد يكون في التشبيه إجمال كما سيأتي، وقد يراد به حق ويراد به باطل، فتجنب هذا وعدل عن هذا اللفظ إلى التمثيل والتكييف والتعطيل؛ لأن هذا الأمر متفق عليه.

стр. 21

قوله تعالى: (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله) قوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٩١-٩٢] . سبق الكلام عن هذه الآية، ولكن بقي شيء: وهو أن هذه الآية يقول عنها المتكلمون: إنها دليل التمانع، والتمانع: يكون في الخلق والإيجاد والملك، وقد جعلوه دليلاً على وجود الله جل وعلا، وهو دليل واضح جلي، وإن كان لا يعرفه إلا العقلاء والعلماء، ولكنه قاطع، وقد نوزعوا في هذا؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون:٩١] وهذا من الكمال؛ لأنه جل وعلا غني بذاته عن كل ما سواه، ولأنه جل وعلا لا مثل له، ولا سمي له، والولد يتخذ لحاجة، والله غني لا يحتاج إلى شيء، وهو جل وعلا صمد، والصمد: هو الذي تصمد إليه الخلائق لحوائجها؛ لأنه مستغنٍ بذاته عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، وكذلك يقول السلف: الصمد: الذي لا جوف له، وبعضهم يقول: الصمد: الذي لا يخرج منه شيء ولا يدخل فيه شيء، والله جل وعلا يطعم ولا يطعم كما جاء في قراءة، فهو جل وعلا لا يحتاج إلى شيء، ومنزه عن الحاجات من الأكل والنوم وما أشبه ذلك كالولد. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون:٩١] ، فهذا في الألوهية والعبادة، أما التمانع: فهو في الخلق والإيجاد والملك، ودليل التمانع هو قولهم: إن المشاهد من هذا الكون أنه متسق على نظام واحد، ونسق واحد، لا اختلاف فيه، ومن المعلوم عقلاً: أن هذا الكون لو كان له أكثر من صانع فلا يمكن أن يكون على هذا الاتساق والاتفاق؛ لأن التقديرات العقلية تكون على ثلاثة أمور: التقدير الأول: إذا وجد أكثر من واحد يتصرف ويملك فلا يخلو الأمر من أن يكون أحدهما مسيطراً على الآخر، فيكون المسيطر هو الإله الذي يجب أن يكون هو الخالق والمالك، فإن كان كذلك بطل أن يكون له شريك. التقدير الثاني: أن يعجز كل واحد عن السيطرة على الآخر، فإذا وجد ذلك، فلابد أن ينفرد كل واحد بخلقه وبتصرفه، كما هو المشاهد في ملوك الدنيا، فإن الملك إذا لم يستطع السيطرة على الآخر انفرد بملكه، وصار له مكان محدد؛ لأنه عجز عن السيطرة على الآخر، ولو كان الأمر كذلك لحصل التفاوت بين المخلوقات؛ لأن كل واحد سيتميز عن الآخر بخلقه وإيجاده وملكه وتصرفه، والمشاهد عكس ذلك، فيبطل هذا التقدير كما بطل التقدير الأول؛ لأنه لا يمكن أن يكون هناك إلهان اثنان يتفقان، فدل هذا على أن الخالق واحد وهو الله جل وعلا، وهذا هو التقدير الثالث. ومثاله: مثل الشمس نراها تخرج من جهة الشرق بنظام متسق، وتذهب إلى جهة الغرب دائماً، ولا تتجاوز مسيرها، كل يوم لها مسير محدد معين، وهكذا طوال ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً، كل يوم لها مطلع ومغرب، ولها مسير، ولا تتغير عن ذلك، فهذا تقدير ملك صابر قاهر ليس معه معاون ولا مناوئ، وهكذا في غير ذلك من الأمور. فالتمانع معناه: أن هذا الاتساق والنظام يمنع أن يكون له مشارك، فسمي التمانع، ولكن الآية في الواقع تمانع في الإلوهية، وهذا الذي ذكروه تمانع في الخلق والإيجاد والملك والتصرف، والآية المقصود بها: التمانع في الحق والتأله والتعلق، فهو جل وعلا يخبر عباده أنه لو كان معه في السموات أو في الأرض إله يعبد ما استقامت السماوات والأرض ولفسدت؛ لأنه يستحيل أن يعطى العبد المملوك المقهور حق الرب القاهر المتصرف، وقد يأنف الإنسان من أن يشاركه عبده المملوك في ماله، وفيما يتصرف به وهو مثله، فكيف يكون مشاركاً لله جل وعلا عبيد مقهورون ناقصون لا يملكون شيئاً؟! لا تستقيم الأحوال على هذا، فلهذا كرر ذلك في آيات متعددة، فيمتنع أن يكون مع الله جل وعلا معبود آخر. وفي قوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام:٧٣] ، سبق أن الغيب ينقسم إلى قسمين: غيب مطلق وغيب مقيد. أما المطلق: فهو الذي لا يطلع عليه إلا الله جل وعلا، كعلم الساعة مثلاً، وكون الإنسان لا يدري في أيِّ وقت يموت؟ وفي أيِّ ساعة يموت؟ وفي أيِّ أرض يموت؟ ومتى ينزل الغيث؟ وما في الأرحام هل هو مؤمن أو كافر؟ أو كامل الخلقة أو ناقصها؟ أو عمره مستكمل أو ناقص؟ أو غير ذلك مما تفرد الله جل وعلا بعلمه. وأما الغيب المقيد: فهو ما أطلع الله جل وعلا عليه بعض خلقه دون بعض، فالذي أطلع عليه يكون بالنسبة إليه شهادة، والذي غاب عنه يكون غيباً، والغيب لا يخرج عن هذين القسمين، وأكثره ما اختص الله جل وعلا به. أما ما يطلع الله جل وعلا به بعض عباده؛ فهذا ليكون آية على صدقهم، وعلى أن الله أرسلهم، كما قال جل وعلا في حق النبي: ﴿إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ [الجن:٢٧] ، يعني: أنه يوجد أمور يخبر بها تدل على صدقه، وأنها من عند الله جل وعلا، ولا دخل للمخلوق فيها؛ تكون آية للنبي، كما كان عيسى ﵇ يخبر الناس بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، يخبرهم بالشيء الذي في بيوتهم، والشيء الذي أكلوه، وهذا من تعليم الله جل وعلا له ليكون آية على صدقه.

