← Акыда

Акыда · id 3047

شرح العقيدة الواسطية - الغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (524 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

معنى كون الأرض سبع أرضين هل الأرض سبع طبقات مثل السماء؟ ذكر القرطبي في تفسيره أن للعلماء في هذا قولين: أحدهما: أن المقصود بسبع أراضين أنها طبقات بدون فتوق. والثاني: أنها مفتوقة، كل طبقة بينها وبين الأخرى فتوق، يعني: فضاء، ورجح هذا القول، وذكر أدلته على ذلك من أقوال بعض السلف، وذكر قولاً ثالثاً، وهو قول مردود، وهو أن المقصود بسبع أراضين سبعة أقاليم ظاهرة، وهذا باطل، يبطله الحديث وغيره، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:١٢] فالمثلية لا تتأتى على ذلك؛ لأن الأقاليم طبقة واحدة كلها، والقول الذي اختاره القرطبي ليس هو الصواب، والصواب هو القول الأول والعلم عند الله جل وعلا،، وما ذكره من أقوال السلف الظاهر أنه مأخوذ عن أهل الكتاب، وأهل الكتاب لا يجوز الاعتماد عليهم في مثل هذه الأشياء، فالراجح أنها سبع طبقات ليس بينها فضاء، كل واحدة تحت الأخرى كما قال الله جل وعلا، ويكفينا هذا، أما ما ذكره الحافظ ابن كثير ورواه ابن جرير وغيره عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن ذلك فقال للسائل: لو أخبرتك لكفرت، وفي رواية أخرى أنه قال: في كل أرض من هذه الأراضين مثلما على وجه هذه الأرض، حتى ذكر في كل أرض نبي مثل النبي الذي جاء على وجه هذه الأرض، فهذا من الكذب، بل هذا من زنادقة أهل الكتاب الذي أرادوا به إفساد عقائد المسلمين، فإذا صح عن ابن عباس أنه قاله فقد نقله عن أمثال كعب الأحبار وغيره من الذين ينقلون عن كتب المتقدمين من اليهود وغيرهم الشيء الذي يكذبه ما عندنا من كتاب، وقد جاء شيء كثير عن وهب بن منبه ﵀ وعن كعب الأحبار وغيره، وفي صحيح البخاري عن أمير المؤمنين معاوية ﵁ أنه قال منكراً على الذين يستمعون ويأخذون من أهل الكتاب: ما لكم تأخذون عنهم؟ فإن من أصدقهم كعب الأحبار، وإننا لنبلوا عليه الكذب. هكذا ذكره البخاري في صحيحه: وإننا لنبلوا عليه الكذب. يعني: في الشيء الذي ينقله مثل قوله: قرأت سبعين كتاباً من الكتب التي أنزلها الله! من أين له سبعون كتاباً من الكتب التي أنزلها الله؟! وما أشبه ذلك من أشياء يكذبها الواقع. والمقصود أن قوله: (والأرض) ذكرها مفردة لهذه العلة، ويكون هذا هو سر ذكرها مفردة في كتاب الله جل وعلا، فإنها إذا عطفت على السماوات التي جاءت بالجمع تذكر مفردة، ولا بد أن اللفظ الذي يذكره الله جل وعلا يكون له معنى، فيجب أن يتفطن له، وكذلك إذا ذكر ذلك رسول الله ﷺ ، ولا يخالف هذا قوله: (والأراضين) في الحديث الآخر: (اللهم رب السماوات السبع وما أظلت، ورب الشياطين وما أضلت، ورب الأراضين وما أقلت) ، فهذا لا ينافي هذا، فلكل كلام معنى.

стр. 177

توسل النبي ﵊ إلى الله في هذا الدعاء قال: (ورب العرش العظيم) هذا من التوسل الخاص؛ لأن ربوبية الله للعرش غير ربوبيته للسماوات والأرض، فهي ربوبية خاصة، ثم قال: (ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى) ، وهذا عموم بعد خصوص، فالتوسل يكرر، ويذكر الشيء الذي يليق بالله جل وعلا، وقوله: (فالق) الفلق هو: الشق، والحب هو: ما يخرج من النبات يعني: أنه يفلقه للإنبات، والنوى هو: فصم التمر، فإنه يشبه الحصى، ومع ذلك يكون رقيقاً، وإذا أراد الله جل وعلا أن ينفلق عن نبات أخضر: يخرج ويشق الأرض، وهذا بقدرة الله، ولا أحد من الخلق يستطيع أن يفعل ذلك. ثم قال: (منزل التوراة والإنجيل والقرآن) هذا توسل آخر بأنه أنزل هذه الكتب التي فيها الهدى والنور، فيها هداية البشر إلى الحق، وفيها علاج مرض الشبهات، ومرض الشهوات لمن أراد الله جل وعلا، فهي تهدي إلى رب العالمين، ونص على هذه الكتب الثلاثة؛ لأنها أعظم الكتب التي أنزلها الله جل وعلا، وآخرها هو أعظمها، وهو المهيمن عليها.

стр. 178

الاستعاذة من شر النفس ومن شر كل دابة قوله: (أعوذ بك من شر نفسي) العياذ هو الالتجاء من المخوف، أن يلتجئ ويعتصم من شيء يخافه، واللياذ قد يكون بهذا المعنى، ولكن بعض العلماء ذكر أن اللياذ يكون في الخير، والعياذ يكون من الشر، واستدل على ذلك بقول المتنبي: يا من ألوذ به فيما أؤمله ويا من أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره ولا يهيضون عظماً أنت جابره وهذا يقوله في مخلوق نسأل الله العافية، وهذا لا يجوز أن يقال إلا في الله جل وعلا؛ لأنها من صفات الله وليست من صفات المخلوق، ولكن هكذا الشعراء يبالغون المبالغات التي قد تخرج بهم إلى الشرك نسأل الله العافية، وبهذا يتبين لنا الفرق بين العياذ واللياذ، وإن كان بعض العلماء لم يفرق بين هذا وهذا. قوله: (من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها) المقصود بالدابة كل ما يدب على وجه الأرض، واصطلح على أن الدابة هي التي تمشي على أربع، وبعضهم عندهم اصطلاح أخص، فيطلقونها على الحمار، ولكن هذا اصطلاح فقط، وإلا فاللغة تدل على أن كل ما دب على وجه الأرض فهو دابة، والحديث هذا يدل على ذلك، ويدخل في هذا الجن والإنس والحيوانات وغيرها، قال: (أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها) ، والناصية هي مقدم الرأس، ومعنى ذلك أنك تملكها وتتصرف فيها كيف تشاء، فهي بقبضتك، لا تتحرك إلا بمشيئتك، ولا يصدر منها شيء إلا بإرادتك.

стр. 179

قوله: (أنت الأول فليس قبلك شيء) قال: (أنت الأول فليس قبلك شيء) هذا هو المقصود بالحديث، (أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء) ومحل الشاهد قوله: (وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء) ، وهذا تفسير لهذه الأسماء الأربعة المتقابلة، ولا يجوز أن يعدل عن هذا التفسير؛ لأن هذا تفسير المعصوم صلوات الله وسلامه عليه الذي لا ينطق عن الهوى، فتفسير قول الله جل وعلا: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد:٣] أنه الأول قبل كل شيء، والآخر بعد كل شيء، والظاهر فوق كل شيء، والباطن دون كل شيء، فهذه الأسماء الأربعة اثنان للأزلية والأبدية، واثنان للإحاطة، إحاطة العلو والظهور والبطون، وليس معنى ذلك أنه في كل مكان تعالى الله وتقدس، فهذا مثل كونه جل وعلا على العرش وهو معنا، وهذا هو المقصود من قوله: (ليس دونه شيء) ، فهو باطن ليس دونه شيء، فكل الخلق في قبضته، وهو أقرب إلى الإنسان من نفسه، يتصرف فيه كيف يشاء، هذا معنى الباطن، وهذا الذي يجب أن يعلم.

стр. 180

قوله: (اقض عني الدين، وأغنني من الفقر) قوله: (اقض عني الدين) هذا هو الدعاء المقصود، والأول كله توسل وثناء على الله جل وعلا، والدعاء أتى بعد ذلك، (اقض عني الدين، وأغنني من الفقر) وهذا يدلنا على خطر الدين، وينبغي للإنسان أن يهتم به؛ لأنه حق الغير، والعلماء يفسرون هذا بما هو أعم من الدين الخاص الذي هو دين الإنسان، فيعم كل حق، أي: اقض عني كل حق، فيدخل فيه حق الله جل وعلا وحق المخلوق. وقوله: (أغنني من الفقر) يدلنا على أن الفقر يستعاذ منه، وأن الغنى مطلوب، ولا ينافي هذا كون الرسول ﷺ اختار أن يشبع يوماً ويجوع يوماً صلوات الله وسلامه عليه، فإذا شبع حمد الله وأثنى عليه، وإذا جاع ذكر ربه وسأله، فإنه صلوات الله وسلامه عليه أكمل الخلق، ولكن ليس كل الناس هكذا، فالفقر قد يكون كفراً؛ لهذا جاء في الأثر: (كاد الفقر أن يكون كفراً) وذلك أن الإنسان إذا افتقر قد يبذل دينه لدنيا يريدها، والفقر في اصطلاح بعض الفقهاء أخص من المسكنة، فالفقير أشد حاجة من المسكين؛ فلهذا يقول الفقهاء: الفقير من وجد نصف الكفاية أو أقل، والمسكين: من وجد نصف الكفاية فأكثر، واستدلوا على هذا بقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف:٧٩] فسماهم مساكين ولهم سفينة، ولكن إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر.

