← Акыда

Акыда · id 3047

شرح العقيدة الواسطية - الغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (524 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

تطاير الصحف والدواوين في عرصات القيامة ثم ذكر نوعاً آخر مما يحصل في الموقف، وهو نشر الدواوين، يقول: (وتنشر الدواوين) . والدواوين: جمع ديوان وهو الكتاب الذي يسجل به عمل الإنسان، ولا يترك منه صغيرٌ ولا كبير، فكله يسجل في كتاب محفوظ، ويتولاه كرام كاتبون يكونون مع الإنسان لا يفارقونه في وقتٍ من الأوقات حتى يموت، فإذا مات طوي هذا الكتاب وحفظ، فإذا وقف يوم القيامة أخرج له هذا الكتاب، كما قال جل وعلا: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٣-١٤] . والصواب من أقوال العلماء في تفسير هذه الآية أن هذه هي صحائف الحسنات، والصحف التي تؤخذ بالأيمان أو بالشمائل هل هي -كما يقول بعض العلماء- صحيفة كأنها جواز يجوز بها النار ويدخل بها الجنة، أو أنها صحائف الأعمال؟ الظاهر أنها صحائف الأعمال، فهذا الذي يدل عليه ظاهر النصوص وظاهر القرآن، فصحيفة عمله إما أن يأخذها بيمينه أو يأخذها بشماله، وهذا عندما تنشر الدواوين التي هي صحائف الأعمال. ولهذا قال: (وهي صحائف الأعمال، فآخذٌ كتابه -ديوانه الذي نُشر له- بيمينه) ، فإذا أخذها بيمينه فهو دليلٌ على أنه من أهل اليمين السعداء، والمسألة ليست باختيار الإنسان، وليس من أراد أن يأخذ الصحيفة بيمينه أخذها وإن أراد أن يأخذ بشماله أخذها، بل لا يستطيع أن يمد أحد يديه إلا من أراد الله جل وعلا أن يمدها، سواء أكانت اليمين أم الشمال، فإذا أذن الله له بمد إحداهما تبقى الأخرى ليست باستطاعته، ثم الكتاب نفسه يذهب بنفسه إلى اليد، إما أن يذهب إلى اليمين أو يذهب إلى الشمال، ومنهم من يأخذه بشماله أخذاً سهلاً، ومنهم من تلوى يده خلف ظهره ويأخذه بشماله من خلف ظهره ثم تلوى عنقه ويجعل وجهه إلى ظهره ويقال: اقرأ كتابك. وهذا أشد من الأول، كما قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق:٧-١٢] ، وقال في الآية الأخرى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩-٢٠] إلى أن قال: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥-٢٦] إلى آخر الآيات. والناس يختلفون في جرمهم وأعمالهم، ومعلوم أن أعمال الناس ليست على طريق واحد، بل هي مختلفة، فاختلف جزاؤهم على هذا النمط. وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء:١٣] ، فـ (كل) نصبت بفعل مقدر تقديره: ألزمنا كل إنسان. وقوله: ((أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ) (الطائر) هنا المقصود به ما طار له من العمل الذي عمله وكان في صحيفته، فإنه يلزم هذا الشيء. وفي ذكر أنه في عنقه دليل على أنه لا ينفك عنه؛ لأن الذي يكون في العنق يكون ملازماً لا ينفك ولا يحيد عنه. وقوله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء:١٣] يعني: كتاب أعماله التي كانت تسجلها الملائكة، ويقال له: اقرأ كتابك، فيقرأ أنه في يوم كذا في مكان كذا في ساعة كذا عمل كذا وكذا أو قال كذا وكذا. وهذا الكتاب -كما ذكر الله جل وعلا في الآية الأخرى-: ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩] أي: لا يترك شيئاً. وفي الآية الأخرى قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٦-١٨] . قوله: ((ما يلفظ)) (ما) عامة شاملة، وليس هذا في اللفظ فقط. بل العمل كذلك، وفي آية أخرى يقول جل وعلا: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار:١٠-١١] أي: كاتبين لا يتركون شيئاً. وقد جاء في الأثر أن رجلاً كان راكباً حماراً، فعثر الحمار فقال: تعس الحمار فقال الذي يكتب الحسنات: ليست حسنة فأكتبها. فأوحى الله جل وعلا إلى صاحب السيئات أن: ما لم يكتبه صاحب الحسنات فاكتبه, ومعنى ذلك أن كملة (تعس الحمار) كتبها الملك في صحائف السيئات، وهذا يدل على أن هذا أمرٌ دقيقٌ جداً؛ لأنه لا يترك شيئاً، حتى قول الإنسان: أعطني الكتاب. أعطني القلم. خذ هذا. وما أشبه ذلك يُكتب، ولكن هذا هل يبقى؟ قال بعض العلماء: إن هذا لا يبقى، وإن هذا هو الذي يقول الله جل وعلا فيه: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] أي أن الذي ليس فيه عليه عقاب ولا ثواب يُمحى، ويُثبت الذي فيه العقاب والثواب، ولكن قول الله جل وعلا في وصف الكتاب: ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] يظهر منه أنه لا يترك شيئاً، بل كل شيء يكون موجوداً، وكل شيء هو مسجل ومكتوب، ثم بعد ذلك يكون الجزاء على السيئات والحسنات. وقراءة الكتاب ومحاسبة النفس واعترافها ليست على حالة واحدة.

стр. 352

مواقف الناس يوم القيامة في العرصات كما أن موقف الناس يوم القيامة يختلف فهناك مواقف مختلفة، وفيها موقف لا أحد يستطيع أن يتكلم أو ينطق فيه، ولا يُسمع إلا مشي الأقدام، كما قال جل وعلا: ﴿فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه:١٠٨] ، يقولون في تفسيرها: أي صوت الأقدام إذا صاروا يمشون، أما الكلام فليس هناك من يتكلم، وهناك موقف يتكلمون فيه، كما يقول جل وعلا: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ * فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ [المرسلات:٣٨-٣٩] ، أخبر أنهم ينطقون أيضاً في هذا اليوم، ولكن هذا ليس دائماً، بل في بعض الأماكن والمواقف، فيقبل بعضهم على بعض يتساءل، ويقول بعضهم: كم لبثتم؟ فيقولون: لبثنا يوماً أو بعض يوم. وفي مواقف أخرى لا أحد يتكلم ولا ينطق ولا يتساءل، كما قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا * يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج:٤-١٠] . أي: لا أحد يسأل قريبه أو صديقه. وهذا ليس عاماً في كل المواقف؛ فإن بعض الأماكن يختلف اختلافاً عظيماً، ولهذا جاء أن بعض الناس ينكر كتابة الملائكة ويقول: لا أقبل هذا. ويقول: يا رب! أنت الحكم العدل الذي لا تظلم شيئاً، وأنا لا أقبل على نفسي إلا شاهداً من نفسي فيقول الله جل وعلا: سنبعث شاهداً عليك. فيفكر في نفسه عن الشاهد، فيختم على فمه فلا يستطيع أن يتكلم، فيقول الله جل وعلا لأعضائه: انطقي تكلمي فتتكلم الجلود والأسماع والأبصار والأيدي والأرجل بكل ما حصل، ثم بعد ذلك يخلى بينه وبين الكلام، فيعود على أعضائه باللوم فيقول: لماذا؟ فعنكن كنت أنافح. فيقلن: أنطقنا الله. قال الله جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فأصبحتم من الخاسرين﴾ [فصلت:٢٠-٢٣] ، فهذا الكلام يذكره الله جل وعلا عن الجلود والأسماع والأبصار، كذلك الأيدي والأرجل تتكلم وتشهد بما وقع. إذاً فيوم القيامة يوم عظيم جداً، وفيه من الأحوال والأهوال والأشياء ما تشيب له الولدان.