стр. 22

قوله تعالى: (فلا تضربوا لله الأمثال) وقوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٤] . الأمثال: هي الأقيسة العقلية، والأقيسة لا تصح إلا بين المتماثلين أو المتقاربين على أقل تقدير، أما بين المخلوق والخالق فلا يصح ذلك؛ لأن الله جل وعلا ليس كمثله شيء، ولأنه لا سمي له ولا ند له ولا مثيل له، ولهذا قال: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٤] ، فالأمثال: هي القياس، ولا يجوز أن تضرب لله جل وعلا الأقيسة لا قياس الشمول ولا قياس التمثيل. فقياس الشمول: هو الذي يتكلم به المتكلمون، ويكثر في كلام المناطقة وأهل الكلام. أما التمثيل: فهو قياس معروف في أصول الفقه: إلحاق فرع بأصل في الحكم، لعلة تجمع بينهما، وهذا لا يجوز أن يستعمل في حق الله جل وعلا، وكذا قياس الشمول الذي تستعمل فيه أداة الشمول والعموم كما يستعمله المتكلمون، فهذا باطل بنص قول الله جل وعلا: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤] ، وضرب الأمثال يكون للجاهل الذي لا يعرف ربه جل وعلا، فيضرب له المثل تعالى الله وتقدس؛ لأن المثل يجعله متعارفاً عليه بين المخلوقين، وهذا لا يجوز بحال، والسبب في هذا: أن الله جل وعلا لا مثل له في ذاته، فذاته جل وتقدس لا تشبه شيئاً من ذوات الخلق، وهذا أمر متفق عليه بين جميع الفرق من أهل الإسلام، لا يخالفون في هذا حتى الجهمية يقرون بهذا ويؤمنون به، وهذا أمر متفق عليه، فمن المعلوم أن الصفات تبع للذات، يحتذى فيها حذوها، فمن كان في ذاته لا مثل له يجب أن يكون في صفاته لا مثل له، فكما أنه في ذاته لا مثيل له فهو كذلك في صفاته لا مثيل له. ومن هنا نهي عن ضرب الأمثال، ولكن استثني في مثل قياس الأولى: وقد اختلف في المراد به، ما المراد بمثل قياس الأولى؟ فمثل الأولى -الذي اشتهر عن السلف- أن الكمال الذي يتصف به المخلوق، ولا يكون فيه نقص بوجه من الوجوه، وأمكن أن يتصف به الخالق فاتصاف الخالق جل وعلا به أولى؛ لأنه تعالى هو الواهب للكمال، ولا يمكن أن يكون واهب الكمال معدوماً. ومن الأمثلة على هذا: أن الله جل وعلا قد عاب على المشركين كونهم يعبدون من لا ينطق ولا يسمع، يعني: لا يرد الجواب، ولا يسمع الخطاب، ولا ينفع ولا يضر، فدل هذا على أن الكلام كمال، والسمع كمال، والنفع كمال، والضر بمن يستحقه كمال، فيكون الرب جل وعلا موصوفاً بذلك، فهذا يدلنا على أن مثل الأولى لا يثبت به الشيء لاستقلاله، وإنما يقال عند المجادلة وعند إقرار الحق لمن ينكره ويخاصم به، فإن هذا يلزمه، فالكلام -مثلاً- الذي ينفيه عن الرب جل وعلا ويزعم -كما سيأتي- أنه نقص أو أن فيه تشبيه، يقال -باتفاق العقلاء: إن المتكلم أكمل ممن لا يستطيع الكلام، والكمال في المخلوق ليس الكمال الذي يكسبه المخلوق بنفسه، وليس الذي يكسبه إياه مخلوق آخر مثله، فلابد أن يكون الذي أكسبه هذا الكمال هو الخالق جل وعلا، فكيف يعطي الخالق العبد هذا الكمال وهو عار منه؟! هذا لا يجوز أن يكون ولا يصح حتى في العاقل فكيف بالخالق؟! ثم هذا في الأصل، ولا يلزم المماثلة في أن كلام الرب جل وعلا ككلام المخلوق، ولكنه يماثله في الأصل الذي هو أصل الكلام، وكونه يتكلم كلاماً يصدر منه ويسمع، وإلا فكلام الله لا يشبه كلام المخلوقين، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه البخاري في الصحيح معلقاً، ورواه في خلق أفعال العباد مسنداً من حديث أنيس عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله ينادي يوم القيامة بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب) ، وصوت المخلوق لا يكون كذلك، وإنما يسمع من البعد بواسطة المكبرات والآلات، أما الرب جل وعلا فهو بخلاف ذلك، ولهذا ترجم البخاري على هذا وقال: باب: أن الله يتكلم وأن كلامه لا يشبه كلام المخلوق. فدل بهذه الترجمة على أنه غير مشبه له، وهذا هو قول الأئمة وهو الحق.

