Полный текст (524 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
الرد على من قال: إن القرآن كلام الرسول
قوله: (وأن هذا القرآن الذي أنزله على محمد ﷺ هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره) يقصد بهذا: الرد على الذين قالوا: إنه قول الرسول وتعللوا أو تشبثوا بقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة:٤٠-٤٢] وبقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:١٩-٢١] ولم تأت إضافته إلى الرسول في القرآن إلا في هاتين الآيتين، فتعلق بذلك أهل البدع، وقالوا: هذا دليلنا على أنه قول الرسول بمعنى أن الرسول هو الذي تكلم به وعبر به عما في نفس الله تعالى وتقدس، وأما الكلام الذي يوصف الله جل وعلا به فهو المعنى القائم بنفسه، وهذا قول الأشاعرة والكلابية، والكلابية إمامهم عبد الله بن سعيد بن كلاب وهو قبل الأشعري بل هو شيخه وإن لم يتلق عنه، لكنه أخذ عنه المذهب فيما بعد فقال: إن القرآن حكاية عن كلام الله، فجاء الأشعري وقال: بل عبارة عن كلام الله، وذلك أن المحكي يحاكي ما حكي عنه يعني: يماثله، بخلاف العبارة فإنها لا تماثله، وهو خلاف في الألفاظ، وكله باطل وخلاف الحق، واستدلوا بهذه الآية، وهذه الآية تدل على بطلان قولهم، وذلك أنه قال: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) فجعله قول رسول، والرسول معلوم أنه مرسل يأتي برسالة فليس قوله ابتداء، وإنما هو قول مرسله الذي جاء برسالته، كما أن في آية الحاقة جعله من قول الرسول البشري محمد ﷺ ، وفي آية التكوير جعله قول الرسول الملكي الذي هو جبريل، ومعلوم أن وصفه بأنه قول واحد منهما ابتداءً ينافي أن يكون قول الآخر، فدل هذا على أنه أضيف إليهما؛ لأنهما مبلغان له عن الله جل وعلا وذلك لا يخالف كونه كلام الله جل وعلا كما قال جل وعلا: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣] وأخبر أنه كلامه: (يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ) ، (وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ) ومعلوم أنه يسمع كلام الله من المبلغ لا من الله.
هذا معنى قوله: (وأن الله تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن الذي أنزله على محمد ﷺ هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره) .
стр. 282
لا يجوز أن يقال: القرآن عبارة عن كلام الله أو حكاية عن كلام الله
ثم قال: (لا يجوز إطلاق القول بأنه حكايةً عن كلام الله) كما هو قول: الكلابية (ولا عبارة) كما هو قول: الأشعرية، ومعلوم أن العالم الإسلامي اليوم وقبل اليوم أكثره أشاعرة أو ماتريدية، وكل مذهب من المذهبين على نسق واحد لا اختلاف بينهما في هذه المسألة، وليس المقصود بالعالم الإسلامي عوام الناس؛ لأن عوام الناس على الفطرة، إلا إن تغيرت فطرهم، ولكن المقصود العلماء الذين يتلقون عقائدهم من كلام المتكلمين وكتب الضالين في هذا، فأصبحوا يفسدون فطرهم بالتعلم من هذه الكتب، وأن الله لا يتكلم، تعالى الله وتقدس.
стр. 283
أقسام الكلام عند الأشاعرة
والكلام عند الأشاعرة ينقسم إلى قسمين: كلام لفظي، وهذا الكلام اللفظي هو الذي يكون مشتملاً على الحروف والأصوات فهذا لا يجوز أن يوصف الله جل وعلا به، بل هذا يكون مخلوقاً، وقد صرح بذلك الجويني وغيره من أئمتهم، أما كثير منهم فإنه يداري في ذلك ولا يصرح إلا لمن يثق به وهذا دليل على بطلانه حيث لا يفوهون به، ولا يذكرونه عند عوام المؤمنين خوفاً من إنكارهم عليهم.
القسم الثاني: كلام نفسي يعني: يكون مستكناً في النفس، وهذا الذي يصفون الله جل وعلا به، ويقولون: هو معنىً واحد لا يتجزأ يقوم بذات الله جل وعلا، وهذا المعنى الواحد سواءً كان توراة، أو إنجيلاً، أو قرآناً، أو زبوراً، أو غير ذلك، فإذا جاء المعبر الذي يعبر عن هذا المعنى الواحد فإن عبر عنه باللغة العربية سمي قرآناً! وإن عبر عنه بالعبرية سمي توراة! وإن عبر بالسريانية سمي إنجيلاً! وهكذا، فهو معنى واحد، فقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] هو عين قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] ، وكذلك آية الكرسي، وما أشبه ذلك، وهذا من أمحل المحال، وأبطل الباطل، وتصور ذلك يكفي عن تكلف رده؛ لظهور بطلانه، فكل أحد يدرك بطلانه إذا سلم من الانحراف ومن التقليد الأعمى.
ثم إنه لا فرق بين كتاب الله وكلام الله، فإن بعض أهل البدع يفرق بين هذا، فكلام الله يجعلونه صفة وهو ما قام بالنفس، أما كتاب الله يجعلونه مخلوقاً تعالى الله وتقدس، فإذا قيل: كتاب الله وكلام الله فالمعنى واحد عند أهل الحق وهو الذي دلت عليه النصوص.
стр. 284
دليل الأشاعرة على تقسيمهم للكلام
ثم إن هؤلاء ليس لهم دليل يستدلون به في هذا التقسيم، وإنما من العجائب التي يعجب لها العاقل كونهم يستدلون ببيت لا يدرى من قائله ينسب إلى الأخطل النصراني: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان عليه دليلاً وهل يكون هذا دليلاً؟! مع أن النصارى قد ضلوا في مسألة الكلام، والمقصود أن هؤلاء المبطلين خالفوا كتاب الله وخالفوا العقل والفطر.
والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 285
الأسئلة
стр. 286
الأشاعرة ليسوا من أهل السنة
السؤال
هل الأشاعرة من أهل السنة؟ وهل إطلاق التسمية (الأشاعرة) صحيح مع أن أبا الحسن الأشعري قد عاد إلى عقيدة أهل السنة الجماعة؟
الجواب
الأشاعرة ليسوا من أهل السنة، ولا يجوز الانتساب إلى الأشعري، فالانتساب إليه بدعة من البدع، ومن انتسب إليه واعتز بذلك فهو قد اعتز ببدع، ولكنهم من أقرب أهل البدع إلى السنة في كثير من المسائل، وليس كل المسائل بل في كثير منها، إلا أنهم في مقابل الشيعة يدخلون في أهل السنة، إذا قيل الشيعة والسنة؛ بل يدخل في ذلك حتى المعتزلة، ولكن هذا بالنظر إلى اصطلاحهم هم.
ثم إن أبا الحسن الأشعري ما رجع إلى أهل السنة الرجوع الكامل، بل بقي عنده من مسائل الكلام الشيء الكثير الذي خالف فيه أهل السنة، ولهذا من نظر في كتبه تبين له ذلك، مثل: رسالته إلى أهل الثغر، ويقال: إن هذه من آخر ما كتب، وفيها مخالفات كثيرة لمذهب أهل السنة وغير ذلك.
