Полный текст (524 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
قوله تعالى عن فرعون: (يا هامان ابن لي صرحاً)
وقوله عن فرعون -جازاه الله بما يستحق- يخاطب وزيره: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً﴾ [غافر:٣٦] وفرعون: اسم لكل من ملك مصر كافراً، كما أن النجاشي اسم لكل من ملك الحبشة كافراً، وكسرى اسم لمن ملك الفرس، وقيصر اسم لمن ملك الروم من الكفار، وكل هذا لا يكون علماً على رجل واحد، بل كل من كان ملكاً منهم يكون له هذا الاسم؛ ولهذا اختلف في اسم فرعون الذي أرسل إليه موسى؛ لكثرة الفراعنة.
فقوله: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ [غافر:٣٦-٣٧] يدلنا صراحة على أن موسى ﵇ أخبر فرعون بأن الله في السماء، والآية صريحة في ذلك، فلهذا أمر أن يبنى له بنيان؛ لتوهيم الناس وإضلالهم والتلبيس عليهم بأنه يستطيع أن يصعد في هذا البناء وينظر إلى ما أخبره به موسى ﵇؛ ولهذا قال: ((وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً)) يعني: في خبره الذي قال: إن الله في السماء.
فالدليل في هذا من جهتين: الجهة الأولى: أن موسى أخبر بذلك.
الثاني: أن هذا عام جاءت به الرسل، وهذا في الواقع تضافرت عليه أدلة الوحي، وأدلة العقل، وأدلة الفطرة، فكل هذه الأدلة شاهدة عليه.
فمن أدلة العقل أن يقال: من المعلوم قطعاً أن الخالق غير المخلوق، ومن لم يعتقد هذا فهو كافر بالله جل وعلا، فإذا كان المخلوق له ذات معينة، والخالق له كذلك ذات معينة تتعالى وتتقدس أن تختلط بالمخلوق، فالمخلوق وجد بعد أن لم يكن.
فيقال لهؤلاء الضلال: حينما خلق الله جل وعلا الخلق أين خلق الخلق؟ هل خلقهم في ذاته أي: داخل ذاته؟ تعالى الله وتقدس، فإن قالوا ذلك فقد كفروا؛ لأنهم لم يميزوا بين خالق ومخلوق، وإن قالوا: خلقهم منفصلين عنه بائنين عنه، فيقال: هل يجوز أن يكون المخلوق أعلى من الخالق؟ لا يجوز قطعاً.
إذاً: لابد من القول: بأن الله عال على خلقه، وأن خلقه تحته، وأنه فوقهم قاهر لهم، هذا من ناحية العقل والنظر، ونحن لا نصير إلى العقل إذا كان العقل مخالفاً للوحي، وإنما نقول به إذا كان موافقاً له ومتفقاً معه، والوحي لا يأتي بمخالفة العقول السليمة الصحيحة، ولكن يأتي بما تحار فيه العقول ولا تدركه؛ لأن العقول لها حدود لا تستطيع أن تصل إلى كثير من الأشياء التي تكون بقدرة الله جل وعلا.
стр. 37
معنى قوله: (لعلي أبلغ الأسباب)
الأسباب المقصود بها هنا: الأشياء التي يتوصل بها إلى المطلوب، فهنا جعل السبب البناء العالي المرتفع، فليس عندهم صواريخ ورافعات، إنما عندهم البناء، والبناء ما يعدو الأرض، ولا يمكن أن يعدو طور قدرة الإنسان المحدودة فهو تمويه زائد، تمويه لا ينطلي إلا على السفهاء أشباه البهائم والأنعام، الذين هم أتباع كل ناعق، وإلا فكل من عنده عقل يدرك غطرسته وكذبه وتزويره، وكونه يبني بناء يصل به إلى السماء مستحيل، ولكن إذا كان الإنسان له رئاسة وله قهر وسلطة، فإنه يُصدَّق بالشيء الذي يكون مستحيلاً، فلهذا اتبعوه على ذلك وصدقوه بهذا التصديق الظاهري فقط، أما بالقلوب والعقول فلا يمكن أن يصدقوه.
وكلمة أسباب تطلق على الحبال، كقوله جل وعلا: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج:١٥] المقصود بالسبب هنا الحبل؛ لأنه يقول: ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ [الحج:١٥] يعني: يضع حبلاً في السقف ثم يضعه في رقبته، ثم ليعجل بموته، يعني: من كان يظن أن الله لا ينصر رسوله، وكان هذا يغيظه، فليعجل بهلاك نفسه بأن يضع سبباً يعني: حبلاً في سقف بيته، ثم ليضعه في رقبته، ثم ليزهق بذلك نفسه، فإن نصر الرسول لابد أن يأتي، فالحبل يسمى سبباً.
ومنه السبب الذي يخرج به الماء وهو الدلو.
ومنه أيضاً الباب كما في هذه الآية: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ﴾ [غافر:٣٦-٣٧] المقصود بأسباب السماوات أبواب السماء، وهذا -كما قلنا- تمويه وكذب، وإلا فإنه لم يصل إلى أبواب السماء، ولم يعد قدره.
стр. 38
تفسير قوله تعالى: (أأمنتم من في السماء)
وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك:١٦] المقصود أأمنتم عذاب من في السماء، والعذاب نوعه مختلف، إما أن يكون خسفاً كما فعل بـ قارون وغيره، أو يكون رجماً كما في الآية الآتية أو يكون بغير ذلك، فإذا كان كذلك فكيف تخالفونه وتكفرون به؟ و (في) هنا بمعنى على، أو أن السماء يقصد بها مجرد العلو، وليست السماء المبنية، وكله معنى صحيح، إما أن تكون (في) بمعنى على، وهذا قد جاء في اللغة كثيراً كقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام:١١] ليس المعنى يدخلون في جوف الأرض، بل يسيرون عليها، وكقوله تعالى في قصة موسى: ﴿وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] ، ومعلوم أنه لن يدخلهم في الجذوع، وإنما يصلبهم على الجذوع، وكثيراً ما تأتي (في) بمعنى على، وهي في هذه الآية بمعنى على، وإن كانت على بابها، فيكون المراد بالسماء العلو، فيكون المعنى: أأمنتم من في العلو، وهو الله جل وعلا، وكلا الأمرين صحيح، كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (بينما كان رجل يمشي بحلتين متبختراً -يعني: متكبراً- إذ خسف الله جل وعلا به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة) يعني: يتحرك ويهبط غير مستقر، فتبقى الأرض تمور به، يعني: تضطرب وتبتلعه، وكل شيء مطيع لله جل وعلا، إذا أمره امتثل لأمره.
ثم قال جل وعلا: ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٧] (أم) معناها: بل، يعني: أمنكم وجد، ما خفتم الله جل وعلا، ولا خشيتم عقابه، فحري أن يصيبكم الله جل وعلا بهذا العقاب، والخطاب لنا وليس لغيرنا، فالخطاب للسابقين قد انتهى، وإنما المقصود نحن، فيجب على الإنسان أن يتنبه، وأن يخاف ربه، وأن يفارق الأفعال التي تكون سبباً لغضب الله جل وعلا وعذابه.
((أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ)) الأمن هو ضد الخوف والمراقبة، والمعنى: خافوا عذاب الله وراقبوه، فإن من خافه وراقبه فإنه يؤمنه، بخلاف من أمن مكره وعذابه فإن هذا من أعظم أسباب الأخذ والتعذيب.
﴿أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ [الملك:١٧] الحاصب هو: الحجارة التي تحصب، كما أرسل حاصباً على قوم لوط وغيرهم، وقد جاء في صحيح البخاري أنه سيقع في هذه الأمة رجم ومسخ وخسف، الأنواع الثلاثة ستقع فيها، ولما سئل النبي ﷺ عن زمن ذلك قال: (إذا استحل الحر والحرير والخمر والمعازف) ، إذا استحلت هذه الأمور وقع ذلك، والحر: هو عبارة عن إحلال الزنا وكثرته، وأما الحرير فهو معروف، أي: أن الرجال يلبسون الحرير ويستحلونه، وأما المعازف: فهي آلات اللهو والطرب والغناء، فإذا كثرت -كما هو الواقع اليوم- فليرتقبوا هذه العقوبات، نسأل الله العافية! والخسف بأن يخسف بهم في الأرض، والمسخ بأن يمسخوا قردة أو خنازير، والرجم من السماء، حتى إنه جاء: (أن الناس يتحدثون فيما بينهم ويقولون: البارحة خسف بآل فلان، والبارحة مسخ آل فلان، والبارحة رجم آل فلان) ، وهذا دليل على أن الناس حينئذٍ لا يبالون، يرون العذاب ويقعون في المعاصي؛ لأن الرين استولى على قلوبهم وغطاها، فأصبحوا لا يتعظون بمواعظ، ولا يزدجرون بالكوارث إن رأوها وشاهدوها.
وقوله: ﴿أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك:١٧] هذا توعد شديد، يعني: كيف إنذاري، وهل هو يتخلف أو لا؟ إنذاره جل وعلا إذا جاء لا يرد، فيجب أن يخاف ويحذر منه، والنذارة تكون لأمر مخوف متوقع الحصول، فمعنى ذلك أن هذا مخوف ومتوقع الحصول.
стр. 39
إثبات علو الله بالأدلة السمعية والعقلية
وفي هذه الآيات أدلة واضحة على أن الله جل وعلا في العلو، وصفة العلو صفة ذاتية، ودلائله عقلية وسمعية وفطرية.