стр. 353

محاسبة الله للخلق يوم القيامة وكلامه لعباده المؤمنين . المحاسبة تختلف باختلاف الأعمال واختلاف العباد، فالمؤمن حسابه أن تعرض عليه أعماله عرضاً، ويقال له: عملت كذا وكذا فقط، أما الكافر فحسابه: تعداد السيئات وعرضها عليه، ولكنه عرض وجزاء. ولهذا قال الرسول ﷺ : (من نوقش الحساب عُذب) ، والمناقشة معناها: الاستقصاء في الحساب، بأن يحاسب على أعماله كلها، فالذي يُستقصى في حسابه ويُناقش فيها يُعذب ولابد؛ لأنه ليس من الخلق أحد يستطيع القيام بحقوق الله كاملة، ولكن لكرم الله وجوده جل وعلا فإنه يعفو، فعند أن قال الرسول ﷺ : (من نوقش الحساب عُذب) ، قالت أم المؤمنين عائشة ﵂: (يا رسول الله! أليس الله جل وعلا يقول: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٧-٨] ؟ قال: ذلك العرض من نوقش الحساب عُذب) أي أن المؤمن تعرض عليه أعماله عرضاً فقط، حتى يعرف فضل الله عليه وإحسانه إليه وكرمه وجوده عليه. وقوله: (يخلو بعبده المؤمن) أي أنه يدنيه ويقربه إليه فيضع عليه ستره، أي: يستره أن ينظر إليه الناس فيقرره بذنوبه فيقر بها ويعترف، ويظن أنه هلك، وأنه لا نجاة له، ثم بعد ذلك يقول الله جل وعلا له: (أنا سترتها عليك في الدنيا وأغفرها لك اليوم) ، ثم يعطى كتابه بيمينه. فهذا اللفظ هو من لفظ حديث ابن عمر، كما جاء في الصحيحين أنه قيل له: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ فقال: سمعته يقول: (يدني الله جل وعلا عبده المؤمن، فيضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه، فإذا اعترف بها وظن أنه قد هلك قال له جل وعلا: أنا سترتها عليك في الدنيا وأغفرها لك اليوم ثم يعطى كتابه بيمينه) ، ومعنى كونه يضع عليه كنفه أي: يستره عن نظر الخلائق. والكنف هنا هو الستر، وهذا من رحمة الله جل وعلا؛ لئلا يرى الناس ما يحدث له من تغير الوجه؛ فإنه إذا عرضت عليه أعماله يتغير وجهه ويسود ويشتد كربه، فمن رحمة الله أنه يستره، وهذا للمؤمن. أما الفاجر والمنافق والكافر فيصاح به على رءوس الأشهاد فيقال: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨] ، ويقال أيضاً: إن فلان ابن فلان خسر خسارةً لا ربح بعدها أبداً. أو: شقي شقاوةً لا يسعد بعدها أبداً. ثم إنه جاء في الحديث: (أن العرض يكون ثلاث عرضات: عرضتان جدال ومعاذير، والعرضة الثالثة تتطاير الصحف، فآخذٌ كتابه بيمينه وآخذٌ كتابه بشماله، ولكن الترمذي قال: إنه حديث فيه نظر. ومعروف تساهل الترمذي ﵀، إلا أن الإمام أحمد رواه بسندٍ حسن، ورواه البيهقي في دلائل النبوة، وكذلك في كتاب شعب الإيمان وقال: إنه حديث حسن. وبعض العلماء صححه. فقوله هنا: (جدال ومعاذير) يدل على أن هناك كلاماً بين الرب جل وعلا وبين عباده، وأنهم يتكلمون ويعتذرون، ولكن أكثرهم لا يؤذن لهم فيعتذرون، كما قال جل وعلا: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ * فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات:٣٨-٤٠] ، وقال: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات:٣٥-٣٦] ، فقوله: ((هذا يوم لا ينطقون)) ليس هذا للخلق كلهم، وإنما لبعضهم، ((ولا يؤذن لهم فيعتذرون)) هؤلاء هم الذين جاءت النصوص في أنهم لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم، هؤلاء هم الذين لا يؤذن لهم فيعتذرون، وكذلك لا يخلى بينهم وبين النطق بالكلام، وإنما الإذن والاعتذار والمعاذير تكون للمؤمنين الذين وقعوا في الكبائر ووقعوا في الذنوب، فمنهم من يُعذر ومنهم من لا يُعذر حتى يُدخل النار فيطهر على حسب أعماله. وقوله: (ويحاسب الله الخلائق) جاء في وصف الحساب أن الله جل وعلا سريع الحساب، وجاء أنه جل وعلا يحاسب كل فرد على حدة، ففي الصحيح من حديث عدي بن حاتم أن النبي ﷺ قال: (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) . فهل الخطاب هنا في قوله: (كل واحد منكم سيكلمه ربه) للمؤمنين خاصة، أم للأمة؟ من المعلوم أن النصوص لا تتضارب ولا يعارض بعضها بعضاً، فهنا الكلام للمؤمنين؛ لأنهم هم الذين يُكلَّمون، وأكثر الخلق لا يكلَّمون ولا يؤذن لهم في الاعتذار؛ لأن الكفار ليس عندهم إيمان، وليس لهم حسنات فيحاسبون عليها، وليس لهم حسنات فتوضع في الميزان، ولهذا جاء نفي ذلك عنهم، كما قال تعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥] ، يقول جل وعلا في الذين كفروا: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم:١٨] ، وفي الآية الأخرى: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور:٣٩] ، وقوله: ((وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ)) أي أنه يُجزى يوم القيامة، فهو يظن أن له أعمالاً وأنها تنفعه، فإذا بعث يوم القيامة تبين أنها ليست بشيء، ثم يلقى جزاءه، وليس هناك محاسبة، إلا أنها تعرض عليه وتعدد له سيئاته حتى يعترف ويقر بأن الحكم عليه عدلٌ من الله جل وعلا، فيحمد الله على ذلك، ويعلم أنه لا يصلح له إلا هذا الحكم، ولا يناسب له إلا هذا الجزاء. ولهذا لما ذكر الله جل وعلا القضاء بين الخلائق ذكر بعد الفراغ أنه يحمد جل وعلا بعد انتهاء الحساب، كما قال جل وعلا: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر:٦٨-٦٩] إلى أن قال جل وعلا: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر:٧٥] . يقول العلماء في قوله تعالى ((وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ)) : يدل حذف الفاعل على أن هذا عامٌ مطلق، وأن جميع من قضي بينهم يقولون: ((الحمد لله)) على قضائه. لأنه قضى بالعدل الذي لا يستحق المقضي له إلا ذلك، ولا يليق به إلا ذلك.

стр. 354

شروط قبول الأعمال قال: (وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؛ فإنه لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم فتحصى، فيوقفون عليها ويقررون بها) . هذه هي المحاسبة، أي أنه يقال للكافر: هذه أعمالك التي عملتها، فهل تقر؟ ولابد من الإقرار بها. وفي صحيح مسلم: (أن الكافر يجزى بحسناته في الدنيا، فيوافي يوم القيامة ولا حسنة له) ، وكونه يجزى في الدنيا؛ لأن الله جل وعلا لا يقبل من الكافر عملاً يثاب عليه؛ لأن قبول العمل له ثلاثة شروط، لابد أن يتوافر فيه ثلاثة شروط: الشرط الأول: الإيمان. كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [طه:١١٢] . أي: حالة كونه عمل وهو مؤمن؛ إذ لابد من الإيمان. الشرط الثاني: أن يكون على السنة. أي: أن العمل جاء به الرسول ﷺ ، وليس بالاختراعات والآراء والاستحسانات؛ لأن البدع كما قال ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ، أي: مردود عليه لا يقبل. الشرط الثالث: الإخلاص بأن يكون العمل خالصاً لوجه الله جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] ، فعلى هذا أي عملٍ يعمله الكافر فإنه لا يُعتد به ولا ينفعه، ولكن من كرم الله وجوده وتمام عدله أنه يجزيه به في الدنيا إذا كان العمل عمله لله، فإذا عمل الكافر عملاً لله، مثل صلة الرحم، وإطعام الفقراء، والإحسان إلى المحتاجين وما أشبه ذلك فإنه يجزى به في الدنيا. وأكثر الكفار يقولون: نعمله إحساناً للإنسان. ولا يقصدون به وجه الله، وإنما يقولون: نعمله للإحسان إلى الناس. لأن الإنسان له قيمته وله كرامته، وينبغي أن يحسن إليه، وإذا عملوا ذلك يجزون أيضاً كما في هذا الحديث الصحيح، يجزون به في الدنيا، وجزاؤهم في الدنيا هو صحة أبدانهم ووفرة أموالهم وأولادهم وما يُعطون من المنافع التي يستهلكونها في الدنيا. (أما المؤمن فإنه يعطى بحسناته في الدنيا ويجزى عليها أيضاً في الآخرة) ، وهذا أيضاً جزء من تمام الحديث الذي في الصحيح، والذي لا يحصل له شيء من جزاء أعماله في الدنيا يكون جزاؤه أكمل في الآخرة، ولهذا ذكر عبد الرحمن بن عوف -وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم- حالتهم السابقة فقال: إنا آمنا وهاجرنا، فمنا من استكمل حسناته ومنا من عجلت له بعض حسناته، وأخشى أن أكون ممن عجلت له حسناته. يعني: ليس الذي يعجل له شيء من الحسنات كالذي مات ولم يأخذ شيئاً من الجزاء. والله جل وعلا كرمه واسع، وقد أمرنا وشرع لنا أن نقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١] ، فعلى المؤمن أن يسأل ربه في الدنيا والآخرة، وفضل الله واسع وكرمه يعم.

стр. 355

الأسئلة

стр. 356

الميزان له لسان السؤال هل هناك دليلٌ صحيح على أن للميزان لسان؟ الجواب الميزان لا يكون إلا بلسان، وبدون لسان لا يكون ميزان، فلابد أن يكون له لسان يعرف رجحانه من عدمه، وهذا أمرٌ يدل عليه كلمة (ميزان) ، وقد أثبت العلماء ذلك من هذا.

стр. 357

وزن العامل يوم القيامة السؤال إذا قلنا: إن الذي يوزن هو الأعمال. فكيف نقول في حديث ابن مسعود ﵁ لما ضحك الصحابة من دقة ساقيه، فقال النبي ﷺ : (إنهما لأثقل في الميزان من جبل أحد) ؟ الجواب قد أجبنا عن هذا في نفس الشرح.

стр. 358

يجب الإيمان بأمور الآخرة دون السؤال عن الكيف السؤال كيف يوزن العمل وهو وصف قائمٌ بالعامل، وليس بجسم حتى يوزن؟ الجواب الله جل وعلا لا يعجزه شيء، فهو على كل شيءٍ قدير، فـ (كيف) غير واردة أصلاً، وأمور الآخرة لا يقال فيها: (كيف) ، كما لا يقال في صفات الله وفي أفعاله: كيف.

стр. 359

موقف الخوارج والمعتزلة من الميزان السؤال بماذا فسر الخوارج الميزان؟ الجواب الخوارج أنكروه، وكذلك أكثر المعتزلة أنكروه، وقالوا: الميزان عبارة عن العدل.

стр. 360

مفارقة الكرام الكاتبين للإنسان في أماكن قضاء الحاجة السؤال ذكر أن الكرام الكاتبين لا يفارقون الإنسان، فكيف إذا دخل الخلاء، هل يكونون معه في مكان النجاسة؟ الجواب إذا دخل الخلاء يكون الملك قريباً منه ويستمع، فإن تكلم سجله عليه، ولهذا نهي عن هذا الكلام في هذا الموضع، وكذلك إذا اتصل الإنسان بأهله فإنه يفارقه، ولكن ليست مفارقة بعيدة؛ لأنهم لا يشاهدون العورات ولا يجلسون عند الأمور المستبشعة، فإذا تكلم فإنه يأتي ويسجل، ولهذا جاء في الحديث: (إن معكم من لا يفارقكم فاستحيوهم) ، يعني: استح منهم ولا تتكلم في مثل هذه المواقف. وهم كرام عند ربهم جل وعلا، فينبغي أن يكرموا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار:١٠-١١] ، ومن كرمهم أنهم لا يأتون إلى هذه الأماكن ولا يكونون فيها.

стр. 361

تفسير الطائر في قوله: (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه) السؤال ورد في تفسير الطائر في الآية أنه نصيب الإنسان في الدنيا وما كتب له فيها من رزق وعمل، فهل هذا صحيح؟ الجواب هذا داخل في عمله، فالقول واحد وإن اختلفت العبارة، فالطائر هو ما طار من عمله، ويشمل كل عملٍ يعمله.

стр. 362

الكفار يتفاوتون في العذاب السؤال هل صحيح أن أعمال الكافر في الدنيا ترفعه من دركات النار إلى أعلاها؟ الجواب لا. ولكن الكفار ليسوا على طبقة واحدة، فالكفار بعضهم مجرمون وجرمهم كبير، وبعضهم أقل جرماً، فيوضعون حسب أعمالهم، فمنهم من يكون في الدرك الأسفل، ومنهم من يكون فوق، وهكذا، فالله جل وعلا حكمٌ عدل، لا يظلم أحداً شيئاً.

стр. 363

معنى قوله تعالى: (كل من عليها فانٍ) السؤال قال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦-٢٧] ، ما المراد بهذه الآية؟ الجواب المراد بـ ((كل من عليها)) من على الأرض أو الحياة، فكل من كان حياً فإنه سيموت، ولهذا ذكر أن هذا يشمل حتى الملائكة، وأنه لا يبقى إلا الأول والآخر الذي ليس قبله شيء وليس بعده شيء ، وهذا في الوقت الذي يكون بين النفختين: نفخة الصعق ونفخة البعث، ففي هذا الوقت لا يبقى أحد حياً، حتى الملائكة وحتى جبريل ﵇، وإنما الباقي هو الله جل وعلا، ولهذا جاء أنه سبحانه يقبض السماوات والأرض بيده، ثم يقول: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) ؟ أين ملوك الدنيا؟ أين الجبارون المتكبرون؟ فلا يجيبه أحد، فيجيب نفسه ويقول: (لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) ، فلا يوجد أحد يجيبه من الخلق، بل كلهم موات، وهذا يكون بين النفختين: النفخة الأولى والنفخة الثانية التي يكون فيها البعث، ثم بعد ذلك يبعث الخلائق وتبقى الجن والإنس والملائكة أحياء، فهؤلاء في العذاب وهؤلاء في النعيم دائماً ما دامت السماوات والأرض.