стр. 287
معنى قولهم: كلام الله قديم النوع حادث الآحاد
السؤال
ما معنى قولهم: كلام الله قديم النوع حادث الآحاد؟
الجواب
معنى هذا: أنه صفة ذات وصفة فعل -وكثير من الصفات كذلك- والمراد: أن نوع الكلام أزلي يعني: أن الله لم يزل متكلماً، وآحاده: التي يكلم بها رسله وعباده، وكذلك يكلم خلقه يوم القيامة، ويكلم أهل الجنة، ويكلم الملائكة فكل كلام كلم به نبياً أو ملكاً أو تكلم به فأنزله فهو آحاد من آحاد الكلام، يعني: بعض الكلام، ومعنى ذلك أنه يتجدد، وليس معنى ذلك أنه تكلم -كما قال الكلابية- في الأزل ثم أصبح لا يتكلم! تعالى الله وتقدس؛ ولذلك قال أهل السنة: كلام الله قديم النوع متجدد الآحاد، وبعضهم تحاشى أن يقول: حادث، لئلا يفهم الحدوث وهو الخلق، مع أن هذا جاء ذكره في القرآن: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء:٢] ، فيقول جل وعلا: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ [الطلاق:١] ، ويقول الرسول ﷺ : (إن الله يحدث في أمره ما يشاء، وإن مما أحدث ألا تتكلموا في الصلاة) .
стр. 288
حكم من أنكر الصفات
السؤال
هل منكر الصفات، أو صفة من صفات الله يكون كافراً مطلقاً؟
الجواب
لا يلزم ذلك، فالمنكر قد يكون مجتهداً، وقد يكون تلقى هذا عن مشايخه بنية طيبة وحسن قصد، ويرى أن هذا هو الصواب، كطريقة أكثر الأشاعرة وغيرهم، فمثل هذا لا يجوز تضليله فضلاً عن تكفيره، بل نقول: إنه مجتهد مخطئ والله يثيبه على اجتهاده ويغفر خطأه، وقد وقع في مثل هذا كثير من العلماء: مثل النووي ﵀ والبيهقي والخطابي رحم الله الجميع، وغيرهم من العلماء الكبار وأئمة المسلمين، فيجب أن يترحم عليهم ويترضى عنهم، ويعلم أنهم قالوا هذا القول مجتهدين؛ لأن البيئة التي نشئوا فيها والعلماء الذين أخذوا عنهم هم الذين وجهوهم هذا التوجه، وذكروا لهم أن هذه هي معاني الكلام، واستبعدوا أن يكون هذا خطأ، فاجتهدوا وأخطئوا، فهم مجتهدون مخطئون.
стр. 289
معنى (جعل) في القرآن الكريم
السؤال
يستدل الذين يقولون بخلق القرآن بأن جعل تأتي بمعنى خلق فكيف يرد على هذه الشبهة؟
الجواب
جعل إذا جاءت بمعنى خلق فهي تتعدى إلى مفعول واحد، كقوله جل وعلا: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١] أما إذا كانت بمعنى قال، أو اعتقد، أو علم فإنها تكون متعدية إلى مفعولين، فورودها في القرآن ليس على نمط واحد، فقد قال الله جل وعلا: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ [النحل:٩١] فهل يجوز أن نقول: وقد خلقتم الله؟! وقد جاء في آيات كثيرة أن الجعل يكون من الإنسان ويكون من الله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ [الزخرف:٣] فهذا تعدى إلى مفعولين، يعني: أنه أنزله قرآناً عربياً أو قاله قولاً عربياً.
стр. 290
هل الجلوس من صفات الله ؟
السؤال
هل الاستواء بمعنى الجلوس أي: هل يوصف الله وتنزه بالجالس؟
الجواب
لا يجوز أن يوصف الله جل وعلا إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، هذه القاعدة يجب أن تكون عند الإنسان دائماً فكل وصف أو فعل لم يصح به نص لا يجوز إثباته وهذا ما صح به شيء.
стр. 291
كلام الله لنبيه محمد ﷺ ليلة المعراج
السؤال
هل سمع الرسول ﷺ كلام الله عندما عرج به إلى السماء؟
الجواب
اختلف العلماء في ذلك، والقول الصواب: أنه سمع كلام الله، فقد فرض عليه خمسين صلاة، وكان يكلمه في ذلك، وصار يتردد من السماء السابعة إلى المكان الذي كلمه الله فيه: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١٤] بين موسى وبين هذا المكان، يرجع إلى هذا المكان فيكلمه الله ويسأله التخفيف عدة مرات، والشيء الذي فرض عليه هو الصلاة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 292
شرح العقيدة الواسطية [١٧]
من الإيمان بالله وكتبه: الإيمان بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة، فالكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئاً، لا إلى من قاله مؤدياً مبلغاً، وهو كلام الله حروفه ومعانيه.
стр. 293
الجواب عن شبه المنكرين للكلام
يقول الشارح ﵀: [ومن الإيمان بالله وكتبه: الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأن الله تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن الذي أنزله على محمد ﷺ هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره، ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة، بل إذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقة، فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئاً لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً، وهو كلام الله حروفه ومعانيه؛ ليس كلام الله الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف.
] .
стр. 294
مذهب الأشاعرة والماتريدية في الكلام
من المعلوم أن الإيمان بالله جل وعلا يدخل فيه الإيمان بجميع صفاته، ومن صفاته تعالى أنه يتكلم، وكلامه جل وعلا يتعلق بمشيئته، أعني: أنه إذا شاء تكلم، وإذا لم يشأ لم يتكلم، وهذا هو الكمال.
وقد اختلف الناس كثيراً في مسألة الكلام كما سبق الإشارة إلى ذلك في الدرس السابق، وقد بقي في مسألة الكلام بعض الشبه التي ذكرها أهل البدع، ومنعتهم من القول بأن الله جل وعلا يتكلم حقيقة، وقبل أن نذكر بعضها نذكر أصلاً تفرقوا عنه كلهم، وهو الذي انحرفوا بسببه، وتركوا ما جاء به الرسول ﷺ .
وهو أنه ارتسم في أذهانهم أولاً: أن الصفات التي يتعرف الله جل وعلا بها إلى خلقه من جنس ما يتعارفون، سواء صفات الأفعال أو صفات الذات، فصاروا ينفون هذا الذي علق في أذهانهم إلى أن صاروا إلى التعطيل، غير أن بعضهم لما كانت النصوص في كثير من الصفات جلية واضحة، لم يستطع أن يردها رداً كلياً، فصار إلى التأويل الذي هو في الحقيقة تحريف وليس تأويلاً.
فانقسموا على هذا الأساس إلى أقسام، ولكن من هؤلاء الطوائف من انقرض إلى غير رجعة -بإذن الله- وانتهى، وصار الكلام معهم لا فائدة فيه، بل صاحب البدعة إذا كان له بدعة يجب أن لا تذكر؛ حتى لا تعلق في أذهان الناس، بل ينبغي أن تنسى وتمات.
ومنهم من هو موجود يكتب في بدعته، ويزعم أنه على الحق، وهؤلاء كثيرون وليسوا قلة، ومن هؤلاء الأشاعرة والماتريدية، فإنهم منتشرون في جميع بلاد المسلمين، والكتب في مذهبهم كثيرة جداً، وهؤلاء يثبتون لله جل وعلا سبع صفات، وهي: الحياة، والسمع، والبصر، والعلم، والقدرة، والكلام، والإرادة، ويسمونها الصفات المعنوية، ويقولون: إن نصوص السمع والعقل تضافرت عليها.