أما الأدلة السمعية فهذا شيء منها، وإلا فهي كثيرة جداً، حتى قال ابن القيم: إنها تزيد على ألف دليل، يعني: من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولكن كثرة الأدلة وتنوعها لا تفيد إلا من يريد الحق، أما الذي أشرب قلبه بالباطل وأحبه، فإنه لا يزداد بذلك إلا قيام الحجة عليه.
أما العقلية فذكرنا نوعاً منها، وأنواعها كثيرة أيضاً.
وأما الفطرية فقد فطر الله جل وعلا جميع خلقه أنهم إذا سألوا ربهم يمدون أيديهم إلى السماء، ويجدون في أنفسهم دافعاً يدفعهم إلى أن يطلبوا ربهم من فوق، ولا يلتفتون يميناً ولا شمالاً ولا تحت، وإنما يسألون ربهم من فوق، وهذا موجود عند كل إنسان إذا اضطر وسأل ربه أنه يسأله من العلو، ولهذا لما كان أحد أئمة الأشاعرة يقرر هذا المبدأ -يعني: أن الله ليس فوق- في مسجد الرسول ﷺ ، وهو إمام الحرمين عبد الملك الجويني، وكان يقول للناس وهو على كرسي: كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما كان عليه قبل خلق المكان.
فقال له رجل: أيها الشيخ! دعنا من هذه الأمور التي تذكر، وأخبرني عن ضرورة أجدها في نفسي أنا وغيري وأنت وكل الخلق، إذا قلت: يا الله! أجد دافعاً يدفعني من الداخل أني أطلب ربي من فوق، كيف أصرف هذه الضرورة؟ كيف أمنعها؟ ما أستطيع، فوضع يده على رأسه ثم نزل من على الكرسي وصار يبكي ويقول: حيرني الرجل، ما أدري ماذا أقول؟! وما أدري ماذا أعتقد؟! لماذا؟ لأنه بنى عقيدته على غير أساس، بناها على هذيان مثل هذا الهذيان: كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما كان عليه قبل خلق المكان؛ وترك النصوص الجلية التي تتفق مع الفطر ومع العقل، فهذا دليل الفطرة، وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٢-١٧٣] ، وتفسير هذه الآية الذي عليه المحققون: أن هذا الميثاق هو الفطرة التي فطروا عليها، فإن الله فطرهم على معرفته، وهذا دليل على وجوب عبادتهم لله؛ ولهذا علل ذلك بشيئين: أحدهما: ألا يغفلوا عنه، وهذا موجود كامن في النفوس لا أحد يغفل عنه، أي: الفطرة.
الثاني: ألا يتبعوا آباءهم وغيرهم مقلدين لهم؛ لأن الفطرة موجودة في كل واحد على أن الله ربه، وإذا كان ربه الذي خلقه وهو فقير إليه وجب أن يعبد ربه.
стр. 40
أنواع العلو
العلو لله جل وعلا ثابت بمعانيه الثلاثة: علو القهر، وعلو القدر، وعلو الذات.
أما علو القهر وعلو القدر فليس فيهما خلاف بين الناس، حتى أهل البدع يقرون بهما، ويقولون: نثبت له علو القهر وعلو القدر، ويقولون: ومعنى أنه فوق خلقه كما تقول: الذهب فوق الفضة، وهذا في الواقع من الكلام السخيف، كيف يقال: إن الله فوق خلقه بمعنى أنه أحسن منهم وأرفع منهم قدراً تعالى الله وتقدس؟! قال الشاعر: ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا هذا بين المخلوق والمخلوق، فكيف بين خالق ومخلوق؟! تعالى الله وتقدس.
علو القدر هو التعظيم الذي يكون في قلوب العارفين، ليس في قلوب المنكرين، أما المنكر فعنده الرب والمربوب سواء! تعالى الله وتقدس.
فعلو القدر: هو قدره الذي يجب أن يكون في قلب عبده، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٧] ، ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح:١٣] ، يعني: تعظيماً وتقديراً.
المقصود: أن إثبات هذا الشيء متفق عليه، أما تفسيره فهم يختلفون فيه.
أما المعنى الثاني وهو: علو القهر وهذا أيضاً لا خلاف فيه إلا في بعض الجزئيات، كقول القدرية: إن الله جل وعلا لا يقدر على أن يخلق مثل أفعال العباد تعالى الله وتقدس، وهذا ضلال وكفر؛ لأنه تعجيز لله جل وعلا.
أما عند أهل السنة وأهل الحق فعلو القهر بمعنى أنه فوق عباده قاهر لكل أحد، ولا يمكن لأحد أن يخرج عن مراده وعن قدره وقهره، وكل من في السماوات ومن في الأرض يأتيه ذليلاً عبداً خاضعاً؛ لأنه هو القاهر القهار جل وعلا.
أما علو الذات: فهو الذي فيه الكلام، وهو الذي يستدل العلماء على إبطال قول المخالفين فيه.
يجب على الإنسان أن يعلم أن الهدى والنور والحق في كتاب الله، وأن ما خالف كتاب الله يجب أن يرد، ولا يقبل من أقوال الناس -مهما كانت- إلا ما وافق كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والكتاب والسنة صنوان لا يفترقان، وكلاهما حق وهدى ونور، كما أنه يجب على المسلم أن يعتقد اعتقاداً جازماً أن رسول ﷺ قد بلغ البلاغ المبين، ولم يترك شيئاً مما يحتاجه المسلم من العقيدة أو العمل إلا وبينه ووضحه.
ويجب عليه أن يعتقد أن رسول الله ﷺ هو أفصح الناس وأبلغهم، وأقدرهم على البيان، وأنصحهم للناس، فإذا اجتمعت هذه الأمور فلابد أن يقتنع الإنسان بما قاله رسول الله ﷺ ، فإذا قال قولاً وجب تصديقه وقبوله، ولا يجوز التشكك فيه، والبحث عن أوجه اللغة الغريبة، وصرفه إلى ذلك الغريب؛ لأن هذا في الواقع نوع من التكذيب ونوع من الرد، والهداية بيد الله جل وعلا.
стр. 41
حرمة القول على الله بلا علم
سبق أن ذكرنا مسألة المحرمات، وقلنا: إنها رتبت على أربع مراتب، بدأ الله بأسهلها، ثم ثنى بما هو أعظم، ثم ثلث بما هو أعظم، ثم ربع بما هو أعظم، والثالث: هو الشرك، والرابع: هو القول على الله بلا علم، فيكون القول على الله بلا علم أعظم من الشرك، فما هو السبب في هذا؟
الجواب
أن القول على الله بغير علم يتضمن الشرك وزيادة، وقلنا: إن المؤلف أراد بهذا أن القول على الله في صفاته وفي أفعاله في خلقه وفي شرعه يتضمن الشرك وزيادة، فهو أعظم من الشرك، أما كونه يتضمن الشرك فلأن الذي يقول على الله بخلاف صفاته يكون معطلاً ما وصف به نفسه، ومن عطله فقد ألحقه بالناقصات، فيكون ممثلاً له من هذه الناحية، وهذا شرك لكونه شبه الله جل وعلا بالمخلوقات.
وأما في أفعاله فكذلك لكونه يلحقه بالمخلوقين مشابهاً لهم؛ ولهذا يقول أهل العلم: إن الجهمية والمعتزلة لا ينفكون عن الشرك، ووقوعهم في الشرك كثير، حتى أحياناً في الأمور الظاهرة الجلية، مثلاً يقول أحدهم إذا نفى كلام الله: إن الذي يتكلم ملك في قول رسول الله ﷺ : (إن الله ينزل إلى السماء الدنيا إذا بقي ثلث الليل الأخير، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟) يقولون: هو ملك، أي: المنادي، فنقول: هل الملك يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يستغفرني فأغفر له؟ هل الملك يغفر؟! تعالى الله عن ذلك.
وكذلك كثير من أقوالهم مثل هذا، وهذا مما يبين أن القول على الله بلا علم يتضمن الشرك وإبطال الشرع، ومن هنا كان القول على الله بلا علم أعظم من الشرك، فهو أعظم المحرمات، وليس ذلك غريباً، فقد استغرب بعض الناس كيف يكون القول على الله بلا علم أعظم من الشرك، والله جل وعلا أخبر أنه لا يغفر أن يشرك به قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ؟! والجواب ما سمعتم.
стр. 42
الأسئلة
стр. 43
صفة العلو ذاتية وصفة الاستواء فعلية
السؤال
هل صفة العلو صفة فعلية؟
الجواب
هي صفة ذات، فإنه لا يمكن أن يكون الله جل وعلا أسفل متدنياً؛ بل هو عالٍ دائماً، ولا يمكن أن يكون شيء من خلقه فوقه، فمخلوقاته جل وعلا كلها تحته، وهو فوق مخلوقاته كلها؛ لأنه أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وأعلى من كل شيء، له العلو المطلق، وله العظمة المطلقة، وهو الكبير المتعال، ومن هنا امتنع أن تكون هذه الصفة فعلية؛ لأنها ملازمة للذات أبداً، وأما الأخبار التي جاءت في القرآن وفي الأحاديث من أنه جل وعلا يأتي يوم القيامة إلى الأرض لفصل القضاء بين خلقه؛ لأن الناس يكونون على الأرض واقفين، فيأتي إليهم، كقوله الله جل وعلا: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتْ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر:٦٨-٦٩] ، فإشراق الأرض بنوره إذا جاء لفصل القضاء، وقوله جل وعلا: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [البقرة:٢١٠] ، وقوله جل وعلا: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] ، هذا كله دليل على أنه يأتيهم إلى الأرض، وورد عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الله ينزل عشية عرفة إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الموقف الملائكة) ، وقال ﷺ : (إن الله ينزل إلى السماء الدنيا إذا بقي ثلث الليل الآخر، فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فيغفر له؟ هل من سائل فيعطى؟) ، وفي رواية: (لا أسأل عن عبادي غيري) ، فهذه الأدلة كلها تدل على النزول إلى السماء الدنيا، والنزول إلى الأرض، ينزل وهو فوق العرش، ولا يكون شيء فوقه، لا سماء، ولا عرش، ولا غيرهما، فهو جل وعلا لا سماء تظله، ولا شيء يقله بمعنى يحمله، بل هو الغني بذاته عن كل ما سواه، لا يحتاج إلى شيء.
