Полный текст (524 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
إثبات صفة العجب لله جل وعلا
نثبت صفة العجب لحديث: (عجب ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره) .
والقنوط ما له موجب، وهذا حالة تعترض للناس عندما يتأخر المطر وهم محتاجون إليه؛ لأن حياتهم تتعلق به فيقنطون، والقنوط: استبعاد الشيء، وقد يكون اليأس منه، وقد اختلف العلماء أيهما أشد القنوط أم اليأس؟ وقد جاء ما يدل على أن كل واحد منهما ضلال وكفر، فمن أعظم الذنوب أن الإنسان يقنط من رحمة الله، ولكن في هذه الحالة التي أخبر بها الرسول ﷺ : (إن الله ينظر إليكم أزلين قنطين؛ فيظل يضحك) ، فهو مثل قوله: (عجب ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره) ، يعني: قرب تغييره للحال من حالة الشدة إلى حالة الخير والانفراج، بإنزال الرحمة، وهذا مدعاة للعجب؛ لأن الله جل وعلا هو رب الخلق، والرب من مقتضى ربوبيته أن يرزقهم ويعطيهم ما به قوام حياتهم، ولا يمنع خيره جل وعلا، فهو عجيب في الواقع، وقد أخبر الله جل وعلا أن مع العسر يسراً، ولكن ليس هذا فقط، بل ذلك لأنه الرب، والرب معناه: المربي لخلقه، القائم عليهم بما يصلحهم، وإن كان يملكهم ويتصرف فيهم فلابد أن يقوم عليهم بما يصلحهم، فإذاً: لابد أنه جل وعلا يغيثهم ويعطيهم ما فيه صلاحهم، ولكنه جل وعلا خبير بعباده، وقد أخبر أنه لو أعطاهم على حسب ما يريدون لتغيرت حالهم، ولكنه ينزل بقدر ما يشاء، وهو بعباده خبير بصير جل وعلا، وقد قرأ ابن مسعود: ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات:١٢] ، بضم التاء، ويكون الضمير لله، ويكون هذا أيضاً موافقاً لهذا الحديث من كلام الله جل وعلا، يعني: عجبت من رد الكفار على رسول الله ﷺ ، مع ظهور آياته ووضوح صدقه، كيف يسخرون منه؟! وكيف يردون دعوته؟! فإنه عجب مع أنهم عندهم عقول وأفكار، وهم لا يمترون بذلك، ولكن التقليد والشقاوة واتباع الهوى يدعوهم إلى المخالفة والتكذيب، فعلى هذا يكون العجب صفة فعل يجب أن تثبت كما أثبتها رسول الله ﷺ .
وقوله: (إنه حديث حسن) ، يعني: أن الحديث إذا كان حسناً فهو من أقسام الصحيح، فيجب أن تثبت به العقائد، خلاف ما يقوله أهل البدع من التفرقة بين الفروع والأصول، ويقولون: الفروع تثبت بأخبار الآحاد، أما الأصول فلابد أن تكون بخبر متواتر، ولا تثبت بخبر الآحاد، وهذا شيء اخترعوه من عندهم، وهو مخالف لسنة رسول الله ﷺ ، ولدعوته وإبلاغه، والأمر في هذا واضح وظاهر، ولم يزل العلماء يردون عليهم في ذلك ويستدلون بالأدلة الكثيرة.
والحديث الحسن من أقسام الصحيح التي تثبت به العقائد، وإن كان حديثاً فرداً، كما تثبت به الأحكام، ولا فرق بين العقائد والأحكام في ذلك، فإذا صح عن رسول الله ﷺ حديث وجب قبوله، ووجب العمل بمقتضاه.
стр. 142
إثبات صفة القدم لله جل وعلا
قوله ﷺ : (لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها رجله -وفي رواية:- يضع عليها قدمه؛ فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط وعزتك وجلالك) ، فهو حديث متفق عليه.
أولاً: هذا يدلنا على أن قول النار فيما ذكره الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠] استفهام لطلب الزيادة، وهذا الحديث يدل على ذلك.
ثانياً: هذا القول يجرى على ظاهره، وأن جهنم تقول قولاً يسمع، وتتكلم، والله جل وعلا أخبر فيما أخبر عنه رسوله ﷺ أنه وعد الجنة والنار كل واحدة منهما ملؤها، فثبت في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: (تحاجت الجنة والنار -يعني: اختصمتا- فقالت الجنة: مالي يدخلني الضعفاء والمساكين؟! وقالت النار: أوثرت بالجبارين والمتكبرين! فقال الله جل وعلا للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء، وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما علي ملؤها) .
فأما الجنة فإنها لا يزال فيها فضل مساكن بعد دخول أهلها فيها، فينشئ الله جل وعلا لها خلقاً، فيسكنهم فضل الجنة، وأما النار فلا يزال يلقى فيها وهي تقول: هل من مزيد؟ يعني: حتى ينتهي الخلق، ومعلوم أنها كما أخبر الله جل وعلا لا يلقى فيها إلا الجن والإنس كما قال جل وعلا: ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩] ، وهذا قسم منه جل وعلا، فهي تطلب الزيادة حتى يضع عليها رجله، وربك ليس ظلاماً للعبيد، أما ما جاء في الصحيحين من حديث أنس: (أن الله جل وعلا ينشئ للنار خلقاً، فيسكنهم في النار، فيملأ النار بهم) ، فهذا كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما: حديث مقلوب، يعني: أنه جعل ما للجنة للنار، وما للنار للجنة، وقد بين ذلك البخاري، فإنه لما رواه أتبعه بالرواية الصحيحة التي تبين ذلك، والبخاري ﵀ إذا غلط الراوي لا يتركه، لابد أن يبينه، بخلاف مسلم ﵀، فإنه يذكر السند والمتن على حسب ترتيبه الذي رسمه لنفسه، وتنتهي عهدته؛ ولهذا وجد في صحيح مسلم بعض الكلمات التي فيها خطأ واضح، وقد تكون مخالفة للقرآن، وإن كان السند صحيحاً، ولكن من المعلوم قطعاً أن الراوي وإن كان ثقة ثبتاً لا كلام فيه فإنه يجوز عليه الخطأ؛ لأنه غير معصوم، مثل ذلك الحديث الذي فيه: (وخلق التربة يوم السبت) ، فهذا خطأ ظاهر؛ لأن الله جل وعلا أخبرنا أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام وليس في سبعة أيام، وأخبرنا أن آخر الأيام التي تم الخلق فيها الجمعة، فإذا كان آخرها الجمعة فأولها الأحد، والسبت ليس فيه خلق، وهذا ثابت حتى عند أهل الكتاب ولا مرية فيه.
والمقصود أن هذا الحديث لم يقله رسول الله ﷺ على هذا الوجه، وإنما هذا خطأ من الراوي، وقد بين العلماء ذلك، فالصواب أن الخلق الذي ينشؤه الله هو للجنة، كما ثبت ذلك في الروايات الثابتة في الصحيحين وغيرهما.
وهذا الحديث حاول أهل التأويل تأويله كما فعلوا في غيره، وقد جاءوا في تأويله بشيء، يضحك العاقل، حيث لم يقبلوا أن يوصف الله جل وعلا بأن له رجلاً، وكلمة (قدمه ورجله) كلاهما سواء لا فرق بينهما، فمرة عبر الرسول ﷺ برجله، ومرة بقدمه، والمعنى واحد، ومن الاعتراضات التي اعترضوا بها أنهم قالوا: هذا الحديث مخالف للقرآن، ما وجه المخالفة؟ قالوا: إن الله أخبر أن جهنم تمتلئ بالجنة والناس، وليس بقدمه أو رجله.
والجواب عن هذا: أنه ورد في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (فينزوي بعضها إلى بعض) ، يعني: تتلاقى وتجتمع، فتمتلئ بما فيها، فتكون امتلأت من الجن والإنس، وليس بغيرهم.
كذلك قالوا: إن هذا يقتضي التشبيه والتجسيم، ومعروف فيما سبق أن هذا باطل، فإذا ثبت أن الرسول ﷺ وصف ربه جل وعلا بأن له قدماً وجب إثبات ذلك.
وقالوا: إن هذا فيه تشويه؛ لأنها رجل واحدة وقدم واحدة، فنقول: تعالى الله أن يكون كذلك، ولكن لا يلزم من التعبير المفرد أن يقصد ظاهر ذلك، وهذا جاء وروده كثيراً، وقد جاء عن السلف أنهم قالوا: الكرسي موضع القدمين.
وقالوا: إن المقصود بالرجل جماعة من الناس الجبابرة ومن غيرهم، يجمعون ويسمون رجلاً، مثل ما يقال لجماعة الجراد: رجل جراد وهذه سخافة، وما يستحق مثل هذا أن يتكلم عليه.
وقالوا: القدم: هو ما يقدمه إلى النار، وكل هذه محاولات لرد الحق، وهي في الواقع لا تضر الحق شيئاً، وإنما تضر أصحابها.
والمقصود: أن نعرف شيئاً من تأويلاتهم الباطلة التي يؤولون بها أحاديث رسول الله ﷺ ، فعلى هذا يكون: أولاً: الاستفهام في قوله: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠] لطلب الزيادة، وقد اختلف المفسرون في ذلك، وهذا هو أصح القولين فيه.
الثاني: أن جهنم تتكلم كلاماً حقيقياً، وقد جاء ذلك كثيراً في روايات غير ما ورد في الآية، كما في حديث المحاجة، وإذا جاء نص وجب حمله على الظاهر حتى يأتي دليل يدل على خلاف ذلك.
ثم إن وضع الرب جل وعلا رجله في النار من صفات الأفعال، والله جل وعلا يفعل ما يشاء، وهو جل وعلا على كل شيء قدير، فيجب أن نؤمن بذلك على ما قاله الرسول ﷺ ، قوله: (فينزوي بعضها إلى بعض) ، الانزواء: هو الاجتماع، تجتمع وتتضايق على أهلها وتبقى مملوءة بمن ألقي فيها؛ لأن الكفرة والشياطين انتهوا عند ذلك، وهذا يدلنا على سعة النار وعظمها، ومعلوم أن أكثر الناس كفرة، نسأل الله العافية، وكذلك الجن أكثرهم كفرة، والمؤمنون منهم قلة، ومع ذلك ينتهي آخرهم وجهنم تطلب الزيادة، فهذا دليل على سعتها العظيمة، وقد جاء أن النار يلقى الحجر على شفيرها ويبقى سبعين عاماً لم يصل إلى قعرها، وهذا يدل أيضاً على أنها دركات تذهب إلى أسفل في العمق، وليست كالجنة في السعة، وعذاب أهل النار يختلف.
وقوله: (فتقول: قط قط) ، هذا اسم فعل، يعني: قد امتلأت فليس فيّ اتساع لغير من وضعوا فيّ، فهذا الذي وعدها الله جل وعلا به ستتكلم به، وهذا أيضاً من الأدلة على أنها تنطق وتتكلم كلاماً حقيقياً، كما تكلمت الجنة، وإذا أراد الله جل وعلا للشيء -وإن كان ليس له عقل وليس له لسان ولا لهاة، ولا حنجرة، ولا غير ذلك- أن يتكلم تكلم، فهو إذا أراد أنطق كل شيء: ﴿قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت:٢١] ، هكذا تقول الجلود والأسماع والأبصار.
كذلك جاء أنه جل وعلا يسبح له من في السموات والأرض، ولكن نحن لا نفقه تسبيحهم، والصواب أن هذا على ظاهره حقيقةً، فلا يؤول.
стр. 143
إثبات النداء والصوت والكلام له سبحانه
[وقوله: (يقول الله تعالى: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار) ] .