стр. 364

شرح العقيدة الواسطية [٢١] من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالبعث والجزاء والحساب، والإيمان بالحوض والشفاعة، والإيمان بالميزان والصراط، على ما جاء في الكتاب والسنة، وعلى ما فهمه سلف الأمة.

стр. 365

وجوب الإيمان باليوم الآخر وما يقع فيه من أحداث قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه العقيدة الواسطية: [وفي عرصات القيامة الحوض المورود للنبي ﷺ ، ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، طوله شهر، وعرضه شهر، من يشرب منه شربة لا يضمأ بعدها أبداً، والصراط منصوب على متن جهنم، وهو الجسر الذي بين الجنة والنار، يمر الناس عليه على قدر أعمالهم: فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدواً، ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يزحف زحفاً، ومنهم من يخطف خطفاً ويلقى في جهنم؛ فإن الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم، فمن مر على الصراط دخل الجنة، فإذا عبروا عليه وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا هذبوا ونقوا أُذن لهم في دخول الجنة، وأول من يستفتح باب الجنة محمد ﷺ ، وأول من يدخلها من الأمم أمته. وله ﷺ في القيامة ثلاث شفاعات: أما الشفاعة الأولى فيشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم بعد أن يتراجع الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم عن الشفاعة حتى تنتهي إليه. وأما الشفاعة الثانية: فيشفع في أهل الجنة كي يدخلوا الجنة. وهاتان الشفاعتان خاصتان له. وأما الشفاعة الثالثة فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار ألا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها. ويخرج الله من النار أقواماً بغير شفاعة، بل بفضله ورحمته، ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا، فينشئ الله أقواماً فيدخلهم الجنة] . هذه الأشياء التي ذكرها داخلة في الإيمان باليوم الآخر؛ لأن المقصود باليوم الآخر كل ما يحصل بعد الموت إلى أن يستقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، ولكن لما كانت بعض التفاصيل التي تكون في الآخرة أنكرها أهل البدع مثل الحوض والشفاعة وما أشبه ذلك، فنص العلماء عليها رداً لهذه البدعة ولهذه الضلالة، وذلك أن ما ذكره الله جل وعلا أو ذكره رسوله ﷺ بالاسم والتعيين فإنه يتعين الإيمان به، وإلا فسيكون الإنسان ناقص الإيمان إن لم يكن الإيمان زائلاً؛ لأن ربنا جل وعلا أخبرنا أن الإيمان لا يقبل التجزئة، فإما أن يؤخذ كله أو يرد كله، والذي رد البعض فهو كالذي رد الكل.

стр. 366

حوض النبي ﷺ الحوض في اللغة: مجتمع الماء الذي يجتمع فيه. وحوضه ﷺ تواترت فيه الأحاديث، وقد ذكر السيوطي في كتابه (البدور الزاهرة) أن أحاديث الحوض رواها خمسة وخمسون صحابياً، ثم سرد رواياتهم في الكتاب المذكور، ومنهم الخلفاء الراشدون، وبعض الصحابة له عدة روايات مثل أنس ومثل أبي هريرة وغيرهما. ومع أن الأحاديث في الحوض متواترة فقد أنكره الخوارج وإخوانهم من المعتزلة وأهل البدع بلا دليل ولا معنىً عقلي يقتضي ذلك، وإنما هو تعنت وضلال، وخليق بمن أنكره أن يحرم وروده والشرب منه. والصحيح أن كل نبي له حوض في الموقف. وأما تعيينه وأين يكون، وهل قبل الصراط أو بعد الصراط فمحل خلاف بين العلماء، وإن كان بعضهم يرجح أنه يكون قبل الصراط، كما قاله القرطبي، وقال: إن هذا يقتضيه المعنى. ولكن المعنى والعقل لا دخل له في هذه الأمور، وقد جاء في حديث لقيط بن صبرة: عن النبي ﷺ أنه بعد الصراط وإن كان هذا الحديث يضعفه بعضهم، ولكن جاءت له شواهد، وقد صححه طوائف من العلماء، وفيه أنه قال: (ثم تعبرون الصراط، وتأتون على حوض نبيكم ﷺ على أظمأ ناهلة كانت) ، وذلك أن الصراط منصوب فوق جهنم، ولابد أن ينال العابر من حرها ومن سمومها ولهبها ما يناله، فيقع له الظمأ الشديد، فيكون الحوض بعد ذلك، وأما الجمع فكما يقول ابن القيم ﵀: إن الأحاديث فيه متفقة؛ فإنه يمكن أن يكون قبل الصراط وبعده؛ لأن الرسول ﷺ قال: (إنه مسيرة شهر) أي: عرضه مسيرة شهر وطوله مسيرة شهر. فيكون جزء منه قبل الصراط وبقيته بعد الصراط، ويكون الورود عليه أولاً وآخراً. وعلى كل حال مثل هذا لا يضر، وإنما الذي ينبغي هو الإيمان به وإثباته كما أخبر الرسول ﷺ ، والأنبياء كلهم لهم أحواض يردها المؤمن بهم، فكل من آمن بنبي فإنه يرد حوضه. وأما ما جاء عن صالح ﵇ أنه ليس له حوض، وأن حوضه هو ضرع ناقته التي أخرجها الله جل وعلا لقومه فهذا غير صحيح، ولم يثبت ولم يصح. ثم إنه جاء في وصف الحوض بأن ماءه أبيض من اللبن وأحلى من العسل، ورائحته أطيب من رائحة المسك، وأنه يصب فيه ميزابان من الجنة واحد من ذهب والآخر من وَرِق -من فضة- يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر:١-٣] . وثبت في صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ أغفا إغفاءة ثم استيقظ وهو يضحك، فإما سألوه أو قال لهم: إن ربي أعطاني نهراً في الجنة، أعطاني الكوثر، وهو نهر عليه خير كثير) ، وذكر أن كيزانه مثل نجوم السماء، وأن الوارد عليه أكثر من الوارد على أحواض الأمم الأخرى؛ لأن هذه الأمة هي أكثر الأمم اتباعاً للرسول ﷺ ، وحوضه هو الحوض الأعظم والأكبر، وهذا فسره به رسول الله ﷺ فيتعين القول به، أما ما جاء في تفسير بعض السلف أنه خير كثير فهو داخل فيه. وفي الصحيح عن أنس أنه قال: (يا رسول الله! أسألك أن تشفع لي. فقال: أنا فاعل إن شاء الله. فقال: أين أجدك؟ قال: على الصراط. فقلت: وإن لم أجدك هناك؟ قال: عند الميزان. قلت: وإن لم أجدك؟ قال: عند الحوض، لا أعدو هذه الثلاث) . وجاء أنه ﷺ يقف عليه ومعه عصا يذود عنه من خالف سنته وتركها. وجاء في صحيح مسلم: أنه يكون قائماً عليه فيرد عليه قوم من أمته قال ﷺ : (أعرفهم ويعرفونني، ثم يخرج رجل ويحول بيني وبينهم، فأقول: إلى أين؟ فيقول: إلى النار. فأقول: وما لهم؟ فيقول: لم يزالوا مرتدين على أدبارهم) . وجاء أيضاً في الصحيح أنه يختلج أقوام ممن يرد على الحوض ويذهب بهم إلى النار. وهذه النصوص تدل على أن الحوض يكون قبل الصراط؛ لأن الذي يعبر الصراط يدخل الجنة، فمن عبر الصراط لا يُرجع به إلى النار، ولكن جاءت أحاديث أخرى فيها أنه بعد الصراط. أما ما قاله بعض العلماء: إنه حوضان واحد قبل الصراط، والآخر بعده فهذا -كما يقول ابن القيم -: شأن الضعفاء من العلماء الذين يعيهم الجمع بين الأحاديث فيجعلون الجمع متعدداً. أما ما علل به الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري بأن المناسب أن يكون بعد الصراط لأن الحوض بجوار الجنة ومدده من الجنة، ولو كان قبل الصراط لحالت النار بين الماء الذي يأتي من الجنة وبينه فهذه كلها تعليلات؛ وأمور الآخرة أمور فوق العقل والنظر والاجتهاد، وتعيين أنه قبل الصراط أو بعد الميزان أو قبل الميزان وما أشبه ذلك يحتاج إلى نص من رسول الله ﷺ ، وإنما الواجب إثباته في الموقف، ولهذا ذكره المؤلف بعد ذكر المحاسبة، والمحاسبة يكون بعدها الميزان وتطاير الصحف كما سبق. ويكون الحوض في العرصات، والعرصات هي المواقف، ولهذا قال: (وفي العرصات حوض نبينا ﷺ والعرصات هي المواقف التي يقفون بها للحساب والمسائلة، وهي تختلف، وقد جاء في الصحيح أن عائشة ﵂ قالت للنبي ﷺ : (أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال: على الصراط) ، وفي رواية لـ أم سلمة ﵂ أنه قال: (في الظلمة قبل الصراط) أي: هناك مكان مظلم توزع فيه أنوار الناس على حسب إيمانهم، فليس لأحد نور إلا ما يعطى، وإلا فهم في ظلمة عظيمة، وتختلف أنوارهم، فمنهم من يكون نوره مثل الجبل أمامه، ولكن هذا النور لا يبصره إلا صاحبه فقط، وهو الذي يسير به ويبصره، أما الذي بجواره فلا يبصر شيئاً من هذا النور، ومنهم من يكون نوره أقل من ذلك، ومنهم من يكون نوره مثل النخلة، ومنهم من يعطى نوره على إبهام أصبع رجله أو يده ينطفي مرة ويضيء أخرى، فإذا انطفى وقف. وإذا أضاء قدم رجله، وفي هذا يحال بين المؤمنين وبين المنافقين، كما أخبر الله جل وعلا أنهم ينادون ويقولون للمؤمنين: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣] ، ولكن لا يستطيعون؛ إذ لا أحد يقتبس من نور أحد؛ لأن هذا جزاء العمل وكل إنسان عمله له، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] . وقوله: (الحوض المورود) الورود يكون بعد الظمأ وشدة الحاجة إلى الماء، والذين يردونه هم المؤمنون المتبعون لسنة رسول الله ﷺ ، أما المبتدعة والضالون فإنهم يذادون عن الحوض. وقوله: (ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل) يعني أنه جمع بين الصفات الحسنى في المعنى والمرأى، وفي الصفات المعنوية والصفات المحسوسة المشاهدة. وقوله: (وآنيته عدد نجوم السماء) الآنية: هي الكيزان التي يشرب بها. وتكون عند الحوض، وكل من مد يده إليه وضُع فيها كأس، فيأخذه ويشرب، ومن شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً، وهذا هو أول نعيم المؤمن يناله من الجنة. وقوله: (طوله شهر وعرضه شهر) يعني أنه متساوي الأطراف، وهذا شيء عظيم وكبير جداً، وعلى هذا الكبر يأتي يوم وعليه زحام، يتزاحم الناس عليه ليشربوا منه، مع أنه لا يرد عليه إلا المؤمنون المتبعون للرسول ﷺ ، ولكنهم كثيرون. وقوله: (من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً) يعني أنه لا يناله عذاب بعد ذلك، فإذا شرب هذه الشربة فقد خلص من كل المخاوف التي تكون في ذلك الموقف، وصار هذا عنوان سعادته وأول نعيمه الذي ينعم به في الجنة.