والمقصود أنه يجب أن يعلم العبد أن الله أكبر من كل شيء، والسماوات على سعتها يقبضها ربنا جل وعلا بيده، ويطويها بيمينه، وتكون حقيرة صغيرة ليست شيء بالنسبة إليه، فكيف يتصور أن شيئاً من المخلوقات يكون أكبر منه تعالى وتقدس؟! ولهذا شرع للإنسان أن يقول: الله أكبر عندما يرى شيئاً عظيماً، أو إذا ارتفع على مرتفع أو غير ذلك؛ لأن الله أكبر من كل شيء.
فهذا وجه كون صفة العلو ذاتية، وإنما الفعلي هو الاستواء، والاستواء خاص ثبت بالأدلة الشرعية، أما هذا فهو عام.
стр. 44
وجه صحة تقسيم الصفات إلى ذاتية وفعلية
السؤال
ما صحة تقسيم بعض العلماء الصفات إلى صفات ذاتية وصفات فعلية، وصفات لازمة وصفات متعدية، وما هو الفرق بينهما؟
الجواب
التقسيم إذا لم يفد شيئاً لا يصار إليه، ولكن هذا التقسيم كله صحيح، ولكن يجب أن يفهم المراد، من تقسيم الصفات إلى ذاتية وفعلية، وإلى صفات اختيارية وغير اختيارية.
الله جل وعلا لا يوصف بغير ما يصف به نفسه، ولا أحد يلزم الله بشيء تعالى الله وتقدس، والوصف الاختياري هو الذي يتعلق بمشيئته، ويقابل هذا الصفات الذاتية، فلا يقال: إنها على حسب المشيئة، وقد مثلنا لها بالحياة، السمع، البصر، العلم، فلا يجوز أن يقال: إن الحياة -مثلاً- تتعلق بمشيئة إذا شاء حيي، وإذا شاء لم يحي، تعالى الله وتقدس عن هذا، هذا لا يمكن، ومن هنا جاء التقسيم.
فالتقسيم يراد به التفريق بين المعاني، وإلا فهو ثابت لله جل وعلا، وقد علم أن الصفات لا تثبت إلا بالسمع، والعقل لا يثبت به شيء، ولكن السمع هو الذي ينبه العقل على ذلك، ويكون العقل موافقاً له، فهذه التقسيمات صحيحة، وإذا أراد الإنسان بالتقسيم التفرقة بين المعاني صار إليه، وإلا فلا يلزم الناس به، ولا يقال: لابد أن تعرف هذه الأقسام، لا يلزم أحد بذلك، واللازم هو أن يؤمن بما جاء عن الله وجاء عن رسوله ﷺ .
стр. 45
وفاة عيسى ﵇
السؤال
ما حكم من ينكر القول بأن التوفي في الآية على ظاهره؛ لأن الواو في الآية لا يقتضي الترتيب؟
الجواب
قيل هذا، ولكن هذا بعيد، وقد قاله بعض العلماء، وإن كانت الواو لا تقتضي الترتيب، فقد جاء ما يدل على الترتيب.
стр. 46
معنى قول الله في عيسى: (إني متوفيك)
السؤال
هل يصح أن نقول في قول الله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران:٥٥] : هي الوفاة الحقيقية ثم يحييه الله فينزل ويحكم بشريعة الإسلام؟
الجواب
لا يمكن؛ لأن الله جل وعلا أخبر أنه رفعه إليه، ثم قال: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء:١٥٩] ، فالإنسان ما يموت مرتين، لا يموت إلا موتة واحدة، فأخبر أن من أهل الكتاب الموجودين في وقته يؤمنون به قبل موته، وموته: الضمير يعود على عيسى ﵇.
стр. 47
متى حصل الاستواء ؟
السؤال
فضيلة الشيخ! قلت: إن الاستواء وقع قبل خلق السماوات والأرض، فما الدليل؟
الجواب
لا، ما قلت هذا، استواء الله وقع بعد خلق السماوات والأرض؛ لأنه جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] ، و (ثم) تقتضي الترتيب مع التراخي، يعني: الاستواء على العرش جاء مرتباً، وجاء هذا الترتيب بلفظة (ثم) مما يدل على أنه ليس قبل، أما السؤال المقدر الذي قد يقول السائل فيه: هل كان الله مستوياً على العرش قبل خلق السماوات؟ فنقول: العلم عند الله، علينا أن نؤمن بالشيء الذي أخبرنا الله جل وعلا به، أما الشيء الذي ما أخبرنا به فنقف، وقد علم أن الله لا يحتاج إلى العرش، فهو غني عن العرش وعن غيره، واستواؤه لأمر يتعلق بمشيئته وحكمته، والله أعلم، وإنما علينا أن نؤمن بالشيء الذي أخبرنا الله به.
стр. 48
اسم النجاشي لملوك الحبشة غير مستمر بعد الإسلام
السؤال
هل يطلق على ملك الحبشة المسلم نجاشي؟
الجواب
المسلم لا يسمى النجاشي، بل هو ملك مسلم، كما أن المسلم الذي يملك مصر لا يسمى فرعون، كذلك المسلم الذي يكون على المجوس لا يسمى كسرى، فهذا خاص بمن كان في الجاهلية قبل الإسلام، أما بعد الإسلام فذهبت هذه الأسامي.
стр. 49
إسلام النجاشي
السؤال
هل كان النجاشي كافراً قبل بعثة النبي ﷺ أم كان على النصرانية الحقة؟
الجواب
النجاشي الذي اسمه أصحمة يعني: عبد الله، آمن برسول الله ﷺ ، فهو مسلم، ولا فائدة في بحث ما ذكر.
стр. 50
شرح العقيدة الواسطية [٥]
الله عالٍ على خلقه مستوٍ على عرشه استواءً يليق بجلاله ، وعلوه لا ينافي معيته لخلقه؛ فهو سبحانه قريب في علوه، عليّ في دنوه، ومعيته قسمان: معية عامة لكل الخلق، ومعية خاصة لأنبيائه وأوليائه وعباده المؤمنين.
стр. 51
إثبات معية الله لخلقه
يقول المصنف رحمة الله عليه: [وقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤] ، وقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧] ، وقوله تعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣] ، وقوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩] ، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤]] .
تقدم الكلام عن الاستواء، وأن الله جل وعلا مستوٍ على عرشه، ثم أتبعه الكلام في علو الله جل وعلا، ثم أتبع ذلك الكلام في المعية؛ ليبين أن هذا كله حق على ظاهره، ولكن يجب أن يُصان عن الظنون الكاذبة وعن خصائص المخلوقين، فإن صفات الله جل وعلا تليق به، ويجب أن يعلم قدر الله جل وعلا وأن يعظم حق عظمته، وليس بين هذه اختلاف أعني: بين العلو والمعية كما سيأتي إن شاء الله، وكذلك القرب، ولم يذكره، ولكن سيأتي فإنه يناسب أن يذكر مع العلو ومع المعية؛ لأنه يبدو لبعض من لم يعرف أوصاف الله جل وعلا على ما يليق به أن هناك تعارض بين هذه الأمور الثلاثة: بين العلو والقرب والمعية، والواقع أنها كلها حق، ويجب أن يعتقد فيها ما دلت عليه النصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤] .
في هذه الآية جمع الله جل وعلا بين استوائه على عرشه وبين معيته لخلقه؛ ليبين أن الاستواء لا ينافي المعية، كما أن الاستواء لا ينافي قربه، كما قال جل وعلا: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي﴾ [البقرة:١٨٦] .
стр. 52
أقسام أفعال الله
وقوله: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)) : في هذه الآية شيئان من الأفعال التي يوصف الله جل وعلا بها: القسم الأول: الله جل وعلا له أفعال تتعدى ويوصف بها تعالى، حسب تعلقها بمشيئته مثل الخلق والإماتة كقوله: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ)) ، وفي ضمن هذا أن الخلق الذي هو فعله غير المخلوق، فالسماوات ليست هي خلقه الذي هو صفته، بل هي مفعوله الذي هو أثر الخلق، فيجب أن يفرق بين هذا وهذا؛ لأن أهل الباطل لا يفرقون، ولاسيما الأشاعرة، فإن عندهم أن الخلق هو المخلوق ولا فرق بين هذا وهذا، وهذا باطل؛ فإن الخلق الذي هو صفة الله التي بها يفعل غير المخلوق الذي هو منفصل عن الله وبائن عنه، ومشاهد ويرى وتجري عليه أقداره وأحكامه وأوامره.