هذا الحديث في صحيح البخاري بهذا اللفظ، وكذلك في غيره، والمقصود به إثبات الكلام لله جل وعلا، وأن كلامه يكون بحرف وصوت، وصرح به هنا وإن كان النداء في لغة العرب لا يكون إلا بحرف وصوت؛ لأن النداء هو كلام من بعد؛ ولهذا خص العرب له حروفاً معينة، التي تقتضي مد الصوت كالياء والهمزة والواو؛ لأن مد الصوت يقتضي ذلك، وهذا أمر متفق عليه عند أهل اللغة ولا إشكال فيه، فيكون ذكر الصوت هنا من باب الإيضاح والتأكيد فقط، فينادي بصوت، وكونه ينادي آدم ﵇؛ لأن آدم هو أبو البشر، وتمام الحديث: (فيقول آدم: يا رب! وما بعث النار؟ فيقول الله جل وعلا: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين) يعني: من ذريته، فيكون واحد فقط من الألف من أهل الجنة، والباقي كلهم من أهل النار، وهذا مما يؤكد أن أكثر الناس كفار، وأن كثرتهم ليست متوازية مع أهل الجنة وأهل الخير، وإن كان أهل الجنة كثير، ولكن هؤلاء أكثر، عند ذلك قال الصحابة: وأينا ذلك الواحد؟ -يعني: اشتد هذا عليهم- فقال: (أبشروا، ما أنتم في الناس إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود أو قال: كالشعرة السوداء في جلد الثور الأبيض) ، وفي رواية أنه قال: (فإن من يأجوج ومأجوج ألف، ومنكم واحد) ، وهذا يدلنا على أن يأجوج ومأجوج يشمل الكفرة، فهم داخلون فيهم، والخطاب للصحابة رضوان الله عليهم، ولكن المؤمنون الذين يتبعونهم تبع لهم في ذلك بلا إشكال.
وقوله: (لبيك) هذه الكلمة جاءت على التثنية، ومعنى لبيك: أنا مجيب لك مرة بعد أخرى، أو أنا مقيم على طاعتك، أو أنا محب لك حباً يلازمني، عابد لك عبادة ملتزم بها.
(وسعديك) يعني: إسعاداً لك بعد إسعاد، كما في التلبية.
والمناسبة أن آدم هو أبو البشر فكلف أن يخرج بعث النار، والله جل وعلا إذا أمره بهذا، فإنما ذلك لأنه أبوهم، ومن وراء ذلك الأمور التي يشاؤها الله جل وعلا بتكليف ملائكته الذين يسحبونهم ويجرونهم، ويدعونهم إلى جهنم دعاً، مثل الذي يسوق الغنم بقوة، فلله ملائكة موكلون بذلك، وهذه أمور هائلة، ومن هنا يقول في هذا الموطن: (فذلك حين تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد) ، هذه المناظر هائلة ومخيفة جداً؛ لأن النار ليست سهلة نسأل الله السلامة! والمقصود من هذا أن الله جل وعلا يتكلم بصوت يسمع، والكلام صفة كمال، فالذي يتكلم أكمل من الذي لا يتكلم، ولكن كلام الله جل وعلا لا يشبه كلام الخلق؛ ولهذا قال في حديث أنس: (فينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب) ، قال البخاري: هذا صفة كلام الله، فهو لا يشبه كلام الخلق؛ لأن كلام الخلق لا يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، ثم إن كلامه جل وعلا لا يلزم منه اللوازم الباطلة التي سبق أن ذكرنا أنها من شبهات وتغبير أهل البدع في وجه الحق، وأنه لا يضر الحق شيئاً، وهذا فقط من باب تضافر الأدلة، وقد جاء ذلك في كتاب الله في آيات متعددة تقرب من إحدى عشرة آية، فيها ذكر النداء لله جل وعلا، وأن الله ينادي.
[وقوله ﷺ : (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) ] .
هذا أيضاً من الأحاديث التي فيها إثبات الكلام لله جل وعلا، ولكن هذا الكلام عام، وهو كلام عند المحاسبة، ولهذا قال: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه) يعني: عند المحاسبة، فيناقشه الحساب، ويحاسبه عن أعماله، فإذا أراد الله تعذيبه ناقشه الحساب، فمن نوقش الحساب عذب، ولهذا جاء في تمام هذا الحديث أن الرسول ﷺ قال: (اتقوا النار ولو بشق تمرة، ثم أشاح يوجهه) ، وقال: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة) ، فهذا يدل على أن هذا التكليم عند المحاسبة.
أما ما جاء في بعض خلقه أنه لا يكلمهم، فيحمل نفي الكلام في ذلك على أنه كلام الرحمة والنعيم، وهذا يكون لأهل الجنة فقط، أما أهل النار فلا يكلمون، وهذا لا ينافي قوله جل وعلا لأهل النار: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] ، وكذلك في غير هذه الآية، وقد أخبر جل وعلا أنه يخاطبهم ولكن خطاب تقريع وتعذيب، وهذا يكون كلام محاسبة؛ لأنه جاء عاماً، فهو دليل على أنه جل وعلا يتكلم إذا شاء وقد سبق ذلك.
стр. 144
الأسئلة
стр. 145
حال حديث إثبات صفة العجب لله
السؤال
يقول السائل: الحديث في العجب ضعفه بعض المحدثين؟
الجواب
هذا التضعيف لا ينفي صفة العجب، فقد صححه الشيخ وقال: إنه حسن.
стр. 146
إثبات أن مؤمني الجن يدخلون الجنة
السؤال
لقد ثبت في القرآن أن الجن يدخلون النار، ولكن لم يثبت لا آية ولا حديث أن الجن يدخلون الجنة، فهل صحيح أن مسلمي الجن لا يدخلون الجنة؛ لعدم وجود الدليل؟
الجواب
هذا عجيب! أولاً نقول: من أين لك أنه ما ثبت آية ولا حديث أن الجن لا يدخلون الجنة، توجد آيات وأحاديث، الله جل وعلا قال في سورة الرحمن: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦] ، وقال: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣] ، فالسورة من أولها إلى آخرها خطاب للثقلين الجن والإنس، وهناك آيات كثيرة تدل على هذا، أما الأحاديث فهي أكثر.
فالواجب على الإنسان أن يقول: ما أعلم، ولا يقول: لا يثبت شيء؛ لأن قوله: لم يثبت في هذا شيء صعب؛ لأن هذا معناه أنه لم يأت شيء عن الله وعن رسوله ﷺ .
стр. 147
ورود التثنية في صفة القدم لله جل وعلا
السؤال
هل ورد في صفة القدم التثنية؟
الجواب
ذكرنا الأثر الذي ورد عن السلف، وهو عن ابن عباس وغيره أن الكرسي موضع القدمين.
стр. 148
شرح العقيدة الواسطية [١٠]
من عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بأن الله عالٍ على خلقه، مستو على عرشه، وأن صفاته لا تشبه صفات المخلوقين، وأن له الربوبية العامة لكافة خلقه، فهو رب كل شيء ومليكه .
стр. 149
إثبات تكليم الله لخلقه يوم القيامة
يقول المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله ﷺ : (يقول الله تعالى: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار) ، وقوله ﷺ : (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) ، وقوله ﷺ في رقية المريض: (ربنا الله الذي في السماء، تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء، اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك، وشفاء من شفائك على هذا الوجع؛ فيبرأ) حديث حسن، رواه أبو داود وغيره، وقوله: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟!) حديث صحيح، وقوله: (والعرش فوق الماء.
والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه) حديث حسن، رواه أبو داود وغيره] .
ذكر المؤلف فيما مضى الأحاديث التي فيها إثبات صفات الفعل لله جل وعلا مثل: النزول، والفرح، والعجب، ثم أتبعها أيضاً بصفة فعل مقترنة بصفة ذات، وهي وضعه قدمه في جهنم جل وعلا، وفي رواية: (رجله) ، وسبق أن المقصود هنا الوضع الذي هو فعله، والرجل والقدم من صفات الذات، وكذلك أتبع هذا بصفة تكون مشتركة بين الفعل والذات، فمرة تكون صفة ذات، ومرة تكون صفة فعل، وهي الكلام، فالقول مشترك بين هذا وهذا، وذكر أنه جل وعلا في الحديث ينادي آدم، والمناداة من أدل الدلائل على إثبات الكلام لله جل وعلا، ووجه كون هذه الصفة صفة ذات: أنه جل وعلا لا يجوز أن يكون في وقت من الأوقات منفياً عنه الكلام؛ لأن الكلام صفة كمال، ولا يمكن أن يكون جل وعلا خالياً من الكمال.
ووجه كونها صفة فعل: أن الكلام يتعلق بمشيئته، يعني: لا يكون دائماً متكلماً، وإنما يتكلم إذا شاء بالشيء الذي يشاؤه، ومراد المؤلف بهذا الرد على أهل البدع؛ لكونه نص في هذا الحديث بقوله: (يقول الله: يا آدم! أخرج بعث النار من ذريتك) ، وذلك أنهم قالوا: إن الكلام ينقسم إلى قسمين: كلام لفظي حرفي، وكلام معنوي نفسي، أما الكلام الذي هو بالحرف واللفظ فلا يختلف أهل البدع في أن الله لا يوصف به، فالأشاعرة والكلابية وأصلهم المعتزلة والجهمية وغيرهم من الفرق الضالة متفقون على هذا، فكلهم نفوا هذه الصفة التي هي صفة كمال، فنص الشيخ ﵀ على هذا الحديث؛ لأن فيه دلالة ظاهرة على إبطال هذا الزعم وهذا القول؛ لأن النداء والقول لا يمكن أن يقال: إنه بالنفس، أو إنه معنى مستحيل، وإذا تكلم الرسول ﷺ بكلام فكلامه هو الهدى، وفيه الشفاء، وهو واضح جلي، فاكتفى بهذه الإشارة في الرد عليهم، وقد سبق أن ذكرنا بعض الأوجه الواضحة الجلية في إبطال هذا المذهب الباطل، والفطر تبطله، والشرع والعقل يبطله، بل إجماع الرسل والأمم المؤمنة كلها على خلافه، وذكرنا من الأوجه السابقة: أن الله جل وعلا يتحدى الخلق على أن يأتوا بمثل هذا القرآن فقال تعالى: ﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨] ، ولو كانوا متساعدين ومتعاونين لا يمكن أن يأتوا بمثله، فهل الله يتحدى الخلق بأن يأتوا بشيء في نفسه؟! تعالى الله وتقدس! وهم يجعلون هذا القرآن الملفوظ به المسموع المتكلم به عبارة عن كلام الله، ومعلوم أن العبارة تحتاج إلى معبر، فمن المعبر عندهم؟ لا يخرج المعبر عن شيئين: إما أن يكون الرسول الملكي أو الرسول البشري، وبهذا يتفقون مع إخوانهم بل مع أساتذتهم المعتزلة أن القرآن مخلوق، وهذا كفر بالله جل وعلا، وقد ذكر الشيخ ﵀ في الرد على هؤلاء ما يقرب من تسعين وجهاً، كل وجه من الأوجه يكفي في إبطال هذا المذهب الباطل، وذلك في كتابه الذي يسمى التسعينيات، ومن المعلوم أن الله جل وعلا ذم الكافر الوحيد الذي ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ [المدثر:١٨-٢٣] .