стр. 181

حديث: (أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً) قال ﵀: [وقوله ﷺ لما رفع الصحابة أصواتهم بالذكر: (أيها الناس! أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً بصيراً قريباً، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) متفق عليه. ] معنى (أربعوا) أي: أرفقوا بأنفسكم يعني: لا تكلفوا أنفسكم، ولا ترفعوا أصواتكم، فيشق ذلك عليكم، (إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً بصيراً قريباً، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) . هذا الحديث يدل على المعية، وهذه المعية لا تنافي القرب، ولكن الفرق بين المعية والقرب سيأتي، ويدلنا هذا الحديث على أن الذكر برفع الصوت منهي عنه، فالذكر يكون مع خفض الصوت؛ وذلك لأن الله مع الإنسان يسمعه ولا يخفى عليه شيء، وقد قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف:٥٥] يعني: بينك وبين نفسك، وهذا أفضل الذكر، إلا الأمور التي ورد أنها تستثنى من ذلك، مثل التلبية، فإنه جاء استحباب رفع الصوت بها، حيث قال رسول الله ﷺ : (أفضل الحج العج والثج) ، والثج هو: نحر الدماء وإراقتها تقرباً إلى الله، والعج: رفع الصوت بالتلبية، وهذا يكون للرجال، فهذا مستنثى لورود النص به، أما ما عدا ذلك فإن الذكر يكون إخفاؤه أفضل، ويجوز أن يكون جهراً، ولكنه يكره لهذا الأمر، والسبب في هذا أنه إذا كان بين الإنسان وبين نفسه فإنه أدعى إلى التفكر، وأدعى إلى الخشوع، وأدعى إلى الإخلاص، ومن الأمور المستثناة أيضاً ما ورد في حديث ابن عباس وغيره -وهو حديث صحيح- من رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة، فكان الرسول ﷺ مع الصحابة يرفعون أصواتهم بالذكر لاسيما بعد صلاة المغرب وصلاة الفجر حتى يسمع ذلك من خارج المسجد، وحتى يكون للمسجد ارتجاج من أصواتهم، فهذا أيضاً يستثنى من ذلك. وقوله: (أيها الناس!) خطاب عام ولكن يقصد به من يذكر الله جل وعلا. وقوله: (فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً) الأصم: الذي لا يسمع، والغائب: لا يبصر، ومعنى ذلك أن الله سميع بصير، فالذي تدعونه سميعاً بصيراً، يسمعكم وإن أخفيتم الذكر، ويراكم ولا يخفى عن نظره شيء، لا في بواطنكم ولا في ظواهركم؛ لأن نظر الله جل وعلا لا يحجبه حائل؛ ولهذا في صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري أنه قال: (قام رسول الله ﷺ فينا بأربع كلمات فقال: إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره) ، وبصره لا شيء يحول بينه وبين منتهاه أبداً، فبصره ينتهي إلى كل شيء، فهو بصير بكل شيء تعالى وتقدس.

стр. 182

معنى قرب الله من خلقه قوله: (لا تدعون أصم ولا غائباً) يدلنا على أنه ينفى عن الله جل وعلا صفات النقص، وأن صفات الله تنقسم إلى قسمين: صفات سلب، وصفات إثبات، فيسلب عنه كل نقص، ويثبت له كل كمال، وهذا بالإجمال. وقوله: (ولا غائباً) يدل على القرب، ثم قال: (إنما تدعون سميعاً بصيراً قريباً) فأثبت ضد ما نفى، وقربه تعالى يكون على جهتين: الجهة الأولى: قرب من داعيه، وقد جاء ذلك في القرآن: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي﴾ [البقرة:١٨٦] . الجهة الثاني: قرب يكون بالإجابة يعني: بإنالة المطلوب، فلا تستبعد الإجابة، بل كن واثقاً بالله، فإن الإجابة قريبة؛ لأنها بيد الله جل وعلا، فهو قريب من ذلك. ولم يأت أن القرب يكون خاصاً وعاماً كما قال بعض العلماء: قرب الله ينقسم إلى قسمين: قرب عام، وقرب خاص، فالعام كقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] ، والخاص كقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي﴾ [البقرة:١٨٦] ، ولكن هذا فيه نظر والعلم عند الله تعالى؛ لأن قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] جاء أيضاً بهذه الصيغة: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥] ، وهذه الجملة (ونحن أقرب إليه) وما أشبه ذلك من العبارات التي تدل على الجمع قال شيخ الإسلام: إن هذا يكون لمن له أعوان يطيعونه ويمتثلون أمره، ومعنى ذلك أن الملائكة التي تمتثل أمره وتتصرف بأمره هي القريبة، ويكون هذا ليس من هذا الباب، والله أعلم. والمقصود بهذا أن قربه لا ينافي علوه، فهو قريب وهو على عرشه كما سبق في حديث العباس لما ذكر المسافة التي بين السماء والأرض، ثم بين سماء وسماء ثم بين السماء السابعة والبحر، ثم بين البحر والعرش، ثم قال: (والله فوق العرش لا يخفى عليه شيء مما تعملون) ، فهو في علوه قريب، فعلوه لا ينافي دنوه، ودنوه لا ينافي علوه تعالى وتقدس، فيجب أن يجمع بين هذا وهذا على ما يليق بالله جل وعلا، ثم ليعلم أن قربه ونزوله وإتيانه إلى الأرض ليس كصفة المخلوقين، فقد يتصور الجاهل أن الشيء إذا كان فوق ثم نزل إلى تحت فإن العلو يخلو منه، ويكون خالياً منه، فالله تعالى صفاته خلاف صفات المخلوقين: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] لا في ذاته ولا في صفاته.

стр. 183

الأسئلة

стр. 184

معنى: (وكان الله غفوراً رحيماً) ونحوها من الآيات السؤال يقول السائل: نقرأ في بعض الآيات: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء:٩٦] ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً﴾ [الأحزاب:٢٥] وغيرها، فهل معنى (كان) هنا الاستمرارية؟ وهل هي صفة ذات أو صفة فعل جزاكم الله خيراً؟ الجواب قد أجاب عن هذا ابن عباس ﵁ فقال: كان ولا يزال. يعني: أنه مستمر على ذلك، وليس معنى ذلك أنه كان ثم انقطع، وهذا الكلام معروف في لغة العرب، والله يخاطبهم بلغتهم، فهي تدل على الدوام، كما أنها تدل على الأزلية، وكان قد تأتي بهذا المعنى.

стр. 185

اختبار الناس في عقائدهم السؤال هناك فئة من الناس يختبرون الناس في عقيدتهم، ويستدلون بحديث الجارية على جواز امتحان الناس في عقائدهم، هل هذا يصح أم لا؟ الجواب ما يمتحن المسلم الذي ظاهره الحق، وظاهره الخير، لا يمتحن المسلم بالسؤال، فإن الامتحان لا يجوز، ولما رجع البخاري ﵀ إلى بلاده وهو يحمل العلم الكثير، استفاد منه من استفاد، وقال شيخه الذهلي: انتهزوا الفرصة واستفيدوا من هذا الرجل. فاختلت حلقته، فإن الناس وجدوا عنده ما لا يجدون عند غيره، وعند ذلك بدأ بينهما ما يكون بين الناس، فأرسل إليه أسئلة فيها: كيف تقول في اللفظ؟ فعرف أن هذا امتحان فأنكر ذلك وقال: لا يجوز امتحان المسلم، وهذا الشاهد الذي نريده، فلا يمتحن المسلم، لكن إذا أظهر شيئاً من الخطأ يبين له أن هذا خطأ، أما أن يمتحنه ليرى هل هو يعرف هذا أو لا يعرف فلا، وقد يكون يجهل بعض الأشياء ولا يعتقد الباطل.

стр. 186

تفسير المعية بالعلم ليس من التأويل الباطل السؤال يقول السائل: ما توجيهكم على ما قاله الإمام الصنعاني: تفسير المعية بالعلم من التأويل الذي ليس من اعتقاد أهل السنة والجماعة؟ الجواب ليس الأمر كذلك، فهذا ليس من التأويل الباطل، فهذا تفسير مشهور عن السلف، فالمعية المقصود بها العلم، وليس المقصود مجرد العلم فقط؛ ولهذا قسموا المعية إلى قسمين كما ذكرنا، ولو كان قصدهم بالمعية العلم فقط لما صار لهذا التقسيم أي فائدة، وهم قالوا بذلك للرد على المبطلين الذين يقولون: إن الله في كل مكان، فأرادوا تنزيه الله جل وعلا عن أن يكون في الأمكنة السفلية، وأن يكون مختلطاً مع الخلق؛ ففسروها بالعلم لذلك؛ لأن القول بالحلول اشتهر في الحقيقة عند الجهمية ومن سلك مسلكهم.

стр. 187

لا يجوز القول بأن الله معنا بذاته السؤال هل قال أحد من السلف: إن الله معنا بذاته، ولا يلزم من هذه المعية الاختلاط، وهو مع ذلك على عرشه؟ الجواب ما أعرف أحداً قال بهذا، ولا يجوز أن يكون هذا القول صدر من السلف؛ لأن من قال: الله معنا بذاته، فمعنى ذلك أن ذاته حالة معنا تعالى الله وتقدس، بخلاف إذا ما قالوا: المعية حقيقة على ظاهرها، فإن هذا حق وصواب، قال قول شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله: المعية على ظاهرها، وهي معية حقيقية، وليس معنى هذا أنه معنا بذاته، بل بينهما فرق شاسع جداً، فالمعية الذاتية أن تكون الذات المقدسة حالة مع الخلق، ومختلطة معهم، تعالى الله وتقدس، وهذا كفر لا يقوله السلف ولا غيرهم ممن يعرف الحق ويتبعه، وإذا صدر ممن لا يفرق بين هذا وهذا فيجب أن يبين له ذلك.

стр. 188

عموم حديث: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصقن قبل وجهه) السؤال يقول السائل: ما هو دليل إخراج الحديث: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصقن قبل وجهه) من الخصوص إلى العموم خارج الصلاة؟ الجواب جاء في حديث آخر: (البصاق في المسجد خطيئة) ، فيكون هذا أخص، ويكون مقيداً للعام، وعند العلماء الخاص يقيد العام، فيتقيد به. ولا يجوز أن يبصق أمامه، وفي الحديث أن عن يمينه ملك، فتعليل النهي عن البصاق في اليمين لأجل ذلك، وهذا في صحيح البخاري، وأما البصق جهة اليسار وتحت القدم فأبيح، والحديث الذي في صحيح ابن حبان وابن خزيمة يدل على العموم في هذه الحال.

