Полный текст (524 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
أدلة العلو من الكتاب والسنة وتواترها
وقوله: (ما أخبر الله جل وعلا به في كتابه) الأخبار في كتاب الله جل وعلا في هذا كثيرة، كقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة:٢٩] ، وقوله جل وعلا: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠] ، وقوله جل وعلا: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] آيات كثيرة جداً في هذا، وقصده الإخبار بعلو الله جل وعلا، وكذلك ما جاء من لوازم ذلك من كون الكتاب نزل من عند الله جل وعلا، ومعلوم أن النزول لا يكون إلا من العلو، وهذا كثير جداً في كتاب الله.
وقوله: (وتواتر عن رسوله ﷺ يعني: أن الأخبار في علو الله جل وعلا وأنه مستوٍ على عرشه متواترة عن النبي ﷺ ، والتواتر كما هو معروف نوعان: تواتر لفظي: وهو التتابع في اللغة، بأن يجتمع عليه عدد كثير يستحيل عليهم الكذب أو الخطأ يسمعونه من رسول الله ﷺ ؛ لأن التواتر لابد أن يستند إلى شيء محسوس، إما مشاهد أو مسموع، يسمعونه منه ﷺ ، ثم ينقله عنهم عدد كبير أيضاً، وهكذا إلى أن يصل إلى منتهاه، وهذا قد جاء عن النبي ﷺ متواتراً.
والقسم الثاني: تواتر معنوي: والتواتر في المعنى كثير، فكثير من الأمور التي نقلت عن النبي ﷺ متواترة في المعنى، وهذا من الأدلة الضرورية القطعية، إذا وجد فهو دليل قطعي ضروري لا يجوز مخالفته، ولا يعذر الإنسان بمخالفته.
وقوله: (أجمع عليه سلف الأمة) ، السلف: هو الماضي الذي يكون فيه القدوة، وسلف الأمة المقصود بهم الصحابة وأتباعهم، وهم أجمعوا على هذا، ولا يمكن أن يأتي عنهم شيء يخالف ذلك، لو تكلف الإنسان أن يبحث أن واحداً من الصحابة أو من التابعين جاء عنه حرف واحد بأن الله جل وعلا ليس فوق خلقه مستوياً على عرشه ما استطاع إلا أن يكون شيئاً مكذوباً، والكذب معلوم أنه يوجد في طوائف من الناس ممن يكذب لغرض معين، وقد كذب على رسول الله ﷺ كثير، حتى إنك تجد الآن كتباً كثيرة كبيرة في مجلدات وكلها مملوءة بالكذب، تسمى: كتب الموضوعات التي جمعها العلماء وبينوا أنها كذب على رسول الله ﷺ ، أحاديث كثيرة نسبها أناس إليه وهي كذب، ومعلوم أن الكذب على الله جل وعلا وعلى رسوله ﷺ من أعظم الكذب.
قوله: (إنه سبحانه فوق سماواته على عرشه) ، أما في الكتاب فالأمثلة كثيرة، وأما في السنة فهي كذلك يصعب حصرها، بل لا يستطاع؛ لأنها كثيرة جداً؛ لأنها مثلما قال: (متواترة عن النبي ﷺ ، ولكن من أظهر ذلك حديث المعراج حينما عرج به ﷺ إلى السماء، حتى ارتفع فوق السماء السابعة وانتهى إلى سدرة المنتهى، فكلمه الله بدون واسطة وأمره بخمسين صلاة، أمره بها وأمته، (فنزل إلى السماء السابعة فلقي موسى ﵇ فسأله ماذا فرض عليك؟ قال: خمسين صلاة، فأشار عليه أن يرجع إلى ربه جل وعلا ويسأله التخفيف، فإن أمته لا تستطيع ذلك، فرجع بعدما استشار جبريل، فسأل التخفيف، فحط عنه عشراً، ثم هبط إلى موسى فأمره بالرجوع) وهكذا صار التردد بين موسى وبين المكان الذي كلمه الله جل وعلا فيه، وهو يخاطبه جل وعلا، إلى أن صارت خمس صلوات، عند ذلك قال له موسى ﵇: (ارجع إلى ربك واسأله التخفيف، فإني بلوت بني إسرائيل على أقل من ذلك فلم يستطيعوه، وهم أقوى أجساماً من أمتك، فقال ﷺ : قد ترددت حتى استحييت من ربي) .
وكذلك منها: قوله ﷺ : (ربنا الذي في السماء) ، وقوله ﷺ : (أين الله؟ -يسأل الجارية- فقالت: في السماء، فقال: أعتقها فإنها مؤمنة) ، في أحاديث كثيرة جداً، صريحة واضحة، لا خفاء فيها.
стр. 247
عدم المنافاة بين فوقية الله وبين نزوله
وقوله: (فوق سماواته على عرشه) ، جاء هذا صريحاً في كتاب الله أنه فوق خلقه، فوق عباده، الفوقية من صفاته جل وعلا، وهي من صفات الذات، بحيث إنها لا تنفك عنه أبداً، فدائماً هو فوق كل شيء، وصفاته لا تشبه صفات خلقه.
فإذا أخبر جل وعلا بخبره الذي قاله وأنزله على رسوله، أو بالخبر عنه الذي قاله الرسول ﷺ ، ومن خبره قوله جل علا: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [البقرة:٢١٠] ، وقوله جل وعلا: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] ، وقوله جل وعلا: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر:٦٩] ، ونحو ذلك من الآيات التي يخبر بها أنه يجيء إلى الفصل بين خلقه وهم في الأرض، ينزل إليهم، يأتي إليهم.
وأما خبر رسوله ﷺ فكقوله ﷺ : (ينزل ربنا إلى سماء الدنيا إذا بقي ثلث الليل الآخر، وذلك كل ليلة، ويبسط يده ويقول: هل من مستغفر فيغفر له، هل من سائل فيعطى، هل من تائب فيتاب عليه، حتى يطلع الفجر) ، ونحو ذلك من الأخبار التي يخبر بها الرسول ﷺ .
فإذا أخبرنا بهذه الأخبار وجاءت، فإن هذه لا تنافي أنه على عرشه وأنه فوق كل شيء، وأنه لا يكون شيء فوقه، فهو يجيء إلى الأرض وهو على عرشه، والمخلوقات كلها تحته، بسماواته وعرشه وجميع المخلوقات؛ لأن علوه ذاتي لازم له، ولا يمكن إلا أن يكون هو العلي الأعلى؛ لأنه أكبر من كل شيء وأعظم من كل شيء، والسماوات كلها يقبضها بيده جل وعلا، فتكون في يده جل وعلا صغيرة حقيرة، ثم يهزها ويقول: (أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون المتكبرون؟) ، ثم يقول: (لمن الملك اليوم؟ فلا يجيب أحد؛ لأنهم مقبوضون في قبضته، فيجيب نفسه جل وعلا، ويقول: لله الواحد القهار) .
فهو الواحد الذي ليس كمثله شيء، القهار الذي قهر كل شيء، وكل شيء مخلوق له يتصرف فيه كيف يشاء، وعلوه لا ينافي نزوله كما أنه لا ينافي معيته التي أخبر أنه جل وعلا مع خلقه، كما ذكر جل وعلا الجمع بين العلو وبين المعية؛ لأن هذه من خصائصه، ولا يمكن أن يختص بها مخلوق.
стр. 248
معية الله معناها وأقسامها
فقال جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] ، فأخبر أنه مستو على العرش عالٍ على جميع الخلق، وهو معنا أينما كنا، وهذه المعية جاء ذكرها كثيراً في كتاب الله، ولكنها جاءت على قسمين: معية عامة: كهذه (وهو معكم) ، وكقوله جل وعلا: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧] ، فهذه عامة شاملة للخلق كلهم، وليس معناها كما يتصوره الذين فسدت فطرهم وفسدت لغتهم، وانحرفت عقائدهم، وساءت مقاصدهم، ليس معناها كما يتصورون: أنها تقتضي الاختلاط والامتزاج والحلول، تعالى الله وتقدس، فإن هذا لا يجوز أن يظن.
ولكن المعية معناها كما جاء في اللغة العربية: المصاحبة المناسبة؛ لما تضاف إليه، فالمعية تكون للمصاحب، كما قال الله جل وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح:٢٩] ، أي: تبعوه وصاروا معه على الإيمان، وليسوا معه مداخلين لجسده، حالين فيه، وكقول الرجل مثلاً: معي متاعي، وقد يكون متاعه فوق رأسه حاملاً له، وقد يكون متاعه ليس معه، أعني ملاصقاً لجسده، بل هو مهيمن عليه ومسيطر عليه، وكذلك يقول: معي مالي، ويقول: معي زوجتي، وإن كانت زوجته في بلد وهو في بلد.
فالمعية تختلف باختلاف ما أضيفت إليه في لغة العرب، ولهذا جاء في كلام العرب: سرنا والقمر معنا، مع أن القمر فوقهم في السماء وهم في الأرض، ومع ذلك يكون الكلام صحيحاً، فتكون المعية التي تضاف إلى الله أعلى وأجل وأعظم من المعية التي تكون للمخلوقات، وهذا يبين لنا أن المعية ليس معناها الاختلاط والامتزاج.