ثم بعد هذه الأمور التي وقعت له من الاجتهاد يأتي بقول يمكن أن يرضاه بعض من لا يطلع على الحقائق، ويلتبس عليه الأمر فقال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] ، يعني: إن هذا الذي جاء به رسول الله ﷺ قول البشر، فقال الله جل وعلا متوعداً له: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦] ، فهذا الوعيد في الواقع يستحقه هؤلاء الذين يقولون: إنه قول الملك أو قول البشر، وزعموا أن لهم دليلاً على هذا، وهو قول الله جل وعلا: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٣٨-٤٠] ، قالوا: أضافه إليه مما يدل على أنه يقوله، وهكذا أهل الباطل يتمسكون بالأمور المشتبهة الملتبسة على بعض الناس، ويفرحون بمثلها كما وصفهم الله جل وعلا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧] ، هذا شأنهم، ويقال لهم: إنه أضيف إليه؛ لأنه هو الذي يبلغه، وما جاء به شيطان أو كذاب، بل جاء به رسول من عند الله، فأضيف إليه لأنه هو الذي كلف ببلاغه؛ ولهذا جعل في هذه الآية قولاً للرسول البشري صلوات الله وسلامه عليه، وفي الآية الأخرى أضيف إلى الرسول الملكي: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير:١٩-٢٠] وهذا هو جبريل ﵇، فدل على أنه أضافه إليه؛ لأنه جاء به من الله فبلغه، فالرسول الملكي بلغه إلى الرسول البشري صلوات الله وسلامه عليهما، والكلام في الحقيقة مضاف إلى من قاله مبتدئاً منشئاً لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً، فهاتان هما الآيتان اللتان تمسك بهما هؤلاء المبطلون، وتركوا الآيات الواضحة التي يقول جل وعلا فيها: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣] وما أشبهها كقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّه﴾ [الزمر:١] ، فكثير جداً تأتي آيات واضحة جلية لا تحتمل التأويل، وكقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] ومن المعلوم أنه يسمعه ممن يبلغه سواء كان الرسول أو غير الرسول، وأخبر جل وعلا أنه خص موسى بالكلام: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] ، وهذه آيات واضحة جداً ما فيها إشكال، وقد حذرنا الله جل وعلا من الذين يتركون الواضح الجلي، ويتمسكون بما هو مشتبه، ومعلوم أن الذي فيه اشتباه يجب أن يرد إلى المحكم الواضح الجلي، فيتفق هذا مع هذا، ويصبح ليس هناك أي اشتباه، وهذا هو شأن طالب الحق، أما الذي في قلبه مرض وانحراف فيمكن أن يستدل على الكفر الصريح بشيء من القرآن كما استدل النصارى على التثليث لقوله جل وعلا: (إنا ونحن) وما أشبه ذلك مما هو في القرآن، ومعلوم أن هذا باطل، وقد سبق أن ذكرنا قاعدة وهي أن عقيدة المسلم أن كلام الله حق، وأنه لا يدل على الباطل، وكذلك قول الرسول، فإذا جاء مبطل يستدل على باطله بشيء من كلام الله أو من كلام رسوله فنجزم جزماً أن ذلك ليس معنى كلام الله، وإنما هو تحريف وتأويل الكلام بما يوافق الأهواء ابتغاء الفتنة.
والشيخ ﵀ ذكر هذا الحديث: (يقول الله: يا آدم!) ، فذكر النداء الذي يدل على رفع الصوت، فلابد أن يكون النداء بحرف وصوت، كما أن الكلام لا يعقل إلا بذلك، واكتفى بهذا الحديث، وإلا فالأحاديث في هذا كثيرة.
стр. 150
إثبات علو الله على خلقه
بعد ما تقدم ننتقل إلى معنى آخر، وهو الاستدلال على علو الله جل وعلا، وأنه عال على خلقه، وسبق أن العلو تضافرت عليه أدلة الشرع الذي نزل من عند الله، وأدلة العقل والفطرة والإجماع -إجماع المؤمنين من أتباع الرسل- على هذا هذا المعنى.
وهذه الصفة وصف الله جل وعلا بها نفسه في آيات كثيرة، وكذلك وصفه بها رسوله ﷺ في أحاديث كثيرة، ومنها الحديث السابق الذي ابتدأ به المؤلف في أول الفصل وهو أنه جل وعلا ينزل إلى سماء الدنيا، فالنزول لا يكون إلا من علو إلى أسفل، وسبق الكلام عليه فقال: (وقوله في رقية المريض: (ربنا الله الذي في السماء، تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما أن رحمتك في السماء، اجعل رحمتك في الأرض، واغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة ً من رحمتك، وشفاءً من شفائك على هذا الوجع، فيبرأ) حديث حسن) بين الشيخ ﵀ أن الحديث حسن، وسبق أن الحديث الحسن من أقسام الصحيح الذي يثبت به الحكم، سواء كان الحكم عقدياً أو عملياً من الأعمال التي تجب، ولا فرق بين هذا وهذا، هذا هو مذهب أهل السنة، وقد رواه أبو داود والإمام أحمد والبيهقي والنسائي والحاكم وغيرهم، وهو حسن بذاته.
فقوله: (ربنا الله) ، الرب في لغة العرب: هو المالك المتصرف، الذي يملك الشيء ويتصرف فيه، والله جل وعلا يملك كل شيء ويتصرف فيه، ولا أحد يتصرف مع الله تعالى وتقدس، وهذا من أظهر أسمائه جل وعلا، وسيأتي أن معنى هذا الاسم ينقسم إلى قسمين، وسبق أن الاسم يجب الإيمان به، وبما دل عليه من المعنى، وبأثره، وأثره أنه جل وعلا رب كل شيء، وأما معناه: أنه جل وعلا هو الذي يتصرف في كل شيء، ويربي خلقه بنعمه.
وقوله: (الذي في السماء) لفظ (في) إما أن تكون بمعنى: على، وقد جاءت كثيراً (في) بمعنى على كقوله جل وعلا في قصة فرعون: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] يعني: على جذوع النخل، وقول الله جل وعلا: ﴿فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٣٧] ، ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ [التوبة:٢] ، ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك:١٥] ، فهذا كثير في القرآن، وكلها تدل على أن (في) بمعنى على، والحروف تأتي متعاقبة كثيراً.
وإما أن تكون (في) بمعنى العلو، فلفظ (السماء) يكون المراد به أن الله في العلو، أي: ربنا الله الذي في العلو، وسواء قلنا هذا أو هذا فهي تدل على علو الله جل وعلا وارتفاعه على خلقه، وهذا هو المقصود.
وهذا -كما سبق- دلت عليه الأدلة المتضافرة، وإذا جاءنا دليل الشرع وجب أن نقول بمقتضاه، ونعتقد ما دل عليه، ونؤمن به، وما سواه إذا كان مخالفاً له لا نلتفت إليه، وإذا توافرت الأدلة صار زيادة ثبوت، وزيادة خير وتأكيد.
وقلنا: إن العقل والفطرة والإجماع يدل عليه والإجماع لا يكون إلا بدليل، ولكن إذا انعقد فهو يدل على الحق؛ لأن هذه الأمة معصومة من أن تجمع على خطأ؛ لقول الرسول ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم) ، وأما العقل فليس كل عقل ينظر إليه، وإنما ينظر إلى العقل الذي سلم من الانحراف والتغير، ومن المعلوم أن عقل أبي بكر ليس كعقل أبي جهل، فلا مساواة بين عقل المؤمن الذي يعرف ربه وعقل الكافر الذي ينكر ربه، والمؤمنون إذا سألوا المبطل الذي ينفي هذا: أرأيت هذه المخلوقات من السماوات والأرض هل هي مخلوقة أو غير مخلوقة؟ كيف يكون الأمر إذا قال: إنها غير مخلوقة؟ فهذا لا يمكن؛ لأن هذا كفر بالله جل وعلا، فلابد أن نقر بأنها مخلوقة، فإذا قال: إنها مخلوقة، نقول له: من الذي خلقها؟! لابد أن يقول: الله، فإذا قال: خلقها الله نقول: عندما خلقها هل خلقها في ذاته أو خلقها فوقه أم أين خلقها؟ فإن قال: خلقها في ذاته، فهذا كفر بالله جل وعلا، وإن قال: إنه خلقها فوقه تكون هي أكمل منه؛ لأن الفوق صفة كمال وعلو، فلابد أن يقول: إنه خلقها وهو فوقها أعلى منها، خارج عنها، ليس داخلاً فيها، فهذا نوع من الأدلة العقلية، وهي كثيرة، مع أننا لا نحتاج إليها لوجود الأدلة الشرعية، ولكن لما كثر الخوض والجدل أغري بعض الناس بمثل هذه المجادلات، فصار لا يقتنع إلا بمثل هذا، فإذا كان لا يقتنع إلا بمثل هذا فلا بأس أن يذكر له الشيء الذي يقنعه أو يوقفه عند حده.
أما الإجماع فإنه مبني على ما في الفطر التي فطر الله جل وعلا خلقه عليها، وكل من يعترف بربوبية ربه جل وعلا لا ينفك عن الفقر والحاجة، فإذا أراد أن يسأل ربه فإنه يجد دافعاً يدفعه من داخل نفسه، بأن يسأل ربه ويرفع يديه إلى السماء ويقول: يا رب! لا يلتف يميناً ولا شمالاً ولا تحت، يسأل ربه متجهاً إلى العلو، وهؤلاء المبطلون يقولون: إن الله في كل مكان، هذه عقيدتهم، ويقولون: ليس فوق ولا تحت، وليس يميناً ولا شمالاً، وليس أمام ولا خلف، ولا فوق العالم ولا داخل العالم، لا مداخل ولا محايد، ولا يسأل عنه بأين، ولا يجري عليه زمان، وليس في مكان، إذاً ماذا يكون؟! هذا هو العدم المحض، فهذا الوصف لا يمكن أن ينطبق إلا على المعدوم الذي لا وجود له، إذاًَ: هذه مجرد فكرة في أدمغتهم فقط، هذا هو الواقع، وهو الذي يدل عليه قولهم، وهذا هو مبدأ الإلحاد، بل هو أصل الإلحاد الذي آل إلى إنكار وجود الله جل وعلا، وهذا من أبطل الباطل، الله جل وعلا يقول: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] ، هل ممكن هذا؟ هذا مستحيل! لا يكون الموجود هكذا من غير منشئ؛ لأنك لن تجد سيارة قائمة صنعت نفسها أبداً، لابد أن يكون لها صانع متصرف أكمل منها.
ثم بعد هذا نقول: إن المؤمن يعترف أن ربه فوقه دائماً، وهذا إجماع الخلق؛ ولهذا لما كان أحد هؤلاء الكبار -الذين يقررون هذه العقيدة الزائفة الباطلة- في مسجد رسول الله ﷺ في القرن الخامس تقريباً وهو الجويني الذي يقال له: إمام الحرمين، كان جالساً على كرسي، وأمامه الناس يستمعون لدرسه وقوله، وصار يقول: كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما كان عليه قبل خلق المكان، فصار يتكلم على هذه المسألة وينفي أن يكون الله في السماء، ويتأول تأويلاً باطلاً، فقام رجل من الناس وقال له: يا إمام! اترك هذا الكلام الذي تقوله وتقرره، وأخبرني عن ضرورة نجدها في نفسي ونفسك وفي نفس كل الناس ما دعا أحد: يا رب! إلا ووجد دافعاً من نفسه يدفعه أن يسأل ربه إلى فوق، ولا يلتفت لا يميناً ولا شمالاً، من أين جاءت هذه الضرورة؟ وكيف ندفعها؟! لابد من جواب، فوضع الرجل يده على رأسه، ثم نزل من على الكرسي، وصار يبكي ويقول: حيرني الرجل! لماذا حيره؟! لأنه أفسد عقيدته التي كان يبنيها وينافح عنها بهذه الكلمة، فما استطاع أن يجيب، كما أنه لما حضرته الوفاة صار يبكي ويقول: ما علمت شيئاً، ونهى أصحابه عن الخوض في علم الكلام، وقال: يا ليتني أموت على عقائد عجائز نيسابور! والمقصود أن هذا إجماع مبني على الفطر التي فطر الله جل وعلا عليها خلقه، والأصل ما جاء به الرسول ﷺ ، ومنها، قوله: (ربنا الله الذي في السماء، تقدس اسمك) ، (تقدس) يعني: تنزه وتطهر عما يقوله الظالمون ويصفونه به، فله الكمال المطلق.