стр. 189

لا يلزم من نزول الله إلى السماء الدنيا أن تحيط به مخلوقاته السؤال هل يلزم من نزول الله تعالى إلى السماء أن تحيط به مخلوقاته؟ وما الرد على من قال بهذا؟ الجواب تعالى الله وتقدس، هذا كفر بالله جل وعلا، الإنسان إذا كان عنده جهل بذلك فعليه أن يستعين على فهم ذلك بقدرة الله جل وعلا وبعظمته، فإنه يقول جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] ، كل السماوات يطويها بيده كما جاء في تفسير ابن عباس ﵁ لهذه الآية أنه قال: يطوي السماوات والأرض كلها بيمينه، وتكون شماله فارغة، وفي رواية: ويده الأخرى فارغة، وإنما يستعين بشماله من كانت يمينه مشغولة. فكل مخلوقاته في السماء والأرض ومن فيهما يقبضها بيد واحدة تعالى الله وتقدس، وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود (أن حبراً من أحبار اليهود أتى إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد! إن الله يضع السماوات على أصبع، والأراضين على أصبع، والشجر على أصبع، والجبال على أصبع، وسائر الخلق على أصبع ثم يهزهن ويقول: أنا الملك، أين ملوك الدنيا! فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجده تصديقاً لما قال، وقرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] ) ، وشرع لنا أن نقول: الله أكبر في كل خفض ورفع، لنعلم أنه أكبر من كل شيء تعالى وتقدس، ولا يكون شيء في نفس الإنسان مساوياً لله تعالى وتقدس، فالله جل وعلا لا يماثله شيء، ولا يكون في مخلوقه أكبر منه تعالى وتقدس، وكل المخلوقات بالنسبة إليه حقيرة ليست بشيء.

стр. 190

حكم التوسل بصفات الله السؤال يقول: هل يجوز التوسل بصفات الله كما يجوز التوسل بذاته وأسمائه والأعمال الصالحة كقول القائل: يا رحمة الله؟ الجواب التوسل بصفات الله من أفضل الأعمال، فهي كالتوسل بالذات ولكن ليس معنى ذلك أن الصفة تدعى ويقال: يا رحمة الله! يا عزة الله! يا قدرة الله! لا، بل يسأل الله بقدرته وبعزته وبرحمته التي وسعت كل شيء، هذا هو التوسل بها، أما الصفة نفسها فلا تدعى ولا تنادى؛ لأن الصفة لا تكون صفة قائمة بنفسها منفردة تجيب وتعطي وتمنع وتخفض، الصفة قائمة بالموصوف تعالى وتقدس لا تنفك عنه.

стр. 191

الكلام على حديث الأوعال السؤال حديث الأوعال هل هو صحيح أم لا؟ الجواب سبق الكلام على هذا، والشيخ حسنه وقال: حديث حسن، ومن أراد زيادة الكلام عليه فليرجع إلى كلام ابن القيم في تهذيب السنن، فإنه أطال عليه الكلام.

стр. 192

الكلام على حديث: (كان الله ولا شيء معه) السؤال هل ثبت قوله ﷺ : (كان الله ولا شيء معه) ، وقوله: (كان في عمى) ؟ الجواب هذا الحديث فيه نظر، فهو ضعيف، أي قوله: (كان في عمى) ومع ذلك استدل به بعض العلماء، لكن إذا كان فيه معارضة وهو ضعيف ما ننظر إليه.

стр. 193

قوله تعالى: (ونحن أقرب إليه منكم ولا تبصرون) السؤال ذكرتم قول شيخ الإسلام: إن هذا فيمن له أعوان يعينونه، أو يطيعونه، فهل ثبت هذا؟ الجواب ثبت في قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] ، وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥] ، فهذه الآية في الميت حين يحتضر.

стр. 194

شرح العقيدة الواسطية [١٢] يعتقد أهل السنة والجماعة أن المؤمنين يرون ربهم جل وعلا يوم القيامة وفي الجنة بأبصارهم، كما يرون القمر ليلة البدر، لا يضارّون في رؤيته، ورؤية الله تعالى في الجنة هي غاية نعيمهم ومنتهى مرادهم، وهي أعظم نعيم في الجنة. وأهل السنة وسط بين جميع فرق الأمة، كما أن الأمة المسلمة وسط بين سائر الأمم.

стр. 195

إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة وفي الجنة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحابته، ومن سار على نهجه ودعا بدعوته. وبعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا) متفق عليه] . هذا الحديث جاء عن عدد من صحابة رسول الله ﷺ ، حتى قال بعض العلماء: إنه بلغ حد التواتر، أما الاستفاضة فلا إشكال في أنه مستفيض عن الرسول ﷺ ، ولهذا يقول يحيى بن معين: (عندي سبعة عشر حديثاً في الرؤية كلها صحيحة) وقد بلغت أكثر من ذلك، وقد ألف العلماء في هذه المسألة مؤلفات خاصة، مثل: الدارقطني والآجري وغيرهما، وهذه المؤلفات معروفة عند طلبة العلم؛ وذلك لأن هذه المسألة كبيرة جداً، وأهل السنة يتميزون بإثباتها خلافاً لأهل البدع. وقول الرسول ﷺ : (إنكم سترون ربكم) فيه تأكيدات بليغة؛ فأكد بـ (إن) ثم بـ (السين) التي تدل على التأكيد أيضاً ثم بالفعل، وكل هذه تأكيدات بليغة، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: لو أن إنساناً تكلف أن يأتي ببيان أكثر من قول الرسول ﷺ لما استطاع أن يأتي بكلام فيه إثبات الرؤية بأكثر من هذا البيان؛ لأن الرسول ﷺ أُعطي البلاغة والفصاحة، كما أنه أعرف الخلق بالله جل وعلا بما يجب له وما يستحيل عليه، وقد وكل الله جلا وعلا إليه بيان الإيمان للناس، وبيان ما نزل إليهم، وهناك أمور كثيرة تدل على وجوب اعتقاد أن ظاهر قوله ﷺ حق يجب أن يؤخذ به، ومن المعلوم أن أهل السنة لا يترددون في هذا، بل غاية مقصودهم أن أحدهم يسأل أن يمكنه ربه جل وعلا من رؤية وجهه الكريم يوم القيامة، والغريب أن طوائف من المبتدعة ينكرون أفضل ما يجزي به رب العباد عباده، وأفضل ما ينعم به عليهم، وهذا بناء منهم على بدعهم الضالة، وأما أهل السنة والجماعة فيثبتون الصفات بحسب النصوص، وقد جاءت النصوص من الكتاب والسنة متواترة على إثبات الرؤية كما تقدم في الآيات، والنظر إلى الله جل وعلا ثابت في عرصات القيامة في المواقف؛ فإن الله جل وعلا يراه عباده المؤمنون، وكذلك يرونه إذا دخلوا الجنة، وهذا هو الذي يكون نعيماً، كما أن الأول أيضاً من النعيم والكرامة، ومقابل النعيم العذاب، فإن الكفار يحجبون عن رؤية الله جل وعلا تعذيباً لهم.