стр. 249
انقسام المنكرين لعلو الله إلى قسمين
فقال جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] ، فأخبر أنه مستو على العرش عالٍ على جميع الخلق، وهو معنا أينما كنا، وهذه المعية جاء ذكرها كثيراً في كتاب الله، ولكنها جاءت على قسمين: معية عامة: كهذه (وهو معكم) ، وكقوله جل وعلا: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧] ، فهذه عامة شاملة للخلق كلهم، وليس معناها كما يتصوره الذين فسدت فطرهم وفسدت لغتهم، وانحرفت عقائدهم، وساءت مقاصدهم، ليس معناها كما يتصورون: أنها تقتضي الاختلاط والامتزاج والحلول، تعالى الله وتقدس، فإن هذا لا يجوز أن يظن.
ولكن المعية معناها كما جاء في اللغة العربية: المصاحبة المناسبة؛ لما تضاف إليه، فالمعية تكون للمصاحب، كما قال الله جل وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح:٢٩] ، أي: تبعوه وصاروا معه على الإيمان، وليسوا معه مداخلين لجسده، حالين فيه، وكقول الرجل مثلاً: معي متاعي، وقد يكون متاعه فوق رأسه حاملاً له، وقد يكون متاعه ليس معه، أعني ملاصقاً لجسده، بل هو مهيمن عليه ومسيطر عليه، وكذلك يقول: معي مالي، ويقول: معي زوجتي، وإن كانت زوجته في بلد وهو في بلد.
فالمعية تختلف باختلاف ما أضيفت إليه في لغة العرب، ولهذا جاء في كلام العرب: سرنا والقمر معنا، مع أن القمر فوقهم في السماء وهم في الأرض، ومع ذلك يكون الكلام صحيحاً، فتكون المعية التي تضاف إلى الله أعلى وأجل وأعظم من المعية التي تكون للمخلوقات، وهذا يبين لنا أن المعية ليس معناها الاختلاط والامتزاج.
стр. 250
القسم الأول: القائلون بأنه في كل مكان
معلوم أن الذين أنكروا علو الله وارتفاعه قسمان كما سبق: قسم قالوا: إنه في كل مكان، ولم ينزهوه عن مكان من الأمكنة حتى الأمكنة التي تكون محلاً للشياطين، كمحل قضاء الحاجه ونحوه، تعالى الله وتقدس، بل حتى أجوافهم؛ لأنهم قالوا: في كل مكان، وهؤلاء قسم من الجهمية ومن الأشاعرة ومن غيرهم، وليس لهم على هذا أي دليل، إلا ما انتحلوه وزعموا أن العقل دل عليه، وهذا لا يمكن أن يكون عقلاً صحيحاً.
ويجب أن يسأل هؤلاء، ويقال لهم: الله جل وعلا أليس هو الخالق؟ فلابد أن يقروا بأنه هو الخالق للمخلوقات المشاهدة وغيرها، فيقال لهم: لما خلق المخلوقات أين خلقها؟ هل خلقها في ذاته؟ ومعلوم أن هذا كفر، والذي يقوله يكون كافراً، فلابد أن يقروا بأنه خلقها خارج ذاته تعالى وتقدس، منفصلة متميزاً عنها، فإذا كان متميزاً عنها فلابد أن يكون فوقها؛ لأن التحت مقر الشياطين وهو صفة سفول وصفة نقص، وليس هناك إلا تحت وفوق، فالله جل وعلا يتنزه عن صفة النقص، فلابد أن يوصف بالفوقية.
هذا على سبيل المجادلة، مع أننا لا نحتاج إلى مثل هذا؛ لأن الله أغنانا بما أنزل علينا من قوله وبما قررته رسله، وبما خلق فينا من الفطر، ولابد أن كل إنسان يحتاج إلى ربه في وقت من الأوقات، فإذا احتاج إليه فإنه يتجه إليه يسأله، فهل يمكن أن يلتفت يميناً أو شمالاً أو تحت قدمه؟! لابد أن يرفع يديه إلى السماء ويقول: يا رب، وهو لم يعلم في ذلك، وإنما فطره الله جل وعلا على هذا وخلقه: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ﴾ [الروم:٣٠] ، وهذا أمر ضروري.
ولهذا لما كان أحد كبار الأشاعرة، يتكلم في هذا المسجد -مسجد الرسول ﷺ ويقرر عقيدته الباطلة ويقول في كلامه: كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما كان عليه قبل خلق المكان، قام رجل من الناس وقال: دعنا من هذا الكلام الذي لا يفهمه الناس، ولسنا مكلفين به، ولكن أخبرني عن أمرٍ أجده في نفسي أنا وأنت وكل من قال: يا ألله، فإنه يجد في نفسه دافعاً يدفعه إلى السماء، فيرفع يديه يقول: يا رب! يا رب! من أين أتت هذه الضرورة؟ وكيف ندفعها، أخبرني عن ذلك؟ فسكت الرجل، ثم وضع يده على رأسه وكان على كرسي، ثم نزل وصار يبكي، ويقول: حيرني الرجل، حيرني الرجل، يعني: أنه أفسد عقيدته التي كان يقررها ويدعو إليها، ففسدت بكلمة واحدة، وصار يبكي ما يدري كيف يعتقد! هكذا الباطل إذا قذف بقذيفة من قذائف الحق دمغته وبطل، والأدلة الدالة لهذا كثيرة جداً، ولكن هذا نوع من الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ولا أحد يستطيع أن يدفع ذلك.
ومعلوم أن الرسول ﷺ والكتاب المنزل عليه ما جاءا، إلا مؤيدين للفطرة ومرشدين للعقول، أما العقل بذاته فإنه يختلف اختلافاً كبيراً جداً؛ لأن كل إنسان يدعي أنه عاقل وأن العقل معه، والله جل وعلا لا يقاس بالأقيسة ولا تضرب له الأمثلة؛ لأنه ليس له مثل جل وعلا، كما أنه جل وعلا لا يشاهده أحد فيخبر عنه، وقد أخبرنا أنه أكبر من كل شيء، وشرع لنا عند كل خفض أو رفع في الصلاة وفي غيرها أن نقول: الله أكبر، أي: أكبر من أي شيء؟! من عقول هؤلاء الذين جعلوه محصوراً في داخل المخلوقات الصغيرة، تعالى الله وتقدس.
الله أكبر من كل شيء، وأكبر مما يتصوره المتصورون، وخلقه كله صغير حقير بالنسبة إليه، لا يجوز لمسلم أن يتصور أن السماوات على عظمها وكبرها تكون مظلة لرب العالمين، أو تكون مقلةً له، تعالى الله وتقدس! وهي خلق من مخلوقاته، وذرة من قدرته الهائلة الباهرة التي لا يعجزها شيء، وهو على كل شيء قدير.
ولهذا قال: (وليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد:٤] أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة) ، أي: لا تدل عليه اللغة العربية؛ لأن المعية في اللغة هي المصاحبة، كما قال الرسول ﷺ : (اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل) ، فهو يكون مع المسافر، ويكون مع أهله الذين تركهم في بلده، وهو على عرشه تعالى وتقدس.
ثم ليعلم أن علماء السلف إذا جاءوا إلى مثل هذه الآية: (وهو معكم) ، قالوا: بعلمه، ففي كتب التفسير وفي شروح الحديث وفي كتب العقائد يجمعون على قوله: (وهو معكم) يعني: بعلمه، كما قال الإمام أحمد في قوله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧] ، يقول: إنه العلم؛ لأن الآية بدأت بالعلم وختمت بالعلم، ((أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ)) ، ثم قال: ((إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) ، فختمها بالعلم كما بدأها بالعلم، فدل ذلك على أن المقصود بقوله: (وهو معكم) أي: بعلمه، وهكذا يقول غيره من الأئمة، ولكن ليس معنى هذا أن المعية هي العلم، ليس هذا المراد، ولكنهم بذلك يردون على الجهمية ومن سلك مسلكهم؛ لأن الجهمية كما سبق انقسموا إلى قسمين: القسم الأول الذي ذكرناه: أنهم قالوا: إن الله في كل مكان.
стр. 251
القسم الثاني: القائلون بأنه لا فوق ولا تحت ولا داخل العالم ولا خارجه
والقسم الثاني الذين يقولون: لا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال العالم، وليس خارج العالم ولا داخله، وليس في مكان، ولا يجري عليه زمان، ولا تصح إليه الإشارة، ولا يحس بحاسة إلى آخره.
فأين يكون؟! يكون عدماً على حسب كلامهم هذا، فهؤلاء هم الذين يسمون: بالمعطلة، وهم في الواقع ملاحدة ينكرون وجود الله؛ لأنه لو قيل لأحدهم: ما هو العدم؟ لما أمكن أن يصفه بأكثر مما وصف به رب العالمين، تعالى الله وتقدس.
فالقسم الأول هو الذي رد عليه العلماء بقولهم: المعية المقصود بها العلم، يعني: لئلا يفهم أن الله مخالط خلقه ممازج لهم تعالى الله وتقدس، هذا مقصودهم بقولهم: المعية العلم، وإلا المعية ليست هي العلم وإنما العلم من لوازم المعية، ومعلوم أن علم الله في كل مكان، وأنه لا يخفى عليه شيء، وأن علمه لا يتغير بقرب الزمن ولا بعده، ما علمه مما سيكون يوم القيامة وبعد الدنيا يقع على وفق علمه بلا زيادة ولا نقصان؛ لأن علمه كامل وتام تعالى وتقدس.