стр. 151
حديث: (ربنا الله الذي في السماء)
وقوله: (أمرك في السماء والأرض) ، الأمر هنا يقصد به الأمر الكوني أو القدري وهو الذي يكون في السماء والأرض، يعني: الذي لا يرد، فإذا قدر أمراً من أموره جل وعلا لابد من نفوذه، وهذا من مقتضى ربوبيته جل وعلا، وأمر الله ينقسم إلى قسمين: أمر كوني كما في هذه الفقرة، وأمر ديني.
أما الأمر الكوني فكقوله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ، والأمر الديني كقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل:٩٠] ، وقوله: (أمرك في السماء والأرض) ، يقصد به الأمر الكوني، بدليل أنه جعله عاماً في السماء والأرض، يعني: أنه نافذ لا يمكن أن يرد، ولا يمكن أن يعترض عليه، وهذا الذي توصف به كلماته؛ لأن كلمات الله جل وعلا تكون قدرية وتكون شرعية، فالقدرية يستعان بها ويدعى الله بها، والشرعية كذلك؛ ولهذا جاء في الحديث كما سيأتي: (أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر) ؛ لأن المجاوزة معناها ومقتضاها العصيان.
والكلمات الشرعية الدينية أكثر الناس يجاوزونها ويعصون الله فيها، أما الكلمات الكونية القدرية ما أحد يتجاوزها، والأمر مثل ذلك.
وقوله: (كما أن رحمتك في السماء) ، هذا توسل إلى الله جل وعلا، فأولاً توسل بربوبيته، ثم بعموم ملكه وتصرفه جل وعلا، وأن أمره هو النافذ، وليس لأحد معه أمر، ثم توسل برحمته التي وسعت كل شيء، والرحمة تأتي ويراد بها الصفة التي يتصف بها الرب جل وعلا، ويراد بها أثرها المترتب، والأثر يكون مخلوقاً؛ ولهذا جاء وصف الجنة بأنها رحمة الله كما قال جل وعلا للجنة: (أنت رحمتي أرحم بك من أشاء) ، فهي رحمة مخلوقة، وجاء في الحديث الصحيح: (إن الله خلق الرحمة مائة جزء) ، فهذه المخلوقة ليست هي صفته، وإنما هي أثر صفته.
ثم قال: (اجعل رحمتك في الأرض كما رحمتك في السماء) ؛ لأن السماء ليس فيه معاصي، وليس فيها إلا من هو خاضع مطيع مستكين لربه جل وعلا، (اجعل رحمتك في الأرض) يعني: الرحمة التي هي أثر الصفة، ثم قال: (واغسل لنا حوبنا) ، والحوب: هو أثر الذنب، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء:٢] يعني: آثاره، (وخطايانا) الخطايا: الذنوب.
стр. 152
ربوبية الله العامة والخاصة
قوله: (أنت رب الطيبين) ، هذه ربوبية خاصة، فهذا توسل آخر غير التوسل الأول، أولاً: توسل بالربوبية العامة المطلقة التي تعم كل شيء، ثم توسل بالربوبية الخاصة التي هي ربوبيته جل وعلا للطيبين من الملائكة والرسل والمؤمنين، ووجه ذلك: أن تربيته جل وعلا لرسله وعباده المؤمنين أخص من تربيته لسائر الخلق، حيث أنعم عليهم بالهداية، وبمعرفته وطاعته، فصارت ربوبيته لهم أخص وأكمل، فهذا يدلنا على أن الربوبية تنقسم إلى قسمين: ربوبية عامة تشمل الخلق كلهم، وربوبية خاصة تكون للملائكة والرسل والمؤمنين المطيعين.
وقوله: (أنزل رحمة من رحمتك) ، هذا عام، كل ما يمن به جل وعلا على خلقه فهو من رحمته وهو أثرها، ثم خص وقال: (وشفاءً من شفائك) الشفاء عام يكون للوجع والمرض، ويكون لما في الصدور من الشبهات والشهوات وغيرها، (وشفاءً من شفائك على هذا الوجِع) ، هكذا جاء بكسر الجيم، يعني: هذا المريض، وجاء: (فيبرأ بإذن الله) يعني: إذا توسل بهذا الدعاء صادقاً مخلصاً فإنه يبرأ بإذن الله، وقد جاء في هذا الحديث أن عبادة بن الصامت شكى إليه رجل وقال: إن أبي أصيب بحبس البول، وإنه يألم ألماً شديداً، فأمره أن يرقيه بهذا الدعاء، فبرأ وشفي من ذلك.
стр. 153
فوائد حديث: (ربنا الله الذي في السماء)
هذا الحديث يدل على مشروعية الرقية أو جوازها؛ لأن الرسول ﷺ رقى بعض أهله، ورقي حيث رقاه جبريل، فإذا كان قد فعله وفعل له، فمن هذه الناحية نقول: إن الرقية مشروعة، والفرق بين كلمة جائزة أو مشروعة واضح: وذلك أنها إذا كانت مشروعة فإن الإنسان يثاب عليها إذا رقى نفسه أو رقى غيره، قاصداً بذلك النفع، ومخلصاً لله جل وعلا، وبأسماء الله وآياته، أما إذا كانت جائزة فلا يلزم أن يحصل الثواب، وإنما يحصل النفع، فهي مشروعة، وفيها دليل على أن الرقية تكون بأسماء الله وصفاته وآياته.
وفيه أنه ينبغي للداعي سواءً كان راقياً أو سائلاً أن يبدأ بالثناء على الله جل وعلا بذكر أوصافه وأسمائه الحسنى التي يتمدح بها، ويمدح عليها، ويثنى بها عليه، ثم بعد ذلك يذكر طلبه، ويذكر الأسماء التي تناسب الطلب، وهذا كثير جداً في القرآن وفي حديث الرسول ﷺ .
وفيه أن الدعاء ينبغي أن يكون باسم الرب، وقد قيل: إنه الاسم الأعظم، وأنه يكون على نوعين: توسل إليه بربوبيته العامة، وتوسل إليه بربوبيته الخاصة، وإذا تأمل الإنسان أدعية الرسل فإنها كلها -إلا ما شاء الله- بلفظ الرب: ربي ربنا، وذلك لأن له ربوبية عليهم خاصة بهم، ليست لسائر الخلق، فهم توسلوا إليه بهذه الربوبية الخاصة، وقد قيل: إن هذا من أسباب إجابة الدعاء، كون الإنسان يسأل بهذا الاسم الكريم، ويكرره.
стр. 154
قوله: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء)
قوله: [ (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء) ] .
وهذا قاله لسبب: وذلك أن علي بن أبي طالب ﵁ لما كان في اليمن بعث بذهبية في تربتها لم تحصل بعد -يعني: لم تصف- فقسمها الرسول ﷺ بين أربعة: عيينة بن حصن وزيد الخيل وعلقمة بن علاثة والأقرع بن حابس وقيل عامر بن الطفيل شك الراوي، وهؤلاء رؤساء قبائل، فهو أعطاهم حسب أمر الله جل وعلا لمصلحة الإسلام؛ يتألفهم بالدنيا لعلهم يدخلون في الإسلام، فيكون في دخولهم للإسلام دخول قبائلهم، فهو أمر عظيم جداً، ولكن هذا لم يتضح لبعض من أعمى الله قلبه، فجاءه رجل فقال: (هذه قسمة لم يرد بها وجه الله -هكذا يخاطب الرسول ﷺ بمثل هذا الكلام،- عند ذلك تغير وجه رسول الله ﷺ ثم قال بعد ذلك: رحم الله أخي موسى لقد أوذي أكثر من هذا فصبر) .
وفي رواية: (أن بعض الأنصار صار في نفوسهم شيء من ذلك، فقال لهم: ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟!) ألا تأمنوني على شيء من المال أضعه في موضعه اللائق به، وقد أمنني ربي جل وعلا على شرعه وقوله ودينه وأمره؟! والمقصود قوله: (وأنا أمين من في السماء) وسبق أن (في) هذه يجوز أن تكون بمعنى (على) ويجوز أن يكون المراد بالسماء العلو، وأي شيء قيل فهو حق، ثم إن هذه القصة شيء معتبر، ويقال: إن هذا الرجل الذي جاء معاتباً مبدأ الخوارج الذين صاروا فتنة إلى اليوم، وقد جاء أن آخرهم يكونون من شيعة الدجال، فهم يبقون، ولكن في زمن الرسول ﷺ اندحروا، ولما استأذنه بعض الصحابة في قتله قال: (دعه فإنه يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصومكم مع صومهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية) ، ومعنى قوله: (من ضئضئ) يعني: من جنسه وأشباهه ونظرائه، وقد جاء أنه كان محلوق الرأس، ناتئ الجبهة، فليس معناه أن كل من كانت هذه صفته يكون مذموماً، ولكن هكذا اتفق الأمر بهذا الرجل، ثم إن مقتضى الإيمان أن يرضى الإنسان بما يفعله الرسول ﷺ ، فإذا وجد في النفس حرجاً من قضاء رسول الله ﷺ فالإيمان منتفٍ تماماً؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] ، فإذا وجد اعتراض أو ضيق في النفس وتحرج وقال: الحكم ليس كذا ليته كان كذا وكذا فالإيمان منتف عمن كان هذا وصفه، وأقسم الله جل وعلا أنه لا يؤمن حتى يحكم الرسول ﷺ في الشيء الذي يعرض له، وكان هناك شجار فيه، بأن يسلم ويذعن، ولا يكون عنده حرج ولا ضيق.
والمقصود: إثبات أن الله في السماء، وهذا نص صحيح ثابت، كما أن الذي قبله حديث حسن، والحديث الحسن يثبت به الحكم، والعادة أن العلماء يذكرون الأحاديث الواضحة البينة، ثم يتبعونها بما هو أكثر ثبوتاً، وإن كان أقل وضوح.
стр. 155
قوله: (والعرش فوق الماء، والله فوق العرش)
قال: [وقوله ﷺ : (والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه) ، حديث حسن رواه أبو داود وغيره] .