стр. 196

ذكر الذين أنكروا الرؤية وأدلتهم والرد عليهم من الذي أنكر النظر إلى الله جل وعلا؟ الذين أنكروه هم من ذكرهم عبد الجبار المعتزلي في كتابه "المغني" حيث يقول: أجمع أهل العدل كافة: الزيدية والخوارج وبعض المرجئة على عدم الرؤية، والمقصود بأهل العدل: المعتزلة؛ لأنهم يسمون أنفسهم أهل العدل والعدلية، مع أنهم أهل الجور والظلم؛ لأنهم أنكروا الرؤية. أنكروا الرؤية مع أن الأحاديث فيها -كما يقول بعض العلماء:- متواترة عن الرسول ﷺ ! ويقول الله جل وعلا: ﴿وجوه يَوْمَئِذ نَاضِرَة * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] ، ويقول جل وعلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنوا الْحسْنَى وَزِيَادَة﴾ [يونس:٢٦] ، وقد جاء في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه فسر الزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم؛ لأن الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى الله، وهو أعلى من نعيم الجنة. وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذ لَمَحْجوبونَ﴾ [المطففين:١٥] ، والشافعي ﵀ يقول: لما حجب أعداءه دل على أنه ينعم على أوليائه برؤيته، وأنهم يرونه. وأما الأحاديث في هذا الباب فهي كثيرة جداً وصريحة وواضحة، ومن المعلوم عند أهل السنة أن ما دلت عليه الأحاديث هو كالذي دلت عليه الآيات، ولا فرق، فيجب قبوله والإيمان به، ولا عذر لمن أنكر ذلك. أما الشبه الواهية التي يتعللون بها فهي أصل دينهم الذي بنوا عليه مذهبهم؛ فإنهم يقولون: إن العقل: هو الذي يرجع إليه، ويسمون أدلة العقل: براهين. أما أدلة الأحاديث التي قالها رسول الله ﷺ أو دلالة الآيات فيجعلونها ظنية، وهذا من أبطل الباطل، ولا ينطلي على أهل الحق مثل هذا الكلام، ولا يؤثر في عقيدتهم، ولكن قد يوردون بعض الشبه التي تؤثر على بعض من لم يعرف الحقائق. وأهل الباطل مذهبهم: أنهم لا يستدلون بدلالة الآيات، وبدلائل الأحاديث إلا إذا كانت لهم، فكيف يكونون أهل العدل وهكذا يصنعون؟! واستدلوا على نفي الرؤية بقول الله جل وعلا: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] ، مع أنهم يقولون: دلالة النصوص ظنية، فلا يثبت بها ما هو من العقائد! واستدلوا أيضاً باللغة وكذبوا عليها؛ قالوا: إن اللغة العربية تدل على تأبيد النفي، وهذا ليس صحيحاً، ولهذا نص ابن مالك في الألفية على نفي ذلك، وإبطاله؛ لأنه معروف مشهور. ولا يجوز لمسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله أن يرد قول الرسول ﷺ ؛ ومن رده فمعنى ذلك: أنه لم يشهد أن محمداً رسول الله؛ لأن معنى شهادة أن محمداً رسول الله: اعتقاد أنه رسول، وطاعته في أمره، واجتناب نهيه، وإلا لم يكن قائلها صادقاً في كونه شهد أن محمداً رسول الله وهو يرد قول الرسول ﷺ ، والله جل وعلا يقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يؤْمِنونَ حَتَّى يحَكِّموكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهمْ ثمَّ لا يَجِدوا فِي أَنفسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيسَلِّموا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] ، فالأمر ليس سهلاً، ولا يجوز أن يتساهل في مثل هذه القضية؛ لأنها قضية إيمان وكفر، وليس معنى هذا أننا نقول: إن هؤلاء الذين أنكروا الرؤية كفار ينطبق عليهم ما ينطبق على الكفار، ولكن نقول: هذا كفر بالله جل وعلا؛ لأن الله أخبر أنه ينتفي الإيمان عند ذلك. وأكبر الشبه التي قالوها وهي أصل دينهم أنهم قالوا: إننا عرفنا الله جل وعلا بحدوث الأجسام، وكيف عرفوا الله بحدوث الأجسام؟! يقولون: إن هذه المخلوقات إذا نظرنا إليها فإنها فقيرة، تعتريها العوارض، مثل الجهل والعلم، والمرض والصحة، والكبر والصغر، والموت والتغير، وما أشبه ذلك، وهذه كلها تدل على أنها محدثة، فنقول: نعم، هذا صحيح، فيقولون: إذاً: الأصل هو هذا، والذي صار فقيراً محدثاً وجد بعد أن لم يكن موجوداً، فلابد أنه يموت ويتغير، ولا يجوز بتاتاً أن يكون الموجد له مشابهاً له في شيء من الأشياء، وإلا بطلت الأدلة نهائياً، وبطلت الأديان، هكذا يزعمون، وهذا قولهم، فعلى هذا يقولون: لابد أن يكون جسماً؛ لأن النظر لابد أن يقع على مقابل، ولا يكون الشيء مقابلاً إلا إذا كان جسماً، فيلزم الذين يثبتون الرؤية أن يثبتوا الجسمية، وأن يقولوا: هو جسم، وهذا كفر، هذه هي أكبر شبهة قالوها، وقد التزمها أعداؤهم مثل الكرامية فقالوا: نعم، نقول بذلك، ونحن أسعد بالنصوص منكم؛ لأن هذا دلت عليه النصوص، فنحن نقول به، ولا ضير علينا أن نقول: إن الله جسم؛ لأن النصوص دلت على ذلك، وقول هؤلاء، وقول هؤلاء باطل بلا شك، ولكن كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الإنسان إذا قرأ كتب أهل البدع لا يستفيد شيئاً إلا إبطال أقوال بعضهم ببعض، فيعرف أن قول هذا باطل بقول هذا؛ لأن كل واحد من هذه الفرق يبطل قول الفريق الثاني. والرد الصحيح الذي يجب أن يرد به على هؤلاء من وجوه: الوجه الأول: أن نقول: كلامكم هذا أصله مبتدع، وأصل المسألة بدعية، والرسل لم يأتوا يأمرون الناس بأن ينظروا إلى الأعراض وإلى الأجساد؛ حتى يستدلوا بها على الله جل وعلا؛ لأن معرفة الله أمر فطري مركوز في الفطر، والرسل تأتي بالإيمان الذي يكون بالوحي، والخلق ليسوا بحاجة إلى ما قاله أصحاب الاعتزال من هذه الافتراضات التي قالوها وجعلوها أصل الدين، ثم بنوا على ذلك أن الذي لا يعرفها لا يكون مؤمناً، فإن أصل مقالتهم فاسدة ومردودة. الوجه الثاني: أننا كُلفنا بالإيمان وقبول ما قاله الله ورسوله ﷺ ، بلا رجوع إلى عقولنا في ذلك. الوجه الثالث: أن الله جل وعلا أخبرنا أنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء وَهوَ السَّمِيع البَصِير﴾ [الشورى:١١] ، فهو جل وعلا له سمع وله بصر وله وجه وله يدين حقيقة كما أخبر، ولكن ليست هذه الصفات كصفات خلقه؛ لأنه كما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ [الشورى:١١] . الوجه الرابع: أننا نؤمن حقاً بأن الله جل وعلا له ذات، وأنه مستوٍ على عرشه، وكل ما كان له ذات ووجود يصح في العقل نظره، مع تضافر الشرع على ذلك، وليس في هذا أي محذور، وهذا هو الذي جاء به القرآن، وجاء به رسول الله ﷺ ، فنحن لا نلتفت إلى ما قاله المعتزلة وإخوانهم الذين سلكوا هذا المسلك، فإذا جاءوا بشبه نحو هذه الشبه نقول: هذه مردودة جملة وتفصيلاً، أما الإجمال فنعرف أن كل ما خالف قول الله وقول رسوله ﷺ فهو باطل، وأما التفصيل فبنحو ما ذكرنا، وقد أبطل العلماء أقوال هذه الطائفة المبتدعة الضالة من وجوه كثيرة، وهذه الطائفة ضلت في عقلها وفي دينها، وصارت تتبع الشبه، وتترك النصوص الواضحة الجلية، والأمر كما قال الله جل وعلا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قلوبِهِمْ زَيْغ فَيَتَّبِعونَ مَا تَشَابَهَ مِنْه﴾ [آل عمران:٧] ، مع أن هذا ليس فيه تشابه في الواقع، بل هو جلي وظاهر، وما أكثر النصوص التي دلت على هذا! والعلماء استدلوا على هذا كما سبق بأدلة كثيرة، ومنها مجملة؛ مثل لفظ: اللقاء، فكل آية جاء فيها لفظ اللقاء فإنها تدل على الرؤية، كقوله جل وعلا: ﴿يَا أَيّهَا الإِنسَان إِنَّكَ كَادِح إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَملاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] ، وقوله : ﴿الَّذِينَ يَظنّونَ أَنَّهمْ ملاقوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهمْ إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ [البقرة:٤٦] ، وما أشبهها، وهي كثيرة جداً، فاللقاء في اللغة هو: المعاينة بعد المسير والكدح، فهو يتضمن الرؤية، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك، وبهذا يتبين لنا أنه لا عذر لمن أنكر الرؤية، وأنه خليق بأن يحرمها يوم القيامة، وأنه أنكر أعلى نعيم أهل الجنة، وكل مؤمن بالله جل وعلا يجهد في دعائه ربه أن يبيحه النظر إلى وجهه الكريم.

стр. 197

شرح حديث: (إنكم سترون ربكم) قوله: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر) ، القمر: يسمى في اللغة قمراً بعد ثلاث ليال إلى آخر الشهر، والبدر هو: التمام إذا امتلأ نوراً، وذلك ليلة أربعة عشر، وسمي بدراً لأنه يبادر طلوعه غروب الشمس، وغروبه طلوع الشمس؛ ولأنها تتم مقابلته للشمس فيمتلئ نوراً، وأي شيء أوضح من هذا؟ وقد جاء أيضاً التشبيه بالشمس: (كما ترون الشمس ضحوةً، ليس بينكم وبينها قتر ولا سحاب) ، ثم إن هذه الكاف هي كاف التشبيه: (كما ترون) والتشبيه للرؤية في الوضوح والجلاء وسهولة وصول كل أحد إليها، يعني: أنكم ترونه بارزاً جلياً واضحاً، وكل أحد يراه مخلياً به كما يرى هذا الشيء الذي قاله الرسول ﷺ ، وقد جاء في حديث أبي رزين ما يوافق هذا، بل هو أصرح، قال الرسول ﷺ : (إنكم تلقون ربكم فيحاسبكم، فقال له: كيف نلقاه ونحن كثيرون، وهو واحد؟! قال: ألا أخبرك بآية ذلك؟ قال: بلى، قال: هذا القمر أليس كل واحد منكم يراه مخلياً به؟ قال: بلى، قال: إنه مخلوق صغير من آيات الله) ، فالله أكبر وأعظم، فهذا التشبيه تشبيه الرؤية بالرؤية، والجامع بينهما الوضوح والجلاء والبروز، ولهذا جاء في حديث جرير وحديث جابر: (إنكم ترون ربكم عياناً) ، أي: معاينة، وقوله: (كما ترون القمر) تأكيد بعد تأكيد، والتأكيدات كثيرة في هذا الحديث، وهذا كله ينفي كل توهم أن يكون مجازاً أو يكون شيئاً آخر، فجاءت هذه التأكيدات لتبطل كل احتمال. وقوله: (لا تضامّون في رؤيته) ، هكذا جاء بضم التاء وتخفيف الميم، ويكون ذلك من الضيم، وهو: الظلم، يعني: لا يلحقكم في رؤيته ضيم، أي: أنكم تتمكنون من الرؤية تمكناً تاماً ليس فيه أي نقص، وجاء أيضاً: تضامّون بتشديد الميم، يعني: لا ينضم بعضكم إلى بعض عند الرؤية، مثل إذا كان هناك الشيء الخفي، فإن العادة أن الناس يساعد بعضهم بعضاً على رؤيته، فإنه رؤية الهلال، فكل واحد يقرب إلى الثاني حتى يساعده على رؤيته، وأما الله جل وعلا فلا يحتاج في رؤيته إلى ذلك، والله جل وعلا أكبر وأعظم من كل شيء، وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري أنه قال: (قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات، فقال: إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) ، وسبحات وجهه أي: بهاؤه وجماله ونوره، ومعلوم أنه لا يحجب بصر الله شيء أبداً، فهو بصير بكل شيء، فلولا الحجاب لاحترق كل شيء بنوره جل وعلا، ولكن في الآخرة المؤمنون قد كمل إيمانهم؛ ولذا أعطوا الكمال الذي ليس فوقه شيء للمخلوق؛ فلهذا صح أن يروا ربهم جل وعلا، ويدل على ذلك أن الرؤية لا تمكن في الدنيا، كما جاء في الحديث الذي في صحيح مسلم في قصة الدجال: (واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت) ، وفي قصة موسى ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] يعني: في هذه الدنيا، فجعل مثالاً لذلك أن الجبل إذا ثبت للرؤية فإنه يمكن ثبوتك، فلما تجلى ربه للجبل تدكدك الجبل، عند ذلك (خر موسى صعقاً) فلما أفاق قال: ﴿سبْحَانَكَ تبْت إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّل الْمؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣] .

стр. 198

أقسام الناس في إثبات رؤية الله جل وعلا الناس في الرؤية ثلاثة أقسام: قسم من الناس أثبتها في الدنيا والآخرة، وقالوا: إن الله جل وعلا يُرى، وليس معنى ذلك أنه يرى في المنام، أما رؤية المنام فإنها ليست حقيقة؛ لأنها أمثال، مثل يضربه الملك الذي وكل بالرؤية؛ ولهذا يمكن للمخلوق أن يرى ربه في المنام، وليست رؤية حقيقية، فإن كان إيمانه حسناً، فإنه يرى صورةً حسنة، كما قال الرسول ﷺ : (رأيت ربي في أحسن صورة) ، يعني: في منامه، لما كان إيمانه هو أحسن الإيمان رآه في أحسن صورة، أما غيره فلا يمكن أن يراه في الصورة التي رآه فيها رسول الله ﷺ ، بل يكون أدنى من ذلك. والمقصود من ذلك: أن الرؤية المنامية ليست حقيقية، وهي ممكنة، ولكن هؤلاء الذين أثبتوا الرؤية في الدنيا لا يقصدون هذا؛ لأن هذا لا خلاف فيه بين أهل السنة، وإنما يقصدون الحقيقة، وهؤلاء هم أصحاب أمراض وأوهام وخيالات، فيخيل إليهم أنهم يرون شيئاً، وأحياناً يكونون أصحاب شطحات في عبادة الله جل وعلا ومعاملته، فيخيل لهم الشيطان أنه ربهم، فيتراءى لهم، وربما جلس على كرسي بين السماء والأرض وقال لهم: أنا ربكم، فيصدقون ذلك، فإذا قال أحدهم: إني رأيت ربي فهو رأى الشيطان. القسم الثاني: الذين نفوا الرؤية في الدنيا والآخرة. أما الدنيا فلا إشكال فيها؛ فهي منفية، ولكن الباطل هو نفيها في الآخرة. القسم الثالث: هم الذين توسطوا وأثبتوا ما أثبته الله جل وعلا وما أثبته رسوله ﷺ . وقوله: (كما ترون القمر) ، قلنا: إن هذه الكاف كاف تشبيه، والمراد تشبيه الرؤية بالرؤية، وليس تشبيه المرئي بالمرئي، يعني: أن التشبيه ليس تشبيه القمر بالله جل وعلا، وإنما هو تشبيه رؤية الرب جل وعلا في الوضوح والجلاء بالقمر ليلة البدر في الوضوح والجلاء. وقوله: (فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا) ، يقول العلماء: في هذا فضل هاتين الصلاتين، وتأكيد للمحافظة عليهما، وهذا فيه الإشارة إلى أن الصلاة هي أفضل الأعمال، وأن الذي يحافظ عليها -خاصة في هذين الوقتين- يجزى بالرؤية؛ لأن الرؤية هي أعلى النعيم، والصلاة هي أفضل الأعمال، هذه هي المناسبة في ذكر الصلاة هنا، وبعض العلماء ذكروا مناسبة أخرى، فقالوا: إن أعلى أهل الجنة يرى ربه بكرة وعشياً، فمن حافظ على هاتين الصلاتين التي إحداهما في البكور، والأخرى في العشي؛ فإنه يرى ربه بكرة وعشياً جزاءً له على المحافظة على هاتين الصلاتين، ومن حافظ عليهما لزم أن يحافظ على بقية الصلوات.

стр. 199

موقف أهل السنة والجماعة من الأحاديث التي فيها إثبات الصفات لله جل وعلا قال المصنف رحمه الله تعالى: [إلى أمثال هذه الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله ﷺ عن ربه بما يخبر به؛ فإن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك؛ كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه؛ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل؛ بل هم الوسط في فرق الأمة؛ كما أن الأمة هي الوسط في الأمم. فهم وسط في باب صفات الله بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة. وهم وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية. وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم. وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية. وفي باب أصحاب رسول الله ﷺ بين الرافضة والخوارج] . هذه قاعدة ذكرها الشيخ ﵀ في طريقة أهل السنة في قبول النصوص، وفي المنهج والتلقي، ومعلوم أن العمل والعقيدة لابد أن يُبنى على نصوص؛ فهم لا يفرقون بين الكتاب والسنة، فكل ما صح عن النبي ﷺ فله حكم ما قاله الله جل وعلا. ولما كانت الأحاديث التي ذكر قليلة، والأحاديث في صفات الله جل وعلا وأسمائه كثيرة قال: (إلى أمثال هذه الأحاديث) يعني: هناك أحاديث كثيرة، ولكن المقصود: بيان طريقة أهل السنة ومنهجهم، ويجب على الإنسان أن يعرفه، فإذا عرفه سلك ذلك في كل حديث جاء عن النبي ﷺ إذا كان صحيحاً أو حسناً؛ فإن الحسن من أقسام الصحيح كما هو معروف، ويثبت به ما يثبت بالصحيح من العقائد وغيرها، وأما إذا كان الحديث قد قبلته الأمة واستفاض فيها فهذا بلا شك يفيد العلم كما قرر ذلك علماء أهل السنة، وبعضهم ذهب إلى أبعد من ذلك، وقال: الحديث إذا صح سنده فهو يفيد العلم، فالأحاديث إذا صحت أسانيدها أفادت العلم، كأحاديث البخاري ومسلم؛ فإذا اتفقا عليها فإنها تفيد العلم، وبنوا على هذا أحكاماً فقالوا: لو أن إنساناً طلق زوجته وقال في حديث في الصحيحين: زوجتي طالق إن لم يكن الرسول ﷺ تكلم بهذا الحديث؛ فإنها لا تطلق؛ لأن هذا معلوم أنه قاله ﷺ ، ولكن ليس تمثيل هذا هو المقصود، بل المقصود هو البناء على كل ما صح سنده عن النبي ﷺ وعلم أنه حق، أما بعض الألفاظ التي قد يكون سندها صحيحاً ولكن قد تكون غلطاً فهذه نادرة جداً، ومن المعلوم أن احتمال الغلط والخطأ وارد، ولكن إذا قبلته الأمة، ولاسيما الذين لهم معرفة بالآثار وبالرجال وبأقوال الرسول ﷺ فإن هذا الاحتمال يكون ضعيفاً جداً فلا يلتفت إليه، أما الغلط الذي قد يقع في أحاديث صحيحة فهو كما مر في حديث أنس أن النبي ﷺ لما ذكر احتجاج الجنة والنار، قال: (ولكل واحدة منكما ملؤها. فأما النار فلا تزال تقول: هل من مزيد؟ حتى يلقي فيها رب العزة جل وعلا قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض. وأما الجنة فلا يزال فيها فضل مساكن فينشأ الله لها خلقاً فيسكنهم فضل الجنة) ، هذا الحديث جاء في الصحيحين منقلوباً؛ لأنه جعل ما للجنة للنار وما للنار للجنة، ولكن البخاري ﵀ بين أنه غلط بذكر الصواب بعده مباشرة، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: طريقة البخاري إذا وقع في حديث من الأحاديث غلط في متنه أو في سنده فإنه لا يتركه، بل لابد أن يبينه، لكن بيانه ليس بالتصريح والقول؛ لأن عادته التي جرى عليها أنه يعتني بالإشارات، ويعتني بالأمور التي تتطلب فهم ونظر، وذلك لتدريب الطالب على الاستنتاج والاستخراج من النصوص. وكذلك حديث التربة الذي في صحيح مسلم: (خلق الله التربة يوم السبت) قال العلماء: هذا غلط، لأن يوم السبت ليس فيه خلق، فإن الله جل وعلا أخبرنا أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام، وجاء في الأحاديث الصحيحة أنه خلق آدم في آخر ساعة من يوم الجمعة، وأنه ﵇ آخر الخلق، فآخر الأيام التي خلق الله فيها الخلق هو يوم الجمعة، فيكون أولها هو يوم الأحد. وما جاء في الصحيحين من هذا فهو نادر ولا ينظر إليه، ولكن المقصود أن الأحاديث إذا جاءت عن النبي ﷺ وصح سندها، لا فرق بين كونها في صفات الله جل وعلا وأسمائه، أو في الأحكام التي فيها المعاملات وفيها الحلال والحرام، فلا فرق بين هذا وهذا، والذين فرقوا بين الفروع والأصول هم أهل البدع، أما أهل السنة فإنهم لا يفرقون بين أصول وفروع، بل كل ما ثبت به حكم من أحكام الفروع فهو مثل الذي يثبت به أصل من أصول الشرع. ولهذا قال: (إلى أمثال هذه الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله ﷺ عن ربه بما يخبر به، فإن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة) . قوله: (الفرقة الناجية) سيأتي تفصيل ذلك. وأما قوله: (أهل السنة والجماعة) فهو وصف آخر؛ لأن الفرقة الناجية يجب أن يكونوا على سنة، وقوله: الجماعة؛ لكونه يجب أن يكونوا مجتمعين، ولا يجوز أن يكون بينهم اختلاف وتفرق، فإن كان بينهم الاختلاف والتفرق، فقد تركوا صفة من الصفات التي يجب أن تكون لهم، فأهل السنة لا يتفرقون، بل يجتمعون على الحق، وإن كان بينهم تفاوت في الفهوم والنظر فإن هذا لا يدعو إلى التفرق، ولا إلى التباغض والتنابز والتقاطع، فإن هذا ليس شأن أهل السنة، وهذا شيء معروف. قوله: (يؤمنون بذلك كما يؤمنون بما أخبر الله جل وعلا به في كتابه) يعني: أنه لا فرق بين أن يكون الاسم أو الصفة ثبت بالكتاب أو ثبت بحديث من أحاديث الرسول ﷺ ، بل كله حكمه واحد يجب قبوله والإيمان به.