ولكن المعية أكثر من ذلك، المعية هي العلم والإحاطة والسمع والبصر وأن الخلق لا يخفون عليه ولا يعجزونه، وهذه كلها من المعاني التي تدل عليها كلمة (مع) في لغة العرب، بالنسبة لرب العالمين جل وعلا، وهو على عرشه تعالى وتقدس، ولكون هذا مقصوداً جمع الله جل وعلا بين علوه وبين معيته؛ ليعلم عباده أن علوه فوق خلقه كلهم لا ينافي معيته وقربه، وأن أخباره تتفق ولا تتضارب، ويجب أن تفهم على المقصود الذي أراده جل وعلا، وأن تصان عن الظنون السيئة، وعن الجهل الذي قد يدعو صاحبه إلى أن يعتقد شيئاً يجب أن ينزه الله جل وعلا عنه، كأن يقول في معنى: (وهو معكم) : أنه يكون مخالطاً لخلقه، ومعلوم أن هذا لا توجبه اللغة، فإن كلمة (مع) تستعمل مع كل من كان مهيمناً على الشيء ومسيطراً عليه يصح، ولو قدر مثلاً في الخلق أن صبياً في الشارع مثلاً يبكي أو يصيح، ويطلع عليه والده من سطح البيت، فيقول له: لا تخف أنا معك، لكان هذا الكلام صحيحاً، وليس فيه مخالفة للغة العربية، والمعنى: أنه مراقب له وأنه سوف يكون حافظاً له مما قد يؤذيه على قدر استطاعته؛ لأن المخلوق استطاعته محدودة، ولكن المقصود أن كلامه صحيح، وهذا إذا صح في المخلوق فكيف برب العالمين إذا أخبر أنه مع خلقه؟! كيف يكون هذا فيه مخالفة لكونه مستوياً على عرشه، لا يكون ذلك إلا لأحد رجلين: إما رجل جهل ربه فلم يعرف ربه المعرفة الواجبة، وإما أنه انحرفت نيته ومراده وقصده فأصبح يريد باطلاً؛ لأن الأمر واضح في هذا، ولهذا قال: (وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة) ، يعني: أن كلمة: (مع) لا تدل على المخالطة والممازجة، كما أنها لا تدل على المماسة.
وهذا واضح، لما قال جل وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح:٢٩] ، فلا يلزم أن يكونوا مماسين له، بل معه على الإيمان وإن كانوا في بلد وهو في بلد، والكلام صحيح، فإذا كان هذا يصح في لغة العرب بالنسبة للمخلوقين، فكيف لا يصح بالنسبة للخالق جل وعلا؟! وهو كما قلنا: لا يجوز أن تكون صفاته مماثلةً لصفات خلقه، ثم هذا الكلام كله يعني: كونه مستوياً على عرشه عالياً على خلقه، وكونه معنا، كله حق يجب أن يفهم على حقيقته، وليس فيه مجاز كما يقوله المبطلون، لا في العلو ولا في المعية؛ لأنه مفهوم من كلام الله ومن قدرة الله وقوته وعظمته أنه على عرشه ومع خلقه، إذا أراد أن يقبضني بيده قبضني، فسماواته وأرضه تكون في يده صغيرة حقيرة، فإذا كان في هذا الوصف يصح جداً أن يقال: إنه معهم.
стр. 252
أقسام المعية
لهذا صارت المعية قسمها الأول الذي ذكرنا: يقتضي الخلق والمراقبة ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] ، يعني: لا تتركوا أمره ولا ترتكبوا نهيه؛ فإنه يراقبكم ويبصركم، ويعلم ما في قلوبكم، ويرى تصرفاتكم، وأنتم لا تعجزونه، إذا شاء أن يأخذكم أخذكم، وذلك على الله يسير، فالمعية العامة من معانيها الخوف والمراقبة.
أما القسم الثاني من أقسام المعية فهو المعية الخاصة التي تكون لأنبيائه وأوليائه وعباده المؤمنين، فهو معهم دون الكافرين، ودون الفاجرين، ودون الفاسقين، كما قال جل وعلا لكليمه موسى وأخيه: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] ، وذلك لما قالا: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥] ، يعني: أن فرعون من فرطه وحمقه وجبروته وقهره يمكن أن يصدر منه أو يبدر منه بوادر يكون فيها أذية أو قتل لنا؛ لأن عنده من السلطة والقوة والبطش بمن تحت يده ما هو معلوم، فقال الله جل وعلا لهما: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] ، فهو جل وعلا مع موسى وأخيه هارون دون فرعون وقوم فرعون في هذه المعية؛ لأنها معية خاصة بموسى وهارون فقط، ولهذا صار معنى هذه المعية غير معنى المعية الأولى، فهذه من معانيها النصر والتأييد والحفظ والكلاءة، وهذا خلاف المعنى الأول، ولو كانت المعية تقتضي الممازجة والمداخلة لم يمكن أن تكون بهذه المعاني، هذا أمر متفق عليه بين أهل الحق الذين عرفوا اللغة العربية وفهموا خطاب الله جل وعلا، وكذلك قدروا ربهم حسبما علمهم الله جل وعلا ووصف نفسه لهم.
ثم قال: (وخلاف) أي: أن الاختلاط والامتزاج خلاف ما فطر الله جل وعلا عليه الخلق، فالمقصود بذلك الفطرة التي لم تتغير لا بالتجهم ولا بالاعتزال؛ لأنه إذا تغيرت الفطرة بالبدع وأنشئ الإنسان عليها؛ فإن فطرته تفسد، كما قال ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسان) ، يعني: أن أبويه يجعلانه يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً، أو جهمياً أو معتزلياً، والمقصود بالأبوة: أي: المربي الذي يربيه ويعلمه ويلقنه هذه الأشياء.
ولهذا إذا ربي الناس على الفساد تربوا عليه، وألفوه وأصبحوا لا يريدون سواه، وأصبح الحق مبغضاً محارباً مكروهاً غير موافق لهم، وإذا ربوا على الحق والفضيلة والنزاهة صار ذلك مألوفاً محبوباً مراداً، والفساد والرذائل مكروهة مبغضة منبوذة، والإنسان على ما يربى عليه، وسواء كانت تربيةً خاصة أو تربيةً عامة.
فالتربية الخاصة: هي التي تكون من الوالدين والتي تكون من المعلم.
أما التربية العامة: فهي التي يتعلمها الإنسان من المجتمع، أو من الإعلام العام من صحافة أو إذاعة أو غيرها، فهذه التربية حسب التوجيه الذي يوجه به الناس الذين يتلقون ذلك ويتربون عليه، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وهذا أمر لا ينكر.
стр. 253
أمثلة تدل على علو الله على خلقه
قوله: (بل القمر آية من آيات الله من أصغر المخلوقات) هنا يضرب لنا مثلاً ولله المثل الأعلى، فالقمر صغير بالنسبة للمخلوقات في السماوات وفي الأرض، فهو بالنسبة للسماء، من أصغر المخلوقات وهو موضوع في السماء، والمقصود بالسماء العلو بحيث لا يستطيع الإنسان أن يتناوله؛ لأنه بعيد جداً، وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان، وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه مهيمن عليهم مطلع عليهم.
فإذا كان القمر مثلاً من مخلوقات الله الصغيرة وهو يشاهد في السماء، ويصح أن يقول الإنسان -سواء كان مسافراً أو مع الناس مجتمعاً-: القمر معنا، وهو منفصل عنه بعيد عنه، فكذلك رب العالمين أولى -وله المثل الأعلى- أن يكون فوق عرشه وهو مع خلقه.
وأصل هذا المثل من رسول الله ﷺ ، فقد جاء في السنن المروية عن النبي ﷺ ، أن الرسول ﷺ لما قال: (إن الله يكلمكم يوم القيامة، كل واحد يكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا واسطة ولا حاجب يحجبه، قال أبو رزين العقيلي: كيف ذلك يا رسول الله! وهو شخص ونحن كثيرون؟ فقال: أخبرك بآية من آيات الله جل وعلا؛ هذا القمر تشاهدونه في السماء، كل واحد منكم يستطيع أن يخاطبه أو يشاهده مخلياً به، فالله أكبر وأعظم) ، وهذا تقريب للأذهان فقط، وإلا فهو آية من آيات الله جل وعلا، والله جل وعلا لا يقاس بالمخلوقات ولا بشيء من المخترعات وإن كان كبيراً، فالله أكبر وأعظم.
وقوله: (وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه) ، الرقيب: هو الذي يطلع على الشيء ولا يخفى عليه شيء منه، يراقبه ببصره ونظره وكذلك بسيطرته عليه، فيراقبه في جميع تصرفاته، فالله رقيب على خلقه يشاهدهم ويسمع كلامهم، ويعلم ما انطوت عليه قلوبهم من النيات، فهو يعلم السر وأخفى، فالسر الذي يكون في قلب الإنسان ولم يتكلم به يعلمه الله ، والشيء الذي لم يكن ولكنه سيكون؛ فإن الله يعلم أنه سيكون كذا وكذا في وقت كذا وكذا، كذلك في قبضته لهم فإنهم لا يعجزونه، وإذا أراد أخذهم أخذهم، وهو على كل شيء قدير.