стр. 23

قوله تعالى: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن) وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣] . أولاً: مقصود المؤلف بهذا الآية: أن القول في الصفات بلا علم من أعظم المحرمات، وأن الله حرم هذا، فلا يجوز للإنسان أن يتكلم في صفة من صفات الله أو في اسم من أسمائه وليس عنده في ذلك برهان، فإن ارتكب ذلك فقد وقع فيما هو أعظم من الشرك، هذا مراده من إيراد الآية. والآية فيها أمور كثيرة: فقوله: ((قُلْ)) هذا أمر للرسول ﷺ أن يقول، وقد استدل العلماء بهذا على أن القرآن كلام الله، ووجه ذلك: أن الرسول ﷺ ليس له في هذا دخل إلا البلاغ، فقيل له: ((قُلْ)) فقال كما قيل له، فأدى الذي جاءه به جبريل، لم ينقص منه حرفاً واحداً؛ لأن هذا أمر موجه إليه، قال الله جل وعلا له: ((قُلْ)) فقال كما قال الله له، لم ينقص حرفاً واحداً، مع أن هذا في الظاهر خاص به، ولو قال مثلاً: (إنما حرم ربي الفواحش) وترك كلمة ((قُلْ)) يكون قد أدى ما أمر به، ولكنه لم يترك حرفاً من قول الله جل وعلا، فقال كما قيل له، ولهذا لما سئل عن ذلك، قال: (قيل لي: ((قُلْ)) فقلت كما قيل لي) ، وهذا دليل واضح على أن الرسول ﷺ أدى كل ما سمعه من جبريل تاماً بلا نقص، ولهذا اتفق العلماء على أن ما بين دفتي المصحف كله كلام الله، لا يجوز أن ينقص منه حرف ولا يزاد عليه حرف، فمن فعل ذلك لا يكون مسلماً. وقوله: ((إِنَّمَا)) : هذه أداة حصر كما هو معروف، يعني أنها تحصر المحرمات فيما ذكر، وتخرج التحريم عما عدى ذلك، ولا يكون هذا دليلاً على أن المحرمات محصورة فيما ذكر؛ لأنه إذا جاء دليل آخر فيه زيادة على ذلك فلا يكون ذلك نص على القول الصحيح، بل يكون زيادة أمر وتشريع آخر، كما هو معروف. ((قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي)) : والتحريم في اللغة: هو المنع والحظر ويكون من الله جل وعلا على نوعين: الأول: تحريم قدري كقوله جل وعلا: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٥] ، حرام أي: قدراً وكوناً. الثاني: تحريم شرعي، كما في هذه الآية، فالتحريم الشرعي هو الذي حرمه على عباده، يعني: هو الأمر الذي يأمر به، فما أمر الله جل وعلا به ونهى عنه عباده فهو محرم. أما في الاصطلاح فالمحرم: هو ما أثيب تاركه وعوقب فاعله، وهذا في اصطلاح الفقهاء، أما مجرد الترك بدون أن يكون تركه لله فلا يثاب عليه؛ لأنه قد يكون عاجزاً عن فعله، وقد يكون غير متمكن، وقد يكون لا يريده، فلا يكون بذلك مثاباً على الترك حتى يتركه لله جل وعلا، امتثالاً لنهي الله جل وعلا. ((قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ)) الفواحش: هو كل ذنب كبر في نفسه، وفحش في نظر وفطر الناس الذين لم تتغير فطرهم، وإلا فالإنسان قد يكون أسوأ من البهيمة وأخبث منها، فتصبح الفاحشة عنده ليست فاحشة، بل هي مستساغة، وكما يقع لأهل الانحلال من الأمور القبيحة حتى الانحلال من الأخلاق، فيصبح الإنسان بهيمة، كما قال الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين:٤-٥] ، فرده أسفل سافلين نهايته جهنم، ولكنه في الدنيا يكون أسفل من الحيوان وأحط منه، ويكون الحيوان أرفع منه وأحسن، وهذا من الرد إلى الأسفل، فالفواحش: هي ما فحش في نفسه بأن كبر وعظم، وكذلك فحش في فطر ذوي الفطر السليمة وأذواقهم، وكذلك في شرع الله جل وعلا وأمره، فعلى هذا يشمل جميع المحرمات المعظمة، وبعضهم يطلقه على ما فيه شهوة وليس لازماً. وقوله: ((مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ)) ، فسر أن ما ظهر: ما أعلن ورئي وصار مكشوفاً يراه الناس، وما بطن: ما أسره الإنسان وفعله في الخفية فكله محرم، ويقول المفسرون: السبب في هذا أن المشركين كان عندهم في فطرهم وأذواقهم أن الزنا يكون فاحشة إذا كان ظاهراً، أما إذا كان في السر فليس فاحشة، ولا يلام الإنسان عندهم عليه! فلهذا قال: ((مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ)) ، هذا على قول. وقيل: ((مَا ظَهَرَ مِنْهَا)) : ما فعل بالجوارح بالأيدي والأبصار والأسماع، يعني: نظر إليه بالبصر أو استمع إليه بالأذن كالغناء والمزامير وما أشبه ذلك، وكذلك ما يتناول باليد أو مشي إليه بالرجل، يعني: ما فعل بالجوارح، هذا في قوله ما ظهر، وقوله: ((وَمَا بَطَنَ)) أي: ما انطوى عليه القلب من النيات والمقاصد، فإن النيات قد تكون الذنوب فيها أعظم من الذنوب في الجوارح. والصواب: أنه يشمل هذا وهذا، وكله داخل في معنى الآية، ما ظهر وما بطن: يشمل السر والعلن، ويشمل ما فعل بالجوارح والنيات والمقاصد، وانطوت عليه القلوب. قوله: ((وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ)) : الإثم والبغي: مقترنات وأحدهما يدخل فيه الآخر، فإذا جاءا مقترنين تداخل المعنى وصار قريباً بعضه من بعض، ولهذا قال جل وعلا في الآية الأخرى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] . أما من ناحية المعنى كإفراده فالإثم: كل ما يحصل به ذنب يترتب عليه عقاب، فكل ما حصل عليه عقاب فهو الإثم، أما البغي: فهو ما حصل فيه تجاوز وتعدي، فيكون أخص من الإثم، ولهذا لما ذكر جل وعلا حل الميتة للمضطر قيده بذلك؛ لأنه غير متعدٍ أي: لا يتعدى الشيء الذي يسد رمقه ويقوم بحياته، فإن تعدى ذلك فقد ارتكب المحرم. وكذلك البغي يكون في حق الله، ويكون في حق الإنسان، ففي حق الإنسان يلزم منه الظلم؛ لأنه قد يكون باليد، وقد يكون باللسان، وقد يكون أيضاً بالفعل الذي لا يكون لا باليد ولا باللسان، وكله ظلم وتعدٍ؛ لأنه تعدى الشرع، فكل ما كان فعلاً وتعدي به المشروع فهو من التعدي ومن البغي، وقد فسر بعض العلماء الإثم بذنب خاص وهو شرب الخمر، فهي تسمى إثماً، كما جاء في بيت الشعر: شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم تضل به بالعقول الإثم: يعني: الخمر، والصواب أنها ليست هي المقصورة بالإثم، ولكنها داخلة فيه، فهي أم الخبائث، وهي داخلة في الإثم؛ لأنها تدعو إلى الإثم وتجر إليه كما هو واضح. وقوله: ((بِغَيْرِ الْحَقِّ)) : قيد للتعدي، أما إذا حصل التعدي الذي فيه تجاوز الحق الذي يكون للمخلوق على الآخر، فإن هذا قد يكون بحق؛ لأنه ظلم، واستحق أن يتجاوز، وهذا من باب المقابلة فقط، وفي الشرع لا يعد بغياً، لهذا قيده بقوله: ((بِغَيْرِ الْحَقِّ)) . السلطان: المقصود به: الحجة والبرهان والدليل، والحجة والبرهان والدليل ألفاظ مترادفة، بعضها يقوم مقام الآخر. والسلطان يستعمل في استعمالات ثلاثة: الأول: أنه يأتي بمعنى الحجة كما في هذه الآية. الثاني: أنه يأتي بمعنى السيطرة، كقوله جل وعلا في إبليس أنه ما كان له على المؤمنين من سلطان: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل:١٠٠] ، فليس له على المؤمنين سلطان، يعني: ليس له سيطرة عليهم، وليس له قوة ولا قهر، وإنما سلطانه وقهره على الذين يتولونه بأن يطيعوه ويتركوا أمر الله جل وعلا. الاستعمال الثالث: بمعنى: الملك، لهذا خص الله جل وعلا نفسه بذلك، فهو ذو السلطان القديم جل وعلا، فله الملك التام والسلطان الكامل. وقوله: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾ [الأعراف:٣٣] : يقول العلماء في هذه الآية: إنها تخرج مخرج الغالب، وإلا لا يوجد شرك أنزل الله جل وعلا به سلطاناً أصلاً، فكل الشرك لم ينزل الله جل وعلا به سلطاناً، فهذا القيد غير مراد، فكل شرك محرم، ولم ينزل به الله جل وعلا سلطاناً. والشرك أنواع، وقد علم أنه قسمان: أكبر وأصغر، أما تقسيمه إلى ثلاثة أقسام، فالثالث لا يخلو أن يكون داخلاً في الأكبر أو الأصغر الذي هو الخفي. والخفي: إما أن يكون أصغر، وإما أن يكون أكبر، فلا يكون التقسيم خارجاً عن القسمين. والأكبر: هو أن يجعل شيئاً مما هو من خصائص الله ومن حقه للمخلوق، فكل حق أوجبه الله جل وعلا على عباده إذا صرف منه شيء للمخلوق فقد وقع ذلك الصارف في الشرك الأكبر. أما الأصغر فحده بالنصوص، فما جاء في النص: أنه سمي شركاً أصغر فهو الشرك الأصغر، وإلا لا ضابط له، أما كونه يضبط: بأنه كل وسيلة توصل إلى الشرك الأكبر فليس بصحيح، ولهذا يحده كثير من العلماء بالأمثلة، فيقولون: كيسير الرياء، وكقول الرجل: ما شاء الله وشئت، ولولا الله وأنت، ولولا الله وفلان، والحلف بغير الله، وهذا ليس مطلقاً؛ لأن هذه الأشياء قد تكون شركاً أكبر حسب ما يقوم في نفس الإنسان. ويفارق الشرك الأصغر الشرك الأكبر بأمور: الأول: أنه لا يخرج من الدين الإسلامي بالاتفاق. الثاني: أن الشرك الأصغر على القول الصحيح داخل تحت المشيئة، يعني: كسائر الذنوب يغفره إذا شاء، هذا على القول الصحيح. الثالث: أن المشرك شركاً أصغر إذا مات لا يكون حكمه حكم المشرك شركاً أكبر بأن يكون خالداً في النار، بل قد يعذب وقد لا يعذب، ثم يكون مآله الجنة، وهناك فروق أخرى معروفة ظاهرة. والشرك الأكبر أقسام كما هو معلوم؛ لأنه قد يتعلق بذات الله، وقد يتعلق بصفات الله، وقد يتعلق بحقوقه، ولكن المشهور المعروف ما يتعلق بحقوقه، وقد جاء في القرآن تقسيمه إلى أربعة أقسام: الأول: شرك الدعوة، الثاني: شرك الطاعة، الثالث: شرك الدعاء، الرابع: شرك المحبة، وكلها مذكورة في آيات معروفة مشهورة، في كتاب الله جل وعلا والتفصيل ليس هذا محله. وقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣] ، يعني: وحرم عليكم أن تقولوا عليه ما لا تعلمون، وهذا هو الشاهد من الآية وهو المراد من إيرادها. فالكلام في صفات الله أو في أسمائه بلا دليل شرعي ج

стр. 24

شرح العقيدة الواسطية [٣] دلت الآيات الكثيرة والأحاديث الصحيحة على إثبات علو الله على خلقه، واستوائه على عرشه، وهاتان صفتان لله تعالى ثابتتان تليقان به سبحانه. والعرش والكرسي مخلوقان عظيمان خلقهما الله بقدرته، لا يحملانه ولا يقلانه، بل هما وما خلق الله محمولون بقدرته، وخاضعون لجبروته.

стр. 25

الآيات الدالة على استواء الله على عرشه يقول المصنف ﵀: [وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] في سبعة مواضع: في سورة الأعراف قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] . وقال في سورة يونس ﵇: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس:٣] . وفي سورة الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد:٢] . وفي سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] . وقال في سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان:٥٩] . وفي سورة الم السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة:٤]] . وقال في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤]] . قوله ﵀: (وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، في سبعة مواضع) لم يأت هكذا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ، ولكن الاستواء جاء في سبعة مواضع مرتباً على خلق السماوات والأرض، الأول: ما في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤] .

стр. 26

قوله تعالى: (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام) فقوله: ((إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ)) : الخلق: هو الإيجاد والإظهار والإبراز على أمر لم يسبق له مثيل، وهذا هو الخلق الحقيقي: وهو إيجاد الشيء من العدم، والله جل وعلا أخبرنا أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، والظاهر أنها أيام كأيامنا هذه، هذا هو الظاهر، أما الأقوال التي تروى عن بعض المفسرين: أن كل يوم كألف سنة ونحو ذلك فليس لهم فيه دليل، ولكن قد يرد سؤال وهو: إذا كان الله خلق السماوات والأرض قبل وجود الشمس ودورانها، فكيف عرفت هذه الأيام؟ لأن الأيام ما عرفت حتى وجدت الشمس، فصارت تسير مع الأرض في فلكها، وهو شيء مقدر لا يختلف، بل محدد تحديداً دقيقاً في جميع السنة، فكل يوم وليلة أربع وعشرون ساعة لا يزيد ولا ينقص. وإن كان كما قال الله جل وعلا: ((يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ)) ، أي: يزيد أحدهما على الآخر فينقص الآخر، ولكن لا يعدو الليل والنهار أربعاً وعشرين ساعة، هذا في وسط الأرض. أما في أطراف الأرض، فهذا لا عبرة فيه؛ لأن أطراف الأرض قد تطلع الشمس عليها وقتاً طويلاً، وقد لا يكون عندهم ليل في القطب؛ لأن الشمس لا تغيب عن الأرض إذ أن الأرض، لا أثر لها في ذلك، فلا يعتبر بمثل هذا، وإنما يعتبر الوسط الذي نحن فيه، وهو الذي خاطبنا الله جل وعلا به. فالظاهر: أنها أيام كأيامنا هذه؛ لأن هذا هو الظاهر من قوله (في ستة أيام) ، وقد علم أن أول هذه الأيام الأحد، وآخرها يوم الجمعة، وهو الذي اجتمع فيه الخلق، وفي آخر ساعة منه خلق آدم، وفيه أيضاً تقوم الساعة كما صحت الأحاديث في ذلك. أما ما جاء في صحيح مسلم: (أن الله جل وعلا خلق يوم الأحد كذا وخلق يوم الإثنين كذا ويوم الثلاثاء كذا إلى أن قال: وخلق التربة يوم السبت) ، فهذا غير صحيح، وهو من الأحاديث التي يعلم أنها غير صحيحة، ولم ترد عن الرسول ﷺ ، فهي خطأ من بعض الرواة، والخطأ في صحيح مسلم وصحيح البخاري هو في كلمات يسيرة فقط، مثل هذا الحديث، وكل كتاب غير كتاب الله ما يخلو من الخطأ، ولكن إذا كان الخطأ معدودا ًومعروفاً فيكفي ذلك في صحته، ونبل صاحبه كما هو معلوم. وقوله: ((إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ)) : الرب: هو المالك المتصرف، ولا يجوز إطلاق الرب -بالألف واللام- إلا على الله. أما لفظ (رب) غير مضاف فلا يجوز إطلاقه أيضاً إلا على الله، أما إذا أضيف فيجوز أن يطلق على المخلوق، تقول: رب الكتاب، رب الدار، رب الدابة، يعني: صاحبها، والرب هنا بمعنى: المالك المتصرف، فهو الذي يملك هذا الكتاب ويتصرف فيه، وهو الذي يملك هذه الدار ويتصرف فيها بالبيع والشراء والسكنى والإيجار وغير ذلك، ولكن لا يجوز إضافة الرب للعاقل ويقصد به المخلوق، تقول: رب الغلام، رب الجارية، رب المرأة، رب الرجل وما أشبه ذلك، هذا لا يجوز أن يقصد به مخلوق؛ لأن الرب قد يطلق لمعنى المعبود وهو دليل على العبادة، بل تلزم منه، فالعبادة والربوبية متلازمتان، ولهذا منع ذلك، فلا يجوز في هذا الأمر. فإذاً: يكون إطلاقه على غير الله جل وعلا فيما إذا أضيف إلى غير العاقل، أما إذا أضيف للعاقل فلا يجوز إطلاقه إلا على الله، وإذا اقترنت به (أل) لا يجوز إطلاقه إلا على الله تعالى الله وتقدس، وهذا كله صيانة وحماية للتوحيد، ولأسماء الله جل وعلا وصفاته أن يشترك في معانيها وحقوق الله مخلوق. ((إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ)) ، ومن المعلوم في اللغة: الفرق بين الرب وبين الله، كما في مثل هذه الآية، فإنه قال: ((إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ)) ، فدل على الفرق، ولهذا جاء عن ابن عباس أنه قال: الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، ذو الألوهية: يعني: صاحب الألوهية الذي يتأله ويعبد، وأما الرب: فهو المالك المتصرف الخالق الرازق المدبر، وبهذا يستدل على الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد العبادة، وهذا فرق واضح. ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] ، (ثم) : هذه للترتيب مع التراخي، ولا تحتمل إلا هذا، ولهذا جاءت مطردة في جميع مواردها التي ذكرها في السبعة مواضع، بلفظ: (ثم) المرتب على الخلق.

стр. 27

العرش أول المخلوقات فمعنى ذلك: أن هذا استواء خاص فعله الله جل وعلا بعد الخلق، ولا يلزم من ذلك: أنه لم يكن مستوياً على عرشه جل وعلا قبل خلق السماوات والأرض. ومن المعلوم: أن العرش هو أول المخلوقات، وهذا هو الصواب، بل هذا هو الذي دلت عليه النصوص. وأما القلم الذي ورد في حديث عبادة وغيره: (أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة) ، فالمقصود بهذا: الإخبار بالكتابة أنها وقعت بعد الخلق مباشرة بدون فاصل، يعني: أن الله جل وعلا لما خلق القلم قال: له اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن، ولهذا جاء في القرآن: أنه جل وعلا ذكر أن عرشه كان على الماء قبل خلق السماوات والأرض، فعلى هذا يكون العرش أول المخلوقات المعلومة لنا، والعرش معه الماء؛ لأنه على الماء، أما أن نقول: إن الله مستوٍ على عرشه، قبل خلق السماوات والأرض فهذا لم يأت فيه نص، ولكن هذا هو الظاهر. فيكون استواؤه -الذي ذكر لنا لنعتقده ونؤمن به- بعد خلق السماوات والأرض، ولهذا رتبه عليه بلفظ: (ثم) التي تقتضي الترتيب مع التراخي، والملك والأمر لله جل وعلا. وهذه المخلوقات التي ذكرها الله جل وعلا من السماوات والأرض والعرش والماء هي التي نعلمها من المخلوقات، أما ما قبلها فشيء لا علم لنا به ولا يعلمه إلا الله؛ لأنه معلوم قطعاً أن العرش وجد بعد أن لم يكن موجوداً والماء كذلك وجد بعد أن لم يكن موجوداً؛ لأنه مخلوق، وكل مخلوق معين سبق بالعدم ولابد. أما الأولية التي لا نهاية لها ولا مبدأ لها فهي لله وحده جل وعلا، ولكن لا يجوز أن يعتقد أن الله كان ولا فعل له ولا صفة له، ثم بعد ذلك صار متصفاً بالصفات؛ لأن هذا نقص، والله يتعالى عن ذلك، وقد قال جل وعلا: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦] ، ولا يجوز أن يكون هذا في وقت دون وقت، بل هو يفعل ما يريد، وهذا هو المعنى الذي ذكره العلماء في مسألة التسلسل. وقد اختلف العلماء في مسألة التسلسل، وخلاصتها: أن التسلسل في الحوادث في الماضي والمستقبل في أفعال الله التي تتعلق بمشيئته وصفاته واقع فضلاً عن أن يقال: إنه جائز، بل واجب. أما التسلسل في الفاعلين فهذا مستحيل وممتنع كما هو معلوم، وأما الحديث الذي في صحيح البخاري حديث عمران بن حصين وفي أول الحديث يقول عمران: (أتيت على راحلتي فعقلتها عند باب المسجد، فدخلت فإذا رسول الله ﷺ ، فجاء بنو تميم فقال: أبشروا، فقالوا: بشرتنا فأعطنا، فتغير وجه رسول الله ﷺ ، ثم دخل أهل اليمن، فقال: يا أهل اليمن! اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم، فقالوا: قبلنا، جئناك نتفقه في هذا الدين، ونسألك عن مبدأ هذا الأمر، فقال: كان الله ولم يكن شيء قبله) ، وفي رواية: (ولم يكن شيء غيره) ، وفي رواية: (معه) . هذه الروايات الثلاث ثابتة ثبتت: (قبله) و (غيره) و (معه) ، ولكن المقام واحد، يقول ﵊: (كان الله ولم يكن شيء قبله، ثم خلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء، يقول عمران: فجاءني آتٍ فقال: أدرك ناقتك فقد ذهبت، فخرجت فإذا السراب يتقطع دونها، وأيم الله! لوددت إني تركتها ولم أقم) ، هذا الحديث لم يروه عن رسول الله ﷺ إلا عمران بن الحصين فقط، ولم يأت في رواية أخرى عنه الاستواء: صفة فعل تتعلق بمشيئة الله جل وعلا، فصفات الأفعال هي صفات كمال، فالصفات تنقسم إلى قسمين: صفة ذات وصفة فعل، وهذا التقسيم دل عليه كتاب الله جل وعلا، وهو أمر قطعي. والفرق بين صفة الذات وصفة الفعل: أن الصفات التي لا تفارق الذات، وتكون ملازمة للذات دائماً كالحياة والعلم والسمع والبصر وما أشبه ذلك تسمى صفة ذات؛ لأنها تكون ملازمة لذات الله جل وعلا أبداً، ولا يجوز أن يكون خالٍ منها في وقت من الأوقات، تعالى الله وتقدس. أما الصفات التي تتعلق بمشيئته؛ إذا شاء فعلها، وإذا شاء لم يفعلها، فهذه تسمى صفة فعل، وهي من صفات الكمال، ولا فرق بين النوعين من حيث الاتصاف والثبوت، فكلها ثابتة لله جل وعلا، وكلها يتصف الله جل وعلا بها، ولكن الله جل وعلا له غاية الكمال المطلق، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦] ، وهذا من صفات كماله جل وعلا وهو خاص به، لا يوجد من يفعل ما يريد إلا الله جل وعلا، فالخلق كلهم يريدون أشياء، ولكن ما يستطيعون فعلها؛ لأن الأمر كله بيد الله جلا وعلا. ثم إن الاستواء جاء خاصاً بالعرش فقط، فلا يقال: استوى على السماء استوى على الأرض استوى على كذا هذا لا يجوز؛ لأنه جاء خاصاً بالعرش. وذكر المؤلف أنه ورد في سبعة مواضع من كتاب الله؛ ليبين أن هذا لا يجوز تأويله، ولا يمكن تأويله، حيث أنه جاء في نصوص لا تحتمل التأويل، فمؤولها يكون محرفاً، والتأويل فيها يكون تحريفاً وليس تأويلاً.