وقوله: ((خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ)) : سبق أن الظاهر من كلام الله جل وعلا وكلام رسوله: أن هذه الأيام الستة هي مثل أيامنا هذه، والذي يقول: إن تلك الأيام اليوم منها كألف سنة لا يستند إلى دليل، وليس هناك دليل إلا ما يؤخذ من خرافات علماء أهل الكتاب الذين يريدون أن يفسدوا عقائد المسلمين، وكم من البلاء دخل على المسلمين بسبب ما ينقل عن أهل الكتاب من الخرافات، والأمور التي لا يجوز أن يترك كتاب الله جل وعلا من أجلها، ولا يجوز أن تكون تفسيراً لكتاب الله، بل يجب أن يُبتعد عنها، وقد أخبرنا رسولنا ﷺ أن الذي يروى عن أهل الكتاب على ثلاثة أنحاء: منها: ما هو مخالف لما عندنا، فهذا يجب رده ولا نلتفت إليه.
ومنها: ما هو مصدِق لما عندنا، وهذا قد أغنانا الله عنه بما عندنا، فلا حاجة إليه.
ومنها: ما هو مسكوت عنه، وهذا الذي جاء الإذن بالتحديث عنه، ولكن لا يصدق ولا يكذب، والله أعلم به.
وعلى هذا تكون مقدار الستة الأيام في علم الله جل وعلا، ولو لم يكن هناك شمس وقمر وأرض فإن كل شيء معلوم لدى الله جل وعلا بمقداره، بحيث إنه يعلم الأشياء التي لم تكن على ما هي عليه، ولا يزيد وجودها في علمه شيء، فهو خلق السماوات والأرض وما بينها في هذه الأيام الستة، وأولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة.
وأما ما في صحيح مسلم: (أن الله خلق التربة يوم السبت) .
فهذا مما هو غلط قطعاً؛ لأنه مخالف لكتاب الله، والأحاديث الصحيحة، فالخلق كان في ستة أيام فقط وليس في سبعة؛ لأن مقتضى هذا أن الخلق كان في سبعة، وهذا مخالف لنص القرآن الذي ذكره الله جل وعلا في سبعة مواضع وعطف عليه الاستواء بلفظة (ثم) .
فخلق السماوات والأرض والإحياء والإماتة وما أشبه ذلك، هذه الصفة من الصفات التي تسمى: أفعالاً متعدية.
والقسم الثاني: ما ذكره في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] ، وهذا هو الفعل اللازم، فهو جل وعلا يوصف بالأفعال المتعدية وبالأفعال اللازمة، واللازمة مثل الاستواء ومثل النزول والمجيء والإتيان وما أشبه ذلك.
والصفات المقصود بها هنا: الأفعال التي تتعلق بمشيئته يفعلها إذا شاء؛ فهو فعَّال لما يريد.
وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ، سبق معنى الاستواء، وأن هذا المعنى ظاهر جداً في لغة العرب، ولا يجوز أن يؤول عن ظاهره، ولما كثر الخوض في ذلك اضطر علماء السلف أن يفسروه بألفاظ مترادفة، فجاء تفسيره عنهم بأربعة ألفاظ مترادفة، قالوا: استوى: علا، وقالوا: صعد، وقالوا: ارتفع، وقالوا: استقر، وكلها ألفاظ ظاهرة يفهم معناها السامع الذي يعرف اللغة، ومجرد ما يسمع ذلك يفهمه.
والاستواء لا يجوز أن يكون بمعنى الاستيلاء، فإن الاستيلاء يتطلب المغالبة، ويتطلب أنه كان قبل ذلك مغلوب عليه تعالى الله وتقدس، كما يقال: استولى الملك الفلاني على البلد الفلاني بعدما كان خارجاً عن ولايته وعن حكمه، فلو كان معنى الاستواء على العرش: الاستيلاء لصح أن نقول: إنه استولى على الأرض، واستولى على السماء، واستولى على كل شيء، وعلى هذا نقول: استوى على الأرض، واستوى على السماء، واستوى على كل مخلوق، ولكن الاستواء جاء خاصاً بالعرش فقط، فلا يجوز أن يطلق على الله جل وعلا إلا ما أطلقه على نفسه، وأما التأويلات التي تئول إلى إبطال كلام الله جل وعلا وأوصافه فيجب أن ترد ولا يلتفت إليها.
стр. 53
علم الله شامل لكل شيء
وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ﴾ [الحديد:٤] ، الولوج: هو الدخول في الشيء، يعني: يعلم الذي يدخل فيها في طبقاتها من جميع الأشياء سواء: حيوانات أو معادن أو نبات أو غيره ذلك، فلا يخفى عليه شيء تعالى الله وتقدس.
وقوله: ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ [الحديد:٤] ، كذلك الذي يخرج من الأرض من جميع الأشياء لا يخفى عليه.
وقوله: ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [الحديد:٤] ، ما ينزل منها، يعني: هذا تفصيل لعلم الله جل وعلا بعدما ذكر أنه يعلم مجملاً ذكر التفصيل، وهذا يذكر لبيان حقيقة الواقع ولوجوب اعتقاد ذلك، وأنه لا يخرج عن علم الله شيء، فهو عليم بالأشياء التفصيلية، وليس كما يقول الفلاسفة الذين يكفرون بهذه الأشياء، يقولون: عَلِمَ الله بالأشياء المجملة فقط، أما الأمور التفصيلية فهو لا يعلمها حتى توجد، تعالى الله وتقدس! وهذا كفر بالله جل وعلا، وفي هذه الآية رد على كل من يقول بهذا القول أو بشيء منه.
وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ﴾ [الحديد:٤] ، أي: الذي ينزل من السماء من الأشياء التي يعلمها الله، من غيث أو رحمة أو عذاب أو أمر أو ملائكة أو أرواح أو رياح أو غير ذلك.
والمقصود بالسماء: كل ما كان فوق، فكل ما كان فوق الإنسان فهو سماء، ونهاية السماء عرش الرحمان؛ فهو سقف المخلوقات كلها، وفوق عرش الرحمان الرحمان تعالى.
стр. 54
الرد على الذين يزعمون أن السماء غير حقيقية وأنها فضاء
ومعلوم أن السماء حقيقة على ما يعتقده المسلمون، لا كما يقوله اليوم أهل الباطل ويلزمون الناس بما ينكرونه، وأن يعتقدوا ما يعتقدونه، فهم الآن يقولون: الفضاء، فيجعلون السماء فضاءً، يعني: أنه ليس هناك سماء مبنية حقيقة، وإنما هو فضاء تسبح فيه الكواكب فقط، هذه هي عقيدتهم، ويقولون: نحن نشاهد هذه الأشياء مشاهدة؛ فإذا صعدنا إلى مسافة معينة انعدمت هذه الرؤية التي نراها فوقنا وذهبت، فلا نرى شيئاً، ويقولون: هذا دليل على أن هذه انعكاسات لما في الأرض من أبخرة متصاعدة من البحار وما أشبه ذلك، فتنعكس وبسببها نرى هذه الزرقة، وهذا تكذيب لله جل وعلا في كتابه، ولما يعتقده الأولون والآخرون، وهؤلاء أصبحوا لا يؤمنون إلا بالمحسوس المشاهد، والسبب في انعدام الرؤية: أن الشيء المرئي لابد أن يكون له مقابل يعكسه فيرى به، فإذا لم يكن له مقابل لا تمكن رؤيته، فإذا ارتفعوا وذهب تأثير الأرض ذهبت الرؤية، هذا هو السبب، وإلا فهي على حالها لا تتغير، ولكن يبعدون عن تأثير الأرض التي تأخذ انعكاس السماء فتشاهد، فإذا أبعدوا عن الأرض وذهب تأثيرها زال الذي يرونه، فاعتقدوا أن هذا الذي يُرى هو -كما يقولون- انعكاسات بحار أو أوكسجين أو أبخرة أو غيرها، ومن المعلوم أن العاقل نفسه لا يصدقه؛ لأن هذا لا يتغير لا عند البحر ولا بعيداً عن البحر، ففي وسط آسيا التي تبعد عنها البحار كثيراً جداً بحيث لا يكون للبحار تأثير في الرقعة التي فوق هذه المنطقة البعيدة، ومع ذلك فالمشاهدة لا تتغير، ثم لسنا بحاجة إلى ما يقولون، فالله جل وعلا يقول: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:٦] ، فهل يأمرنا أن ننظر إلى شيء لا حقيقة له؟! والرسول ﷺ عرج به إلى السماء، واستفتحت له أبواب السماء، سماءً سماءً إلى أن علا السماء السابعة.
وأخبرنا صلوات الله وسلامه عليه: (أن الروح يعرج بها ثم تستفتح لها أبواب السماء فإما أن تفتح وإما أن تغلق وتطرح إلى الأرض طرحاً) ، كما جاء ذلك في حديث البراء بن عازب الذي هو في صحيح البخاري وغيره.
والمقصود: أن السماء إذا جاءت مطلقة -بدون أن تقيد بما يدل على أنها السماء المبنية- فيقصد بها السماء المبنية وقد يقصد بها مجرد العلو.
стр. 55
معية الله جل وعلا للخلق هي بعلمه وإحاطته
وقوله: ﴿وَمَا يَنزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ:٢] ، العروج: هو ضد النزول، وهو الارتفاع والصعود: ((وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا)) ، من الأعمال الصالحة، والملائكة والأرواح وغير ذلك مما يكون بأمر الله جل وعلا ولا نعلمه، بل الله جل وعلا يعلمه؛ فهو يعلم كل شيء.
وقوله: ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)) ، هذا هو الشاهد الذي سيقت الآية من أجله، وهو أنه معنا تعالى أينما كنا، و (أين) يقال للمكان، كما يقال أين فلان؟ يعني: في أيّ مكان هو؟ فقوله: ((أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)) أي: في أي مكان كنتم، فالله يعلمنا ويعلم حالنا ويعلم ما في قلوبنا.
والمقصود بهذا: بيان إحاطة علم الله جل وعلا بكل شيء، وأنه لا يخفى عليه شيء.