وقوله: (مهيمن) ، المهيمن: على وزن مفيعل، وليس هذا من باب التصغير، فإن أسماء الله جل وعلا لا يجوز أن تصغر، والهيمنة هي المشاهدة، فلا يخفى عليه شيء وهم في قبضته وإحاطته، ولا يخرج عن هيمنته من ذواتهم ولا من تصرفاتهم شيء، تعالى الله وتقدس، وهذا كله مما يبين معنى المعية.
قوله: (مطلع عليهم) من الاطلاع وهو النظر.
(إلى غير ذلك من معاني ربوبيته) يعني: أن هذه من معاني الربوبية؛ لأن الرب هو المالك المتصرف الخالق الذي لا يعجزه شيء.
ثم قال: (كل هذا الكلام الذي ذكره الله سبحانه من أنه فوق العرش، وأنه معنا حق على حقيقته، لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة، مثل أن يظن أن ظاهر قوله: (في السماء) أن السماء تقله أو تظله، وهذا باطل بإجماع أهل العلم) يعني: أن قوله: (وهو مستو على عرشه وهو فوق خلقه) أنه على ظاهره حق على حقيقته، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، وقوله: (وهو معكم) ظاهر على حقيقته ولكن الحقيقة اللغوية والمعنوية التي دلت عليها اللغة، وليس الحقيقة التي يقولها من انحرف وفسد تصوره، ولهذا قال: (لا يحتاج إلى تحريف) ، يعني: إلى تأويل، كقول القائل مثلاً: كونه معنا يوهم أنه داخلٌ في العالم فيحتاج إلى أن نؤوله، ونقول: هذه المعية يقصد بها ملائكته الذين كلفهم بحفظ كلام الناس وأعمالهم، كل هذا لا يحتاج إليه، بل هو جل وعلا معنا بمعيته وهو على عرشه، ولا يجوز أن نقول: إنه معنا بذاته؛ لأنه إذا قيل بالذات فالذات معناها: أنه مختلط بالناس، تعالى الله وتقدس! فذاته على عرشه، ولكن مخلوقاته بالنسبة إليه صغيرة حقيرة.
وكل ذلك على ظاهره، ولا يحتاج إلى أن نقول: إنه العلم فقط، بل العلم والهيمنة والرقابة والشهود، وغير ذلك من معاني هذه الصفة التي وصف بها نفسه.
وقوله: (ولكن يصان عن الظنون الكاذبة) ، الظنون الكاذبة: إما أن تكون منشؤها من الجهل أو من فساد التصور، ومثل لذلك بقوله: (كأن يظن بأن معنى قوله: (وهو في السماء) أن السماء تظله) ، ومعنى تظله: يعني تكون فوقه، مثل إخبار الرسول ﷺ أنه ينزل إلى السماء الدنيا، فإنه قد يظن ظان أن السماء الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والعرش والكرسي يكون فوقه تعالى الله وتقدس، فهذا الظن باطل وكاذب، إن نقله عن أحد من الناس فهو كاذب في نقله، وإن ظنه هو فهو باطل في ظنه، وضال في عقيدته، فيجب أن تصان معاني صفات الله جل وعلا ومعاني كلامه عن الظنون الفاسدة والتصورات الباطلة.
ثم بين أن هذا يقرب بقدرة الله جل وعلا؛ لأن الإنسان لا يحيط بالله جل وعلا، ولا يحيط بمعاني صفاته وإنما يتصور المخلوق مثله، أما معاني صفات الله جل وعلا فهي على خلاف ذلك، فقرب المعنى بذكر عظمة الله، فقال: وهو الذي ﴿يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ [فاطر:٤١] يمسكهما بقدرته تعالى وتقدس، كما أخبر الله جل وعلا عن ذلك فقال في السماء: إنكم ترونها بلا عمد تعتمد عليها، ولكن الله ممسكها بقدرته جل وعلا، وهو جل وعلا غير محتاج لا للعرش ولا لغيره، وإنما العرش يحتاج إليه تعالى وتقدس.
стр. 254
الأسئلة
стр. 255
ضعف النقل عن أحمد في تأويل مجيء الله تعالى
السؤال
فضيلة الشيخ! هل يصح عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال في قول الله تعالى: ((وَجَاءَ رَبُّكَ)) [الفجر:٢٢] أي: أمر ربك؟
الجواب
هذا نقل عنه، ولكنه نقل غير صحيح، فخطأ ابن تيمية ﵀ الناقل وقال: إنه أخطأ في هذا، وذلك أن فيه ملابسات في هذا الأمر حينما كان في السجن فالتبست على الناقل فظن أنه قال هذا فنقله، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فيرجع إليه.
стр. 256
معنى قوله: (بائن عن خلقه)
السؤال
ما معنى قول المصنف: (بائن عن خلقه) ؟
الجواب
البينونة واضحة يعني: أنه غير مختلط بخلقه ليس داخل السماء ولا في الأرض بل هو فوق العرش، هذا معنى بائن، يعني: أنه فوق عرشه، وهذا رد على الذين يقولون: إنه مع خلقه بذاته، ويقولون: إنه في كل مكان، وهذا واضح ليس فيه التباس.
стр. 257
حقيقة نزول الله في الثلث الأخير إلى السماء الدنيا
السؤال
إن الله ينزل في الثلث الأخير من الليل ويجيب الدعوات، فهل النزول حقيقي؟
الجواب
النزول حقيقي على ظاهره، وينزل وهو فوق عرشه جل وعلا، كما أنه ينزل يوم القيامة إلى الأرض فيفصل بين خلقه وهو على عرشه، ولا يكون شيء فوقه، هذا يجب أن يفهم على ظاهره كما سبق تكلمنا على النزول في الدرس الماضي، وقلنا: إن نزول الله ليس كالنزول الذي يتصوره الإنسان لمخلوق.
المخلوق إذا كان فوق السطح فنزل من على السطح فلابد أن يكون السطح فوقه، هذا نزول المخلوق، ولكن نزول الخالق ليس مثل هذا؛ فهو نزول خاص به، ونزوله يجب أن يكون مثل صفاته، وليس مثل صفات المخلوقين، وصفاته جل وعلا أخبرنا بشيء من هذا النوع، الذي يقرب للإنسان هذا المعنى، مثلما ذكر الرسول ﷺ أنه يوم القيامة إذا جمع الناس من أولهم إلى آخرهم، في صعيد واحد وقام كل واحد واقفاً على قدميه؛ لأن الأرض لا تتسع لهم إلا وهم وقوف، وذلك لكثرتهم، مع إزالة البحار والجبال ومد الأرض مد الأديم؛ فإذا جاء لفصل القضاء فإنه يخاطبهم كلهم في آن واحد، وفي لحظة واحدة، يقول: فعلت كذا يوم كذا، وهذا لا يمكن أن يتصور من مخلوق ولا شيء من ذلك.
وكذلك في الوقت الحاضر الأرض مملوءة والحمد لله من المسلمين الذين يدعون الله، تجدهم في وقت واحد يتجهون إلى ربهم يدعونه، وكل واحد يستمع له الله جل وعلا، ولا يشغله سماع هذا عن سماع الآخر؛ تعالى الله وتقدس! فالمقصود أن يقاس فعله على فعله، ولا يقاس فعله على فعل المخلوقين فيضل الإنسان في هذا، فنزوله من هذا النوع، وبهذا يجاب عن الإشكال الذي يستشكله الذي يتصور أن نزوله كنزول المخلوقين، يقول: إن ثلث الليل يختلف باختلاف الأقاليم، فإذا قلنا بالنزول إنه ثلث الليل، يلزم من ذلك أن يكون نازلاً دائماً، فهذا لو كان النزول كنزول المخلوق، يمكن أن يتصور، أما بالنسبة لنزول الله فلا يتصور هذا، فهو نزول خاص به جل وعلا.
стр. 258
حكم إدخال المعية الخاصة في المعية العامة
السؤال
أما نستطيع أن ندخل المعية الخاصة في المعية العامة؟
الجواب
لا نستطيع؛ لأن هذه لها معنى وهذه لها معنى، فالمعاني التي ذكرها الله لا تتداخل وقد ميزها جل وعلا.
стр. 259
حكم تفسير المعية بالعلم
السؤال
أليست المعية هي العلم؟
الجواب
لا، ولكن من لوازمها العلم، وقد يفسر الشيء بلازمه كما هي عادة السلف، السلف يفسرون الشيء بلازمه، ولاسيما إذا كان الذي يسمع لا يفهم، وإنما يفهم اللازم فقط، فإنهم يقتصرون على هذا.
стр. 260
حقيقة وجود بحر فوق السماء السابعة
السؤال
هل يوجد فوق السماء بحر؟
الجواب
نعم فوق السماء السابعة بحر عظيم وفوقه العرش، وقد سبق أن تكلمنا على ذلك، ولكن المصنف أعاده؛ لأجل التمثيل على عظمة الله جل وعلا.