وليس إثبات هذه الصفات دون الأخرى له معنى، ولكن هكذا أداهم اجتهادهم إلى إثبات هذه السبع، والحقيقة أنهم لا يثبتون هذه الصفات.
فمن تلك الصفات السبع: الكلام، وهو عندهم واحد قائم بالرب جل وعلا.
وعلى الإنسان أن يفكر في هذا التعريف، فإن كل كلمة منه وضعت عن تبصر وإرادة، ولهذا قسموا الكلام إلى قسمين: كلام يكون في النفس وهو: المعنى القائم بالنفس أو بالذات، وكلام ينطق به ويكون بالحرف والصوت، وهذا الثاني ممتنع أن يكون الله جل وعلا متصفاً به، فلا يجوز عندهم أن يكون كلام الرب جل وعلا متصفاً بأنه يسمع، ولا أن يكون بحروف.
وإنما يمكن أن يمثل كلام الله جل وعلا بما إذا كان هناك إنسان لا يقدر على الكلام، وعنده من يفهم ما في نفسه، بواسطة أحوال تجري أو لكثرة ما ينظر إليه، فيعبر عما في نفسه، فيقول: إنه يقول كذا وكذا، وهنا نسأل عن أيهما أكمل: الذي تكلم عما في نفسه، أم الذي نقل كلامه الذي في نفسه؟ من المعلوم أن الله جل وعلا عاب على الكفار أنهم يعبدون ما لا يكلمهم، ولا يرد عليهم جواباً إذا كلموه.
стр. 295
شبهة مؤولة الكلام في آية الحاقة
وهنا نقول: ما الذي جر هؤلاء إلى هذا النقص الذي وصفوا به رب العالمين تعالى الله وتقدس؟
و
الجواب
أن السبب في ذلك أنهم تعلقوا بآيات من كتاب الله، وقد بينا أن تعلقهم بها لا وجه له، وهي قوله جل وعلا: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠] ، في سورتين من القرآن: سورة الحاقة وسورة التكوير، يقول جل وعلا في سورة الحاقة: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة:٤٠-٤٧] ، فهذا كله في الرسول ﷺ ، وواضح جداً أن المقصود بهذا: الرسول البشري محمد ﷺ ، وواضح أيضاً أن قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠] معناه: أنه مبلغ له، فهو قوله تبليغاً، حيث بلغه عن مرسله، وإلا لو كان قاله عن نفسه لما صح أن يقال: إنه قول رسول، ولقيل: إنه قول بشر.
ومعلوم أن الله توعد الذي قال ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] ، بأن يصليه سقر، فما الفرق بين من قال هذا الذي ذكره الله جل وعلا في سورة المدثر، وبين قول هؤلاء القوم الذين يقولون: إنه قول الرسول؟! لا فرق.
وأيضاً: فإنه قال: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة:٨٠] ، فكيف يقال: إنه قول رسول، والله جل وعلا يقول: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة:٨٠] ؟! ثم يقول: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة:٤٤] ، والتقول هو أن ينسب القول إلى غير قائله، ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة:٤٥] ، ومعنى هذا الكلام: لأخذنا منه أخذاً قوياً شديداً؛ لأن اللغة العربية فيها أن الأخذ باليمين أقوى من الأخذ بالشمال، وهذا حسب المتعارف بين البشر، وإلا فالله جل وعلا أخذه أخذ لا يشبه أخذ المخلوق، ولكنه يخاطب الناس باللغة التي يفهمونها ويعرفونها؛ فدل هذا على أن الأخذ يكون بقوة وشدة، قال: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٦] ، وهذا معناه الهلاك.
стр. 296
شبهة مؤولة الكلام في آية التكوير
أما في السورة الأخرى فإنه قال جل وعلا: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:١٩-٢١] أي: مطاع هناك عند ذي العرش مؤتمن، وهذه صفة جبريل، وهو الرسول الملك الذي سمعه من الله، وجاء به، وألقاه على محمد ﷺ .
وواضح جداً أن المقصود بالإضافة إليه إضافة التبليغ، وليست إضافة الإنشاء والابتداء، ولو كان كذلك لما صح أن يقال: إنه رسول كما سبق، فبهذا يتبين أن التعلق بهاتين الآيتين لهؤلاء أضعف من المتعلق بخيوط العنكبوت، بل فيهما رد على باطلهم هذا.
стр. 297
شبهة مؤولة الكلام أنه لا يكون إلا بلسان وشفتين
أما الشبه التي يصح أن نقول: إنهم غبروا بها في وجه الحق، أي: مجرد غبار فقط، وإلا فإنها لا تؤثر على أهل الحق في شيء ولا تنطلي عليهم، ولكن بعض الناس قد يخفى عليه خلط الباطل ولبسه بشيء من الحق، فيحتاج إلى كشف ذلك وإيضاحه، فتلك الشبه مبناها على الأصل الذي ذكرنا، وهو أن التشبيه ارتسم في أذهانهم أولاً، فصاروا على أساس هذا التشبيه ينفون الصفات التي يتصف الله جل وعلا بها.
فقالوا مثلاً: نحن نعرف أنه لا يحصل الكلام إلا بلسان وشفتين ولهاة وحنجرة وأحبال صوتية والله منزه عن ذلك.
ونحن نقول: هذا في حق البشر، فكيف يكون علة لمنع كلام رب العالمين؟! وهذا دليل على أنهم شبهوا أولاً، فأرادوا أن ينفوا صفة الرب جل وعلا على أساس هذا التشبيه، وهم لم ينطقوا أنهم شبهوا بل يقولون: نحن أبعد الناس عن التشبيه، ولكن الواقع أن الذي حملهم على التعطيل والتأويل الباطل هو التشبيه المستكن في نفوسهم، وإلا فكيف ينفى كلام الله جل وعلا على أساس أن الكلام المتعارف عليه هو ما كان في اللسان والشفتين إلى آخره، وقالوا: إذا أثبتنا الكلام فإنه يلزم منه أن نثبت هذه الأشياء لله تعالى.
وهذا من أبطل الباطل، لأن الله جل وعلا ليس كمثله شيء في ذاته، كما قال جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] ، فهذه الآيات كلها تبطل هذا الزعم، هذا من حيث الجملة.
стр. 298
وجود مخلوقات تتكلم بدون أدوات يبطل كلام المؤولين
أما من ناحية التفصيل فنقول لهؤلاء: لقد علم أن من المخلوق الضعيف ما ينطق ويتكلم بلا لسان ولا شفتين ولا لهاة ولا أدوات، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي، يقول: السلام عليك يا رسول الله!) فهل للحجر لسان أو لهاة؟! وصح أنه ﷺ كان يخطب على جذع نخلة يابس في هذا المسجد -مسجده صلوات الله وسلامه عليه- ثم صنع له منبر من الخشب فترك الجذع، فأول ما قام على المنبر يخطب صار الجذع يحن مثل حنين الناقة التي فقدت ولدها، حتى نزل من على المنبر والتزمه، يهدئه مثلما يُهدأ الصبي الذي يبكي عند ذهاب أمه، ثم قال ﷺ : (لو تركته لبقي يحن إلى يوم القيامة) .