стр. 367

الصراط الذي يكون في الآخرة قوله: (والصراط منصوب على متن جهنم) يعني أنه فوق جهنم، وذلك أن النار تحول بين الناس وبين الجنة، وليس هناك طريق إلى الجنة إلا من فوق النار، والصراط هو الجسر أو القنطرة التي توضع فوق النهر مثلاً، أو بين جبلين، أو ما أشبه ذلك. وأما الصراط الذي في الآخرة فهو الجسر الذي يكون فوق النار، والنار قعرها بعيد جداً، ولهبها حار جداً، ولهذا جاء عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: إنه أحر من الجمر -لأنه فوق النار- وأحد من السيف. وجاء أنه أيضاً يروغ -أي: يتحرك- وليس ثابتاً، وجاء أنه أروغ من الثعلب، وليس المعنى أن الناس يمشون عليه كما يمشون على الجسور والقناطر التي توضع، وإنما يمشون على قدر أعمالهم.

стр. 368

الصراط صراطان والصراط الذي ذكر في الكتاب والسنة صراطان: أحدهما معنوي، وهو في الدنيا، وهو دين الله وما جاء به الرسول ﷺ ، فمن استقام على هذا الصراط المعنوي فإنه يستقيم على ذلك الصراط، ويكون له مثل الوادي، ويكون عليه مطمئناً، بل يعبر عليه عبوراً سريعاً جداً، أما إذا حاد عن الصراط المعنوي الذي هو دين الله وصار يتركه لأعلام أخرى ولبنيات الطريق فتختلجه الشهوات أو الشبهات أو الأهواء يميناً وشمالاً ومرة يدخل فيه وأخرى يخرج فإن هذا هو الذي لا يستقيم له الصراط، ويكون بالنسبة إليه حاراً جداً، ويكون متحركاً سريع الحركة ودقيقاً بحيث لا تثبت قدمه عليه.

стр. 369

أقسام الناس في المرور على الصراط والناس أقسام: منهم من يؤمر به إلى جهنم من أول الأمر، وهؤلاء هم الكفار الذين لا يقيم لهم الله جل وعلا وزناً، فليس لهم حسنات، وإنما هم كفرة. ومنهم من يؤمر به إلى الجنة بلا حساب ولا عذاب، وهؤلاء أيضاً ليسوا كثيرين بالنسبة للناس، وإنما هم قلة، ولهذا عدهم النبي ﷺ وقال: (إن هذه الأمة منها سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب) ، وسبعون ألفاً بالنسبة للأمة من أولها إلى آخرها قليل جداً، وهذه الأمة هي أكثر الأمم دخولاً الجنة، وأكثرها إيماناً، وهي أيضاً أكرم الأمم على الله؛ فإن هذه الأمة أول من تنشق عنها قبورها، وأول من يسبق إلى الموقف إلى المكان المرتفع فيه، وأول من يسبق إلى ظل العرش، وأول من يعبر الصراط، وأول من يدخل الجنة. والرسول ﷺ يقول: (أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله) ولكن هذه الخيرية للمؤمنين، أما الكفرة والمجرمون فهم أشد الناس عذاباً؛ لأن الذي يكفر بأفضل الرسل وبأفضل الأديان يستحق أشد العقاب. ثم العبور على الصراط عبور بالأعمال، ولهذا قال: (فمنهم من يمر كلمح البصر) يعني: عبوره فوق الصراط في السرعة مثل ما يغض الإنسان بصره. (ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح -أي: في السرعة-) ، ومنهم من يمر كالطير ثم كأجاود الخيل، ومنهم من يركض ركضاً، ومنهم من يحبو ويزحف، ومنهم من يسقط مرة وتتعلق يده الأخرى، وتسقط رجله وتتعلق الرجل الأخرى وهكذا. ومنهم من يخطف من على الصراط؛ لأن الصراط كما قال الرسول ﷺ : (عليه كلاليب وحسك. ثم قال: أتدرون ما الحسك؟ شويكة تكون في نجد هل رأيتموها؟ قالوا: نعم. قال: إنها مثلها غير أنه لا يعلم عظمها إلا الله جل وعلا) ، ومعنى ذلك: أن عليه كلاليب معطفة موكلة بأناس معينين تمسكهم وتلقيهم في النار، فمنهم من يخدش، ومنهم من يكردس في النار، ومنهم من يبقى وقتاً طويلاً يسير على الصراط، فإذا نجا التفت وقال: تبارك الذين نجانا منك - يخاطب النار! - لقد أعطانا الله شيئاً لم يعطه أحداً من العالمين يقول هذا مع أن المؤمنين قد سبقوه بكثير جداً، ولكن الذي ينجو من النار يكون قد أعطي شيئاً عظيماً جداً، وكل أحد سوف يعبر عليه؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٧١] و (واردها) يعني: يرد جهنم. وهذا قسم من الله جل وعلا، أقسم على أن كل الخلق سيردون جهنم، ولكن الورود لا يقتضي الدخول؛ لأنه قد يكون للمعاينة والمشاهدة، ولكونه وصل إلى الشيء وكاد يسقط فيه، ولهذا قال جل وعلا بعد ذلك: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧٢] ، فالذي يعبر الصراط هم المتقون فقط الذين يتقون ربهم، وهذا أيضاً من الأمور التي يجب الإيمان بها كما وصفها الرسول ﷺ ، فمن أنكر ذلك فإنه يكون ضالاً. والناس يمرون عليه على قدر أعمالهم: فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس، أي: كركض الخيل، ومنهم من يمر كركض الإبل، ومنهم من يمر كركض الرجل، ومنهم من يكون ماشياً، ومنهم من يكون زاحفاً وحابياً على حسب الأعمال؛ لأن المرور بالأعمال. ومنهم من يُخطف ويلقى في جهنم؛ فإن الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم، أي أن الإنسان إذا كان قد ارتكب من الخطايا والذنوب التي يستحق بها دخول النار ولم يعف الله عنه خطف من على الصراط وألقي فيها. وقوله: (فمن مر على الصراط دخل الجنة) يعني أن الذي يعبر عليه قد نجى من النار، وأعطاه الله جل وعلا فضلاً عظيماً، ومنَّ عليه منّةً كبرى. فإذا عبروا، أي: انتهى المؤمنون من عبورهم حبسوا في صراط آخر اسمه (قنطرة) والقنطرة: هي الشيء المرتفع. وقد يكون بناءً، وقد يكون على شيء يعبر وهو تحت القنطرة، وقد يكون مرتفعاً فقط، وبعض العلماء يقول: إن هذه القنطرة هي بقية الصراط، وهي امتداده من جهة الجنة؛ لأن الجنة في السماء، والنار يؤتى بها في ذلك اليوم في الموقف، والموقف يكون في أرض ليست هذه، وإنما أرض بيضاء نقية لم يعمل عليها خطيئة، ولم يعص الله جل وعلا عليها، وأما هذه فإنها تبدل وتزال، والله جل وعلا يغير الكون كله ويبدله، فيوقفون على هذه القنطرة ويحبسون، ثم يقتص لبعضهم من بعض في المظالم التي عليهم، وهذا القصاص يكون من المظالم التي علم الله جل وعلا أنها لا تأتي على حسناتهم، وإنما يفضل لهم حسنات يدخلون بها الجنة، فيؤخذ لكل مظلوم من ظالمه في ذلك الموقف، وهذا القصاص في هذا المكان خاص بالمؤمنين الذين يدخلون الجنة، أما الظلمة والكفرة فإن الاقتصاص منهم يكون قبل الصراط، فإذا نُقوا من جميع المظالم وهُذبوا وطُهورا أُذن لهم في دخول الجنة، وقد أخبر الله جل وعلا أنه ينزع ما في قلوبهم من غل، أي: كل ما كان لبعضهم على بعض من أحقاد أو أمور تغري فإنه يُنزع من قلوبهم بعد المقاصة والمحاصة، ثم بعد ذلك يؤذن لهم في دخول الجنة.