стр. 200

معنى التحريف والتعطيل والتكييف قوله: (من غير تحريف ولا تعطيل) ، سبق بيان معنى التحريف والتعطيل في أول العقيدة، وأن التحريف يدخل فيه التأويل الذي يسميه أصحابه تأويلاً ويجعلونه واجباً، كما هو معروف عند الأشاعرة وغيرهم، فإنهم يجعلونه واجباً ومتعيناً وهو في الواقع تحريف، لا يجوز سلوكه، ومن سلكه فقد وقع في الخطأ. وأما التعطيل فهو إخلاء النص عن معناه الذي أراده المتكلم؛ لأن التعطيل مأخوذ من العطل وهو الخلو كما سبق. وقوله: (من غير تكييف) ، التكييف هو: طلب معرفة كيفية الشيء، وأهل السنة لا يسألون عن الكيفية؛ لأن الكيفية لا مطمع فيها؛ وذلك أن الكيفية تتطلب أمرين لابد منهما: أحدهما: المشاهدة، أن ترى الموصوف وتشاهده بعينك؛ لأن الكيفية هي حكاية الشيء على ما هو عليه، فإذا رأيته تستطيع أن تصف الكيفية التي رأيت، والله لا يرى، ولا أحد يشاهده سبحانه في الدنيا. الأمر الثاني: أن يكون له نظير نراه ونشاهده، والله جل وعلا ليس له نظير، تعالى الله وتقدس، وبذلك ينقطع الطمع في إمكان الحصول على الكيفية، فالكيفية لا مطمع فيها، والله جل وعلا لا يدرك تعالى وتقدس ولا يحاط به، وإن رُؤي في الآخرة فالرؤية تكون لوجهه جل وعلا، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠] ، وليس كما يقوله أهل البدع أن نفي الإحاطة تدل على نفي الرؤية، كلا. ولكن الإحاطة هي: أن يدرك الشيء من جميع جوانبه، والله جل وعلا أكبر وأعظم من كل شيء، فهو لا يدرك ولا يحاط به، وقد أخبرنا ربنا جل وعلا بأنه لا يلزم من الرؤية الإدراك، كما قال جل وعلا في قصة موسى مع فرعون لما رأوا فرعون وجنوده خلفهم والبحر أمامهم: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦١-٦٢] .

стр. 201

التعبير بالتمثيل أولى من التعبير بالتشبيه وذكر الفرق بينهما الشيخ ﵀ عدل إلى كلمة (تمثيل) بدل كلمة (تشبيه) ، وغيره ممن يكتب في العقائد يقول: (بلا تكييف ولا تشبيه) ، وهو ﵀ أراد أن تكون هذه العقيدة صافية ليس فيها كلمة من كلام أهل البدع أو كلمة ليست في الكتاب والسنة؛ لأن كلمة (التشبيه) لم يأت نفيها في الكتاب والسنة ولم يأت إثباتها، فهذا السر في عدوله إلى كلمة (التمثيل) ، والتمثيل جاء نفيه في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، فالتمثيل هو: المماثلة التي تقتضي مشابهة ولو بصفة من الصفات، ولو بحق من الحقوق، وأصحاب التشبيه قسمان: قسم في الواقع قليل؛ ولكنه حدث في شذوذ الناس، وأكثر من حدث فيهم هم الرافضة في أول أمرهم، ثم بعد ذلك صاروا معتزلة. وليعلم أن التشبيه أصبح أمراً إضافياً، فكثير من الكتب والمؤلفات فيها ذكر التشبيه وذم أصحابه، ولو أنك بحثت عن طائفة معينة لها كتب مستقلة، ولها أئمة وعلماء يسمون المشبهة فلن تجد ذلك، والسبب في هذا: أن كل فريق إذا خالف فريقاً آخر أو أثبت ذلك الفريق المخالف خلاف ما يقوله هذا الفريق سماه مشبهاً، ولهذا متطرفة الجهمية يسمون المعتزلة مشبهة؛ لأنهم يثبتون الأسماء، والمعتزلة يسمون الأشعرية مشبهة؛ لأنهم يثبتون بعض الصفات، والأشعرية يسمون أهل السنة مشبهة؛ لأنهم يثبتون الصفات، وهكذا أصبح مفهوم التشبيه على حسب الاعتقاد، وقد يكون في الواقع ليس صحيحاً، وبعض الناس رمي بالتشبيه وليس ثابتاً عنه، وهذا يوجد في كتب المقالات، مثل مقاتل بن سليمان يقولون عنه: إنه مشبه، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ما أظن ذلك يثبت عنه، وما وجدت شيئاً من كلامه يستدل به على ذلك، والذين رموه بالتشبيه أخذوا ذلك من أعدائه، والآن قد طبع كثير من كتبه مثل التفسير وغيره، ومعلوم أن التفسير هو مظنة ذلك، ولا يوجد في تفسيره كلمة واحدة تدل على أنه مشبه، وهذا يعطينا فائدة وهي: أن الإنسان يجب عليه أن يتثبت، فإذا قيل له: إن الطائفة الفلانية كذا وكذا وفيها كذا وكذا، فيجب أن يرجع إلى كلامها أو إلى كلام الشخص نفسه، ولا يأخذ هذا من كلام الناس، وهذا في الواقع خطأ يضر كثيراً جداً، فتجد إنساناً -مثلاً- ينقل عن آخر قولاً يكون خطأ؛ لأنه فهمه على غير مراده غلطاً، فينقل عنه شيئاً حسب ما فهم، وربما انتشر ذلك فنسب إليه قول لم يقله، وهذا كثير، فالواجب على الإنسان أن يتثبت في مثل هذه الأمور، ويكون على بصيرة، ولا يغتر بالنقل، وليس كل من نقل شيئاً أخذ به، وإنما تؤخذ العقائد وأقوال الناس من كتبهم، ومنهم أنفسهم، ولا يؤخذ من أعدائهم؛ لأن العدو قد يقول عن عدوه ما لم يقله، وهذا لا يسري على جميع الناس؛ فإن أهل الحق الذين هم أهل السنة يمنعهم إيمانهم وخوفهم من الله أن يقولوا على الإنسان ما لم يقله، فأقوالهم إذا قالوها فهي موثوق بها. وأصحاب المقالات يتناقلون الأقوال بعضهم عن بعض.

стр. 202

أقسام التشبيه التشبيه ينقسم إلى قسمين: تشبيه الخالق بالمخلوق، وهذا قليل كما قلنا، وهو باطل، والإمام أحمد يقول: ذلك مثل أن يقول القائل: إن يد الله كأيدينا، وسمع الله كأسماعنا، وبصره كأبصارنا، ووجهه كوجوهنا، تعالى الله وتقدس، فهذا التشبيه هو المنفي بقوله جل وعل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، وقوله جل وعلا: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة:٢٢] ، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] ، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ، وما أشبه ذلك من الآيات التي سبقت. القسم الثاني: تشبيه المخلوق بالخالق، وهو كثير جداً في الناس، والتشبيه يكون ولو في حق من الحقوق، فمثلاً: المشركون مشبهة؛ حيث جعلوا أصنامهم آلهة فشبهوها بالله جل وعلا، وكذلك العابدون الذين يعبدون غير الله، أو يجعلون للمخلوق ما هو خالص حق الله ولو كان جزئياً، فإنهم يكونون مشبهة في ذلك، وهذا أقبح التشبيه وأخبثه، وصاحب هذا التشبيه إذا مات عليه فإن الجنة عليه حرام، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ، وقال جل وعلا: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] ، فهذا هو الشرك الأكبر الذي هو تشبيه المخلوق بالخالق تعالى وتقدس، وهذا جاء تفصيله في القرآن كثيراً، ولكن أصحاب المقالات والمتكلمون أعرضوا عن هذا فوقعوا فيه، كما سيأتي التنبيه على ذلك.

стр. 203

وسطية أهل السنة بين الفرق قوله: (بل هم الوسط في فرق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم) ، الوسط يقصد به: الخيار، ويقصد به: العدل والتوسط في الشيء، وأهل السنة وسط في الفرق، يعني: أنهم لم يجفوا ولم يغلوا، بل جانبوا الغلو الذي هو زيادة الإثبات على الحق، وكذلك الجفاء الذي هو النفي وعدم الإيمان والقبول، فهم وسط في الفرق، كما أن هذه الأمة وسط في الأمم السابقة، كما أخبر الله جل وعلا أنه جعلهم أمة وسطاً، يعني: عدولاً وخياراً، فهم وسط بين الذين جفوا في الأنبياء فقتلوا بعضهم كاليهود، والذين ألحقوا الأنبياء بالرب جل وعلا وجعلوهم آلهة كالنصارى، وهم وسط كذلك في الأفعال التي أمروا بها بين هؤلاء وهؤلاء، فأولئك اليهود عندهم الغلظة والجفاء، والنصارى عندهم من ذلك؛ فإنهم يجعلون قول الحواريين كقول الأنبياء، وأما اليهود فيردون الحق إذا لم يكن على هواهم ومقصدهم، وإن قال به من قال، وكذا أهل السنة هم وسط في باب صفات الله بين أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل المشبهة.

стр. 204

الأسئلة

стр. 205

رؤية الله في الدنيا السؤال هل رؤية الله في الدنيا مستحيلة أم هي ممكنة ولكنها لم تقع ولن تقع؟ الجواب لا فائدة من هذا السؤال، والعلماء يقولون: هي ممكنة؛ لأن موسى ﵇ سألها ربه، وموسى ﵇ لا يسأل شيئاً غير ممكن، ولكنها غير واقعة، فهي ممكنة عقلاً وغير واقعة فعلاً.

стр. 206

نسبة مقاتل بن سليمان إلى التشبيه السؤال ذكر الذهبي في كتابه (ميزان الاعتدال) عن بعض الأئمة أنه قال: إن مقاتل بن سليمان من المشبهة؟ الجواب هذا ذُكر، ولكن هل يصح عنه أو لا؟! جاء عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: مذهبان جاءانا من الشرق: مذهب مقاتل ومذهب جهم، وهما متطرفان: واحد في نفي الإثبات، وواحد في التشبيه. وجاءت عنه أقوال ولكن كلها غير صحيحة وغير ثابتة؛ فيجب أن يتثبت في هذا الشيء؛ لأن أعداءه كانوا ينشرون عنه هذه الأشياء، وهو أيضاً جاءت عنه أقوال تنفي هذا، فقد استدعاه أحد الأمراء فقال: إنهم يقولون: إنك مشبه؟ قال: أما أنا فإني أقول: إن الله سميع بصير، وإنه ليس كمثله شيء، هكذا قال، فالمقصود: ثبوت الشيء الذي ينقل أو يقال؛ لأن الشيء الذي يقال كثير.