وصح أنهم كانوا يسمعون تسبيح الطعام في يده ﷺ بلسان فصيح، وهو طعام يؤكل، فهل كان له لسان؟! ويقول جل وعلا: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] وهذا يشمل كل شيء، والصواب في هذا من أقوال المفسرين: أنه تسبيح بلسان المقال، وليس بلسان الحال كما يقوله بعضهم، فكل شيء يسبح لله جل وعلا تسبيحاً حقيقياً، لكن نحن لا نفقه لغة كثير من المخلوقات التي تسبح، ولا نسمعها أحياناً؛ كالطيور وغيرها.
وقد أخبرنا جل وعلا في آيات عدة أنه ينطق الجوارح، وأنها تتكلم يوم القيامة، وذلك أنه إذا كان يوم القيامة حشر الناس على ما ماتوا عليه: من جهل، ومن علم ومن كفر، ومن إيمان، ومن يقين، ومن شك، فكل من مات بعث على الحالة التي مات عليها، حتى الصفة الجسدية، فإذا كان يحلق لحيته بعث حليقاً، وإذا كان يعفيها بعث كذلك، وفي الحديث: (من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه) .
فإذا كان يوم القيامة فإن بعض أهل الضلال والجهل ينكرون ما في الصحف التي تقص أعمالهم، فبعضهم يقول: ظلمتني الملائكة فكتبوا علي ما لم أقل، وما لم أفعل، ولا أرضى إلا شاهداً من نفسي، فيختم على فيه، ويقال لجوارحه: تكلمي، فكل جارحة تتكلم بكلام فصيح، فاليد تقول: تناولت كذا وكذا، والرجل تقول: مشيت إلى كذا، وهكذا يقول جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت:٢٠] ، فالسمع والبصر والجلد والرجل واليد وغيرها؛ كلها تشهد بالشيء الذي كان يعمله الإنسان، ثم يعودون باللوم على جلودهم وأسماعهم وأبصارهم وأيديهم وأرجلهم: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢١-٢٣] .
стр. 299
تحدي الله للعرب لا يكون على ما في نفسه ولم يتكلم به
ثم يقال لهؤلاء الضلال الذين أثبتوا أن كلام الله هو الكلام النفسي: من المعلوم أن الله تحدى العرب وغير العرب أن يأتوا بمثل هذا القرآن ولو بسورة، وقد وقفوا عاجزين عن أن يأتوا بشيء، فهل يمكن أن يتحداهم الله بشيء في نفسه؟! هذا محال.
أما على قولهم فهذا لا حقيقة له؛ لأن هذا الكلام الذي يقرأ ويسمع قول البشر -أي: الرسول- الذي عبر عما في نفس الله تعالى الله وتقدس، فيكون معنى هذا أن هذا التحدي لا حقيقة له ولا معنى؛ لأن البشر جاءوا بمثله، فيكون هذا تكذيباً لله جل وعلا، وهذا من الكفر الصريح الواضح.
والأشياء التي تبطل هذا القول كثيرة جداً، ولكن يكفي هذا المقدار؛ لأن الذي يريد الحق وقد عرض عليه الحق الذي لا شبهة فيه، كفاه ذلك، أما الذي يريد الله جل وعلا فتنته فكثرة الأدلة لا تفيده شيئاً.
ومن هذا نعلم علماً يقينياً أن القرآن هو كلام الله حقيقة، كما قال شيخ الإسلام هنا: (حروفه ومعانيه) ، وليس كلام الله المعاني التي يقولها بعض أهل البدع، ولا الحروف التي قالها بعض أهل البدع، ومعلوم أنه إذا قيل كلام، فإنه يدخل فيه الحروف والمعاني، ولا يكون الكلام اسماً للحروف دون المعاني، ولا للمعاني دون الحروف.
وكذلك من المعلوم عند جميع العقلاء أن الكلام يضاف لمن قاله مبتدئاً، وليس للذي ينقله ويبلغه، فالناقل للكلام ليس هو المتكلم، وإنما هو ناقل لكلام غيره إلى من أمر بالإيصال إليه، وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] ؛ لأنه يسمع كلام الله من المبلغ الذي يبلغ، سواء كان الرسول ﷺ أو غيره من أفراد أمته.
وقد قيل: إنه يلزم من قولنا لوازم باطلة مثل ما سبق، وهناك شبه كثيرة في هذا فلا حاجة إلى ذكرها؛ لأنها مجرد شبه وضلال، والمسلم يجب عليه أن يؤمن بما جاء به الرسول ﷺ على ظاهره؛ لأنه كان مأموراً بالبلاغ، فما كان فيه شبهة أو شك أو لبس فلا يمكن أن يتركه رسول الله ﷺ بلا بيان؛ لأن الله جل وعلا يقول له: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧] ، ولهذا كانت هذه الآية دليلاً واضحاً على أن كل شيء لم يبلغه الرسول ﷺ فهو باطل، لا يجوز إثباته، سواء كان من العبادات أو من العقائد.
стр. 300
شرح العقيدة الواسطية [١٨]
لقد وصف الله تعالى نفسه في كتابه بصفات كريمة عليا تليق بجلاله، وكذلك وصفه بها رسوله ﷺ ، والإيمان بهذه الصفات يعتبر من تمام الإيمان بالله تعالى، وكتبه ورسله، إذ بين ذلك تلازم لا يخفى، ومن صفات الله التي يجب الإيمان بها: صفة الكلام، وأنه تعالى يرى يوم القيامة وفي الجنة.
стр. 301
إثبات رؤية المؤمنين لربهم
يقول المصنف ﵀: [وقد دخل أيضاً فيما ذكرناه من الإيمان به وبكتبه وبملائكته وبرسله، الإيمان بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة عياناً بأبصارهم كما يرون الشمس صحواً ليس دونها سحاب، وكما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته، يرونه سبحانه وهم في عرصات القيامة، ثم يرونه بعد دخول الجنة كما يشاء.
ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فيؤمنون بفتنة القبر وبعذاب القبر ونعيمه.
فأما الفتنة فإن الناس يمتحنون في قبورهم، فيقال للرجل: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] ، فيقول المؤمن: ربي الله، والإسلام ديني، ومحمد ﷺ نبيي.
وأما المرتاب فيقول: هاه هاه لا أدري! سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته؛ فيضرب بمرزبة من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق.
ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب إلى أن تقوم القيامة الكبرى، فتعاد الأرواح إلى الأجساد، وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ وأجمع عليها المسلمون] .
قوله: (وقد دخل أيضاً فيما ذكرناه من الإيمان به وبكتبه وبملائكته وبرسله الإيمان بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة عياناً بأبصارهم) .
أي: لأن هذا أمر جاء في الوحي الذي جاء به جبريل إلى محمد ﷺ ، فالإيمان به لازم لمن آمن بالله وباليوم الآخر، وقد تواترت الأحاديث في ذلك، والآيات ناطقة بهذا، يقول الله جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] ، ويقول جل وعلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] .
ويقول جل وعلا: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] ، في هذه الآية دليل على أن المؤمنين لا يحجبون عن ربهم وأنهم يرونه، وهو مفهوم جلي واضح.
وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] أي: بهية جميلة حسنة من النضرة والتنعم، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] أي: تنظر إلى ربها بأعينها.
فأضاف النظر إلى الوجه الذي فيه البصر بعدما ذكر أنها منعمة، فدل دلالة صريحة واضحة على أن المقصود النظر بالبصر، وليس يقصد غير هذا، فكل قول يكون على خلاف ذلك فهو تحريف للآية.
وقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] صح في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله جل وعلا) ، وهذا تفسير نبوي لا يجوز العدول عنه، فهو واضح وجلي، ولا عذر لمن خالفه، ولهذا السبب قال الإمامان أحمد وابن خزيمة وغيرهما من العلماء: إن من أنكر رؤية المؤمنين لربهم فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافراً مرتد؛ لأنه مكذب لصريح القرآن.
وقوله: (عياناً بأبصارهم) هذا التصريح لرد ما قال أهل البدع: إن النظر هو زيادة علم.
أو: إنه نظر إلى النعم أو إلى شيء آخر مما يجعله الله لهم، سواء أكان نعيماً أم غير نعيم.
وهذا من التحريف الظاهر البطلان، ومعلوم أن الذي أنكر الرؤية هم الخوارج والمعتزلة والرافضة وأشباههم من أهل البدع.
أما الأشاعرة فهم أثبتوا رؤية غير الرؤية التي أثبتها المؤمنون، والواقع أن إثباتهم يرجع إلى النفي وإلى الإنكار، وذلك لأنهم أنكروا علو الله وفوقيته، فقالوا: يرى لا في جهة, فضحك عليهم العقلاء في ذلك؛ لأن هذه رؤية غير معقولة وغير واقعة، فإذا كانت الرؤية بالبصر فلا بد أن يكون المرئي مقابلاً، ومعلوم بصريح العقل فإنه إذا كان المرئي رب العالمين، أنه يرى من فوق؛ لأنه لا يكون عن يمين ولا عن شمال ولا من تحت ولا من خلف ولا من أمام، بل من فوق، وقد جاءت النصوص صريحة بهذا، فكل من خالف ذلك فهو مبطل وهو من أهل البدع، لهذا قال المصنف: (عياناً بأبصارهم) لئلا يقال: إنها رؤية قلبية.
стр. 302
نفي رؤية الله تعالى في الدنيا
وقد اتفق العلماء على أن الله جل وعلا لا يرى في الدنيا، وإنما اختلفوا في مسألة واحدة، وهي: هل رأى النبي ﷺ ربه ليلة أسري به؟ والصواب أنه لم يره، والأحاديث صريحة في هذا، أما ما جاء من الأحاديث بأنه رآه فهي ضعيفة واهية أو موضوعة، وقد جاء صريحاً قوله: (رأيت نوراً) ، وقوله: (نور أنى أراه) ، وذلك حين سئل عن ذلك، فعلى هذا يكون الأمر واضحاً.
أما كليم الرحمن موسى ﵇ فقد سأل ربه الرؤية في الدنيا، فقال له جل وعلا: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] ، فنفى ذلك، ثم جعل له مثالاً لهذا، فقال: ﴿ولَكِن انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف:١٤٣] ، وإذا اندك الجبل فكيف يثبت الآدمي الضعيف لرؤية الله.
فالرؤية في هذه الدنيا ممكنة في العقل لكنها غير واقعة؛ لأن موسى ﵇ لا يسأل شيئاً مستحيلاً، لكنه منع لضعف البشر، أما إذا كان يوم القيامة فإنها تتم خلقته وتتم قواه، فيستطيع رؤية الله جل وعلا، ورؤية الله جل وعلا أعلى النعيم، فهي أفضل ما يعطى المؤمن، ولهذا سماها الله زيادة، أي: على ما في الجنة.
والأحاديث في هذا صريحة واضحة.
فأتى بقوله: (بأبصارهم) لئلا يقال: إنها رؤية قلبية.
وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ في قصة ابن صياد: (واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت) ، وهذا عام، وفي لفظ: (وتعلموا) ، وهو بمعنى: اعلموا.
فالذي يدعي أنه يرى ربه في الدنيا ضال مبطل، ويوجد من الصوفية أهل الطرق وأهل المجاهدات الباطلة من يزعم أنه يرى ربه، والواقع أنهم يرون شياطين تتمثل لهم، فيقول الشيطان لأحدهم: أنا ربك.
وتكون بين السماء والأرض على كراسي، وأحياناً يرون خيالاً يخيله لهم الشيطان، فالشيطان هو ربهم الذي يرونه؛ لأن هذا تكذيب لأحاديث رسول الله ﷺ ، ويلزم منه أن يكون هؤلاء أفضل من موسى ﵇، وهذا من أبطل الباطل.
وقوله: (كما يرون الشمس صحواً ليس دونها سحاب، وكما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته) هذا نص أحاديث رسول الله ﷺ ، فإنها جاءت بهذه الألفاظ، وهي ألفاظ واضحة جلية لو تكلف الإنسان البلاغة والفصاحة ليأتي بلفظ أوضح من هذا في إثبات الرؤية ما استطاع، فكلام رسول الله ﷺ أوضح شيء، فإنه قال لهم ذلك لما سألوه مرة، ومرة بدأهم هو ﷺ بغير سؤال فقال: (إنكم ترون ربكم كما ترون الشمس ضحى ليس دونها سحاب ولا قتر) ، وقال: (إنكم ترونه كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته) و (تضامون) جاء بالتخفيف والتشديد، فالأول من الضيم، والثاني من المضامة، والمعنى أن الرؤية واضحة لا يحتاج فيها إلى أن يقرب بعضكم من بعض حتى يساعده على رؤيته كما يكون ذلك في الأشياء الخفية، مثلما يصنع الناس عند رؤية الهلال أول الشهر، فمن كان قوي البصر يراه، ومن كان بصره أقل يأتي إليه حتى يساعده ويعين له المكان الذي هو فيه.
وقوله ﷺ : (كما ترون) الكاف كاف التشبيه، والتشبيه وقع للرؤية الواضحة الجلية وليس للمرئي تعالى الله وتقدس، والمعنى أن رؤيتكم لربكم تكون كرؤية الشيء الواضح الجلي، فهي مثل الشمس ومثل القمر في أتم ما يكون.
стр. 303
رؤية المنافقين لله تعالى في العرصات
قال رحمه الله تعالى: (يرونه سبحانه وهم في عرصات القيامة، ثم يرونه بعد دخول الجنة كما يشاء الله .
عرصة الدار: هي المتسع الذي يكون في الدار.
وعرصة البلد: الفناء الذي يكون فيه.
والمقصود بعرصات القيامة بعض المواقف، والقيامة لها مواقف يكون فيها مخاطبة ومحاسبة ووزن، فالله جل وعلا يراه المؤمنون في هذه العرصات.
أما الكافرون فهم محجوبون عنه لا يرونه، ولكن ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وحديث أبي سعيد الخدري ﵄ أن الله جل وعلا إذا جاء للفصل بين عباده وهم وقوف يخاطبهم خطاباً عاماً، فيقول جل وعلا: (أليس عدلاً مني أن أولي كل واحد منكم ما كان يتولاه في الدنيا؟ فيجيبون بـ (بلى) عند ذلك يؤتى بالمعبودات التي يعبدها الناس، فيقال: انظروا إلى معبوداتكم فتولوها واتبعوها) ، فمن كان يعبد أصناماً جاءت الأصنام، وكذلك من كان يعبد شجراً أو حجراً أو أي شيء من المعبودات، حتى الذين يعبدون الأنبياء يؤتى بشياطين على الصورة التي كانوا يتخيلون، فيقال: هذه معبوداتكم فاتبعوها.