هذا الحديث حكم الشيخ عليه بأنه حسن، وكثير من الناس يقول: إنه ضعيف، بسبب محمد بن إسحاق أحد رجال سنده، وقد أطال الكلام عليه الحافظ ابن القيم ﵀ في كتابه: تهذيب السنن، وأجاب عن كل ما قيل في ابن إسحاق وفي النهاية قال: ذنب ابن إسحاق كونه خالف الجهمية، وقال: إن الحديث صحيح، وله طرق متعددة، وكذلك قال غيره مثل محمود أحمد بن محمود الطشتي فإنه حكم بأنه صحيح، وهو مروي عن العباس عم رسول الله ﷺ يقول: (كنت في عصابة فيهم رسول الله ﷺ ، فمرت سحابة، فقال: ما تقولون في هذه؟ فقلنا: السحاب، فقال: والمزن، فقلنا: والمزن؟ فقال: والعنان؟ فقلنا: والعنان، ثم سكت ثم قال: أتدرون ما بين السماء والأرض مسيرة كم؟ قلنا: لا، فقال: إما اثنتين وسبعين أو ثلاث وسبعين أو أربع وسبعين سنة، وما بين سماء وسماء كذلك إلا أن ذكر السماء السابعة ثم قال: وفوق السماء السابعة بحر بينه وبين السماء مثل ما بين السماء والأرض، وكثافته مثل ما بين السماء والأرض، وفوق البحر عرش الله، والله فوق العرش يعلم ما أنتم عليه) ، وجاء في روايات غير هذه أن المسيرة تختلف، وأنها خمسمائة سنة، وجاء أكثر وأقل، وقد تكلم الحفاظ على هذا، وقالوا: الجواب عن ذلك: أن هذا يختلف باختلاف السير، فالسير يكون مسرعاً ويكون بطيئاً، وخمسمائة عام مسافة شاسعة جداً وهو كذلك، وقد جاء قول الله جل وعلا: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] وهذه الآية فيها خمسة أقوال للمفسرين، أحدها أن هذا مسافة ما بين الأرض إلى العرش، والعلم عند الله جل وعلا، ولكن هذا يدلنا على أمور: الأول: أن السماء حقيقة مبنية بناء حقيقياً، لها كثافة وسكان، وأنها سبع سموات واحدة فوق الأخرى، وهذا الذي دل عليه القرآن، وهذه السماء التي نرى فوقنا هي السماء، وليست كما يقول ملاحدة اليوم وغيرهم: إنها فضاء، وإن الكواكب تسبح في الفضاء، وبعضها فوق بعض، أما أن يكون هناك شيء مبني فلا، ويقولون: إننا إذا صعدنا إلى فوق تزول هذه التي نراها، وأصبح لا يرى شيء أصلاً، ولو ذهبت الصواريخ مهما ذهبت ما تجد إلا السماء فوقها، وهؤلاء لا يستطيعون أن يصلوا إلى السماء، ولا قريباً منها، بل يقفون عند حدهم، فهم ضعفاء، والسماء بعيدة جداً، ولكن لابد للمرئي الذي يرى أن يكون له شيء يقابله فينعكس به فتحصل الرؤيا، فإذا ذهب أثر المقابل فلا يرى شيء، من شدة البعد تنعدم الرؤيا نهائياً، فهذا هو السبب، ثم نحن نؤمن بما قال ربنا الله جل وعلا: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ [ق:٦] ، ويأمرنا أن ننظر إليها ونكرر النظر فيرجع البصر خاسئاً وهو حسير، ما يجد فيها أي عيب، فهل يأمرنا جل وعلا أن ننظر إلى العدم؟ هل نصدق هؤلاء الملاحدة أم نصدق ما جاء به رسولنا ﷺ من عند ربنا؟ فقد كثر عند بعض الناس الكلام في السماء، وأنه ليس هناك إلا فضاء، وهذا خطأ، فإن السماء فوق، ولها مسافة، ثم إن السماء لها سكان، والسماوات عددها سبع كما جاءت النصوص الكثيرة جداً، وكل واحدة فوق الأخرى، وكل سماء أوسع وأكبر من التي تحتها، حتى تكون السماء السابعة أوسع السماوات وأعظمها وأكبرها، ثم فوقها بحر عظيم كما ذكر، وهذا البحر هو الذي عليه عرش الرحمن جل وعلا، ثم الله فوق العرش، وكل هذه المخلوقات بالنسبة لله صغيرة حقيرة ليست شيئاً؛ لأنه إذا كان يوم القيامة يضعها في يده وفي كفه تعالى وتقدس، ويقبضها كلها كما أخبرنا في القرآن.
ثم إن هذا يدلنا على أن العرش مخلوق، وأنه أعظم المخلوقات وأرفعها، وليس فوقه شيء إلا رب العالمين تعالى وتقدس، وهو يعلم ما أنتم عليه، حيث لا يخفى عليه شيء مما يجري من مخلوقاته كلها، ومن ذلك ما يكنه العباد في نفوسهم، وما يعملون، وهذا المعنى جاء في كتاب الله، حيث جمع بين استوائه، وأنه معنا كما قال جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤] ، فهو جل وعلا يجمع بين علوه واستوائه وبين كونه معنا، وهذا هو معنى قول السلف: إنه مع خلقه بعلمه، وإلا فهو على عرشه، وقد سبق الكلام على هذا، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 156
الأسئلة
стр. 157
الفرق بين صفة البصر والنظر
السؤال
هل النظر الذي جاء في حديث: (عجب ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره، ينظر إليكم أزلين) إلى آخر الحديث؛ هو نفس البصر؟ وهل يقال: إن النظر من الصفات الفعلية؟ وما صحة قول من قال ذلك؟ وهل يقال: إن البصر قديم النوع حادث الأفراد كما قيل ذلك في الكلام والنزول وغيرها من صفات الأفعال؟
الجواب
ما يقال هذا، البصر صفة ذات، أما النظر فهو صفة فعل، ومعلوم أن النظر يصدر من البصر، ولا يقال: إن النظر هو البصر، والبصر من الصفات الأزلية التي لا تنفك عن رب العالمين جل وعلا، فهو بصفاته أزلي، وهو كذلك دائم بها، والنظر الذي ذكر في الحديث يتعلق بمشيئته، إذا شاء نظر إلينا، وإذا شاء أعرض عنا تعالى وتقدس، ولكن هذا خاص في حالة خاصة كما سبق أنه في حالة ما إذا تأخر المطر، واشتد الأمر على العباد، فإنه جل وعلا يعجب بحالهم، كيف تقع فيهم هذه الحالة من الأزل والقنوط وهم يعلمون أن الله ربهم الذي رباهم بنعمه، ونعمه لا تزال تترى عليهم، وخيره قريب، جاء لفظ (الخير) ، وجاء (غيره) يعني: أنه يغير الأحوال من حال إلى حال.
стр. 158
حكم التوسل إلى الله جل وعلا بصفاته
السؤال
نعلم أنه يجوز التوسل إلى الله بصفاته كما قال الرسول ﷺ : (لا يسأل بوجه الله إلا الجنة) هل يجوز التوسل بيد الله ورجله وغيرها من الصفات أم أن هناك تفصيل؟
الجواب
لا يتوسل بقوله: أسألك برجلك! هذا كلام غير لائق، يجب أن تتوسل بما ذكر الله جل وعلا لك بالأسماء والصفات، والذي شرعه النبي ﷺ وذكره، فهذا هو الذي يتوسل به، أما إذا توسلت بصفة الذات فيجوز كأن تتوسل به نفسه: أسألك يا ألله، والمقصود كون الإنسان يعرف ما لله جل وعلا من أوصاف، الله تعرف إلى عباده بهذه الأشياء حتى يعرفوه، وقال لنا: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] أمرنا أن ندعوه بالأسماء الحسنى وهي هذه، فإذا أردت أن تدعو الله لشيء فتذكر الشيء الذي يناسبه، لا تقول: أسألك برجلك، ولا أسألك بيدك! لابد أن تذكر الشيء الذي يترتب على هذا، أما التوسل بهذا الذي ذكرت فهو بدعة من البدع؛ لأنه لا يترتب عليه شيء، أما أن تسأل وتقول: أسألك بيدك التي تقبض بها خلقك أو تبسطها بالعطاء أو ما أشبه ذلك فهذا من التوسل المشروع.
стр. 159
تكليم الله للكفار يوم القيامة
السؤال
هل يكلم الله ﵎ الكفار يوم القيامة لقوله ﷺ : (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه) فـ (من) من ألفاظ العموم لو فسرت بهذا الحديث؟
الجواب
لا، ليس كذلك؛ لأن الخطاب للمؤمنين: (ما منكم من أحد) الخطاب للمؤمنين، أما الكافرون فإنهم يخرجون من هذا، ولو كان عاماً -مع أنه ليس بعام- فهو خاص بالأدلة الأخرى التي يخبر الله فيها بأنه لا يكلمهم، ولا يدخل في هذا العموم الكلام الذي يكون للتوبيخ؛ لقول الله جل وعلا لهم وهم في النار: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] ولكنه كلام عذاب، ليس هو الكلام الذي فيه التنعم والتلذذ، وإنما هذا كلام محاسبة، وقد يكون فيه عذاب ونقمة، وقوله: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه) يعني: يحاسبه، والله سبحانه يحاسب الناس يوم القيامة، بماذا يحاسبهم؟ يحاسبهم بكلامه، ومعلوم أن الناس ينقسمون إلى أقسام في هذا، قسم يؤمر بهم إلى الجنة بلا حساب، وهؤلاء قلة، وقسم يؤمر بهم إلى النار بلا حساب: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥] كفار ما عندهم حسنات، ولا عندهم إيمان يحاسبون عليه، أعمالهم كلها سيئات، وقسم خلطوا فهؤلاء هم الذين يحاسبون، ولا يلزم من هذا الخطاب العام أنه جل وعلا يخاطب الخلق كلهم عامة، إذا حصلت الشفاعة فقد وعد الله جل وعلا أنه يأتي إليهم ليقضي بينهم، فيأتي ثم يخاطبهم ويقول جل وعلا: أليس عدلاً مني أن أولي كل واحد منكم ما كان يتولاه في الدنيا؟ هذا خطاب عام للخلق كلهم، وكلهم يجيبون، ويقولون: بلى يارب، فيمثل لكل عابد ما كان يعبده في الدنيا فيقال له: اتبعه، فيتبعون معبوداتهم إلى جهنم ويلقون فيها، ويبقى المؤمنون وفيهم المنافقون، فيأتيهم الله جل وعلا إلى آخر الحديث، وهو حديث ثابت في الصحيحين.
стр. 160
حكم تشريع القوانين الوضعية
السؤال
فضيلة الشيخ قلت حفظك الله: إن من معنى الربوبية التصرف في كل شيء، وتدبير شئون الخلق، وهذا يكون بإرسال الرسل، وإنزال الشرائع حتى تستقيم حياة الناس، السؤال: هل من وضع قانوناً من عنده يسير عليه الناس، ويحتكمون إليه، يعتبر مشرعاً مع الله، ينازع الله في ربوبيته؟
الجواب
بلا شك، من وضع أحكاماً يرجع إليها الناس ويتحاكمون إليها، نابذين شرع الله، تاركين له، ويجعلون محاكم لها مراجع من القوانين، القانون الفرنسي أو غيره، فهم قد نازعوا الله جل وعلا في ربوبيته، وهذا لا إشكال فيه وهو واضح.
بعض العلماء يقول: إن هذا شرك في العبادة، ووجه ذلك أن العباد كلفوا أن يتعبدوا الله بشرعه، ولا يعبدوا الله جل وعلا إلا بما جاءهم به، فبالنظر إلى فعل العباد يكون من شرك العبادة، أما بالنظر إلى أن هذا وضع ليكون بدلاً للشرع يرجع إليه وهو حكم فالحكم لله، وهو من معاني الربوبية، فيكون شركاً في الربوبية، ومعنى ذلك أنه يدخل فيه هذا وهذا.
стр. 161
حكم طلب المريض الرقية من الغير
السؤال
هل طلب المريض الرقية من أهل العلم فيه حرج، وإن كان يعرف القراءة؟
الجواب
إذا طلب الإنسان الرقية لا يكون من السبعين الألف الذين يسبقون إلى الجنة؛ لأنه طلب من الخلق، والواجب على المؤمن أن يكون غنياً بربه جل وعلا عن الخلق كلهم، وأن يكون طلبه وسؤاله من الله وحده، والسبب في هذا كما يقول العلماء: أن الإنسان إذا طلب من المخلوق فإن الطلب يكون له أثر في القلب، وهو نوع من الافتقار والالتفات إلى المطلوب منه، وهذا يكون نوعاً من العبادة، وإن كان هذا قد يكون خفيفاً عند بعض الناس، ولكن من هذه الناحية صار نوع افتقار إلى المخلوق، فمنع من قام به ذلك أن يكون من السبعين ألفاً الذين يسبقون إلى الجنة بلا حساب، وقالوا: الدليل على هذا أن الله حرم مسألة المخلوق إلا في حالات ثلاث فقط، إذا وقع الإنسان في ضائقة لا يجد عنها مندوحة، وإذا حصلت له جائحة اجتاحت ماله، وإذا تحمل حمالات، ففي هذه الحالات فقط تجوز له المسألة كما في صحيح مسلم من حديث قبيصة، وقال بعد ذلك: (وأما ما عدا ذلك فالمسألة سحت) ، وجاء أنها خموش وكدوش في وجه الإنسان، فمسألة الرقية من هذا النوع.