وقوله: ((وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)) : زيادة بيان؛ لأنه بصير بكل عمل نعمله، والبصير مبالغة في العلم فهو يبصره بعد علمه المحيط به، ويعرف ويعلم حقيقته، وهل هو عمل صالح قد خلصت به النية أو أن النية قد انطوت على أمر آخر يفسد العمل؟ فهذه المعية لها مقتضى وهو المراقبة والخوف لقوله: ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)) ، يعني: اعلموا أن الله لا يخفى عليه من أحوالكم شيء، فراقبوه وخافوه وأصلحوا أعمالكم، ولتكن قلوبكم متجهة إلى الله، ومخلصة العمل لله، هذا مقتضى ذلك.
وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] ، أول الآية يقول جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [المجادلة:٧] ، وهذه الآية يقول الإمام أحمد وغيره: إنها تدل على أن المعية يقصد بها العلم؛ لأنه بدأها بالعلم وختمها بالعلم، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧] ، فيقول: بدأها بالعلم وختمها بالعلم، فدل على أن المقصود بالمعية هي العلم، وسيأتي الكلام على هذا.
فقوله: ((مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ)) ، النجوى هي: الكلام الذي يكون بين اثنين وأكثر في الخفية، لا يريدون أن يطلع عليه غيرهم، فيقول جل وعلا: ((مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ)) ، وهنا بدأ بالثلاثة، ولماذا لم يبدأ بالاثنين؟ لأنه جاء بالأعداد التي يمكن فيها الشفع والوتر، فالوتر في الثلاثة الذي لا يمكن أن ينقسم إلا على نفسه، والذي فيه الشفع هو ما بعده: ((وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ)) ؛ لأن هذا فيه الشفع والوتر، والأول وتر فقط، فصار شاملاً لجميع الأعداد، واكتفى بهذا عما عداه من الأعداد الأخرى، ومن لغة العرب أن المضاف في مثل هذه الأعداد إذا كان من جنس المضاف إليه فإنهم يقولون: ثالث ثلاثة، ورابع أربعة، وخامس خمسة، وسادس ستة، هذا إذا كان المضاف من جنس المضاف إليه، أما إذا كان المضاف من غير جنس المضاف إليه، فإنهم يقولون: رابع ثلاثة، وخامس أربعة، وسادس خمسة، ولهذا جاء هذا على مقتضى لغة العرب: ((مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ)) ؛ لأنه تعالى وتقدس من غير جنسهم على ما تعارف عليه العرب، وما يعرفونه من لغتهم.
وقوله: ((وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ)) ، وهذا محيط شامل للأقل والأكثر: ((وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ)) ، فبين جل وعلا أنه مع كل أحد من الناس بالنجوى وغير النجوى، الكثيرين والقليلين، وأنه لا يخفى عليه مناجاة مناج، ولا تشغله عن علم مناجاة الآخر، ولا الاستماع لقول واحد عن الاستماع إلى قول الآخرين، وهذا من خصائص الله جل وعلا، ولهذا أراد منا جل وعلا أن نعلم قدرته على سماع كلام عباده واطلاعه على أعمالهم، فكل الذين في السماء وفي الأرض إذا اتجهوا يدعونه فإن كل قولهم يقع في سمع الله، ولا يخفى عليه منهم شيء، ولا يشغله استماعه إلى آخرين عن استماعه إلى البقية، وإن كانوا في آنٍ واحد، وهذا خلاف صفة المخلوق الضعيف؛ فإنه لا يمكن أن يستمع إلى قوم إلا واشتغل باستماعه إياهم عن الآخرين، ولا يمكنه أن يستمع لهذا ولهذا، فصفات الله جل وعلا على خلاف صفات عباده، وسيأتي الكلام على هذا في صفة النزول التي ذكرها الرسول ﷺ بقوله: (أن الله ينزل إلى السماء الدنيا إذا بقي ثلث الليل الآخر) .
وأورد بعض الذين لم يعرفوا صفة الله جل وعلا على هذا إيرادات باطلة لا ترد على صفات الله، وإنما ترد على صفات المخلوقين، فقالوا: إذا كان ينزل ثلث الليل الآخر فإن أثلاث الليل في الأقطار تختلف، فثلث ليل هؤلاء هو أول الليل عند أولئك، وثلث الليل عند هؤلاء هو نهار عند الآخرين وهكذا، فلزم على هذا أن يكون نزوله دائماً، هكذا قالوا، وهذا قول الذين -في الواقع- لم يعرفوا الله تعالى وتقدس، ولم يقدروه حق قدره، بل إنما قاسوا صفات الله جل وعلا على أوصافهم هم، تعالى الله وتقدس عن ذلك، وسيأتي الكلام على هذا إن شاء الله.
وقوله: ((وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا)) ، هذا مثلما سبق أن (أين) يسأل بها عن المكان، ولهذا السبب قال الجهمية: إن الذين يعتقدون قول الرسول ﷺ للجارية: (أين الله؟) ، يسمونهم: أينية، والأينية نسبة إلى هذا اللفظ، وهذه التسمية عندهم من باب الاحتقار والاستهانة بهم وذمهم على ذلك، وكم ذموا أهل السنة بما قاله الله جل وعلا وقاله رسوله ﷺ ! والعيب لهم هم وليس لأهل السنة، فأهل السنة يفتخرون بذلك؛ لأنهم يقولون بما قاله الله وبما قاله رسوله، فإذا سموهم أينية أو سموهم مجسمة أو مشبهة أو ما أشبه ذلك فإنه لا يضرهم هذا ولا يضيرهم، ولا يهمهم التسميات إذا كانوا متمسكين بقول ربهم وقول رسولهم ﷺ ، ومن المعلوم أن العداوة تحدث بسبب هذه المخالفات؛ لأن العداوة الحقيقة هي عداوة العقائد، فإذا كان الإنسان يخالفك في عقيدتك فهو يعاديك أشد العداوة، فهذه العداوة العقدية ليست كالعداوة لأجل مال أو لأجل اختلاف وجهة نظر أو ما أشبه ذلك، ولهذا تجد أن ما بين المسلمين واليهود من العداوة متأصلة، وما بين اليهود والنصارى من العداوة أشد؛ لأن هذه العداوة في العقيدة.
وقوله: ((إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) ، شيء هنا نكرة، فلا يخرج عن علمه شيء من الأشياء، وهذا عموم مطلق لا يجوز أن يخصص بشيء، كقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٢٠] ، أما التقديرات التي يقدرها أهل الوساوس والشكوك فلا قيمة لها، فإنهم يقدرون أشياء مستحيلة وأمور ممتنعة، الأمور الممتنعة ليست بشيء، ولا تسمى شيئاً؛ لأنها عدم، والعدم ينقسم إلى قسمين: عدم مطلق قد علم الله جل وعلا أنه لن يكون ولا يكون، فهذا لا يسمى شيئاً، وعدم مقيد، يعني: كان عدماً ثم وجد، فهذا يسمى شيئاً في علم الله وكتابته، ولكنه في الوجود لا يكون شيئاً حتى يوجد، وهذا كما قال الله جل وعلا: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ [الإنسان:١] ، أي: شيئاً مذكوراً مشاهداً ومرئياً في الوجود، ولكنه شيء في علم الله وكتابته، فهذا هو المعدوم المقيد.
وأما المعدوم المطلق فليس بشيء مطلقاً، ومن هذا القبيل ما يقوله أهل الوسوسة: هل الله جل وعلا يقدر على أن يخلق مثل نفسه؟ هل الله تعالى يقدر على أن يعدم نفسه؟! ويقول الشكاك: أنا موجود في ملك الله، فهل الله يستطيع أن يخرجني من ملكه؟! هذه وساوس لا حقيقة لها، وهي مثل كون الإنسان حياً ميتاً في آنٍ واحد، وهذا لا حقيقة له، ومثل كونه قائماً جالساً في آنٍ واحد، وكونه متحركاً ساكناً في آنٍ واحد وفي لحظة واحدة، هذا عدم مطلق؛ فهو مستحيل، والمستحيل لا يدخل في مسمى الشيء.
стр. 56
معنى قوله تعالى: (لا تحزن إن الله معنا)
وقوله تعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] ، هذا في ما ذكره الله جل وعلا عن نبيه حينما أراد الكفار قتله ودبروا ذلك، ثم إنه ﷺ خرج من مكة مهاجراً إلى الله ومعه صاحبه أبو بكر ﵁، فذهبا إلى غار ثور في جبل في مكة واختفيا فيه، فجاء الكفار ومعهم القافة يقتصون الأثر ويبحثون، فصاروا يدورن على الغار، وصار عند أبي بكر ﵁ شيء من الجزع والخوف، فذهب يقول: (يا رسول الله! والله لو نظر أحدهم إلى أسفل قدميه لأبصرنا، فيقول له ﷺ : (لا تحزن إن الله معنا، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟!) ، يعني: أن الله جل وعلا إذا كان معهم فسيحميهم ويقيهم ويمنعهم من الكفار.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ﴾ [التوبة:٤٠] ، والحزن: هو ضد السرور والفرح، ويكون من توقع الأمر المخوف أو على شيء قد فات كان يحبه فيحزن عليه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] ، يعني: أن الله مع الرسول ﷺ وأبي بكر دون الكفار.
стр. 57
معنى قوله تعالى: (إنني معكما أسمع وأرى)
وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] ، هذا في قصة موسى وأخيه هارون، حينما أمرهم الله جل وعلا بالذهاب إلى فرعون فقال موسى: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥] ؛ لأن طغيان فرعون معروف؛ ولأنه يقدم على القتل وعلى ما يريد بلا مبالاة، فخافا منه.