فيذهب كل من كان يعبد غير الله، فيبقى المؤمنون من هذه الأمة وفيهم المنافقون، فيأتيهم الله جل وعلا ويظهر لهم فيرونه، فيقول: ماذا تنتظرون وقد ذهب الناس؟ فيقولون: إن لنا رباً ننتظره، وقد تركنا الناس أحوج ما كنا إليهم -أي: في الدنيا- فيقول لهم جل وعلا: أنا ربكم -وقد تنكر لهم- فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا.
فيقول: هل بينكم وبينه آية -أو قال: علامة-؟ فيقولون: نعم.
الساق.
فيكشف عن ساقه جل وعلا فيخر له كل مؤمن ساجداً ويبقى المنافق ظهره طبقة واحدة إذا أراد أن يسجد سقط على قفاه، فهذا معنى قول الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:٤٢-٤٣] .
وأما في الجنة فرؤية المؤمنين لربهم تختلف على اختلاف منازلهم، فمنهم من يرى ربه في اليوم مرتين، وليس في الجنة ليل أو نهار، ولكنهم يعرفون الأيام بعلامات يجعلها الله جل وعلا لهم، ولهذا جاء في حديث جرير: (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر ليس بينكم وبينه حجاب، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) يقول العلماء: الإشارة هنا إلى صلاة العصر وصلاة الفجر، وأن المحافظة على هاتين الصلاتين في الجماعة يكون جزاؤها الرؤية، وأنها تكون في أول النهار وفي آخر النهار، فبعضهم يراه جل وعلا في اليوم مرتين، وبعضهم لا يراه إلا يوم الجمعة فقط كما جاء في حديث أبي هريرة، وبعضهم يكون أقل من هذا أو أكثر على حسب درجاتهم.
وقوله: (كما يشاء) يعني أن الكيفية غير معلومة، وإنما يجب أن يعلم أنهم يرون وجهه.
стр. 304
الرد على شبهات منكري الرؤية
стр. 305
خطأ استدلال منكري الرؤية بآية (لن تراني) وآية نفي الإدراك
وما ذكره أهل البدع من قول الله جل وعلا: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] ، وأن هذا دليل على أن الله لا يرى، وكذلك قوله: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] ، وزعموا أن النفي في هذا مؤبد فيشمل يوم القيامة فذلك كذب على اللغة، وقد نص ابن مالك في الألفية على ذلك، فقال: ومن رأى النفي بلن مؤبداً فقوله اردد وسواه فاعضدا بل الآيتان تدلان على عكس ما استدلوا به، فالإدراك في قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] هو الإحاطة، ونفيه لا ينفي الرؤية، يوضحه ما جاء في قصة موسى مع فرعون، حيث سرى موسى ﵇ ببني إسرائيل من مصر، فاتجه إلى جهة البحر الأحمر حسب أمر ربه جل وعلا، فلما أصبح فرعون جمع جنوده فتبعهم، فلما تراءى الجمعان وصار آخر جمع بني إسرائيل يرى جمع فرعون والعكس قال أصحاب موسى لموسى ﵇: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] ، فنفى الإدراك مع ثبوت الرؤية والمعاينة، وهذا يدل على أن قوله: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) ليس معناه نفي الرؤية؛ لأن الإدراك هو الإحاطة، والله تعالى لا يحاط به، فهو أكبر من كل شيء وأعظم من كل شيء.
وأما قوله: (لن تراني) فهو دليل على الرؤية؛ لأن هذا كان في الدنيا، وقد علقت الرؤية على ثبوت الجبل، وثبوت الجبل ممكن، وإذ قد علقت على شيء ممكن فهي ممكنة، وهذا في الدنيا، أما في الآخرة فالأمر غير ذلك.
إذاً فمن عقائد أهل السنة التي يجب على المرء أن يعتقدها الإيمان برؤية الله جل وعلا في عرصات القيامة، وسبق أن العرصات هي الأماكن والمواقف التي يقفون فيها، والعرصة في اللغة: المكان الذي لا بناء فيه.
فهي المكان الواسع حول البيت أو حول البلد الذي لا بناء فيه.
وعرصات يوم القيامة مواقفه، ومعنى ذلك أن الرؤية تحصل للمؤمنين في عدة مواقف يوم القيامة، وكذلك يرونه في الجنة.
والرؤية التي تقع للمؤمنين يرونه في كلها من فوقهم كما صرحت الأحاديث بذلك، وهي أحاديث بلغت حد التواتر عن النبي ﷺ فيجب الإيمان بها، وهي تدل على الأمور الآتية: أولاً: على كلام الله جل وعلا لأنه يخاطبهم.
ثانياً: على أنه يرى تعالى وتقدس.
ثالثاً: على أنه عال على جميع خلقه.
وهذه الأمور الثلاثة يكذب بها الخوارج والمعتزلة والرافضة ونحوهم، ويكفرون من يعتقدها.
والواقع أن الذي ينكرها كافر بالله جل وعلا؛ لأنه مكذب لكتاب الله جل وعلا ولأحاديث رسوله ﷺ ، وخليق بمن ينكرها أن يحرم ذلك يوم القيامة.
стр. 306
بيان أن ما استدل به منكرو الرؤية يدل على خلاف قولهم
واستدلال المبطلين من الخوارج والمعتزلة بقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] ، فزعموا أن الإدراك هو الرؤية، فهو استدلال باطل كما تقدم؛ لأن الإدراك غير الرؤية؛ إذ تجتمع الرؤية ونفي الإدراك، ولهذا أخبر الله جل وعلا في قصة موسى مع قومه أنهم لما رأوا فرعونه وجنده قالوا له: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] ، فنفى موسى ذلك مع وجود الرؤية: ﴿قَال كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] ، وذلك لأن الله جل وعلا قال له: ﴿لا تَخَافُ دَرَكاً وَلا تَخْشَى﴾ [طه:٧٧] فنفى عنه الدرك، والدرك هو أن يهلك بالعدو أو بغيره.
فالمقصود أن الإدراك هو الإحاطة بالشيء من جميع جوانبه، والله سبحانه لا يدرك، فتجتمع الرؤية ونفي الإدراك في حقه، وذلك لأنه أكبر من كل شيء وأعظم من كل شيء، كما قال ابن عباس ﵁: إن الله يأخذ سماواته وأرضه بيده اليمنى فتكون كالخردلة في يد أحدكم وله المثل الأعلى تعالى وتقدس، فهو أكبر من كل شيء وأعظم من كل شيء، وخلقه حقيرون بالنسبة إليه، فلا يحيطون به ولا يدركونه، ولكن أولياءه من المؤمنين يرونه رؤية مواجهة جل وعلا.
وأما استدلالهم بقوله جل وعلا في قصة موسى أيضاً: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] فزعموا أن (لن) للنفي المؤبد فهذا، تحريف وكذب على اللغة العربية؛ فإن (لن) لا تدل على النفي المؤبد، ومع ذلك فالآية تدل على عكس ما استدلوا به من وجوه: الوجه الأول: أنه لا يمكن لكليم الله موسى ﵇ أن يسأل شيئاً مستحيلاً في العقل، فقد نزه الله أنبياءه عن أن يقعوا في مثل هذا الجهل.
الوجه الثاني: أن الرؤية علقت على شيء ممكن وهو استقرار الجبل فقال: ﴿انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] ، وإمكانية استقرار الجبل معقولة، ولكنه لم يقم لنور الله جل وعلا فتدكدك، فدل على أن الرؤية ممكنة.
الوجه الثالث: أن الله جل وعلا لم يقل له: إني لا أرى.