стр. 162
خروج من يطلب الرقية ممن يدخلون الجنة بغير حساب
السؤال
ذكر الرسول ﷺ في وصف السبعين الذين يدخلون الجنة من غير حساب أنهم لا يرقون ولا يسترقون فكيف أجمع بين هذه الأحاديث وحديث الرقية؟
الجواب
تكرر الجواب عن هذا، وأن المقصود بقوله: لا يسترقون: الطلب، يعني: لا يطلبون من غيرهم أن يرقيهم، أما لفظ: (لا يرقون) فقد حكم الحفاظ أنها رواية غلط، لم يقلها رسول الله ﷺ ؛ لأن كون الإنسان يرقي غيره فيه إحسان، فكيف يكون الإحسان سبباً لمنع السبق إلى الجنة، وإن كانت في صحيح مسلم فهي غلط، والصواب: (لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون) ، وأما كونهم يرقون فغير ثابت.
والسبب الذي جعل المسترقين غير داخلين في السبعين ألفاً كما يقول العلماء: لأنهم سألوا الرقية من غير الله، سألوها من الناس، وسؤال الناس فيه نوع افتقار إليهم، وذل القلب للمسئول، وفيه نوع من العبودية لغير الله، فهذا السبب هو الذي منعهم من السبق إلى الجنة.
стр. 163
المقصود بالرحمة في قوله ﷺ : (أنزل رحمة من رحمتك)
السؤال
ما المراد بالرحمة في قول الرسول ﷺ : (أنزل رحمة من رحمتك) ، هي هي الرحمة التي هي صفة ذات؟
الجواب
تقدم أن بينا أن المقصود من هذه الرحمة الرحمة المخلوقة، فإن التي تنزل مخلوقة، كالشفاء، والعطاء، والفضل الذي يتفضل به، والرحمة التي طلبت هنا هي شفاء المريض، وشفاؤه ليست هي رحمة الله التي هي صفته، ولكنها من أثر رحمته.
стр. 164
تسمية الله جل وعلا بالمسعر والقابض والباسط
السؤال
هل المسعر والقابض والباسط من أسماء الله أم من صفاته؟
الجواب
لا أسماء ولا صفات، ولا يجوز أن تكون أسماء ولا صفات، ولكن الله يُخبر عنه بأنه يفعل هذه الأشياء وباب الخبر واسع، كما يقال: إن الله موجود، وإنه شيء، ولا يسمى بأنه موجود، ولا بأنه شيء، وباب الخبر واسع، ولا يقال: إنه هو الزارع؛ ولا نسميه الزارع، ولهذا يطلق على بني آدم ذلك كثيراً ولا أحد ينكره.
стр. 165
الرقية سبب من الأسباب وليست مؤثرة بذاتها
السؤال
ما معنى قول الإمام السيوطي في جواز الرقية: أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بنفسها؟
الجواب
هذا ليس قول السيوطي، بل هو ينقله عن العلماء، يقول: أجمعوا على ذلك، يعني: ألا يعتقد أن الرقية هي التي تشفي بنفسها، وإنما الشافي هو الله بسبب الرقية.
стр. 166
إطلاق الرحمة على المطر
السؤال
هل يجوز أن نقول: المطر رحمة الله؟
الجواب
يجوز، وهو مثل الشفاء.
стр. 167
معنى قول النبي ﷺ : (فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج هكذا)
السؤال
ما معنى قول الرسول ﷺ في حديث زينب بنت حجش الثابت عن الرسول ﷺ أنه قال لها: (فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج هكذا) ؟
الجواب
الله أعلم، ولكن أكثر العلماء على أنه فتح من الشر الذي انتشر وبدأ يظهر كمثل هذا، أي: هذا مبدأ ظهور الشر، وبعضهم يقول: هو على ظاهره، الردم ردم حقيقي، كما ذكر الله جل وعلا ذلك في كتابه في قصة ذي القرنين، وأنه ينفتح ثم يخرجون، فجاء بوصفهم أنهم من كل حدب ينسلون، وإذا كانوا من كل حدب ينسلون فليسوا من أهل الصين، بل يأتون من جميع الجهات، وهذا يشمل أن يكونوا من أهل الأرض كلهم، والله أعلم، والأمر هذا فيه إشكال؛ لأنهم -كما هو معروف- من بني آدم، والأرض الآن عُرِفت، وليس فيها شيء مخفى على الناس اليوم، فقد عرف الناس مجاهيل الأرض كلها، فأين الذين يملئون الأرض كلها، وقد يشربون الأنهار؟ أين هم؟! الله أعلم، فالعلم عند الله، ولكن خبر الله حق لابد من وجوده.
فالمقصود أنه استشكل ذلك كثير من الذين تكلموا فيه، وصار فيه إشكال عندهم.
стр. 168
معنى قول الله تعالى: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء الله)
السؤال
ما معنى قول الله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٧] ؟
الجواب
السؤال عن الاستثناء في قوله: (إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ) ، فالمعنى أن خلود أهل الجنة وأهل النار كله بمشيئة الله، ولا يستطيعون أن يكتسبوا الخلود بأنفسهم، ولا أكسبتهم إياه النار، وإنما هو بمشيئة الله، فالأمور كلها بمشيئته، ولو شاء ما حصل ذلك، لكنه أخبرنا أن مشيئته تستمر حقاً في أهل الجنة والنار.
стр. 169
شرح العقيدة الواسطية [١١]
يشرع السؤال بـ (أين الله؟) للتعليم، كما سأل النبي ﵊ الجارية فقالت: في السماء، فأقرها، وقد تواترت الأدلة على إثبات أن الله في السماء، ومنها: دعاء النبي ﵊: (وأنت الظاهر فليس فوقك شيء) ، ومع علو الله تعالى فإنه سبحانه مع الخلق جميعاً بعلمه وسمعه وبصره وإحاطته.
стр. 170
الله في السماء
يقول المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله ﷺ للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: اعتقها فإنها مؤمنة) رواه مسلم.
وقوله ﷺ : (أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك أينما كنت) ، حديث حسن أخرجه الطبراني من حديث عبادة بن الصامت.
وقوله ﷺ : (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق قبل وجهه فإن الله قبل وجهه، ولا عن يمينه، ولكن عن يساره أو تحت قدمه) متفق عليه.
وقوله ﷺ : (اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عني الدين وأغنني من الفقر) رواه مسلم، وقوله ﷺ لما رفع الصحابة أصواتهم بالذكر: (أيها الناس! أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً بصيراً قريباً، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) متفق عليه] .
علو الله جل وعلا على خلقه ثابت بأدلة الوحي، وبأدلة العقل، وبأدلة الفطر التي فطر الله جل وعلا عليها خلقه، ونفي العلو شذوذ جاء به أهل البدع، شذوذ عن الإيمان الذي ركزه الله جل وعلا في قلوب عباده بأنه فوقهم تعالى وتقدس.
أما مخالفته للوحي فأمر ظاهر لا كلام فيه، ولا يجادل في ذلك إلا ضال في دينه، أو جاهل لا يعرف شيئاً من الحق، وقوله للجارية: (أين الله؟) ، هذا من تمام الأدلة التي ذكرها، والأدلة كثيرة، حتى أوصلها بعض العلماء إلى ألف دليل، كلها تدل على علو الله، وهذا لأنواعها وليس لأفرادها، أما أفرادها فكثيرة جداً، فحصرها صعب، ومعلوم أنه يكفي المؤمن لاتباع الحق ولو دليل واحد، ولكن كثرة الأدلة وتضافرها تدل على قوة ذلك.
стр. 171
جواز السؤال عن الله بأين
حديث الجارية رواه مسلم، ورواه غيره، وهو حديث ثابت في الصحيح، وهو يدل على جواز السؤال عن الله بأين، وأهل البدع يشنعون على أهل السنة ويسمونهم الأينية، يعني: أنهم يثبتون الأين لله بالسؤال عنه، فينبغي أن يسألوا من الذي أثبت هذا؟ هل هم أهل السنة من ذات أنفسهم أو أنهم يقتدون بسيدهم وبنبيهم ﷺ ؟ لا شك أن الذي يرد هذا يرد على رسول الله ﷺ .
وفيه أن علو الله ثابت في الفطر، فهذه الجارية بفطرتها أخبرت بما انطوى عليه قلبها من الإيمان والفطرة التي فطر الله عليها عباده، فهذا علم يثبت في النفس وتميل إليه وتريده كما أنها تريد اللبن، فإن المولود وقت وضعه يطلب اللبن بفطرته، فكذلك الفطرة على وجود الله وأنه فوق، وهذه الفطرة قد يغيرها المربي.
(قالت: في السماء) سبق أن (في) بمعنى (على) يعني: على السماء، وهذا أمر واضح، وإن قدر أن (في) على بابها فيكون المقصود بالسماء: العلو، والمعنى: أن الله في العلو.
وقوله: (من أنا؟ قالت: أنت رسول الله) ، وفي رواية أنها أشارت إلى السماء أيضاً وقالت: (أنت رسول من في السماء) ، فالله جل وعلا في السماء، وهذا أمر ثابت بالعقل والفطرة والشرع: ثم قال ﷺ : (اعتقها فإنها مؤمنة) ، وفي هذا دليل على أن الإيمان شرط في العتق؛ لأنه قال: (اعتقها فإنها مؤمنة) فجاء الحكم مرتباً على ما سبق بالفاء، وهذا يدل على أن هذا علته، ولو تخلف ذلك تخلف الحكم؛ ولهذا قال: (فإنها مؤمنة) ، فالذي يثبت أن ربه في السماء يحكم بأنه مؤمن.
وفي هذا دليل على أن الواجب على العبد معرفة الله جل وعلا بالفطرة وبالوحي، وليس كما يقول أهل الضلال أنه يعرفه بالشك أو النظر أو القصد للنظر، ثلاثة أقوال عندهم، وهي أقوال باطلة، بل قال بعض العلماء: إنها كفر، لماذا؟ لأن هذه الأمور لا يعرفها سادات الخلق من الصحابة وأتباعهم، وإنما جاء بها الجهمية وأضرابهم من معتزلة وأصحاب الكلام، والمشكلة أن هذا بقي عند الأشاعرة كما هو موجود في كتبهم، وحاول كثير من أئمتهم إبطال هذه الدعوة فقال: هذه مسألة بقيت في المذهب عن المتكلمين، وليست هذه فقط التي بقيت في مذهب الأشاعرة من المتكلمين، بل بقيت مسائل كثيرة جداً، ولكن أنكرت هذه لظهور بطلانها ووضوحه.
وفي هذا الحديث -كما تقدم- جواز السؤال عن الله بأين هو؟ وقد سئل عنه الرسول ﷺ وأجاب كما روي أنه قيل له: أين كان ربنا قبل خلق العرش وقَبل خلق السموات والأرض؟ قال: (كان في عمى، فوقه هواء وتحته هواء) ، وكلمة عمى هذه رويت بالمد والقصر، فإذا كانت بالمد (عماء) فقالوا: معناها السحاب الرقيق كما جاء ذلك في القرآن: ﴿هل يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ﴾ [البقرة:٢١٠] ، ويكون المقصود: أي: كان في ظلل من الغمام، وإذا كانت بالقصر (عمى) فمعنى ذلك أنه شيء لا يعلم، أي: أنه أمر لا يعلمه إلا هو جل وعلا، وليس في هذا متمسك لأهل الباطل الذين يقولون: كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما كان عليه قبل خلق المكان، تعالى الله وتقدس، فإن هذا من اختراعهم ومن بدعهم، والذي يقول: إن هذا الكلام حديث فقد أبعد عن الصواب كثيراً، فليس ذلك حديثاً، وإنما هو قول أهل البدع.