стр. 28

أقسام التأويل التأويل الذي يذكره العلماء أقسام ثلاثة: الأول: تأويل بمعنى: ما يئول إليه الشيء، كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:٥٣] ، فتأويل الشيء في هذا المعنى حقيقة الشيء المخبر عنه، إذا جاءت الحقيقة فهذا التأويل، وهذا كثير في القرآن، ومنه قوله تعالى في قصة يوسف: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً﴾ [يوسف:١٠٠] ، ورؤياه أنه رأى أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رآهم له ساجدين، فلما سجد إخوته الإحدى عشر وأبوه وأمه صار هذا تأويلها، يعني: هذا حقيقة الرؤيا، والسجود هنا معناه: الانحناء، وقد كان في شرعهم جائزاً، أما في شرعنا فهذا محرم، بل من أعظم المحرمات وأكبرها، فالسجود خاص لله جل وعلا؛ لأن شرعنا جاء بالحنيفية الكاملة، بحيث تكون العبادة كلها لله جلا وعلا، ولا يكون منها شيء لغيره، بخلاف الشرع الذي هو أمر ونهي من ناحية التعبد بالأفعال، فإن للإسلام في هذا سعة، وفيه تساهل أكثر من الشرائع السابقة. الثاني من معاني التأويل: التفسير، فالتفسير يسمى تأويل كما يقول الإمام ابن جرير وغيره: القول في تأويل قوله تعالى أي: في تفسير قوله تعالى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩] يعني: تفسيراً، وهذان المعنيان في التأويل متفق عليهما، وهما المعروفان عند السلف. أما المعنى الثالث: فهو المعنى المبتدع الذي حدث بعد السلف، وهو صرف اللفظ عن معناه المتبادر منه إلى معنى آخر بدليل يقترن به، فهذا هو المشهور عند المتأخرين، وهو الذي يقصدونه إذا قالوا: تأويل، فإن كان الدليل شرعياً فإنه صحيح، وإن كان غير شرعي فإنه غير صحيح، وهذا هو الغالب، فإنهم يقولون: الدليل يكون عقلياً أو يكون وضعياً، يعني: حسب ما يتواطأ عليه الناس ويعرفونه، فهذا يكون تحريفاً؛ ولهذا قالوا: الاستواء هو الاستيلاء، وهذا تأويله بالدليل العقلي، وإذا قيل لهم: ما هو الدليل العقلي؟ يقولون: الدليل العقلي: أن العرش مخلوق فهو مكانه، والاستواء فعل يقتضي الحركة، ويقتضي وجود الجهة، وهذا لا يكون إلا للمخلوق، هكذا يقولون، وهذا هو الدليل عندهم، وهو دليل فاسد باطل؛ لأنه خلاف ما أخبر الله جل وعلا به، والسبب الذي بعثهم على هذا القول هو: أنهم ما عرفوا من معنى الاستواء إلا ما عرفوه من أنفسهم، مثل الذي يستوي على السيارة أو على الباخرة أو على الطائرة، فيكون محتاجاً إلى هذا الذي استوى عليه، ولو سقط هذا الشيء لسقط هو، ويكون محصوراً في مكان معين، ويكون محتاجاً إليه، وهذه كلها تتعلق بالمخلوق فقط، أما الخالق جل وعلا فهو الغني بذاته عن كل ما سواه، والعرش محتاج إليه، وليس الله جل وعلا محتاجاً إلى العرش، أما كونه خلق العرش واستوى عليه، فهذا لمعنىً وحكمة أرادها الله جل وعلا بلا حاجة، وربما يكون منها ابتلاء عباده، لينظر من يؤمن بذلك، وينقاد له، ويعرف مراده، ويسلم له، ومن يأبى هذا، وينكره، فيستحق الأول الثواب، والثاني العقاب.

стр. 29

معنى العرش والكرسي العرش في لغة العرب التي جاء بها القرآن هو: سرير الملك الذي يجلس عليه، كما قال الله جل وعلا عن بلقيس: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل:٢٣] ، يعني: سريرها الذي كانت تجلس عليه، وقد تأول أهل البدع العرش بأنه الملك، وهذا تأويل باطل، ويكفي في بطلانه قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧] ، فهل يسوغ أو يجوز أن يقال: ويحمل ملك ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية؟ هذا باطل قطعاً، ثم إن الأخبار التي جاءت في صفة العرش كثيرة، وأنه يضاف إلى الله جل وعلا، كما قال: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة:١٢٩] ، ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٦] ، ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج:١٥] وهذه الأوصاف تدل على الحسن والسعة والعظمة والعلو. وجاءت الأدلة بأن له قوائم، وأنه يحمل، وأنه يطاف حوله ملائكة الله الذين خلقهم واستعبدهم للطواف حوله: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر:٧٥] ، وكذلك أخبر الرسول ﷺ عنه بأخبار لا يجوز أن تؤول؛ لأنها نصوص قاطعة بذلك، فكل هذا يبطل هذا القول الفاسد، فالعرش خلق خلقه الله جل وعلا، وهو جل وعلا يخاطبنا بما نعرف. أما الكرسي فالقول الصحيح عند السلف أنه غير العرش، وهو تحت العرش، ولهذا جاء عن الصحابة وغيرهم من السلف: أن الكرسي كالمرقاة التي تكون تحت العرش الذي يجلس عليه، وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، وجاء في الأثر: (ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في فلاة من الأرض، وما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت في أرض من الفلاة) ، فأكبر المخلوقات وأعظمها وأوسعها وأرفعها هو عرش الرحمن، وليس العرش -كما يقول أهل الهيئة- مستديراً كروياً، بل الأحاديث تدل على أن له قوائم وأنه غير كروي، والعرش ليس فوقه مخلوق، وإنما فوقه رب العالمين جل وعلا. هذا الذي يعتقده أهل السنة على حسب النصوص التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وقد فسروا الاستواء بتفسير واضح جلي فقالوا: إن تفسيره هو قراءته لظهوره ووضوحه؛ ولهذا لما قيل للإمام مالك: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ أطرق الإمام مالك، وصار يتصبب عرقاً لقبح السؤال؛ ولأن فيه رائحة إنكار صفة من صفات الله جل وعلا، ثم رفع رأسه وقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ولا أراك إلا رجل سوء، ثم أمر به فأخرج من حلقته. هكذا كانوا يصنعون بأهل البدع، يبعدونهم عنهم. فقوله: الاستواء معلوم، يعني: معلوم المعنى، وليس كما يقول أهل البدع المتأخرون: معلوم الورود، فالورود في الكتاب والسنة معلوم أنه وارد، وهذا لا أحد يسأل عنه، والسائل ما يشك في هذا، فهذا تحصيل حاصل بلا فائدة، وإنما مقصوده معلوم المعنى.