وقال الله جل وعلا لهما: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] ، يعني: مع موسى وهارون دون فرعون، وقيد ذلك بالسماع والرؤية، فلهذا قال العلماء: إن المعية معناها: العلم والرؤية.
стр. 58
معنى قوله تعالى: (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون)
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] ، التقوى: هي فعل المأمور واجتناب المحذور، وحقيقتها: هي أن يجعل الإنسان بينه وبين المخوف واقياً يقيه؛ وذلك لا يكون إلا بامتثال أمر الله واجتناب نهيه، فالمتقون هم: الذين اتقوا بفعل ما أمرهم الله، وترك ما نهاهم عنه.
أما الإحسان: فهو غاية ما يستطيع العبد في تحسين العمل، فهو درجة فوق التقوى.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] ، فأخبر أنه مع المتقين ومع المحسنين.
стр. 59
معنى قوله تعالى: (واصبروا إن الله مع الصابرين)
وقوله: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦] ، والصبر هو: الحبس، ويختلف باختلاف موارده، ولكنه حسب ما جاءت به النصوص أقسام ثلاثة، وكل الأقسام داخلة في هذا الأمر، فهو إما صبر على أوامر الله، أو صبر على أقدار الله، أو صبر عن معاصي الله تعالى، هذا هو الصبر المأمور به في الأمور الثالثة، وكل هذه الأمور الثلاثة داخلة في قوله: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦] .
стр. 60
معنى قوله تعالى: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإن الله والله مع الصابرين)
وقوله: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩] ، وقيدت هنا بأنها قليلة، ومع ذلك غلبت فئة كثيرة، و (كم) : خبرية، ومعناها: كثير، أي: وقع ذلك كثيراً؛ لأن الله مع الصابرين، وهذا يدلنا على أن الغلبة والنصر ليست بالكثرة وليست بالعدة، وإنما هي لمن كان الله معه، ومن المعلوم: أنه يجب الأخذ بالأسباب؛ لأن الله جل وعلا أمر بذلك، فقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] ، وهذا أمر يجب امتثاله وفعله، فهو سبب، والأسباب مأمور بفعلها، ولكن ليس النصر بالقوة، وإنما النصر بالله جل وعلا، ومن كان الله معه فهو المنصور.
стр. 61
معنى قوله تعالى: (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله)
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤] ، المقصود بذلك: أنه معبود أهل السماء ومعبود أهل الأرض، وأنه مع أهل السماء ومع أهل الأرض، فيستوي أهل السماء وأهل الأرض في ذلك.
стр. 62
أقسام المعية
وهذه الآيات التي ذكرها المصنف في المعية قسمها إلى قسمين: قسم في المعية المطلقة العامة، وقسم في المعية الخاصة، وهذا مما يدل على أن المعية في كتاب الله تنقسم إلى قسمين: معية عامة: وتقتضي المراقبة والخوف والاطلاع، ومعية خاصة: وتقتضي النصر والتأييد والحماية، وهذه تكون على حسب ما أضيفت إليه.
ثم إن المعية في لغة العرب: معناها المصاحبة، وهي تختلف باختلاف ما أضيفت إليه، فقول الإنسان مثلاً: معي علمي غير قوله: معي مالي، وقوله: معي زوجتي، غير قوله: معي صاحبي، كذلك في بقية الإضافات، وقد سمع من كلام العرب: سرنا والقمر معنا.
إذاً: المعية لا تقتضي الممازجة والمداخلة، فإذا قيل: إن الله مع عباده فلا يفهم من هذا أنه مداخلهم، وحال معهم تعالى الله وتقدس، وإنما تكون المعية حسب ما أضيفت إليه.
فمعية الله مع خلقه لا تخرج عن هذين النوعين: إما أن تكون عامة مطلقة، ومعناها: أن الله جل وعلا يسمع كلامهم، ويرى أعمالهم ويطلع عليها، ويبصرهم وهم لا يخرجون عن قبضته، وهو محيط بهم، وهذا هو معنى قول السلف: إن المعية تفسر هنا بالعلم، وقولهم هذا رد على الذين يقولون: إن المعية تقتضي الممازجة والمداخلة يعني: يردون بهذا على أهل الحلول وأهل الاتحاد الذين يقولون: إن الله حل في الأمكنة، تعالى الله وتقدس.
وهذا واضح في الآيات التي سبقت كقوله تعالى: ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)) ، هذه عامة لجميع الخلق، لا يخرج من هذا أحد: مؤمنهم وكافرهم مطيعهم وعاصيهم، ولهذا صار مقتضاها: اطلاع الله على أعمالهم، وعلى قلوبهم، وسماعه لكلامهم، وكونهم في قبضته، وهو محيط بهم، ولا يخرجون عن قبضته، فلهذا قالوا: على الإنسان أن يخاف ربه ويراقبه، وهذه الآية تدل على ذلك: ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)) ، يعني: اعلموا أني أسمع كلامكم، وأرى أعمالكم، وأنتم في قبضتي، فخافوني وأحسنوا الأعمال.
وكذلك في الآية الثانية آية المجادلة وهي قوله تعالى: ((مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا)) ، وهذه عامة للخلق كلهم.
أما قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] ، فهذه معية خاصة، ومعناها: أن الله مع نبيه وصاحب نبيه دون الكفار الذين أحاطوا بالغار، وكذلك قوله في خطابه لموسى وأخيه هارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] ، فهو مع موسى وهارون دون فرعون وقومه، وهذه المعية مقتضاها غير مقتضى المعية الأولى، مقتضى هذه المعية النصر والتأييد والحفظ، وهي معية بالعلم والاطلاع والإحاطة، يعني: مثل الأولى بالعلم والاطلاع؛ لأن علم الله عام شامل، واطلاعه عام، وسمعه عام شامل، وقبضته لا أحد يخرج عنها تعالى وتقدس، فهو محيط بالخلق، فدل ذلك على أن المعية ليست هي المخالطة، كما يقول أهل الحلول الذين يقولون: إن المعية تكون فيما أضيفت إليه، وهذا يمكن أن يعرف في المخلوق، فالعرب يقولون: سرنا مع القمر، ويقول الإنسان: معي زوجتي، ومعي مالي، ومعي صاحبي، ويقول الله جل وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح:٢٩] ، أي: معه في الصحبة، والإيمان وقتال العدو وغير ذلك، وليسوا مخالطين لذاته ولا مداخلين له.
فإذاً: تكون المعية المفهومة على حسب الموارد، ومعية الله جل وعلا لا تخالف علوه، فهو مع الخلق أينما كانوا وهو على عرشه.
أما قول السلف: إن المعية هي العلم، فهذا لأجل رد اعتقاد أهل الحلول الذين يقولون: إن الله في كل مكان، وإنه معنا في الأرض.
فعلى هذا يتبين أن معية الله جل وعلا خاصة به، وليست مثلما يقال: إن فلان مع فلان، بل هي معية خاصة به؛ وذلك أن علم الله عام، وسمعه عام، وإحاطته عامة وشاملة، ولكن يجب أن يعلم أن علوه واستواءه حقيقي على ظاهره، وأن معيته لخلقه حقيقة على ظاهرها، وأن أحدهما لا تناقض الأخرى؛ لأن الأخبار في هذه قطعية، وفي هذه قطعية كذلك، وليس واحد من الأخبار يعارض الآخر، بل يجب أن يصان عن الظنون الكاذبة، وعن خصائص المخلوقين، فإن الله جل وعلا لا يتصف بشيء مما يخص المخلوق؛ فصفاته خاصة به، فهو مع موسى ﵇ وقريب منه، وعندما كلمه من طور سيناء كان على عرشه.
стр. 63
أقسام القرب
والقرب ينقسم إلى قسمين كما سيأتي: القسم الأول: قرب يكون للداعي والسائل كقوله جل وعلا: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي﴾ [البقرة:١٨٦] ، وكقول الرسول ﷺ في حديث أبي موسى الذي في الصحيحين لما رفعوا أصواتهم في الدعاء والذكر، قال: (أربعوا على أنفسكم -يعني: أرفقوا بأنفسكم- إنكم لا تدعون أصماً ولا غائباً؛ إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) ، فهذا قرب للداعي والسائل، ولكن مع قربه إليهم هو مستوٍ على عرشه وعالٍ على خلقه جميعاً، ويكون قربه قرباً يليق به، وهو قرب على حقيقته، وعلى ظاهره، ولكنه لا ينافي علوه؛ لأن هذا من خصائص الله سبحانه.
والقسم الثاني: هو مثل المعظم الذي يعظم نفسه أو يكون له خدم وعبيد يمتثلون أمره؛ فإنه يقول: فعلنا، ونحن نفعل، كما يقول الرئيس: نحن نأمر بكذا وكذا، وإن كان المنفذ غيره، والكاتب غيره، والمبلغ غيره، فإذا قال الله جل وعلا: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] ، وقال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥] وما أشبه ذلك، فهذا يصح أن يكون أمر ملائكته بذلك فامتثلوا أمره، ونفذوا ما أمرهم به، فأضاف ذلك إلى نفسه، وهذا معلوم في لغة العرب ومعروف.