وفيه أنه يكتفى بالحكم بإيمان الإنسان أن يؤمن أن الله جل وعلا ربه، ومقتضى ذلك أنه معبوده، وأن رسول الله ﷺ حق، والصواب أن هذا هو أول ما يجب على الإنسان.
стр. 172
التعبير عن الله بالجهة
في حديث الجارية إثبات العلو لله جل وعلا كما هو ظاهر، وهذا هو المقصود من سياق الحديث، فالله فوق، وبعض الناس يقول: إن الله في جهة العلو، وكلمة (جهة) هذه لم تأت لا في الكتاب ولا في السنة، ولا يجوز التعبير بالشيء الذي لم يأت عن رسول الله ﷺ ، وليس هو في كتاب الله، وإنما الواجب أن يعبر بالألفاظ الشرعية، ومعلوم أن ما يوصف الله جل وعلا به يجب أن يكون بالنص لا بقياس ولا بعقل، وهذا معنى قول أهل السنة: صفات الله جل وعلا توقيفية، فإذا قال قائل: هل الله في جهة أو ليس في جهة؟ فقل: هذا القول بدعة، لا ينفى ولا يثبت، بل يستفسر ويعلم ما مراده، فإن كان مراده أن الله في جهة العلو، فنقول: هذا المعنى صواب، ولكن العبارة باطلة؛ لأنها بدعة، وكذلك إذا قال: إن الله ليس في جهة يتوقف فيه حتى يتبين مراده، فإن أراد بقوله: إن الله ليس في جهة، أي: أنه ليس هناك جهة تحويه تعالى وتقدس، ولا شيء يقله أو يظله، فنقول: المعنى صواب وحق، ولكن العبارة باطلة، ويجب أن يعبر بالعبارة الشرعية وهي أن الله فوق، وأن الله هو العلي الأعلى، وما أشبه ذلك من العبارات التي جاءت في الكتاب والسنة، أما إذا أراد أمراً باطلاً فيرد لفظه ومعناه.
стр. 173
معية الله
قال: (وقوله: (أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما ما كنت) حديث حسن) هذا انتقال إلى صفة أخرى من صفات الله جل وعلا، وهي المعية، والشيخ ﵀ ذكر المعية بعد العلو ليبين أن المعية لا تخالف العلو، بل توافق ذلك، فمعيته لا تنفي علوه، وعلوه لا ينفي معيته، وسبق أن المعية تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: معية عامة، ومقتضاها التخويف والاطلاع، وهذا ورد كثيراً في كتاب الله جل وعلا كقوله جل وعلا: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] ، وقوله: (يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنْ الْقَوْلِ وهو معهم) .
القسم الثاني: معية خاصة، ومقتضاها النصر والتأييد والحفظ كقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] ، وقوله جل وعلا في خطابه لموسى وأخيه هارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] ، وقوله جل وعلا في إخباره عن نبينا ﷺ وهو مع صاحبه أبي بكر في الغار: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] يعني: إنه معهما دون الكفار الذين هم بجوار الغار عند بابه، فالله معهما بحفظه واطلاعه على حالتهما ونصره وتأييده، وليست هذه المعية مقتضية للمخالطة والممازجة تعالى الله وتقدس، ولو كانت المعية تقتضي المخالطة لما أصبح لتقسيمها إلى عامة وخاصة أي فائدة.
وقول العلماء عن المعية العامة: إن الله معهم بعلمه، لا يقصدون بهذا مجرد العلم فقط، وإنما ذكروا هذا لأنه ظاهر جداً، كل يعلمه ولا ينكره أحد، وإنما هو معهم بعلمه، وكذلك بنظره وإحاطته وقبضته، وهم لا يخرجون عن ذلك، وسبق أن المعية في لغة العرب معناها المصاحبة، وهي تختلف باختلاف ما أضيفت إليه، وكل من أضيفت إليه المعية تكون معيته على ما يليق بذلك المضاف، فقد يقول الإنسان مثلاً: مالي معي، ويكون لها معنى، ويقول: زوجتي معي، فيكون لها معنى، ويقول: صاحبي معي، فيكون له معنى، ويقول: متاعي معي، وهكذا، فإذا أضيفت إلى الله يجب أن تكون على ما يليق به جل وعلا، وقد قال الله جل وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح:٢٩] أي: معه على الإيمان، وقتال الكفار، والامتثال لأمر الله، والقيام بما أوجبه عليهم، وليس المعنى أنهم معه أي: مختلطين به، ممازجين للحمه ودمه.
هذا لا يقوله من يعرف اللغة، وبهذا يتبين أن الذين يقولون: إن المعية تدل على الاختلاط والكون مع الناس في الأرض -تعالى الله وتقدس- ضلال بين.
وفي هذا الحديث دليل على تفاضل الإيمان، وأن بعضه أفضل من بعض، ودليل على أن أعمال القلوب داخلة في مسمى الإيمان، وأنها أيضاً تتفاضل؛ ولهذا قال: (أفضل الإيمان أن تعلم) والعلم هذا من عمل القلوب، وهذا مقام الإحسان، وهو أفضل المقامات، وهو أن يؤدي الإنسان جميع ما يؤديه، وينتهي عما ينتهي عنه وهو على هذه الصفة: عالم بأن الله معه ينظر إليه، ويسمع كلامه، ويعلم ما في خلجات نفسه، وينظر إلى حركاته، فإذا تيقن ذلك فإنه يستحي من الله جل وعلا، ولا يقدم على المنهي، ولا يحجم عن الواجب الذي أوجبه الله عليه.
ثم هذا العلم قد قسمه الرسول ﷺ إلى درجتين، إحداهما أعلى من الأخرى، فقال ﷺ : (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه) ، هذه الدرجة العليا كأنك تراه، أي: تشاهده أمامك، ومعلوم أنه إذا كان يراه فإنه لن يدخر وسعاً في إحسان العمل، وأدائه على الوجه الأكمل، ولن يدخر وسعاً في الانتهاء عن المنهي والابتعاد عنه، فإن لم يستطع ذلك، ولم يصل إلى هذا، فينتقل إلى درجة أقل من هذه فقال: (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) يعني: أن تنتقل إلى العلم بأنه يراك، فتعلم أنه يراقبك ويراك، وهذه أيضاً من درجات الإحسان، وهي من أفضل الأعمال، ولكن الدرجة التي قبلها أعلى.
وقوله: (حيثما كنت) يعني: في أي وقت كنت، وعلى أي حال كنت، فهي عامة في الأوقات وفي الحالات، يعني: دوام ذلك، وليس معنى هذا أن هذا يلم به الإنسان مرة ويفقده أخرى، وقد بين ﷺ أن أفضل الإيمان استدامة الإنسان على هذه الحال، والإنسان قد تختلف أحواله في الإيمان، فمرة يزداد إيماناً وعلماً، ويحس بذلك في نفسه، ومرة يضعف إيمانه إذا غفل، واقتراف المعاصي يضعف إيمانه، وإذا ذكر الله واستحضره بقلبه وعمل الطاعات يزداد إيماناً على إيمانه السابق.
стр. 174
حديث: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصقن قبل وجهه ولا عن يمينه)
قوله: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصقن قبل وجهه ولا عن يمينه فإن الله قبل وجهه، ولكن عن يساره أو تحت قدمه) متفق عليه.
يبصق ويبزق لغتان، ولكن لغة الزاي أشهر، وهذه قليلة، وكلاهما صحيح، ولغة ثابتة.
وقوله: (قبل وجهه) يعني: أمامه، وهذا فيه تحريم البصاق أمام الإنسان، وكذلك عن يمينه، وهذا مطلق ليس في الصلاة فقط، بل حتى وإن كان خارج الصلاة؛ ولهذا قال: (ولكن عن يساره أو تحت قدمه) وإذا كان في الصلاة يجوز له ذلك إذا لم يكن يصلي في المسجد؛ لأن هذا خصص بالحديث الذي فيه: (البصاق في المسجد خطيئة) ، فلا يجوز أن يفعل الإنسان الخطيئة، قال: (وكفارتها دفنها) ؛ ولهذا جاء الإرشاد إلى أن يبصق في ردائه، فإذا بدره البزاق يضعه في ردائه ثم يفركه، وهذا دليل على أن البزاق طاهر ليس بنجس ولكنه مستقذر، وجاء في صحيح ابن حبان وصحيح ابن خزيمة: (أن رجلاً كان يصلي بقوم فبصق أمامه، فأمر الرسول ﷺ ألا يكون إماماً، وأمرهم أن يتخذوا إماماً غيره، وقال له: إنك آذيت الله وآذيت رسوله) ، وهذه الأذية ليست لمجرد أدب، ولهذا قلنا: هذا يدل على التحريم، فالله جل وعلا أذيته أمر عظيم، وكذلك أذية رسوله ﷺ .
وقوله: (فإن الله قبل وجهه) قال الشيخ ﵀: هذا يجب أن يكون على ظاهره، فالله قبل وجهه وهو فوق عرشه، ومثل هذا قد يثبت للمخلوق، فمثلاً إذا قدر أن الإنسان يناجي السماء، فإن السماء تكون قبل وجهه وهي فوقه، والله أكبر من كل شيء، ولا يجوز أن يؤول هذا، ومن الغريب أن بعض المعتزلة استدل بهذا الحديث على مذهبه الباطل، وهذا من الغرائب فإنهم لا يستدلون بالحديث مهما كان، ولكن أهل الهوى إذا صار لهم متمسك في شيء مما يريدونه استدلوا به، وإلا قالوا: هو خبر آحاد، فهذا الرجل قال: حديث (لا يبزق قبل وجهه ولا عن يمينه) يدل على أن الله في كل مكان.
وليس معنى ذلك أنه يكون مرئياً؛ ومن أهل البدع من يقول: إن الله لا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا كذا ولا كذا إلى آخره، ومقصودهم بهذا الكلام نفي أن الله جل وعلا فوق، وأنه ليس في السماء، وليس مستوياً على عرشه، ووجه استدلاله بهذا جعل الأمام مثل العلو، فدل على أنه لا فوق ولا أمام، وكذلك يكون في بقية الجهات، يعني: لا خلف، ولا يمين، ولا شمال، ولا تحت، كما أنه لا فوق ولا أمام، وهذا استدلال عجيب.
فهو استدلال بما هو دليل عليه، لكن هكذا إذا أراد المبطل أن يثبت باطله، ونظير ذلك أن بعض عظمائهم وكبرائهم استدل بدليل قريب من هذا على نفي العلو، فقال: إن الرسول ﷺ يقول: (من قال: إني خير من يونس بن متى فقد كذب) ، فجعل الضمير يعود على رسول الله ﷺ ، فقالوا: ما وجه الاستدلال بهذا على نفي العلو؟ فشرط عليهم أن يدفعوا له مالاً حتى يخبرهم بوجه ذلك؛ لأنه قد أضافه غيره فلم يجد ما يقدمه له، فأعطوه مقصوده فقال: وجه ذلك أن يونس بن متى ﵇ لما التقمه الحوت قال: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] ، ومحمد ﷺ لما عرج به إلى السماء السابعة صار أعلى مقاماً، لكن في هذا المقام هو ويونس سواء؛ لأنه قال: (لا تفضلوني على يونس بن متى) ، فهما في القرب من الله سواء، الذي في بطن الحوت في ظلمات البحار وقاع البحار والذي فوق السموات السبع سواء، هذا وجه الاستدلال.
وهو استدلال أعور، بل ليس له نظر أصلاً، وهكذا كلام أهل البدع، ولكن وجه الغرابة أنهم يردون نصوص الأحاديث، ثم إذا كان لهم فيها شيء يتعلقون به قالوا: إنه دليل لنا.