стр. 261
حكم دخول الأشاعرة في أهل السنة والانتساب إليهم
السؤال
هل يعد الأشاعرة من أهل السنة؟ وهل إطلاق تسمية أشاعرة صحيحة مع أن أبا الحسن الأشعري قد تاب عن عقيدته؟
الجواب
الأشاعرة ليسوا من أهل السنة، بل الأشاعرة من أهل البدع، والانتساب إلى الأشعري غير صحيح، فلا يجوز أن ينتسب الإنسان إلى الأشعري، وإنما يجب أن ينتسب إلى رسول الله ﷺ .
стр. 262
شرح العقيدة الواسطية [١٥]
انقسم الناس في مسألة علو الله تعالى إلى ثلاثة أقسام: قسم وصفوه بالمتقابلات المتنافيات، بل الممتنعات عقلاً، والتي تنفي وجود الشيء، وهؤلاء هم الجهمية، وقسم كانوا على نقيضهم وهم الذين قالوا: إن الله في كل مكان بذاته، أما القسم الثالث فهم أهل الحق وهم أهل السنة الذين يعتقدون أن الله فوق عرشه بائن من خلقه، وهو أيضاً معهم محيط بهم لا يخفى عليه شيء من أمرهم.
стр. 263
علو الله جل وعلا على خلقه لا ينافي معيته لهم
يقول المصنف ﵀: [وكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق العرش، وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف ولكن يصان عن الظنون الكاذبة: مثل أن يظن أن ظاهر قوله: (في السماء) أن السماء تقله أو تظله، وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان، فإن الله قد: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] وهو ﴿يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ [فاطر:٤١] ، ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [الحج:٦٥] ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم:٢٥] .
فصل: وقد دخل في ذلك الإيمان بأنه قريب مجيب كما جمع بين ذلك في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي﴾ [البقرة:١٨٦] وقوله ﷺ : (إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) ، وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته فإنه سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] في جميع نعوته وهو عليٌّ في دنوه قريب في علوه] .
العلو لله جل وعلا لا ينافي المعية؛ ولهذا جمع الله جل وعلا بين ذلك في آية واحدة كما سبق، وهو أنه تعالى يقول: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) فجمع بين علوه واستوائه على عرشه وبين كونه معنا؛ ولهذا يقول الشيخ ﵀: كل هذا الكلام على ظاهره وعلى حقيقته ولا يجوز أن يحرف، ومقصوده بالتحريف: التأويل الباطل الذي سلكه أهل الكلام.
стр. 264
أقسام الناس في مسألة العلو
وجملة الناس في مسألة علو الله: قسم: وصفوه بالمتقابلات المتنافيات بل الممتنعات في العقل، وهم الجهمية ومن سلك طريقهم فقالوا: لا فوق ولا تحت، ولا خارج العالم ولا داخل العالم، وليس له مكان ولا يجري عليه زمان، فيأتون بالأمور المتقابلة المتنافية التي يستحيل في العقل أن الشيء موجوداً إذا نفيت هذه الأمور، ولهذا قال العلماء من أهل السنة: الجهمية يعبدون عدماً، وأما الذين قابلوهم فهم يعبدون صنماً، ومنهم من يقول: الجهمية لا يعبدون شيئاً والمشبهة أو الحلولية يعبدون كل شيء.
ولا شك في بطلان هذا القول عقلاً وفطرةً وشرعاً.
القسم الثاني من أقسام الناس: وهم الذين وصفوه بأنه في كل مكان تعالى الله وتقدس، فجعلوه فوق العرش وتحت الثرى، وجعلوه فوق العالم وداخل العالم -تعالى الله وتقدس- وهذا المذهب عكس المذهب الذي قبله، وكلاهما باطل وكفر بالله جل وعلا.
المذهب الثالث: وهو قول أهل الحق أهل السنة: أنه فوق عرشه بائن من خلقه وهو أيضاً معهم محيط بهم لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، وهذا الذي دلت عليه الأدلة وهو الذي يقرره الشيخ ﵀ في هذا الكتاب وغيره، وهو الذي تتفق عليه أدلة الشرع وأدلة العقل والفطرة وإجماع أتباع الرسل.
وقوله: (على حقيقته) يعني: أن العلو على الحقيقة، فهو جل وعلا عالٍ على خلقه، والمعية على الحقيقة ولكن الحقيقة كما سبق أن المعية معناها: المصاحبة، والمصاحبة تكون بحسب ما أضيفت إليه كما سبق التمثيل لذلك.
يقول الإنسان: معي مالي، وإن كان ماله في بلد وهو في بلد، ويقول: معي زوجتي وإن كانت زوجته في بلد وهو في بلد، يقول الله جل وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح:٢٩] يعني: على الإيمان والجهاد، وهكذا في كل ما يأتي، فكلمة (مع) تدل على معنىً ظاهر يدل عليه السياق.
فإذا قال الله جل وعلا: (وهو معكم) فمعيته جل وعلا على ظاهرها: فإما أن تقتضي الإحاطة والاطلاع والعلم، وأنهم في قبضته لا يخرجون عن ذلك، وأنهم على مرأى ومسمع منه، أو تقتضي أنهم في حفظه ونصره وتأييده، فإن كانت مع المحسنين ومع المؤمنين ومع المتقين ومع النبيين فهي تقتضي النصر والتأييد والحفظ والكلاءة، وإن كانت عامة فهي تقتضي الاطلاع وأنهم في قبضته وأنهم لا يفوتونه، وأنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، فيعلم ذلك ويبصره ويسمعه وهو محيط بهم.
стр. 265
وجوب استحضار عظمة الله جل وعلا
وينبغي للإنسان أن يستحضر مع هذا ما ذكره الشيخ بعد ذلك من الأمور العظيمة التي لا يحيط بها عقل الإنسان، الدالة على عظمة الله جل وعلا كقوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] وقوله: (يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا) ، ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [الحج:٦٥] ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم:٢٥] فهذه تدل على عظمته وأنه أكبر من كل شيء وأعظم من كل شيء، وأنه تعالى ليس بحاجة لا إلى عرش ولا إلى غيره وإنما العرش والسماء والكرسي وكل شيء محتاج إليه، وهذا استدلال بعظمته على كمال قدرته تعالى وتقدس.
وقوله: (ولكن يصان عن الظنون الكاذبة) يعني: أن هذا الكلام ظاهر، ولكن لو قدر أن إنساناً لا يفهمه على حقيقته وعلى مراد المتكلم منه فإنه يجب أن يفهم ويعلم المراد، (والظنون الكاذبة) مثل أن يظن ظان أنه إذا قال جل وعلا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أنه محتاج إلى العرش تعالى وتقدس، أو أن استواءه على العرش كاستواء المخلوق على ما يركب عليه ويستوي عليه فهذا لا يجوز أن يعتقد.
وكذلك إذا قال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] فيظن أن السماء تكون ظرفاً له أو أنها تقله تعالى وتقدس.
وكذلك إذا قال الرسول ﷺ : (ينزل ربنا إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الآخر) فالظنون السيئة: أن يظن بأنه إذا نزل إلى السماء الدنيا أن شيئاً من المخلوقات يكون فوقه؛ تعالى الله وتقدس فهو أكبر من المخلوقات كلها وأعظم منها ولا يمكن أن يكون شيء فوقه؛ لأن العلو من لوازم الذات، أي: أن علوه على كل شيء لا ينفك عنه أبداً فهو عال فوق جميع خلقه وإن نزل إلى سماء الدنيا، بل وإن نزل إلى الأرض كما يأتي يوم القيامة جل وعلا للفصل بين خلقه يأتي وهو فوق كل شيء، ولو شاء لقبض المخلوقات كلها في سماواته وأرضه ومن فيها بيده جل وعلا فصارت بالنسبة إليه كخردلة صغيرة حقيرة ليست بشيء.
فإذا كان هذا شيء من بعض عظمته جل وعلا فكيف يظن أنه يكون داخل مخلوقات؟ تعالى الله وتقدس.
قوله: (أن يظن جاهل أو ضال) أن يظن جاهل في ذلك أو ضال ضل في دينه وفي عقله.
стр. 266
قرب الله جل وعلا لا ينافي علوه
ثم بعد هذا يقول: (وقد دخل في ذلك الإيمان بأنه قريب مجيب) ، وهذا من الأمور التي لا تنافي العلو أيضاً، فكونه قريباً مجيباً لا ينافي أنه فوق عرشه عال على جميع مخلوقاته، وقربه من صفاته، وهو قرب حقيقي على ظاهره يليق بعظمته تعالى وتقدس، وقد جمع بين القرب والإجابة في قوله جل وعلا: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي) وقد جاء في سبب نزول هذه الآية أن بعض الصحابة قال: (يا رسول الله! أبعيد ربنا فنناديه أم قريب فنناجيه؟ فأنزل الله جل وعلا هذه الآية: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي) ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦] ) فالقرب جاء ذكره في كتاب الله ولكنه جاء بصيغتين: بصيغة الجمع، وبصيغة الإفراد، أما صيغة الجمع: فكقوله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] وكقوله جل وعلا: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥] في حالة المحتضر.