стр. 207

الفرق بين الرؤية في عرصات القيامة وبين الرؤية في الجنة السؤال جاء في الحديث الصحيح: أن المؤمنين يعرفون ربهم يوم القيامة بالساق، وهذا دليل على أنهم يرون ساقه سبحانه، فكيف نوفق بين هذا الحديث وبين قولكم: إن الرؤية تكون يوم القيامة لوجهه فقط؟ الجواب هذا في الجنة، فإن رؤية النعيم في الجنة هي لوجهه جل وعلا، وأما هذه فهي علامة جعلها الله بينه وبينهم، يعرفونه بها؛ فهذه الرؤيا تكون في العرصات في الموقف، فإنه سبحانه يأتيهم متنكراً لا يعرفونه -وذلك من الابتلاء- فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيقول: هل بينكم وبينه علامة؟ فيقولون: نعم، الساق، فإذا كشف عن ساقه خروا له سجداً.

стр. 208

شرح العقيدة الواسطية [١٣] رؤية الله في الآخرة لا شك فيها، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، فهم وسط بين من يثبتون الرؤية في الدنيا والآخرة حقيقة، وبين من ينكرون الرؤية في الدنيا والآخرة. والآيات القرآنية صريحة واضحة وجلية في إثبات الرؤية، والأحاديث النبوية الصحيحة مستفيضة ومتواترة في إثبات الرؤية أيضاً، وما على المؤمن الصادق إلا أن يؤمن بذلك ويصدق به.

стр. 209

رؤية الله أحكام ومذاهب يقول المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها فافعلوا) . متفق عليه] . سبق بعض الأحاديث التي ذكرها في بعض الصفات مثل العلو والاستواء وكذلك النزول، ثم كذلك ما ذكر من الجمع بين الاستواء وبين المعية، ثم ذكر هذا الذي في الرؤية: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها فافعلوا) . متفق عليه.

стр. 210

استفاضة أحاديث الرؤية عن النبي ﵊ هذا الحديث جاء عن عدد من صحابة الرسول ﷺ ، حتى قال بعض العلماء: إنه بلغ حد التواتر، أما الاستفاضة فهذا لا إشكال فيه، فإنه مستفيض عن الرسول ﷺ ، لهذا يقول يحيى بن معين: عندي سبعة عشر حديثاً في الرؤية كلها صحيحة. وبلغت أكثر من ذلك، وقد ألف العلماء في هذه المسألة مؤلفات خاصة كـ الدارقطني والآجري وغيرهما وهي معروفة عند أهل العلم؛ وذلك لأن هذه مسألة عظيمة جداً، فأهل السنة يتميزون بإثباتها، خلافاً لأهل البدع، وهذا القول من الرسول ﷺ : (إنكم سترون ربكم) فيه تأكيدات بليغة أكدت بإن ثم بالسين التي تدل على التأكيد أيضاً، ثم بالفعل وكل هذه تأكيدات بليغة، مع أنه كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: لو أن إنساناً تكلف أن يأتي ببيان أكثر من قول الرسول ﷺ ما استطاع أن يأتي بكلام فيه بيان إثبات الرؤية؛ لأن الرسول ﷺ أعطي البلاغة والفصاحة، كما أنه من المعلوم أنه أعرف الخلق بالله جل وعلا وبما يجب له وما يستحيل عليه، وقد وكل الله جل وعلا إليه بيان الإيمان للناس، وبيان ما أنزل إليه. وهناك أمور كثيرة تدل على وجوب اعتقاد أن ظاهر قوله حق يجب أن يؤخذ به، ومن المعلوم أن أهل السنة لا يترددون في هذا، بل غاية مقصودهم أن يسأل أحدهم أن يمكنه ربه جل وعلا من رؤية وجهه الكريم يوم القيامة، والغريب أن هؤلاء الطوائف المبتدعة ينكرون أفضل ما يجزي به رب العباد عباده، وأفضل ما ينعم به عليهم، وهذا بناء منهم على بدعهم الضالة، وأهل السنة والجماعة إنما يثبتونه بحسب النصوص وقد جاءت النصوص من الكتاب والسنة متواترة على ذلك كما تقدم. وهو ثابت في عرصات القيامة في المواقف أنه يرى جل وعلا، يراه عباده المؤمنون وكذلك إذا دخلوا الجنة، وهذا هو الذي يكون نعيماً، كما أن الأول أيضاً من النعيم والكرامة، ومقابل النعيم العذاب، فإن الكفار يحجبون عن رؤية الله جل وعلا تعذيباً لهم. أما لماذا أنكروا ذلك؟ ومن الذي أنكره؟ فالذين أنكروه كما يقول عبد الجبار المعتزلي في كتابه المغني يقول: أجمع أهل العدل كافة على عدم الرؤية، والزيدية والخوارج وبعض المرجئة. أما قوله: أهل العدل فمقصوده بأهل العدل هم المعتزلة، فهم يسمون أنفسهم: أهل العدل، والعدلية مع أنهم أهل الجور والظلم بلا إشكال، وهذا شيء معروف، أما لماذا أنكروا الرؤية مع أنه قد تواتر عن الرسول ﷺ ذلك، فلأنهم يستندون إلى العقل، ويقدمونه على الكتاب والسنة.

стр. 211

آيات قرآنية في إثبات الرؤية قال الله جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] وقوله جل وعلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] وقد ورد في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه فسر الزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم؛ لأن الحسنى الجنة والزيادة: هي النظر إلى وجه الله، وهو أعلى من نعيم الجنة، والنصوص كثيرة: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] يقول الشافعي ﵀: لما حجب أعداءه دل على أنه ينعم على أوليائه برؤيته، وأنهم يرونه. وأما الأحاديث فهي كثيرة جداً وصريحة وواضحة، ومن المعلوم عند أهل السنة أن ما دلت عليه الأحاديث كالذي دلت عليه الآيات ولا فرق، فيجب قبوله والإيمان به، فلا عذر لمن أنكر ذلك، أما الشبه الواهية التي يتعللون بها فهي أصل دينهم الذي بنوا عليه مذهبهم وهو أن العقل هو الذي يرجع إليه، ويسمون أدلة العقل: براهين، أما أدلة الأحاديث التي قالها رسول الله ﷺ أو دلالة الآيات فإنهم يجعلونها ظنية، وهذا من أبطل الباطل، ومعروف أنه لا ينطلي على أهل الحق مثل هذا الكلام، ولا يؤثر في عقيدتهم، ولكن قد يوردون بعض الشبه التي تؤثر على بعض من لم يعرف الحقائق. أهل الباطل لا يستدلون بالآيات أو ما تدل عليه الأحاديث إن كانت عليهم، فكيف يكونون هم أهل عدل وهم هكذا يصنعون، فقد استدلوا بقول الله جل وعلا: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] على نفي الرؤية مع أنهم يقولون: دلالة النصوص ظنية، فلا يثبت بها ما هو من العقائد، وهذا أيضاً من طريقتهم. وكذبوا أيضاً على اللغة وقالوا: إن (لن) في اللغة العربية تدل على تأبيد النفي، وهذا معروف أنه ليس بصحيح، ولهذا نص ابن مالك في الألفية على نفي ذلك وإبطاله؛ لأنه معروف ومشهور. وليس هذا هو المقصود، إنما المقصود الشبه التي يوردونها ما العلة؟ ما السبب؟ هل يجوز لمسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله أن يأتيه قول الرسول ﷺ فيرده؟. من رده معنى ذلك أنه لم يشهد أن محمداً رسول الله؛ لأن معنى شهادة أن محمداً رسول الله بعد اعتقاد أنه رسول أنه تجب طاعته، وإلا لم يكن صادقاً في كونه شهد أن محمداً سول الله، فيرجع الأمر إلى أصل الدين في رد قول الرسول ﷺ ، الله جل وعلا يقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] .

стр. 212

الرد على شبهات منكري الرؤية الأمر ليس سهلاً فلا يتساهل في مثل هذا، بل الأمر صعب جداً؛ لأنها قضية إيمان وكفر، وليس معنى هذا أننا نقول: إن هؤلاء الذين أنكروا الرؤية كفار، يجب عليهم ما يجب على الكفار، ولكن نقول: هذا كفر بالله جل وعلا؛ لأن الله أخبر أنه ينتفي الإيمان عند ذلك، فأكبر الشبه التي قالوها وهي أصل دينهم قالوا: إننا عرفنا الله جل وعلا بحدوث الأجسام، يقولون: إن هذه المخلوقات لما نظرنا إليها وجدنا أنها فقيرة تعتريها الأعراض، مثل: الجهل والعلم والمرض والصحة، والكبر والصغر، والموت والتغير وما أشبه ذلك، وهذه كلها تدل على أنها محدثة. نقول: نعم هذا صحيح، يقولون: إذاً الأصل هو هذا، والذي صار كثيراً محدثاً وجد بعد إن لم يكن موجوداً فلا بد أنه يموت ويتغير، ولا يجوز بتاتاً أن يكون الموجد له مشابهاً له في شيء من الأشياء، وإلا بطلت الأدلة وبطلت الأديان، والمرئي لا بد أن يكون جسماً؛ لأن النظر لا بد أن يقع على مقابل، ولا يكون الشيء مقابلاً إلا إذا كان جسماً، فيلزم الذين يثبتون الرؤية أن يثبتوا الجسمية، أن يقولوا: هو جسم، وهذا كفر. هذه أكبر شبهة قالوها، وقد التزمها أعداؤهم مثل: الكرامية، قالوا: نعم نقول ذلك ونحن أسعد بالنصوص منكم، لأن هذا دلت عليه النصوص فنحن نقول به ولا ضير علينا، نقول: إن الله جسم؛ لأن النصوص دلت على ذلك، وهذا كله باطل بلا شك سواء، قول هؤلاء وقول هؤلاء. ولكن مثلما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الإنسان إذا قرأ كتب هؤلاء المبطلة من أهل البدع لا يستفيد شيئاً إلا إبطال أقوال بعضهم ببعض، ويعرف أن قول هذا باطل بقول هذا؛ لأن كل واحد من هؤلاء يبطل قول الفريق الثاني. والرد الصحيح الذي يجب أن يرد على هؤلاء أن نقول: كلامكم هذا أصله مبتدع، أصل المسألة بدعية، الرسل لم يأمرو الناس بأن ينظروا إلى الأعراض وإلى الأجسام حتى يستدلوا بها على الله جل وعلا؛ لأن معرفة الله أمر فطري مركوز في الفطر، والرسل إنما أتت بالإيمان والإيمان إنما يكون بالوحي، فهم ليسوا بحاجة إلى ما قاله أصحاب الاعتزال من هذه الافتراضات التي قالوها وجعلوها أصل الدين، ثم بنوا على ذلك أن الذي لا يعرفها لا يكون مؤمناً، فيكون أصل مقالتهم فاسدة ومردودة، هذا أمر. الأمر الثاني: أننا كلفنا بالإيمان وقبول ما قاله الله وقاله رسوله ﷺ ، بدون أن نرجع إلى عقولنا في ذلك. الأمر الثالث: أن الله جل وعلا أخبرنا أنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، فهو جل وعلا حقيقة له سمع وله بصر وله وجه وله يدان كما أخبر، ولكن ليست هذه الصفات كصفات خلقه؛ لأنه كما قال: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)) . الأمر الرابع: أننا نؤمن حقاً بأن الله جل وعلا له ذات، وأنه مستوٍ على عرشه، وكلما كان له ذات ووجود، يصح في العقل نظره، مع مجيء الشرع بذلك، وليس في هذا أي محذور، وهذا الذي جاء به القرآن وجاء به رسول الله ﷺ هو الحق، ونحن لا نلتفت إلى ما قاله المعتزلة وإخوانهم الذين سلكوا هذا المسلك، فإذا جاءوا بشبه نحو هذه الشبه نقول: هي مردودة جملة وتفصيلاً، أما الإجمال فنعرف أن كل ما خالف قول الله وقول رسوله ﷺ فهو باطل. أما التفصيل فبنحو ما ذكرنا، وغيره كثير مما أبطل العلماء به أقوال هذه الطائفة المبتدعة الضالة التي ضلت في عقلها وفي دينها، وصارت تتبع شبهاً وتترك النصوص الواضحة الجلية، ويكون الأمر مثلما قال الله جل وعلا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٧] مع أن هذا ليس فيه تشابه في الواقع بل هو جلي وظاهر، وما أكثر النصوص التي دلت على هذا! والعلماء استدلوا على هذا -كما سبق- بأدلة كثيرة مثل لفظ: اللقاء، فكل آية جاء فيها لفظ اللقاء فهي تدل على الرؤية كقوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] ، ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٤٦] وما أشبه ذلك، فاللقاء كما هو ثابت في اللغة: هو المعاينة بعد المسير والكدح، فهي تتضمن الرؤية، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك، وبهذا يتبين لنا أنه لا عذر لمن أنكر الرؤية، وأنه خليق بأن يحرمها يوم القيامة؛ لأنه أنكر أعلى نعيم أهل الجنة، وكل مؤمن بالله جل وعلا يجتهد في دعائه ربه أن يمنحه النظر إلى وجهه الكريم.