стр. 370

الشفاعة وأنواعها ثم ذكر المصنف الشفاعة، والشفاعة: مأخوذة من الشفع الذي هو ضد الوتر. وذلك لأن الشافع يضم طلبه إلى المشفوع له، فسميت شفاعة لأجل أن الشافع يضم طلبه إلى المشفوع له، فيصبح الطلب طلبان: طلب الشافع وطلب المشفوع له، أما تعريفها بأنها طلب الخير للغير فهذا عام، والشفاعة أقسام، وذكر منها ثلاث شفاعات: الشفاعة الأولى: الشفاعة الكبرى التي قال الله جل وعلا فيها: ﴿وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ [الإسراء:٧٩] ، فـ (مَحْمُوداً) يعني: يحمده عليه الأولون والآخرون. ومعنى ذلك أن هذه شفاعة عامة شاملة للخلق كلهم من الجن والإنس، ولهذا سميت (كبرى) ، وهذه الشفاعة هي الشفاعة في الموقف قبل الحساب، وقبل إتيان الرب جل وعلا إليهم، وهي الشفاعة في طلب المحاسبة والإراحة من عناء الموقف، وقد جاء تفصيلها في أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ ، فصلها تفصيلاً يجب أن يؤمن به، وهذه هي التي يتدافعها أولوا العزم من الرسل، بل أول ما يبدأ في طلبها تطلب من أبي البشر آدم ﵇، وآدم يقول العلماء: إنه ليس من أولي العزم؛ لقول الله جلا وعلا: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ [طه:١١٥] ، وإنما أولوا العزم هم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم، وهؤلاء ذكروا جميعاً في آيتين من القرآن في سورة الشورى وسورة الأحزاب، قال الله جل وعلا: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥] ، فأمر الله رسوله ﷺ أن يتأسى بهم في الصبر. فيشتد الكرب في ذلك اليوم لطول الوقوف، وقد ذكر الله جل وعلا أن هذا اليوم يكون كخمسين ألف سنة، وقد جاء تفصيل ذلك في الأحاديث، كحديث الوعيد في الذي لا يؤدي الزكاة، وأنه إذا كانت زكاته ذهباً أو فضة يكوى بها جنبه وجبينه وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، وإذا كانت زكاة غنم أو إبل أو غير ذلك فإنه يعذب بها، وكذلك جاء قول الله جل وعلا: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً * يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ [المعارج:٤-١٠] ، وفي بعض الآيات أنه ألف سنة، كقوله تعالى: ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] ، وهذا يختلف باختلاف أعمال الناس، فمنهم يكون عليه أقل من ذلك، ومنهم من يطول عليه طولاً شديد فيكثر الكرب والشدة عليه. فإذا طال الأمر على أهل الموقف يلهمهم الله جل وعلا فيقولون: لماذا لا نطلب إلى ربنا جل وعلا الشفاعة؟ فيقول بعضهم لبعض: من أولى بذلك من أبيكم آدم؟ فإن الله خلقه بيده، وأسكنه جنته، وأسجد له ملائكته. فيأتون إليه ويقولون له ذلك، فيقول: لست كما تظنون، أنا عصيت ربي، نهاني عن شيء فعصيته، وإن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني لا أسأل ربي إلا نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح فإن الله سماه عبداً شكوراً، وهو أول رسول أرسله الله جل وعلا إلى أهل الأرض. فيأتون إليه فيعتذر ويقول: كان لي دعوة دعوت بها على قومي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم؛ فإنه خليل الرحمن، فيأتون إليه فيعتذر ويرسلهم إلى موسى، فيأتون إليه فيعتذر ويرسلهم إلى عيسى، فيأتون إليه فيعتذر ويرسلهم إلى محمد ﷺ ويقول: إنه خاتم الرسل؛ فهو عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وهذا كله يدل على شدة الموقف، وأن الأمر شديد جداً؛ فالأنبياء أولوا العزم يخافون، فيأتون إليه ﷺ ، كما قال: (فإذا أتوا إلي أذهب إلى مكان تحت العرش، فإذا رأيت ربي خررت له ساجداً، فيفتح علي من المحامد والثناء ما يرضى به عني، ثم يقول جل وعلا: أي محمد! أرفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع) فيطلب من ربه جل وعلا أن يأتي لمحاسبة عباده وإراحتهم من الموقف فيعطيه الله جل وعلا ذلك فيأتي. وهذه هي أول شفاعة، وهي الشفاعة العظمى التي تشمل الخلق كلهم. الشفاعة الثانية: شفاعته ﷺ لقوم استحقوا دخول النار من أهل التوحيد في ألا يدخلوها، وهذه ليست خاصة به ﷺ ، بل يشاركه فيها الملائكة والأنبياء والعلماء والشهداء والصالحون وغيرهم من الشفعاء. الشفاعة الثالثة: شفاعته ﷺ في قوم دخلوا النار أن يخرجوا منها، فيشفع فيهم حتى يخرج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، ويشفع فيهم وهذه أيضاً ليست خاصة به، بل يشاركه فيها غيره من الأنبياء والملائكة وغيرهم من الشفعاء. الشفاعة الرابعة: شفاعته ﷺ في دخول أهل الجنة الجنة، وفي افتتاح باب الجنة، وهي خاصة به صلوات الله وسلامه عليه، وقد صحت أحاديث كثيرة في أنه ﷺ أول من يفتتح باب الجنة، وأول من يدخلها، إذ لا يدخلها أحد من الرسل قبل محمد ﷺ ، وكذلك لا يدخلها أحد من الأمم قبل أمته ﷺ . الشفاعة الخامسة: شفاعته ﷺ في عمه أبي طالب، يشفع فيه فيخرج من طبقات النار ويوضع في ضحضاح من نار يصل كعبيه يغلي منها دماغه، يعني: أنه يخفف عنه عذاب النار فقط، وإلا فهو لن يخرج منها، وهذه أيضاً خاصة، ولا تنافي الآيات كقوله جل وعلا: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨] وما أشبه ذلك من الآيات الكثيرة؛ لأن هذا دليل خاص، فيخص العموم؛ ولا يكون ذلك مخالفاً. الشفاعة السادسة: شفاعته ﷺ في رفع بعض درجات أهل الجنة وهذه أيضاً ليست خاصة به، بل يشاركه فيها غيره من الشفعاء. فهذه ستة أقسام قد صحت فيها الأحاديث عن رسول الله ﷺ . أما القسم الأول والقسم الخامس والسادس يعني: شفاعته في الموقف، وشفاعته في افتتاح الجنة، وكذلك شفاعته في رفع درجات بعض أهل الجنة هذه الثلاثة الأقسام لا خلاف فيها بين أهل السنة وأهل البدعة. وأما الذي أنكره أهل البدع: المعتزلة والخوارج ونحوهم فالشفاعة في الذين ارتكبوا الكبائر وماتوا عليها بلا توبة، وكذلك الشفاعة فيمن دخل النار فإن هذه ينكرونها؛ مع أن الأحاديث فيها متواترة عن رسول الله ﷺ ، واحتجوا في إنكارهم بآيات من كتاب الله جل وعلا كقوله جل وعلا: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٩] ، وكقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة:٤٨] وكقوله جل وعلا: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨] في آيات كثيرة. وهذه عادة أهل البدع أنهم يأخذون عمومات من كتاب الله بدون النظر والرجوع إلى الأمور المحكمة والآيات التي تنص على غير ذلك؛ فيضعونها على حسب مرادهم، ويضربون بعضها ببعض، فيتأولونها ابتغاء الفتة وابتغاء أهوائهم وما توافقه آرائهم، وهكذا شأن أهل البدع. فيجب على المؤمن أن يؤمن إيماناً جازماً لا يختلجه شك بأن كلام الله جلا وعلا وكلام رسوله ﷺ لا يتعارضا، وأن بعضه يوافق بعض، ويصدق بعضه بعضاً، وإذا بدا للإنسان شيءٌ من التعارض فإن هذا توهم منه وقصور، فالتعارض موهوم وليس حقيقة؛ لأن كلام الله لا يتعارض، ولا يجوز أن نأخذ البعض ونترك البعض. هذا الرد الإجمالي. أما الرد التفصيلي على هؤلاء فبالنصوص التي صحت عن رسول الله ﷺ ، واعتلالهم بأنها أخبار آحاد لا يقبل، بل أكثر أمور الإسلام أخبار آحاد، والرسول ﷺ أقر ذلك كما هو معلوم، فهذه تكية يتكئ عليها أهل البدع ويعتلون بها وهي باطلة، وقد ألف فيها العلماء مؤلفات كثيرة، وبينوا بطلانها، واحتجوا عليها بحجج كثيرة جداً.

стр. 371

أقسام الناس في الشفاعة الناس في الشفاعة ثلاثة أقسام: القسم الأول: عمموها وجعلوها تقع بلا شروط. وهؤلاء هم المشركون الذين زعموا أن أصنامهم تشفع لهم، وتبع هؤلاء المشركون في كل طبقة من طبقات الناس الذين يتعلقون بالمخلوقين، كالذين يدعون الأولياء أو الأنبياء أو غيرهم، ويزعمون أنهم إذا دعوهم شفعوا لهم ولو لم يأذن الله ولم يرض، وهذا القسم قد أبطله القرآن صراحة، وهو ضلال. القسم الثاني من الناس: الذين آمنوا ببعض وردوا بعضاً، كما ذكرنا عن الخوارج والمعتزلة ونحوهم، فهؤلاء آمنوا ببعض الشفاعات وردوا بعضها الآخر، فالشفاعة الكبرى التي لا يدخل فيها أحد النار أو الجنة وإنما هي لأجل الجزاء والمحاسبة هذه أقروا بها، والشفاعة التي تكون لافتتاح الجنة لأهل الجنة لأنها ليس فيها لهم نجاة من نار ولا منع عقاب استحقوه وإنما دخولهم الجنة بأعمالهم أقروا بها، أما الذي يدخل الجنة فلا مانع بأن يشفع له فيرتفع في الدرجات، هذه الأمور أقروا بها، أما الشفاعة فيمن يستحق النار ألا يدخلها أو فيمن دخلها أن يخرج منها فهذه أنكروها، وبذلك ضلوا. القسم الثالث: الذين اتبعوا النصوص، وهم أهل الحق، أهل السنة الذين اتبعوا النصوص وقالوا بمقتضاها، وهذا هو الذي أُريد ذكره وتقريره هنا في هذه العقيدة المختصرة.

стр. 372

شروط الشفاعة وفائدتها ثم إن الشفاعة التي يثبتها أهل السنة لها شروط، والشروط كما جاءت في النصوص: القسم الأول: الإذن للشافع أن يشفع. إذ لابد أن يأذن الله جل وعلا للشافع قبل أن يشفع، ولا يمكن أن أحداً من الخلق مهما كان مقامه أن يتقدم ويطلب الشفاعة بدون إذن الله جل وعلا؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، وهذا استفهام إنكار. الشرط الثاني: الرضا عن المشفوع له. إذ لابد أن يرضى الله جل وعلا عن المشفوع له؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] في آيات بينت هذا، ولما سئل الرسول ﷺ : (من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: من قال: (لا إله إلا الله) خالصاً من قلبه) أي أنه لابد أن يكون موحداً. فإذا كانت الشفاعة لابد أن تكون بإذن الله ولمن رضي فقد يقول قائل: فما فائدة الشفاعة؟ فنقول: فائدتها هي إكرام وإظهار كرامة الشافع ورحمة المشفوع، هذه حقيقتها.

стр. 373

الشفاعة لله تعالى والواقع أن الشفاعة لله، كما قال الله جل وعلا: ﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٤٣-٤٤] ، فهي له جل وعلا، ويقول جل وعلا: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٢-٢٣] ، والله جل وعلا لا يأذن إلا لأهل الإخلاص، أما المشركون فإن الله جل وعلا أخبر أن من مات مشركاً فإن الجنة عليه حرام، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة:٧٢] ، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨] . وعلى هذا فما استدل به أهل البدع على نفي الشفاعة من الآيات ليست في المؤمنين الموحدين، وإنما هذه الآيات في الكافرين؛ لأنهم هم الذين لا تنفعهم شفاعة الشافعين، وهم الذين لا تقبل فيهم الشفاعة ولا يقبل منهم الفداء. فالواجب التمييز بين أهل الإيمان الذين ماتوا على الإيمان وإن كان عندهم ذنوب وبين الكافرين، وحقيقة الأمر أن الشفاعة لأهل التوحيد المذنبين الذين ماتوا على كبائر وذنوب استحقوا بها دخول النار أو دخلوا بالفعل، ثم من وراء هذا كله رحمة أرحم الراحمين؛ فإنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وقد جاءت النصوص في أن الله جل وعلا إذا أدخل أهل الجنة الجنة بقي فيها فضل ومساكن ليس فيها أحد، فينشئ الله لها خلقاً جديداً ويسكنهم الجنة، وجاءت النصوص أيضاً في أن الله يخرج أناساً من النار قد احترقوا فليقيهم في نهر من أنهار الجنة، ثم ينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يسكنهم الله جل وعلا الجنة.

стр. 374

شرح العقيدة الواسطية [٢٢] الشفاعة يوم القيامة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وهي رحمة من الله تعالى لعباده، ينجو بها من يشاء الله تعالى له النجاة من النار، وترتفع بها درجات المؤمنين في الجنة، وحقيقتها إرادة الله تعالى إكرام الشافع، ورحمة المشفع له.