وأما صيغة الإفراد: فمثل هذه الآية ومثل قوله ﷺ : (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) وكثير من النصوص جاءت بصيغة الإفراد.
стр. 267
أقسام قرب الله جل وعلا
ومن العلماء من قسم القرب إلى قسمين: كـ ابن القيم ﵀ فجعله قرباً عاماً وقرباً خاصاً: القرب العام هو معنى اسمه الباطن؛ لأنه جاء في تفسيره عن النبي ﷺ أنه قال: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر ليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء) فجعل البطون: القرب، وقال: هذا عام، فيكون ذلك قريب المعنى من المعية العامة؛ لأنه قربه من خلقه عام، ويكون معنى أنه الباطن: مثل ما فسره الرسول ﷺ : (ليس دونك شيء) يعني: أنه قريب من خلقه إذا شاء أن يعمل فيهم ما يشاء فهم بقبضته ولا يحول بينه وبينهم حائل، وهذا المعنى العام.
والثاني: ما جاء في القرآن وفي حديث الرسول ﷺ : أنه قريب من الداعي وقريب من السائل، فهو قريب من الداعي بالإجابة كما قال: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي) وليس هذا على إطلاقه فإن كل مسألة وكل دعوة تجاب إذا شاء الله فهي داخلة في مشيئته، ولكن هذا من العبادة التي يحث الله جل وعلا عليها، وإذا وجدت الشروط التي يجب أن تكون في الداعي وانتفت الموانع فإن الله جل وعلا يجيبه، والمقصود: وصف الله بذلك.
ولكن كونه يقسم هذا التقسيم فقد يتوهم بعض الناس أنه يقسم القرب نفسه إلى قسمين، والصواب أن هذه صفة وهذه صفة: فصفة الباطن غير صفة القريب؛ لأن القرب جاء مقيداً بكونه قريباً من الداعي، أما كونه قريباً من قبض الروح، أو التصرف فيه بما يشاء فهو من معنى البطون، فقوله: (الباطن) هو معنى المعية العامة (هو معكم) .
ومعلوم أن معاني كتاب الله لا تتنافر ولا تتفاوت، وكذلك المعاني التي جاء بها الرسول ﷺ ، ومعلوم أنه يجب على العبد أن يتفقه فيها وأن يعرفها على مراد المتكلم؛ لئلا يقع في الزلل ويقع في الضلال ويكون ذلك زيادة قرب له من الله جل وعلا، وهذا من أفضل ما يتعلمه الإنسان ويبحث عنه جهده طالباً الحق مخلصاً لله جل وعلا في ذلك فإنه إذا كان بهذه الصفة فإن الله جل وعلا يوفقه.
ثم قال: (وقوله ﷺ : (إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) هذا لا يخرج عما ذكر في الآية؛ لأن هذا في الدعاء والداعي، ولا يكون هذا من النوع العام بل هذا من الخاص؛ لأنه لما كان الصحابة رضوان الله عليهم يرفعون أصواتهم بالذكر أو بالتكبير أمرهم الرسول ﷺ بالرفق بأنفسهم فقال: (أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) فكان مثل قوله: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي) .
стр. 268
لا يجوز تشبيه الله بخلقه وقياس أفعاله وصفاته على أفعالهم وصفاتهم
قوله: (وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته) ؛ لأن هذا من خصائص الله وصفاته، ولا يجوز أن يكون ذلك نظير وصف مخلوق، فإن المخلوق إذا كان عالياً لا يكون باطناً، ولا يكون قريباً، وإنما هذا لصغره ولضعفه ولكونه محتاجاً وفقيراً، ولا يجوز أن يفهم الإنسان مما وصف الله جل وعلا به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ الذي يفهمه من الأجسام والمخلوقات الصغيرة الفانية الفقيرة، فإن الله ليس كمثله شيء، فهو عال في استوائه ودان في قربه ومعيته، وهذا خاص به جل وعلا.
وقد سبق أن معيته وقربه لا تنافي علوه وبينونته عن خلقه وكونه فوق الخلق كلهم، بل هذا حق وهذا حق على ظاهره، ولهذا فإن الصحابة رضوان الله عليهم لم يشكل عليهم ذلك لما خوطبوا به، بل فهموه على ظاهر اللفظ، ولو أشكل لسألوا رسول الله ﷺ كما سألوه عن الأحكام التي أشكلت حتى بينت لهم، وعدم السؤال منهم يدل على أنه ظاهر وجلي عندهم، ولا سيما أن هذا من أمور الإيمان التي يجب على الإنسان فهمها وتحقيقها.
ولهذا نقول: إن هذه الأمور داخلة في الإيمان الواجب، فالذي لا يؤمن بذلك يكون إيمانه إما منتفياً، أو ناقصاً النقص الذي يعاقب عليه؛ لأنه نقص في شيء واجب، ومسائل الإيمان بعضها مرتبط ببعض، فمن لم يصف الله جل وعلا بالعلو فقد كفره السلف كما روي ذلك عن طوائف منهم، وكذلك الذي يصفه بأنه داخل العالم كفروه؛ لأنه لم يؤمن بالله الإيمان الذي يجب على العبد.
قوله: (فإنه سبحانه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) في جميع نعوته) وكذلك (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) في أوصافه وأفعاله و (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) في ذاته، وهذا أمر متفق عليه بين أهل السنة وأهل البدع، فلا يخالف أحد في أنه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) في ذاته، فإذا كان كذلك فهذا أصل يجب أن تتبعه بقية خصائصه: من أن أوصافه ليس كمثله فيها شيء، وكذلك أفعاله وكذلك حقوقه التي تلزم عباده فإنه لا يجوز أن يمثل في خلقه بشيء من ذلك.
стр. 269
عظمة الله جل وعلا
ولهذا يخبرنا جل وعلا أنه سريع الحساب، وأنه يحاسب خلقه في وقت واحد من أولهم إلى آخرهم، قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينهم حجاب يحجبه ولا ترجمان يترجم له) ، يكلمه بلا واسطة في الموقف، والكلام يكون للمؤمنين من أولهم إلى آخرهم، وكم عددهم؟! وكل واحد يرى أنه يكلمه وحده! مع أنه يكلم الخلق كلهم في آن واحد! فهذا لا يتصور أن يقع مثله أو قريب منه من مخلوق.
وكذلك في الدنيا الآن إذا قام الدعاة المحتاجون، أو العباد المصلون في آن واحد يدعون ربهم، كل واحد يسمعه الله جل وعلا ويعلم حاله ولا يشغله سماع هذا عن سماع الآخر من أولهم إلى آخرهم، وهذا شيءٌ من قدرة الله جل وعلا، فأفعاله تعالى لا يجوز أن تقاس بأفعال المخلوقين، حتى يقال: إن العلو والقرب، أو العلو والمعية متنافية؛ لأن الإنسان يجب أن يعلم أن هذا من خصائصه كما مثل.
стр. 270
الأسئلة
стр. 271
العلم من لوازم المعية، وأما معناها فالمصاحبة
السؤال
أشكل علي أن العلم من مستلزمات المعية وليست المعية هي العلم.
الجواب
المعية معناها المصاحبة، ومن لازم المصاحبة العلم، وعلمه جل وعلا لا يكون بهذا الوصف فقط وإنما فسر العلماء المعية بذلك رداً على الذين يقولون: إنه مع الخلق بذاته! تعالى الله وتقدس، فقالوا: معهم بعلمه، حتى يكون ذلك أقرب إلى رد هذا الباطل وأقرب إلى أذهان عامة المسلمين.
стр. 272
معنى قوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله)
السؤال
ما معنى قول الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] ؟
الجواب
الصواب أن هذه الآية في القبلة، يعني: الاتجاه والجهة التي يصلى إليها، فإذا كان الإنسان في مكان وكان يعرف جهة القبلة، فذاك وإن كان لا يعرف جهة القبلة فأي وجهة صلى إليها فهي صحيحة إذا اجتهد ونظر.
стр. 273
معنى قوله تعالى: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد)
السؤال
ما هو تفسير قول الله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] وهل صحيح أن المقصود بالقرب هنا: الملائكة؟
الجواب
ورد القرب في كتاب الله جل وعلا على نمطين: نمط عبر عنه بالإفراد، ونمط عبر عنه بالجمع، ومعلوم أن العظيم الذي له أعوان يمتثلون أمره ويفعلون ما يقوله ويدبره ولا يخرجون عن فعله؛ إذا فعل شيئاً يقول: نحن فعلنا ونحن عملنا، وهذا موجود عند الناس، فتجد الرئيس يقول: نحن أمرنا بكذا، وإن كان الفاعل غيره من وزراء وغيرهم، فإذا قال جل وعلا: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) وأريد بذلك الملائكة الذين يقبضون روحه، فإن الكلام صحيحٌ.
стр. 274
المعية والقرب صفتان
السؤال
هل المعية هي القرب؟
الجواب
ذكرنا أن بعض العلماء يقسم القرب إلى قسمين: قرب عام، ويقصد به معنى قوله جل وعلا: ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد:٣] فهذا قريب من المعية في المعنى، وليس القرب هو المعية؛ لأن هذه صفة وهذه صفة.