ولا يكون منافياً أيضاً لما سبق، بل يحمل على ظاهره، وليس ذلك تأويلاً؛ لأننا إذا تبين لنا أن مراد المتكلم هو الظاهر فهذا لا يسمى تأويلاً، وبهذا يعلم أن معية الله ليست منافية لعلوه واستوائه، كما أن قربه لا يخالف علوه واستواءه، فهو قريب من داعيه، وكذلك قريب من السائلين والتائبين والمنكسرة قلوبهم وهو على عرشه، ومثل ذلك مجيئه يوم القيامة كما قال سبحانه: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [البقرة:٢١٠] ، وقال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] ، فإنه يوم القيامة يجيء إلى الأرض للفصل بين عباده، ولكن يجيء وهو على عرشه عالٍ على خلقه لا يمكن أن يكون شيء فوقه؛ لأنه أكبر من كل شيء وأعظم من كل شيء، والأشياء كلها -كالسماوات والأرض- بالنسبة إليه صغيرة، ولهذا يقبضها تعالى بيده ويطويها، ثم يقول: أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ وكل الخلق الذين في السماء وفي الأرض، يكونون في قبضته بيمينه تعالى وتقدس، كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] روى ابن جرير عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: السماوات والأرض كلها مطوية بيمينه وشماله فارغة وإنما يستعين بشماله من كانت يمينه مشغولة.
هكذا قال حبر الأمة.
فالمقصود: أنه يجب أن يعلم عظمة الله، وأنه أعظم وأكبر من كل شيء، فكيف يسوغ للجاهل الظالم أن يقول: إن الله يحل في الأرض ويداخل خلقه؟ تعالى الله وتقدس.
стр. 64
الأسئلة
стр. 65
الفرق بين الصفات المتعدية والصفات اللازمة
السؤال
قلتم: إن الاستواء فعل لازم، فما هو الفعل اللازم؟ وهل إذا نزل الله إلى السماء الدنيا أو جاء يوم القيامة انفك عن صفة الاستواء على العرش؟
الجواب
الواجب أن الإنسان يسأل عن اللازم الصناعي في النحو؛ لأن علماء النحو يقسمون الأفعال إلى قسمين: فعل لازم، وفعل متعدي، فالمتعدي: هو الذي يتعدى إلى مفعول، واللازم: هو الذي ليس له مفعول، وهذا هو المقصود هنا.
فمثلاً: فعل استوى ليس له مفعول، ومثله: جاء وأتى، بخلاف خلق؛ فإن الخلق يتعدى إلى المخلوق، ولابد أن يظهر أثره؛ ولهذا نقول: السماوات والأرض مخلوقاته، وخلقه صفته، وكذلك الإحياء والإماتة والرزق وغير ذلك.
стр. 66
معنى قوله تعالى: (وما يعرج فيها)
السؤال
ورد في الآية الكريمة قوله: ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [الحديد:٤] ، والأصل في هذا الفعل أنه يجوز أن يُعدى بإلى فما توجيهكم لهذا؟
الجواب
الحروف تتناوب، وكثيراً ما يأتي حرف بدل الآخر، ويأتي بمعنى الآخر، وهذا شيء معروف، فمثلاً (في) و (على) كثيراً ما تتناوب، كما يقول جل وعلا حاكياً قول فرعون: ﴿وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] ، ويقول سبحانه: ﴿سِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام:١١] ، وليس معنى ذلك أنه يصلبهم في داخل الجذوع، وليس معنى ذلك أنه المشي في داخل الأرض، ولكنه عليها، فـ (في) هنا بمعنى: (على) .
стр. 67
وجوب الإيمان بما أخبر الله دون التكلف في معرفة غيره
السؤال
فضيلة الشيخ: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] ، هل تدل هذه الآية الكريمة على أن الله حين خلق السماوات والأرض لم يكن عالياً على العرش؟
الجواب
هذا من التكلف الذي لا ينبغي؛ لأن الواجب علينا أن نقول بما علمنا وما ذكره الله جل وعلا لنا، أما ما وراء ذلك فشيء قد لا تحتمله عقولنا ولا تصل إليه، مع العلم أن الله جل وعلا أول بلا بداية، وأنه ليس بحاجة إلى غيره، بل العرش فقير إليه، وكونه خلقه واستوى عليه ليس لأنه سبحانه محتاج إليه؛ بل خلقه لحكمة، وقد يظهر لنا شيء من ذلك وقد لا يظهر، فيجب على الإنسان أن يقف حيث أوقفه الله، ولا يتعدى ذلك إلى الأمور التي لم تأت الأخبار من الله إلينا يعلمنا إياها، فعلينا أن نقف عند حدنا.
وهذا السؤال قد أجاب عنه بعض العلماء، ولكنه جواب بمقتضى النظر فقط؛ لأنه ليس فيه نصوص، فقال: إنه كان مستوياً قبل ذلك؛ لأنه لما خلق العرش استوى عليه، ولم يكن ليخلقه ويتركه، والاستواء بعد خلق السماوات والأرض استواء خاص، هكذا قال والله أعلم.
стр. 68
الفرق بين العلو والاستواء
السؤال
كيف نجمع بين قولنا: إن العلو صفة ذاتية وبين قولنا: إن الله علا على العرش؟
الجواب
سبق أن تكلمنا على هذا وقلنا: العلو صفة ذاتية، بمعنى: أنه لا يمكن أن يكون شيء فوق الله تعالى وتقدس، وأنه سبحانه ملازم للعلو، وصفة الذات هي: التي تلازم ذات الرب جل وعلا أبداً لا يمكن أن تفارقه، والعلو لا يمكن أن يفارق الرب جل وعلا وتعالى وتقدس، ولهذا قال: إنه صفة ذات، فهو الأعلى دائماً وأبداً على خلقه، لكن الاستواء، هو استواء على مخلوق والذي هو العرش، وهذا لا نعرفه إلا بالنص فقط، فإذا جاء النص قلنا به وآمنا به واتبعناه، ولهذا فرقوا أيضاً من ناحية الثبوت بين هذا وهذا، ومن ناحية الدليل كذلك، فقالوا: الاستواء سمعي، وأما العلو فهو عقلي فطري سمعي.
стр. 69
من معاني المعية العلم وليس هو معناها فقط
السؤال
فضيلة الشيخ! ذكرت أن المراد بالمعية العلم، وهذا تفسير باللازم، وهل هذا ينافي التفسير للكلمة بالحد المطابق الأصلي، ثم بعد ذلك التفسير باللازم؟
الجواب
يقولون: آفة الأخبار رواتها؛ أنا ما قلت: إن المعية العلم، إنما قلنا: هذا من معاني المعية، وقلنا: إن العلم عام شامل، وأما المعية فلها مقتضيات: مقتضى الخوف والمراقبة، ومقتضى الحفظ والكلاءة والنصر، فيختلف هذا عن هذا؛ ولو كانت المعية معناها العلم لم يكن هناك فرق بين هذه وهذه، ولكانت كلها سواء، هذا شيء.
والشيء الآخر أنني قلت: إن المعية من معناها العلم والمراقبة والإحاطة، وإن الخلق في قبضته سبحانه كل هذا من معاني المعية وليس العلم فقط، إنما العلم شيء من ذلك، وقلت: إن السلف فسروا المعية بالعلم رداً على الذين يقولون: إن الله مع خلقه بذاته داخل فيهم، ففسروها بالعلم لأجل الرد على هذا القول؛ لأنه باطل، وقالوا: إنه معهم بعلمه، أما هو فهو مستوٍ على عرشه فوق خلقه.
стр. 70
فهم مراد المتكلم على حقيقته ليس تأويلاً وإن صرف النص من ظاهره
السؤال يقول: هل تفسير القرب في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] : بأنه قرب الملائكة تأويل وصرف للآية عن ظاهرها؟
الجواب
ليس تأويلاً؛ لأن السياق يدل على أنهم الملائكة، ونحن نقول: لا يجوز للإنسان أن يأخذ اللفظ في جميع موارده على وتيرة واحدة، بل يجب أن ينظر في السياق والقرائن ودلائل الخطاب، ويعرف ما هو مراد المتكلم، فإذا تبين له مراد المتكلم فذاك هو الظاهر، فمثلاً: قوله جل وعلا: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [البقرة:٢١٠] ، نقول: هذا الإتيان هو إتيانه جل وعلا بنفسه حقيقة بدليل هذه الأمور المقترنة بهذا الخطاب: ذكر الملائكة، وأن هذا يوم القيامة حينما يجتمع الخلق، وذكر القضاء، وكون الأمور ترجع إليه: ((وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ)) ، وغير ذلك من القرائن التي حُفت بهذا.
أما إذا نظرنا إلى قوله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّهِ فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢] ، فنقول: الإتيان هذا إتيان عذابه وجنده الذين سلطهم عليهم، وجنده هم رسوله والمؤمنون، أما هو جل وعلا لم يأتهم، وهذا يفهم من القرائن والسياق والحال، وكذلك قوله جل وعلا: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ﴾ [النحل:٢٦] ، نقول: هذا من إتيان عذابه وهذا هو الظاهر، وليس هذا تأويلاً؛ لأن الله لا يأتي إلى الحيطان تعالى الله وتقدس، وإنما هو عالٍ على جميع خلقه.
والمقصود: أن الإنسان يجب عليه أن يتفهم مراد المتكلم، فإذا تبين له مراده، فهذا هو الظاهر، وليس تأويلاً.
стр. 71
لا يقال: المعية صفة ذاتية
السؤال
هل المعية العامة من الصفات الذاتية؟
الجواب
لا، لا يطلق هذا على المعية ولا يذكر؛ لأن العلم ذاتي والإحاطة ذاتية والسمع كذلك، وهذه من معانيها، أما أن نقول: المعية ذاتية فهذا لا يجوز؛ لأن هذا قد يفهم منه أن الله مع خلقه بذاته، وهذا كفر بالله جل وعلا، وكون الله جل وعلا يكون مخالطاً لخلقه -تعالى الله وتقدس- منافٍ لعلوه، فلا يجوز إطلاق هذا القول.