стр. 375

الشفاعة لله يقول المصنف ﵀: [ويخرج الله من النار أقواماً بغير شفاعة بل بفضله ورحمته، ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا، فينشئ الله لها أقواماً فيدخلهم الجنة. وأصناف ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب والثواب والعقاب والجنة والنار وتفاصيل ذلك مذكورة في الكتب المنزلة من السماء، والآثار من العلم المأثور عن الأنبياء، وفي العلم الموروث عن محمد ﷺ من ذلك ما يشفي ويكفي فمن ابتغاه وجده. ] تقدمت أقسام الشفاعة وأن منها ما هو عام وما هو خاص، وهذه الأقسام من الأسباب التي ينجو بها من شاء الله جل علا أن ينجو من النار وكل الأمر راجع إلى الله جل وعلا، كما قال جل وعلا: ﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٤٣-٤٤] ، فالملك كله له. وسبق أن حقيقة الشفاعة إرادة الله جل وعلا إكرام الشافع وإظهار ذلك للخلق ورحمة المشفوع له، فالأمر كله لله جل وعلا.

стр. 376

الشفاعة لأهل التوحيد فقط قوله: (ويخرج الله من النار أقواماً بغير شفاعة) يعني: هؤلاء قوم من أهل التوحيد دخلوا النار، أما أهل الشرك وأهل الكفر فلا يخرجون من النار أبداً، كما أخبر الله جل وعلا عنهم بقوله: ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠] ، وهذا معلق على شيء مستحيل، وإذا كان مستحيلاً فخروجهم من النار مستحيل، وسم الخياط هو فتحة الإبرة، ولا يمكن أن يدخل الجمل منها؛ فإنه مستحيل، وكذلك قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧] ، ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة:٢٠] ، و (كلما) للشيء المتجدد الذي لا نهاية له، وإنما الخارج من النار بمشيئة الله ورحمته هم أهل التوحيد الذين أخلوا بشرع الله وأمره وارتكبوا الكبائر فاستحقوا دخول النار، ارتكبوا ذنوباً كثيرة أوبقتهم، ثم إن الله جل وعلا يرحمهم ويخرجهم برحمته، وهؤلاء خارجون عن شفاعة الشفعاء؛ لأنهم ليس عندهم شيء يستحقون به أن يشفع لهم، وقد جاء تعيين الذين يشفع لهم: (من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان) . إلى أن قال: (أدنى أدنى مثقال حبة) ، وبعد ذلك يخرج الله جل وعلا من غير هؤلاء من يدخلهم الجنة وقد احترقوا وكانوا حمماً، فيلقيهم الله جل وعلا في نهر من أنهار الجنة فتنبت أجسادهم كما تنبت البقول والأعشاب، فيعرفون بعد ذلك بأنهم عتقاء الرحمن من النار، وقوله في الحديث: (من كان في قلبه أدنى مثقال حبة من خير، أو قال: من إيمان) يقول العلماء: هذا شيء زائد على أصل الإيمان الذي لا بد منه لدخول الجنة؛ لأن الرسول ﷺ كان يبلغ عن ربه جل وعلا في المجامع أنه: (لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة) وهذا شيء تكاثرت فيه النصوص، وهؤلاء الذين يخرجهم الله جل وعلا من النار بفضله ورحمته عندهم أصل الإيمان.

стр. 377

فضل الله الواسع وكرمه قوله: (ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها) يعني: فضل مساكن، (فينشئ الله لها أقواماً) إنشاءً لم يعملوا أعمالاً يستحقون بها دخول الجنة، ينشئهم فيسكنهم فضل الجنة؛ لأن الله جل وعلا أقسم بعزته أنه سيملأ الجنة ويملأ النار، وأن ذلك وعداً عليه، ولسعة الجنة وكثرة مساكنها يبقى فيها فضل عمن يدخلها ولو بعد الشفاعة، وهذا بمشيئته جل وعلا، وأما ما في الصحيح صحيح البخاري من حديث أبي هريرة: (إن الله ينشئ أقواماً فيسكنهم النار، ولا تزال النار تقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠] فينشئ الله أقواماً فيسكنهم النار) فهذا -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم -: غلط من الراوي انقلب عليه، والبخاري ﵀ بين أن هذا غلط بذكر الصواب بعده في حديث أنس، وأن هذا في الجنة وليس في النار، أما النار فإن الله أقسم بعزته أنه سيملؤها من بني آدم ومن ذرية الشيطان ﴿مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين﴾ [هود:١١٩] ، فهم الذين يملؤون النار، وقد ورد أنها لا تزال تقول: (هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) ، تطلب الزيادة: (فيضع الله جل وعلا فيها رجله - تعالى وتقدس - فينزوي بعضها على بعض -يعني: تتضايق على أهلها- وتقول: (قط قط) يعني: حسبي قد امتلأت، ويكفيني ما ألقي فيّ والله لا يظلم أحداً من خلقه، ولا يسكن النار إلا من جاءته الرسل كما دل على ذلك كتاب الله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا﴾ [الملك:٨-٩] ، ولهذا فكل من ألقي فيها تسأله الخزنة: هل أتاكم من نذير؟ فيقولون: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك:٩] ، ثم قال عنهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠] ، فالذي عنده سمع ينفع وعقل يستفيد منه لا يكون من أصحاب جهنم؛ لأن الأدلة والنذر جاءته، وإنما يكون من أهل النار الذين لم يستفيدوا من أسماعهم وأبصارهم والأدلة التي أقامها الله جل وعلا لهم.

стр. 378

تفاصيل اليوم الآخر ثابتة في الكتاب والسنة ثم قال: (وأصناف ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب والثواب والعقاب والجنة والنار تفاصيل ذلك مذكورة في الكتب المنزلة من السماء، والآثار من العلم المأثور عن الأنبياء، وفي العلم المأثور عن محمد ﷺ من ذلك ما يشفي ويكفي فمن ابتغاه وجده) . سبق أن هذا كله من الإيمان باليوم الآخر، وأن هذا مذكور في القرآن بكثرة، ونصوص المعاد وتفاصيله كثيرة جداً، وقد أخبر الله جل وعلا عن اليوم الآخر بأنه قريب، وأخبر عن شدته وعن عظمته كثيراً، قال جل وعلا: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:١-٣] ، ﴿الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:٢-٣] ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١-٢] ، ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ [مريم:٣٩] في كثير من آيات كتاب الله يحذر فيها عن هذا اليوم؛ لما فيه من الفظائع والعظائم، وتفاصيله موجودة في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ تفسر ذلك وتوضحه، والأنبياء الذين قص الله قصصهم علينا في القرآن نصوا على هذا فإبراهيم ﵇ يقول: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٨٢] إلى آخر ما طلب من ربه، ونوح ﵇ أنذر قومه وقال: ﴿أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ نَبَاتاً * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً﴾ [نوح:١٧-١٨] إلى آخره وهكذا بقية الأنبياء يذكرون هذا اليوم ويحذرون منه ويخبرون أقوامهم بأنهم سيكونون بين يدي الله ويجازيهم بما عملوا. أما رسولنا ﷺ لكون أمته هي آخر الأمم فقد جاء بتفصيل ذلك تفصيلاً دقيقاً، كأنه يشاهد ذلك اليوم، وهذا من الأمور التي يجب على الإنسان أن يطلبها، وأن يتعرف عليها ثم يعمل على ذلك، وهي كثيرة وموجودة.

стр. 379

شرح العقيدة الواسطية [٢٣] الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، لا يصح الإيمان إلا به، قد ضلت في هذا الباب طوائف كثيرة؛ لأنهم حكموا عقولهم، وخاضوا فيه بآرائهم، فأتوا بالأقوال المتناقضة الباطلة، وهدى الله أهل السنة والجماعة، فلم يتعمقوا في هذا الباب؛ لأنه سر الله، ولم يحكموا عقولهم وآراءهم؛ بل نظروا إلى أدلة الشرع كلها وآمنوا بجميعها، فكان قولهم وسطاً بين طرفين، وهدى بين ضلالتين.

стр. 380

أهل السنة والجماعة هم الفرقة الناجية يقول المصنف ﵀ رحمة واسعة: [وتؤمن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة بالقدر خيره وشره. والإيمان بالقدر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين: فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلاً وأبداً، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي، والأرزاق والآجال، ثم كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلق. فأول ما خلق الله القلم قال له: اكتب! قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفت الأقلام وطويت الصحف، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠] وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢] وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلاً: فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء. وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه: (بعث إليه ملكاً فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: اكتب: رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد) ونحو ذلك. فهذا التقدير قد كان ينكره غلاة القدرية قديماً، ومنكره اليوم قليل] . انتقل المصنف إلى أصل آخر من أصول الإيمان التي لابد منها، والذي لا يؤمن به لا يكون مؤمناً بل لا يكون مسلماً يعني: يكون كافراً وهو: الإيمان بالقدر. فقال: (وتؤمن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة بالقدر خيره وشره) . وقد سبق شرح قوله: (الفرقة الناجية) وأن الناجية: وصف للفرقة وأن النجاة تكون في الدنيا أولاً ثم تكون في الآخرة، أما النجاة في الدنيا فهي أنهم لا يفتتنون في دينهم، ولا ينكصون على أعقابهم ولا ينالهم أذى، بل ربما قتلوا وربما أصيبوا بأضرار كثيرة ولكن الله يثبتهم على دينهم فيكونون على ذلك منصورين، كما حصل لأولياء الله جل وعلا السابقين من الرسل وغيرهم، فإنهم ثبتوا على الدين وإن قتل من قتل منهم ومع ذلك فهم منصورون وناجون؛ لأن الذي يثبت على عقيدته وعلى أمر الله جل وعلا منفذاً له في طاعة الله يكون منصوراً. وقوله: (أهل السنة والجماعة) وصف للفرقة الناجية بأنهم أهل السنة، يعني: اتبعوا رسول الله ﷺ فيما سنه، وتمسكوا بذلك، وهم أهل جماعة ليسوا أهل فرقة؛ لأن من صفة هذه الفرقة أن تجتمع على الحق امتثالاً لأمر الله كما قال جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] فالتفرق ليس من صفة هذه الفرقة بل هو من صفة أهل البدع.