ولكن قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] ، وعلق ذلك بشيء ممكن حصوله فدل على أن المانع هو أن التركيب الخلقي في الدنيا ضعيف، وأنه لا يستطيع الرؤية على هذا التركيب الذي ركب به على أنه يموت، فإذا كان يوم القيامة يركب الإنسان تركيباً تاماً فيستطيع رؤية الله جل وعلا، وهناك أوجه أخرى ترد كلام هؤلاء المبطلين.
وقوله: (ثم يرونه بعد دخول الجنة كما يشاء الله ، يعني أن كيفية الرؤية غير معروفة، وإنما نؤمن بالرؤية كما أخبرنا بذلك ولا نبحث عن الكيفية، وهكذا كل صفات الله جل وعلا لا يبحث عن كيفيتها، أي: عن الحالة التي يكون عليها الرب جل وعلا في اتصافه، فهذه تستدعي المشاهدة والمشاهدة ممتنعة في الدنيا، وكذلك تستدعي أن يكون له مثيلٌ فيقاس عليه، وهو سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في أوصافه ولا في أفعاله، فتعين أن يكون كما يشاء الله جل وعلا، وأن تنقل الكيفية إلى علم الله تعالى.
стр. 307
الإيمان بما بعد الموت
ثم قال: (ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فيؤمنون بفتنة القبر وبعذاب القبر) .
الفتنة هي السؤال، وفتنة القبر سؤاله.
والمسائل التي جاء أن الميت يُسأل بها هي ثلاث مسائل، فيقال له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ أو: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ واللذان يسألانه هما منكر ونكير، وقد نص الإمام أحمد ﵀ على أن اسميهما كذلك؛ لما جاء في الأحاديث من ذلك، وجاء أنهم يأتيان بمنظر منكر مهول، وبأصوات مزعجة كالرعد القاصف أو كالصواعق، ومعهما مطرقة من حديد إذا ضُرب بها التهبت ناراً، فإذا رأى الإنسان هذا المنظر وسمع هذا الصوت فزع، فإن لم يثبته الله جل وعلا عجز عن أن يجيب، ولكن: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم:٢٧] في هذه الفتنة.
وقد علمنا رسول الله ﷺ كما يعلمنا السورة من القرآن أن نقول بعد الفراغ من الصلاة وقبل السلام: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) .
وجاء أنه قال: (أوحي ألي أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريباً من فتنة الدجال) وقد اختلف العلماء في سؤال القبر هل هو خاص بهذه الأمة أو أنه عام.
والصواب أنه عام للأمم كلها، فكل ميت يسأل.
والميت الذي يسأل هو الميت المكلف دون الأطفال الذين لم يكلفوا.
فالميت إن كان موقناً مؤمناً فإنه لا يتلعثم في الجواب، إلا من كان عنده بدع أو أمور يصر عليها من المعاصي التي لا تعلم، فهذا على خطر عظيم.
أما إن كان من أهل الشك والريب في اليوم الآخر فذلك هو المرتاب، وهو الذي يقول في
الجواب
هاه هاه.
لا أدري فيكون جوابه مطابقاً لحاله في الدنيا.
فهذه هي فتنة المسألة، وهي أول ما يقع للإنسان في قبره بعد دفنه، كما في الصحيحين أنه: (إذا دفن وولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيجلسانه، فيسألانه يقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ وما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فإن كان مؤمناً قال: ربي الله) الحديث، والمقصود بقولهما: (من ربك) ، أي: الذي رباك وأوجب عليك عبادته.
أي: من الذي كنت تعبده؟ لأن الرب يأتي بمعنى المعبود.
стр. 308
الأسئلة
стр. 309
إطلاق الإيمان على غير الإنسان مما يسبح بحمد ربه
السؤال
يقول الله : ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤] ، هل يجوز أن نطلق على هذه المخلوقات أنها مؤمنة بالله مع أنها غير مكلفة؟
الجواب
المخلوقات كلها مطيعة لله، ولكن لم يوضع فيها العقل والتكليف، بل جعل الله جل وعلا التكليف والعقل للجن والإنس، ولهذا خلقت لهم الجنة والنار، أما هذه المخلوقات فهي مطيعة لله جل وعلا خاضعة وتسبح بحمده حقيقة، ولهذا لما ذكر الله جل وعلا السجود أخبر أنه يسجد له من في السماوات والأرض، ثم قال: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج:١٨] ، فالاستثناء من الناس فقط، أما باقي المخلوقات فهي كلها منيبة طائعة قانتة.
وهذا يدل على أن الله خلق فيها الإحساس، ولهذا أخبر أنه عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، والذي جعله يحملها وصفه بأنه ظلوم جهول: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢] .
стр. 310
رؤية الكفار لربهم يوم القيامة
السؤال
هل الكفار يرون الله يوم القيامة بدليل قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة:٢١٠] ؟
الجواب
الكفار لا يرون الله جل وعلا، يقول الله جل وعلا: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ﴾ [المطففين:١٥-١٦] ، فالكفار محجوبون عن ربهم جل وعلا.
أما الإتيان المذكور في قوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ الله﴾ [البقرة:٢١٠] فهذا فيه التخويف بأنه سيأتي لحسابهم والأمر بهم إلى جهنم، أي أن الأمر ينتهي إلى هذا الإتيان، وأن ذلك ليس بعيداً بل هو قريب، فما بين الإنسان وبين ذلك إلا أن يموت، ثم يدخل بمنازل الآخرة.
стр. 311
الحديث القدسي من الله لفظاً ومعنى
السؤال
عرف الحديث القدسي بأن معناه من الله واللفظ من الرسول ﷺ ، وقد ذكرتم أن كلام الله يشمل الحروف والمعاني، فهل الحديث القدسي مخلوق؟
الجواب
الصواب في الحديث القدسي أن حروفه ومعناه من الله، ولكنه لم يُتعبد بتلاوته ولم يتحد به، فهو يفارق القرآن بأمور كثيرة همذان منها.
стр. 312
السؤال التفصيلي عن المعتقد في القبر
السؤال
هل يسأل الميت في قبره أسئلة تفصيلية عن عقيدته؟
الجواب
كل الأسئلة مجملة في هذه الثلاثة الأسئلة للكافر وغيره، ولكن الجواب هنا لا يكون إلا عن علم، ولا يفيد الإنسان أن يحفظ جواب المسألة ويرددها كما لو كان يختبر في الدنيا؛ لأنه لن يجيب إلا بما هو مستقر في قلبه مقتنع به.
стр. 313
معنى قوله تعالى: (لأخذنا منه باليمين)
السؤال
ذكرتم في معنى قول الله تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة:٤٥] أي: بقوة وشدة، أليس في ذلك تأويل؟
الجواب
ليس في هذا تأويل؛ لأن الذي يعين المقصود هو السياق والقرائن، ومثل ذلك قوله جل وعلا ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الحشر:٢] ، فنقول: أتاهم عذابه أو جنده.
وقوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل:٢٦] أي: أتى عذابه.
فالذي يحدد المعنى هو القرائن والسياق، ولا يجوز أن يؤخذ الكلام كله على وتيرة واحدة، فكلما جاء لفظه في أي سياق نقول: المقصود به الشيء الحقيقي.
فهذا لا يجوز.