стр. 30

معنى الاستواء ذكر السلف لمعنى الاستواء ألفاظاً أربعة كلها مترادفة، فقالوا هو: الارتفاع والعلو والصعود والاستقرار، فهذه الألفاظ الأربعة جاءت مروية بأسانيد عن الصحابة وغيرهم، وكلها بمعنىً واحد، وهو الاستواء. ثم إذا نظرنا إلى الاستواء الذي ورد في كتاب الله وفي أحاديث رسوله، نجدها لا تعدو أربعة أمور: الأول: ما كان متعدياً بإلى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة:٢٩] ، وهذا باتفاق أهل اللغة وأهل التفسير معناه: العلو والارتفاع. الثاني: ما جاء متعدياً بعلى كما في هذه الآيات التي ذكرها المؤلف كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] ، وهذا كذلك معناه العلو والارتفاع. الثالث: ما جاء مقترناً بواو المعية، نحو: استوى الماء والخشبة، وهذا معناه المساواة. الرابع: إذا لم يأت متعدياً بشيء، وإنما تعدى بنفسه كقوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص:١٤] ، وهذا باتفاق المفسرين معناه: كمل وتم، وليس هناك معنىً للاستواء. أما الاستيلاء الذي قالوا: إنه هو المقصود، فهو دخيل على اللغة العربية، ولا يوجد من كلام العرب ما يدل عليه، والبيت الذي يذكرونه ويجعلونه دليلاً وينسبونه إلى الأخطل مصنوع، وإذا قدر أنه صحيح للأخطل فـ الأخطل نصراني، قد ضلت النصارى في دينهم وفي ربهم، وقالوا: إن اللاهوت دخل في الناسوت، ثم كيف يسوغ للمسلم أن يترك النصوص التي جاءت في كتاب الله وفي أحاديث رسوله ﷺ ويأخذ ببيت شاعر نصراني ضال، وهو أيضاً ليس من أهل اللغة؟! ولو جاء الإنسان بآية من كتاب الله لهؤلاء أو بحديث من أحاديث رسول الله ﷺ لتوقفوا في الاستدلال به، وطعنوا فيه إما معنىً وإما لفظاً، ومع هذا يقبلون هذا القول! وذلك للهوى، فمن كان عنده هوى فإنه يقبل ما يوافقه وإن كان باطلاً. ثم إن الاستواء من أدلة علو الله جل وعلا، وقد ذكر العلو بعد هذا.

стр. 31

شرح العقيدة الواسطية [٤] من عقيدة أهل السنة إثبات علو الله على خلقه، وهذه صفة ذاتية لله ، وَإثبات استوائه سبحانه على العرش، وهي صفة فعلية، وقد دلت الأدلة السمعية والعقلية على إثبات علو الله على خلقه، واستوائه على عرشه.

стр. 32

إثبات علو الله تعالى يقول المصنف رحمه الله تعالى: [وقول الله تعالى: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥] ، وقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨] ، وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] ، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ [غافر:٣٦-٣٧] ، وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك:١٦-١٧]] .

стр. 33

قوله تعالى: (يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليّ) قوله ﵀: [وقول الله تعالى: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:٥٥]] هذا خطاب من الله جل وعلا، وإذا جاءت ياء النداء فلا يحتمل إلا الكلام المسموع الذي يلفظ به ويسمع، ولابد أن يكون بحروف وأصوات، لا يحتمل الأمر غير هذا، فلهذا صار هذا من أعظم النصوص وأوضحها في إثبات كلام الله جل وعلا، ومن أعظم ما يرد على أهل الباطل الذين أنكروا كلام الله. ((يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ)) الوفاة هنا جاء تفسيرها بتفسيرين عن السلف، أحدهما: متوفيك أي: قابضك، وليس القبض هنا المقصود به الموت، بل من باب قبض الشيء إذا قبضه كاملاً وذهب به. الثاني: متوفيك أي: منيمك ثم رفعه نائماً، وهو ﷺ حي لم يمت، وقد جاءت الأخبار المتواترة عن النبي ﷺ بأنه سينزل ويحكم بهذا الشرع، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويبذل المال حتى لا يأخذه أحد، فتكون السجدة يومئذٍ خير من الدنيا وما فيها) ، يعني: عند الناس، وهذا من أشراط الساعة الكبرى، فإنه إذا نزل يكون قد خرج الدجال قبله؛ لأنه ينزل ليقتله، فهو الذي يقتل الدجال. والمسيح مسيحان: مسيح في الخير والهدى، ومسيح في الضلالة والردى، فمسيح الضلالة هو الدجال الأعور الكذاب، أعظم كاذب على وجه الأرض، وفتنته أعظم الفتن، وهو من اليهود، واليهود ينتظرونه، ومن علامات خروجه اجتماعهم في فلسطين، فهم ينتظرونه لأنه على مذهبهم وعلى نحلتهم، وهم أخبث خلق الله جل وعلا، بل هم أعداء الله، وقد جاء في صحيح مسلم: (أنه يخرج من خلة بين الشام والعراق، ويتبعه من يهود أصبهان سبعون ألفاً على رءوسهم الطيالس) ، وجاء في وصفه أنه أول ما يخرج يدعي أنه مصلح، وأنه سيقضي على الفساد في الأرض، فيفتتن به خلق كثير ويتبعونه، ثم إذا تمكن بعد ذلك يدعي أنه نبي، فيفارقه كثير من أتباعه عند ذلك، ثم يتمادى به الأمر ويدعي أنه رب العالمين، ولما سئل الرسول ﷺ عن سرعة مسيره قال: (كالغيث إذا استدبرته الريح) ، يعني: مثل السحاب الذي استدبرته الريح الشديدة التي تهب بسرعة. وأخبر أن مكثه أربعون يوماً فقط، وأنه يطأ كل بلاد الأرض إلا مكة والمدينة، يكون عليهما ملائكة يذودونه عنهما، ومع ذلك يأتي إلى قرب المدينة ويضرب خيامه، ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات، ويخرج إليه المنافقون والمنافقات ويتبعونه، وقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (من سمع به منكم فلينأ عنه) يعني: ليبتعد عنه (فإن الرجل يأتيه واثقاً بنفسه، فلا يزال حتى يتبعه ويؤمن به؛ لما معه من الفتن) . وهذه الأيام الأربعون: يوم منها كسنة، ويوم كشهر، ويوم كأسبوع، وبقية أيامه كهذه الأيام، ولهذا السبب جاء في صحيح مسلم: (ثلاث إذا خرجن لم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً: الدابة، والدجال، وطلوع الشمس من مغربها) ، فجعل الدجال من العلامات التي إذا جاءت لا ينفع الإيمان، ولا تنفع التوبة، والسبب في هذا هو ما جاء في هذا الحديث أن أيامه يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كأسبوع، فهذا إيذان باختلاف الكون، وأنه يختل وسينتهي عن قرب، فهي آيات تضطر النفس حينئذٍ إلى الإيمان بالله جل وعلا المتصرف بها، فإذا جاءت الآيات التي تضطر الإنسان إلى الإيمان، يصبح الإيمان بالغيب لا مزية له، وصار إيمان بالمشاهد، والإيمان بالمشاهد لا يفيد.

стр. 34

معنى قوله: (ورافعك إليّ) الرفع باتفاق أهل اللغة الذهاب إلى العلو، كما في قوله تعالى: ((إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ)) ، والضمير لله جل وعلا، فهذا نص لا يحتمل التأويل، يدل على أن الله فوق. وقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨] هذا أيضاً في عيسى، وهو رد لما تقوله اليهود والنصارى، فاليهود يزعمون أنهم قتلوه، وقد كذبهم الله جل وعلا في ذلك، فقال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٧-١٥٨] ، وذلك أنه شبه لهم، فعندما أرادوا قتله، كان في بيت، وأحاطوا به، فمكر الله جل وعلا بهم وهو خير الماكرين، فألقى شبهه على رجل منهم فأخذوه وقتلوه، وقد رفع إلى السماء، فهو حي في السماء، وبعض العلماء يقول: إنه توفي نوع وفاة، ولكن هذه الوفاة قريبة من النوم، ولم يتوف الوفاة التي يكون فيها خروج الروح، وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية، فهو حي وسينزل، فحياته متصلة من ذلك الوقت إلى الآن، وإلى أن يموت بعد أن ينزل. وأما النصارى فهم يقولون: إنه ابن الله أو إنه هو الله، وهذا معنى قولهم: إن اللاهوت دخل في الناسوت، يعنون أن الإله دخل في الإنسان، تعالى الله وتقدس، وهذا من الحلول الباطل.