стр. 213

حقيقة الرؤية في قوله: (كما ترون القمر) أما لفظ الحديث، فإنه يقول: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر) القمر في اللغة يكون قمراً بعد ثلاث ليال إلى آخر الشهر، والبدر: هو التمام إذا امتلأ نوراً، وذلك ليلة أربعة عشر، وسمي: بدراً؛ لأنه يبادر طلوعه غروب الشمس، وغروبه طلوع الشمس، ولأنها تتم مقابلته للشمس فيمتلئ نوراً، وأي شيء أوضح من هذا، والغريب أنه جاء في الشمس أيضاً، (كما ترون الشمس ضحوةً ليس بينكم وبينها قتر ولا سحاب) . ثم إِن هذه الكاف هي كاف التشبيه، (كما ترون) والتشبيه للرؤية في وضوحها وجلائها، وسهولتها، أي: سهولة وصول كل واحد إليها، يعني: أنكم ترونه بارزاً جلياً واضحاً كل واحد يراه مخلياً به كما يرى هذا الشيء الذي قاله الرسول ﷺ ، وقد جاء في حديث أبي رزين ما يوافق هذا بل هو أصرح، فقد قال الرسول ﷺ : (إنكم تلقون ربكم فيحاسبكم، قال له: كيف نلقاه ونحن كثيرون وهو واحد قال: ألا أخبرك بآية ذلك؟ قال: بلى، قال: هذا القمر أليس كل واحد منكم يراه مخلياً به؟ قال: بلى، قال: إنه مخلوق صغير من آيات الله، فالله أكبر وأعظم) ، فهذا تشبيه الرؤية بالرؤية، والجامع بينهما الوضوح والجلاء والبروز، ولهذا جاء في نفس حديث جرير: (إنكم ترون ربكم عياناً) أي: معاينة، وقوله: (كما ترون القمر) تأكيد بعد تأكيد، وهذا كله ينفي كل توهم بأنه يجوز أن يكون مجازاً أو يكون المقصود شيئاً آخر ثواباً أو غير ذلك، فجاءت هذه التأكيدات تبطل كل احتمال مع أنها واضحة جلية. وقوله: (لا تضامون في رؤيته) هكذا جاء بضم التاء وتخفيف الميم (تضامون) ويكون ذلك من الضيم وهو الظلم، يعني: لا يلحقكم في رؤيته ضيم، بل إنكم تمكنون من الرؤية تمكناً تاماً دون تعب أو مشقة. وجاء أيضاً: (تضامون) بتشديد الميم، يعني: لا ينضم بعضكم إلى بعض عند الرؤية، مثل إذا رأيتم الشيء الخفي فإن العادة أن الناس يساعد بعضهم بعضاً على رؤيته، مثل: رؤية الهلال، كل واحد يقرب إلى الثاني حتى يساعده على رؤيته فهذا لا يحتاج إلى ذلك، لأنه بارز وواضح، والله جل وعلا أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري أنه قال: (قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات: فقال: إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره) . وسبحات وجهه بهاؤه وجماله ونوره، ومعلوم أنه لا يحجب بصر الله شيء أبداً فهو بصير بكل شيء، فلولا الحجاب لاحترق كل شيء بنوره جل وعلا، ولكن المؤمنون كمل إيمانهم في الآخرة، فأعطوا الكمال الذي ليس فوقه شيء للمخلوق، فلهذا صح أن يروا ربهم جل وعلا، وهذا يدل على أنه لا يمكن ذلك في الدنيا، كما جاء في الحديث الذي في صحيح مسلم في قصة الدجال: (واعلموا أن أحدكم لن يرى ربه حتى يموت) ، وفي قصة موسى ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] يعني: في هذه الدنيا، فجعل مثالاً لذلك أن الجبل إذا ثبت للرؤية فهو ممكن ثبوتك؛ فلما تجلى ربه للجبل تدكدك الجبل، عند ذلك خر موسى صعقاً فلما أفاق قال: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣] .

стр. 214

أقسام الناس في رؤية الله في الدنيا والآخرة والناس في الرؤية بين متطرف وبين غال، وبين متوسط، أي أن الناس في الرؤية ثلاثة أقسام: القسم الأول: هم الذين أثبتوها في الدنيا والآخرة، وقالوا: إن الله جل وعلا يرى، وليس معنى ذلك أنه يرى في المنام، أما الرؤيا في المنام فهي ليست حقيقة؛ لأنها مثل يضربه الملك الذي وكل بالرؤية، ولهذا يمكن للمخلوق أن يرى ربه في المنام؛ لأن هذا ليس هو رؤية الله حقيقةً، فإن كان إيمانه حسناً فإنه يرى صورة حسنة، كما قال الرسول ﷺ : (رأيت ربي في أحسن صورة) يعني: في منامه، فلما كان إيمانه هو أحسن الإيمان رآه في أحسن صورة، أما غيره فلا يمكن أن يراه في الصورة التي رآه فيها رسول الله ﷺ ، بل يكون أدنى من ذلك. والمقصود بهذا أن الرؤية المنامية ليست حقيقية، وهي ممكنة، ولكن هؤلاء الذين أثبتوا الرؤية في الدنيا لا يقصدون هذا؛ لأن هذا لا خلاف فيه بين أهل السنة، وإنما يقصدون الحقيقة، وهؤلاء أصحاب أمراض وأصحاب أوهام وأصحاب خيالات، فيخيل إليهم أنهم يرون شيئاً، وأحياناً يكونون أصحاب أمراض وشكوك، وأصحاب شطحات في عبادة الله جل وعلا ومعاملته، فيخيل لهم الشيطان أنه ربهم، فيتراءى إليهم وربما جلس على كرسي بين السماء والأرض وقال لهم: أنا ربكم فصدقوا ذلك. فإذا قال أحدهم: إني رأيت ربي، فمعناه: أنه رأى ربه الذي هو الشيطان؛ لأن كثيراً منهم يعبد الشيطان فهو ربه، فهذا يوجد عند كثير من الصوفية، وهذا باطل بنص القرآن وبنص حديث الرسول ﷺ . القسم الثاني: هم الذين نفوا الرؤية في الدنيا والآخرة، أما الدنيا فهي منفية، ولكن في الآخرة. القسم الثالث: هم الذين توسطوا وأثبتوا ما أثبته الله جل وعلا، وأثبته رسوله ﷺ ، بقوله: (كما ترون القمر) قلنا: إن هذه الكاف كاف تشبيه، هو تشبيه الرؤية بالرؤية وليس تشبيه المرئي بالمرئي، يعني: أنه ليس تشبيه القمر بالله جل وعلا، وإنما هو تشبيه رؤية الرب جل وعلا في الوضوح والجلاء برؤية القمر ليلة البدر بوضوح وجلاء، بمعنى: أنهم يرونه واضحاً جلياً، فالتشبيه يكون في الرؤية وليس في المرئي.

стр. 215

من أسباب حصول الرؤية لله وقوله: (فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا) ، يقول العلماء: في هذا تأكيد للمحافظة على صلاتي الفجر والعصر، وهذا فيه الإشارة إلى أن الصلاة هي أفضل الأعمال، وأن الذي يحافظ عليها ولاسيما هاتين الصلاتين أنه يجزى بالرؤية؛ لأن الرؤية هي أعلى النعيم، والصلاة هي أفضل الأعمال فهذه هي المناسبة في ذكر الصلاة هنا. وبعض العلماء ذكر مناسبة أخرى وهي أنه يقول: إن أعلى أهل الجنة يرى ربه بكرة وعشياً، فمن حافظ على هاتين الصلاتين التي إحداهما في البكور والأخرى في العشي، فإنه يرى ربه بكرة وعشياً، جزاءً له على المحافظة على هاتين الصلاتين، ومن حافظ عليهما لزم أن يحافظ على بقية الصلوات.
следующие страницы →