стр. 381

الشر لا يضاف إلى الله جل وعلا وقوله: (بالقدر خيره وشره) يعني: الشيء الذي يضر والشيء الذي يسر، فكل ما وقع للإنسان من خير أو شر فهو مقدر من الله، وإضافة الشر إلى القدر ليس معنى ذلك أن الشر يضاف إلى الله جل وعلا ولكنه يضاف إلى المفعولات وإلى المخلوقات، وليست المفعولات أفعاله بل المفعول غير الفعل، ففعل الله يوصف به، ولكن المفعول هو المخلوق المحدث، كما قال الله جل وعلا: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:٢] يعني: من شر الذي خلقه، فالشر في المخلوق؛ لأن الشر يكون من مخالفة أمر الله وعدم امتثاله هذا هو مصدره، أما الشيء الذي يفعله الله: خلقاً وإيجاداً وأمراً فليس فيه شر وإنما فيه خير، وله فيه حكمة وعدل، ولهذا لا يكون شراً، والشر يكون إضافياً؛ ولهذا لم تأت إضافة الشر إلى الله جل وعلا في شيء من النصوص، بل جاء نفي ذلك كما قال أعلم الخلق به صلوات الله وسلامه عليه: (والشر ليس إليك) يعني: لا نسبة ولا فعلاً فلا ينسب إليه، وليس هو من أفعاله، فأفعاله كلها خير، وإنما الشر يكون بسبب فعل المخلوق، ويكون ذلك داخلاً في تقديره تعالى وتقدس؛ لأن كل شيء ملك له وتحت تصرفه.

стр. 382

أقسام الشر في القرآن والشر في كتاب الله جل وعلا جاء على ثلاثة أقسام: القسم الأول: دخول الشر في عموم خلق الله جل وعلا: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦] فلم يأت أن الله خلق الشر أبداً وإنما دخل في العموم: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) . القسم الثاني: أن الشر إذا جاء في كتاب الله حذف فاعله كما قال مؤمن الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ [الجن:١٠] ولما جاء الرشد والخير أضافه إلى الله والشر حذف فاعله؛ لأنه من المخلوق. القسم الثالث: أن يضاف إلى المخلوق كقوله جل وعلا: (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) وهذا هو الأدب الذي يجب أن يسلك؛ ولهذا يقول الرسول ﷺ : (والشر ليس إليك) ينزه ربه أن يكون الشر مضافاً إليه لا وصفاً ولا فعلاً.

стр. 383

درجات الإيمان بالقدر ومراتبه قال: (والإيمان بالقدر على درجتين، وكل درجة تتضمن شيئين) هذا بالتفصيل.

стр. 384

المرتبة الأولى من مراتب الدرجة الأولى من درجات القدر: العلم ثم قال: (الدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم) . القديم هنا المراد به: الأزلي الذي لم يسبق بعدم، يعني: ليس له مبدأ، فعلم الله صفة من صفاته، والله هو الأول بلا بداية وكذلك صفاته؛ لأن الله بعلمه وبسمعه وببصره وبسائر صفاته: أول بلا بداية، ليس له مبدأ وهذا معنى الأزل، وعلم الله علم بالأشياء على الدقة وعلى الإحصاء لكل شيء، فلا يقع شيء ولا وقع شيء إلا وقد علمه الله جل وعلا بعلمه القديم الأزلي قبل وجوده، هذا شيء يجب اعتقاده ومن لم يعتقد هذا ولم يؤمن به فإنه ليس بمؤمن، ولهذا اتفق العلماء على أن من أنكر علم الله الأزلي أنه كافر، كما قال الشافعي وغيره لمن أنكر القدر: ناظروهم بالعلم فإن أقروا به خصموا، وإن أنكروه كفروا، وهذا معناه: أنه يسأل: هل علم الله جل وعلا هذه الأشياء في علمه الأزلي قبل وجودها؟ فإن أقر أنه علمها خصم، يعني: يلزمه الإقرار بالقدر، وإن أنكر ذلك كان كافراً. هذه الدرجة الأولى وهي: الإيمان بعلم الله الذي ليس له مبدأ، وعلم الله لا يخرج منه شيء فهو عليم بكل شيء، وهذا على العموم، فهو سبحانه يعلم ما سيقع، وأنه سيقع على الصفة التي وقع عليها، وفي الزمن والوقت المحدد الذي وقع فيه لا يتعداه ولا يزيد ولا ينقص عن علم الله جل وعلا، فعلم الله لا يتغير، وسيأتي الكلام على ما يستشكله بعض الناس في بعض النصوص في ذلك، فالعموم في هذا على إطلاقه يعني: أن الله: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٩] ولا يخرج من علمه شيء، أي: الأشياء الممكنة الواقعة، والأشياء الممكنة غير الواقعة، أما الشيء المستحيل الممتنع فهذا يعلم الله جل وعلا أنه لا يقع؛ لأنه ممتنع، فعلمه لا يخرج عنه شيء، وهذا مثل: كون الشيء موجوداً معدوماً في آن واحد، فهذا لا يسمى شيئاً؛ لأنه مستحيل غير ممكن، وأما الشيء الذي يطلق عليه أنه ليس في الوجود وإن علم أنه يوجد، فهذا يكون ليس شيئاً في ذلك الوجود في ذلك الوقت وجوداً وعيناً، ولكنه شيء في علم الله، علم الله أنه سيكون شيئاً كما قال الله جل وعلا: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ [مريم:٩] ، ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ [الإنسان:١] يعني: ليس شيئاً مشاهداً ولا موجوداً، ولكنه شيء مكتوب في علم الله، أي: علمه الله، أما الشيء المستحيل الممتنع فإنه لا يدخل في هذا ولا يكون شيئاً ومع ذلك يعلم الله جل وعلا أنه ليس بشيء، ولهذا لما ادعى الكفار أن لهم آلهة تشفع لهم عند الله قال جل وعلا: ﴿أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [يونس:١٨] يعني: أن هذا لا يقع ولا يمكن أن يقع فالله يعلم أنه لا يقع، فإذا كان لا يقع فهو ليس بشيء وإنما هو زعم ودعوى فقط. والشيء الذي يمكن وهو لم يقع يعلم الله جل وعلا أنه لو وقع سيكون على كذا وكذا، كما قال جل وعلا: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨] أخبرنا ربنا جل وعلا أن أهل النار لا يردون إلى الدنيا فهذا لا يقع، ومع ذلك أخبر أنه لو قدر أن هذا يحصل ويوجد فإنهم سيعودون إلى أفعالهم وكفرهم وفجورهم، فعلم الله عام وشامل لا يخرج عنه شيء، ويجب أن يكون على عمومه وشموله.

стр. 385

تغيرّ الأقدار أما ما جاء أن الأقدار قد تتغير: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر:١١] ، وفي الحديث: (لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا صلة الرحم) وأن الدعاء يعتلج مع البلاء حتى يرده وما أشبه ذلك، فهذا في الواقع ليس فيه إشكال، وكذلك قوله: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] هنا يوجد محو ويوجد إثبات، وأخبر أن عنده أصل الكتاب، وأصل الكتاب ليس فيه محو ولا إثبات، والجواب عن هذا: أولاً: قوله: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ) قال المفسرون: الضمير هنا يعود إلى غير المعمر (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ) أي: من عمر معمر آخر، يعني: ما يعمر من معمر فيكون عمره طويلاً، وكذلك لا ينقص من عمر معمر آخر فيكون عمره قصيراً: (إِلاَّ فِي كِتَابٍ) يعني: كل شيء مكتوب وليس نفس المعمر هو الذي ينقص من عمره، وقالوا: هذا مثاله أن تقول: عندي دينار ونصفه، فالنصف ليس هو نصف الدينار الأول، وإنما هو نصف دينار آخر، وهذا مثله. وأما ما جاء في الحديث من أن الدعاء يرد القدر، وأن الصلة تزيد في العمر، فهذا ليس فيه معارضة؛ لأن الدعاء نفسه من القدر الذي قدره الله وكتبه، وقد علم أن هذا الشخص يدعو فيكون هذا الدعاء سبباً في صرف البلاء الذي لو لم يدع لأصابه، وكذلك الصلة فإن الصلة مقدرة ومكتوبة في الأزل: أن هذا الشخص يصل رحمه ويكون ذلك سبباً في زيادة العمر وقد كتب ذلك، وأن الآخر لا يصل ويكون ذلك سبباً في نقصان عمره، وليس كما يقول بعضهم: إن الإنسان يكتب له أجلان: أجل طويل فيما إذا وصل، وأجل قصير فيما إذا قطع، فيكون هذا فعل المتردد الذي لا يدري هل يقع هذا، أو يقع هذا؟ تعالى الله عن ذلك، وإنما الصواب أن هذا من باب ذكر الأسباب وخلقها، والأسباب مقدرة كلها، ثم قال عمر ﵁ لما جيء إليه بسارق، وسأله: لم سرقت؟ فقال: هذا بقدر الله، فقال: وأنا أقطع يدك بقدر الله! فكل شيء مقدر، ولكن اللوم على الفاعل الذي يرتكب الجرم وهو الذي يستحق العقاب. فالله تعالى: عالم بما الخلق عاملون بعلمه الأزلي، ولا يقع شيء من أعمال العباد -وإن دقت- إلا وقد علمه الله وكتبه. قوله: (وعلم جميع أحوالهم) أي: علم الأعمال التي سيعملونها، وهذا يشمل كل شيء: الشيء الذي يثابون عليه ويعاقبون عليه، والشيء الذي لا يثابون عليه ولا يعاقبون عليه، حتى اختلاج عروق الإنسان وحركتها بدون إرادته! فلا تقع حركة في هذا الكون إلا وقد علمها الله جل وعلا، وكذلك يعلم حركات الأشجار وسقوط أوراقها كما أخبر الله جل وعلا عن ذلك في كتابه في الآية رقم (٥٩) من سورة الأنعام، وكل ذلك علمه قبل وجوده بعلمه الأزلي القديم؛ لأن علمه كامل وتام لا يسبقه جهل تعالى الله، ولا يلحقه نسيان. فالطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال كلها معلومة له.

стр. 386

المرتبة الثانية من مراتب الدرجة الأولى من درجات القدر: الكتابة الشيء الثاني: الكتابة أنه كتب علمه بالخلق الذي سيقع، والكتابة: هي إثبات العلم وليس لأجل أنه ينسى تعالى الله وتقدس: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ [مريم:٦٤] تعالى وتقدس ولكن لحكمته فهذه الدرجة أيضاً يجب الإيمان بها، ففي سنن أبي دواد وغيرها عن عبادة عن النبي ﷺ أنه قال: (أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة) يعني: أنه خلق القلم فأمره بالكتابة، وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (كتب الله مقادير الأشياء قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء) والنصوص في هذا كثيرة. والكتابة تنقسم إلى: كتابة عامة، وكتابة خاصة، وهذا سيأتي ذكره عند ذكر المؤلف له. وقوله: (ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق) اللوح المحفوظ: محفوظ عن الاطلاع عليه والمشاهدة من قبل الخلق، وحفظ عن التغيير والتبديل والزيادة والنقص، أما صفته وأين هو؟ فهو بلا شك في السماء، ولكن لا نعرف صفته، وإنما علينا أن نؤمن بأن كل شيء كتب فيه، واللوح هو محل الكتابة، وهذه الكتابة جرت بأمر الله وقدرته، والقلم أمر بالكتابة فكتب، والقلم ليس عليماً بكل شيء، وإنما الله جل وعلا أمره بالكتابة فكتب بقدرة الله الأشياء التي علمها الله، والخلق لا يعلمون ذلك حتى الملائكة. وهذه كتابة عامة شاملة ويجب الإيمان بها، ولا يطلع على اللوح أحد من خلقه إلا من يطلعه على شيء من جزئياته ممن يشاء من الملائكة وغيرهم. وقوله: (فأول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة) هذا حديث عن النبي ﷺ كما عرفنا، وليس معنى ذلك الإخبار بأن القلم هو أول المخلوقات، فهذا ليس مقصوداً بدليل حديث عبد الله بن عمرو فإنه قال: (كتب الله مقادير الأشياء قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء) فالكتابة حصلت والعرش كان على الماء، فالماء والعرش موجودان وقت الكتابة, ومعلوم أن العرش والماء مخلوقان من المخلوقات، وهذا في صحيح مسلم، فالصواب في هذا كما قال أهل التحقيق: إن قوله: (أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب) جملة واحدة، والمقصود بها: أن الكتابة حصلت بعد خلق القلم مباشرة بدون فاصل، بل لما خلقه أمره بالكتابة، هذا معنى قوله: (أول ما خلق الله القلم) . وقوله: (ما هو كائن إلى يوم القيامة) المقصود به: الأمور التي تحصل من الدقيق والجليل فكلها مكتوبة. إذاً: فالدرجة الأولى: الإيمان بعلم الله العام الشامل.