стр. 35

قوله تعالى: (إليه يصعد الكلم الطيب) وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] ، ((إِلَيْهِ)) : الضمير هنا يعود إلى الله جل وعلا، والصعود نص في الذهاب إلى العلو، لا يحتمل غيره، أما أصعد ويصعد فمعناه: الإمعان في الهرب والإبعاد فيه، ومنه (تصعدون) يعني: تهربون عنه، وتبتعدون عنه، أما صعد فلا يحتمل إلا العلو، فهو نص في علو الله جل وعلا ((إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ)) ، والكلم الطيب: هو ما اصطفاه الله جل وعلا إما من كلامه وإما من التسبيح والتهليل، وذكر أوصافه، وما أشبه ذلك، فهذا هو الكلام الطيب، فهو يصعد إلى الله إذا قبله. وقوله: ((وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)) : اختلف في ضمير قوله: (يرفعه) هل يعود إلى الكلم أو أنه يعود إلى الله، ويكون الكلام مستأنفاً؟ أي: والعمل الصالح يرفعه الله أيضاً، فيكون دليلاً آخر على علو الله جل وعلا، فمرة جاء بلفظ الصعود، ومرة بلفظ الرفع أو أن العمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب؟ كلا المعنيين صحيح.

стр. 36

قوله تعالى عن فرعون: (يا هامان ابن لي صرحاً) وقوله عن فرعون -جازاه الله بما يستحق- يخاطب وزيره: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً﴾ [غافر:٣٦] وفرعون: اسم لكل من ملك مصر كافراً، كما أن النجاشي اسم لكل من ملك الحبشة كافراً، وكسرى اسم لمن ملك الفرس، وقيصر اسم لمن ملك الروم من الكفار، وكل هذا لا يكون علماً على رجل واحد، بل كل من كان ملكاً منهم يكون له هذا الاسم؛ ولهذا اختلف في اسم فرعون الذي أرسل إليه موسى؛ لكثرة الفراعنة. فقوله: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ [غافر:٣٦-٣٧] يدلنا صراحة على أن موسى ﵇ أخبر فرعون بأن الله في السماء، والآية صريحة في ذلك، فلهذا أمر أن يبنى له بنيان؛ لتوهيم الناس وإضلالهم والتلبيس عليهم بأنه يستطيع أن يصعد في هذا البناء وينظر إلى ما أخبره به موسى ﵇؛ ولهذا قال: ((وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً)) يعني: في خبره الذي قال: إن الله في السماء. فالدليل في هذا من جهتين: الجهة الأولى: أن موسى أخبر بذلك. الثاني: أن هذا عام جاءت به الرسل، وهذا في الواقع تضافرت عليه أدلة الوحي، وأدلة العقل، وأدلة الفطرة، فكل هذه الأدلة شاهدة عليه. فمن أدلة العقل أن يقال: من المعلوم قطعاً أن الخالق غير المخلوق، ومن لم يعتقد هذا فهو كافر بالله جل وعلا، فإذا كان المخلوق له ذات معينة، والخالق له كذلك ذات معينة تتعالى وتتقدس أن تختلط بالمخلوق، فالمخلوق وجد بعد أن لم يكن. فيقال لهؤلاء الضلال: حينما خلق الله جل وعلا الخلق أين خلق الخلق؟ هل خلقهم في ذاته أي: داخل ذاته؟ تعالى الله وتقدس، فإن قالوا ذلك فقد كفروا؛ لأنهم لم يميزوا بين خالق ومخلوق، وإن قالوا: خلقهم منفصلين عنه بائنين عنه، فيقال: هل يجوز أن يكون المخلوق أعلى من الخالق؟ لا يجوز قطعاً. إذاً: لابد من القول: بأن الله عال على خلقه، وأن خلقه تحته، وأنه فوقهم قاهر لهم، هذا من ناحية العقل والنظر، ونحن لا نصير إلى العقل إذا كان العقل مخالفاً للوحي، وإنما نقول به إذا كان موافقاً له ومتفقاً معه، والوحي لا يأتي بمخالفة العقول السليمة الصحيحة، ولكن يأتي بما تحار فيه العقول ولا تدركه؛ لأن العقول لها حدود لا تستطيع أن تصل إلى كثير من الأشياء التي تكون بقدرة الله جل وعلا.

стр. 37

معنى قوله: (لعلي أبلغ الأسباب) الأسباب المقصود بها هنا: الأشياء التي يتوصل بها إلى المطلوب، فهنا جعل السبب البناء العالي المرتفع، فليس عندهم صواريخ ورافعات، إنما عندهم البناء، والبناء ما يعدو الأرض، ولا يمكن أن يعدو طور قدرة الإنسان المحدودة فهو تمويه زائد، تمويه لا ينطلي إلا على السفهاء أشباه البهائم والأنعام، الذين هم أتباع كل ناعق، وإلا فكل من عنده عقل يدرك غطرسته وكذبه وتزويره، وكونه يبني بناء يصل به إلى السماء مستحيل، ولكن إذا كان الإنسان له رئاسة وله قهر وسلطة، فإنه يُصدَّق بالشيء الذي يكون مستحيلاً، فلهذا اتبعوه على ذلك وصدقوه بهذا التصديق الظاهري فقط، أما بالقلوب والعقول فلا يمكن أن يصدقوه. وكلمة أسباب تطلق على الحبال، كقوله جل وعلا: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج:١٥] المقصود بالسبب هنا الحبل؛ لأنه يقول: ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ [الحج:١٥] يعني: يضع حبلاً في السقف ثم يضعه في رقبته، ثم ليعجل بموته، يعني: من كان يظن أن الله لا ينصر رسوله، وكان هذا يغيظه، فليعجل بهلاك نفسه بأن يضع سبباً يعني: حبلاً في سقف بيته، ثم ليضعه في رقبته، ثم ليزهق بذلك نفسه، فإن نصر الرسول لابد أن يأتي، فالحبل يسمى سبباً. ومنه السبب الذي يخرج به الماء وهو الدلو. ومنه أيضاً الباب كما في هذه الآية: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ﴾ [غافر:٣٦-٣٧] المقصود بأسباب السماوات أبواب السماء، وهذا -كما قلنا- تمويه وكذب، وإلا فإنه لم يصل إلى أبواب السماء، ولم يعد قدره.