стр. 275
شرح العقيدة الواسطية [١٦]
مسألة صفة الكلام لله جل وعلا من المسائل الكبار التي اختلف فيها الناس، ومذهب أهل السنة: أنهم يثبتون صفة الكلام لله على الوجه الذي يليق به ، كما يثبتون أن القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، نزل به جبريل على رسول الله ﷺ ، كما دلت على ذلك الأدلة الصحيحة الصريحة من الكتاب والسنة.
стр. 276
مسألة إثبات صفة الكلام لله جل وعلا
يقول المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: ومن الإيمان بالله وكتبه: الإيمان بأن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأن الله تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن الذي أنزله على محمد ﷺ هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره، ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله، أو عبارة، بل إذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقة، فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئاً، لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً، وهو كلام الله: حروفه ومعانيه، ليس كلام الله الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف.
] .
قوله: (ومن الإيمان بالله وكتبه: الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود) .
هذه مسألة الكلام التي هي صفة لله، وهي مسألة كبيرة عظيمة، تفرق فيها الناس فرقاً كثيرة، ولها فروع كثيرة، وقد قيل: إن كتب الكلام أطلق عليها ذلك من أجل أن مسألة الكلام هي أعظم المسائل التي ذكرت فيها فسميت بذلك، وكذلك أهل الكلام سموا أهل الكلام؛ لكثرة ما خاضوا فيه في هذه المسألة.
ومعلوم أن الذي لا يكون له دليل من كتاب الله أو من قول رسوله ﷺ لا بد أن يضل؛ لأن العقل لا يستطيع أن يستقل بمعرفة الهدى، إنها أمور غيبية وأمور مخالفة للمحسوسات المشاهدة فكيف يهتدي العقل؟! هذا لا يمكن! وإنما الطريق في ذلك ترسم ما قاله الله جل وعلا أو قاله رسوله ﷺ والاقتداء به في هذه المسألة خاصة، وفي جميع المسائل التي جاءت في كتاب الله جل وعلا وفي حديث رسوله ﷺ التي تتعلق بالله جل وعلا وأوصافه وأفعاله، أو تتعلق بأمور الغيب من أمور الآخرة وما يكون بعد الموت إلى أن يستقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، وما يكون في الجنة وما يكون في النار، هذا شيء لا يدرك بالنظر ولا بالعقل، بل لابد أن يكون متوقفاً على الوحي الذي يوحيه الله جل وعلا لأنبيائه الذين يرشدون الناس إلى طريق الهدى، وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً﴾ [الإسراء:٨٢] الظالم الذي ترك الاهتداء به تزيده آيات الله وبيناته بعداً وعناداً وتكبراً وإباءً، فيزداد بذلك ضلالاً على ضلاله، وقد قال جل وعلا في صفة هؤلاء ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٤٦] ، يعني: أن الدلائل وإن كبرت وعظمت إذا لم يجعل الله للإنسان عوناً مساعداً منه فإنه لا يستطيع الاهتداء بها، فالقرآن الذي أنزله الله جل وعلا على رسوله ﷺ ليس هو الوحيد في أنه يجب أن يوصف بأنه كلام الله بل التوارة والإنجيل والزبور، وجميع الكتب التي أنزلها الله جل وعلا، يجب الإيمان بأنها كلامه جل وعلا، وأن فيها الهدى لمن اهتدى بها، وأن من سلك طريقاً غير الطريق التي أرشدت إليه فإنه يكون ضالاً.
стр. 277
يتكلم الله بكلام حقيقي بحرف وصوت يليق بجلاله
قوله: (وأن الله تكلم به حقيقة) وأنه بلفظ وصوت وحروف، ولهذا جاء قول الرسول ﷺ في قارئ القرآن: (إن في كل حرف حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (ألم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) وكونه يوصف بأنه حروف فهذا قد ورد في كثير من المواضع، وأما كونه أصوات فقد قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] ، وقال جل وعلا: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح:١٥] ، وقال جل وعلا: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣] وفي آيات كثيرة يقول جل وعلا: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ﴾ [الزمر:١] ، ويقول جل وعلا: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء:١٩٣-١٩٤] ، ويقول: ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل:١٠٢] .
وسبق أن التنزيل جاء على ثلاثة أقسام: قسم: مقيد بأنه من الله، وهذا للقرآن خاصة ولم يأت في غيره.
وقسم: مقيد بأنه من السماء، وهذا يكون للمطر ويكون للملائكة ويكون لغير ذلك مما يشاء الله جل وعلا.
وقسم: مطلق، كقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنْ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر:٦] ، وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد:٢٥] فهذا أيضاً كالقسمين الذين قبله في لغة العرب، فالنزول لا يعقل إلا أن يكون من العلو إلى السفل، ولكن نزول الأزواج كما قال العلماء: يجوز أن يكون من ظهور الفحول أو من بطون الإناث، أو يُقصد الأمران معاً، ونزول الحديد يجوز أن يكون من الجبال المرتفعات، أو من حيث خلقه الله جل وعلا فيها، أما أن يكون من السفل ويسمى نزولاً فهذا لا يعرف، وأما القسمان الأولان: المقيد بأنه من الله فهو يدل على علوه ويدل على أنه صدر منه تعالى وتقدس، وأما كونه من السماء فيكون حسب السياق والتقييد الذي جاء به.
стр. 278
القرآن كلام الله منزل غير مخلوق
وقوله: (كلام الله منزل غير مخلوق) منزل يعني: أن الله أنزله بعد أن تكلم به حقيقة فسمعه جبريل وتلقاه عنه، فجاء به إلى محمد ﷺ فألقاه عليه، فسمعه محمد ﷺ من جبريل، والصحابة سمعوه من محمد ﷺ ، ثم صارت الأمة تسمعه بعضها من بعض، فإذا قرأ القارئ القرآن فإن السامع يسمع كلام الله، ولكن الأدوات التي يؤدى بها: كحركة اللسان والشفتين والصوت -صوت القارئ- كل هذه مخلوقة، ولكن المصوت به المقروء الذي حرك به اللسان وحركت به الشفتان هو قول الله، ولا يجوز أن يقال: إنه مخلوق.
وكذلك في الكتابة: فالورق والحبر شيء مخلوق، ولكن المكتوب المودع في المصحف هو كلام الله، ولهذا يجب احترامه، ولا يجوز للجنب أو الحائض أن تقرأه؛ لأنه كلام الله، فكلام الله سواءً حفظ أو كتب في المصاحف لا يخرجه ذلك عن كونه كلام الله، ومعلوم أن الكلام له وضع غير وضع الأجسام؛ لأن الكلام صفة وهو لا يقوم إلا بالموصوف، فإذا تكلم به ثم حفظ عنه أو سجل أو كتب فإنه يبقى كلامه، وهذا شيء معقول حتى في كلام المخلوقين، فلو أن إنساناً مثلاً قال: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ألخ لقيل: هذا قول امرئ القيس، ولو أن إنساناً ذكر هذا الكلام: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) لقيل: هذا كلام رسول الله ﷺ ، وإذا سُمع قارئ يقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٢-٤] لقيل: هذا كلام رب العالمين هذا كلام الله، فالقول والكلام يضاف لمن قاله مبتدئاً وليس للمؤدي أو الراوي أو الناقل فليس لهؤلاء إلا الرواية والنقل.
وقد اختلف المتكلمون في هذا خلافاً كبيراً جداً، ولكن هذا هو الحق الذي يجب اعتقاده، ومعلوم أن الجهمية يقولون: إن القرآن مخلوق وكذلك المعتزلة، ولكن ينبغي أن يعلم أن المعتزلة يصفون الله جل وعلا بأنه متكلم ويقولون: إن الله يتكلم ومقصودهم: أنه يخلق الكلام في مكان، ويكون متكلماً بمعنى: أنه يخلق الكلام، وهذا من أبطل الباطل أن يوصف بشيء ليس من صفاته، ولو كان الأمر هكذا لاقتضى أن يوصف بأنه الآكل الشارب تعالى الله وتقدس؛ لأنه يخلق الأكل والشرب في الآكلين والشاربين، وإنما الصفة تكون لمن صدرت منه ولمن لزمته.
والكلام صفة فعل وقد يكون صفة ذات، وصفات الأفعال تتعلق بالمشيئة بحيث أنه إذا شاء فعلها وإذا لم يشأ فعلها لم يفعلها، فهي متعلقة بمشيئته، وهذا من الكمال، فالكلام والنزول والاستواء والخلق والرزق وغير ذلك من أفعاله يسميها المتكلمون حوادث ثم ينفونها عن الله، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.
стр. 279
سبب ضلال المتكلمين
ومعلوم أن سبب ضلالهم أنهم قاسوا على أنفسهم، فهم أولاً نظروا إلى أنفسهم، ثم استدلوا بأنفسهم على وجود الله، فقالوا: إن الموجودات لا تخرج عن كونها أعراض وجواهر.
فالجوهر: هو الشيء الذي يقوم بنفسه أو الشيء الذي يشغل مكاناً أو يرى ويلمس ويحس ويشاهد هذا قسم.