стр. 175
حديث: (اللهم رب السماوات السبع)
قال: (وقوله ﷺ : (اللهم رب السماوات السبع)) (اللهم) يقول العلماء: إن الميم عوض عن ياء النداء؛ ولهذا لا تجتمع ياء النداء مع هذه الكلمة (اللهم) ، وأما ما جاء في قول بعض العرب: إني إذا ما حدث ألما أقول يا اللهم يا اللهم فقالوا: هذا شاذ لا يقاس عليه.
والرب هو المالك المتصرف، الذي أوجد الأشياء، وقام على مصالحها مما يدل على وجوده، وسبق أن الربوبية تكون عامة وتكون خاصة، وهذا توسل عام بأنه رب السماوات السبع والأرض ورب العرش العظيم، وعطف الأرض على السماوات السبع بالإفراد، وقد جاء في بعض الأحاديث: (ورب الأراضين) ، والذي جاء في القرآن ذكر السماء بالجمع إلا إذا أريد شيء آخر، والأرض لم تأت في القرآن مجموعة إلا في آية لما عطفها على السماوات قال: ﴿وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:١٢] يعني أنهن سبع، وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره: أن الرسول ﷺ قال: (من ظلم من الأرض قيد شبر طوقه من سبع أراضين) ، ويوجد أحاديث أخرى، وبهذا يثبت أن الأراضين سبع أيضاً مثل السماوات، أما كون السماوات سبع فهو ظاهر وجلي، وهي سبع طبقات، وقد تكاثرت النصوص في ذلك، فهي سماء فوق الأخرى، وسبق في الحديث: أن بين كل سماء وأخرى مسيرة خمسمائة عام أو ثلاثة وسبعون عاماً على حسب الروايات التي جاءت، وهذا الاختلاف في التقدير على اختلاف المسير، ولها كثافة، وثبت في حديث الرسول ﷺ : أن السماء لها أبواب، وأنها تستفتح، وفي القرآن أخبر جل وعلا أن للسماء أبواباً، وأنها لا تفتح لأعمال الكفار، وبهذا ثبت أن السماء حقيقية، وأنها مادية، وأن لها أبواباً، وفيها سكن، وهي منفصلة بعضها عن بعض، وبين سماء وأخرى مسافة شاسعة جداً.
стр. 176
معنى كون الأرض سبع أرضين
هل الأرض سبع طبقات مثل السماء؟ ذكر القرطبي في تفسيره أن للعلماء في هذا قولين: أحدهما: أن المقصود بسبع أراضين أنها طبقات بدون فتوق.
والثاني: أنها مفتوقة، كل طبقة بينها وبين الأخرى فتوق، يعني: فضاء، ورجح هذا القول، وذكر أدلته على ذلك من أقوال بعض السلف، وذكر قولاً ثالثاً، وهو قول مردود، وهو أن المقصود بسبع أراضين سبعة أقاليم ظاهرة، وهذا باطل، يبطله الحديث وغيره، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:١٢] فالمثلية لا تتأتى على ذلك؛ لأن الأقاليم طبقة واحدة كلها، والقول الذي اختاره القرطبي ليس هو الصواب، والصواب هو القول الأول والعلم عند الله جل وعلا،، وما ذكره من أقوال السلف الظاهر أنه مأخوذ عن أهل الكتاب، وأهل الكتاب لا يجوز الاعتماد عليهم في مثل هذه الأشياء، فالراجح أنها سبع طبقات ليس بينها فضاء، كل واحدة تحت الأخرى كما قال الله جل وعلا، ويكفينا هذا، أما ما ذكره الحافظ ابن كثير ورواه ابن جرير وغيره عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن ذلك فقال للسائل: لو أخبرتك لكفرت، وفي رواية أخرى أنه قال: في كل أرض من هذه الأراضين مثلما على وجه هذه الأرض، حتى ذكر في كل أرض نبي مثل النبي الذي جاء على وجه هذه الأرض، فهذا من الكذب، بل هذا من زنادقة أهل الكتاب الذي أرادوا به إفساد عقائد المسلمين، فإذا صح عن ابن عباس أنه قاله فقد نقله عن أمثال كعب الأحبار وغيره من الذين ينقلون عن كتب المتقدمين من اليهود وغيرهم الشيء الذي يكذبه ما عندنا من كتاب، وقد جاء شيء كثير عن وهب بن منبه ﵀ وعن كعب الأحبار وغيره، وفي صحيح البخاري عن أمير المؤمنين معاوية ﵁ أنه قال منكراً على الذين يستمعون ويأخذون من أهل الكتاب: ما لكم تأخذون عنهم؟ فإن من أصدقهم كعب الأحبار، وإننا لنبلوا عليه الكذب.
هكذا ذكره البخاري في صحيحه: وإننا لنبلوا عليه الكذب.
يعني: في الشيء الذي ينقله مثل قوله: قرأت سبعين كتاباً من الكتب التي أنزلها الله! من أين له سبعون كتاباً من الكتب التي أنزلها الله؟! وما أشبه ذلك من أشياء يكذبها الواقع.
والمقصود أن قوله: (والأرض) ذكرها مفردة لهذه العلة، ويكون هذا هو سر ذكرها مفردة في كتاب الله جل وعلا، فإنها إذا عطفت على السماوات التي جاءت بالجمع تذكر مفردة، ولا بد أن اللفظ الذي يذكره الله جل وعلا يكون له معنى، فيجب أن يتفطن له، وكذلك إذا ذكر ذلك رسول الله ﷺ ، ولا يخالف هذا قوله: (والأراضين) في الحديث الآخر: (اللهم رب السماوات السبع وما أظلت، ورب الشياطين وما أضلت، ورب الأراضين وما أقلت) ، فهذا لا ينافي هذا، فلكل كلام معنى.
стр. 177
توسل النبي ﵊ إلى الله في هذا الدعاء
قال: (ورب العرش العظيم) هذا من التوسل الخاص؛ لأن ربوبية الله للعرش غير ربوبيته للسماوات والأرض، فهي ربوبية خاصة، ثم قال: (ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى) ، وهذا عموم بعد خصوص، فالتوسل يكرر، ويذكر الشيء الذي يليق بالله جل وعلا، وقوله: (فالق) الفلق هو: الشق، والحب هو: ما يخرج من النبات يعني: أنه يفلقه للإنبات، والنوى هو: فصم التمر، فإنه يشبه الحصى، ومع ذلك يكون رقيقاً، وإذا أراد الله جل وعلا أن ينفلق عن نبات أخضر: يخرج ويشق الأرض، وهذا بقدرة الله، ولا أحد من الخلق يستطيع أن يفعل ذلك.
ثم قال: (منزل التوراة والإنجيل والقرآن) هذا توسل آخر بأنه أنزل هذه الكتب التي فيها الهدى والنور، فيها هداية البشر إلى الحق، وفيها علاج مرض الشبهات، ومرض الشهوات لمن أراد الله جل وعلا، فهي تهدي إلى رب العالمين، ونص على هذه الكتب الثلاثة؛ لأنها أعظم الكتب التي أنزلها الله جل وعلا، وآخرها هو أعظمها، وهو المهيمن عليها.
стр. 178
الاستعاذة من شر النفس ومن شر كل دابة
قوله: (أعوذ بك من شر نفسي) العياذ هو الالتجاء من المخوف، أن يلتجئ ويعتصم من شيء يخافه، واللياذ قد يكون بهذا المعنى، ولكن بعض العلماء ذكر أن اللياذ يكون في الخير، والعياذ يكون من الشر، واستدل على ذلك بقول المتنبي: يا من ألوذ به فيما أؤمله ويا من أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره ولا يهيضون عظماً أنت جابره وهذا يقوله في مخلوق نسأل الله العافية، وهذا لا يجوز أن يقال إلا في الله جل وعلا؛ لأنها من صفات الله وليست من صفات المخلوق، ولكن هكذا الشعراء يبالغون المبالغات التي قد تخرج بهم إلى الشرك نسأل الله العافية، وبهذا يتبين لنا الفرق بين العياذ واللياذ، وإن كان بعض العلماء لم يفرق بين هذا وهذا.
قوله: (من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها) المقصود بالدابة كل ما يدب على وجه الأرض، واصطلح على أن الدابة هي التي تمشي على أربع، وبعضهم عندهم اصطلاح أخص، فيطلقونها على الحمار، ولكن هذا اصطلاح فقط، وإلا فاللغة تدل على أن كل ما دب على وجه الأرض فهو دابة، والحديث هذا يدل على ذلك، ويدخل في هذا الجن والإنس والحيوانات وغيرها، قال: (أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها) ، والناصية هي مقدم الرأس، ومعنى ذلك أنك تملكها وتتصرف فيها كيف تشاء، فهي بقبضتك، لا تتحرك إلا بمشيئتك، ولا يصدر منها شيء إلا بإرادتك.
стр. 179
قوله: (أنت الأول فليس قبلك شيء)
قال: (أنت الأول فليس قبلك شيء) هذا هو المقصود بالحديث، (أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء) ومحل الشاهد قوله: (وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء) ، وهذا تفسير لهذه الأسماء الأربعة المتقابلة، ولا يجوز أن يعدل عن هذا التفسير؛ لأن هذا تفسير المعصوم صلوات الله وسلامه عليه الذي لا ينطق عن الهوى، فتفسير قول الله جل وعلا: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد:٣] أنه الأول قبل كل شيء، والآخر بعد كل شيء، والظاهر فوق كل شيء، والباطن دون كل شيء، فهذه الأسماء الأربعة اثنان للأزلية والأبدية، واثنان للإحاطة، إحاطة العلو والظهور والبطون، وليس معنى ذلك أنه في كل مكان تعالى الله وتقدس، فهذا مثل كونه جل وعلا على العرش وهو معنا، وهذا هو المقصود من قوله: (ليس دونه شيء) ، فهو باطن ليس دونه شيء، فكل الخلق في قبضته، وهو أقرب إلى الإنسان من نفسه، يتصرف فيه كيف يشاء، هذا معنى الباطن، وهذا الذي يجب أن يعلم.
стр. 180
قوله: (اقض عني الدين، وأغنني من الفقر)
قوله: (اقض عني الدين) هذا هو الدعاء المقصود، والأول كله توسل وثناء على الله جل وعلا، والدعاء أتى بعد ذلك، (اقض عني الدين، وأغنني من الفقر) وهذا يدلنا على خطر الدين، وينبغي للإنسان أن يهتم به؛ لأنه حق الغير، والعلماء يفسرون هذا بما هو أعم من الدين الخاص الذي هو دين الإنسان، فيعم كل حق، أي: اقض عني كل حق، فيدخل فيه حق الله جل وعلا وحق المخلوق.
وقوله: (أغنني من الفقر) يدلنا على أن الفقر يستعاذ منه، وأن الغنى مطلوب، ولا ينافي هذا كون الرسول ﷺ اختار أن يشبع يوماً ويجوع يوماً صلوات الله وسلامه عليه، فإذا شبع حمد الله وأثنى عليه، وإذا جاع ذكر ربه وسأله، فإنه صلوات الله وسلامه عليه أكمل الخلق، ولكن ليس كل الناس هكذا، فالفقر قد يكون كفراً؛ لهذا جاء في الأثر: (كاد الفقر أن يكون كفراً) وذلك أن الإنسان إذا افتقر قد يبذل دينه لدنيا يريدها، والفقر في اصطلاح بعض الفقهاء أخص من المسكنة، فالفقير أشد حاجة من المسكين؛ فلهذا يقول الفقهاء: الفقير من وجد نصف الكفاية أو أقل، والمسكين: من وجد نصف الكفاية فأكثر، واستدلوا على هذا بقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف:٧٩] فسماهم مساكين ولهم سفينة، ولكن إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر.
следующие страницы →