стр. 72
علاج الوسوسة
السؤال
ما توجيهكم لمن يكون عنده بعض الشبهات التي سببها الوسوسة، كأن يقول: ما فائدة خلق البشر؟ ونحو ذلك، فكيف يطرد هذه الوساوس؟
الجواب
يطردها بالعلم، وأن يؤمن بأن الله جل وعلا هو الذي كلف الخلق بعبادته، وأنهم كلهم في قبضته، وليسوا ينقصون ملكه لو عصوه أو يزيدون ملكه لو أطاعوه، وأن الأمور كلها بيد الله، وأن الله لا يُسأل عما يفعل، وأن الإنسان يجب أن يقف عند حده ولا يتعدى طوره، فلا يذهب ينظر في الأمور التي يعترض بها على الله جل وعلا، فإنه قد يكون هذا سبب تعذيبه، فإن الله جل وعلا يخاطبنا على حسب عقولنا فقط، ومن وقف على خطاب الله كفاه ذلك.
стр. 73
شرح العقيدة الواسطية [٦]
مسألة إثبات صفة الكلام لله جل وعلا من المسائل الكبار التي اختلف فيها الناس، ومذهب أهل السنة والجماعة: أنهم يثبتون صفة الكلام لله ، فيقولون: إن الله يتكلم كلاماً حقيقياً، متى شاء وإذا شاء، بحرف وصوت، وصفة الكلام قديمة النوع، حادثة الأفراد، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح، أما أهل البدع فقد خاضوا في هذه المسألة العظيمة بعقولهم وآرائهم فتناقضوا وضلوا وأضلوا.
стр. 74
أدلة إثبات صفة الكلام لله تعالى
يقول المصنف ﵀: [وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] ﴿وإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١١٦] ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥] ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣] ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢] ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّك مُوسَى أَنْ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء:١٠] ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف:٢٢] ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص:٧٤] ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥] ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَك فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٧٥] ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح:١٥] ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إلَيْك مِنْ كِتَابِ رَبِّك لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف:٢٧] ﴿إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل:٧٦] ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام:١٥٥] ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْته خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١] ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل:١٠١] ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّك بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:١٠٢] ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣]] .
لا يزال المصنف ﵀ في مسألة الكلام، ومسألة الكلام -كلام الله جل وعلا- اختلف الناس فيها كثيراً، ولكن أدلة الحق واضحة وجلية، ومنها هذه الآيات التي ذكرها المؤلف، وبدأها بقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] ، وكذلك التصريح بالقول: ﴿وإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران:٥٥] ، وكذلك التصريح بأن له كلمات، وأنه يتكلم: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥] ، وكذلك التأكيد بمصدر الفعل على أنه يكلم من يشاء: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] ، وهذا إذا جاء بهذه الصيغة فإنه لا يحتمل إلا الحقيقة، كما نص على ذلك أهل النحو وأهل اللغة، وكذلك قوله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣] ، ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] ، هذا لفظ الكلام والقول، ثم يذكر النداء، والنداء لا يكون إلا بالقول الذي يستند على الحرف والصوت؛ لأن النداء لمن بعد بخلاف النجوى، فإن النجوى للقريب، والنداء للبعيد، وإن كان الرب جل وعلا كل شيء لديه قريب، ولكنه ينادي من يشاء من عباده كما سيأتي، وهذا جاء في أحد عشر موضعاً من كتاب الله جل وعلا، وهو من أصرح الأدلة على أن الله جل وعلا يتكلم كلاماً بحرف وصوت كلاماً حقيقياً، وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] ، والإضافة تمنع أن يكون الكلام لغيره جل وعلا وقد أضافه إليه؛ والمعنى إذا أضيف يتعين أن يكون صفة، بخلاف العين القائمة بنفسها فإنها تكون من إضافة المخلوق إلى خالقه كقوله: رسول الله نبي الله عبد الله بيت الله ناقة الله، فهذه وإن كان يقصد بها التشريف والتكريم والاختصاص ولكن هي من إضافة المخلوق إلى خالقه، بخلاف كلام الله سمع الله بصر الله وما أشبه ذلك، فإن هذا يتعين أن يكون من إضافة الصفة إلى الموصوف.
قال ﵀: [وقوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٧٥] ، وقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح:١٥]] وهذا في قصة الحديبية وبيعة الرضوان لما بايع الصحابة رضوان الله عليهم رسول الله ﷺ على الموت أو على ألا يفروا حسب ما جاء في الحديث، وإذا كانوا لا يفرون فيلزم من ذلك أن الإنسان يقاتل حتى ينتصر أو يقتل ولابد، فأثابهم الله جل وعلا بأن عجل لهم مغانم خيبر التي وعدهم بها، وأمر ألا يخرج مع الرسول ﷺ إلا من حضر تلك الغزوة، فأراد بعض المنافقين -لما علموا أن الغنائم مضمونة- أن يتبعوهم وليس عندهم رغبة في الأجر، فأمر الله جل وعلا نبيه أن يقول: ((لَنْ تَتَّبِعُونَا)) [الفتح:١٥] وأخبر أن اتباعهم هذا خلف لوعد الله جل وعلا: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح:١٥] ، ووعد الله الذي وعدهم به هو بكلامه الذي أنزله على رسوله ﷺ ، هذا على قول.
والقول الآخر: أن التبديل لا يكون لخلق الله، كما قال الله جل وعلا: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠] ، وإنما التبديل يكون للكلام كما أخبر الله جل وعلا أن اليهود يبدلون كلام الله بغيره، فالكلام يمكن تبديله ولو كان الكلام مخلوقاً -كما يقول أهل الباطل- ما أمكن تبديله، هذا وجه الاستدلال من الآية: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح:١٥] ، فكونهم أرادوا ذلك فهذا يدل على إمكانه، وقد أخبر جل وعلا أن من اليهود من بدل كلام الله، أما لو كان مخلوقاً -كما يقول أهل الباطل- فإنه لا يمكن؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه﴾ [الروم:٣٠] ، فخلق الله لا يبدل، إذا خلق الله شيئاً فلا يمكن أن يبدل بغيره.
стр. 75
كلام الله هو كتاب الله
قال ﵀: [وقوله: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف:٢٧] ، وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل:٧٦] ، وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام:٩٢]] هذا نوع آخر من إبطال قول بعض أهل البدع؛ لأنهم يفرقون بين كلام الله وبين كتاب الله، فالكتاب عندهم: ما كان مشتملاً على الحروف والأصوات، وما كان مكتوباً، وما كان مقروءاً، وما كان مسموعاً، فإن هذا هو كتاب الله عندهم، ولكنه مخلوق، ولم ينزل من عند الله، وإنما قاله الرسول إما الرسول الملكي أو الرسول البشري، وأمر بكتابته محمد ﷺ ، ولم ينزل الرسول إليه بشيء من عند الله، وإنما نزل بكلامه الذي عبر به عن المعنى القائم بنفس الله جل وعلا! هذا حقيقة مذهبهم وقولهم، فلم ينزل -عندهم- من عند الله كتاب، ولم يتكلم الله جل وعلا بكلام يسمع، ولم يكن كلامه مشتملاً على حروف أو أقوال، وإنما كلامه معنى واحد قائم بنفسه، وهو عبارة عن أمور أربعة هي: الأمر والنهي والخبر والاستفهام، وزعموا أن معناها واحد، ولكن إذا عبر عنها بالأمر صارت أمراً وإذا عبر عنها بالنهي صارت نهياً، وإذا عبر عنها بالخبر صارت خبراً، وإذا عبر عنها بالاستفهام صارت استفهاماً، فلا فرق بين هذه الأمور في الواقع عندهم، وكذلك إذا عبر عن هذا المعنى باللغة العربية صار قرآناً، وإذا عبر عنه بالسريانية فهو إنجيل، وإذا عبر عنه بالعبرية فهو توراة، وعلى هذا تكون آية الدين هي عين آية الكرسي، وسورة (تبت) هي عين سورة (قل هو الله أحد) ؛ لأن المعنى الذي عبر عنه واحد قائم بنفس الله جل وعلا، وهذا لا يعقله عاقل، بل هو باطل شرعاً وفطرة وعقلاً وإجماع من لم تتغير فطرته، وهذا مذهب كثير من الناس إلى اليوم! والناس المقصود بهم العلماء، ومن المصائب الكبيرة أنهم ينسبون هذا إلى رسول الله ﷺ وهو بريء من ذلك، فأراد المؤلف أن يبين بطلان هذا بذكر هذه الآيات: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ [الكهف:٢٧] ، فالكتاب والقرآن والتنزيل والكلام والوحي كله سواء عند أهل الحق، لا فرق بين هذا، والذي يفرق بين هذه الأمور هم أهل البدع، وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام:٩٢] ، والإشارة إلى ما نزل على محمد ﷺ ونزل به جبريل وألقاه على قلبه فعلمه وعقله ثم بلغه إلى أصحابه، وأصحابه بلغوه إلى الأمة، وقوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١] ، المقصود هنا لفظ التنزيل: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ﴾ [الأنعام:٩٢] ، ﴿َلوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [الحشر:٢١] ، والتنزيل يعرفه أهل اللغة، بل يعرف العقلاء أنه ما نزل من فوق إلى تحت، فهو نزل من الله؛ لأن الله في العلو فأنزله مع رسوله جبريل إلى رسوله محمد ﷺ .
следующие страницы →