стр. 387

لا حجة للمبطلين في استدلالهم بمحاجة آدم وموسى والثانية: الإيمان بكتابته لعلمه، وبهذا يتبين أنه ليس بين العلم والكتابة معارضة لعمل الإنسان؛ لأن الله جل وعلا علم أن هذا المخلوق سيوجد في وقت كذا ويعمل كذا وكذا باختياره وقدرته فكتب علمه، فالكتابة ليست مرغمة للإنسان، كما يتوهمه من يعارض الرب جل وعلا، أو من يبرر كفره ومعصيته وعناده، فلا حجة لمحتج في ذلك، أما ما جاء في الصحيحين، في قصة محاجة موسى وآدم ﵉، قال ﷺ : (قال موسى: يا ربي! أرني آدم الذي أخرجنا من الجنة ونفسه، فأراه الله آدم، فقال له موسى: أنت آدم أبو البشر الذي خلقك الله بيده، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي كتب الله لك التوراة بيده، وكلمك بلا واسطة، كم وجدت في التوراة بين خلقي وبين قول الله جل وعلا: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١] ؟ قال: قبل أن تخلق أربعين سنة، فقال: أتلومني على شيء كتب علي قبل أن أخلق بأربعين سنة، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى) يذكر ذلك ثلاثاً، يعني: غلبه بالحجة. احتج بهذا بعض المبطلين وقالوا: إن القدر حجة للإنسان على عمله، وهذا باطل؛ وذلك أن موسى لا يمكن أن يكون لام آدم على الذنب الذي تاب منه؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب عليه، ولومه معصية، وموسى ﵇ لا يمكن أن يفعل هذا، وإنما لامه على المصيبة، والمصيبة هي التي وقعت فيه وفي الناس، وهي الخروج من الجنة، والمصيبة ليست فعل آدم، وإنما كتبت عليه؛ فلهذا قال: إن هذا شيء مكتوب عليه، أما الفاعل فلا يجوز أن يحتج بالقدر على فعله، بل يجب عليه أن يقول: أستغفر الله وأتوب إليه من فعلي، أما أن يبرر لنفسه ويحتج بالقدر فهذا فعل الشيطان، وبهذا يتبين لنا أن معنى الحديث غير ما ذهب إليه هؤلاء، وهذا يجب أن يفهم لئلا يلتبس الأمر على المسلم. وبعض العلماء يقول: القدر يحتج به على المصائب لا على المعائب، يعني: إذا وقع بالإنسان مصيبة لا يمكن استدراكها ولا يمكن رفعها، فمثل هذا يقول: الحمد لله هذا قدره الله علي، أما العيب والذنب فالواجب التوبة والإقلاع منه والاستغفار منه، ولا يحتج الإنسان عليه بالقدر. قوله: (فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه) يعني: هذا معنى الإيمان بالقدر، يؤمن بأن ما أصابه لا يمكن أن يخطئه، وما أخطأه لا يمكن أن يصيبه، وكلمة: لو فعلت كذا لكان كذا وكذا، هذه جاء اللوم عليها في الأقدار، وهي من عمل الشيطان ولا يجوز قولها؛ لأنها خطأ محض، فالذي يقع لا يمكن أن يتغير، الواقع لا يمكن أن يتغير، قد علمه الله جل وعلا ووقع وإن كان هناك أسباب؛ لأن الله جل وعلا كتب الأسباب والمسببات، وكل شيء له سبب، ولكن لا يقع إلا ما كتبه الله وعلم أنه يقع. قوله: (وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفت الأقلام وطويت الصحف) قوله: (جفت الأقلام وطويت الصحف) أي: أن الأمور فرغ منها وانتهت، ولا يقع إلا ما كتبه الله وأراده، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠] لأن كل شيء بقدرته جل وعلا، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢] فقوله: (أن نبرأها) إما أن يعود الضمير على الأرض، أو يعود على النفس التي أصيبت، وكلاهما صحيح، والمعنى: قبل وجودها، والبرء: هو الخلق والتمييز.

стр. 388

مواضع الإجمال والتفصيل في القدر قوله: (وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلاً) فالكتابة في اللوح المحفوظ هي الجملة، والتفصيل كما في حديث عبد الله بن مسعود: أنه إذا وضعت النطفة في الرحم، ومضى عليها أربعون يوماً، ثم أربعون يوماً، يأتي إليها ملك ويكتب أربعة أشياء: الرزق، والأجل، والأعمال التي سيعملها من خير وشر، وشقاوته وسعادته التي تترتب على أعماله، هذه كتابة خاصة وهي مكتوبة في اللوح المحفوظ، ولكن نقلت من اللوح المحفوظ إلى الصحيفة التي يكتبها الملك لهذا المخلوق، وهذا في كل واحد. وكذلك من الكتابات التفصيلية: الكتابة التي تكون بيد الملائكة عندما يبلغ الإنسان خمسة عشر سنة -وهو سن التكليف- فإنها تكتب عليه أعماله، وهذه الأعمال التي تسجل عليه موجودة في اللوح المحفوظ قبل وجوده، فهذا تفصيل لما سبق. وكذلك من التفصيل ما يكون تفصيلاً من وجه وعاماً من وجه آخر: فما يكتبه الله جل وعلا في ليلة القدر كما قال الله جل وعلا: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤] جاءت الآثار بأن الله يكتب ما يقع في هذه السنة في تلك الليلة، وهي ليلة القدر، فهذا من جهة العموم، ومن جهة التفصيل كونه كتب بعد ما كتب سابقاً فهو تفصيل، والمقصود أن الكتابة تكون عامةً وتكون في محل مفصلة، ولهذا قال: فقد كتب الله في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكاً فيؤمر بأن يكتب أربعة أشياء، وهذا الحديث من الأحاديث الأصول في باب القدر.

стр. 389

إنكار غلاة القدرية للعلم والكتابة قوله: (فهذا التقدير قد كان ينكره غلاة القدرية قديماً، ومنكره اليوم قليل) يقصد بهذا: أن العلم والكتابة هما أول ما أنكره غلاة القدرية في باب القدر، وهذا كفر بلا خلاف، ومن فعل ذلك فهو كافر، وإنكار القدر بدأ في آخر عهد الصحابة، وأول من عرف بالقول به معبد الجهني فقتل على ذلك كافراً؛ لأنه أنكر علم الله وأنكر كتابته وتبرأ منه الصحابة كما في صحيح مسلم أن عبد الله بن عمر قال: (والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه في سبيل الله لم يقبل الله جل وعلا منه شيئاً حتى يؤمن بالقدر خيره وشره) ، ثم استدل على ذلك بقوله ﷺ : (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) والأدلة في هذا كثيرة، وهكذا قال ابن عباس وغيره من الصحابة الذين أدركوا هذه البدعة الكفرية، والواقع أن معبد الجهني ليس هو أول من قال بالقدرة، بل هذا من الأمور التي تبنتها الماسونية من اليهود والمجوس؛ لأنهم لما رأوا انتصار المسلمين واجتماعهم على العقيدة ورأوا أن مواجهتهم بالقوة غير ممكنة، عملوا على إفساد العقائد، فصار هذا من نتائجها، وكذلك القول بنفي الصفات وغيرها، كلها من آثار تلك المؤامرة، ولا تزال هذه المؤامرات تعمل عملها, ولكن لها لبوس في كل وقت، ولها فنون، ولها رجال ولها دول وهذا شيء معروف يعرفه العقلاء.

стр. 390

الإيمان بنفاذ مشيئة الله وشمول قدرته أما الدرجة الثانية: فتتضمن شيئين: الشيء الأول: مشيئة الله النافذة، المشيئة يجب أن تكون عامة شاملة، وقوله (نافذة) يعني: أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وهذا من الأمور التي يؤمن بها المسلمون، ولا يخالفون فيها، فمن خالف فيها فهو خارج عن صفة المسلمين، فمشيئة الله وحده هي التي تمضي وتنفذ، وكل المسلمين يقولون: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وهذا أمر اتفقوا عليه، وفطروا عليه، وعلموه صغيرهم وكبيرهم، فهذه درجة الإيمان بمشيئة الله النافذة. ومن الضلال أن يقول قائل من هؤلاء الضلال: إن الله شاء من الكافر الإيمان، وشاء الكافر الكفر؛ فوجدت مشيئة الكافر وتخلفت مشيئة الله، فهذا ضلال وهو قول القدرية الذين لا يزالون موجودين، وهو ضلال بين وواضح، وهؤلاء هم الذين سماهم الرسول ﷺ فيما يروى كما في السنن: (مجوس هذه الأمة) وذلك أن المجوس يؤمنون بخالقين: خالق الشر وخالق الخير، أو إله النور وإله الظلمة، وإله النور عندهم خير يخلق الخير ويريده، وإله الظلمة شرير يخلق الشر ويريده، وهذا في الواقع شيء يخالف الفطرة؛ لأنه ليس هناك إلا خالق واحد. ولكن وجه الشبه أن هؤلاء جعلوا الناس هم الذين يخلقون أفعالهم: فالكافر يخلق الكفر، والمؤمن يخلق الإيمان، وقالوا: إنه ليس لله مِنَّة على المؤمن، وليس له فضل تفضل به عليه، فالمؤمن يؤمن باختياره وقدرته ومشيئته، والكافر يكفر باختياره وقدرته ومشيئته، مع أن الله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] ويقول جل وعلا: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات:٧-٨] . وهؤلاء إذا قوبلوا بمثل هذه الآية يقولون: معنى تزيين الإيمان في قلب المؤمنين وتكريه الكفر، أن يقول لهم: إن الكفر جزاؤه النار، وإن الإيمان جزاؤه الجنة، وهذا كفعل الذين يحرفون كلام الله.
следующие страницы →