стр. 314
رؤية الله في المنام
السؤال
هل من الممكن أن يرى الله في الرؤيا، أي في المنام؟
الجواب
هي رؤيا خيالية ليست حقيقة، فهي أمثال يضربها الملك بالنسبة للمخلوقين وبالنسبة للخالق جل وعلا، فإذا رأيت مخلوقاً وأنت في النوم فليس هو ذلك المخلوق وإنما هو مثال ضرب لك، ولكن لما كنت تعرف ذلك المخلوق ترددت في ذهنك رؤيته، فرأيته كأنه هو لمعرفتك إياه، وأما إذا وقعت الرؤيا في المنام لله جل وعلا فهذا يتبع إيمان الإنسان، فإذا كان إيمانه حسناً رأى صورة حسنة، ولهذا جاء في حديث الرسول ﷺ أنه قال: (رأيت ربي في أحسن صورة) أي: في المنام.
وذلك لأن إيمانه كان أحسن الإيمان فرأى أحسن الصور، أما غيره فلا يصل إيمانه إلى مثل إيمان الرسول ﷺ ، فهو يرى شيئاً يناسبه، وهذا المرئي ليس هو الله حقيقة، وإنما هو شيء خيل له ومثال ضرب له؛ لأن الرؤيا لها ملك موكل بها يضرب الأمثلة للأشياء إذا كانت الرؤيا حقاً، أما إذا كانت باطلاً فهي من الشيطان.
والرؤيا على أقسام ثلاثة: القسم الأول: قسم يكون من حديث النفس وما يزاوله الإنسان في حياته ومعيشته، وما يكثر التردد عليه ويتعلق قلبه به، فإذا نام رأى أنه يزاول هذه الأشياء، وهذا دليل على أن قلبه متعلق بهذه الأشياء، ويجب عليه أن يتوب ويجعل قلبه متعلقاً بالله جل وعلا، ولا يكون همه اللعب أو الدنيا أو غير ذلك، وهذا الذي كان يخافه السلف، يخافون إذا حضر الموت أن يموت الإنسان بهذه المثابة، فيموت وهو يهذي بالأمور التي يزاولها في الدنيا.
القسم الثاني: تلاعب الشيطان وتخويفه.
فإنه يتلاعب بكثير من الناس ويخوفهم ويأتي لهم بأمور تزعجهم، وقد يمنيهم بأشياء، فمثل هذا لا يجوز للإنسان أن يخبر به، وإذا رأى رؤيا من هذا النوع فعليه أن يصنع ما أمره الرسول ﷺ ، أن ينفث عن يساره ثلاثاً، ثم يتعوذ بالله من الشيطان، ثم يغير وضعه الذي كان عليه في النوم، فإذا كان على جنبه الأيمن انقلب على جنبه الأيسر، ثم لا يحدث بذلك أحداً فإنها لا تضره.
والقسم الثالث: هي الرؤيا الصادقة التي يضربها الملك للمؤمن بأمثال تتحقق، وهي مبشرات.
стр. 315
رؤية النبي لربه بقلبه في الدنيا
السؤال
ثبت أن النبي ﷺ لم ير ربه بأم عينه كما أشرتم، فهل رأى النبي ﷺ ربه بقلبه؟
الجواب
نعم.
رآه رؤية القلب؛ فإن إيمان الرسول ﷺ ليس كإيمان آحاد أمته، فإيمانه بالنسبة إلى غيره كاليقين الذي يزاول، فالرؤيا التي جاءت فسرت بهذا، كما صح عن ابن عباس أنه قال: رآه بفؤاده.
فإذا رآه بفؤاده فهذه ليست رؤيا حقيقية.
стр. 316
حكم الحلف بلفظ: ورب القرآن
السؤال
هل يجوز الحلف بهذا اللفظ: (ورب القرآن) ؟
الجواب
هذا لا يجوز؛ لأن القرآن ليس مربوباً، بل هو كلام الله، ولكن يجوز أن يقول: والقرآن.
أو: والمصحف.
لأن الذي يحلف به هو كلام الله، ومع ذلك فقد سبق أن قلت: إنه جاء عن ابن عباس وعن ابن مسعود ﵁ عنهما أن الذي يحلف بالقرآن ثم يخالف أنه يلزمه بكل حرفٍ كفارة، وذلك لأنه أمر عظيم.
وأما أن يقول: (ورب القرآن) فهذا لا يجوز؛ لأن المربوب مخلوق، والقرآن ليس مربوباً، بل هو صفة من صفات الله جل وعلا، ولا يجوز الحلف إلا بالله أو بصفة من صفاته.
стр. 317
المراد بلقاء الله الحاصل للمنافقين
السؤال
قول الله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٤] يدل على ثبوت الرؤية للمؤمنين، فإن كان يدل على الرؤية فكيف يجاب عن قول الله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة:٧٧] ، ومن المعلوم أن المنافقين لا يرون الله؟
الجواب
اللقاء هنا يقصد به الجزاء الذي يجزون به يوم القيامة، ويصح أن يقال لكل أحد: إنه سيلقى ربه.
أي: لقاء المحاسبة والجزاء، فيفسر بالحساب والجزاء الذي يحصل له.
стр. 318
شرح العقيدة الواسطية [١٩]
الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان، لا يتم الإيمان إلا به، فيجب أن نؤمن بما بعد الموت من الأحداث التي ذكرها الله تعالى وذكرها رسوله ﷺ ، ومن ذلك فتنة القبر، وما يكون فيه من النعيم أو العذاب، ثم ما يكون بعد ذلك من النفخ في الصور، وبعث الأجساد، ووقوف الناس في الموقف، وغير ذلك مما جاءت به النصوص.
стр. 319
الإيمان بفتنة القبر من الإيمان باليوم الآخر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فيؤمنون بفتنة القبر وبعذاب القبر ونعيمه، فأما الفتنة فإن الناس يمتحنون في قبورهم، فيقال للرجل: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] ، فيقول المؤمن: ربي الله، والإسلام ديني، ومحمد ﷺ نبيي.
وأما المرتاب فيقول: هاه هاهز لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته.
فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق.
ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب إلى أن تقوم القيامة الكبرى، فتعاد الأرواح إلى الأجساد، وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلاً، وتدنو منهم الشمس، ويلجمهم العرق، فتنصب الموازين فتوزن بها أعمال العباد ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢-١٠٣] ، وتنشر الدواوين - وهي صحائف الأعمال - فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره، كما قال : ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٣-١٤] ، ويحاسب الله الخلائق، ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه كما وصف ذلك في الكتاب والسنة، وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته فإنهم لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم فتحصى فيوقفون عليها ويقرون بها] .
стр. 320
سبب كثرة التحذير والتفصيل في أمور الآخرة في هذه الأمة
قال: (ثم من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت) .
وهذا عام شامل وسيذكر لنا أمثلة مما يجب أن يؤمن به، وإلا فالتفاصيل كثيرة جداً، وقد جاء ذلك في كتاب الله جل وعلا وفي أحاديث رسوله ﷺ ما لو كتب فيه مجلدات لما وسعت ذلك، فلم يأت نبي من أنبياء الله بمثل ما جاء به نبينا ﷺ في تفاصيل يوم القيامة، وذلك لأنه آخر الأنبياء وعلى أمته تقوم الساعة، ولهذا جاء بذلك مفصلاً مبيناً موضحاً، وجاء بأشياء لا تقبل التأويل ولا تقبل الصرف عن ظاهرها، ولهذا كان من أنكر ذلك خارجاً عن الدين الإسلامي.
следующие страницы →