القسم الثاني: العرَض، والعرض هو اللون أو الصفة أو الكلام وما أشبه ذلك، والعرض لا يقوم إلا بغيره، فلا يمكن أن تجد كلاماً بدون متكلم، ولا علماً بلا عالم، ولا جهلاً بلا جاهل يقوم به، ولا لوناً من غير من يقوم به اللون وهكذا، فالأمور -عندهم- لا تخلوا عن هذه الأشياء، فهذا في كل المشاهدات وفي كل المخلوقات، ثم لما ذهبوا إلى الله جل وعلا والنظر فيه فقالوا: لا يجوز أن يكون مماثلاً للمخلوقات فلا يجوز أن يكون جوهراً ولا عرضاً فصاروا ينفون الصفات على هذا الأساس على أساس التشبيه أولاً ثم التعطيل ثانياً، ومعلوم أن هذا رأي وأفكار لا تجدي من الحق شيئاً، وإنما يجب إن يرجع إلى الوحي الذي أنزله الله جل وعلا واصفاً به نفسه، وكذلك أنزله على رسله يخبر ويعرف عباد الله بالله جل وعلا.
ثم قوله: (منه بدأ وإليه يعود) معناه: أنه ظهر من الله يعني: قاله قولاً حقيقياً سمعه جبريل ﵇ وجاء به وألقاه على محمد ﷺ وسمعه منه، ثم الصحابة سمعوه من رسول الله ﷺ ، ثم الأمة تلقته بعضها عن بعض.
стр. 280
معنى قوله في القرآن: (وإليه يعود)
وأما قوله: (وإليه يعود) فيحتمل أمرين: الأول: أنه يعود إليه في آخر الزمان، كما جاءت الآثار في ذلك بأنه يرفع من الأرض فلا يبقى في الأرض منه حرف واحد، وهذا من علامات قيام الساعة الكبار؛ وذلك إذا ترك العمل به وعطل، واعتاظ الناس عنه بالقوانين الوضعية والآراء الفاسدة، فإنه يسرى عليه في ليلة واحدة فيسحب من المصاحف، فتبقى بيضاء ليس فيها شيء، وليس فيها حرف واحد، ويسحب من صدور الرجال الذين يحفظونه، فيصبح أهل الأرض لا يعرفون حرفاً واحداً من القرآن، وهذا إيذان بهلاك الناس؛ ولهذا جاء في صحيح مسلم: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق) وفي رواية: (حتى لا يقال في الأرض الله الله) يعني: أنهم لا يعبدون الله ولا يذكرونه.
المعنى الثاني: أنه إليه يعود صفة، فخرج منه قولاً وإليه يعود صفةً يعني: يوصف به فهو من صفاته، وكلا المعنيين صحيح، وسواءً قلنا هذا أو هذا فكليهما صحيح.
قوله: (وأن الله تكلم به حقيقة) يعني: على ظاهر ما يعرف من لغة العرب، ومعلوم الكلام لا يعقل إلا إذا كان كلاماً يتكلم به وينطق ويسمع، وقد تكاثرت النصوص على هذا حتى جاء النداء فيخبر الله جل وعلا أنه نادى الأبوين آدم وزوجه لما عصيا واقترفا المعصية: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف:٢٢] وبإجماع أهل اللغة بل أهل اللغات: أن النداء لا بد أن يكون بحروف وصوت يسمع؛ لأن النداء لمن بعد -كما سبق- بخلاف المناجاة فإنها لمن قرب، وجاء في القرآن ذكر النداء وأن الله ينادي، في أحدى عشر موضعاً، في سورة القصص أربعة مواضع منها.
стр. 281
الرد على من قال: إن القرآن كلام الرسول
قوله: (وأن هذا القرآن الذي أنزله على محمد ﷺ هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره) يقصد بهذا: الرد على الذين قالوا: إنه قول الرسول وتعللوا أو تشبثوا بقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة:٤٠-٤٢] وبقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:١٩-٢١] ولم تأت إضافته إلى الرسول في القرآن إلا في هاتين الآيتين، فتعلق بذلك أهل البدع، وقالوا: هذا دليلنا على أنه قول الرسول بمعنى أن الرسول هو الذي تكلم به وعبر به عما في نفس الله تعالى وتقدس، وأما الكلام الذي يوصف الله جل وعلا به فهو المعنى القائم بنفسه، وهذا قول الأشاعرة والكلابية، والكلابية إمامهم عبد الله بن سعيد بن كلاب وهو قبل الأشعري بل هو شيخه وإن لم يتلق عنه، لكنه أخذ عنه المذهب فيما بعد فقال: إن القرآن حكاية عن كلام الله، فجاء الأشعري وقال: بل عبارة عن كلام الله، وذلك أن المحكي يحاكي ما حكي عنه يعني: يماثله، بخلاف العبارة فإنها لا تماثله، وهو خلاف في الألفاظ، وكله باطل وخلاف الحق، واستدلوا بهذه الآية، وهذه الآية تدل على بطلان قولهم، وذلك أنه قال: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) فجعله قول رسول، والرسول معلوم أنه مرسل يأتي برسالة فليس قوله ابتداء، وإنما هو قول مرسله الذي جاء برسالته، كما أن في آية الحاقة جعله من قول الرسول البشري محمد ﷺ ، وفي آية التكوير جعله قول الرسول الملكي الذي هو جبريل، ومعلوم أن وصفه بأنه قول واحد منهما ابتداءً ينافي أن يكون قول الآخر، فدل هذا على أنه أضيف إليهما؛ لأنهما مبلغان له عن الله جل وعلا وذلك لا يخالف كونه كلام الله جل وعلا كما قال جل وعلا: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣] وأخبر أنه كلامه: (يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ) ، (وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ) ومعلوم أنه يسمع كلام الله من المبلغ لا من الله.
هذا معنى قوله: (وأن الله تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن الذي أنزله على محمد ﷺ هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره) .
стр. 282
لا يجوز أن يقال: القرآن عبارة عن كلام الله أو حكاية عن كلام الله
ثم قال: (لا يجوز إطلاق القول بأنه حكايةً عن كلام الله) كما هو قول: الكلابية (ولا عبارة) كما هو قول: الأشعرية، ومعلوم أن العالم الإسلامي اليوم وقبل اليوم أكثره أشاعرة أو ماتريدية، وكل مذهب من المذهبين على نسق واحد لا اختلاف بينهما في هذه المسألة، وليس المقصود بالعالم الإسلامي عوام الناس؛ لأن عوام الناس على الفطرة، إلا إن تغيرت فطرهم، ولكن المقصود العلماء الذين يتلقون عقائدهم من كلام المتكلمين وكتب الضالين في هذا، فأصبحوا يفسدون فطرهم بالتعلم من هذه الكتب، وأن الله لا يتكلم، تعالى الله وتقدس.
стр. 283
أقسام الكلام عند الأشاعرة
والكلام عند الأشاعرة ينقسم إلى قسمين: كلام لفظي، وهذا الكلام اللفظي هو الذي يكون مشتملاً على الحروف والأصوات فهذا لا يجوز أن يوصف الله جل وعلا به، بل هذا يكون مخلوقاً، وقد صرح بذلك الجويني وغيره من أئمتهم، أما كثير منهم فإنه يداري في ذلك ولا يصرح إلا لمن يثق به وهذا دليل على بطلانه حيث لا يفوهون به، ولا يذكرونه عند عوام المؤمنين خوفاً من إنكارهم عليهم.
القسم الثاني: كلام نفسي يعني: يكون مستكناً في النفس، وهذا الذي يصفون الله جل وعلا به، ويقولون: هو معنىً واحد لا يتجزأ يقوم بذات الله جل وعلا، وهذا المعنى الواحد سواءً كان توراة، أو إنجيلاً، أو قرآناً، أو زبوراً، أو غير ذلك، فإذا جاء المعبر الذي يعبر عن هذا المعنى الواحد فإن عبر عنه باللغة العربية سمي قرآناً! وإن عبر عنه بالعبرية سمي توراة! وإن عبر بالسريانية سمي إنجيلاً! وهكذا، فهو معنى واحد، فقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] هو عين قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] ، وكذلك آية الكرسي، وما أشبه ذلك، وهذا من أمحل المحال، وأبطل الباطل، وتصور ذلك يكفي عن تكلف رده؛ لظهور بطلانه، فكل أحد يدرك بطلانه إذا سلم من الانحراف ومن التقليد الأعمى.
ثم إنه لا فرق بين كتاب الله وكلام الله، فإن بعض أهل البدع يفرق بين هذا، فكلام الله يجعلونه صفة وهو ما قام بالنفس، أما كتاب الله يجعلونه مخلوقاً تعالى الله وتقدس، فإذا قيل: كتاب الله وكلام الله فالمعنى واحد عند أهل الحق وهو الذي دلت عليه النصوص.
стр. 284
دليل الأشاعرة على تقسيمهم للكلام
ثم إن هؤلاء ليس لهم دليل يستدلون به في هذا التقسيم، وإنما من العجائب التي يعجب لها العاقل كونهم يستدلون ببيت لا يدرى من قائله ينسب إلى الأخطل النصراني: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان عليه دليلاً وهل يكون هذا دليلاً؟! مع أن النصارى قد ضلوا في مسألة الكلام، والمقصود أن هؤلاء المبطلين خالفوا كتاب الله وخالفوا العقل والفطر.
والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 285
الأسئلة
следующие страницы →