стр. 38

تفسير قوله تعالى: (أأمنتم من في السماء) وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك:١٦] المقصود أأمنتم عذاب من في السماء، والعذاب نوعه مختلف، إما أن يكون خسفاً كما فعل بـ قارون وغيره، أو يكون رجماً كما في الآية الآتية أو يكون بغير ذلك، فإذا كان كذلك فكيف تخالفونه وتكفرون به؟ و (في) هنا بمعنى على، أو أن السماء يقصد بها مجرد العلو، وليست السماء المبنية، وكله معنى صحيح، إما أن تكون (في) بمعنى على، وهذا قد جاء في اللغة كثيراً كقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام:١١] ليس المعنى يدخلون في جوف الأرض، بل يسيرون عليها، وكقوله تعالى في قصة موسى: ﴿وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] ، ومعلوم أنه لن يدخلهم في الجذوع، وإنما يصلبهم على الجذوع، وكثيراً ما تأتي (في) بمعنى على، وهي في هذه الآية بمعنى على، وإن كانت على بابها، فيكون المراد بالسماء العلو، فيكون المعنى: أأمنتم من في العلو، وهو الله جل وعلا، وكلا الأمرين صحيح، كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (بينما كان رجل يمشي بحلتين متبختراً -يعني: متكبراً- إذ خسف الله جل وعلا به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة) يعني: يتحرك ويهبط غير مستقر، فتبقى الأرض تمور به، يعني: تضطرب وتبتلعه، وكل شيء مطيع لله جل وعلا، إذا أمره امتثل لأمره. ثم قال جل وعلا: ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٧] (أم) معناها: بل، يعني: أمنكم وجد، ما خفتم الله جل وعلا، ولا خشيتم عقابه، فحري أن يصيبكم الله جل وعلا بهذا العقاب، والخطاب لنا وليس لغيرنا، فالخطاب للسابقين قد انتهى، وإنما المقصود نحن، فيجب على الإنسان أن يتنبه، وأن يخاف ربه، وأن يفارق الأفعال التي تكون سبباً لغضب الله جل وعلا وعذابه. ((أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ)) الأمن هو ضد الخوف والمراقبة، والمعنى: خافوا عذاب الله وراقبوه، فإن من خافه وراقبه فإنه يؤمنه، بخلاف من أمن مكره وعذابه فإن هذا من أعظم أسباب الأخذ والتعذيب. ﴿أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ [الملك:١٧] الحاصب هو: الحجارة التي تحصب، كما أرسل حاصباً على قوم لوط وغيرهم، وقد جاء في صحيح البخاري أنه سيقع في هذه الأمة رجم ومسخ وخسف، الأنواع الثلاثة ستقع فيها، ولما سئل النبي ﷺ عن زمن ذلك قال: (إذا استحل الحر والحرير والخمر والمعازف) ، إذا استحلت هذه الأمور وقع ذلك، والحر: هو عبارة عن إحلال الزنا وكثرته، وأما الحرير فهو معروف، أي: أن الرجال يلبسون الحرير ويستحلونه، وأما المعازف: فهي آلات اللهو والطرب والغناء، فإذا كثرت -كما هو الواقع اليوم- فليرتقبوا هذه العقوبات، نسأل الله العافية! والخسف بأن يخسف بهم في الأرض، والمسخ بأن يمسخوا قردة أو خنازير، والرجم من السماء، حتى إنه جاء: (أن الناس يتحدثون فيما بينهم ويقولون: البارحة خسف بآل فلان، والبارحة مسخ آل فلان، والبارحة رجم آل فلان) ، وهذا دليل على أن الناس حينئذٍ لا يبالون، يرون العذاب ويقعون في المعاصي؛ لأن الرين استولى على قلوبهم وغطاها، فأصبحوا لا يتعظون بمواعظ، ولا يزدجرون بالكوارث إن رأوها وشاهدوها. وقوله: ﴿أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك:١٧] هذا توعد شديد، يعني: كيف إنذاري، وهل هو يتخلف أو لا؟ إنذاره جل وعلا إذا جاء لا يرد، فيجب أن يخاف ويحذر منه، والنذارة تكون لأمر مخوف متوقع الحصول، فمعنى ذلك أن هذا مخوف ومتوقع الحصول.

стр. 39

إثبات علو الله بالأدلة السمعية والعقلية وفي هذه الآيات أدلة واضحة على أن الله جل وعلا في العلو، وصفة العلو صفة ذاتية، ودلائله عقلية وسمعية وفطرية. أما الأدلة السمعية فهذا شيء منها، وإلا فهي كثيرة جداً، حتى قال ابن القيم: إنها تزيد على ألف دليل، يعني: من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولكن كثرة الأدلة وتنوعها لا تفيد إلا من يريد الحق، أما الذي أشرب قلبه بالباطل وأحبه، فإنه لا يزداد بذلك إلا قيام الحجة عليه. أما العقلية فذكرنا نوعاً منها، وأنواعها كثيرة أيضاً. وأما الفطرية فقد فطر الله جل وعلا جميع خلقه أنهم إذا سألوا ربهم يمدون أيديهم إلى السماء، ويجدون في أنفسهم دافعاً يدفعهم إلى أن يطلبوا ربهم من فوق، ولا يلتفتون يميناً ولا شمالاً ولا تحت، وإنما يسألون ربهم من فوق، وهذا موجود عند كل إنسان إذا اضطر وسأل ربه أنه يسأله من العلو، ولهذا لما كان أحد أئمة الأشاعرة يقرر هذا المبدأ -يعني: أن الله ليس فوق- في مسجد الرسول ﷺ ، وهو إمام الحرمين عبد الملك الجويني، وكان يقول للناس وهو على كرسي: كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما كان عليه قبل خلق المكان. فقال له رجل: أيها الشيخ! دعنا من هذه الأمور التي تذكر، وأخبرني عن ضرورة أجدها في نفسي أنا وغيري وأنت وكل الخلق، إذا قلت: يا الله! أجد دافعاً يدفعني من الداخل أني أطلب ربي من فوق، كيف أصرف هذه الضرورة؟ كيف أمنعها؟ ما أستطيع، فوضع يده على رأسه ثم نزل من على الكرسي وصار يبكي ويقول: حيرني الرجل، ما أدري ماذا أقول؟! وما أدري ماذا أعتقد؟! لماذا؟ لأنه بنى عقيدته على غير أساس، بناها على هذيان مثل هذا الهذيان: كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما كان عليه قبل خلق المكان؛ وترك النصوص الجلية التي تتفق مع الفطر ومع العقل، فهذا دليل الفطرة، وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٢-١٧٣] ، وتفسير هذه الآية الذي عليه المحققون: أن هذا الميثاق هو الفطرة التي فطروا عليها، فإن الله فطرهم على معرفته، وهذا دليل على وجوب عبادتهم لله؛ ولهذا علل ذلك بشيئين: أحدهما: ألا يغفلوا عنه، وهذا موجود كامن في النفوس لا أحد يغفل عنه، أي: الفطرة. الثاني: ألا يتبعوا آباءهم وغيرهم مقلدين لهم؛ لأن الفطرة موجودة في كل واحد على أن الله ربه، وإذا كان ربه الذي خلقه وهو فقير إليه وجب أن يعبد ربه.

стр. 40

أنواع العلو العلو لله جل وعلا ثابت بمعانيه الثلاثة: علو القهر، وعلو القدر، وعلو الذات. أما علو القهر وعلو القدر فليس فيهما خلاف بين الناس، حتى أهل البدع يقرون بهما، ويقولون: نثبت له علو القهر وعلو القدر، ويقولون: ومعنى أنه فوق خلقه كما تقول: الذهب فوق الفضة، وهذا في الواقع من الكلام السخيف، كيف يقال: إن الله فوق خلقه بمعنى أنه أحسن منهم وأرفع منهم قدراً تعالى الله وتقدس؟! قال الشاعر: ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا هذا بين المخلوق والمخلوق، فكيف بين خالق ومخلوق؟! تعالى الله وتقدس. علو القدر هو التعظيم الذي يكون في قلوب العارفين، ليس في قلوب المنكرين، أما المنكر فعنده الرب والمربوب سواء! تعالى الله وتقدس. فعلو القدر: هو قدره الذي يجب أن يكون في قلب عبده، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٧] ، ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح:١٣] ، يعني: تعظيماً وتقديراً. المقصود: أن إثبات هذا الشيء متفق عليه، أما تفسيره فهم يختلفون فيه. أما المعنى الثاني وهو: علو القهر وهذا أيضاً لا خلاف فيه إلا في بعض الجزئيات، كقول القدرية: إن الله جل وعلا لا يقدر على أن يخلق مثل أفعال العباد تعالى الله وتقدس، وهذا ضلال وكفر؛ لأنه تعجيز لله جل وعلا. أما عند أهل السنة وأهل الحق فعلو القهر بمعنى أنه فوق عباده قاهر لكل أحد، ولا يمكن لأحد أن يخرج عن مراده وعن قدره وقهره، وكل من في السماوات ومن في الأرض يأتيه ذليلاً عبداً خاضعاً؛ لأنه هو القاهر القهار جل وعلا. أما علو الذات: فهو الذي فيه الكلام، وهو الذي يستدل العلماء على إبطال قول المخالفين فيه. يجب على الإنسان أن يعلم أن الهدى والنور والحق في كتاب الله، وأن ما خالف كتاب الله يجب أن يرد، ولا يقبل من أقوال الناس -مهما كانت- إلا ما وافق كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والكتاب والسنة صنوان لا يفترقان، وكلاهما حق وهدى ونور، كما أنه يجب على المسلم أن يعتقد اعتقاداً جازماً أن رسول ﷺ قد بلغ البلاغ المبين، ولم يترك شيئاً مما يحتاجه المسلم من العقيدة أو العمل إلا وبينه ووضحه. ويجب عليه أن يعتقد أن رسول الله ﷺ هو أفصح الناس وأبلغهم، وأقدرهم على البيان، وأنصحهم للناس، فإذا اجتمعت هذه الأمور فلابد أن يقتنع الإنسان بما قاله رسول الله ﷺ ، فإذا قال قولاً وجب تصديقه وقبوله، ولا يجوز التشكك فيه، والبحث عن أوجه اللغة الغريبة، وصرفه إلى ذلك الغريب؛ لأن هذا في الواقع نوع من التكذيب ونوع من الرد، والهداية بيد الله جل وعلا.
следующие страницы →